سابعاً
نقد التكلف في التفسير
يتمتع الصحابة والتابعون ﵃ بقدر كبير من الجد والاهتمام بالعلم والعمل، والحرص على ما فيه ثمرة وفائدة، وبسببه انصرفوا عما لا يعنيهم، وانتقد بعضهم من تعرض لتفسير بعض الآيات أو حاول فهمها، معتبراً ذلك من التكلف المذموم.
وفي "مفردات ألفاظ القرآن": «التكلف اسم لما يفعل بمشقة أو تصنع أو تشبع، ولذلك صار التكلف على ضربين:
محمود: وهو ما يتحراه الإنسان ليتوصل به إلى أن يصير الفعل الذي يتعاطاه سهلاً عليه، ويصير كلفاً به ومحباً له، وبهذا النظر يستعمل التكليف في تكلف العبادات.
والثاني: مذموم وهو ما يتحراه الإنسان مراءاة، وإياه عنى بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (١)» (٢).
стр. 387
ولا بد حين الحكم على تفسير بأنه متكلف من مراعاة أمرين:
الأول: النظر في حال من يفسر القرآن، أو يطلب تفسيره، ومعرفة هدفه وقصده، كأن يقصد الرياء والتصنع، أو إعياء من يسأله عن التفسير.
الثاني: النظر في الآيات المراد تفسيرها.
وبين أيدينا بعض الشواهد عن الصحابة والتابعين في نقد التكلف في تفسير القرآن، وهي لا تخرج عن الصور الآتية:
أولاً: أن يكون المراد من الآية معلوماً، فيتكلف المرء تفسير بعض الألفاظ الخفية مما لا يتوقف عليها فهم المراد من الآية، ومن شواهده أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١)، وقال: «هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ، ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر»، وفي رواية قال: «وما عليك ألا تدري ما الأب؟ » (٢).
стр. 388
وقد علق ابن كثير على ذلك بقوله: «وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض» (١).
وبعبارة أوضح يقول الشاطبي: «إن علم التفسير مطلوب فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب، فإذا كان المراد معلوماً، فالزيادة على ذلك تكلف، ويتبين ذلك في مسألة عمر، وذلك أنه لما قرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ توقف في معنى الأب، وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية؛ إذ هو مفهوم من حيث أخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان أنه أنزل من السماء ماءً، فأخرج به أصنافاً كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة، كالحب والعنب والزيتون والنخل، ومما هو من طعامه بواسطة، مما هو مرعى للأنعام على الجملة، فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الأفراد فضلاً، فلا على الإنسان أن لا يعرفه، فمن هذا الوجه والله أعلم عد البحث عن معنى الأب من التكلف» (٢).
стр. 389
ثانياً: ألا تعود معرفة تفسير الآية على المرء بفائدة في دينه وآخرته، بحيث يصبح الانشغال ببعض معاني الألفاظ القرآنية من قبيل الترف الفكري، ومن الشواهد:
١ - قال علي بن أبي طالب ﵁ يوماً: «سلوني، فقام ابن الكواء، فقال: ما السواد الذي في القمر؟ ، فقال له: قاتلك الله! سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً، ألا سألت عن شيء ينفعك في أمر دنياك أو أمر آخرتك؟ ! ، ثم قال: ذاك محو الليل» (١).
وقد علق عليه الآجري بقوله: «وقد كان العلماء قديماً وحديثاً يكرهون عضل المسائل ويردونها، ويأمرون بالسؤال عما يعني؛ خوفاً من المراء والجدال الذي نهوا عنه» (٢).
٢ - وسئل القاسم بن محمد ﵀ عن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (٣)، فقيل له: «أنزل أو لم ينزل؟ ، فقال: لا أبالي أيَّ ذلك كان إلا أني آمنت به»، وفي رواية أنه قيل له: «يعلمان الناس ما أنزل
стр. 390
عليهما، أم يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ ، فقال: ما أبالي أيتهما كانت» (١).
ثالثاً: أن يتكلم المرء فيما لا يحسن أو يتجاسر على تفسير ما يجهله من آيات الكتاب العزيز، فيؤدي به إلى الإخلال بفهم القرآن الكريم، ولما ذُكر لابن مسعود ﵁ تفسير أحد القُصَّاص لبعض الآيات؛ قال حين رأى عدم صحة تفسيره: «إن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٢) وإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم».
ومما يندرج تحته أن يطلب المرء تفسير ما استأثر الله تعالى بعلمه (٣)، فعن الربيع بن خثيم (٤)
قال: «يا عبد الله ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به فكله إلى عالمه، ولا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ
стр. 391
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾» (١).
واعتبار بعض التفسيرات من التكلف أو عدم اعتبارها مما تختلف أنظار العلماء حوله، فقد يرى البعض عدم الحاجة لتفسير ما لا يندرج تحته عمل، بينما يرى آخرون ضرورة العناية بكل ما ذكر في القرآن، حتى وإن لم يترتب عليه عمل أو يكون له ثمرة، فعمر عد تأويل الأب من التكلف المذموم، بينما جاء عن بعض الصحابة والتابعين تأويله (٢).
وليعلم أن التكلف الذي حدث بعد عصر الصحابة والتابعين خاصة بعد انتشار الفرق وتشعبها أخذ أبعاداً خطيرة في تأويل النصوص، ومن صوره ما ذكره ابن تيمية أن بعضهم يجعل ظاهر اللفظ القرآني شيئاً يستحيل فهمه على عامة الناس ثم يتأوله (٣)، ولذلك جعل العلماء البعد عن التكلف والتعسف في التفسير شرطاً لصحته وقبوله، فاشترطوا في التفسير الصحيح «أن يكون مطابقا لللفظ من حيث الاستعمال، سليماً من التكلف، عرياً من التعسف» (٤).
стр. 392
ثامناً
نقد تدوين التفسير
يعد الكلام عن حكم تدوين العلوم - ومنها التفسير - جوازاً ومنعاً حديثاً تاريخياً، فالذي استقر عليه الناس وأجمع عليه العلماء جواز كتابة العلوم وتدوينها (١)، وقل أن تجد عالماً نُقل عنه نهي عن التدوين إلا ونقل عنه إباحة ذلك قولاً أو فعلاً، وتعود جذور النهي إلى عهد النبي ﷺ ، فقد جاء عنه صراحة النهي عن كتابة شيء غير القرآن، وفي المقابل جاء عنه الأذن بذلك (٢)، فحمل العلماء نهيه ﷺ على محامل من أحسنها: الخشية من اختلاط شيء بالقرآن الكريم مما يؤدي إلى ضياعه، فلما حفظ القرآن واستقر بين الدفتين بإجماع الأمة وعلى رأسهم الصحابة ﵃ لم يكن بين العلماء خلاف في جواز كتابة العلوم وتدوينها (٣).
стр. 393
وأما امتناع بعض الصحابة والتابعين ﵃ عن كتابة العلوم وكراهية تدوينها، فقد جاءت عنهم نصوص كثيرة في ذلك، وجاء أيضاً عنهم إباحتها (١)، ولذا حملت كراهيتهم على أوجه أوجزها ابن عبد البر بقوله: «من كره كتابة العلم، إنما كرهه لوجهين: أحدهما: ألا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهى به، ولئلا يتكل الكاتب على ما كتب، فلا يحفظ فيقل الحفظ» (٢).
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:
١ - كتب رجل في عهد عمر مصحفاً، وكتب عند كل آية تفسيرها، فدعا به عمر فقرضه بالمقراضين (٣).
٢ - وسأل رجل سعيد بن جبير أن يكتب له تفسير القرآن، فغضب وقال:
стр. 394
«لأن يسقط شقي أحب إلي من ذلك» (١).
وكان ﵀ يكره كتابة الحديث (٢).
فهذه الروايات محمولة على ما تقدم، والذي استقر عليه الصحابة والتابعون جواز كتابة التفسير، ومما ورد عنهم في جواز تدوين التفسير:
١ - طلب عبد الملك بن مروان من سعيد بن جبير أن يكتب له تفسير القرآن ففعل، فوضعه عبد الملك عنده في الديوان (٣).
٢ - وعن سعيد بن جبير قال: «ربما أتيت ابن عباس فكتبت في صحيفتي حتى أملأها، وكتبت في نعلي حتى أملأها، وكتبت في كفي، وربما أتيته فلم أكتب حديثاً حتى أرجع، لا يسأله أحد عن شيء» (٤).
٣ - وكان عزرة (٥) يختلف إلى سعيد بن جبير معه التفسير في كتاب ومعه
стр. 395
الدواة يغير (١).
فهذه الروايات الثلاث عن سعيد ترجح عدم صحة ما نقل عنه من الامتناع عن تدوين التفسير، أو أنه رجع عن رأيه في ذلك.
٤ - وعن ابن أبي مليكة قال: «رأيت مجاهداً يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير كله» (٢).
٥ - وكان تلاميذ مجاهد يكتبون التفسير عنده (٣).
٦ - وجاء عن الحسن أنه أملى تفسير القرآن (٤).
٧ - وكتب رجل إلى عروة بن الزبير ﵀ يسأله عن قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ (٥)، فكتب إليه
стр. 396
بتفسيرها (١).
٨ - وكان لزيد بن أسلم كتاب في تفسير القرآن (٢).
стр. 397
الفصل الثاني نقد رجال التفسير
وفيه:
أولاً: رجال التفسير المنتقدون.
ثانياً: أسباب نقد رجال التفسير.
ثالثاً: أثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم.
стр. 398
تلقي التفسير وأخذه عن العلماء المعروفين به من الركائز المهمة في علم التفسير، وهو أحد الطرق المختصرة التي تمكن طلبة العلم من فهم القرآن على الوجه الصحيح؛ ولذا اهتم العلماء - ومنهم الصحابة والتابعون ﵃ برجال التفسير، وذلك من جهتين:
الأولى: الاهتمام برجال التفسير المعروفين به المتقنين لأصوله، والإشادة بالمبرزين منهم والحث على التلقي عنهم، وتقدم الكلام عن هذه الجهة في الباب الأول.
الثانية: انتقاد بعض مفسري القرآن، والكلام فيهم لأسباب ومبررات ظهرت لبعضهم، وكان هذا الأمر سائغاً في عصر الصحابة والتابعين، فقد عقد الطبري في مقدمة تفسيره باباً في «ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محموداً علمه بالتفسير، ومن كان منهم مذموماً علمه به» (١)، ثم ذكر بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين في ذلك.
والحديث عن كلام الصحابة والتابعين في رجال التفسير حديث عن بدايات نقد الرجال بعامة قبل أن يتوسع العلماء فيه، وينبري له أساتذته ورجاله، فيفردوا
стр. 399
فيه المصنفات، ويضعوا أصوله وقواعده، وعليه فالنصوص المنقولة عن الصحابة والتابعين في نقد المفسرين قليلة جداً مقارنةً بالمنقول عمن جاء بعدهم، ولذا لا يوجد في عصرهم انتقاد لأحد من الصحابة سوى ما أخبر به ابن عمر عن عدم رضاه عن جرأة ابن عباس ﵃ في التفسير، ورجوعه عن ذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
والهدف من دراسة تلك النصوص إدراك واقع نقد المفسرين في عصر الصحابة والتابعين، وما هي المنطلقات التي انطلق منها النقاد؟ ، وما مدى تأثير نقدهم على تفسير المرء ومروياته؟ ، وما هو موقف العلماء من نقدهم؟ .
والكلام في هذه القضية لا يخلو من فوائد أخرى كمعرفة منازل أولئك القوم ومراتبهم في تفسير القرآن الكريم.
وقد ينفر بعض القراء عندما يرى القدح في بعض التابعين، وذكر أقوال مهجورة في أشخاص ثبتت عدالتهم عند العلماء، ولعل القارئ يلتمس العذر، فنحن ندون لمرحلة تاريخية مر بها نقد التفسير في بعض مجالاته.
стр. 400
أولاً
الرجال المنتقدون في التفسير
وترتيبهم حسب تاريخ وفاتهم، وهم:
أولاً: مجاهد بن جبر المكي .
وجملة ما انتقد به ﵀ أمران:
الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب ، فقد قيل للأعمش ﵀: «ما بالهم يتقون تفسير مجاهد؟ ، فقال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب» (١).
والأعمش من أهل الكوفة، فقوله: كانوا يرون، يريد بهم - والله أعلم - أهل الكوفة، وأما مجاهد فمن أهل مكة، وقد عرفوا برواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، اعتماداً على الأدلة المرخصة في التحديث عن بني إسرائيل، واعتقاداً منهم بأن تلاميذهم وطلاب العلم في وقتهم سوف يتعاملون مع تلك المرويات وفق الضوابط الشرعية؛ هذا بوجه عام موقف المكيين من رواية الإسرائيليات.
وأما مجاهد فإنه إذا قورن بغيره من مفسري أهل مكة وجد أنه من أكثرهم
стр. 401
رواية عن بني إسرائيل (١)، ولذا جاء عنه روايات إسرائيلية غريبة جداً، وكان ﵀ شغوفاً بمعرفة الغرائب والعجائب، فلا يسمع بغريبة إلا ذهب إليها.
يقول الأعمش: «كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب لينظر إليها، ذهب إلى حضرموت ليرى بئر برهوت ... » (٢).
وقد استتبع ذلك الشغف حبه للسفر، فكان كثير الأسفار والتنقل بين البلاد (٣).
لأجل ما تقدم روى مجاهد ﵀ بعض الإسرائيليات الغريبة، ومنها:
١ - قوله: «مر نوح ﵇ بالأسد وهو في السفينة، فضربه برجله، فخمشه الأسد، فبات ساهراً، فبكى نوح من ذلك، فأوحي إليه: إنك ظلمته؛ وإني لا أحب الظلم» (٤).
٢ - وقوله عن النملة التي كلمت سليمان ﵇: «إنها كانت مثل الذئب العظيم» (٥).
стр. 402
٣ - وفي قول الله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (١) قال ﵀: «أقبلت السكينة والصرد (٢) وجبريل مع إبراهيم من الشام».
وفي رواية عنه: «السكينة لها رأس كرأس الهرة وجناحان».
وفي رواية ثالثة: «لها جناحان وذنب مثل ذنب الهرة» (٣).
فهذه الروايات الإسرائيلية الغريبة ونحوها قدم بها الكوفة (٤)، وكان يرويها ويفسر القرآن بها بناءً على منهجه في التعامل معها، غير أن هذا الصنيع لم يعجب بعض الكوفيين فتجنبوا تفسيره، وقد عرف أهل الكوفة بتوقي الإسرائيليات والبعد عنها، ولعلهم ورثوا ذلك عن إمامهم عبد الله بن مسعود ﵁، فقد كان شديد الانتقاد لمن يسأل أهل الكتاب، وكان يقول: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فتكذبوا بحق وتصدقوا الباطل»، وكان شديد الإنكار لما يأتي به كعب الأحبار.
стр. 403
وكان ﵁ يربي أتباعه على البعد عن كتب أهل الكتاب والاستغناء بالقرآن الكريم، ومن ذلك قصته مع علقمة والأسود (١).
فإذا جمعنا هذه الأمور إلى بعضها تبين السبب الذي من أجله احترز بعض الكوفيين من تفسير مجاهد ﵀.
الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد ﵀ تفسير القرآن بالرأي ، فقد روى ابنه أنه قيل له: «أنت الذي تفسر القرآن برأيك! فبكى، ثم قال: إني إذاً لجريء! ، لقد حملت التفسير عن بضعة عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ » (٢).
ويستفاد من هذا النص أن مجاهداً عرف بالأخذ بالرأي، وقد عده ابن قتيبة من أسهل أهل العراق أخذاً بالرأي والقياس (٣).
وورد عنه صراحةً ما يدل لذلك، فكان يقول: «إن أفضل العبادة الرأي الحسن» (٤).
ومما جاء في عنايته بالرأي قوله: «كان لي صديق من قريش، فقلت له: هل
стр. 404
لك أن تجلو، فأواضعك الرأي (١)، فأنظر أين يقع رأيي من رأيك، ورأيك من رأيي؟ ، قال القرشي: مه! دعِ الود على حاله، فغلبني القرشي» (٢).
ويبدو أن من انتقد مجاهداً وأشاع عنه الأخذ بالرأي في تفسير القرآن ممن يتورع عن تفسير القرآن بالرأي مطلقاً، وهذا حال كثير من أهل زمانه، وقد مضى ذكر شيء من حالهم.
والمطالع لتفسير مجاهد يجد فيه أقوالاً غريبة مصدرها الرأي، ومن أمثلة ذلك:
١ - في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٣) قال ﵀: «مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم؛ ﴿ ... كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾» (٤).
تعقبه ابن جرير بقوله: «وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دل
стр. 405
عليه كتاب الله مخالف»، ثم أخذ يبين وجه بطلانه (١).
وقال ابن كثير: «وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره» (٢).
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣) روى عنه منصور (٤) أنه قال ﵀: «تنتظر الثواب من ربها، لا يراه من خلقه شيء» (٥).
قال ابن عبد البر: «قول مجاهد هذا مردود بالسنة الثابتة عن النبي ﷺ وأقاويل الصحابة وجمهور السلف، وهو قول عند أهل السنة مهجور، والذي عليه
стр. 406
جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ﷺ ، وليس من العلماء أحد إلا وهو يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ »، ثم بين أن مجاهداً وإن كان أحد المقدمين في العلم بتأويل القرآن، فإن قوله هذا مهجور عند العلماء مرغوب عنه (١).
وقال ابن كثير: «أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٢)؟ ، قال الشافعي ﵀: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ، ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة» (٣).
وهذا القول مع ثبوته عن مجاهد، فقد ثبت عنه أنه فسر الآية بالنظر إلى وجه الله تعالى، فروى عنه منصور أنه قال في الآية: «نظرت إلى ربها ناظرة».
وعنه قال: «﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ حسنة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ تنظر إلى ربها ﵎» (٤)، فلعل مجاهداً لم تبلغه الأخبار في الرؤية، فقال بالقول الأول، فلما بلغته رجع عنه (٥).
стр. 407
٣ - ومما توسع فيه مجاهد بالرأي ما ورد عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١) حيث أنكر أن تكون المائدة أنزلت عليهم، وقال: «مثل ضُرب؛ لم ينزل عليهم شيء» (٢).
وقوله خلاف ما عليه جمهور المفسرين من أنها أنزلت حقيقة (٣).
يقول الذهبي عن مجاهد: «ولمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تستنكر» (٤).
ويرى مجاهد أن هذه الآراء ونحوها داخلة ضمن القدر المسموح به من الرأي، وهو عندما جعل الرأي أفضل العبادة - كما تقدم - قيده بالرأي الحسن، ومفهومه لديه أن من الرأي ما هو سيء مذموم، وهو الرأي الصادر عن الهوى والابتداع، وكان ﵀ شديد النفور منه، ويقول فيه: «ما أدري أي النعمتين أعظم علي؟ ! أن هداني إلى الإسلام، أو جنبني الأهواء» (٥).
وعن حميد الأعرج (٦) قال: «صليت إلى جنب رجل يتهم بالقدرية، فلقيت
стр. 408
مجاهداً فأعرض عني، فقلت له، فقال: ألم أرك صليت إلى جنب فلان؟ ! ، قلت: إنما ضمتني وإياه الصلاة» (١).
وكان ينهى عن مجالسة أهل الأهواء (٢)، ومما يؤكد ذلك أنه لما قيل له: إنك تفسر القرآن برأيك، استبشع ذلك ونفر منه.
ومع وضوح منهج مجاهد ﵀ من الأهواء والبدع، ونفرته من الآراء المذمومة إلا أن بعض المستشرقين استغل ما انتقد به وأشيع عنه، وحمله فوق ما يحتمل، فنسب مجاهداً إلى البدعة والهوى، مثل جولد تسيهر (٣)
الذي زعم بأن الآراء التي أشرنا إليها كانت نواة مذهب المعتزلة (٤).
стр. 409
وبالجملة فالنقد لمجاهد سواء في تفسير القرآن بالإسرائيليات أو بالرأي لم يصل إلى درجة الطعن في صدقه، أو القدح في عدالته، وإنما في شيء يرى أن فيه سعة، وما أخطأ فيه من المسائل قليل مغمور في كثير صوابه ﵀ (١).
وإمامة مجاهد في التفسير، وعدالته وتثبته في رواية الأحاديث، وأخذه التفسير عن شيخه حبر الأمة وملازمته له، وحكايته عن نفسه أن القرآن استغرق علمه (٢) من الأمور المشهورة عنه، وهي ترفع من قدره ومكانته في هذا العلم، وتجعله في مصاف كبار مفسري التابعين، وهذا الذي استقر عليه رأي العلماء وأجمعت عليه كلمتهم:
فتقدم قول قتادة ﵀: «أعلم من بقي بالتفسير مجاهد» (٣).
стр. 410
وقول خصيف: إن مجاهداً أعلم أصحاب ابن عباس بالتفسير (١).
ويقول سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به» (٢).
وقيل لشريك (٣): «أي الرجلين كان أعلم بالتفسير مجاهد أو سعيد بن جبير؟ ، قال: كان مجاهد» (٤).
ووصفه ابن تيمية بأنه كان آية في التفسير (٥).
كما حكى الذهبي إجماع الأمة على إمامة مجاهد والاحتجاج به (٦)، وقال ابن كثير: «كان أعلم أهل زمانه بالتفسير» (٧).
والدفاع عن مجاهد وإثبات مكانته في التفسير وعلو شأوه فيه ينبغي ألا
стр. 411
يصرف القارئ عما كان عليه بعض تابعي الكوفة من التوقي والحذر في نقل التفسير؛ خوفاً من الوقوع في الرواية عن بني إسرائيل، وكيف أن بعضهم كان على وعي تام، وفطنة كبيرة في الرواية عن الآخرين، والانتقاء من أحاديث العالم ومروياته.
ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس .
انتقد تفسيره للقرآن سعيد بن المسيب، فعن عمرو بن مرة قال: «سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل عنه من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء؛ يعني عكرمة» (١).
ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:
الاحتمال الأول: أن سعيداً قال ذلك لمّا رأى توسع عكرمة في تفسير القرآن وجرأته على القول فيه، فإن عكرمة عرف بالإكثار من التفسير، وكان يقول: «لقد فسرت ما بين اللوحين» (٢).
وأما سعيد فعرف عنه الورع الشديد عن القول في القرآن، فكان لا يتكلم
стр. 412
إلا في المعلوم من القرآن (١)، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن، قال: «إنا لا نقول في القرآن شيئاً» (٢)، ومن كانت هذه حاله إذا رأى غيره يقدم على التفسير يستنكر ذلك ولا بد.
ويؤيد هذا الاحتمال ما جاء في بعض الروايات عن عمرو بن مرة قال: «سألت سعيد بن المسيب عن تفسير آية من كتاب الله، فقال: ما أنا بجريء عليه، ولكن دونك من يزعم أنه لا يخفى عليه منه حرف؛ يُعَرِّض بعكرمة» (٣).
الاحتمال الثاني: أن ابن المسيب يشكك في مصداقية عكرمة كما يشعر به قوله: «سل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء»، وقد ورد عنه صراحة تكذيب عكرمة، فكان يقول لغلامه برد (٤): «لا تكذب علي، كما يكذب عكرمة على ابن عباس» (٥).
стр. 413
وعن عطاء الخراساني (١) قال: «قلت لابن المسيب: إن عكرمة يزعم أن رسول الله تزوج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثان، اذهب إليه فسبه، سأحدثك، قدم رسول الله وهو محرم، فلما حل تزوجها» (٢).
وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:
١ - فعن عبد الله بن عثمان بن خثيم (٣) قال: «سألت عكرمة عن ﴿وَالنَّخْلَ
стр. 414
بَاسِقَاتٍ﴾ (١) فقلت: ما بسوقها؟ ، قال: بسوقها طلعها، ألم تر أنه يقال للشاة إذا حان ولادها بسقت؟ ، قال: فرجعت إلى سعيد بن جبير، فقلت له: فقال: كذب، بسوقها طولها في كلام العرب» (٢).
٢ - وذكر لسعيد بن جبير أن عكرمة كره إجارة الأرض، فقال: «كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: إن أمثل ما أنتم صانعون استئجار الأرض البيضاء؛ سنةٌ، سنة» (٣).
٣ - وكذبه مجاهد بن جبر (٤)، وقال للقاسم بن أبي بزة: «سل عنها عكرمة: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٥)، فسأله فقال: الإخصاء، قال مجاهد: ما له، لعنه الله! ، فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء، ثم قال: سله، قال القاسم: فسألته، فقال: ألم تسمع إلى قول الله ﵎: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (٦)؟ ، قال: لدين الله، فحدثت به مجاهداً، فقال: ما له أخزاه
стр. 415
الله؟ ! » (١).
وفي رواية أنه لما قيل له تفسير عكرمة بأنه الإخصاء قال: «كذب العبد» (٢).
٤ - وسئل محمد بن سيرين عن عكرمة، فقال: «ما يسوءني أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب» (٣).
٥ - وعن عطاء بن أبي رباح أنه قيل له: «إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين، وإن دخلت الغائط» (٤).
وتهمة الكذب هي إحدى تهم ثلاث اتهم بها عكرمة ﵀ يطول الكلام بذكرها والجواب عنها (٥).
والذي يعنينا هنا اتهام ابن المسيب لعكرمة في التفسير، فإنه كان قاسي الرأي في عكرمة، وكان يقع بينهما بعض المشادات الكلامية، فعن أيوب قال: «سأل رجل ابن المسيب عن رجل نذر نذراً لا ينبغي له - ذكر أنه معصية - فأمره أن
стр. 416
يوفيه، قال: ثم سأل الرجل عكرمة، فأمره أن يكفر يمينه ولا يوفي نذره، قال: فرجع الرجل إلى ابن المسيب، فأخبره بقول عكرمة، فقال ابن المسيب: لينتهين عكرمة أو ليوجعن ظهره، فرجع الرجل إلى عكرمة فأخبره، فقال له عكرمة: أما إذا بلغتني فبلغه؛ أما هو فقد ضربت الأمراء ظهره، أوقفوه في تُبَّان من شعر، وسله عن نذرك: أطاعة هو لله أم معصية؟ ، فإن قال: هو معصية، فقد أمرك بمعصية الله، وإن قال: هو طاعة لله، فقد كذب على الله حين زعم أن معصية الله طاعة» (١).
وعن محمد بن عبد الله بن أبي مريم (٢)
قال: «بعت تمراً من التمارين سبعة آصع بدرهم، فصار لي على رجل منهم، فوجدت عند بعضهم تمراً يبيعه أربعة آصع بدرهم، فسألت عكرمة، فقال: لا باس عليك، تأخذ أقل مما بعت، فلقيت سعيد بن المسيب، فأخبرته بقول عكرمة، فقال: كذب عبد ابن عباس، ما بعت مما
стр. 417
يكال فلا تأخذ مما يكال إلا التمر، فقلت: فإن فضل لي عنده الكسر؟ ، قال: فأعطه أنت الكسر، وخذ منه الدرهم، قال: فرجعت، فإذا عكرمة يطلبني، فقال: إن الذي قلت لك: هو حلال؛ هو حرام» (١).
وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:
١ - عدم صحة قول سعيد لمولاه: «لا تكذب علي، كما يكذب عكرمة على ابن عباس»، وقد نص على ذلك ابن حجر وغيره.
٢ - ما ورد في الروايات الأخرى التي كذب فيها ابن المسيب عكرمة محمولة على التكذيب في وقائع خاصة تكلم فيها عكرمة فكذبه فيها، ولا يراد به العموم، وهذا الاحتمال ظاهر في تكذيب ابن جبير ومجاهد وعطاء (٢).
ولذا يرد عن بعض من كذبه تصوبيه في مواطن أخرى، ومن ذلك أن مجاهداً بعث رجلاً إلى عكرمة يسأله عن قول الله لأيوب: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ (٣)، فقال: قيل له: إن أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا، وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا، فقال: يكونون لي
стр. 418
في الآخرة، وأوتي مثلهم في الدنيا، فرجع إلى مجاهد، فقال: أصاب (١).
بل إن سعيد بن جبير - وهو أحد من كذبه - لما قيل له: «تعلم أحداً أعلم منك؟ ، قال: نعم عكرمة» (٢).
٣ - أن قوله وقول غيره في الروايات السابقة كذب هو بمعنى: أخطأ، وليس المراد أنه يتعمد الإخبار بخلاف الواقع.
٤ - أن تكذيب عكرمة لو صح عن ابن المسيب فهو مدفوع ومقابل بتوثيق الأئمة لعكرمة، وفيهم من هو أرفع منزلةً وأجل قدراً من ابن المسيب ﵀، فقد ثبت توثيق ابن عباس لتلميذه عكرمة وهو أدرى به من ابن المسيب، فعن عكرمة أنه قال لأبي أمامة ﵁: «يا أبا أمامة أذكرك الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ ، فقال أبو أمامة: نعم» (٣).
وقد ذكر بعض العلماء أنه «عدله أمة من التابعين، منهم زيادة على سبعين رجلاً من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكبير أحد من
стр. 419
التابعين؛ على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك عن الرواية عنه، ولم يستغن عن حديثه، وكان حديثه متلقى بالقبول قرناً بعد قرن إلى زمن الأئمة الذين اخرجوا الصحيح، على أن مسلماً كان أسوأهم رأياً فيه، وقد أخرج له مع ذلك مقروناً» (١).
وابن سيرين مع قدحه في عكرمة - كما تقدم - يروي عنه وإن لم يسمه، فكان يقول: نبئت عن ابن عباس (٢).
وقد أخرج له البخاري في صحيحه، ولكثرة من عدله حكى بعض العلماء الإجماع على ذلك (٣).
أما مقامه في تفسير القرآن فقد أثنى كثير من العلماء على تقدمه فيه:
فالشعبي مع ورعه الشديد عن التفسير يقول عنه: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله تعالى من عكرمة» (٤).
والحسن مع إمامته ترك كثيراً من تفسير القرآن حين قدم عكرمة البصرة كما حكاه أيوب وابن عيينة (٥).
стр. 420
ويقول قتادة: «أعلم الناس بالتفسير عكرمة» (١).
وقال فيه: «لا تسألوا العبد إلا عن القرآن» (٢).
ويقول سفيان الثوري (٣): «خذوا التفسير من أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك بن مزاحم» (٤).
وحين سئل أبو حاتم (٥) عن عكرمة وسعيد بن جبير: أيهما أعلم بالتفسير؟
стр. 421
قال: «أصحاب ابن عباس عيال على عكرمة» (١).
وتصديق كلام أبي حاتم قول حبيب بن أبي ثابت (٢): «اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبداً؛ عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يلقيان على عكرمة التفسير، فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، وأنزلت آية كذا في كذا» (٣).
وقال ابن حبان: «كان عكرمة من علماء الناس في زمانه بالقرآن» (٤).
стр. 422
ثالثاً: الضحاك بن مزاحم الهلالي .
اُنتقد ﵀ بأنه يروي عن ابن عباس ولم يسمع منه:
فعن عبد الملك بن ميسرة قال: «الضحاك لم يلق ابن عباس، إنما لقي سعيد بن جبير بالري، فأخذ عنه التفسير» (١).
وعنه قال: «قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس؟ ، قال: لا، قلت: فهذا الذي تروي عمن أخذته؟ ، قال: عنك وعن ذا وعن ذا» (٢).
وعبد الملك بن ميسرة الهلالي تابعي سمع ابن عمر ﵄ (٣)، وأخرج له أصحاب الكتب الستة، واتفقت كلمة النقاد على توثيقه، وقال فيه وكيع (٤): «كان
стр. 423
ثقة كثير الحديث» (١).
أما الضحاك فقد عده ابن حجر في الطبقة الخامسة، وهي الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم سماع من الصحابة، وخرج له أصحاب السنن، واختلف في توثيقه، فوثقه أحمد وابن معين (٢)، وضعفه شعبة ويحيى القطان (٣)، وتوسط ابن حجر فقال: صدوق (٤).
وكونه لم يسمع من ابن عباس قال به بعض الحفاظ:
стр. 424
فكان شعبة ينكر أن يكون الضحاك لقي ابن عباس قط، وسأل مشاشاً (١): سمع الضحاك من ابن عباس؟ ، فقال: ما رآه قط، أو قال: لا ولا كلمة (٢).
وقال ابن حبان: «من زعم أنه لقي ابن عباس فقد وهم» (٣).
وقال ابن عدي (٤): «والضحاك بن مزاحم عرف بالتفسير، فأما رواياته عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنه، ففي ذلك كله نظر، وإنما اشتهر بالتفسير» (٥).
стр. 425
وأما ما ذكره ابن ميسرة من أن الضحاك أخذ تفسير ابن عباس من ابن جبير، فلو أمكن القطع بأن جميع ما رواه الضحاك عن ابن عباس أخذه من ابن جبير لأمكن تصحيح رواياته لعدالة الواسطة بينه وبين ابن عباس، ولذلك لما قيل: إن علي بن أبي طلحة (١) لم يسمع التفسير من ابن عباس، وإنما أخذه من مجاهد أو سعيد بن جبير، قال ابن حجر: «بعد أن عرفت الواسطة، وهو ثقة فلا ضير في ذلك» (٢).