← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فالآيات تتحدث عن الكفار، فإن الله تعالى قال في الآية التي قبلها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (١). ٢ - ومما جرى بينه وبين ابن عباس أنه ناظره في معنى الورود الوارد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٢)، وكان نافع يرى أن الورود ليس بمعنى الدخول ليتفق مع مذهبه القائل بخلود من دخل النار، وعدم خروجه منها، فقال له ابن عباس: «الورود الدخول، فقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٣)، وقال له: أورود هو أم لا؟ ، وقرأ قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٤)، وقال: أورود هو أم لا؟ ، ثم قال: أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ ، وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، فضحك نافع، فقال ابن عباس: ففيم الضحك إذاً؟ ! » (٥). - وفي بعض الروايات أن ابن عباس لما ذكر له أن الورود بمعنى الدخول تلا

стр. 317

نافع قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ (١)، فقال ابن عباس: «ويلك أمجنون أنت؟ ! ، أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ ، والله إن كان من دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالماً، وأدخلني الجنة غانماً» (٣). القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار . ولأن الخوارج يعتقدون خلود من دخل في النار، فقد نفوا قبول الشفاعة فيمن دخلها، وردوا الأدلة الدالة على ذلك، وعارضوها بالآيات التي تدل على خلود الكفار في النار، ثم تأولوها على المؤمنين، ومن نقد هذا الأصل لديهم: ١ - عن يزيد الفقير قال: «كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج (٤)، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج، ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا

стр. 318

على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم؛ جالس إلى سارية عن رسول الله ﷺ ، قال: فإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ ! والله يقول: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (١)، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ (٢)، فما هذا الذي تقولون؟ ! ، قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ ، قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇؟ - يعني الذي يبعثه الله فيه - قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج، قال: ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قوماً يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم (٣)، قال: فيدخلون نهراً من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس، فرجعنا وقلنا: ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟ ! ، فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد» (٤). ٢ - وعن طلق بن حبيب قال: «كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية ذكرها الله فيها خلود

стр. 319

أهل النار، فقال: يا طلق أتراك أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة رسول الله ﷺ ؟ فاتضعت له، فقلت: لا والله بل أنت أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنته مني، قال: فإن الذي قرأت أهلها هم المشركون، ولكن قوم أصابوا ذنوباً فعذبوا بها، ثم أخرجوا، صمتا - وأهوى بيديه إلى أذنيه - إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرجون من النار»، ونحن نقرأ ما تقرأ» (١). وقد سبق أن طلقاً كان يرى الإرجاء، وهذا مما تكاد تجمع عليه المصادر التي ترجمت له، ولم يذكر أحد منهم أنه رجع عن مذهبه (٢)، والأثر الذي بين أيدينا يدل على أنه يرى رأي الخوارج القائل بتخليد من دخل النار، فلعله - والله أعلم - رجع عن مذهب الخوارج بعد مناظرة جابر ﵁، لكنه وقع في الإرجاء، وفي الأثر ما يدل على رجوعه، فإنه قال: كنت من أشد الناس تكذيباً بالشفاعة، وكذا قوله: فاتضعت له، يشعر باقتناعه بكلام جابر ﵁، والله أعلم. ٣ - وقال رجل للحسن: «يا أبا سعيد أرأيت ما تذكر من الشفاعة أحق هو؟ ، قال: نعم، فقال الرجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ

стр. 320

فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟ ، فقال الحسن: إنك والله لا تسطو علي بشيء، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله، فقال الرجل: يا أبا سعيد فيم دخلوها ثم خرجوا؟ ، قال: كانوا أصابوا ذنوباً في الدنيا، فأخذهم الله بها، فأدخلهم بها، ثم أخرجهم بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به» (١). ثانياً: الشيعة . أهم القضايا التي انتقد الصحابة والتابعون الشيعة فيها مما يتعلق بتفسير القرآن الغلو في أهل البيت، فبسبب غلو الشيعة فيهم تأولوا بعض الآيات على أن المراد بها أهل بيت النبي ﷺ ، وأشاعوها في الناس، ومما جاء في نقدهم: ١ - عن محمد بن الحنفية (٢) قال: «قلت لأبي: يا أبت أنت التالي في: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (٣) قال: لا والله، يابني وددت أني كنت أنا هو، ولكنه لسانه» (٤).

стр. 321

٢ - وقال رجل لابن عباس: «إن ناساً بهذا العراق يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة، ويتأولون هذه الآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، فقال ابن عباس: كذب أولئك، إنما هذه الآية للناس عامة، ولعمري لو كان علي مبعوثاً قبل يوم القيامة ما أنكحنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه» (٢). ٣ - وعن الشعبي ﵀ قال: «أكثر الناس علينا في هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣)، فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب ابن عباس: إن رسول الله ﷺ كان أوسط بيت في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا قد ولده، فقال الله : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ إلى ما أدعوكم إليه إلا أن تودوني بقرابتي منكم وتحفظوني بها» (٤). ٤ - وعن عكرمة في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٥) قال: «ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي ﷺ » (٦).

стр. 322

* ومما اشتهر به الشيعة إيجاب مسح الرجلين في الوضوء، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) حيث عطف الأرجل على الرؤوس الممسوحة، ورُد عليهم هذا الفهم بأنه لم يوافقهم أحد عليه، بل العمل على خلافه مع كونهم يقرؤون بجر أرجلكم (٢): ١ - فعن عطاء ﵀ أنه قال عند تفسير هذه الآية: «لم أر أحداً يمسح على القدمين» (٣). ٢ - وعن الأعمش ﵀ قال: «كانوا يقرؤونها: (بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) بالخفض، وكانوا يغسلون» (٤). ثالثاً: القدرية . والمراد بهم نفاة القدر، وظهر هؤلاء في عهد الصحابة ﵃، وتقدم عن

стр. 323

يحيى بن يعمر أنه قال لابن عمر: «يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُف» (١). والقدرية في بداية ظهورهم أنكروا علم الله تعالى بالأشياء، وزعموا أن الأمر أنف، وأن الله تعالى لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه إلا بعد وقوع ذلك منه، وقد اشتد إنكار الصحابة عليهم كأبي هريرة وابن عمر وابن عباس ﵃ مما أدى إلى انقراض قولهم (٢)، ومما جاء فيهم (٣): أنه قيل لعلي ﵁: «يا أمير المؤمنين إن ها هنا قوماً يقولون: إن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون، فقال: ثكلتهم أمهاتهم من أين قالوا هذا؟ ، قيل: يتأولون القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٤)، فقال علي ﵁: من لم يعلم هلك، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس تعلموا العلم واعملوا به وعلموه، ومن أشكل عليه شيء

стр. 324

من كتاب الله فليسألني، إنه بلغني أن قوماً يقولون: إن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون لقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ الآية، وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ يقول: حتى نرى من كتب عليه الجهاد والصبر إن جاهد وصبر على ما نابه وأتاه مما قضيت عليه» (١). فهؤلاء القوم فهموا من قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وقد خَطَّأ عليٌّ فهمهم ورده عليهم لدلالة النصوص الكثيرة على أن الله يعلم كل شيء - ما كان وما سيكون - دون استثناء، فلا بد لهذه الآية من معنى آخر غير ما فهموه كي يتفق مع الآيات الأخرى، وهو ما بينه علي ﵁ من أن العلم المذكور هو علم الوقوع والوجود (٢). ويفيد أثر علي ﵁ أن القول بالقدر بدأ في عهده، وجاء عن يحيى بن يعمر أنه قال: «كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني» (٣)، فيحتمل أنه وأصحابه

стр. 325

كانوا يثيرون مسائل القدر في خلافة علي ﵁ كما في الأثر المتقدم، ثم تبنى معبد القول بالقدر بعد ذلك، وعرف به واشتهر عنه، فإنه شهد يوم التحكيم، ولقي أبا موسى ﵁ ووصاه في أمر التحكيم، ثم اجتمع بعمرو بن العاص ووصاه في ذلك، فقال له عمرو ﵁: «إيهاً تيسَ جهينة! ما أنت وهذا، لست من أهل السر ولا من أهل العلانية، والله ما ينفعك الحق ولا يضرك الباطل» (١)، والله أعلم. ثم ظهر بعد هؤلاء الغلاة قوم أخف بدعة منهم، فكانوا يقرون بعلم الله بالأشياء، لكنهم ينكرون تقديره لها، ويزعمون أن العبد يستقل بفعل الخير والشر (٢)، وكان السلف يحتجون علىهم بالعلم، كما جاء عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال لغيلان: «ألست تقر بالعلم؟ ، قال: بلى، قال: فما تريد؟ ! ؛ إن الله يقول: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾» (٣). * وينتهز بعض القدرية الفرصة لإخراج بعض الأشياء عن أن تكون داخلة في القدر، وذلك عند ورود الآيات العامة في أن كل شيء بتقدير الله، فعن عبيد الله بن عمر قال: «كان يحيى بن سعيد يحدثنا، فيسيح علينا مثل اللؤلؤ، فإذا

стр. 326

طلع ربيعة [يعني ربيعة الرأي (١)] قطع يحيى حديثه إجلالاً لربيعة، وإعظاماً له، قال عبيد الله: فتلا يحيى بن سعيد هذه الآية يوماً: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٢)، فقال جميل بن نباتة العراقي (٣): يا أبا سعيد أرأيت السحر من خزائن الله التي تنزل؟ ، فقال يحيى: مه ما هذا من مسائل المسلمين، وأُفْحِمَ القوم، فقال عبد الله بن أبي حبيبة (٤): إن أبا سعيد ليس من أصحاب الخصومة، إنما هو إمام من أئمة المسلمين، ولكن عليَّ فأقبل، أما أنا فأقول: إن السحر لا يضر إلا بأذن الله، فتقول أنت غير ذلك؟ ، قال: فسكت ولم يقل شيئاً، قال عبيد الله: فكأنما كان علينا جبل فوضع عنا» (٥). ويظهر أن الرجل السائل من أهل القدر الذين ينفون أن تكون أعمال العباد كلها داخلة تحت مشيئة الله تعالى.

стр. 327

رابعاً نقد تفسير المتشابه ورد في الكتاب والسنة ذم تتبع متشابه القرآن وطلب تأويله، فمن الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). ومن السنة قول النبي ﷺ عندما تلا الآية السابقة: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم» (٢). وعلى هذا المنهج سار السلف الصالح من الصحابة والتابعين ﵃، فحذروا من اتباع المتشابه وتأويله. وكي ندرك - بوضوح - موقف الصحابة والتابعين من تفسير المتشابه وتأويله؛ ينبغي أولاً معرفة مفهومهم له.

стр. 328

فأكثر تعريفات الصحابة والتابعين ومن بعدهم تتفق على أن المتشابه هو ما كان في معناه خفاء، وهذا موافق لمعنى المتشابه في اللغة؛ حيث يطلق على الملتبس، فيقال: اشتبهت الأمور وتشابهت: إذا التبست وأشبه بعضها بعضاً، ويقال: شبه عليه الأمر: إذا لبس عليه (١). وإذا تأملنا تعريفات السلف الاصطلاحية للمتشابه أمكن تقسيمه إلى قسمين (٢): القسم الأول: المتشابه المطلق، وهو ما لا يتمكن أحد من تأويله، كأن يكون الله تعالى استأثر بعلمه، وهذا القول مروي - أيضاً - عن جابر بن عبد الله ﵁ (٣). وعلى هذا المعنى يحمل قول ابن عباس ﵄ عندما قسم التفسير إلى أربعة أوجه،

стр. 329

فذكر منها: «وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب» (١). ويندرج تحت هذا القسم صور: الصورة الأولى: حقيقة صفات الله والإحاطة بكنهها وكيفيتها، وهي متشابهة من هذه الجهة، أما من حيث معرفة معانيها ودلالتها فهي من المحكم، كما قال الإمام مالك عن الاستواء: الاستواء معلوم، والكيف مجهول (٢). ومما يدل على دخولها في المتشابه ما جاء عن طاوس قال: «سمعت رجلاً يحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة هذا (٣)، فقام رجل فانتفض، فقال: ما فرق

стр. 330

هؤلاء يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟ ! » (١). الصورة الثانية: ما أخبر الله به عن الساعة وأشراطها وما يقع فيها، فإنه لا يعلم وقته وقدره ونوعه وصفته إلا الله (٢). الصورة الثالثة: الحروف المقطعة عند من يرى أنه لا سبيل إلى معرفة المراد بها، فابن عباس في بعض أقواله يرى أنها من المتشابه (٣). وعن داود بن أبي هند (٤) قال: «كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور، فيقول: يا داود إن لكل كتاب سراً، وإن سر هذا القرآن فواتح السور فدعها، وسل

стр. 331

عما بدا لك» (١). القسم الثاني: المتشابه النسبي الذي يتفاوت الناس في معرفته، فيعرفه بعضهم ويخفى على آخرين، ويندرج تحت هذا القسم صور: الصورة الأولى: المنسوخ، والقول بأنه من المتشابه مروي عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك والسدي (٢). وقد سبق بيان مفهوم المنسوخ عند السلف وأنه أعم من المنسوخ الاصطلاحي، فيشمله ويشمل كل نص تُرك ظاهره لمعارض راجح، مثل: المطلق إذا جاء ما يقيده، والعام إذا جاء ما يخصصه، والمجمل إذا ورد ما يبينه. ووجه كون هذه الثلاثة من المتشابه احتمالها أكثر من معنى، ووجود الاحتمال مظنة الاشتباه عند بعض الناس، وتوهم إرادة بعض المعاني، فإذا جاء التقييد والتخصيص والبيان رفع ما يتوهم دخوله في معنى الآية، ولذا عُدت هذه الأشياء قبل ورود مبيناتها من المتشابه. وأما وجه دخول المنسوخ الاصطلاحي في المتشابه؛ فلأن الناس مأمورون بالإيمان المجمل به دون الوقوف على تفصليه بخلاف الناسخ، فإنهم مأمورون

стр. 332

بالعمل به، فيلزمهم معرفة تفصليه (١). وجاء في كلام السدي ما يدل على أن المنسوخ بمعناه الواسع داخل في المتشابه، ففي قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال ﵀: «يتبعون المنسوخ والناسخ، فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعمل بهذه الأخرى، هلاّ كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نسخت؟ ! ، وما باله يعد العذاب من عمل عملاً يعذبه في النار، وفي مكان آخر من عمله فإنه لم يوجب النار؟ » (٢). الصورة الثانية: ما احتمل أوجهاً من التأويل، وعدم القطع بأحد احتمالات التأويل يجعل الآية مشتبهة خفية المعنى عند من لم يقطع بشيء فيها، وقد صنف الطبري تحت هذه الصورة قول محمد بن جعفر بن الزبير (٣) في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، قال: «فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت

стр. 333

عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق» (١). والآيات التي تحتمل أكثر من وجه في التأويل يحتاج المفسر فيها إلى بعض المرجحات ليصل إلى المعنى المراد. الصورة الثالثة: الآيات التي يظهر منها التعارض، وهذه تشتبه على بعض الناس، فلا يعرف - بدقة - وجه تأويلها، ولا يمكنه الوقوف على معناها الصحيح إلا بالنظر في الأدلة الأخرى للترجيح أو الجمع بينها (٢). ولما سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن بعض الآيات التي ظاهرها التعارض، قال له ابن عباس: «إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن» (٣). ومما تقدم يتبين سعة مفهوم المتشابه عند الصحابة والتابعين، فهم يعتبرون كل ما أشكل معناه والتبس على بعض الناس فهمه متشابهاً، قال ابن تيمية: «ولهذا كان السلف رضي الله تعالى عنهم يسمون ما أشكل على بعض الناس حتى فهم منه

стр. 334

غير المراد متشابهاً» (١). والتقسيم المتقدم للمتشابه من حيث معرفة تأويله. وهناك تقسيم آخر للمتشابه من حيث حكم الخوض في تفسيره وتأويله، وهو مقصود البحث ومحط الاهتمام، وهو وثيق الارتباط بالتقسيم السابق؛ إذ لا يمكن معرفة الجائز من تأويل المتشابه من غير الجائز عند الصحابة والتابعين ﵃ وغيرهم إلا بالتصور التام لمرادهم به. والمتشابه الذي انتقد الصحابة والتابعون طلب تأويله، وعليه تحمل النصوص الواردة عنهم في ذمه هو: * المتشابه المطلق الذي لا يمكن إدراك معناه، والمنع من تأويل هذا النوع ظاهر. * والمتشابه النسبي الذي يتفاوت الناس في معرفته، وانتقاد الصحابة والتابعين لمن طلب تأويل هذا النوع ليس على إطلاقه، وإنما في بعض الحالات، كمن يبحث في معنى المتشابه أو يسأل عنه على سبيل التعنت وضرب القرآن بعضه ببعض؛ لا على سبيل الاسترشاد وطلب فهم المعنى، وحين ذم القرآن الكريم

стр. 335

متبعي المتشابه ذكر صفتهم المنفرة عنهم، وهي زيغ قلوبهم وانحرافها، وذكر علتهم ومقصدهم في اتباع المتشابه، وهي اتباعه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وهذان الأمران - أعني زيغ القلوب وابتغاء الفتنة - يمنعان المرء من الوصول إلى المعنى الصحيح للآية (١). ومن صور الفتنة التي يسعى إليها من يطلب تفسير المتشابه ويثير الأسئلة حوله: اتباع المتشابه للاستدلال به على أهوائه وآرائه، وتفسيره بما يتفق مع مذهبه ومعتقده، وفي المقابل مجادلة أهل السنة ومخاصمتهم به، والتشكيك في قناعات ومعتقدات عامة الناس، ومما يؤكد إرادته الفتنة أنه في مقابل اتباع المتشابه يدع الآيات الواضحة البينة المحكمة التي لا لبس فيه ولا غموض، ولا تحتاج إلى تكلف تأويلها، كمن يترك قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (٣)، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ (٤)، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٥)، فيدع هذه الآيات المحكمات الصريحة في

стр. 336

وحدانية الله، ويزعم أن الله تعالى ثالث ثلاثة، أو أن المسيح ابن الله، ويستدل بالمتشابه من آيات الكتاب كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ (١)، وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (٢)، وهؤلاء النصارى لهم نظير من أهل البدع؛ فكم تركوا من الآيات المحكمات وتعلقوا ببعض المتشابه، وردوا بها نصوصاً صريحة صحيحة. ومن أمثلة ذلك: ١ - اتباعُ القدرية قوله تعالى: ﴿ ... اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٤)، وتركُ الآيات التي بينتها، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥). ٢ - اتباع الخوارج لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٦)، وترك مبينه وهو

стр. 337

قوله: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (١)، وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وقد علق الشاطبي على هذه الأمثلة بقوله: «وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك، ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل لوصلوا إلى المقصود» (٣). طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه: سلك الصحابة والتابعون ﵃ طرقاً مختلفة في انتقاد متبعي المتشابه؛ نظراً للخطر الكبير الذي يمثله من يتبع المتشابه ويطلب تأويله وأثره السيئ على الفهم السليم للقرآن الكريم، وما يتبع ذلك من انحراف بعض الناس عن الحق، ووقوعهم تحت تأثير تأويلاتهم الباطلة، والطرق التي سنذكرها عنهم ليس المستهدف فيها من يتبع المتشابه فحسب، وإنما يدخل في بعضها أهل الحق على سبيل وقايتهم وحمايتهم من تتبع المتشابه وطلب تأويله، ومن الطرق التي سلكها الصحابة والتابعون ما يأتي:

стр. 338

أولاً: التشنيع على متبعي المتشابه والإنكار عليهم، وبيان سوء سبيلهم ومسلكهم، وقد يصل الأمر إلى تأديبهم، ومن شواهده: ١ - تأديب عمر ﵁ لصبيغ، وجاء في بعض الروايات أنه كان يسأل عن متشابه القرآن (١)، وسياق القصة يدل على أنه كان معروفاً بهذا الأمر، ففي بعض الروايات: أنه قيل لعمر: «يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهم أمكني منه، فبينما عمر ﵁ ذات يوم يغدي الناس؛ إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة يتغدى، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ (٢)؟ ، فقال عمر ﵁: أنت هو! » (٣)، ثم ضربه وحبسه، وأمر المسلمين بهجره (٤). وقد بين ابن تيمية وجه كون الآيات التي سأل عنها صبيغ من المتشابه، فقال: «والذاريات، والحاملات، والجاريات، والمقسمات فيها اشتباه، لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة، ويحتمل غير ذلك، إذ ليس في اللفظ ذكر الموصوف، والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان السحاب وما تحمله من

стр. 339

الأمطار ومتى ينزل المطر؟ ، وكذلك في الجاريات والمقسمات، فهذا لا يعلمه إلا الله» (١). وقال ابن كثير: «وكأنه - والله أعلم - إنما ضربه لما ظهر من حاله أن سؤاله سؤال استشكال، لا سؤال استرشاد واستدلال، كما يفعله كثير من المتفلسفة الجهال والمبتدعة الضلال، فنسأل الله العافية في هذه الحياة الدنيا وفي المآل» (٢). ٢ - وسأل ابن الكواء (٣) علي بن أبي طالب ﵁ فقال: «يا أمير المؤمنين ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ (٤)؟ ، فقال: ويلك سل تفقهاً، ولا تسأل تعنتاً» (٥).

стр. 340

وفي رواية أن علياً ﵁ قال له: «ويلك! والله ما العلم تريد» (١). ٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: «يقرأ القرآن رجلان، فرجل له فيه هوى ونية، يفليه فلي الرأس يلتمس أن يجد فيه أمراً يخرج به على الناس أولئك شرار أمتهم، أولئك يعمي الله عليهم سبل الهدى، ورجل يقرؤه ليس فيه هوى ولا نية، يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به، وما اشتبه عليه وكله إلى الله، ليتفقهن فيه فقهاً ما فقهه قوم قط، حتى لو أن أحدهم مكث عشرين سنة، فليبعثن الله له من يبين له الآية التي أشكلت عليه، أو يفهمه إياها من قبل نفسه» (٢). ٤ - وكان ابن عباس ﵄ إذا سأله رجل وعرف من حاله أنه يريد البحث عن المتشابه ذكَّره بصنيع عمر مع صبيغ، وأنه بحاجة إلى مثله، فعن القاسم بن محمد قال: «سمعت رجلاً سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضاً، ثم قال

стр. 341

الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ ، قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ ! ؛ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب ﵁» (١). وجاء في بعض الروايات أن الرجل من أهل العراق (٢)، وظاهرٌ أنه لم يكن يسأل سؤال استرشاد، وإنما أراد الاستشكال والتعنت، فشبه ابن عباس حاله بحال صبيغ الذي كان يسأل عن المتشابه. ٥ - وعنه ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: «يحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم» (٣). ثانياً: بيان أن تتبع المتشابه وطلب تأويله من منهج المبتدعة وطريقتهم في فهم النصوص والاستدلال بها، وأنه من أسباب ضلالهم، وهذا وجه من أوجه نقد اتباع المتشابه وذمه؛ لما له من أثر في نفور الناس من سلوك هذا المسلك واتباعه،

стр. 342

ومن شواهده: ١ - عن ابن عباس أنه ذكر له الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، فقال: «يؤمنون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه» (١). ٢ - وحين رأى أبو أمامة ﵁ (٢) رؤوس قتلى الخوارج قال: «كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار، شر قتلى تحت ظل السماء، شر قتلى تحت ظل السماء، ثم بكى، فقال له أبو غالب (٣) - الراوي عنه -: يا أبا أمامة ما شأني أراك تبكي؟ ! ، قال: أرحمهم أنهم كانوا مسلمين، قلت: بم؟ ، قال: يا أبا غالب أتقرأ سورة آل عمران؟ قلت: نعم، قال: اقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، فهم هؤلاء يا أبا غالب، قال: ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ

стр. 343

تَكْفُرُونَ﴾ (١)، هم هؤلاء يا أبا غالب، فقلت: يا أبا أمامة أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أو شيء بلغك عنه، قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ لا مرة ولا اثنتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً ولا خمساً ولا ستاً ولا سبعاً، إني إذاً لجريء، إني إذاً لجريء، إني إذاً لجريء» (٢). ٣ - وعن سعيد بن جبير قال: «المتشابهات آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرؤوهن، ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى، ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣)، ثم يقرؤون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٤)، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق

стр. 344

قالوا: قد كفر، فمن كفر عدل به، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه، فهؤلاء الأئمة مشركون ومن أطاعهم، فيخرجون فيفعلون ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية، وفتحت لهم هذه الآية باباً كبيراً، وقولهم فيه لغير الحق» (١). ٤ - وعن سعيد (٢) قال: «كان قتادة يحيل هذه الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ على الخوارج وأهل البدع» (٣). ٥ - وكان ﵀ ينعى على المبتدعة اتباعهم المتشابه، فعند قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤) قال: «إذاً والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك» (٥).

стр. 345

٦ - وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾: «طلب القوم التأويل فأخطئوا التأويل، وأصابوا الفتنة، فاتبعوا ما تشابه منه، فهلكوا من ذلك» (١). ٧ - وقال أيوب ﵀: «ما أعلم أحداً من أهل الأهواء إلا يخاصم بالمتشابه» (٢). ثالثاً: حث الأتباع والتلاميذ على الإيمان بالمتشابه والتسليم به، والإمساك عن الكلام فيما يشتبه على المرء من نصوص الكتاب، وهذا الأسلوب كالذي قبله له أثر في كف الناس عن الانسياق خلف المبتدعة وما يلقونه من شبه حول القرآن وتفسيره، وهي تربية أرشد إليها القرآن عندما ذكر حال الراسخين في العلم مع الآيات المتشابهة، وأنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وإذا كان هذا هو حال الراسخين في العلم فمن دونهم من باب أولى. ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك: ١ - قول معاذ ﵁: «أما القرآن فمنار كمنار الطريق، ولا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحداً، وما شككتم فيه فكلوه إلى عالم» (٣).

стр. 346

٢ - وعن أبي بن كعب ﵁ قال: «كتاب الله ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك، فآمن به وكله إلى عالمه» (١). ٣ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «إن للقرآن مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما شبه عليكم، أو قال: تشبه عليكم فكلوه إلى عالمه» (٢). ٤ - وعن الحسن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (٣) قال: «يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه» (٤). ٥ - وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) كيف استوى؟ ، فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق» (٦).

стр. 347

رابعاً: الاستعانة بالسنة النبوية في بيان المتشابه والرد على مثيريه، وهذا سبيل مهم في إفحام متبعي المتشابه وإسكاتهم عندما يتعلقون ببعض الآيات، فتأتي السنة كاشفة لشبهاتهم، فلا يجد المرء إلا التسليم والإذعان، والسنة مبينة للقرآن ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، ولأهمية السنة في كشف متشابهات الكتاب العزيز أوصى بها الصحابة ﵃ في التصدي لأهل الضلال، ومن شواهده: ١ - قول عمر بن الخطاب ﵁: «إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (٢).

стр. 348

٢ - وأوصى الزبير بن العوام ﵁ ابنه فقال: «لا تجادل الناس بالقرآن، فإنك لا تستطيعهم، ولكن عليك بالسنة» (١). ٣ - وتقدم أن ابن عباس ﵄ خرج إلى الخوارج وناظرهم، فاحتجوا عليه بآيات من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وقالوا: إن علياً حكم الرجال، ولم يحكم بما أنزل الله، فرد عليهم ابن عباس واستدل بالسنة على ضعف استدلالهم بالآية (٣)، وجاء أن علياً ﵁ أوصاه بذلك، وقال له: «إن خاصموك بالقرآن فخاصمهم بالسنة» (٤). خامساً: القيام بتفسير المتشابه وبيانه، والجمع بينه وبين الآيات التي يظن معارضتها له، وقد نبه ابن تيمية إلى أن الصحابة والتابعين قاموا بتفسير المتشابه ولم

стр. 349

يحجموا عنه، وقرر ذلك من وجهين: الوجه الأول: ما جاء عنهم أنهم فسروا القرآن كله، يقول: «ما في القرآن آية إلا وقد تكلم الصحابة والتابعون لهم بإحسان في معناها، وبينوا ذلك» (١)، وذكر بعض الشواهد على ذلك (٢). الوجه الثاني: ما نقل عن بعضهم أنه فسر الآيات المتشابهة كأبي بن كعب وابن عباس (٣). وينبغي تنزيل كلام ابن تيمية على أنهم فسروا المتشابه النسبي الذي يمكن لبعض الناس معرفته. وهناك دواع اقتضت قيام الصحابة والتابعين بتفسير المتشابه الذي ذموا طلب تأويله، ويمكن حصرها في أمرين: الأمر الأول: الرد على مغرض يسعى لإحراجهم بإثارة المتشابه وطلب تأويله، أو يسعى لضرب القرآن بعضه ببعض، وقد يكون لكلامه تأثير في السامعين، ومثل هذا ينبغي الرد عليه لئلا يتسبب في ضلال أحد أو انحرافه، ومن

стр. 350

شواهده: ١ - أن نفراً من أهل نجران - وفي بعض الروايات أنهم يهود - قالوا لعمر ﵁ وعنده أصحابه: «أرأيت قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (١) فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ ، فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة». ٢ - ووقع لابن عباس مثل ذلك، فقد سأله رجل من أهل الكتاب عن ذلك فأجاب بجواب عمر (٢). ٣ - عن سعيد بن جبير قال: «قال رجل قال لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣)، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤)، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٥)، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٦)،

стр. 351

فقد كتموا في هذه الآية؟ ، وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ (١)، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ (٢)، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء؟ ، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣)، ﴿كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٤)، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٥)، فكأنه كان ثم مضى؟ ، فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٦)، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقل: لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٧)، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى

стр. 352

إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿دَحَاهَا﴾، وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، سمى نفسه بذلك، وذلك قوله؛ أي: لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاً من عند الله» (١). قال ابن حجر: «وحاصل ما وقع السؤال أربعة مواضع: الأول: نفى المسائلة يوم القيامة وإثباتها، الثاني: كتمان المشركين حالهم وافشاؤه، الثالث: خلق السموات والأرض أيهما تقدم؟ ، الرابع: الإتيان بحرف "كان" الدال على الماضي مع أن الصفة لازمة. وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المسائلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك، وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم، وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة، ثم خلق السماء فسواها في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين، فتلك أربعة أيام للأرض، وعن الرابع بأن كان وأن كانت للماضي،

стр. 353

لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل المراد أنه لم يزل كذلك» (١). وهذا الرجل هو نافع بن الأزرق، قال ابن حجر: «كأن هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن بمكة ويسأله ويعارضه» (٢). وقد جاء التصريح باسمه في بعض الروايات المختصرة، فقد أخرج الطبري أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: «يا بن عباس قولَ الله ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٤)؟ ، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقى على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نقل، فيسألهم فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم،

стр. 354

فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم، ولا يكتمون الله حديثاً» (١). وفي بعض الروايات: أن نافعاً سأل ابن عباس عن قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢)، و ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (٣)، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤)، و ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٥) فما هذا؟ ، فقال ابن عباس: ويحك هل سألت عن هذا أحداً قبلي؟ ! ، قال: لا، قال: أما إنك لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٦)؟ ، وإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لون من هذه الألوان (٧). الأمر الثاني: أن يسأل شخص عن المتشابه طالباً تأويله، فيجاب عن سؤاله؛

стр. 355

لما احتف به من القرائن الدالة على سلامة هدفه، وحسن قصده، كأن يظهر منه رغبة في التعلم ومعرفة مراد الله من كلامه، أو يكون مراده المحافظة على قدسية القرآن الكريم وسلامته من الاختلاف والتناقض، لكونه سمع شبهة حول بعض الآيات، فلجأ إلى العلماء لكشفها وبيانها (١)، وكان الصحابة والتابعون ﵃ يجيبون مثل هذا السائل برفق من غير تعنيف؛ لكونهم علموا هدفه ورغبته في معرفة الحق، وبيان المتشابه والحالة هذه من تمام التدبر لكتاب الله. ومن شواهده: ١ - قال رجل لابن عباس: «إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٤)، وقد أنزل الله في شوال وذي القعدة وغيره! ، قال: إنما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام» (٥).
следующие страницы →