← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الله، وقالوا: قتل فلان وفلان، وآخرون لا نعرفهم، فقال عمر: لكن الله يعرفهم، فقالوا: ورجل اشترى نفسه، فقال مدرك بن عوف: ذاك والله خالي يا أمير المؤمنين، يزعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا (١). وعن ابن عباس قال: «ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله» (٢). وعنه قال: «ليس في القتال، ولكن حبسك النفقة في سبيل الله لأنه عرضةُ تهلكةٍ» (٣). وسأل رجل البراء بن عازب ﵁ فقال: «أحمل على المشركين وحدي فيقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ ، فقال: لا، إنما التهلكة في النفقة، بعث الله رسوله فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾» (٤).

стр. 527

٢ - وعن عروة قال: «قلت لعائشة ﵂ زوج النبي ﷺ وأنا يومئذ حديث السن: أرأيت قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١)، فلا أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما؟ ، فقالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول؛ كانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يهلون لمناة، وكانت مناة حذو قديد (٢)، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾» (٣). وتقدم أن عائشة ﵂ ردت عليه فهمه لهذه الآية بسياقها، فاجتمع في نقدها الاستدلال بالسياق وسبب النزول. ٣ - وعن ابن عباس قال: «أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به عمر أن يجلد، فقال: لم تجلدني؟ ! بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر: وأي

стр. 528

كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ ، قال له: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (١)، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدراً وأحداً والخندق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول، فقال ابن عباس: إن هؤلاء الآيات أنزلن عذراً للماضين وحجة على الباقين، فعذر الماضين بأنهم لقوا الله قبل أن تحرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية (٢)، ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية، فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر، فقال عمر: صدقت»، القصة (٣).

стр. 529

قال الشاطبي: «في الحديث بيان أن الغفلة عن أسباب النزول تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات» (١). وقال الزركشي: «حُكي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب (٢) أنهما كانا يقولان: الخمرُ مباحة، ويحتجان بهذه الآية، وخفي عليهما سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك، وهو ما قاله الحسن وغيره: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى في بطونهم، وقد أخبر الله أنها رجس، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾» (٣). وما نقله الزركشي عن الحسن وغيره أشار إليه ابن عباس في رده على قدامة، وجاء عنه صراحة في روايات أخرى، فعنه قال في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ

стр. 530

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: «يعني بذلك رجالاً من أصحاب النبي ﷺ ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرم، فلما حرمت قالوا: كيف تكون علينا حراماً، وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟ ، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها إذا كانوا محسنين متقين ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾» (١). ٤ - وقال مروان لبوابه رافع (٢): «اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ ، إنما أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ هذه الآية، وتلا ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا

стр. 531

لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (١)، وقال: سألهم النبي ﷺ عن شيء، فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه» (٢). قال الشاطبي: «فهذا السبب بين أن المقصود من الآية غير ما ظهر لمروان» (٣). ٥ - وسئل الشعبي عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٤)، فقيل له: «تزعم الخوارج أنها في الأمراء؟ ، قال: كذبوا إنما أنزلت هذه الآية في المشركين كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله ﷺ ، فيقولون: أما ما قتل الله فلا تأكلوا منه - يعني الميتة - وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم

стр. 532

لمشركون» (١). * ومما يدخل في أسباب النزول أن ينتقد شخص في قوله: إن آية كذا نزلت

стр. 533

في فلان، وهذا مصدره النقل (١)، ومن شواهده: ١ - عن يوسف بن ماهك (٢) قال: «كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية؛ لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ (٣)، فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري» (٤). وفي رواية عنها قالت: «يا مروان، أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟

стр. 534

كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ثم انتحب مروان (١)، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف» (٢). ونُقل قول مروان عن السدي (٣). قال ابن كثير: «ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه» (٤). ٢ - وكتب عبد الملك بن مروان إلى عروة بن الزبير يسأله عن خويلة ابنة أوس بن الصامت التي ظاهر منها زوجها، فكتب إليه: «كتبت إلي تسألني عن خويلة ابنة أوس بن الصامت، وإنها ليست بابنة أوس بن الصامت، ولكنها امرأة

стр. 535

أوس، وكان أوس (١) امرأً به لمم، وكان إذا اشتد به لممه تظاهر منها، وإذا ذهب عنه لممه لم يقل من ذلك شيئاً، فجاءت رسول الله ﷺ تستفتيه وتشتكي إلى الله، فأنزل الله ما سمعت، وذلك شأنهما» (٢). ولم يصرح عروة باسمها، واكتفى بأنها امرأة أوس، ووقع في بعض الروايات عنه عن عائشة أنها خولة بنت ثعلبة (٣)، وحكى ابن حجر أن الروايات

стр. 536

تظاهرت بذلك، وقد تصغر، فيقال: خويلة (١). ٣ - وعن الزهري قال: «كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي، وهو يقرأ سورة النور مستلقياً، فلما بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) جلس، ثم قال: يا أبا بكر، من تولى كبره؟ ؛ أليس علي بن أبي طالب؟ ، قلت في نفسي: ماذا أقول؟ ، لئن قلت: لا، لقد خشيت أن ألقى منه شراً، ولئن قلت: نعم، لقد جئت بأمر عظيم؛ قلت لرجل من أصحاب رسول الله ما لم يقل، ثم قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيراً، لا يا أمير المؤمنين، قال: فضرب بقضيبه السرير مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: فمن؟ ، حتى ردد ذلك مراراً، قلت: يا أمير المؤمنين؛ عبد الله بن أبي بن سلول» (٣).

стр. 537

رابعاً مخالفة التاريخ يعتبر التاريخ من العلوم النقلية، ولا يخفى على من له أدنى اطلاع أهميته وفائدته في الوصول إلى الحقائق العلمية (١)، لأجل ذلك اهتم به العلماء، فالمحدثون - على سبيل المثال - رجعوا إلى التاريخ في قضايا كثيرة، كرجوعهم إليه عند تعارض الأحاديث، وعدم إمكان الجمع بينها، ثم الحكم على المتقدم بالنسخ، فالتاريخ أحد الطرق التي يعرف بها الناسخ من المنسوخ (٢). ويصل الأمر بالمحدثين إلى رد بعض الأحاديث، والحكم بوهم أحد رواتها وغلطه حين لا تتفق مع الحقائق التاريخية الثابتة، فمخالفة التاريخ إحدى الأمارات التي يستدل بها على وضع الحديث (٣).

стр. 538

واستخدم المحدثون التاريخ للكشف عن حال الرواة وإمكان روايتهم عن شيوخهم، فيعرفون صحة رواية الطالب عن شيخه بالنظر في تاريخ ولادة التلميذ ووفاة شيخه الذي يروي عنه، وبذا يسهل اكتشاف من يكذب في الرواية عن غيره، يقول سفيان الثوري: «لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ» (١). ولا تقل عناية المفسرين بالتاريخ عن غيرهم، وينقسم انتقاد الصحابة والتابعين التفسير بالتاريخ إلى قسمين: القسم الأول: الاستدلال بتاريخ نزول الآية، فتفسير الآية بأمر لم يقع إلا بعد نزولها قرينة تدل على أن ذلك الأمر الذي فسرت به ضعيف، وهذا أهم القسمين، وسبيل الوصول إليه معرفة المكي والمدني، ومن ثم اعتنى العلماء به وأفردوه بالتصنيف. والمراد بالمكي: ما نزل قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، والمدني ما نزل بعدها (٢). وانتقاد تفسير بعض الآيات وتضعيفها بالنظر في تاريخ نزولها من القواعد

стр. 539

المقررة لدى المفسرين: - ففي قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ (١)، أورد ابن جرير قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢) أنه قال في تفسيرها: «قال الله حين رجع من غزوه: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ (٣) أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه ﷺ ويخرجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيه ﷺ ». فابن زيد فسر آية الفتح بآية التوبة، وأن المراد بتبديلهم كلام الله ما جاء في سورة التوبة، فرد ابن جرير ذلك بقوله: «وهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له، لأن قول الله : ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ إنما نزل على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، وعُني به الذين تخلفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضاً، فكيف يجوز أن يكون الأمر

стр. 540

على ما وصفنا معنياً بقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾؟ ! ، وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله ﷺ ، إذ شخص معتمراً يريد البيت، فصده المشركون عن البيت، الذين تخلفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أوحي إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾» (١). - ورد ابن عطية على من قال: إنه يراد بالحق في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢) الزكاة المفروضة، وقال: «وهذا ضعيف، لأن السورة مكية، وفرض الزكاة بالمدينة» (٣). - وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٤) أورد القرطبي قولاً في أن المراد بالرؤيا: رؤيا النبي ﷺ أنه يدخل مكة عام الحديبية، وتعقبه بقوله: «وفي هذا التأويل ضعف؛ لأن السورة مكية وتلك الرؤيا كانت بالمدينة» (٥)

стр. 541

- ويقول ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١): «قيل: نزلت في اليهود، إذ أشاروا على رسول الله ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء، وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك» (٢). ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك: ١ - في قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٣). جاء عن بعض الصحابة والتابعين أن المقصود بمن عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام ﵁. فعن عبد الله بن سلام نفسه قال: «نزلت فيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾» (٤).

стр. 542

وقال بهذا القول مجاهد وقتادة (١). وأنكر بعض التابعين ذلك: فقد قيل لسعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ «أهو عبد الله بن سلام؟ ، قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام؟ ! » (٢). قال ابن كثير منتقداً كونه ابن سلام: «وهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم رسول الله ﷺ المدينة» (٣). ٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (٤). جاء عن بعض الصحابة والتابعين أن المقصود بالشاهد عبد الله بن سلام ﵁:

стр. 543

فعنه قال: «نزلت فيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾» (١). وعن سعد بن أبي وقاص قال: «ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾» (٢). وقال بهذا القول مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة (٣). وأنكر بعض التابعين ذلك: فعن مسروق قال: «كان إسلام ابن سلام بالمدينة، ونزلت هذه السورة بمكة، إنما كانت خصومة بين محمد ﵊ وبين قومه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، قال: التوراة مثل الفرقان، وموسى مثل محمد، فآمن به واستكبرتم، ثم قال: آمن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه، واستكبرتم أنتم، فكذبتم أنتم نبيكم وكتابكم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ ... إلى قوله: ﴿هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (٤)».

стр. 544

وعن الشعبي قال: «إن ناساً يزعمون أن الشاهد على مثله: عبد الله بن سلام، وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن آل حم إنما نزلت بمكة، وإنما كانت محاجة رسول الله ﷺ لقومه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني الفرقان ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ فمثل التوراة الفرقان، التوراة شهد عليها موسى، ومحمد على الفرقان صلى الله عليهما وسلم» (١). وعن عكرمة قال: «ليس بعبد الله بن سلام؛ هذه الآية مكية» (٢). وقد حكى بعض العلماء الإجماع على أن سورة الأحقاف مكية (٣). وأما من يرى أن الآية نزلت في ابن سلام ﵁ فيمكن توجيه قوله بأمرين: أ - أن السورة مكية والآية مدنية، وجاء هذا عن ابن سيرين (٤). ب - أن قوله: نزلت فيه، يراد به أن الآية تشمله ويدخل في معناها، لا أنها وقت نزولها أرادت ابن سلام، قال ابن تيمية: «وقولهم: نزلت هذه الآية في كذا

стр. 545

يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب كما تقول: عنى بهذه الآية كذا» (١). وهذا الجوابان يمكن الإجابة بهما عن آية الرعد السابقة. ٣ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢). جاء عن جمع من الصحابة والتابعين أن المراد بالسبع المثاني السبع الطوال، منهم: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد (٣). وأنكر ذلك أبو العالية، فقال في السبع المثاني: فاتحة الكتاب، فلما قيل له: إن الضحاك بن مزاحم يقول: هي السبع الطول، قال: «لقد نزلت هذه السورة سبعاً من المثاني وما أنزل شيء من الطول» (٤). وعن أبي جعفر الرازي (٥)، عن الربيع، عن أبي العالية، في قول الله تعالى:

стр. 546

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: «فاتحة الكتاب سبع آيات، فقال أبو جعفر للربيع: إنهم يقولون: السبع الطول، فقال: لقد أنزلت هذه، وما أنزل من الطول شيء» (١). قال الشنقيطي: «وبه تعلم أن قول من قال: إنها السبع الطوال غير صحيح، إذ لا كلام لأحد معه ﷺ ، ومما يدل على عدم صحة ذلك القول: أن آية الحجر هذه مكية، وأن السبع الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة، والعلم عند الله تعالى» (٢). ٤ - وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ (٣). جاء أن المراد بالآية الجهاد في سبيل الله، فأنكر ذلك بعض الصحابة والتابعين، فعن مقاتل بن سليمان (٤) أنه قال في هذه الآية: بلغنا أنه في القتال، قال

стр. 547

معتمر بن سليمان (١): فحدثت أبي، فقال: لقد نزلت هذه الآية قبل أن يفرض القتال (٢). والراجح وهو الذي عليه جمهور المفسرين أن الآية عامة، فالمستقدمون عموم من يهلك من لدن آدم ﵇، والمستأخرون عموم من سيأتي إلى يوم القيامة، وهذا اختيار ابن جرير وغيره (٣). ٥ - وفي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٤).

стр. 548

جاء عن بعض الصحابة والتابعين أن المراد بالآية الزكاة المفروضة: فعن ابن عباس قال: «العشر ونصف العشر». وعن أنس قال: «هي الزكاة المفروضة». وعن الحسن وجابر بن زيد وطاوس وقتادة قالوا: هو الزكاة (١). وأنكر ذلك بعض التابعين: فعن عطاء قال: «ليس بالزكاة، ولكن يطعم من حضره ساعتئذٍ حصيده» (٢). وعن إبراهيم النخعي قال: «هذه السورة مكية، نسختها العشر ونصف العشر، فقيل له: عمن؟ ، قال: عن العلماء» (٣). وقوله: هذه السورة مكية، يريد به الرد على من قال: إنها في الزكاة، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، وهذه السورة مكية، وهذا الأمر ظاهر جداً، فإن الآية لا يمكن أن توجب شيئاً لم يفرض إلا في المدينة. قال ابن عطية رداً على من قال إنها الزكاة المفروضة: «وهذا قول معترض

стр. 549

بأن السورة مكية، وهذه الآية على قول الجمهور غير مستثناة» (١). وجاء عن بعض التابعين التصريح بأن الآية نزلت قبل فرض الزكاة، فعن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية: «كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة، والضغث لعلف دابته» (٢). وعن السدي قال: «أما ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فكانوا إذا مر بهم أحد يوم الحصاد أو الجداد أطعموه منه، فنسخها الله عنهم بالزكاة، وكان فيما أنبتت الأرض العشر ونصف العشر» (٣).

стр. 550

القسم الثاني: أن تفسر الآية بشيء يدل التاريخ على خلافه، ومن شواهده: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (١). جاء عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: «هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾» (٢). وأنكر ذلك كعب الأحبار مستدلاً بالتاريخ بين موسى ﵇ ومريم، فعن ابن سيرين قال: «نبئت أن كعباً قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت، فقال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة، فسكتت» (٣). ولا يُظن بعائشة ﵂ أنها تجهل عدم إمكانية أن يكون هارون المذكور أخا موسى حقيقة، وإنما أرادت أنها كانت من نسله، كما يقال: يا أخا تميم أي من نسله،

стр. 551

وقد أورد ابن عطية قول عائشة تحت هذا القول (١)، وكان كعب ينكر أن يكون هارون أخو موسى مطلقاً، ويستدل بالتاريخ، ويرى أن هارون المذكور في الآية رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه من يعرف بالصلاح (٢). وقد سبق في التمهيد أن النبي ﷺ حين عرض عليه هذا الإشكال بين أن بني إسرائيل كانوا يسمون على أسماء أنبيائهم وصالحيهم (٣). وأما قول محمد بن كعب فقد قال عنه ابن كثير بأنه خطأ محض (٤). ٢ - وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥). جاء عن بعض التابعين أن المراد بالآية: الصبر والمصابرة والمرابطة في الجهاد. فعن زيد بن أسلم قال: «اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم، ورابطوا على عدوكم»، وهذا قول جمهورالمفسرين (٦).

стр. 552

ويرى آخرون أن المراد المرابطة في الصلاة، وينتقدون من يرى أنها في الجهاد، فعن داود بن صالح (١) قال: «قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن (٢): يا بن أخي، هل تدري في أي شيء أنزلت هذه الآية: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ ، قلت: لا، قال: إنه لم يكن يا بن أخي على عهد رسول الله ﷺ غزو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة» (٣). ويشهد لهذا التأويل حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ »، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد

стр. 553

الصلاة، فذلكم الرباط» (١). ومراد أبي سلمة ﵀ أن الآية حين نزلت لم تأمر المسلمين بالرباط في سبيل الله، لأنه لا يمكن أن يؤمروا بشيء لم يفرض عليهم بعد، وإنما أمروا وقت نزولها بالرباط الذي هو انتظار الصلاة بعد الصلاة، وهو الواجب عليهم حينئذ، وكلام أبي سلمة سليم من هذه الجهة. أما من جهة كون الجهاد داخل في عموم الرباط المأمور به فلا ريب في ذلك، سيما وأن الآية لم تحدد الشيء المأمور بالمرابطة فيه، وإنما أطلقت الأمر بالمرابطة، وبهذا الجواب يجاب عما سبق في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ ونفي أن تكون في الجهاد في سبيل الله (٢).

стр. 554

خامساً الطعن في صحة نقل التفسير مما اشتهر به الصحابة والتابعون التحري والتثبت في النقل والرواية، وتقدم كلام الأعمش في الكلبي حين روى معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١) عن ابن عباس، فقال الأعمش: «لو أن الذي عند الكلبي عندي ما خرج مني إلا بخفير» (٢). ومما جاء في تحريهم في نقل التفسير ما ذكره أيوب قال: «اجتمع حفاظ ابن عباس على عكرمة، منهم سعيد بن جبير وعطاء وطاوس، فكان كلما حدث بحديث قال سعيد بن جبير هكذا، يعني: أصاب، حتى أتى على حديث الحوت، فقال عكرمة: كان يسايرهم في ضحضاح من ماء، فقال سعيد بن جبير: أشهد على ابن عباس أنه قال: كان يسايرهما في مكتل، قال أيوب: وأراه كان يقول القولين جميعاً؛ يعني ابن عباس» (٣). والخلاف كما يبدو يسير، وكله مروي عن ابن عباس كما أشار إليه أيوب،

стр. 555

إلا انه يكشف مدى الدقة والتحري التي كان عليها التابعون. ومن تحريهم مطالبتهم المفسر بالدليل على صحة تفسيره، فقد أورد ابن جرير عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (١) أن سالم بن عبد الله قال لمحمد بن كعب القرظي: «ما تعد الباقيات الصالحات؟ ، فقال: لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ ، فقال: ما زلت أجعلها، فراجعه مرتين أو ثلاثاً فلم ينزع، فقال سالم: فأثبت، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: «عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم، فقال: يا جبريل من هذا معك؟ ، فقال: محمد، فرحب بي وسهَّل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة؟ ، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢). ومما جاء عنهم في نقد التفسير لعدم صحة النقل ما جاء عن مجاهد أنه سئل عن ﴿ ... الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، فقال: «لا أدري يزعمون أنها البقر، فقال إبراهيم: ما لا

стр. 556

تدري هي البقر؟ ، قال مجاهد: يذكرون عن علي ﵁ أنها النجوم، فقال إبراهيم: يكذبون على علي». وفي رواية أن إبراهيم ومجاهداً تذاكرا هذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ (١)، فقال إبراهيم لمجاهد: «قل فيها ما سمعت، فقال مجاهد: كنا نسمع فيها شيئاً، وناس يقولون: إنها النجوم، فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على علي ﵁» (٢).

стр. 557

المبحث الثاني الأسس المتعلقة بالدراية وفيه: أولاً: مخالفة اللغة العربية . ثانياً: اشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم. ثالثاً: مخالفة الواقع. رابعاً: معارضة التفسير بالقياس. خامساً: أن يكون التفسير غير مفيد. سادساً: نقد التفسير بذكر ما يترتب عليه. أولاً مخالفة اللغة العربية

стр. 558

من الأمور الضرورية للمفسر الإلمام باللغة العربية، لأن النتيجة الحتمية للجهل بها وإهمال تعلمها وقوع الخلل في فهم القرآن، وهذا الأمر أشبه بقاعدة مقررة في التفسير: يقول الشاطبي: «كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل» (١). ويقول الزركشي عن أهمية اللغة: «وهذا الباب عظيم الخطر، ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن، وتركوا القول فيه حذراً أن يزلوا فيذهبوا عن المراد، وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين» (٢). ويقول ابن عاشور (٣): «إن القرآن كلام عربي، فكانت قواعد العربية طريقاً لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم لمن ليس بعربي بالسليقة» (٤).

стр. 559

وما قرره العلماء من خطورة الجهل باللسان العربي على المفسر لم يغب عن الصحابة والتابعين ﵃، فقد تقدم بيان اهتمامهم باللغة العربية للوصول إلى فهم صحيح للقرآن، وجاء عن بعض التابعين التحذير من خطورة الجهل بالعربية لمن أراد فهم القرآن: فقد سأل رجل الحسن البصري ﵀ فقال: «يا أبا سعيد، الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته؟ ، قال: حسن يا بن أخي فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية، فيعيى بوجهها فيهلك» (١). ولما ذكر عنده الاختلاف في التفسير قال: «إنما أتي القوم من قبل العجمة» (٢). وعنه قال: «أهلكتهم العجمة يتأولون القرآن على غير تأويله» (٣). وجاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء ﵀ فقال: «يا أبا عمرو يخلف الله وعده؟ ، قال: لا، قال: أفرأيت إن وعده على عمل عقاباً يخلف وعده؟ ، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت يا أبا عثمان! إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تَعُدُّ خلفاً ولا عاراً أن تَعِدَ شراً ثم لا تفعله؛ ترى أن ذاك كرماً وفضلاً، إنما الخلف أن تَعِدَ

стр. 560

خيراً ثم لا تفعله، قال: فأوجدني هذا في كلام العرب؟ ، قال: أما سمعت إلى قول الأول: لا يرهب ابن العم ما عشت صولتي صولتي صولتي ... ولا أختشي من خشية المتهدد وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي» (١) والجهل باللغة العربية يشمل علوم اللسان العربي كالصرف والنحو والمعاني والبيان وأساليب العرب في كلامهم ونحو ذلك (٢). والأمثلة النقدية عن الصحابة والتابعين التي سأذكرها كلها عن ابن عباس ﵄ عدا المثال الأخير: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٣). ذهب جمهور الصحابة ومن بعدهم إلى أن لفظ الإخوة في الآية يشمل الاثنين

стр. 561

فصاعداً (١)، وأنكر ابن عباس ذلك، ودخل على أمير المؤمنين عثمان ﵁، وقال له: «لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس؟ ، وإنما قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة، فقال عثمان ﵁: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ » (٢). فابن عباس ضعف القول بأن لفظ الآية يشمل الاثنين لأن لفظه لفظ الجمع، وعلل ابن عباس تضعيفه لهذا القول بأنه ليس معروفاً في لغة قريش، وقد ذكر ابن القيم أن رأيه أقرب إلى ظاهر اللفظ، ورأي جمهور الصحابة أقرب إلى المعنى وأولى به، ثم أفاض القول في ترجيح رأي الجمهور (٣). ويفهم من كلام عثمان موافقة ابن عباس في قوله: إن الأخوين ليسا بجمع، ولذا لم ينكر عليه، وإنما تمسك بما أجمع عليه الناس ومضى في الأمصار. قال الرازي: «واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان، وعثمان ما أنكره، وهما كانا من صميم العرب، ومن علماء اللسان، فكان اتفاقهما حجة في ذلك» (٤).

стр. 562

وهذا يؤكد ما ذكره ابن القيم من أن مذهب ابن عباس أقرب إلى اللفظ، لكنَّ الأمر استقر وأجمعت الأمة على معاملة الاثنين معاملة الثلاثة فأكثر في المواريث، كميراث الأختين والبنتين، «وهذا هو القياس الصحيح والميزان الموافق لدلالة الكتاب وفهم أكابر الصحابة» (١). وجاء عن زيد بن ثابت ﵁ ما يفيد بأن الإخوة في كلام العرب يشمل الأخوين أيضاً، فعنه قال: «الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعداً» (٢). وهذا الكلام كله إذا أخذنا بتصحيح أثر ابن عباس كما فعل الحاكم، فإن بعض العلماء ذكر أن فيه نظراً (٣). ٢ - وعن سعيد بن جبير قال: «بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس: أتاه

стр. 563

رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ ، قال: بلى، فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (١) حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، من ثَمَّ أُمرت أن تأتي، فقال له الرجل: يا أبا الفضل، كيف بالآية التي تتبعها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٢)؟ فقال: إي ويحك! وفي الدُّبر من حرث؟ ! ، لو كان ما تقول حقًّا، لكان المحيض منسوخاً، إذا اشتغل من ههنا، جئتَ من ههنا، ولكن: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من الليل والنهار» (٣). وفي قوله: وفي الدبر من حرث؛ إشارة إلى بطلان ما فهمه الرجل من الآية، وهو جواز إتيان المرأة في الدبر، لأن الآية نصت على أن النساء حرث للرجال، والدبر ليس محلاً للحرث في لغة العرب. وجاء عنه ما يوضح ذلك، فإنه قال في هذه الآية: «إنما المحترث من القبل الذي يكون منه النسل والحيض، وكان ينهى عن إتيان المرأة في دبرها، ويقول: إنما نزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يقول: من أي وجه شئتم» (٤).

стр. 564

قال الشوكاني: «لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة؛ إذ هو مزدرع الذرية، كما أن الحرث مزدرع النبات، فقد شبه ما يُلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه» (١). ٣ - وعن سعيد بن جبير قال: «ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: من أي الفريقين كنت؟ ، قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي، إن المس واللمس والمباشرة: الجماع، ولكنَّ الله يكني ما شاء بما شاء». وفي رواية قال: «غُلب فريق الموالي، وأصابت العرب، هو الجماع، ولكنَّ الله يعف ويكني». وفي ثالثة: «أخطأ الموليان وأصاب العربي، الملامسة النكاح، ولكنَّ الله يكني ويعف» (٢).

стр. 565

ووصف ابن عباس أحد الفريقين بالموالي، والآخر بالعرب، يشير - والله أعلم - إلى أن سبب خطأ الموالي وإصابة العرب المعرفة باللغة العربية. ٤ - وسئل ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) فقال: «إن أول ما خلق الله القلم، ثم النون وهي الدواة، ثم خلق الألواح، فكتب الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى من كل خلق مخلوق أو عمل معمول من بر أو فجور، وما كان من رزق حلال أو حرام، ومن كل رطب ويابس، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه، دخوله في الدنيا وبقاؤه فيها، ثم وكل بذلك الكتاب ملكاً، ووكل بالخلق ملائكة، فتأتي ملائكة الخلق إلى ملائكة الكتاب، فينسخون ما يكون في يوم وليلة مقسوماً على ما وكلوا به، وتأتي ملائكة الخلق فيحفظون الناس بأمر الله، ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ، فإذا انتفت النسخ عن شيء لم يكن هاهنا بقاء ولا مقام، فقال رجل لابن عباس: ما كنا نرى هذا إلا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال: ألستم قوماً عرباً؟ ! ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟ ، وفي رواية: وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل» (٢). والرجل - كما يبدو من كلامه - فهم من الآية أن الملائكة تكتب عمل كل
следующие страницы →