← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

والحسن، وأبو العالية الرياحي، ونصر بن عاصم الليثي (١)، وعاصم الجحدري (٢)، قال: فسأل رجل أبا العالية عن قول الله : ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣) ما هو؟ ، فقال أبو العالية: هو الذي لا يدري عن كم انصرف: عن شفع أو عن وتر؟ ، فقال الحسن: مه! ليس كذلك ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ الذي يسهو عن ميقاتها حتى يفوت» (٤). وقد وقع الاتفاق بينهما في التفسير، فقد روى عاصم الأحول (٥) عن أبي

стр. 457

العالية في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١)، قال: هو رسول الله ﷺ وصاحباه أبو بكر وعمر، قال عاصم: فذكرت ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح (٢).

стр. 458

ثالثاً أثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم ينقسم نقد المفسرين من حيث أثره على المنتقَد [بفتح القاف] وتفسيره إلى قسمين: القسم الأول: نقد مؤثر؛ كانتقاد أبي صالح والكلبي، وبسبب جرحهما نزلت رتبة تفسيرهما عن غيرهما. القسم الثاني: نقد غير مؤثر، أو أثره ضعيف، وثمة أمور وملابسات تقلل من أهمية النقد، وتضعف قيمته وأثره، ومنها ما يلي: أولاً: جرح المفسر بأمور غير قادحة أو غير صحيحة، فإن المرء قد يجرح بما لا يجرح عند غيره، ومن أمثلة هذه الصورة انتقاد مجاهد وزيد بن أسلم بأنهما يفسران القرآن بالرأي، فمثل هذا النقد غير مؤثر؛ وبخاصة إذا علمنا أن رأيهما في معاني الآيات ليس مصدره الهوى والابتداع، وإنما يريان هما وغيرهما من أهل العلم أنه في حدود الرأي المسموح به. ثانياً: تراجع الناقد عن نقده، كتراجع ابن عمر في انتقاده ابن عباس على

стр. 459

جرأته في التفسير، فقد جاءه رجل يسأله عن تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (١)، فقال له: «اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني ما قال، فذهب الرجل إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال: إن ابن عباس قد أوتي علماً، صدق، هكذا كانتا، ثم قال ابن عمر: قد كنت أقول ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه قد أوتي علماً» (٢). فابن عمر رجع عن انتقاد ابن عباس لمّا رأى جرأته في محلها، إذ لم تكن سوى جرأة العالم المدرك لما يقول، ولذا جاء عن ابن عمر روايات تشيد بابن عباس وعلو شأنه في هذا العلم (٣). ثالثاً: اعتبار نقد بعض المفسرين من كلام الأقران بعضهم في بعض، وبخاصة عندما يقع نتيجة اختلاف حول معنى آية، ولذا ينبغي التأمل فيه، والتروي في قبوله، وقد تنبه العلماء لهذا الأمر ونبهوا عليه: فعن ابن عباس ﵄ قال: «خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول

стр. 460

الفقهاء بعضهم على بعض» (١). وأفرد ابن عبد البر لهذا الأمر باباً خاصاً سماه "حكم قول العلماء بعضهم في بعض" واعتبر كلام ابن المسيب في عكرمة من هذا القبيل، وتقدمت الإشارة إليه قبل قليل. والذهبي في عدة مواطن من كتبه ينقل جرح بعض العلماء، وينبه إلى أنه من قبيل كلام العلماء وقدحهم في أقرانهم، فعندما نقل ما وقع بين ابن أبي ذئب (٢) والإمام مالك قال: «وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما ﵄» (٣). ويقول في موضع آخر: «وما زال العلماء الأقران يتكلم بعضهم في بعض بحسب اجتهادهم، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ » (٤).

стр. 461

رابعاً: مقابلة نقد بعض المفسرين بثناء من أثنى عليهم من العلماء، وقد يكون فيهم من هو أجل قدراً، وأرفع منزلة من الناقد، وقد يكون أعرف بالمنتقَد وأدرى به، ومن أمثلته: ثناء ابن عباس على تلميذه عكرمة وتزكيته له في مقابل نقد ابن المسيب. وثناء إسماعيل ابن أبي خالد على السدي في مقابل نقد الشعبي، وهذا يعود بنا إلى المسألة المشهورة في علم الجرح والتعديل، وهي تعارض الجرح والتعديل وأيهما يقدم؟ (١). * ومن المهم قبل أن نختم هذا الفصل التنبيه على مسالة مهمة، وهي أن بعض العلماء تسامحوا في نقل التفسير عن رجال تكلم في عدالتهم وسماعهم من شيوخهم مع ترك الاحتجاج بهم في نقل حديث النبي ﷺ ، وممن أشار إلى ذلك يحيى بن سعيد القطان؛ أحد الأئمة في معرفة الرجال ونقدهم، يقول ﵀: «تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث، ثم ذكر ليث بن أبي سليم (٢)،

стр. 462

وجويبر بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب، وقال: هؤلاء لا يحمد أمرهم، ويكتب التفسير عنهم» (١). وذكر الخطيب البغدادي (٢) «أن العلماء قد احتجوا في التفسير بقوم لم يحتجوا بهم في مسند الأحاديث المتعلقة بالأحكام، وذلك لسوء حفظهم الحديث وشغلهم بالتفسير»، ثم ذكر كلام يحيى بن سعيد (٣). وجاء في كلام الإمام أحمد ما يتفق مع كلام الخطيب، فإنه قال في جويبر بن سعيد: «ما كان عن الضحاك فهو أيسر، وما كان يسند عن النبي ﷺ فهو منكر» (٤).

стр. 463

وهذا المنهج سلكه بعض المفسرين الذين اعتنوا بنقل الآثار كابن جرير وابن أبي حاتم، سيما من لم يكن الطعن فيه شديداً، كرواية الضحاك عن ابن عباس، ورواية أبي صالح عنه من غير طريق الكلبي. وهذا الكلام يفيد أمرين: الأول: أن بعض العلماء قد يجرح في جزئية من الجزئيات، ولا يعني بالضرورة جرحه من كل جهة، واطراحه من كل وجه، فيكون حجة في بعض العلوم التي صرف عنايته إليها، والجرح والتعديل الجزئي من منهج المحدثين، فينتقدون بعض الرواة أو يوثقونهم بالنسبة إلى شيخ أو بلد أو وقت (١)، ومن الأمثلة التوضيحية في غير التفسير: ١ - عاصم بن أبي النجود ﵀ (٢)، قال عنه الخطيب البغدادي: «احتج به في القراءات دون الأحاديث المسندات؛ لغلبة علم القرآن عليه فصرف عنايته إليه» (٣).

стр. 464

٢ - محمد بن إسحاق ﵀، قال الذهبي بعد ذكر ما كان بينه وبين الإمام مالك: «وهذان الرجلان كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثَّر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكراً، هذا الذي عندي في حاله، والله أعلم» (١). الثاني: أن نقد المفسر في روايته ونقله لا يعني بالضرورة أن تطرح آراؤه وأقواله في التفسير، فينبغي التفريق بين روايته ورأيه (٢)، ولذا ذكرنا في آخر ترجمة المنتقدين ثناء العلماء عليهم في التفسير وعنايتهم به للإشارة إلى مكانتهم في هذا الفن ومنزلتهم فيه.

стр. 465

الفصل الثالث نقد الأقوال وفيه: أولاً: طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية. ثانياً: طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية. ثالثاً: الرجوع عن القول.

стр. 466

نقد الأقوال والمرويات في معاني الآيات من أوسع مجالات نقد التفسير وأرحبها، فلم يكن الصحابة والتابعون ﵃ يقبلون كل رأي في معنى الآية، ولا يعني ذلك أن ينتقدوا كل قول، فقد تكون بعض الأقوال ضعيفة لديهم ولا ينتقدونها؛ إما لأنها لم تبلغهم، أو أنهم يرونها من الخلاف اليسير المحتمل، ويحتمل أنهم انتقدوها لكن لم يبلغنا ذلك. أولاً: طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية عند نظر الصحابة والتابعين ﵃ فيما قيل في تفسير الآية، فلا يخلو الأمر من أربع حالات: الحالة الأولى: تصويب القول . ومن أمثلتها:

стр. 467

١ - عن عمرو بن شرحبيل (١) قال: «قال ابن مسعود: يا عمرو ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (٢)، أو ما تراها؟ ، قال عمرو: أراها البقر، قال عبد الله: وأنا أراها البقر» (٣). ٢ - وعن ابن أبي نجيح (٤) في قول الله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥) قال: «سمعت عكرمة قال: قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أيضاً فإني أرزقه من الدنيا حين استرزق إبراهيم لمن آمن، قال ابن أبي نجيح: سمعت هذا من عكرمة، ثم عرضته على مجاهد فلم ينكره».

стр. 468

وعنه قال في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ «ثم مصير الكافر إلى النار، قال ابن أبي نجيح: سمعته من عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره» (١). ٣ - وعن مطرف (٢) قال: «كنا عند الحكم (٣)، فحدثه رجل من البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، قال الحكم: ألم أخبركم بذلك؟ » (٤).

стр. 469

الحالة الثانية: تصويب القول مع تقييده . ومن أمثلة هذه الحالة: ١ - عن سعيد بن جبير قال: «سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (١) قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم» (٢). ٢ - وعن حكيم بن جبير (٣) قال: «سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)، فقلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا، قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها فقرأت عليه، فقال: لا؛ بل نزلت علينا، ثم لقيت مقسماً

стр. 470

مولى ابن عباس (١)، فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة، وقلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا، قال: إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم، ثم دخلت على علي بن الحسين، فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة، وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير ومقسماً، قال: فما قال مقسم؟ ، فأخبرته بما قال، قال: صدق، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك، وفسق ليس كفسق الشرك وظلم ليس كظلم الشرك، فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال، فقال سعيد بن جبير لابنه: كيف رأيته لقد وجدت له فضلاً عليك وعلى مقسم؟ ! » (٢). الحالة الثالثة: تضعيف القول . وهو على قسمين: القسم الأول: الاكتفاء بتضعيف القول فقط . ومن أمثلته:

стр. 471

١ - عن أبي البختري (١) قال: «سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فقيل: ذلك في بني إسرائيل؟ قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كل مرة، ولكم كل حلوة! ، كلا والله، لتسلكن طريقهم قدى الشراك» (٢). ٢ - وأورد الطبري في قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٣) عن سعيد بن المسيب أنه قال لرجل: «ممن أنت؟ ، فقال: من أهل العراق، فقال سعيد: لعلك ممن يقول: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت، لا، ولو مضت أربع سنين» (٤). ٣ - وقيل لسعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٥) «أهو عبد الله بن

стр. 472

سلام؟ ، قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام؟ ! » (١). القسم الثاني: تضعيف القول، وذكر القول الراجح . ومن أمثلته: ١ - في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (٢) ورد عن غير واحد من السلف أن الهجر يشمل هجر الجماع (٣)، وأنكر ابن عباس ذلك، فقال: «يهجرها بلسانه، ويُغْلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها». وفي رواية قال: «يعظها فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد» (٤). ٢ - وعن عكرمة قال: «إنما الهجران بالمنطق أن يغلظ لها، وليس بالجماع» (٥). ٣ - وفي قول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا

стр. 473

النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) قال مجاهد: «ما مُدّ النبي ﷺ مما ذكر الله غير ألف من الملائكة مردفين، وذكر الثلاثة والخمسة بشرى، ما مُدُّوا بأكثر من هذه الألف الذي ذكر الله في "الأنفال"، وأما الثلاثة الخمسة فكانت بشرى» (٢). والقول بأنهم أمدوا قول قتادة، فإنه قال في قوله: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (٣): «أمدوا بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾» (٤). ٤ - وعن عكرمة أنه ذكر له قول الحسن أن اللمم هي الخطرة من الزنا، فقال: «لا، ولكنها الضمة والقبلة والشمة» (٥). ٥ - وعن الضحاك قال: «يقول ناس من الناس: إن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 474

سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (١) يعني من الناس أجمعين، وليس كذلك؛ إنما يعني من يعبد الله تعالى وهو لله مطيع؛ مثل: عيسى وأمه وعزير والملائكة، واستثنى الله هؤلاء من الآلهة المعبودة التي هي ومن يعبدها في النار» (٢). الحالة الرابعة: التوقف في معنى الآية، وعدم الجزم بصحة رأي معين، ومن أمثلته: - عن مغيرة قال: «سئل مجاهد ونحن عند إبراهيم، عن قوله: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (٣)، قال: لا أدري، فانتهره إبراهيم، وقال: لم لا تدري؟ ، فقال: إنهم يروون عن علي ﵁ وكنا نسمع أنها البقر، فقال إبراهيم: هي البقر الجواري، الكنس: حُجرة بقر الوحش التي تأوي إليها، والخنس الجواري: البقر» (٤). فمجاهد توقف في معنى الآية مع أنه سمع في معناها شيئاً، لكن لعدم جزمه

стр. 475

بصحته توقف، وقال: لا أدري، وفي رواية قال: «لا أدري يزعمون أنها البقر» (١). ويرد أحياناً أن الصحابة والتابعين يسألون عن تفسير آية، فيتوقفون في معناها، ومن أمثلته: ١ - في قول الله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ (٢) قال ابن عباس: «لا والله ما أدري ما حناناً». وعن منصور قال: «سألت سعيد بن جبير عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يحر فيه شيئاً» (٣). وفي بعض الروايات لم يجزم ابن عباس بمعناها، فقال: «لا أدري ما هو، إلا أني أظنه تعطف الله على خلقه بالرحمة» (٤). وجاء عن ابن عباس روايات أخرى أنه فسرها، فعن عكرمة أن ابن عباس قال فيها: «التعطف بالرحمة» (٥). فيحتمل أن ابن عباس كان لا يعرف تفسيرها فتوقف، ثم لما عرف ذلك قال

стр. 476

به، والله أعلم. ٢ - وعن الشعبي قال: «أعياني أن أعلم ما المحروم» (١). ٣ - وسأل رجل عكرمة عن معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) فقال: لا أدري (٣). ٤ - وسأل ابن جريج عطاء عن قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٤) فيمن نزلت؟ ، فقال: لا أدري (٥).

стр. 477

ثانياً: طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية يرد كثيراً عن الصحابة التابعين ذكر الخلاف في تفسير الآية؛ إما أن يذكروه هم أو يُذكر لهم، ولا يخلو الأمر حينئذٍ من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: ذكر الأقوال دون ترجيح. ومن أمثلتها: ١ - عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (١) قال: «اختلف الناس في ذلك؛ فمنهم من قال: يمنعون الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية» (٢). ٢ - وعنه في قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (٣) قال: «كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي ﷺ ليعقره وأصحابه، ويقال: ﴿حَمَّالَةَ

стр. 478

الْحَطَبِ﴾: نقَّالة الحديث» (١). ٣ - وعن قتادة في هذه الآية قال: «كانت تحطب الكلام وتمشي بالنميمة، وقال بعضهم: كانت تعَيِّر رسول الله بالفقر وكانت تحطب، فعُيِّرت بأنها كانت تحطب» (٢). ٤ - وعن عطاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٣) قال: «يقول ناس: إنها في الصلاة، ويقول آخرون: إنها في الدعاء» (٤). ٥ - وعن الضحاك في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (٥) قال: «يزعمون أنها قصور في السماء، ويقال: هي الكواكب» (٦).

стр. 479

الحالة الثانية: ترجيح أحد الأقوال. ومن أمثلتها: ١ - أن عمر ﵁ قال لجلسائه: «ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿ ... إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (١)؟ ، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لابن عباس: أكذاك تقول يا بن عباس؟ ، فقال: لا، قال: فما تقول؟ ، قال: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٢)، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» (٣). ٢ - وعن سعيد بن جبير قال: «ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في" اللمس"، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: من أي الفريقين كنت؟ ، قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي، إن المس واللمس، والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما

стр. 480

شاء» (١). الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال. ومن أمثلتها: ١ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٢) روى أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «أنه قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال أبو بشر: فقلت لسعيد: فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه» (٣). ٢ - وروى الزهري عن ابن المسيب قال: «لما طعن عمر قال كعب: لو أن عمر دعا الله لأَخَّر في أجله، فقال الناس: سبحان الله! أليس قد قال الله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؟ (٤)، فقال كعب: أوليس قد قال الله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٥)، قال الزهري: فنرى أن

стр. 481

ذلك ما لم يحضر الأجل فإذا حضر لم يؤخر، وليس أحد إلا وله أجل مكتوب» (١). ٣ - وقيل له: «إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: هو الحارث بن غيطلة، وقال عكرمة: هو الحارث بن قيس، فقال: صدقا؛ كانت أمه تسمى غيطلة وأبوه قيس» (٢). وإذا انتقد الصحابة والتابعون قولاً في تفسير آية فإما أن يبينوا وجه نقده وسببه، والأسباب متعددة، وشواهدها كثيرة جداً، وقد أفردت في فصل خاص، وإما أن يكتفوا بنقده وتضعيفه دون بيان السبب، وشواهده كثيرة جداً وقد مر بعضها.

стр. 482

ثالثاً الرجوع عن القول رجوع المفسر عن رأيه يعتبر نقداً له؛ إذ لو كان صحيحاً عنده لم يرجع عنه، وقد ذكر الأصوليون أن المجتهد إذا كان له في مسالة قولان، وعلم المتأخر منهما، فالمتأخر هو المعتمد، ويعتبر ناسخاً للقول الأول؛ لما فيه من الرجوع عنه، وهذا قول أكثرهم، ومن قال: إن المعتمد الأول - على ضعف هذا القول - اشترط بأن لا يصرح برجوعه عن قوله الأول، والشواهد الآتية جاء التصريح في أغلبها برجوع قائليها عن أقوالهم، وقد جاء عن الشافعي أنه قال: «ليس في حل من روى عني القديم» (١)، ومن أمثلته: ١ - رجوع ابن عباس عن رأيه في عدة الحامل المتوفى عنها، وكان يرى أنها تعتد بأبعد الأجلين؛ مستدلاً بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ

стр. 483

حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، فلما بلغته السنة رجع عن قوله (٢). ٢ - وعن إبراهيم قال: «مر بي عكرمة، فسألته عن البطشة الكبرى، فقال: يوم القيامة، فقلت: إن عبد الله بن مسعود كان يقول: يوم بدر، وأخبرني من سأله بعدُ، فقال: يوم بدر» (٣). قال ابن حجر: «هذا يوجب الثناء على عكرمة؛ إذ كان يظن شيئاً فبلغه عمن هو أولى منه خلافه، فترك قوله لأجل قوله» (٤). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٥). اختلف سعيد بن جبير مع مجاهد وطاوس، فعن أبي بشر عن سعيد قال: «﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: هو الزوج، وقال مجاهد وطاوس: هو الولي، قال: قلت لسعيد: فإن مجاهداً وطاوساً يقولان: هو الولي؟ قال سعيد: فما تأمرني إذاً؟ ثم

стр. 484

قال: أرأيت لو أن الولي عفا وأبت المرأة، أكان يجوز ذلك؟ ، فرجعت إليهما فحدثتهما، فرجعا عن قولهما وتابعا سعيداً» (١). وفي رواية: «فكلماه في ذلك، فما برحا حتى تابعا سعيداً» (٢). ٤ - وعن الشعبي: «أن رجلاً تزوج امرأة فوجدها دميمة فطلقها قبل أن يدخل بها، فعفا وليها عن نصف الصداق، قال: فخاصمته إلى شريح، فقال لها شريح: قد عفا وليك، ثم إنه رجع بعد ذلك، فجعل الذي بيده عقدة النكاح الزوج» (٣). ٥ - وعن السدي قال: «قلت لإبراهيم: أرأيت قول الله: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٤)؟ ، قال: الشك، قلت: لا، قال: فما تقول أنت؟ ، قلت: القوم بنوا مسجداً ضراراً، وهم كفار حين بنوا، فلما دخلوا في الإسلام جعلوا لا يزالون يذكرون، فيقع في قلوبهم مشقة من ذلك فتراجعوا له، فقالوا: يا ليتنا لم نكن فعلنا، وكلما ذكروه وقع من ذلك في قلوبهم مشقة وندموا،

стр. 485

فقال إبراهيم: استغفر الله» (١). ولم ينته الحديث عن نقد الأقوال، فالفصل الآتي تتمة لهذا الفصل، وهو في الأسس التي يعتمد عليها الصحابة والتابعون ﵃ في نقد الأقوال، وبالله التوفيق.

стр. 486

الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره وفيه فصلان: الفصل الأول: أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين. الفصل الثاني: أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير.

стр. 487

الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأسس المتعلقة بالرواية. المبحث الثاني: الأسس المتعلقة بالدراية.

стр. 488

المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية وفيه: أولاً: مخالفة القرآن الكريم. ثانياً: مخالفة السنة النبوية. ثالثاً: مخالفة سبب النزول. رابعاً: مخالفة التاريخ. خامساً: الطعن في صحة نقل التفسير.

стр. 489

والمراد بالأسس المتعلقة بالرواية الأسس التي يعتمد فيها الناقد بشكل أساس على المنقول، وليس المراد بالرواية الاصطلاح الشائع بين المفسرين والذي تدخل فيه أقوال الصحابة والتابعين ﵃ التي هي محل بحثنا. أولاً مخالفة القرآن الكريم من القواعد المقررة عند الصحابة والتابعين ﵃ تقديم القرآن الكريم على قول كل أحد، فكل تفسير أو فهم خالف القرآن فهو مردود على صاحبه. ومن أقوالهم في ذلك: ١ - قول عمر ﵁: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾» (١). فعمر أخذ بظاهر الآية في أن المطلقة لها النفقة والسكنى، ومنها المطلقة

стр. 490

البائن ولم يقبل قول المرأة، وهي فاطمة بنت قيس ﵂ (١)، فقد كانت تقول: لا نفقة لها ولا سكنى، وتتأول الآية التي استدل بها عمر على أنها في الرجعية، وتقول: بيني وبينكم القرآن، قال الله : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية، وتقول: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ! (٢). وتستدل أيضاً بأن النبي ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى حين بت زوجها طلاقها (٣)، لكنَّ عمر تمسك بعموم الآية، وقال ما قال. وأياً ما كان الصواب معه في قول عمر أو مخالفيه، فإن المراد بيان مدى تعظيم الصحابة ﵃ للقرآن، وأنهم لا يقبلون عليه قول أحد، ولا يخرجون عنه إلا بيقين، ولا يظن بعمر ﵁ أنه يرد حديث النبي ﷺ ، وإنما لأنه لم يتحقق من ثبوته عنه، ولذا أضاف القول إلى من هو دونه، وأشار في كلامه إلى عدم طمأنينته من نقل الرواي، فقال: «لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت» (٤)، ولما كانت المرأة عنده بهذه

стр. 491

الحال لم يقبل قولها على كتاب الله الذي تحقق من ثبوته ودلالته. ٢ - وفسر زيد بن علي ﵀ (١) الدخان الوارد في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢) بأنه يجيء قبل يوم القيامة فيأخذ بأنف المؤمن الزكام، ويأخذ بمسامع الكافر، فعارضه بعض الحاضرين بأن الدخان قد مضى، وأنه أصاب الناس جهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دخاناً، ونقل ذلك عن ابن مسعود، فقال زيد ﵀: أما إن رسول الله ﷺ قد قال: «إنكم سيجيئكم رواة فما وافق القرآن فخذوا به، وما كان غير ذلك فدعوه» (٣).

стр. 492

صور نقد التفسير بالقرآن الكريم واستدلال الصحابة والتابعين بالقرآن الكريم على ضعف بعض التفاسير له صور: الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية . وإهمال سياق الآية، واقتطاع النص القرآني، وعزله عما قبله وما بعده سبب لوقوع الخلل في فهم القرآن والخطأ في تفسيره، ويؤكد ابن جرير أنه «غير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد» (١). وفي خطورة إهماله يقول ابن القيم: «السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٢)

стр. 493

كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير؟ » (١). وانتقاد التفسير بالسياق القرآني من القواعد التي يحتكم إليها المفسرون، فيردون به أقوالاً في معاني الآيات: يقول ابن عطية رداً على قول في تفسير آية: «وهذا القول وإن كانت ألفاظ هذه الآية تقتضيه، فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به» (٢). ويرد ابن القيم على من قال: إن قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣) يراد به التهديد والوعيد، فيقول: «والسياق يأبى هذا ويمنعه ولا يناسبه لمن تأمله» (٤). والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام: القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق . ومن أمثلته:

стр. 494

١ - قال رجل لعلي ﵁: «يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١)، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ ! ، فقال له: ادنه، ادنه! ، ثم قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، يوم القيامة». وفي رواية أن علياً قال: «ادنه ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ يوم القيامة ﴿لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾» (٢). فبين علي ﵁ أن قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يمنع أن يكون المراد ما فهمه الرجل من ظهور الكفار على المؤمنين في الدنيا وقتلهم. ٢ - وقال عروة لعائشة: «ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ (٣)، قالت: يا بن أختي ألا ترى أنه يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؟ ! ، قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن

стр. 495

هشام (١) فقال: هذا العلم» (٢). فعروة ﵀ فهم من قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ رفع الحرج والإثم عمن لم يطف بين الصفا والمروة، فبينت له عائشة أن سياق الآية يرد هذا الفهم، فالآية نصت على أن الصفا والمروة من شعائر الله، وهذا يقتضي تعظيمهما والطواف بهما، وهذا فهم دقيق من عائشة ﵂، ولذا أثنى أبو بكر بن عبد الرحمن - وهو من كبار التابعين - عليها. ٣ - وتقدم أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵄: «يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴾ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٣)؟ ، فقال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها! هذه للكفار» (٤). والذي فوقها هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
следующие страницы →