← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فقد كتموا في هذه الآية؟ ، وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ (١)، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِعِينَ﴾ (٢)، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء؟ ، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣)، ﴿كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٤)، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٥)، فكأنه كان ثم مضى؟ ، فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٦)، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقل: لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية (٧)، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى

стр. 352

إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿دَحَاهَا﴾، وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، سمى نفسه بذلك، وذلك قوله؛ أي: لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاً من عند الله» (١). قال ابن حجر: «وحاصل ما وقع السؤال أربعة مواضع: الأول: نفى المسائلة يوم القيامة وإثباتها، الثاني: كتمان المشركين حالهم وافشاؤه، الثالث: خلق السموات والأرض أيهما تقدم؟ ، الرابع: الإتيان بحرف "كان" الدال على الماضي مع أن الصفة لازمة. وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المسائلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك، وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم، وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة، ثم خلق السماء فسواها في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين، فتلك أربعة أيام للأرض، وعن الرابع بأن كان وأن كانت للماضي،

стр. 353

لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل المراد أنه لم يزل كذلك» (١). وهذا الرجل هو نافع بن الأزرق، قال ابن حجر: «كأن هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن بمكة ويسأله ويعارضه» (٢). وقد جاء التصريح باسمه في بعض الروايات المختصرة، فقد أخرج الطبري أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: «يا بن عباس قولَ الله ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٤)؟ ، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقى على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نقل، فيسألهم فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم،

стр. 354

فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم، ولا يكتمون الله حديثاً» (١). وفي بعض الروايات: أن نافعاً سأل ابن عباس عن قوله : ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢)، و ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (٣)، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤)، و ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (٥) فما هذا؟ ، فقال ابن عباس: ويحك هل سألت عن هذا أحداً قبلي؟ ! ، قال: لا، قال: أما إنك لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٦)؟ ، وإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لون من هذه الألوان (٧). الأمر الثاني: أن يسأل شخص عن المتشابه طالباً تأويله، فيجاب عن سؤاله؛

стр. 355

لما احتف به من القرائن الدالة على سلامة هدفه، وحسن قصده، كأن يظهر منه رغبة في التعلم ومعرفة مراد الله من كلامه، أو يكون مراده المحافظة على قدسية القرآن الكريم وسلامته من الاختلاف والتناقض، لكونه سمع شبهة حول بعض الآيات، فلجأ إلى العلماء لكشفها وبيانها (١)، وكان الصحابة والتابعون ﵃ يجيبون مثل هذا السائل برفق من غير تعنيف؛ لكونهم علموا هدفه ورغبته في معرفة الحق، وبيان المتشابه والحالة هذه من تمام التدبر لكتاب الله. ومن شواهده: ١ - قال رجل لابن عباس: «إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٤)، وقد أنزل الله في شوال وذي القعدة وغيره! ، قال: إنما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام» (٥).

стр. 356

٢ - وجاء رجل إلى عكرمة فقال: «أرأيت قول الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (١)، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٢)؟ ! ، فقال عكرمة: إنها مواقف؛ فأما موقف منها فتكلموا واختصموا، ثم ختم الله على أفواههم، فتكلمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذٍ لا يتكلمون» (٣). ٣ - وعن الربيع بن أنس (٤) قال: «قلت لأبي العالية قال الله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ (٥)، وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ فكيف هذا؟ ، قال: نعم، أما قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾، فهؤلاء أهل الشرك، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، فهؤلاء أهل

стр. 357

القبلة يختصمون في مظالمهم» (١). وسؤال الربيع لأبي العالية يختلف عن السؤال الموجه لعكرمة، فحاصل الإشكال الذي سئل عنه عكرمة الجمع بين نفي الكلام المستفاد من آية المرسلات، وإثباته المستفاد من إثبات الاختصام في آية الزمر، أما ما أشكل على الربيع فهو الجمع بين نفي الاختصام يوم القيامة في سورة ق، وإثباته في سورة الزمر. ومما سبق ندرك أن الصحابة والتابعين لم يتوقفوا عن الكلام في المتشابه بالجملة، وإنما تكلموا في المتشابه الذي يتفاوت الناس في معرفته وإدراكه على ما سبق بيانه. وقد قال ابن عباس ﵄ عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: «أنا ممن يعلم تأويله» (٢). وجاء عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: «الراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون: آمنا به» (٣).

стр. 358

خامساً نقد الجدال في القرآن: يلتقي انتقاد الصحابة والتابعين ﵃ للجدال في القرآن مع ما جاء في السنة من النهي عنه، وهناك ارتباط بين الجدال في القرآن وبين التفسير؛ ذلك أن المجادل في القرآن ينزع إلى فهم خاص يسعى جاهداً لتقريره، وقد يدفعه انتصاره للمعاني التي يفهمها من الآيات إلى مجادلة خصمه لإثبات صحتها، وصرف خصمه عن المعنى الصحيح، وإقناعه بما فهم هو من كتاب الله، وهذه حال من اعتقد رأياً واجتهد في تأييده من القرآن، فإنه إذا نوزع فيه جاء بالآيات التي توافق مذهبه، وأولها بما يتفق مع رأيه ومذهبه (١). وقد جاء عن الصحابة والتابعين بيان خطر الجدال في القرآن وذمه، والتحذير من مجالسة من ينتحل هذا الأمر: ١ - فعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لزياد بن حُدَيْر (٢): «هل تعرف ما يهدم

стр. 359

الإسلام؟ ، قال: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين» (١). ٢ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: «إنما أخشى عليكم زلة عالم، وجدال منافق في القرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منار كمنار الطريق، ومن لم يكن غنياً من الدنيا فلا دين له» (٢). وجاء مثل هذا القول عن معاذ وسلمان الفارسي ﵄ (٣). ٣ - وعن معاوية ﵁ قال: «إن أغرى الضلالة لرجل يقرأ القرآن فلا يفقه فيه، فيعلمه الصبي والعبد والمرأة والأمة، فيجادلون به أهل العلم» (٤). ٤ - وعن أبي العالية ﵀ قال: «آيتان في كتاب الله ما أشدهما على الذين

стр. 360

يجادلون في القرآن، ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١)، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾» (٢). ٥ - وعن أبي جعفر قال: «لا تجالسوا أصحاب الخصومات، فإنهم الذين يخوضون في آيات الله» (٣). ومن معاني الخوض في آيات الله تعالى تحريفها ووضعها في غير موضعها، وردها والتكذيب بها إذا كان معناها يخالف هواه (٤)، وجاء في القرآن ذمه والأمر بالإعراض عن أصحابه وترك مجالستهم في قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٥). ٦ - وقال عون بن عبد الله: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تخاصموهم، فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض» (٦).

стр. 361

ونهيُ الصحابة والتابعين عن الجدال في القرآن داخل في النهي عن مناظرة أهل البدع ومجادلتهم بعامة في القرآن وغيره، والتحذير من مجالسة أهل الأهواء ومحادثتهم والاستماع إليهم؛ حتى لو تعلق الأمر بسماع آية أو حديث، ومن أقوالهم في ذلك: ١ - قول أبي قلابة: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون» (١). ٢ - وقول الحسن وابن سيرين: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم» (٢). ٣ - وقال رجل للحسن: «تعال أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه» (٣).

стр. 362

وقد يبدو هذا متعارضاً مع ما جاء عن الصحابة والتابعين - وتقدم بعضه - أنهم جادلوا غيرهم في القرآن وغيره، فلا بد من معرفة الحد الفاصل بين ما انتقدوه وذموه وبين ما فعلوه، فهم حين ينتقدون الجدال في القرآن، أو يسوغونه ويفعلونه ينطلقون من مبررات وأهداف صحيحة، فينبغي حمل كل حالة على ما يليق بها: الجدال المذموم: جنس المناظرة والمجادلة من حيث الأصل فيها المحمود والمذموم، والحق والباطل، ولذا فهي تمدح وتذم بحسب مقاصدها وأهدافها (١). وتنقسم الأهداف والمقاصد التي من أجلها انتقد الصحابة والتابعون الجدال في القرآن إلى قسمين: القسم الأول: أهداف ومقاصد تعود إلى الموافقين، كالخشية من إفساد عامتهم، فإن الحق إذا كان ظاهراً يعرفه كل أحد، فأتى بعض من في قلبه مرض ليصرفهم عنه ويدعوهم إلى بدعته، فالواجب حينئذٍ منعه من تحقيق غرضه ورده وزجره عن ذلك، وعدم إفساح المجال له، وتمكينه من التأثير في الناس، وعرض شبهه في القرآن على عامتهم عن طريق المناظرة والمجادلة، وقد يكون فيهم من لم يكن سمع بها من قبل، وليس لديه من العلم والإيمان ما يدفع بها تلك الشبه، ويزداد الخطر على العامة إذا رأوا من المناظر ضعفاً في الحجة، أو انقطاعاً في

стр. 363

المناظرة، وعلى هذا يحمل ما جاء من النهي عن المناظرة والمجالسة والمحادثة. ولهذا السبب الأخير فقد يعود الضرر على المناظِر نفسه، فإنه إذا كان ضعيف العلم بالحجة لم يؤمن إفساد المبطل له، وتقدم قول أبي قلابة لما نهى عن مجالستهم ومناظرتهم: «فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون». القسم الثاني: مقاصد تعود إلى المخالفين، كأن لا يكون هناك فائدة مرجوة من مجادلتهم، بأن يظهر منهم العناد والمكابرة، وعدم قبول الحق بسبب اتباع الهوى أو فساد الإدراك، ولذلك يقيد السلف النهي عن المناظرة بمناظرة أهل الأهواء وجدال المنافق كما سلف، وهذان الصنفان ليس دافعهما في المجادلة الرغبة في الوصول إلى الحق، والفهم الصحيح لكتاب الله، وإنما الهوى والرغبة في التأثير في الخصم (١). وقد يقع بين أهل الحق في مناظراتهم شيء مما يقع من أهل الباطل، حين يخرج الجدل عن إطاره الشرعي، فيقع بعض المتجادلين تحت تأثير حب الظهور على خصومه ومغالبتهم، ومحبة انقطاعهم في المناظرة، وقد يدعوه انتصاره لنفسه إلى الإصرار على فهمه والمنافحة عن رأيه، وقد يقع فيما هو أعظم من ذلك، فيرد الحق

стр. 364

الذي يأتي به مناظره، وحينئذٍ يصبح من المراء المنهي عنه في عموم قوله ﷺ : «مراء في القرآن كفر» (١). وقد أوجز ابن تيمية ما سبق بقوله: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال» (٢). ومن المقاصد التي تعود إلى المخالفين أن الحد من مناظرتهم والتقليل منها قدر الإمكان يؤدي إلى قلة من يستمع إليهم ويناقشهم، وهذا له أثر في غيظهم وقهرهم وكمدهم، ولذلك قال أيوب ﵀: «لست براد عليهم بشيء أشد من السكوت» (٣). الجدال المحمود: وقد يحيط بالموقف ظروف وملابسات تجعل مناظرة المبطلين وجدالهم في القرآن أمراً محموداً؛ يصل في بعض المواقف إلى درجة الوجوب، ومن الأهداف والمقاصد المشروعة للجدال:

стр. 365

١ - أن يرى المناظر الحاجة ماسة إلى المناظرة، لعدم وجود من يقوم بها غيره، ويرى في نفسه الأهلية لكونه من أصحاب الحجة والبيان، ويرجو بمناظرته أن يهدي الله خصمه بمناظرته، وكان ابن سيرين ينهى عن الجدال إلا رجلاً إن كلمته طمعت في رجوعه (١)، وتقدم جدال ابن عباس للخوارج ورجوع كثير منهم بسبب ذلك (٢). ٢ - أن يكون المرء في مجلس فيتكلم أحد الناس بكلام فيه بلية وفتنة، وليس في المجلس من لديه حجة على مقابلته، وقد يخفى على الحاضرين ما يرمي إليه، فيخشى إن سكت أن يؤثر فيهم بما يلقيه من شبه حول الكتاب العزيز، فيرجو بمجادلة الخصم وإفحامه تثبيت من في المجلس، وكشف شبهاته لهم (٣). ٣ - أن يقصد بمناظرته إقامة الحجة على بعض الناس، وقد لا يتأتى ذلك إلا بالمجادلة والمناظرة ونقض الأدلة التي يستدل بها، كما فعل عمر بن عبد العزيز ﵀ مع الخوارج والقدرية (٤)، وقد عقد ابن عبد البر باباً في "جامع بيان العلم وفضله" في إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وساق نصوصاً كثيرة لإثباتها في إظهار الحق

стр. 366

وإزهاق الباطل (١). وقد وقع بين الصحابة والتابعين جدال حول دلالة بعض الآيات، ولم يرد عنهم ذم من فعله، ومن شواهده أن زر بن حبيش (٢) قال: «قلت لحذيفة بن اليمان: أصلى رسول الله ﷺ في بيت المقدس؟ ، قال: لا، قلت: بلى، قال: أنت تقول ذاك يا أصلع! بم تقول ذلك؟ ، قلت: بالقرآن، بيني وبينك القرآن، فقال حذيفة: من احتج بالقرآن فقد أفلح، فقال زر: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٣)، قال: أفتراه صلى فيه؟ ، فقلت: لا، قال: لو صلى فيه لكتبت عليكم الصلاة فيه، كما كتبت الصلاة في المسجد الحرام. قال حذيفة: أتي رسول الله ﷺ بدابة طويلة الظهر ممدودة هكذا، خطوه مد

стр. 367

بصره، فما زايلا ظهر البراق (١) حتى رأيا الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم رجعا عودهما على بدئهما» (٢). ومما سبق يتبين أن السلف وعلى رأسهم الصحابة والتابعون لم يكونوا منغلقين على أنفسهم؛ محجمين عن الجدال بالكلية، وبالمقابل لم يكونوا متسامحين إلى حد يؤدي إلى تمادي المبطلين، كما أن هذا المنهج المعتدل في الجدال لم يقلل من حرصهم على عامة المجتمع وحمايتهم من التأثيرات الخارجية والأفكار المنحرفة.

стр. 368

سادساً نقد تفاسير القُصَّاص يسبق إلى الذهن عند ذكر القُصَّاص أنهم من يسرد القصص والأخبار، بيد أنهم في العرف الاصطلاحي أعم، فيراد بهم المتصدرون لوعظ الناس وتذكيرهم وحثهم على الخير وترهيبهم من الشر، ويدل لذلك أن تميماً الداري (١) حين استأذن عمر بن الخطاب ﵄ في أن يقص، قال له: «ما تقول؟ ، قال: أقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير وأنهاهم عن الشر» (٢). ولعلهم سموا بالقُصَّاص لعنايتهم بأمر القصص والأخبار، وهذا متفق مع معنى القصِّ لغة؛ إذ يعني الإخبار بالشيء، فيقال: قص عليه الرؤيا إذا أخبره بها، والقاص هو الذي يأتي بالقصة على وجهها (٣).

стр. 369

وفي قصة تميم واستئذانه لعمر ما يدل على أن عمر توقف في الإذن له حتى ألحَّ عليه، فعن عمرو بن دينار (١): «أن تميماً الداري استأذن عمر في القصص، فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه، فأبى أن يأذن له، ثم استأذنه، فقال: إن شئت، وأشار بيده يعني الذبح» (٢). وعن السائب بن يزيد (٣) قال: «لم يكن يقص على عهد رسول الله ﷺ ولا أبي بكر، وكان أول من قص تميم الداري؛ استأذن عمر بن الخطاب أن يقص على

стр. 370

الناس قائماً، فأذن له عمر» (١). ويستفاد من ذلك أمران: الأول: أن ظهور القُصَّاص كان مبكراً في خلافة عمر. الثاني: أن القُصَّاص كانوا يمارسون وظيفتهم بشكل محدود، وتوقف عمر عن الإذن لتميم يدل على أن الأمر ليس معتاداً، أضف إلى ذلك أن النبي ﷺ لم يرخص في القصص لكل أحد في قوله: «لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال» (٢)،

стр. 371

ولذلك بقي القصص في نطاقه الضيق؛ من قبل الولاة أو من ينيبونهم، وبقي على هذه الحال حتى ظهرت الفتن بعد مقتل عثمان ﵁، فتوسع الناس- خاصة المبتدعة - في القصص، ولعلهم صنعوا ذلك رغبة في التأثير على عامة الناس واستمالتهم إلى مذاهبهم، ولذا يرد عن بعض السلف أن الذي أحدث القصص أهل البدع، وجاء عن بعضهم أن الذي أحدثها الحرورية، ومرادهم - والله أعلم - اشتهار القصص وكثرتها وظهورها بصورة مخالفة لما عليه الصدر الأول بسبب دخول المبتدعة فيها، وارتكابهم بعض المخالفات والبدع (١)، ولذلك اشتد إنكار الصحابة والتابعين على القصاص، وتنوعت أساليبهم، ومن أبرزها: ١ - الإنكار القولي على القصاص، فعن عمرو بن زرارة (٢) قال: «وقف عليَّ عبد الله بن مسعود وأنا أقص في المسجد، فقال: يا عمرو لقد ابتدعتم بدعة ضلالة،

стр. 372

أو أنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه، فلقد رأيتهم تفرقوا عني، حتى رأيت مكاني ما فيه أحد» (١). وعن ميمون بن مهران ﵀ قال: «القاص ينتظر المقت من الله» (٢). ٢ - منعهم من الكلام في المساجد وإخراجهم منها، فقد أمر علي بن أبي طالب ﵁ بإخراج القصاص من المساجد (٣). واستعان ابن عمر بالشرطة في إخراج قاص من المسجد عندما رفض الخروج (٤). ٣ - ترك الجلوس إليهم أو الاستماع إلى كلامهم، والاشتغال عنه بالأحاديث الجانبية، فعن سالم: «أن ابن عمر كان يخرج من المسجد فيلقاه الرجل، فيقول: ما شأنك يا أبا عبد الرحمن؟ ، فيقول: أخرجني القاص» (٥).

стр. 373

وكان بعض التابعين يتحدث والقاص يقص؛ إشارة إلى عدم الاهتمام به (١). دواعي نقد القصاص (٢): ومن أهمها: أولاً: اشتمال مجالس القصاص على بعض البدع والحوادث، فقد مر ابن عمر بقاص، وقد رفعوا أيديهم، فقال: «اللهم اقطع هذه الأيدي» (٣). ثانياً: ما اتصف به كثير من القُصَّاص من عدم الوعي وقلة الفقه، والبعد الظاهر عن العلم وأهله، وترتب على ذلك ضعف التحصيل العلمي لمن يجلس إليهم، ومن شواهده:

стр. 374

١ - قول أبي إدريس الخولاني ﵀ (١): «لأن أرى في طائفة المسجد ناراً تتقد أحب إلي من أرى فيها رجلاً يقص ليس بفقيه» (٢). ٢ - وعن أبي قلابة ﵀ قال: «ما أمات العلم إلا القصاص، يجالس الرجل القاص سنة فلا يتعلق منه بشيء، ويجلس إلى العالم فلا يقوم حتى يتعلق منه بشيء» (٣). ولقصور علم القصاص وقلة فقههم يقع منهم تحريف الأحاديث التي يروونها عمداً أو سهواً، فعن أيوب قال: «ما أفسد على الناس حديثهم إلا القصاص» (٤). ولهذا السبب امتنع بعض المحدثين عن تحديثهم، فقد سأل أحد الناس شعبة

стр. 375

عن حديث فقال: أقاص أنت؟ قال: نعم، قال: اذهب، فإنا لا نحدث القصاص، فقال له رجل: لم يا أبا بسطام؟ ! ، فقال شعبة: يأخذون الحديث منا شبراً فيجعلونه ذراعاً (١). ثالثاً: مخالفة بعض القصاص لما يأمرون به أو ينهون عنه، ومن شواهده: ١ - قيل لعلقمة: «ألا تقص؟ ، فقال: إني أكره أن آمركم بما لا أفعل» (٢). ٢ - وعن إبراهيم النخعي قال: «إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾» (٥). رابعاً: أن طريقة القصاص سبب للشهرة، وتدعو صاحبها إلى حب الظهور، ويحتمل أن بعض الصحابة شعر بذلك، فقد استأذن رجلٌ عمر ﵁ في أن

стр. 376

يقص، فكره ذلك له، وقال: «أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع، حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك» (١). ومر علي بن أبي طالب ﵁ بقاص، فقال: «ما كنيتك؟ قال: أبو يحيى، فقال: بل أنت أبو اعرفوني» (٢). ومر بآخر فقال: «ما هذا؟ ، فقالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان بن فلان فاعرفوني» (٣). هذه أبرز أسباب انتقاد الصحابة والتابعين ﵃ للقصاص، ولا يفهم منه ذم القصاص بعامة، وإنما ذم من اتصف بهذه الصفات ونحوها مما يقدح في القاص ويفقده مصداقيته، ويقلل من تأثيره في الناس، وأكثر النقد الوارد عن الصحابة والتابعين معلل بما تقدم، والنبي ﷺ عندما ذكر القصاص ذم نوعاً واحداً منهم، ولو كان صنيع القصاص مذموماً بإطلاق لما أذن عمر ﵁ لتميم الداري وغيره.

стр. 377

إن القصص بمعناه العام الذي يشمل الوعظ والتذكير حين ينضبط بضوابطه ويبتعد عن المحاذير الشرعية فلا وجه للقول بمنعه، وقد فعله كبار الصحابة والتابعين، وأورد ابن الجوزي (١) عنهم آثاراً كثيرة، ومنهم من روي عنه ذم القصاص (٢)، وأثنى مجاهد مرةً على أحد القصاص، وقال: «كان يوافق قوله فعله» (٣). ولما ذم بعض السلف القصاص، قيل له: «أليس كان ابن مسعود يذكر؟ ، فقال: إنما أراد بذلك التواضع ومنفعة المسلمين، ولم يكن يكذب على الله ورسوله» (٤).

стр. 378

انتقاد القصاص في التفسير: من وظائف القاص الرئيسة تلاوة القرآن على الناس، كما تقدم عن تميم الداري (١)، ويعتني القصاص - بشكل كبير - بنوعين من الآيات: ١ - آيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب. ٢ - آيات القصص، وأخبار الأمم السابقة؛ لما لها من أثر في استمالة الحاضرين وجلب انتباههم. والقاص يحتاج عند مروره بهذه الآيات إلى بيانها، فيخطئ في فهمها بسبب تفسيرها بالروايات الباطلة والقصص المختلقة، وقد يستشهد ببعض الآيات وينزلها - خطأً - على ما يعظ فيه، وقد اشتكى المفسرون منهم بسبب ذلك: - يقول ابن الجوزي: «وفي القصاص من يسمع الأحاديث الموضوعة فيرويها، ولا يعلم أنها كذب، فيؤذي بها الناس، وصنف جماعة من الأعاجم كتباً في الوعظ ملأوها بالأحاديث المحالة والمعاني الفاسدة، وفي التفاسير من هذا كثير» (٢).

стр. 379

ويقول الشوكاني (١): «ولسنا بملزومين بدفع الأكاذيب التي وضعها القصاص، ونفقت عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم، فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا وأقاصيص كلها حديث خرافة، وما أحق من لا تمييز عنده لفن الرواية، ولا معرفة به أن يدع التعرض لتفسير كتاب الله، ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها من كتب القصاص» (٢). ولسوء سمعتهم وضعف مقولاتهم ومنقولاتهم في التفسير يكتفي بعض المفسرين للحكم ببطلان بعض الأقوال والروايات التفسيرية بأنها مما أتى به القصاص: ١ - ففي قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (٣) ذكر ابن الجوزي ستة أقوال في معنى البرهان، ورجح آخرها، ثم قال: «وما تقدمه فليس بشيء، وإنما

стр. 380

هي أحاديث من أعمال القصاص» (١). ٢ - ويقول الشوكاني عند قول تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ (٢): «وقد روي نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم ولا فائدة في بسط ذلك، فغالبه من أكاذيب القصاص» (٣). وأما انتقاد الصحابة والتابعين ﵃ تفاسير القصاص، فمن وجوه: الأول: انتقاد ضعف التأصيل العلمي لدى القصاص، وعدم أخذهم بالعلوم التي لا بد منها للمفسر كعلم الناسخ والمنسوخ مثلاً، فقد مر علي بن أبي طالب بقاص يقص فقال له: «أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ ، فقال: لا، قال: هلكت وأهلكت»، وجاء مثل ذلك عن ابن عباس (٤). الثاني: انتقاد القصاص على جرأتهم في تفسير القرآن وتعجلهم في تأويله دون استناد إلى دليل، فعن مسروق قال: «دخلنا المسجد فإذا رجل يقص على أصحابه،

стр. 381

ويقول: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١) أتدرون ما ذلك الدخان؟ ، ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ أسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود، فذكرنا ذلك له وكان مضطجعاً، ففزع فقعد، فقال: إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٢)، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، سأحدثكم عن ذلك إن قريشاً لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء، فلا يرون إلا الدخان، قال الله ﵎: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤)، قال: فعادوا يوم بدر فانتقم الله منهم» (٥).

стр. 382

والمعنى الذي ذكره القاص وإن كان هو الراجح في تأويل الآية (١)، فإن إنكار ابن مسعود ﵁ يكشف لنا موقف الصحابة من القصاص، فقد أنكر ابن مسعود تكلف القاص وتجشمه ما لا علم له به، وإخباره عن أمر لا بد فيه من نقل عن المعصوم ﷺ ، وبين أنه لا حرج في الاعتراف بعدم العلم (٢). الثالث: يجتهد القصاص في إضفاء الصبغة الشرعية على مجالسهم ومواعظهم، وحشد أكبر عدد من الناس للاستماع إليه، وبسبب انتقاد الصحابة والتابعين لهم وانصراف الناس عنهم يقابل القصاص ذلك بترغيب الناس وحثهم على حضور مجالسهم، وينتزعون الأدلة من الكتاب والسنة، ويتأولونها بأن المعني بها هم ومن يجلس إليهم دون غيرهم، ويشيعون ذلك في الناس، ومن تلك الأدلة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٣)، وقوله:

стр. 383

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (١)، فجعلوا هذه الآيات وأمثالها فيمن يجلس إليهم ويحضر مواعظهم، وادعوا نزولها فيهم، وقد انتقد بعض التابعين هذا الفهم الضيق: ١ - فعن مجاهد قال: «صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر الناسُ القاصَّ، فقال سعيد: ما أسرعهم إلى هذا المجلس! ، قال مجاهد: فقلت: يتأولون ما قال الله تعالى، قال: وما قال؟ ، قلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، قال: وفي هذا ذا؟ ! ، إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، إنما ذاك في الصلاة». ٢ - وعن إبراهيم النخعي قال في هذه الآية: «هي الصلوات الخمس الفرائض، ولو كان كما يقول القصاص هلك من لم يجلس إليهم». ٣ - وقيل للحسن البصري: «يا أبا سعيد أرأيت قول الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أهم هؤلاء القصاص؟ ، قال: لا، ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة». ٤ - وعن أبي جعفر أنه قال في هذه الآية: «كان يقرئهم القرآن، من الذي

стр. 384

يقص على النبي ﷺ ؟ ! » (١). ٥ - وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز (٢) قال: «رأيت عبيد بن عمير (٣) وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود؟ [يريد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)] قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت، فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، فنظرا إلي، فقالا: إنما ذلك في الصلاة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾» (٥). ومراده بالموعود الرحمة المذكورة في الآية، فإن الله تعالى وعد في الآية من

стр. 385

أنصت واستمع للقرآن الكريم بالرحمة، وكان القصاص يروجون لمثل هذه التأويلات، فينزلون بعض النصوص على استماع قصصهم ومواعظهم. ومن سمات القصاص أنهم يميلون إلى التشديد، والإكثار في المواعظ من ذكر آيات الوعيد والترهيب، فقد دخل ابن مسعود ﵁ المسجد، فإذا قاص يذكر النار والأغلال، فجاء حتى قام على رأسه، فقال: «يا مذكر أتقنط الناس؟ ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية» (١). وقالت عائشة ﵂ لقاص: «إياك وتقنيط الناس وإهلاكهم» (٢).

стр. 386

سابعاً نقد التكلف في التفسير يتمتع الصحابة والتابعون ﵃ بقدر كبير من الجد والاهتمام بالعلم والعمل، والحرص على ما فيه ثمرة وفائدة، وبسببه انصرفوا عما لا يعنيهم، وانتقد بعضهم من تعرض لتفسير بعض الآيات أو حاول فهمها، معتبراً ذلك من التكلف المذموم. وفي "مفردات ألفاظ القرآن": «التكلف اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع، ولذلك صار التكلف على ضربين: محمود: وهو ما يتحراه الإنسان ليتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلاً عليه، ويصير كلفاً به ومحباً له، وبهذا النظر يستعمل التكليف في تكلف العبادات. والثاني: مذموم وهو ما يتحراه الإنسان مراءاة، وإياه عنى بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١)» (٢).

стр. 387

ولا بد حين الحكم على تفسير بأنه متكلف من مراعاة أمرين: الأول: النظر في حال من يفسر القرآن، أو يطلب تفسيره، ومعرفة هدفه وقصده، كأن يقصد الرياء والتصنع، أو إعياء من يسأله عن التفسير. الثاني: النظر في الآيات المراد تفسيرها. وبين أيدينا بعض الشواهد عن الصحابة والتابعين في نقد التكلف في تفسير القرآن، وهي لا تخرج عن الصور الآتية: أولاً: أن يكون المراد من الآية معلوماً، فيتكلف المرء تفسير بعض الألفاظ الخفية مما لا يتوقف عليها فهم المراد من الآية، ومن شواهده أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١)، وقال: «هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ، ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر»، وفي رواية قال: «وما عليك ألا تدري ما الأب؟ » (٢).

стр. 388

وقد علق ابن كثير على ذلك بقوله: «وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض» (١). وبعبارة أوضح يقول الشاطبي: «إن علم التفسير مطلوب فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب، فإذا كان المراد معلوماً، فالزيادة على ذلك تكلف، ويتبين ذلك في مسألة عمر، وذلك أنه لما قرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ توقف في معنى الأب، وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية؛ إذ هو مفهوم من حيث أخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان أنه أنزل من السماء ماءً، فأخرج به أصنافاً كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة، كالحب والعنب والزيتون والنخل، ومما هو من طعامه بواسطة، مما هو مرعى للأنعام على الجملة، فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الأفراد فضلاً، فلا على الإنسان أن لا يعرفه، فمن هذا الوجه والله أعلم عد البحث عن معنى الأب من التكلف» (٢).

стр. 389

ثانياً: ألا تعود معرفة تفسير الآية على المرء بفائدة في دينه وآخرته، بحيث يصبح الانشغال ببعض معاني الألفاظ القرآنية من قبيل الترف الفكري، ومن الشواهد: ١ - قال علي بن أبي طالب ﵁ يوماً: «سلوني، فقام ابن الكواء، فقال: ما السواد الذي في القمر؟ ، فقال له: قاتلك الله! سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً، ألا سألت عن شيء ينفعك في أمر دنياك أو أمر آخرتك؟ ! ، ثم قال: ذاك محو الليل» (١). وقد علق عليه الآجري بقوله: «وقد كان العلماء قديماً وحديثاً يكرهون عضل المسائل ويردونها، ويأمرون بالسؤال عما يعني؛ خوفاً من المراء والجدال الذي نهوا عنه» (٢). ٢ - وسئل القاسم بن محمد ﵀ عن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (٣)، فقيل له: «أنزل أو لم ينزل؟ ، فقال: لا أبالي أيَّ ذلك كان إلا أني آمنت به»، وفي رواية أنه قيل له: «يعلمان الناس ما أنزل

стр. 390

عليهما، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ ، فقال: ما أبالي أيتهما كانت» (١). ثالثاً: أن يتكلم المرء فيما لا يحسن أو يتجاسر على تفسير ما يجهله من آيات الكتاب العزيز، فيؤدي به إلى الإخلال بفهم القرآن الكريم، ولما ذُكر لابن مسعود ﵁ تفسير أحد القُصَّاص لبعض الآيات؛ قال حين رأى عدم صحة تفسيره: «إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٢) وإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم». ومما يندرج تحته أن يطلب المرء تفسير ما استأثر الله تعالى بعلمه (٣)، فعن الربيع بن خثيم (٤) قال: «يا عبد الله ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به فكله إلى عالمه، ولا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ
следующие страницы →