← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الحال لم يقبل قولها على كتاب الله الذي تحقق من ثبوته ودلالته. ٢ - وفسر زيد بن علي ﵀ (١) الدخان الوارد في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٢) بأنه يجيء قبل يوم القيامة فيأخذ بأنف المؤمن الزكام، ويأخذ بمسامع الكافر، فعارضه بعض الحاضرين بأن الدخان قد مضى، وأنه أصاب الناس جهد حتى جعل الرجل يرى ما بينه وبين السماء دخاناً، ونقل ذلك عن ابن مسعود، فقال زيد ﵀: أما إن رسول الله ﷺ قد قال: «إنكم سيجيئكم رواة فما وافق القرآن فخذوا به، وما كان غير ذلك فدعوه» (٣).

стр. 492

صور نقد التفسير بالقرآن الكريم واستدلال الصحابة والتابعين بالقرآن الكريم على ضعف بعض التفاسير له صور: الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية . وإهمال سياق الآية، واقتطاع النص القرآني، وعزله عما قبله وما بعده سبب لوقوع الخلل في فهم القرآن والخطأ في تفسيره، ويؤكد ابن جرير أنه «غير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد» (١). وفي خطورة إهماله يقول ابن القيم: «السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٢)

стр. 493

كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير؟ » (١). وانتقاد التفسير بالسياق القرآني من القواعد التي يحتكم إليها المفسرون، فيردون به أقوالاً في معاني الآيات: يقول ابن عطية رداً على قول في تفسير آية: «وهذا القول وإن كانت ألفاظ هذه الآية تقتضيه، فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به» (٢). ويرد ابن القيم على من قال: إن قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣) يراد به التهديد والوعيد، فيقول: «والسياق يأبى هذا ويمنعه ولا يناسبه لمن تأمله» (٤). والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام: القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق . ومن أمثلته:

стр. 494

١ - قال رجل لعلي ﵁: «يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١)، وهم يقاتلوننا فيظهرون ويقتلون؟ ! ، فقال له: ادنه، ادنه! ، ثم قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، يوم القيامة». وفي رواية أن علياً قال: «ادنه ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ يوم القيامة ﴿لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾» (٢). فبين علي ﵁ أن قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يمنع أن يكون المراد ما فهمه الرجل من ظهور الكفار على المؤمنين في الدنيا وقتلهم. ٢ - وقال عروة لعائشة: «ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ (٣)، قالت: يا بن أختي ألا ترى أنه يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؟ ! ، قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن

стр. 495

هشام (١) فقال: هذا العلم» (٢). فعروة ﵀ فهم من قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ رفع الحرج والإثم عمن لم يطف بين الصفا والمروة، فبينت له عائشة أن سياق الآية يرد هذا الفهم، فالآية نصت على أن الصفا والمروة من شعائر الله، وهذا يقتضي تعظيمهما والطواف بهما، وهذا فهم دقيق من عائشة ﵂، ولذا أثنى أبو بكر بن عبد الرحمن - وهو من كبار التابعين - عليها. ٣ - وتقدم أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس ﵄: «يا أعمى البصر أعمى القلب تزعم أن قوماً يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز: ﴾ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ (٣)؟ ، فقال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها! هذه للكفار» (٤). والذي فوقها هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ

стр. 496

أَلِيمٌ﴾ (١)، فالآيات تتحدث عن الكفار. ٤ - ووقع لجابر ﵁ نفس الشيء مع بعض الخوارج، فعن يزيد الفقير قال: «جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث، فحدث أن أناساً يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذٍ أنكر ذلك، فغضبت، وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد! ، تزعمون أن الله يخرج ناساً من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾، فانتهرني أصحابه، وكان أحلمهم، فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾». وفي رواية أن جابراً قال له: «اتل أول الآية» (٢). القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية .

стр. 497

ومن أمثلة هذا القسم: ١ - لما قدم خراج العراق خرج عمر ﵁ مع مولاه، فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل يقول: «الحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته، يشير إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١)، فقال عمر: كذبت! ليس هذا هو، يقول الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وهذا مما تجمعون» (٢). فاستدل عمر بآخر الآية: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ على خطأ فهم مولاه، فالأموال التي قال فيها المولى: هذا والله من فضل الله ورحمته مما يجمع الناس، والآية تدل على أن المشار إليه، والذي أمرنا بالفرح به خير مما يجمعون، والمشار إليه هو قوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). ٢ - وعن مصعب بن سعد (٤) قال: «كنت أقرأ على أبي حتى إذا بلغت هذه

стр. 498

الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (١) قلت: يا أبتاه أهم الخوارج؟ ، قال: لا يا بني اقرأ الآية التي بعدها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٢)، قال: هم المجتهدون من النصارى كان كفرهم بآيات ربهم بمحمد ولقائه، وقالوا: ليس في الجنة طعام ولا شراب، ولكن الخوارج هم الفاسقون الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون» (٣). وفي رواية أن مصعباً لما سأل أباه عن هذه الآية، وقال له: «هم الحرورية؟ ، قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً ﷺ ، وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيْثَاقِهِ﴾ (٤)، وكان سعد يسميهم الفاسقين» (٥). والقول بأن الخوارج هم الأخسرون أعمالاً قال به علي ﵁، فقد سأله ابن

стр. 499

الكواء، فقال: من ﴿ ... بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾؟ قال: ويلك، منهم أهل حروراء (١). قال ابن حجر: «ولعل هذا هو السبب في سؤال مصعب أباه عن ذلك» (٢). وقد أنكر سعد ﵁ أن يكون المراد بهم الخوارج مستدلاً بالآية التي بعدها، والتي بينت أن الأخسرين أعمالاً كافرون بآيات الله ولقائه، وبين وجه كفر المعنيين بها، فاليهود كذبوا محمداً ﷺ ، والنصارى كفروا بالجنة، فنظر إلى الآيات متكاملة، ويبدو أنه كان لا يكفر الخوارج، ولذا جاء في رواية البخاري أن سعداً كان يسميهم الفاسقين. وفي رواية أنه لما سئل هذا السؤال قال: «لا، ولكنهم أصحاب الصوامع، والحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم» (٣). أما علي ﵁ فنظر إلى عموم اللفظ من جهة أن «فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا، لأنهم يرتكبون أمراً شنيعة من الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة، فقد ضل سعيهم وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وإن كانوا في ذلك أقل

стр. 500

من الكفار المجاهرين، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب» (١). ٣ - وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) قال: «الحصر حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو ضلال أو كسر فلا شيء عليه، إنما قال الله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾، فلا يكون الأمن إلا من الخوف» (٣). فذكر الأمن يفسر المقصود بالحصر في أول الآية، فلا يشمل المرض ونحوه، قال الشنقيطي (٤): «وقال قوم: المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك، ولكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم، لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه

стр. 501

الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدو»، ثم قال: «الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه أن المراد بالإحصار في الآية: إحصار العدو، وأن من أصابه مرض ونحوه لا يحل إلا بعمرة، لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية، ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية» (١). ويرى غير ابن عباس أن الحصر في الآية يشمل حصر العدو وغيره كالمرض (٢). ٤ - قد يحتج من يرتكب المعاصي بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) وأن ما يفعله من الذنوب داخل في مدلول هذه الآية، فنبه ابن عباس ﵄ إلى أن الآية لا تشمل المعاصي، وقال: «يريد مصائب المعاش، ولا يريد مصائب الدين؛ إنه قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٤)، وليس على مصائب

стр. 502

الدين، أمرهم أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة» (١). ومن شروط التوبة التي ذكرها العلماء الندم على اقتراف المعاصي، فالمؤمن مأمور بالحزن على المعاصي والفرح بالحسنات، وفي الحديث: «من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن» (٢)، وهذا يتعارض مع التعليل المذكور في الآية، مما يؤكد عدم دخول السيئات في الآية، ومن القواعد المقررة في العقيدة أنه يجوز الاحتجاج بالقدر على المصائب دون المعائب (٣).

стр. 503

القسم الثالث: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية وما بعدها . ومن أمثلة هذا القسم: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). ذهب كثير من العلماء إلى أن مخالعة المرأة زوجها تعد طلاقاً محسوباً من التطليقات الثلاث (٢). وذهب ابن عباس وغيره إلى أنها فسخ وليست طلاقاً، وانتقد ابن عباس من عدها طلاقاً، فعن طاوس قال: «لولا أنه علم لا يحل لي كتمانه ما حدثته أحداً، كان ابن عباس لا يرى الفداء طلاقاً حتى يطلق، ثم يقول: ألا ترى أنه ذكر الطلاق من قبله، ثم ذكر الفداء فلم يجعله طلاقاً، ثم قال في الثانية: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)، ولم يجعل الفداء بينهما طلاقاً، وكان يقول: ذكر الله الطلاق قبل الفداء وبعده، وذكر الله الفداء بين ذلك، فلا اسمعه ذكر في الفداء طلاقاً، قال: وكان لا يراه تطليقة» (٤).

стр. 504

ومراده أن الآيات ذكرت ثلاث تطليقات؛ طلقتين في قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، والثالثة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ والخلع مذكور بينها؛ مما يدل على أنه ليس طلاقاً. ٢ - وعن حكيم بن جبير قال: «سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، فقلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا، قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها فقرأت عليه، فقال: لا؛ بل نزلت علينا» (٢). الصورة الثانية: مخالفة ظاهر الآية ومن أمثلة هذه الصورة:

стр. 505

- أن بعض السلف قال إن كفارة قتل الصيد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية (١) لا فرق فيها بين العمد والخطأ: فعن ابن عباس قال: «إن قتله متعمداً أو ناسياً، حكم عليه، وإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة، إلا أن يعفو الله» (٢). وعن سعيد بن جبير قال: «إنما جعلت الكفارة في العمد، ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا» (٣). وعن عطاء قال: «يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان» (٤). وأنكر طاوس ذلك متمسكاً بظاهر الآية، وقال: «والله ما قال الله إلا ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾». ويقول: «لا يحكم على من أصاب صيدًا خطأ، إنما يحكم على من أصابه

стр. 506

متعمداً» (١). قال ابن كثير: «وهذا مذهب غريب عن طاوس، وهو متمسك بظاهر الآية» (٢). وأيد الشنقيطي قول طاوس وقال: «هذا القول قوي جداً من جهة النظر والدليل» (٣)، وبين أن قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ يدل على أنه متعمد أمراً لا يجوز، أما الناسي فهو غير آثم إجماعاً، فلا يناسب أن يقال فيه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ (٤). والآية وإن كانت صريحة في أن الجزاء إنما يجب على المتعمد، فقد دلت السنة على وجوبه على المخطئ كذلك، فعن الزهري قال: «نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطأ» (٥)، فـ «القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه

стр. 507

بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (١)، وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل الكتاب عليه في العَمْد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمّد مأثوم، والمخطئ غير مَلُوم» (٢). الصورة الثالثة: نقد التفسير بآية أخرى . ومن أمثلة هذه الصورة: ١ - ردَّ ابن عباس على من زعم أنه لا يجوز للمجاهد أن يقاتل الأعداء إذا كانوا أكثر من اثنين في مقابل الواحد، وأن من أقدم على القتال فهو آثم، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (٣)، يقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ الآية (٤): «إن الله كان جعل على كل رجل من المسلمين عشرة من العدو يغريهم بذلك، ليوطنوا أنفسهم على الغزو، وأن الله ناصرهم على العدو، ولم يكن أمراً عزمه الله عليهم ولا أوجبه، ولكن كان تحريضاً ووصية أمر الله بها نبيه، ثم خفف عنهم فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ

стр. 508

عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ (١)، فجعل على كل رجل رجلين بعد ذلك تخفيفاً، ليعلم المؤمنون أن الله بهم رحيم، فتوكلوا على الله وصبروا وصدقوا، ولو كان عليهم واجباً كفروا إذن؛ كل رجل من المسلمين نكل عمن لقي من الكفار إذا كانوا أكثر منهم فلم يقاتلوهم، فلا يغرنك قول رجال، فإني قد سمعت رجالاً يقولون: إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون على كل رجل رجلان، وحتى يكون على كل رجلين أربعة، ثم بحساب ذلك، وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عدة ذلك، وإنه لا حرج عليهم أن لا يقاتلوا حتى يبلغوا عدة أن يكون على كل رجل رجلان، وعلى كل رجلين أربعة، وقد قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢)، وقال الله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، فهو التحريض الذي أنزل الله عليهم في "الأنفال"، فلا تعجزن، قاتل قد سقطت بين ظهري أناس كما شاء الله أن يكونوا» (٤). ٢ - وقيل لأبي العالية: «إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال: ولم ذاك؟ ، قالوا: يتأولون هذه الآية: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ

стр. 509

حَسَنَاتٍ﴾ (١)، فقال أبو العالية: وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال: آمنت بما أنزل الله من كتاب، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾» (٢). فهذه الآية تخبر بمدى إشفاق المرء يوم القيامة من ذنوبه، وتمنيه أن يكون بينه وبينها أمداً بعيداً، وهذا يمنع محبة المسلم الاستكثار من السيئات، فالاستدلال بآية الفرقان على الاستكثار من الذنوب غير صحيح، فتبديل السيئات حسنات مشروط بالتوبة منها قبل الموافاة، كما دل عليه سياق الآية: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ٣ - وعن محمد بن كعب القرظي قال: «إن الذي أمر الله إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله، في قصة الخبر عن إبراهيم وما أمر به من ذبح ابنه أنه إسماعيل، وذلك أن الله يقول حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣)، ثم يقول: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٤) يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن يأمر بذبح إسحاق وله فيه من

стр. 510

الله موعود بما وعده، وما الذي أُمر بذبحه إلا إسماعيل» (١). قال الرازي (٢) في الحجج على أن الذبيح إسماعيل ﵇: «الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، فنقول: لو كان الذبيح إسحاق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب منه أو بعد ذلك، فالأول: باطل لأنه تعالى لما بشرها بإسحاق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب، فقَبْل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه، وإلا حصل الخُلْف في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، والثاني: باطل ... فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحاق» (٣). وقال ابن كثير: «ومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به، وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده؟ ! ، ووعد الله حق لا خُلْفَ فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة

стр. 511

هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد» (١).

стр. 512

ثانياً مخالفة السنة النبوية حظيت السنة النبوية من قبل الصحابة والتابعين ﵃ بتعظيم مشابه لما حظي به القرآن الكريم، فقد وقفوا عند أحاديث النبي ﷺ وأقواله، فلم يعارضوها برد أو تأويل، ومن جملتها أقواله في تفسير القرآن، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (١) روى ابن جرير الطبري من حديث حماد بن سلمة (٢) عن ثابت (٣) عن أنس ﵁ قال: «قرأ رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: وضع الإبهام قريباً من طرف خنصره. قال: «فساخ الجبل»، فقال

стр. 513

حميد (١) لثابت: تقول هذا؟ ! ، فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله ﷺ ويقوله أنس، وأنا أكتمه! ! » (٢). وفي رواية: أن حميداً قال له: «ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ ! ، فضرب ثابت صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد؟ ! ، يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول أنت: ما تريد إليه؟ » (٣). ومن القناعات التامة لديهم أنه لا يمكن وجود تعارض البتة بين القرآن الكريم والسنة النبوية، ومما جاء عنهم:

стр. 514

١ - أورد ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (١) عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: «من تاب قبل موته بعام تيب عليه، حتى ذكر شهراً، حتى ذكر ساعة، حتى ذكر فواقاً (٢)، فقال رجل: كيف يكون هذا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾؟ ، فقال عبد الله: إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله ﷺ » (٣). فالرجل فهم من خبر عبد الله دخول الساعة والفواق في مدلول آية النساء: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾، وهي تنفي قبول التوبة عمن وصل هذه الحال، فاعترض بها على عبد الله، فبين له أن ما ذكره هو قول النبي ﷺ الذي لا يمكن بحال أن يتعارض مع القرآن. فالحديث أخبر بقبول التوبة قبل الموت «من تاب قبل موته»، والآية نفت

стр. 515

قبولها عند حضور الموت، وبينهما فرق، فالمراد بحضور الموت حضور علاماته كمعاينة الملائكة، وبلوغ المريض إلى حالة السياق ويأسه من الحياة وبلوغ روحه الحلقوم وضيق صدره بها، وفي هذه الحال لا تقبل التوبة، أما قبل ذلك فالتوبة مقبولة، وإن كان الزمن يسيراً، وهذا ما يفيده خبر عبد الله (١). ٢ - وحدث سعيد بن جبير يوماً بحديث عن النبي ﷺ ، فقال رجل: «في كتاب الله ما يخالف هذا، فقال سعيد: لا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعرض فيه بكتاب الله، كان رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله منك» (٢). وما قرره الصحابة والتابعون من عدم قبول ما خالف السنة أصبح قاعدة عند المفسرين عامة، فكل تفسير خالف السنة فهو مردود، وعلى ذلك اتفقت أقوالهم: فالطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) ذكر قول علقمة والشعبي في أن الزلزلة في الآية تقع في الدنيا قبيل يوم القيامة، وتعقبه بقوله: «وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة

стр. 516

والشعبي، ومن ذكرنا ذلك عنه قولٌ لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله» (١). ويقول معلقاً القول بتفسير آية على صحة الحديث الذي ورد فيه: «وإن كان صحيحاً فرسول الله ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول» (٢). ويقول ابن العربي (٣): «والنص قاطع بالمراد، قاطع بمن أراد التكلف والعناد، وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير، وليس للمتعرض إلى غيره إلا النكير، وقد كان يمكن لولا تفسير النبي ﷺ أن أحرر في ذلك مقالاً وجيزاً، وأسبك من سنام المعارف إبريزاً، إلا أن الجوهر الأغلى من عند النبي ﷺ أولى وأعلى» (٤). ويقول ابن عطية حين ذكر تفسيراً نبوياً: «وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي ﵇» (٥).

стр. 517

ويقول الآلوسي (١) حين ذكر تفسيراً يخالف ما جاء عن النبي ﷺ في تفسير "المغضوب عليهم والضالين": «وهل بعد قول رسول الله ﷺ الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس؟ ، هيهات هيهات، دون ذلك أهوال! » (٢). وقد استعمل الصحابة والتابعون هذه القاعدة، فردوا بها بعض التفسيرات، ومن الأمثلة على ذلك: ١ - أن أبا بكر الصديق ﵁ قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إلى آخر الآية (٣) وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (٤). وفي رواية قال: «أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها

стр. 518

رخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾» (١). وقد وقع لابن عمر نحو ذلك، فقد قيل له: «لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؛ فإن الله تعالى ذكره يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب»، فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم» (٢). وقد ذكر غير واحد من الصحابة نحو كلام ابن عمر في أنه لم يأت تأويل هذه الآية، فعن ابن مسعود أن رجلاً سأله عن قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال ﵁: «إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها؛ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يقبل منكم - فحينئذ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾» (٣). وعن أبي مازن (٤) قال: «انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من

стр. 519

المسلمين جلوس، وفي رواية: من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ أحدهم هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، فقال أكثرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم» (١). وقد ورد عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، فعن أبي ثعلبة الخشني (٢)، وجاءه رجل فقال له: «كيف تصنع في هذه الآية؟ ، قال: أية آية؟ ، قال: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر؛ الصبر فيهنَّ مثل قبض على الجمر، للعامل فيهنَّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله» (٣).

стр. 520

٢ - وعن علي ﵁ قال: «إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية» (٢). وقضاء النبي ﷺ بالدين قبل الوصية يدل على أن الترتيب الذي فهمه بعض الناس من الآية غير مراد. ٣ - وعن مسروق أن عائشة ﵂ قالت له: «يا أبا عائشة من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله، والله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٣)، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤) قال: وكنت متكئاً فجلست، وقلت: يا أم المؤمنين انتظري ولا تعجليني ألم يقل الله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٥)، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٦)؟ ، فقالت: أنا أول هذه الأمة سألتُ

стр. 521

رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «لم أر جبريل على صورته إلا هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عِظَمُ خلقه ما بين السماء والأرض» (١). فهم مسروق أن الضمير "الهاء" في الآيتين يعود إلى الله تعالى، فردته عائشة بما روت عن النبي ﷺ . ٤ - وعن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس: إن نوفاً يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى (٢)، فقال: كذب عدو الله، حدثنا أبيُّ بن كعب، عن النبي ﷺ قال: «إن موسى قام في بني إسرائيل خطيباً، فقيل: أي الناس أعلم؟ ، فقال: أنا، فعتب الله عليه حين لم يرد العلم إليه، فقال: بلى عبدٌ لي عند مجمع البحرين، فقال: يا رب كيف به؟ ، فقيل: تأخذ حوتاً، فتجعله في مكتل، فحيث تفقده فهو هناك، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، ثم قال لفتاه: إذا فقدتَ هذا الحوت فأخبرني» الحديث (٣).

стр. 522

ثالثاً مخالفة سبب النزول الجهل بأسباب نزول الآيات يؤدي إلى الخطأ في تأويلها، يقول الشاطبي: «إذا فات نقل بعض القرائن الدالة؛ فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد، والجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مظنة وقوع النزاع» (١). ويقول: «وهكذا شأن أسباب النزول في التعريف بمعاني المنزَّل، بحيث لو فقد ذكر السبب لم يعرف من المنزَّل معناه على الخصوص، دون تطرق الاحتمالات وتوجه الإشكالات» (٢). ومثَّلَ السيوطي لخطورة الجهل بأسباب النزول بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال: «فإنا لو تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلي لا يجب

стр. 523

عليه استقبال القبلة سفراً ولا حضراً، وهو خلاف الإجماع، فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر، أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ على اختلاف الروايات في ذلك» (١). وقد أكد الصحابة ﵃ على أن الإعراض عن سبب النزول وعدم معرفته يوقع في الانحراف عن فهم القرآن والاختلاف فيه، فقد سأل عمر ابن عباس: «كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ ! ، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن، فقرأناه وعلمنا فيم نزل؟ ، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يدرون فيم نزل؟ ، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا» (٢). وما ذكره ابن عباس وقع من أهل البدع، فعن ابن عمر ﵄ أنه قال في الخوارج: «انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين» (٣). قال الشاطبي معلقاً على قول ابن عمر: «فهذا معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن» (٤).

стр. 524

والمتقرر عند علماء الحديث أن سبب النزول له حكم الرفع إلى النبي ﷺ ، ونقل ابن حجر الاتفاق على ذلك (١)، وهذا يؤكد أهميته، ويقوي الاعتماد عليه كأساس من أسس النقد، ولذا فمخالفته مخالفة للسنة، إلا أنه ينبغي التحقق من كون الخبر سبب نزول، فقد يرد عن بعض الرواة حكاية ما يحتمل السببية، وما يحتمل التفسير، وبيان ما تضمنته الآية من أحكام؛ مثل قول الرواي: نزلت هذه الآية في كذا، وقد وقع الخلاف في رفعه إلى النبي ﷺ وإجرائه مجرى الحديث المسند، فأدخله بعض العلماء في المسند، وحكاه ابن تيمية عن البخاري (٢). ومن الشواهد عن الصحابة والتابعين على النقد بأسباب النزول ما يلي: ١ - عندما التقى المسلمون مع الروم في إحدى المعارك حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! (٣)، فقام أبو أيوب الأنصاري ﵁، فقال: «أيها الناس إنكم

стр. 525

تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو» (٢). وهذا التأويل الذي أنكره أبو أيوب أنكره غيره من الصحابة: فعن مدرك بن عوف (٣) أن الناس ذكروا عند عمر ﵁ بعض من قتل في سبيل

стр. 526

الله، وقالوا: قتل فلان وفلان، وآخرون لا نعرفهم، فقال عمر: لكن الله يعرفهم، فقالوا: ورجل اشترى نفسه، فقال مدرك بن عوف: ذاك والله خالي يا أمير المؤمنين، يزعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (١). وعن ابن عباس قال: «ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله» (٢). وعنه قال: «ليس في القتال، ولكن حبسك النفقة في سبيل الله لأنه عرضةُ تهلكةٍ» (٣). وسأل رجل البراء بن عازب ﵁ فقال: «أحمل على المشركين وحدي فيقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ ، فقال: لا، إنما التهلكة في النفقة، بعث الله رسوله فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾» (٤).

стр. 527

٢ - وعن عروة قال: «قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١)، فلا أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما؟ ، فقالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول؛ كانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد (٢)، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾» (٣). وتقدم أن عائشة ﵂ ردت عليه فهمه لهذه الآية بسياقها، فاجتمع في نقدها الاستدلال بالسياق وسبب النزول. ٣ - وعن ابن عباس قال: «أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به عمر أن يجلد، فقال: لم تجلدني؟ ! بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر: وأي

стр. 528

كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ ، قال له: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (١)، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول، فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذراً للماضين وحجة على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (٢)، ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر، فقال عمر: صدقت»، القصة (٣).

стр. 529

قال الشاطبي: «في الحديث بيان أن الغفلة عن أسباب النزول تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات» (١). وقال الزركشي: «حُكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب (٢) أنهما كانا يقولان: الخمرُ مباحة، ويحتجان بهذه الآية، وخفي عليهما سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك، وهو ما قاله الحسن وغيره: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى في بطونهم، وقد أخبر الله أنها رجس، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾» (٣). وما نقله الزركشي عن الحسن وغيره أشار إليه ابن عباس في رده على قدامة، وجاء عنه صراحة في روايات أخرى، فعنه قال في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ

стр. 530

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: «يعني بذلك رجالاً من أصحاب النبي ﷺ ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرم، فلما حرمت قالوا: كيف تكون علينا حراماً، وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟ ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها إذا كانوا محسنين متقين ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾» (١). ٤ - وقال مروان لبوابه رافع (٢): «اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ ، إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ هذه الآية، وتلا ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا
следующие страницы →