← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148083

نقد الصحابة والتابعين للتفسير

عبد السلام بن صالح الجار الله

Полный текст (684 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فصاعداً (١)، وأنكر ابن عباس ذلك، ودخل على أمير المؤمنين عثمان ﵁، وقال له: «لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس؟ ، وإنما قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة، فقال عثمان ﵁: هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس ومضى في الأمصار؟ » (٢). فابن عباس ضعف القول بأن لفظ الآية يشمل الاثنين لأن لفظه لفظ الجمع، وعلل ابن عباس تضعيفه لهذا القول بأنه ليس معروفاً في لغة قريش، وقد ذكر ابن القيم أن رأيه أقرب إلى ظاهر اللفظ، ورأي جمهور الصحابة أقرب إلى المعنى وأولى به، ثم أفاض القول في ترجيح رأي الجمهور (٣). ويفهم من كلام عثمان موافقة ابن عباس في قوله: إن الأخوين ليسا بجمع، ولذا لم ينكر عليه، وإنما تمسك بما أجمع عليه الناس ومضى في الأمصار. قال الرازي: «واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان، وعثمان ما أنكره، وهما كانا من صميم العرب، ومن علماء اللسان، فكان اتفاقهما حجة في ذلك» (٤).

стр. 562

وهذا يؤكد ما ذكره ابن القيم من أن مذهب ابن عباس أقرب إلى اللفظ، لكنَّ الأمر استقر وأجمعت الأمة على معاملة الاثنين معاملة الثلاثة فأكثر في المواريث، كميراث الأختين والبنتين، «وهذا هو القياس الصحيح والميزان الموافق لدلالة الكتاب وفهم أكابر الصحابة» (١). وجاء عن زيد بن ثابت ﵁ ما يفيد بأن الإخوة في كلام العرب يشمل الأخوين أيضاً، فعنه قال: «الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعداً» (٢). وهذا الكلام كله إذا أخذنا بتصحيح أثر ابن عباس كما فعل الحاكم، فإن بعض العلماء ذكر أن فيه نظراً (٣). ٢ - وعن سعيد بن جبير قال: «بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس: أتاه

стр. 563

رجلٌ فوقف على رأسه فقال: يا أبا العباس - أو يا أبا الفضل - ألا تشفيني عن آية المحيض؟ ، قال: بلى، فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (١) حتى بلغ آخر الآية، فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، من ثَمَّ أُمرت أن تأتي، فقال له الرجل: يا أبا الفضل، كيف بالآية التي تتبعها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٢)؟ فقال: إي ويحك! وفي الدُّبر من حرث؟ ! ، لو كان ما تقول حقًّا، لكان المحيض منسوخاً، إذا اشتغل من ههنا، جئتَ من ههنا، ولكن: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من الليل والنهار» (٣). وفي قوله: وفي الدبر من حرث؛ إشارة إلى بطلان ما فهمه الرجل من الآية، وهو جواز إتيان المرأة في الدبر، لأن الآية نصت على أن النساء حرث للرجال، والدبر ليس محلاً للحرث في لغة العرب. وجاء عنه ما يوضح ذلك، فإنه قال في هذه الآية: «إنما المحترث من القبل الذي يكون منه النسل والحيض، وكان ينهى عن إتيان المرأة في دبرها، ويقول: إنما نزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يقول: من أي وجه شئتم» (٤).

стр. 564

قال الشوكاني: «لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة؛ إذ هو مزدرع الذرية، كما أن الحرث مزدرع النبات، فقد شبه ما يُلقى في أرحامهن من النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه» (١). ٣ - وعن سعيد بن جبير قال: «ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت: إن ناساً من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: من أي الفريقين كنت؟ ، قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي، إن المس واللمس والمباشرة: الجماع، ولكنَّ الله يكني ما شاء بما شاء». وفي رواية قال: «غُلب فريق الموالي، وأصابت العرب، هو الجماع، ولكنَّ الله يعف ويكني». وفي ثالثة: «أخطأ الموليان وأصاب العربي، الملامسة النكاح، ولكنَّ الله يكني ويعف» (٢).

стр. 565

ووصف ابن عباس أحد الفريقين بالموالي، والآخر بالعرب، يشير - والله أعلم - إلى أن سبب خطأ الموالي وإصابة العرب المعرفة باللغة العربية. ٤ - وسئل ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) فقال: «إن أول ما خلق الله القلم، ثم النون وهي الدواة، ثم خلق الألواح، فكتب الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى من كل خلق مخلوق أو عمل معمول من بر أو فجور، وما كان من رزق حلال أو حرام، ومن كل رطب ويابس، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه، دخوله في الدنيا وبقاؤه فيها، ثم وكل بذلك الكتاب ملكاً، ووكل بالخلق ملائكة، فتأتي ملائكة الخلق إلى ملائكة الكتاب، فينسخون ما يكون في يوم وليلة مقسوماً على ما وكلوا به، وتأتي ملائكة الخلق فيحفظون الناس بأمر الله، ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ، فإذا انتفت النسخ عن شيء لم يكن هاهنا بقاء ولا مقام، فقال رجل لابن عباس: ما كنا نرى هذا إلا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال: ألستم قوماً عرباً؟ ! ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟ ، وفي رواية: وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل» (٢). والرجل - كما يبدو من كلامه - فهم من الآية أن الملائكة تكتب عمل كل

стр. 566

يوم وليلة في وقتها، فبين ابن عباس أن لفظ ﴿نَسْتَنْسِخُ﴾ يبطل هذا الفهم، إذ المعلوم من لغة العرب أن الاستنساخ معناه النقل من أصل. ففي لسان العرب: «النسخ اكتتابك كتاباً عن كتاب حرفاً بحرف، والأصل نسخة، والمكتوب عنه نسخة، لأنه قام مقامه والكاتب ناسخ ومنتسخ، والاستنساخ: كتب كتاب من كتاب، وفي التنزيل: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نستنسخ ما تكتب الحفظة فيثبت عند الله» (١). «وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقاً لما يعملونه» (٢). ٥ - وسأل رجل أبا العالية عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣) ما هو؟ ، فقال أبو العالية: هو الذي لا يدري عن كم ينصرف: عن

стр. 567

شفع أو عن وتر؟ ، فقال الحسن: مه يا أبا العالية! ليس هكذا، بل الذين سهوا عن ميقاتها حتى تفوتهم، قال الحسن: ألا ترى قوله : ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ (١). قال الخطابي: «وإنما أتي أبو العالية في هذا حيث لم يفرق بين حرف "عن" و"في"، فتنبه له الحسن، فقال: ألا ترى قوله: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ يؤيد أن السهو الذي هو الغلط في العدد إنما يعرض في الصلاة بعد ملابستها، فلو كان هو المراد لقيل: في صلاتهم ساهون، فلما قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾ دل على أن المراد به الذهاب عن الوقت» (٢).

стр. 568

ثانياً اشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم (١) اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم للأنبياء منزلة رفيعة ومقام عظيم عند الله تعالى، فهم المبلغون لوحيه ورسالاته، وقد اختصهم الله من بين البشر بخصائص وميزهم بمزايا، من أهمها العصمة، فقد أجمعت الأمة على أنهم معصومون فيما يبلغون به عن الله، فلا يجوز

стр. 569

عليهم الكذب أو الخطأ والنسيان. وأما وقوع الكبائر منهم فقد حكى بعض العلماء اتفاق أهل السنة على عصمتهم من تعمد فعلها، ويُلحق بها ما يزري بمنصب النبوة، أو يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة (١)، وفي وقوعها منهم سهواً خلاف بين العلماء، وكذا اختلفوا في وقوع الصغائر منهم. وبكل حال فلا يمكن إقرار الأنبياء ﵈ على الذنوب، قال ابن تيمية: «والقول الذي عليه جمهور الناس، وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً» (٢). وقد أفاض القرآن الكريم في ذكر قصص الأنبياء السابقين، وهي بحاجة إلى تفسير وبيان، فلجأ بعض المفسرين إلى الروايات الإسرائيلية لبيانها وذكر تفاصيلها، لكنها - وللأسف - حوت في ثناياها انتقاصاً ظاهراً للأنبياء، فتسرب

стр. 570

كثير منها إلى كتب التفسير (١). وبناءً على الأصل الاعتقادي في تنزيه الأنبياء عما لا يليق بمناصبهم أو يزري بمراتبهم تنبه كثير من المفسرين إلى الروايات التي تحط من مقام الأنبياء أو تنتقصهم، فإنهم إما أن يردوها، وإما أن يحملوها على أحسن الوجوه بما لا ينتقص من مقامهم، وهذا الأمر مقرر في كتبهم في مواطن كثيرة: ففي قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (٢) ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه، فانتقد الطبري ذلك تعظيماً لمقام أيوب ﵇، وقال: «لا يجوز أن ينسب إلى الكفر، وقد اختاره لنبوته. ووصْفُهُ بأن ظنَّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه وصْفٌ له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصْفٌ له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك» (٣). وفي قوله تعالى عن موسى ﵇: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ

стр. 571

إِلَيْهِ﴾ (١) ذهب بعض المفسرين إلى أن سبب إلقاء موسى للألواح أنه رأى فيها فضيلة أمة محمد ﷺ ، فانتقد القرطبي ذلك، وقال: «ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح عنه، ولا يصح أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد ﷺ ، ولم يكن ذلك لأمته، وهذا قول رديء ينبغي ألا يضاف إلى موسى ﷺ » (٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ الآيات (٣) يورد بعض المفسرين قصة داود مع أحد قواده، وأنه أرسله إلى الجهاد ليُقْتَل فيخلفه على أهله، وقد ردها كثير من المفسرين لكونها لا تليق بمقام النبوة: يقول ابن عاشور: «ولو حكي ذلك بخبر آحاد في المسلمين لوجب ردُّه، والجزم بوضعه لمعارضته المقطوع به من عصمة الأنبياء من الكبائر عند جميع أهل السنة، ومن الصغائر عند المحققين منهم، وهو المختار» (٤). ويقول الشنقيطي: «واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوّل عليه، وما جاء منه مرفوعاً إلى النبي

стр. 572

- ﷺ لا يصح منه شيء» (١). ومما جاء عن الصحابة والتابعين في نقد التفسير بهذا الأصل: ١ - قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢). قرئ قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ بضم الكاف وتخفيف الذال وكسرها، وقرئ بضم الكاف وتشديد الذال وكسرها (٣). وكان ابن عباس ﵄ يقرؤها بالتخفيف ويرى في رواية عنه أن المعنى استيئاس الرسل من إيمان قومهم، وظنهم أنهم كذبوا فيما وعدوا به من النصر، وكان ﵁ يقول: كانوا بشراً ضعفوا. فعن ابن أبي مليكة: أن ابن عباس قرأ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة، ثم قال: كانوا بشراً، وتلا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ

стр. 573

نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١)، قال ابن جريج: قال ابن أبي مليكة: ذهب بها إلى أنهم ضعفوا، فظنوا أنهم أخلفوا (٢). وجاء هذا المعنى عن ابن مسعود، فقد سأله رجل عن هذه الآية فقال: هو الذي تكره، وكان يقرؤها مخففة (٣). وسئل سعيد بن جبير هل تقرأ الآية بالتخفيف، فقال: «نعم، ألم يكونوا بشراً؟ » (٤). وأنكر هذا التأويل بعض الصحابة والتابعين ﵃: فعن ابن أبي مليكة قال: «أخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمداً ﷺ من شيء إلا وقد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم، وكانت عائشة تقرؤها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مثقلة للتكذيب» (٥). وعن الزهري قال: «أخبرني عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت له،

стр. 574

وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ ، أكُذِبُوا أم كُذِّبُوا، فقالت: كُذِّبُوا، فقلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾؟ ، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ ، قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك» (١). قال الرازي معلقاً على قول عائشة ﵂: «وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة» (٢). وعن مسلم بن يسار أنه سأل سعيد بن جبير فقال: «يا أبا عبد الله آية بلغت مني كل مبلغ: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فهذا الموت أن تظن الرسل أنهم قد كذبوا، أو نظن أنهم قد كذبوا - مخففة - فقال سعيد بن جبير: يا أبا عبد الرحمن حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه، وقال: فرج الله عنك كما فرجت

стр. 575

عني» (١). وقد ذهب كثير من المفسرين مذهب عائشة في نقد التأويل المنقول عن ابن عباس لمخالفته ما ثبت من عصمة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقال ابن جرير عنه: «وهذا تأويلٌ وقولٌ غيره من التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء، والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم فيعذروا في ذلك، فإن المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفى أمره، وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيراً عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النكرة فيما ذكر لنا» (٢). وجاء عن ابن عباس وابن مسعود وابن جبير روايات أخرى أنهم فسروا الآية بما يتفق مع تنزيه الأنبياء:

стр. 576

فعن ابن عباس أنه قال: «استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم» (١). وعن ابن مسعود قال: «استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا» (٢). وتقدم عن ابن جبير أنه قال نحو ذلك. ولعلهم قالوا بالقول الأول ثم لما بدا لهم ما فيه رجعوا عنه، وحملوا الآية على تنزيه الأنبياء، وقد رجح ابن حجر رواية ابن عباس الأخرى المتفقة مع تنزيه الأنبياء (٣). ٢ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (٤). جاء في بعض الآثار أن الشيطان سُلط على نساء سليمان ﵇: فعن ابن عباس ﵄ قال: «لما أراد الله أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى نساء سليمان ﵇، فقالوا لهن:

стр. 577

أيكون من سليمان شيء؟ ، قلن: نعم؛ إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك»، القصة (١). وعن سعيد بن المسيب ﵀ قال: «كان أول من أنكره نساؤه، فقال بعضهم لبعض: أتنكرون منه شيئاً؟ ، قلن: نعم، وكان يأتيهن وهن حيض» (٢). وقد أنكر بعض التابعين ذلك: فلما ذكر للحسن البصري قول ابن المسيب المتقدم قال: «ما كان الله يسلطه على نسائه» (٣). وعن مجاهد أنه قال في قول الله تعالى: ﴿عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾: «شيطاناً يقال له آصف، فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ ، قال: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن وأنكرنه». وعن قتادة قال: «فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسُلِّط على ملك سليمان

стр. 578

كله غير نسائه» (١). وقد قال ابن كثير تعليقاً على قول ابن عباس المتقدم: «إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان، بل عصمهن الله منه تشريفاً وتكريماً لنبيه ﷺ ، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب» (٢). ٣ - وفي قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣). أنكر الحسن البصري ﵀ أن يكون المراد بالآية آدم ﵇ كما هو قول جماعة من

стр. 579

المفسرين (١)، وكان يقول: «كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم». ويقول: «عني بهذا ذرية آدم من أشرك منهم بعده، يعني بقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾». وفي رواية ثالثة عنه قال: «هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهَوَّدُوا ونَصَّرُوا» (٢). ولعل الذي دعا الحسن إلى هذا الإنكار أن الفعل المذكور في الآية من جعل الشركاء لله لا يليق بمقام النبوة، وقد انتقد الحسن عدة تفسيرات لأنها تخل بمقام الأنبياء والملائكة وتقدم بعضها، وسيأتي عنه أقوال أخرى، وهذا يدل على اهتمامه بهذه القضية (٣). * ومما يؤكد حرص الصحابة والتابعين ﵃ على حفظ مقام الأنبياء من القدح فيه، أنهم يدفعون ما يفهمه بعض الناس من الآيات التي تتحدث عن الأنبياء، فقد يفهمون منها ما لا ينبغي في حق الأنبياء؛ يعزز هذا الفهم - أحياناً - ما يوجد في

стр. 580

الأخبار الإسرائيلية الباطلة من الانتقاص الظاهر للأنبياء، والحط من مقامهم، ومن أمثلة ذلك: ١ - عن ابن عباس قال في قول الله تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (١): «هو ابنه ما بغت امرأة نبي قط». وفسر قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الذين وعدتك أن أنجيهم معك (٢). وعن ابن جبير قال: «كان ابن نوح، إن الله لا يكذب، قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (٣)، قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط» (٤). ٢ - وفي قول الله تعالى على لسان لوط ﵇: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٥). قال ابن عباس: «ما عرض لوط ﵇ بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً، إنما قال: هؤلاء بناتي نساؤكم، لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم» (٦).

стр. 581

وعن مجاهد قال: «أمرهم أن يتزوجوا النساء، لم يعرض عليهم سفاحًا» (١). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ (٢). جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال في معنى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ «أما إنه ليس بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾» (٣). اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة شرف الله تعالى الملائكة وقربهم لديه فأسكنهم سمواته العلى، واصطفاهم لعبادته وطاعته، قال الله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٤)، وقال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (٥).

стр. 582

وقد استدل العلماء بهذه الآيات ونحوها على عصمة الملائكة، ونقل القاضي عياض (١) إجماع الأئمة على أن المرسلين من الملائكة معصومون كالأنبياء سواء بسواء، ثم نقل الخلاف في غير المرسلين منهم، واحتجاج من قال بعصمتهم بالآية السابقة وغيرها، وأن طائفة من العلماء قالوا: العصمة خاصة بالمرسلين منهم والمقربين، ورحج القول بعصمة الجميع (٢)، وهو الأظهر فإن الله تعالى اصطفى الملائكة لعبادته وجبلهم على طاعته وأخبر أنهم لا يعصونه، فلا يجوز أن ينسب إليهم ما يزري بمناصبهم، ولو سلم بوقوع بعضهم في الذنوب، فمن غير اللائق جعل حادثة أو حادثتين سلماً للطعن بهم وانتقاصهم بذكر قصص يتعذر الوقوف على حقيقتها، ولما نقل الآلوسي عند قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (٣) عن بعض القُصَّاص أن الملائكة كانت تمر على موسى ﵇ فيلكزونه بأرجلهم، ويقولون: يابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة، قال: «وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه، فإن الملائكة ﵈ مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل

стр. 583

والغضِّ في الخطاب» (١). ومما جاء عن الصحابة والتابعين في نقد التفسير بهذا الأصل: ١ - في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢). أنكر الحسن البصري ﵀ أن يكون إبليس من الملائكة فقال: «ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس» (٣). وفي رواية قال: «قاتل الله أقواماً يزعمون أن إبليس كان من الملائكة، والله تعالى يقول: ﴿ ... كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾» (٤). وقد عرف عن الحسن موقفه من التأويلات التي تنتقص الأنبياء والملائكة، فيبدو أنه نفى كون إبليس من الملائكة، لمخالفته ما ثبت من عصمة الملائكة من الذنوب، ومن أعظمها كفر إبليس واستكباره عن السجود لله، وقد ذكر الله قصة السجود في سورة الكهف واستكبار إبليس ونعته بالفسوق، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا

стр. 584

لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (١). وهذه إحدى الحجج التي احتج بها من قال: إن إبليس ليس من الملائكة، وهو قول كثير من العلماء (٢)، والقول بأن إبليس من الملائكة قول جمهور العلماء (٣)، وهم لا ينازعون في أصل عصمة الملائكة الذي استند إليه القائلون بأن إبليس من الجن، وإنما يعارضونه بأدلة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (٤)، ويجيبون عما ثبت من عموم عصمة الملائكة بأنه مخصوص بما وقع لإبليس (٥). وتوسط ابن تيمية فقال: «والتحقيق أنه كان منهم باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله، ولم يخرج من السجود لآدم أحد من

стр. 585

الملائكة؛ لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا غيرهما» (١). ٢ - قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ (٢). للمفسرين من قصة هاروت وماروت وحقيقتهما أقوال: فذهب كثير من السلف إلى أن هاروت وماروت ملكان، وأنهما كانا يعلمان السحر (٣). ومن التابعين من أنكر أنهما ملكان، فقال الحسن: «علجان، لأن الملائكة لا يعلمون السحر» (٤). وعن الضحاك قال: «هما علجان من أهل بابل»، وكانا يقرأان: الملِكين؛ بكسر اللام (٥).

стр. 586

ومنهم من أنكر تعليمهما السحر، فعن أبي العالية: «لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما بالإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي» (١). وأرجح الأقوال أنهما ملكان، وأنهما نزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتحذيراً منه وتمييزاً بينه وبين المعجزة، والمنكر قصتهما مع الزهرة وما وقع منهما من شرب الخمر والزنا، فقد تسربت إليها من الأخبار الإسرائيلية، قال ابن كثير: «قصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال» (٢).

стр. 587

ثالثاً مخالفة الواقع من الأمارات التي يستدل بها المفسر على ضعف التفسير مخالفته الواقع، وهذه الأمارة استخدمها المحدثون في نقد بعض الأحاديث، وقد يعبرون عنها بمخالفة الحديث للحس والمشاهدة، مثل الحديث الموضوع: «إذا عطس الرجل عند الحديث فهو دليل صدقه»، فإن «الحس يشهد بوضعه لأنا نشاهد العطاس والكذب يعمل عمله! ، ولو عطس مائة ألف رجل عند حديث يروى عن النبي ﷺ لم يحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق» (١). ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك: ١ - جاء عن بعض التابعين في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (٢) تفسير السيما بالتراب الذي يبقى في جبهة المرء بعد السجود: فعن أبي العالية ﵀ قال: «لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب» (٣).

стр. 588

وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: «ثرى الأرض وندى الطهور» (١). وقد يظن بعض الناس أن المراد بالسيما ما يرى في جباه بعض الناس من كثرة السجود، ونسب القول به إلى بعض السلف (٢). وقد أنكر بعض الصحابة والتابعين هذا المعنى الأخير: فعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ قال: «أما إنه ليس بالذين ترون، ولكنه سيما الإسلام وسحنته وسمته وخشوعه» (٣). وفي رواية عنه قال: «ليس بندب التراب في الوجه، ولكنه الخشوع والوقار والتواضع» (٤). وسأل منصور مجاهداً عن هذه الآية، فقال: «هو الخشوع، فقال له منصور: هو أثر السجود، فقال: إنه يكون بين عينيه مثل ركبة العنز، وهو كما شاء الله» (٥). وفي رواية أخرى أن منصوراً قال له: «ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه،

стр. 589

فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون» (١). وربما تكلف بعض الناس ظهور هذا الأثر في وجهه رجاء الدخول في فضل هذه الآية، فأنكر ذلك بعض السلف مخافة الرياء عليه، فقد جاء رجل إلى السائب بن يزيد وفي وجهه أثر السجود، فقال: «لقد أفسد هذا وجهه، أما والله ما هي السيما التي سمّاها الله، ولقد صليت على وجهي ثمانين سنة ما أثَّر السجود بين عينيّ» (٢). علق عليه الآلوسي بقوله: «وربما يحمل على أنه استشعر من الرجل تعمداً لذلك، فنفى أن يكون ما حصل به هو السيما التي سمي الله تعالى» (٣). ٢ - وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٤). اختلف أهل التفسير في المراد بالمطهرين على قولين:

стр. 590

أ- أن المراد بهم المتطهرون من الأحداث، وجاء ذلك عن سلمان الفارسي وقتادة (١). ب - أن المراد بهم الملائكة خاصة، وهذا قول جمهور المفسرين (٢)، وأنكر بعض التابعين أن يراد به عموم الناس: فعن أبي العالية ﵀ قال: «الملائكة ﵈ ليس أنتم يا أصحاب الذنوب» (٣). وعن قتادة قال: «لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال: في حرف ابن مسعود: (مَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَرُوْن)» (٤). والآية عند هؤلاء على ظاهرها في الخبر، أما من رأى أن المراد بنو آدم فهي عنده نفي بمعنى النهي (٥).

стр. 591

والراجح - والله أعلم - أن المراد بالمطهرين الملائكة، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ (١). وهي وإن لم يكن المراد بها المتطهرين من الأحداث إلا أن فيها تنبيهاً للمسلم بأن لا يمسَّ القرآن إلا وهو طاهر اقتداءً بالملائكة الكرام (٢). والأمر بالطهارة لمسِّ المصحف يستفاد من أدلة أخرى (٣). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٤). أورد ابن جرير في معنى الآية أقوالاً، منها أن المراد بالحسن حسن الخلقة وجمالها، ونقل عن قتادة قوله: «حسَّنَ على نحو ما خلق» (٥). وقد أشار ابن عباس إلى ضعف هذا التأويل، ورجح أن المراد إحكام الخلق وإتقانه، فقال: «أما رأيت القردة ليست بحسنة، ولكن أحكم خلقها».

стр. 592

وفي رواية عنه قال: «أما إن است القرد ليست بحسنة، ولكنه أحكم خلقها» (١). ورجح ابن جرير قول ابن عباس، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب على قراءة من قرأه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ بفتح اللام (٢) قول من قال: معناه أحكم وأتقن؛ لأنه لا معنى لذلك إذ قرئ كذلك إلا أحد وجهين: إما هذا الذي قلنا من معنى الإحكام والإتقان، أو معنى التحسين الذي هو في معنى الجمال والحُسن، فلما كان في خلقه ما لا يشكّ في قُبحه وسماجته، علم أنه لم يُعن به أنه أحسن كلّ ما خلق، ولكن معناه أنه أحكمه وأتقن صنعته» (٣).

стр. 593

رابعاً معارضة التفسير بالقياس والقياس حجة في الجملة، والتعبد به جائز عقلاً وشرعاً، وهذا مذهب جمهور العلماء وهو المنقول عن الصحابة والتابعين ﵁، ونقل بعض العلماء إجماع الصحابة على العمل بالقياس (١). وقد اعتبر الصحابة والتابعون القياس في التفسير، فأدخلوا بعض الأشياء في معنى الآية ودلالتها بطريق القياس، ففي قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢)، قال ابن عباس في معنى ﴿سُكَارَى﴾: إنه النعاس، وقال الضحاك: سكر النوم (٣). علق على ذلك ابن تيمية بقوله: «وهذا إذا قيل: إن الآية دلت عليه بطريق الاعتبار أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان

стр. 594

السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضاً» (١). ومن الأمثلة ما ذكره ابن القيم في " إعلام الموقعين" (٢) أن الصحابة ﵃ جعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة؛ قياساً على ما نصَّ الله عليه في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣). وكما استخدموا القياس في بيان الآيات، فقد استدلوا به على ضعف بعض التأويلات، ومن أمثلة ذلك: ١ - عن طاوس قال: «قيل لابن عباس: أتأمر بالعمرة قبل الحج، والله تعالى يقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤)؟ ! ، فقال ابن عباس: كيف تقرؤون: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٥) فبأيهما تبدؤون؟ ، قالوا: بالدين، قال: فهو ذلك» (٦).

стр. 595

فالترتيب بين الحج والعمرة الذي فهمه المعترضون على ابن عباس من الآية غير مراد بالقياس على الآية الأخرى، والتي يتفق ابن عباس ومعارضوه على عدم إرادة الترتيب فيها. ٢ - وقيل لمجاهد: «أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١)، أفليس الأمة من النساء؟ ، فقال مجاهد: قد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢) أفليس العبد من الرجال؟ ، أفتجوز شهادته؟ » (٣). فسائل مجاهد فهم من الآية أن الأَمَة داخلة في عموم النساء، والله يقول: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، فيقع الظهار منها، وكان مجاهد لا يرى الظهار من الأمة، فلما عورض بهذه الآية، بيَّنَ أن العبد لا تجوز شهادته مع كونه داخلاً في عموم الرجال في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وعلق ابن عبد البر على كلام مجاهد بقوله: «كما كان العبد من الرجال غير

стр. 596

المراد بالشهادة، فكذلك الأمة من النساء غير المراد بالظهار، وهذا عين القياس» (١). ومذهب مجاهد هو مذهب شيخه ابن عباس ﵄، فإنه كان لا يرى الظهار من الأمة شيئاً، ويقول: «من شاء باهلته أن الظهار ليس من الأمة، إنما قال الله : ﴿ ... مِنْ نِسَائِهِمْ﴾» (٢)، وهو مذهب جمهور العلماء (٣). ٣ - وفي قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٤). جاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى ربه، فقال رجل لعكرمة: أليس قد قال الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؟ ، فقال له: ألست ترى السماء؟ ، قال: بلى قال: فكلها ترى (٥). فالرجل فهم من الآية مجرد الرؤية، فغلطه عكرمة بأن الآية لا تدل على ذلك، واستدل بأن من يرى السماء لا يقال: إنه أحاط بها، ففرق بين الإحاطة وهو الذي يفيده قوله: ﴿تُدْرِكُهُ﴾، وبين مجرد الرؤية.

стр. 597

خامساً أن يكون التفسير غير مفيد ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك: ١ - في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١). يرى جمهور المفسرين أن الجهرة في الآية متعلق برؤية الله تعالى، وأنهم طلبوا من موسى أن يريهم الله عياناً علانية. وجاء عن ابن عباس في رواية عنه إنكار هذا المعنى، وقال: «إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرة: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾، قال: هو مقدم ومؤخر» (٢). قال ابن جرير: «وكان ابن عباس يتأول ذلك أن سؤالهم موسى كان جهرة» (٣). وابن عباس في هذه الرواية يرى أن قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾ كاف في طلب

стр. 598

الرؤية، فليس ثمة فائدة من قولهم: جهرة بمعنى عياناً. وعن ابن عباس رواية أخرى أن معنى جهرة علانية (١)، وهذا رأي جماهير المفسرين، وهو الراجح في معنى الآية، وإنما طلب بنو إسرائيل من موسى ﵈ أن يريهم الله جهرة لتأكيد الرؤية، ولئلا يتوهم متوهم أنها مجرد لمحة، أو أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على نحو ما يراه النائم (٢). ٢ - وفي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (٣). يرى الحسن البصري أن الشجرة المضروب بها المثل ليست حقيقية، ويقول: «لو كانت في الأرض هذه الزيتونة كانت شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الأرض، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره». وفي رواية عنه قال: «هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية» (٤).

стр. 599

والقول الذي عليه الجماهير من المفسرين - وهو الصحيح - أن المثل حقيقي، وحقيقة وصف الشجرة بهذه الصفة أنها متوسطة؛ فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، والمراد بروزها وانكشافها لتصيبها الشمس طول النهار، والشجرة التي بهذه الصفة أجود ثمراً، فيكون زيتها أجود وأصفى (١).

стр. 600

سادساً نقد التفسير بذكر ما يترتب عليه ينتقد العلماء تفسير الآية بذكر ما يلزم عليه من لوازم باطلة، ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك: ١ - قال رجل لابن عباس: «إني سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال: ما أدري؛ موتاً كان أو ماءً؟ ، فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر "سورة العنكبوت" حين ذكر الله قوم نوح فقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١)، أرأيت لو ماتوا، إلى من جاء موسى ﵈ بالآيات الأربع بعد الطوفان؟ » (٢). فاستدل ابن عباس على ضعف تفسير الطوفان بالموت بأنه لو كان الأمر كذلك فلمن يُرْسَل موسى بالآيات الأربع المذكورة في سورة الأعراف بعد الطوفان في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾؟ (٣)، وكأن ابن عباس يرى الترتيب بين الآيات المذكورة، واستدل ابن عباس على صحة تفسير الطوفان بالماء بما ذكره الله تعالى من
следующие страницы →