المراد بالشهادة، فكذلك الأمة من النساء غير المراد بالظهار، وهذا عين القياس» (١).
ومذهب مجاهد هو مذهب شيخه ابن عباس ﵄، فإنه كان لا يرى الظهار من الأمة شيئاً، ويقول: «من شاء باهلته أن الظهار ليس من الأمة، إنما قال الله : ﴿ ... مِنْ نِسَائِهِمْ﴾» (٢)، وهو مذهب جمهور العلماء (٣).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٤).
جاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ رأى ربه، فقال رجل لعكرمة: أليس قد قال الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؟ ، فقال له: ألست ترى السماء؟ ، قال: بلى قال: فكلها ترى (٥).
فالرجل فهم من الآية مجرد الرؤية، فغلطه عكرمة بأن الآية لا تدل على ذلك، واستدل بأن من يرى السماء لا يقال: إنه أحاط بها، ففرق بين الإحاطة وهو الذي يفيده قوله: ﴿تُدْرِكُهُ﴾، وبين مجرد الرؤية.
стр. 597
خامساً
أن يكون التفسير غير مفيد
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
١ - في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (١).
يرى جمهور المفسرين أن الجهرة في الآية متعلق برؤية الله تعالى، وأنهم طلبوا من موسى أن يريهم الله عياناً علانية.
وجاء عن ابن عباس في رواية عنه إنكار هذا المعنى، وقال: «إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرة: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾، قال: هو مقدم ومؤخر» (٢).
قال ابن جرير: «وكان ابن عباس يتأول ذلك أن سؤالهم موسى كان جهرة» (٣).
وابن عباس في هذه الرواية يرى أن قولهم: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾ كاف في طلب
стр. 598
الرؤية، فليس ثمة فائدة من قولهم: جهرة بمعنى عياناً.
وعن ابن عباس رواية أخرى أن معنى جهرة علانية (١)، وهذا رأي جماهير المفسرين، وهو الراجح في معنى الآية، وإنما طلب بنو إسرائيل من موسى ﵈ أن يريهم الله جهرة لتأكيد الرؤية، ولئلا يتوهم متوهم أنها مجرد لمحة، أو أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على نحو ما يراه النائم (٢).
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ (٣).
يرى الحسن البصري أن الشجرة المضروب بها المثل ليست حقيقية، ويقول: «لو كانت في الأرض هذه الزيتونة كانت شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الأرض، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره».
وفي رواية عنه قال: «هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية» (٤).
стр. 599
والقول الذي عليه الجماهير من المفسرين - وهو الصحيح - أن المثل حقيقي، وحقيقة وصف الشجرة بهذه الصفة أنها متوسطة؛ فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، والمراد بروزها وانكشافها لتصيبها الشمس طول النهار، والشجرة التي بهذه الصفة أجود ثمراً، فيكون زيتها أجود وأصفى (١).
стр. 600
سادساً
نقد التفسير بذكر ما يترتب عليه
ينتقد العلماء تفسير الآية بذكر ما يلزم عليه من لوازم باطلة، ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
١ - قال رجل لابن عباس: «إني سألت ابن عمر عن الطوفان، فقال: ما أدري؛ موتاً كان أو ماءً؟ ، فقال ابن عباس: أما يقرأ ابن عمر "سورة العنكبوت" حين ذكر الله قوم نوح فقال: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (١)، أرأيت لو ماتوا، إلى من جاء موسى ﵈ بالآيات الأربع بعد الطوفان؟ » (٢).
فاستدل ابن عباس على ضعف تفسير الطوفان بالموت بأنه لو كان الأمر كذلك فلمن يُرْسَل موسى بالآيات الأربع المذكورة في سورة الأعراف بعد الطوفان في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾؟ (٣)، وكأن ابن عباس يرى الترتيب بين الآيات المذكورة، واستدل ابن عباس على صحة تفسير الطوفان بالماء بما ذكره الله تعالى من
стр. 601
إغراق قوم نوح ﵈ بالطوفان، وهو الماء إجماعاً.
ويحتمل أن يكون مراد ابن عمر أن يسلط الموت عليهم، لكن لا يفنيهم، بل يبقى منهم بقية، والله أعلم.
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (١).
اختلف سعيد بن جبير مع مجاهد وطاوس، فعن أبي بشر عن سعيد قال: «﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾: هو الزوج، وقال مجاهد وطاوس: هو الولي، قال: قلت لسعيد: فإن مجاهداً وطاوساً يقولان: هو الولي؟ قال سعيد: فما تأمرني إذاً؟ ، ثم قال: أرأيت لو أن الولي عفا وأبت المرأة، أكان يجوز ذلك؟ ، فرجعت إليهما فحدثتهما، فرجعا عن قولهما وتابعا سعيداً» (٢).
ورأي ابن جبير قال به جماعة من أهل العلم (٣)، واستدل ابن جبير على ضعف قول مجاهد وطاوس بأن المرأة لو أبت التنازل عن حقها في الصداق لم يكن للولي إجبارها على ذلك، فالولي لا يستقل وحده بالعفو عن الصداق.
стр. 602
قال الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: المعني بقوله: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، الزوج، وذلك لإجماع الجميع على أن ولي جارية بكر أو ثيب، صبيةً صغيرةً كانت أو مدركةً كبيرةً، لو أبرأ زوجها من مهرها قبل طلاقه إياها، أو وهبه له أو عفا له عنه أن إبراءه ذلك وعفوه له عنه باطل، وأن صداقها عليه ثابت ثبوته قبل إبرائه إياه منه، فكان سبيل ما أبرأه من ذلك بعد طلاقه إياها سبيل ما أبرأه منه قبل طلاقه إياها»، ثم ذكر حججاً أخرى (١).
٣ - وعن أبي بشر قال: «اختصم علي بن عبد الله بن عباس (٢) ورجل من آل شيبة في يوم الحج الأكبر، فقال علي: هو يوم النحر، وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة، فأُرْسِل إلى سعيد بن جبير فسألوه، فقال: هو يوم النحر، ألا ترى أن من فاته يوم عرفة لم يفته الحج، فإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج؟ ».
وفي رواية فقال سعيد بن جبير: «أرأيت لو أن رجلاً فاته يوم عرفة، أكان يفوته الحج؟ ، وإذا فاته يوم النحر فاته الحج» (٣).
стр. 603
وإذا كان الحج لا يفوت بفوات يوم عرفة فلا يصح أن يكون هو يوم الحج الأكبر، وينبغي حمل كلام ابن جبير بأن الحج لا يفوت بفوات يوم عرفة، لأن الوقوف بعرفة يمتد إلى فجر يوم النحر، وقد بين ذلك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فقال: «الحج يفوت بفوت يوم النحر، ولا يفوت بفوت يوم عرفة، إن فاته اليوم لم يفته الليل، يقف ما بينه وبين طلوع الفجر» (١).
والقول بأن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر هو الراجح، وهو ما رجحه الطبري، وأشار إلى دليل ابن جبير، فقال: «إنما يحج الناس ويقضون مناسكهم يوم النحر، لأن في ليلة نهار يوم النحر الوقوف بعرفة غير فائت إلى طلوع الفجر، وفي صبيحتها يعمل أعمال الحج، فأما يوم عرفة فإنه وإن كان الوقوف بعرفة، فغير فائت الوقوف به إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، والحج كله يوم النحر» (٢)، ورجحه كذلك ابن تيمية والشوكاني والشنقيطي (٣)، والله أعلم.
٤ - وفي قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ (٤).
стр. 604
تأولها بعض الناس بأن المراد بالذين يدعون ربهم بالغداة والعشي القُصَّاص.
وأنكر أبو جعفر ذلك؛ معللاً بأن الآية تخاطب النبي ﷺ ، فلا يصح أن يكون المراد القُصَّاص، لأنه لا يتصور أن يقص أحد على النبي ﷺ ، وقال منكراً هذا المعنى: «كان يقرئهم القرآن، من الذي يقص على النبي ﷺ ؟ ! » (١).
стр. 605
الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير
وفيه:
أولاً: أثره في التفسير وأصوله.
ثانياً: أثره في علوم القرآن.
ثالثاً: أثره في العقائد.
رابعاً: أثره في المتلقين.
стр. 606
مما يؤثر في العلوم باختلاف تخصصاتها ويساهم في ضبطها وتأصيلها وجود النقد الهادف في المجتمع العلمي؛ مثل قيام المناظرات والحوارات العلمية بين العلماء وطلابهم حول قضايا العلم المختلفة، والقيام بتقويم الآراء مع التزام جميع الأطراف بآداب المناظرة والحوار، ومن ذلك أيضاً قيام العلماء المتخصصين في فنهم بالرد على المخطئين فيه، وكشف ما يلتبس عليهم فهمه، وبيان الصواب في ذلك، ولا يقتصر أثر النقد الهادف على العلم وحده، وإنما يظهر على المتلقين وطلاب العلم أيضاً.
стр. 607
أولاً
أثره في التفسير وأصوله
من أهم الآثار الإيجابية لنقد التفسير حماية القرآن الكريم من الانحراف في فهمه، وقد سبق بيان أثر التحذير من الخطأ في التفسير وبيان خطره في دفع الأخطاء قبل وقوعها، أما إذا وقعت فإن قيام علماء التفسير بنقدها ورد المخطئ إلى جادة الصواب مؤثر في منعه ومنع غيره من التمادي في الخطأ، وبذلك تقل الأخطاء في التفسير، ولو اقتصر العلماء على تفسير القرآن فحسب، دون التعرض لنقد المخطئين لتمادى كثير من الناس في تفسير القرآن بلا علم.
إن انتقاد المخطئ وبيان الصواب له، وكشف ما يلتبس عليه فهمه يضعه على الجادة، ويحدد له المنهج السليم لفهم القرآن، فيدرك من خطئه أن طريقته في فهم القرآن لم تكن سديدة، وذلك أدعى لتصحيح منهجه فيما يستقبل من تفسير القرآن الكريم.
ومن الآثار الإيجابية للنقد: بيان التفسير الصحيح للآية، وكم من آية فهمت خطأً، وضل بها فئام من الناس، ولم يتبين وجهها إلا من خلال النقد.
وبيان المعنى الصحيح للآية هو مقصود الصحابة والتابعين ﵃ من النقد.
وفيما يتعلق بأصول التفسير فقد ظهر أثر نقد الصحابة والتابعين ﵃ من
стр. 608
ناحيتين:
الأولى: التأكيد على بعض قضايا أصول التفسير وعدم إغفالها عند تفسير القرآن الكريم، ومن تلك الأصول: تفسير القرآن بالقرآن، أو تفسيره بالسنة، أو باللغة العربية، وكذلك الحذر من مصادمة التفسير للعقائد والقواعد الثابتة، وقد توصل الصحابة والتابعون بهذه القضايا والقواعد إلى نقد بعض الآراء.
الثانية: تحرير المسائل المشكلة في تفسير القرآن، والتي تعارض النقل فيها عن الصحابة والتابعين قبولاً ورفضاً؛ تأييداً ورداً، كتفسير القرآن بالرأي، فقد جاء عن بعضهم فعله وإباحته، وجاء عن آخرين رده وإنكاره، ومثله تفسير المتشابه وتفسير القرآن بالإسرائيليات، وعند جمع النصوص بطرفيها نستطيع تمييز الحق فيها من الباطل، وقد استنبط العلماء من النصوص المتعارضة الحالات التي يجوز فيها التفسير بالرأي أو التفسير بالإسرائيليات، والحالات التي لا تجوز، ومر شيء من ذلك في موطنه، ولولا كلام النقاد فيها لالتبس أمرها على كثير من الناس، وربما استسهل بعضهم الكلام فيها فجرتهم إلى محاذير.
стр. 609
ثانياً
أثره في علوم القرآن
ترتبط بعض علوم القرآن ارتباطاً قوياً بالتفسير، ولها أثر ظاهر في فهم الآيات، وقد جاء عن الصحابة والتابعين شواهد نقدية متعلقة بها، وهي إما أن تتأثر بنقد التفسير، أو يتأثر تفسير الآية بنقدها، ومن أبرزها:
أ- القراءات:
من فوائد تعدد القراءات تعدد معاني الآية، فتفيد قراءة فوائد وأحكاماً لا تفيدها القراءة الأخرى، ومن ثَمَّ عد بعض العلماء اختلاف القراءات بمثابة تعدد الآيات (١).
وقد قرأ الصحابة والتابعون ﵃ القرآن بقراءات مختلفة؛ يقرأ كل واحد منهم بما سمع وتلقى عن شيوخه، ومما جاء عنهم الترجيح بين القراءات، فيرجح أحدهم قراءة، ويستدل لرجحانها بانتقاد معنى القراءة الأخرى، لكون المعنى الذي يفهم منها غير صحيح، فينتقد القراءة بها ويرجح ما يقرأ به، وبخاصة إذا كانت هي القراءة التي تلقاها عن أشياخه وتواترت لديه بخلاف الأخرى التي من
стр. 610
المحتمل عدم سماعه بها من قبل.
ومذهب الترجيح بين القراءات أخذ به بعض المفسرين، ومنهم ابن جرير الطبري، فهو كثير الترجيح بين القراءات، ويستدل في بعض ذلك بنقد معنى القراءة المرجوحة (١).
ويرد عن بعض الصحابة والتابعين ما هو أشد من الترجيح، فيردُّ أحدهم قراءة متواترة وينكرها، ويحتج لذلك بعدم صحة معناها، وهذا من الأمور المشكلة، فكيف يقدم أحدٌ على إنكار قراءة متواترة؟ ! ، وللعلماء عن ذلك عدة أجوبة، من أهمها:
أ - أن تلك القراءات التي طعن فيها الصحابة والتابعون ﵃ وأنكروها لم تواتر لديهم، والقراءةُ قد تواتر عند قوم دون قوم، وبخاصة إذا علمنا أن عصرهم سابق لزمن استقرار القراءات وإجماع الأمة على تواتر القراءات السبع (٢).
ب - تضعيف الروايات التي فيها جاء فيها رد القراءة وإنكارها كما صنع ابن الأنباري (٣)
مع ما ورد عن ابن عباس، وعارضها بروايات صحيحة عنه تثبت تلك
стр. 611
القراءات (١).
ج - أنهم لا يريدون حقيقة التضعيف والتخطئة، وإنما يريدون الترجيح والاختيار، وأن القارئ خالف ما هو أولى وأحسن (٢).
وبكل حال فهذه القراءات المنتقدة قد تواترت لدى العلماء وتلقتها الأمة بالقبول، ولها عند علماء التفسير والقراءات معانٍ صحيحة، فينبغي أن لا يضيق بها صدر القارئ، وبين أيدينا عدة شواهد عن الصحابة والتابعين ﵃ استدلوا بضعف معنى القراءة على نقد القراءة نفسها، وهي كلها في نقد قراءات متواترة، لكن تارة يرجح عليها قراءة متواترة، وأخرى يرجح عليها شاذة:
فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:
١ - ما تقدم عن عائشة ﵂ أنها أنكرت قراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ (٣)، ولما قال لها عروة: لعلها
стр. 612
﴿كُذِبُوا﴾ مخففة؟ ، قالت: معاذ الله (١)، وسبب إنكارها القراءة أن المعنى الذي تفضي إليه قراءة التخفيف انتقاص الأنبياء والإخلال بمقامهم كما تقدم (٢).
قال ابن حجر تعليقاً على قول عائشة: "معاذ الله": «وهذا ظاهر في أنها أنكرت القراءة بالتخفيف بناءً على أن الضمير للرسل، وليس الضمير للرسل، ولا لإنكار القراءة بذلك معنى بعد ثبوتها، ولعلها لم يبلغها ممن يرجع إليه في ذلك» (٣).
٢ - وفي قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) قالت عائشة: «كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر أن ينزل عليهم مائدة، ولكن قالوا: يا عيسى (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)» (٥).
وفي رواية قالت: «كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، إنما قالوا: هل تستطيع أنت ربك، هل تستطيع أن تدعوه؟ » (٦).
стр. 613
وعن سعيد بن جبير: أنه قرأها كذلك: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) وقال: تستطيع أن تسال ربك؟ ، وقال: ألا ترى أنهم مؤمنون؟ (١).
ووجه الإشكال في قراءة ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ما بينته عائشة وسعيد من أن الحواريين مؤمنون بالله، كما أخبروا بذلك في الآية التي قبلها: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وسؤالهم عن قدرة الله تعالى على إنزال المائدة ينافي ما حكوه عن أنفسهم، ولما استعظم عيسى ﵇ هذا السؤال منهم، وقال لهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، بينوا له أنهم يريدون الاطمئنان إلى صدقه، فقالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ (٣).
وأجيب بأن سؤالهم كان في مبدأ أمرهم قبل استحكام الإيمان في قلوبهم، وقد كره منهم عيسى ﵇ ذلك، وأمرهم بالتوبة ومراجعة إيمانهم، فقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أو أن سؤالهم لم يكن عن شك في قدرة الله، وإنما طلبوا الطمأنينة كما طلبها إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٤).
стр. 614
وذهب ابن جرير إلى نقيض قول عائشة، فرجح قراءة الجمهور مستدلاً بضعف معنى قراءة: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) (١).
والصواب ثبوت كلا القراءتين، ولكل منهما معنى صحيح.
٣ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).
ذُكر لابن عباس أن ابن مسعود قرأ بالضم: (يُغَل) (٣) فقال: بلى ويقتل! ، ثم ذكر أنها نزلت في قطيفة؛ قال بعض الناس: إن رسول الله ﷺ غلها يوم بدر (٤).
وعن خصيف قال: «سألت سعيد بن جبير كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أو: (يُغَل)؟ ، قال: لا بل (يَغُل) فقد كان النبي - والله - يُغَل ويُقْتل» (٥).
ومراد ابن عباس وابن جبير أن قراءة الضم تنفي أن يُتَهم نبيٌ بالغلول من
стр. 615
قبل أتباعه، والواقع يشهد بخلاف ذلك؛ لأنهم إذا كانوا يفعلون معه ما هو أشد من ذلك كالقتل، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة في الغنيمة؟ ! ، والآية على هذه القراءة تنفي نسبة النبي إلى الخيانة، فالمعنى - عند ابن عباس وابن جبير - غير سديد (١).
ولابن جرير نقد لمعنى هذه القراءة وترجيح الأخرى عليها (٢).
وقراءة الضم ثابتة بالتواتر، ولها معنى صحيح، فتخصيص النبي ﷺ بعدم تخوينه في الغنيمة مع حرمته مع غيره لشناعة الحال مع النبي ﷺ ، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره (٣).
٤ - وعن شريح ﵀ أنه كان يقرأ هذه الآية: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (٤) بالنصب، وكان ينكر قراء الرفع، ويقول: إن الله لا يعجب من الشيء، إنما يعجب من لا يعلم، قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: إن شريحاً كان معجباً برأيه، وعبد الله بن مسعود ﵁ كان أعلم منه، كان يقرأها: (بَلْ عَجِبْتُ) (٥).
стр. 616
ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:
١ - عن أبي بن كعب ﵁ أنه كان يقرأ: (أَنَا آتِيْكُم بِتَأْوِيْلِه)، فقيل له: «﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ (١) فقال: أهو كان ينبئهم؟ » (٢).
وجاء عن الحسن أنه قرأها كذلك (٣)، فقيل له: «يا أبا سعيد: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾، فقال: أهو كان ينبئهم» (٤).
والمعنى على قراءة الجمهور أن الرجل يخبرهم بتأويل الرؤيا بتلقيه عمن لديه علمه لا من تلقاء نفسه، ولذا لم يقل أفتيكم في ذلك، ويدل على صحة هذا التوجيه قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾، أي: أرسلون إلى من عنده علمه (٥).
٢ - وفي قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ (٦) روى عمرو بن دينار عن ابن
стр. 617
عباس «أنه قرأ: (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) (١)، قال: عبادتك، وقال: إنه كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُد» (٢).
وسمع الضحاك رجلاً يقول: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ فقال: «إنما هي (وَإِلَاهَتَكَ) أي: عبادتك؛ ألا ترى أنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾» (٣).
وحجة ابن عباس والضحاك أن فرعون كان يدعي الربوبية فكيف يعبد غيره؟ ! .
وأما على قراءة الجمهور، فإن فرعون كان للناس في زمنه آلهة من بقر وأصنام وغيرها، وكان فرعون شرع لهم ذلك، وجعل نفسه الإله الأعلى بقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٤).
وجاء عن بعض السلف أنه كان يعبد الأصنام، فعن الحسن قال: «كان
стр. 618
لفرعون إله يعبده في السر» (١).
وجاء عن ابن عباس أن فرعون كانت له بقرة يعبدها (٢)، وهذا يرجح رجوع ابن عباس عن قوله الأول، والله أعلم (٣)
والمتقرر لدى العلماء أن القراءة الشاذة لا تجوز القراءة بها لخروجها عن إجماع المسلمين، ولفقدها شرط التواتر الذي تثبت به القراءة (٤)، وإنما ذكرناها هنا جمعاً لأطراف الموضوع، والمهم لدينا بيان أثر نقد معنى القراءة في نقد القراءة نفسها.
ب - الناسخ والمنسوخ:
تكلم الصحابة ﵃ في النسخ كثيراً إثباتاً ونفياً، ولا يخفى على القارئ أهمية كلامهم، فقد عد بعض العلماء النقل الصريح عنهم أحد الطرق في معرفة الناسخ
стр. 619
والمنسوخ (١)، وتقدم في الباب الأول بيان اهتمامهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ للوصول إلى فهم سليم للقرآن الكريم.
ويتأثر معنى الآية بالنسخ سلباً وإيجاباً، فقد يتخذ البعض النسخ دليلاً لانتقاد معنى أو حكم مستنبط من الآية، وبالمقابل فإن التوفيق بين ما ظاهره التعارض، وتوجيه معاني الآيات وجهة سليمة مما يوهي القول بالنسخ.
وسنبقى في عرض الشواهد النقدية مع مفهوم الصحابة والتابعين الواسع للنسخ، والذي يشمل كل تغير يطرأ على النص بدليل آخر، كتقييد المطلق وتخصيص العام، وبيان المجمل والمهمل، ورفع الحكم بجملته، وسنبين في تلك الشواهد المراد بالنسخ في الاصطلاح المتأخر، والأمثلة التي بين أيدينا على قسمين:
القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢).
يرى بعض الصحابة والتابعين أن هذه الآية منسوخة، فعن ابن مسعود ﵁ قال: «نسختها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾» (٣).
стр. 620
وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: «لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فنسخت الآية الأولى» (١).
وعن قتادة ﵀ قال: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ «أن يطاع فلا يعصى، ثم أنزل - جل وعز - التخفيف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فنسخت هذه التي في آل عمران» (٢).
وجاء عن ابن عباس ﵄ إنكار نسخها، وقال في قول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ «لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» (٣).
قال ابن تيمية: «وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، كما قال من
стр. 621
قال: إن قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (١) نُسِخَ بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وليس بين الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، و ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ الأمر بما لا يستطيعه العبد، فينسخ ما فهمه هذا، كما ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، وإن لم يكن نسخ ذلك نسخ ما أنزله، بل نسخ ما ألقاه الشيطان؛ إما من الأنفس أو من الأسماع أو من اللسان، وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل» (٢).
وفراراً من القول بالنسخ علق أبو جعفر النحاس (٣) على قول قتادة السابق فقال: «يجوز أن يكون معناه نزلت: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بنسخة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ وأنها مثلها، لأنه لا يكلف أحد إلا طاقته» (٤).
ويبدو أن أبا جعفر ﵀ فهم من النسخ في قول قتادة الاصطلاح المتأخر، وكان علق عليه قبل ذلك بقوله: «محال أن يقع في هذا ناسخ ومنسوخ إلا على حيلة،
стр. 622
وذلك أن معنى نسخ الشيء إزالته والمجيء بضده، فمحال أن يقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ منسوخ» (١).
ولا داعي لهذا التأويل إذا علمنا أن مفهوم السلف للنسخ أوسع من مفهوم المتأخرين، والله أعلم.
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٢).
يرى بعض السلف أن هذه الآية منسوخة:
فعن سعيد بن المسيب ﵀ قال: «نسخها الميراث والوصية» (٣).
وفي رواية عنه قال: «كانت هذه الآية قبل قسمة المواريث، فلما أنزل الله المواريث لأهلها، جعلت الوصية لذوي القرابة الذين يحزنون ولا يرثون» (٤).
стр. 623
وأنكر آخرون نسخها وقالوا بإحكامها، وهي تدل على إعطاء من حضر من القرابة واليتامى والمساكين من الميراث، ومن أقوالهم في ذلك:
عن ابن عباس ﵄ قال: «محكمة وليست منسوخة» (١).
وعنه في رواية أخرى قال: «إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس؛ هما واليان: وال يرث، وذاك الذي يَرْزُقُ، ووال لا يرث، فذاك الذي يقول بالمعروف؛ يقول: لا أملك لك أن أعطيك» (٢).
وعن ابن جبير وإبراهيم والحسن قالوا: «هي محكمة، وليست بمنسوخة» (٣).
وعن مجاهد ﵀ قال: «هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم» (٤).
وعن الحسن ﵀ قال: «هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا» (٥).
стр. 624
قال الشاطبي: «والجمع بين الآيتين ممكن لاحتمال حمل الآية على الندب، والمراد بأولى القربى من لا يرث بدليل قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ﴾، فقيد - كما ترى - الرزق بالحضور، فدل أن المراد غير الوارثين، وبيَّن الحسن أن المراد الندب أيضاً بدليل آية الوصية والميراث، فهو من بيان المجمل والمبهم» (١).
والقول بأن الآية محكمة محمولة على الندب قول الجمهور (٢).
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣).
جاء عن عكرمة والحسن أنهما قالا في هذه الآية: «كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في النور فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إلى قوله:
стр. 625
﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾» (١).
وجاء عن ابن مسعود ﵁ إنكار النسخ، فقال: «إنها لمحكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة» (٢).
فعكرمة والحسن أرادا بالنسخ بيان أن الأكل الوارد في سورة النور، والذي فهم بعض الناس دخوله في آية النساء ليس من أكل الأموال بالباطل، وأما إنكار ابن مسعود للنسخ فإنه أراد بقاء حكم آية النساء في تحريم أكل أموال الناس بالباطل وهذا بالاتفاق.
فالآيتان محكمتان، وآية النور نفت ما فهمه البعض من آية النساء، وتحرجهم من الأكل عند أحد من الناس خوفاً من الوقوع في أكل أموال الناس بالباطل، فهي أقرب إلى البيان منها إلى النسخ.
٤ - وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآية (٣).
стр. 626
جاء عن بعض السلف أن هذه الآية منسوخة (١)، وأنكر بعض التابعين ذلك:
فعن سعيد بن جبير ﵀ قال: «يقولون هي منسوخة، لا والله ما نسخها شيء، ولكنها مما تهاون به الناس» (٢).
وسئل الشعبي ﵀: «أمنسوخة هي؟ ، فقال: لا والله ما نسخت، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان» (٣).
ويبدو أن الذي دعا بعض الناس إلى توهم نسخها أن الناس تركوا العمل بها، فعن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال: «إن الله ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمة في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحِجَال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به» (٤).
стр. 627
وعنه قال: «ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن»، وذكر منهن هذه الآية (١).
القسم الثاني: نقد القول بإحكام الآية، ومن أمثلته:
١ - عن مجاهد ﵀ قال: «كنت عند ابن عمر فقال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدِيرٌ﴾ (٢) فبكى، فانطلقت حتى أتيت على ابن عباس، فقلت: يا بن عباس كنت عند ابن عمر آنفاً، فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ ، قال: قلت: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فضحك ابن عباس وقال: يرحم الله ابن عمر! أو ما يدري فيم أنزلت، وكيف أنزلت؟ ، إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غماً شديداً، وغاظتهم غيظاً شديداً، وقالوا: يا رسول الله هلكنا! إنما كنا نؤخذ بما تكلمنا، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : قولوا: «سمعنا وأطعنا»، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فنسختها هذه الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
стр. 628
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١)، فتجوز لهم من حديث النفس وأخذوا بالأعمال» (٢).
وفي رواية أن ابن عمر ﵄ تلا هذه الآية، وقال: «والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن! ، ثم بكى حتى سمع نشيجه» (٣).
стр. 629
قال ابن تيمية: «وقد عرفت بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضي محاسبة الرب عبده بها، وهي أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وبعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها، ومن قال من السلف: نسخها ما بعدها، فمراده بيان معناها والمراد منها، وذلك يسمى نسخاً في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء نسخاً» (١).
فالآية محكمة على الاصطلاح المتأخر للنسخ، ويقويه أن الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ (٢)، ولذا ذهب كثير من العلماء إلى القول بإحكامها (٣)،
стр. 630
ولما نقل أبو جعفر النحاس عن الشعبي قوله: «لما نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ لحقتهم منها شدة حتى نسخها ما بعدها»، علق عليه، فقال: «وفي هذا معنى لطيف، وهو أن يكون معنى نسختها: نسخت الشدة التي لحقتهم؛ أي: أزالتها» (١).
٢ - يرى علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ أن المرأة المتوفى عنها إذا كانت حاملاً فإنها تعتد بأبعد الأجلين: وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشراً، أخذاً بمدلول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣).
وقد أنكر ابن مسعود ﵁ ذلك، وبين أن انتهاء عدتها بوضع ما في بطنها، وقال: «نسخت سورة النساء القصرى كل عدة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، أجلُ كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها» (٤).
واستدل بتأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة، فعن مسروق قال: «قال ابن
стр. 631
مسعود: من شاء لاعنته أن هذه الآية التي في سورة النساء القصرى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ نزلت بعد الآية التي في البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية، قال: وبلغه أن علياً قال: هي آخر الأجلين فقال ذلك» (١).
وقول ابن مسعود هو قول جمهور العلماء من السلف والخلف (٢)، وقد رجع ابن عباس عن قوله حين بلغته السنة في ذلك (٣).
وهذا المثال أقرب إلى التخصيص والبيان منه إلى النسخ الاصطلاحي (٤).
ثالثاً
أثره في العقائد
تقدم الحديث عن منهج المبتدعة مع آيات العقيدة وطريقتهم في الاستدلال بها، وانحرافهم في تفسيرها حسب أهوائهم واحتجاجهم بها على مخالفيهم، وكان لنقد الصحابة والتابعين منهجهم في تأويل القرآن أثر من وجوه:
الأول: بيان المنهج الصحيح في التعامل مع الآيات، مثل رد الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة، والجمع بين الآيات القرآنية، لا الأخذ ببعض وترك بعض، والرجوع إلى السنة في فهم القرآن.
الثاني: بيان مسائل العقيدة التي أثارها المبتدعة آنذاك، كبدع الخوارج - التكفير، وتخليد العصاة في النار، والخروج على ولاة الأمر - وبدعة القدرية والروافض، والاستدلال لها بالقرن الكريم كما تقدم بسطه.
الثالث: التفسير الصحيح للآيات المتشابهة التي يثيرها أهل البدع أحياناً، وهذا يكشفها للناس ويقلل من اعتماد المبتدعة عليها لنصرة مذاهبهم أو التشويش بها على الناس.
الرابع: تصحيح عقائد كثير من الناس، فكثير من الخوارج رجع عن مذهبه الباطل حين ناقشهم ابن عباس، وكانوا معتمدين على ما فهموه من بعض الآيات،
стр. 634
فلما أبطل فهمهم وبين التفسير الصحيح للآيات رجع كثير منهم، وكانوا أزمعوا على قتال علي ﵁، وجاء عن ابن عباس أنهم كانوا ستة آلاف، فرجع منهم ألفان (١)، وفي أخرى أنه رجع منهم عشرون ألفاً، وبقي أربعة آلاف فقتلوا (٢).
وكذلك رجوع يزيد الفقير وأتباعه عن فكرة الخروج على المسلمين، وكانوا أزمعوا عليها بسبب تأولهم بعض الآيات، فمروا بجابر بن عبد الله ﵁ فناقشهم ورد عليهم فرجعوا عن مذهب الخوارج، قال يزيد: فما خرج منا رجل واحد (٣).
وإن لم يرجع أهل البدع عن مذاهبهم، فلا أقل من إفحامهم وإلجامهم وإضعاف حجتهم ليقل حماسهم ونشاطهم في الدعوة إلى عقائدهم، وقد ظهر ذلك في مناظرة عمر بن عبد العزيز ﵀ لغيلان القدري، وكان يحتج ببعض الآيات القرآنية، فأمسك عن الكلام في القدر بعدما رد عليه بالقرآن الكريم، وقد جمع عمر ﵀ قوة
стр. 635
الحجة وقوة السلطان مما جعل غيلان يتوارى مدة خلافته، ثم ظهر بعد وفاته (١).