← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أشياخِ العربِ، وأهل البَداوةِ (١)، وقد سأل الكسائيُّ الخليلَ بن أحمد: من أين أخذتَ علمك هذا؟ قال: مِن بوادي الحجازِ، ونَجدٍ، وتِهامة (٢). وجعل الجاحظُ من تَمَامِ آلةِ الشِّعرِ أن يكون الشاعرُ أعرابيًّا (٣). وذكر الفارابيُّ (٤) علةَ ذلك بقولهِ: «ولَمَّا كانَ سُكانُ البَريَّةِ في بيوت الشَّعَرِ، أو الصوفِ والخيامِ والأَحسيةِ (٥) من كل أمةٍ، أجفى وأَبعدُ من أن يَتركوا ما قد تَمكَّنَ بالعادة فيهم، وأَحرى أن يُحصِّنوا نفوسهم عن تَخيُّلِ حروفِ سائر الأمم، وألفاظهم، وألسنتهم عن النطق بها، وأحرى أَلاَّ يُخالطهم غيرُهم من الأمم، للتوحشِ والجفاء الذي فيهم، وكان سُكَّانُ المدن والقُرى وبيوتِ المَدَرِ منهم أَطبع، وكانت نفوسهم أشدَّ انقيادًا لنُطقهم بِما لم يتعودوه، كان الأفضلُ أن تؤخذ لغاتُ الأمَّةِ عن سكان البَراري منهم، متى كانت الأممُ فيها هاتان الطائفتان» (٦)، بِخلافِ الحاضرةِ التي كانتْ مِظنَّة الخلطِ واللَّحنِ (٧)، وقد أشار إلى ذلك أبو عمرو بن العلاء حينما قال: «لم أَرَ بدويًا أقامَ بالحَضَرِ إِلَّا فَسَدَ لِسانُهُ غَيْر رُؤبةَ والفرزدق» (٨). فعلى قدرِ توغُّلِ القبيلة في البداوة في وسط الجزيرة العربية -كبوادي نجد والحجاز وتهامة - تكون فصاحتها، ولذلك عَقَدَ ابنُ جني فصلًا بعنوان «بابٌ في ترك الأخذِ عن أهلِ المَدَرِ كما أُخِذَ عن أَهلِ الوَبَرِ» (٩). كما افتخر بعض البصريين بِمَروياتِهم على الكوفيين، ويقولون:

стр. 107

«إِنَّما أخذنا اللغةَ عن حَرَشةِ الضِّبابِ، وأَكَلَةِ اليَرابِيعِ، وهؤلاءِ أخذوا اللغةَ عن أَهلِ السَّوادِ أصحابِ الكَوامِيخِ وأكَلَةِ الشَّوارِيزِ» (١). ولم يكن الرفعُ من قيمةِ الباديةِ، والحطِّ من قيمةِ الحاضرةِ مقصورًا على هؤلاءِ فقط، فهناك ما يُشيْرُ إلى التفريقِ بينهما في العصرِ الجاهلي، وهو عصر الفصاحة والسليقة، فهذا عَديُّ بن زَيدٍ العِباديِّ المتوفى قبل الهجرةِ بِخمسٍ وثلاثين سنةً (٢) لا يرى العلماء الاستشهاد بشعره (٣). ومثله أميَّةُ بن أبي الصَّلت المتوفى في السنةِ الثامنة من الهجرة (٤)، حيث لا يَرى العلماءُ أَنَّ شِعرَهُ حُجَّةٌ (٥). وقد حرص العلماءُ وخاصةً أهلُ البصرةِ على تَحقُّقِ صفةِ البداوة فيمن يأخذون عنه، وكان ذلك مصدر فخر واعتزاز لهم، فهذا أبو عبيدة معمر بن المثنى عندما أتاه أبو عمر الجرمي بقطعة من كتابه «مجاز القرآن»، وقال له: «من أين أخذت هذا يا أبا عبيدة؟ فإن هذا خلاف تفسير الفقهاء (٦). فقال لي: هذا تفسير الأعراب البَوَّالِيْنَ على أعقابِهم، فإن شئتَ فخذهُ، وإن شئت فَذَرْهُ» (٧). يقول الفارابيُّ: «وبالجُملةِ فإِنَّهُ لم يُؤخَذ عن حَضريٍّ قط، ولا عن

стр. 108

سكان البَراري، مِمَّنْ كان يسكنُ أطرافَ بلادهم التي تُجاورُ سائرَ الأمم الذين حولهم فإنه لم يؤخذ لا من لَخْم (١)، ولا من جُذام (٢)؛ فإِنَّهم كانوا مُجاورِين لأهلِ مصرَ والقِبْط، ولا من قُضاعةَ (٣) وغَسَّانَ (٤)، ولا من إِياد (٥)؛ فإِنَّهم كانوا مُجاورينَ لأهلِ الشامِ، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتِهم بغير العربية، ولا من تَغلبَ ولا النَّمر (٦)؛ فإنهم كانوا مُجاورين للنَّبَطِ والفُرسِ، ولا من عبدِ القيس (٧)؛ لأَنَّهم كانوا سكَّانَ البحرين،

стр. 109

مُخالطين للهندِ والفُرسِ، ولا من أَزْدِ عُمان (١)؛ لِمُخالطتهم للهندِ والفُرسِ، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بَني حنيفة (٢) وسُكَّانِ اليمامةِ، ولا من ثَقيفَ (٣) وسكانِ الطائف؛ لمخالطتهم تُجَّار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرةِ الحجازِ (٤)؛ لأنَّ الذين نقلوا اللغةَ صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغةَ العرب قد خالطوا غيرَهُم من الأُممِ، وفَسَدَتْ ألسنتُهُم» (٥). ويقول أيضًا: «فتعلموا لغتهم والفصيح منها، من سكان البراري منهم دون أهل الحضر، ثم من سكان البراري من كان في أوسط بلادهم، ومن أشدهم توحشًا وجفاءً، وأبعدهم إذعانًا وانقيادًا، وهم قيسُ، وتَميمُ، وأَسَدُ، وطيء، ثُمَّ هُذيل» (٦). كلُّ هذه النقول تدل على أَنَّ العلماء كانوا يَحرصون على الأخذ عن الشعراء الذين ينتمون إلى البادية، ويُضعِّفونَ ما عداهم، ولا يلجأون إلى الأخذ عن غيرهم إلا في أضيق الحدود. وهذا المعيارُ قد جعل العلماءَ يذهبون إلى أنه يُحتج بشعر الفصحاء من شعراء الحضر الجاهليين

стр. 110

والمخضرمين والإسلاميين والأمويين والعباسيين حتى نهاية القرن الثاني الهجري، وأما في البادية المنقطعة فيحتج بشعر شعرائها حتى نهاية القرن الرابع الهجري، تقديرًا لِبَداوتِهم، وبُعدِهم عن تأثير اللحن (١). فترى أهل العربية يَحتجونَ بشعر ابنِ ميَّادةَ، وأبي نُخيلةَ الراجز، وأبي حيَّةَ النُّميريِّ، وابنِ هَرْمَةَ وكلهم بَدويٌّ فصيحٌ، ولا يَحتجون بِمَن عاصرَهم من شعراء المدنِ مثلِ بشارِ بن بُردٍ، والوليدِ بن يزيد، وأبي نُواس، وأَبي تَمَّام والبُحتريِّ؛ لأَنَّهم من أبناءِ المدينة والحضارة (٢). ثالثًا - المعيارُ القَبَليُّ: لهذا المعيار علاقة وثيقة بالمعيار المكاني؛ لارتباط القبيلة - غالبًا - بمكان وبيئة واحدة، وقد اشترط أهل العربية فيمن تؤخذ عنه اللغة، ويجوز الاحتجاج بأشعارهم ألا يكونوا من القبائل التي تسكن أطراف الجزيرة العربية، مجاورين بذلك الأعاجم أو الأحباش أو غيرهم من الأمم، وحجتهم في ذلك الحرص الشديد على سلامة اللغة، وخوفهم من تسرب اللحن إليها. روي عن ابن عباس ﵄ أن القرآن نزل على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن، وهم الذين يقال لهم عليا هوازن، وهم خمس قبائل أو أربع، منها سعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف (٣). ويقول أبو عمرو بن العلاء: «أفصح الشعراء ألسنًا، وأعربهم أهلُ السروات، وهنَّ ثلاث: وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن، فأولها هذيل: هي تلي السهل من تهامة، ثم بَجِيلَة السراة الوسطى، وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثُمَّ سَراةُ الأَزْدِ، أَزدِ

стр. 111

شَنوُءَة» (١). ويقول أبو عمرو بن العلاء أيضًا: «أفصحُ الناس عُليا تَميمٍ، وسُفلى قيس» (٢). وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: «أفصحُ الناسِ أَزْدُ السَّراةِ» (٣). ويذكر الفراءُ أَنَّ لغةَ عليا تَميم، وسُفلى قَيسٍ لغةٌ جيّدة (٤). وهناك نصٌّ ينقلهُ كُلُّ من كتب في هذه المسألة لأبي نصر الفارابي، يقول: «كانت قريشٌ أجودَ العرب انتقاءً للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وإبانةً عمَّا في النفس. والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبِهمُ اقتُدِي، وعنهم أُخِذَ اللسانُ العربيُّ من بَيْنِ قبائل العرب، هم قيسٌ، وتَميمٌ، وأَسَدُ، فإِنَّ هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أُخِذَ ومُعظمُهُ، وعليهم اتُّكِل في الغريب، وفي الإعراب والتصريفِ، ثُمَّ هُذيل، وبعض كِنانة، وبعض الطائيين، ولم يُؤخَذ عن غيرهم من سائرِ قبائلِهم ... فإنه لم يؤخذ لا من لَخمٍ، ولا من جُذام؛ فإنَّهم كانوا مُجاورين لأهلِ مصر والقِبْط، ولا من قضاعة وغسان، ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب ولا النمر؛ فإنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبد القيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم» (٥).

стр. 112

وما ذهب إليه الفارابي يُمثلُ مذهبَ البصريين الذين تشددوا في فصاحة العربي الذي تؤخذ عنه اللغة والشعر (١)، وأما الكوفيون فقد توسعوا في الأخذ عن القبائل العربية ذاهبين إلى أَنَّ الإجماعَ قائمٌ على أَنَّ جَميعَ قبائل العرب تتكلمُ العربيةَ، وأَنَّهُ لم يثبت فسادُ ألسنتها بالمخالطة فعلًا، وإِنَّما هو الافتراضُ المَحضُ، وعليه فيجب الأخذُ عنهم جميعًا دونَ الاقتصار على بعضها (٢)، وما ذهب إليه الكوفيون هو ما سار عليه المفسرون جميعًا في كتبهم، وأصحاب معاني القرآن والغريب، فقد استشهدوا بشعر جميع الشعراء الذين ينتمون إلى عصر الاحتجاج دون تفريق بين قبيلة وقبيلة. والظاهر أن سبب هذا التحديد للقبائل، والحرص على النص عليها يعود إلى خشية اللغويين الأوائل من تعرض اللغة العربية إلى الانحراف والابتعاد عن خصائصها إِبَّانَ نزول القرآن الكريم، مِمَّا قد يؤدي إلى ظهورِ لغةٍ ثانيةٍ مُختلفةِ الخصائص (٣). وما ذكرهُ الفارابي نظرة فلسفية لم يعضدها واقع الاحتجاج؛ فإن العلماء الذين حفظت أقوالهم ومؤلفاتهم منذ الخليل بن أحمد وسيبويه وحتى اليوم يستشهدون بأشعار كل القبائل العربية التي ذهب الفارابي إلى أَنَّهُ لم يؤخذ عنها، وقد أحصى الدكتور خالد عبد الكريم جُمعة القبائلَ التي استشهدَ سيبويه بشعر شعراءِها فوجدَها ستًا وعشرين قبيلةً، ومنها القبائل التي نصَّ الفارابي على عدم الاحتجاج بشعرها (٤). ولم تَخرجْ كتبُ التفسيرِ في ذلك عن كتب اللغة والنحو، فلم يلتزم المفسرون بالأخذ عن قبائلَ بعينها، وإِنَّما أخذوا عن كلِّ القبائل التي

стр. 113

حُفِظتْ أشعارُها، ومنها القبائلُ التي ذكرَ الفارابيُّ أَنَّهُ لم يُؤخذ عنها، وسيأتي تفصيل ذلك. وما ذكره من عدم استشهاد العلماء بشعر قريش، يتناقض مع ما نقله ابن فارس من إجماع العلماء على أَنَّ لغة قريش هي أفصح اللغات (١). بل إن سيبويه في كتابه قد اعتبَر لغة قريش أفصح اللغات، وأقواها، وأعلاها، وهي اللغة الأولى القدمى (٢). وربما يُعترضُ بقلةِ استشهاد النحويين بشعر قريش، فيجاب بأنَّ العِلةَ هي قلة شعر قريش لا عدم صحة الاحتجاج به، والقبائل تتفاوت في كثرة الشعر وقلته (٣). ويُمِكنُ توجيه عبارةِ الفارابي، إلى أَنَّهُ يريد بذلك أن الغالب على اللغويين الأخذ عن القبائل التي نص عليها، وقلة أخذهم عن القبائل التي ذكر أنه لم يؤخذ عنها. أو أن المقصود أن العلماء أخذوا من القبائل التي ذكرها كل ما ورد عنهم من الشعر والنثر على حد سواء، وأما التي لم يأخذوا عنها فيقتصر عدم الأخذ عنهم على النثر وحده دون الشعر، لأنه قد ثبت أن العلماء من النحويين واللغويين والمفسرين قد استشهدوا بشعر تلك القبائل التي نص على أنه لم يؤخذ عنها. وإما أن يكون الفارابي قد ذهب بهذا التحديد مذهبًا اجتماعيًا فلسفيًا، وأنه كان ينبغي أن يكون عمل أهل العربية على ذلك، لا أنه هو الذي وقع فعلًا، وذلك أن الفارابي اشتهر بكونه فيلسوفًا، ولم يكن من أهل اللغة المعروفين بها، وكتابه «الألفاظ والحروف» شرح لكتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطو (٤). وقد ذكر العلماء في تضاعيف كلامهم المفرق في بطون كتب اللغة

стр. 114

والتراجم ما يُمْكِنُ أَن يُسمَّى بضوابط وقواعد في عملية الاستشهاد بالشعر على مسائل اللغة والنحو (١)، وأما مسائل المعاني والبلاغة فقد أطلقوها من القيود الزمانيةِ والمكانيَّةِ، فأَباحوا الاستشهادَ عليها بشعر القُدامى والمُحدَثِيْن على حَدٍّ سواء، بل إِنَّ كتب البلاغة قد أكثرت من الاستشهاد بشعر المُحدَثين وأقلَّت من الاستشهاد بشعر القدماء الذين ينتمون إلى الطبقات الثلاث الأولى؛ وقد اقتصر بعضهم على شعر أبي تَمَّام، والبحتري، والمتنبي (٢). وقال ابن جني بعد استشهاده ببيت للمتنبي: «ولا تستنكر ذكر هذا الرجل - وإن كان مُولَّدًا - في أثناء ما نحن عليه من هذا الموضع وغموضه، ولطف متسربه؛ فإن المعاني يتناهبها المولدون كما يتناهبها المتقدمون، وقد كان أبو العباس (٣) - وهو الكثير التعقب لجِلَّةِ الناس - احتجَّ بشيءٍ من شعر حبيب بن أوسٍ الطائي في كتابهِ الاشتقاق، لَمَّا كان غرضه فيه معناهُ، دون لفظه» (٤). وهذا المعيارُ القَبَليُّ لم يكن لهُ أَثَرٌ في عملية الاستشهادِ بالشواهد الشعرية في كتب التفسير، بل استشهد المفسرون بشعرِ كافة الشعراءِ من جَميع القبائل العربية التي حُفِظَتْ أشعارُها، وترجعُ كثرة الأخذ عن بعض القبائل، وقلة الأخذ عن أخرى إلى القدر الذي حُفِظَ من أشعارها، ورواه الرواةُ الثقات، وليس لعدم صحة الأخذ عن هذه القبيلة أو تلك. وإن كان هناك قبائل كثر الأخذ عنها لوفرة شعرها، وقبائل قل الأخذ عنها لقلة شعرها، وسيأتي تفصيل ذلك (٥).

стр. 115

المبحث الرابع: عيوب الشاهد الشعري عند المفسرين . العُيوبُ جَمعُ عَيْبٍ، والعَيْبُ في اللغة الوَصْمَةُ (١). واصطلاحًا: القادحُ المؤثِّر الذي يُسقط الشاهدَ الشعريَّ بالكليَّةِ، أو يُضعفُ الاستشهاد به. وأول مَنْ نَقَدَ الشواهد الشعرية النحويون، وكان للمفسرين مشاركة في ذلك، فقد تعقبوا عددًا من الشواهد الشعرية، ووقفوا عندها وقفات نقد واعتراض، فطعن بعضهم في هذه الشواهد الشعرية بما يسقط الاستشهاد بها، ويخرجها عن دائرة الاحتجاج، ونقدها بعضهم بما يضعف الاستشهاد بها، ويجعل الشكَّ يدورُ حولَ صحةِ الاستشهادِ بِها. وقد استند المفسرون في نقدهم للشواهد الشعرية إلى أمورٍ عدة، منها اعترافُ الرواةِ بوضع هذه الشواهد، واختلاقِهم لها لسببٍ ما، أو إلى نصِّ أحدِ الأئمة على وضعِ الشاهد، أو جَهالةِ قائله، أو تَعدُّدِ الرواية في موضع الشاهد، أو ظهور علامات الوضع على الشاهد الشعري إِمَّا لِركاكةِ لفظهِ، وإِمَّا غَير ذلك من علامات الصَّنعةِ فيه. وهذه العيوب ليست على درجة واحدة، فمنها ما يُخرجُ الشاهد عن الحُجيَّةِ، ويُسقطهُ بالكُليَّةِ، ومنها ما يُضعفهُ، ولا يَجعلُ الحكمَ الذي بُنِيَ عليه قائمًا بِمُجرَّدِ هذا الشاهد الشعري. وبناءً على هذا يُمكنُ تقسيمُ عيوبِ الشاهد الشعري في كتب التفسير والدراسات القرآنية إلى قسمين:

стр. 116

الأول: العيوب المسقطة للشاهد. وهي التي لا يصلح الشاهد الشعري معها - إذا ثبتت - للاستشهاد، ويسقط بالكلية، وهي قليلة في كتب التفسير، وفي كتب النحو. الثاني: العيوب المضعفة للشاهد. وهي التي تقلل من قوة الشاهد الشعري وحجيته، ولكنها لا تسقطه بالكلية، وأغلب العيوب التي وجهت إلى الشاهد الشعري من هذا القسم. وقد أوردت في هذا المبحث ما يعد عيبًا في الشاهد الشعري، وما يظن عيبًا وليس كذلك. القسم الأول: العيوب المسقطة للشاهد الشعري . فأما القسم الأول فيدخل تحته: ° الطعن في الشاهد الشعري بالوضع أو الصنعة . يأتي الوضع في اللغة لعدة معانٍ منها الاختلاق، يقال: وضع الشيءَ وضعًا، أَي اختلقه (١). ومنها الإلصاق، يقال: وضع فلانٌ على فُلانٍ كذا، أي ألصقه به (٢). والشاهد الشعري هو جزء من الشعر الذي وقع فيه الوضع والاختلاق، والشعر الموضوع هو أن يقول بعض رواة الشعر، أو بعض المولدين، شعرًا ثم ينسبه إلى المتقدمين من الشعراء (٣). ومن العلماء من يسميه المصنوع. وابن قتيبة يسميه المنحول، استعمالًا للفظ النحل على أصل وضعه في اللغة بمعنى أن تنسب قولًا إلى من لم يقله (٤). وأما ابن سلَّام وخلف فإنهما يعنيان بالشعر المنحول ما يكون عند أحد من الرواة مِنْ شِعْرٍ معروف لشاعرٍ متقدم بعينه، فينسبه الراوية إلى شاعر متقدم

стр. 117

آخر (١). وهذا خطأ في نسبة الشعر فحسب، ولا يقدح في الاستشهاد به إذا كان جاهليًا أو إسلاميًا، وإنما يقدح في صحة نسبته إلى قائل بعينه (٢). وقد عبر المفسرون وأهل العربية عن الشاهد الموضوع بعبارات متعددة، كقولهم: «وهو موضوع». أو قولهم: «وهو مصنوع»، أو قولهم: «هو منحول»، أو «محمول». وهذه التعبيرات النقدية وغيرها مما يتعقب به العلماء بعض الأشعار يهم البحث منها الموضوع والمصنوع الذي قيل بعد عصور الاستشهاد مما يعني سقوط الاستشهاد به. والوضع لم يكن مختصًا بالشاهد الشعري فحسب، بل هي قضية معروفة في الشعر عمومًا، بل وتطرق الوضع إلى حديث الرسول ﷺ ، ولذلك توعد من يتعمد الكذب والوضع بالنار، فقال: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٣). والوضع للشاهد الشعري قد يكون كليًا، يشمل البيت كله، وقد يكون جزئيًا حيث يعمد الراوية أو النحوي إلى كلمة أو كلمات فيحذفها ويضع مكانها ما يناسب الوزن، ويساير المعنى الذي يريده. ومثل ذلك الشواهد المصنوعة، وهي تلك الشواهد التي يضعها صاحبها وينشدها على أنها مما قالته العرب الفصحاء، وهي في حقيقتها أبيات يتيمة ليس لها سوابق أو لواحق، كما لا يعرف قائلها أو واضعها على الأغلب، وتتردد في كتب النحو والتفسير، بحيث لا يكاد يخلو منها كتاب من تلك الكتب، مما يكون الغرض منه غالبًا تأييد مذهب في النحو أو اللغة (٤). وتنقسم الشواهد الموضوعة بحسب معرفة الواضع لها إلى ثلاثة أقسام:

стр. 118

أولًا: ما اعترف واضعه بوضعه: حفظ عن عدد من العلماء تصريحهم بالاعتراف بوضع بعض الأشعار، ونسبتها للمتقدمين. ومن أمثلة هذه الشواهد الموضوعة ما أورده المفسرون في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وهو قول الشاعر: فَأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ ... مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا على أنه للأعشى، فقد استشهد به أبو عبيدة على معنى قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] (١) فقال: «نكرهم وأنكرهم سواء، قال الأعشى ... » ثم ذكر الشاهد (٢). واستشهد به الطبري على المسألة نفسها فقال: «يقال منه: نَكِرْتُ الشيءَ أُنْكِرُهُ، وأَنْكَرتُهُ أُنْكِرُه، بمعنىً واحد، ومِنْ نَكِرْتُ وأَنْكَرْتُ قولُ الأعشى: وأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ ... مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا فجَمع اللغتين جَميعًا في البيت» (٣). واستشهد به الطبري كذلك على أن «العربَ قد تَجمعُ بين اللغتين، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧] (٤) فجَمَعَ بين التشديد والتخفيف، وكما قال الأعشى .. » ثم ذكر الشاهد (٥). وهذا الشاهد قد نقل أبو عبيدة عن يونس بن حبيب البصري أن أبا عمرو بن العلاء قد اعترف له فقال: «أنا الذي زدتُ هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب، فأتوب إلى الله منه» (٦). والبيت في ديوان الأعشى المطبوع، وقد ذكر المُحقق ما قيل في وضع القصيدة برمتها على الأعشى، وأقوال المحققين تردُّ كثيرًا من أبيات القصيدة ومنها هذا الشاهد، وقد نُسبَ وضعهُ إلى حَمَّاد الراوية، والمشهور أنه لأبي عمرو بن العلاء (٧).

стр. 119

ورُبَّما يفسر هذا ما فعله الطبري عندما استشهد به على أن العرب قد تجمع بين اللغتين معًا، حيث لم يفرده بالاستشهاد، بل ضم إليه قول أبي ذؤيب الهذلي: فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ، وامْتَرَسَتْ بِهِ ... هَوجاءُ هاديةٌ، وهادٍ جُرْشُعُ (١) وهذا من فطنة الطبري، وعدم ثقته بهذا الشاهد، وحسن بصره ودقته في التعامل مع الشاهد الشعري. وأما الزمخشري فقد استشهد به دون تنبيه على وضعه على غير عادته (٢). وقد يكون الفعل متعديًا في اللغة ثلاثيًا وغير ثلاثي (نَكِرَ وأَنْكَرَ)، وهما موجودان في شعر هذيل، ويبدو من دراسة شعرهم، استعمال الفعل (نَكِرَ) إذا شاب معنى الإنكار خوف وتوجس، مثل قول أبي ذؤيب السابق. وهذا المعنى هو الذي تؤديه الآية الكريمة ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] (٣). أَمَّا (أنكر) فهو أقرب إلى معنى الإنكار الخالص، الذي قد يغلب فيه العجب والدهش، على التوجس والخوف، وذلك مثل قول أبي خراش الهذلي: رَفَونِي، وقالوا: يا خُويلدُ لا تُرَعْ ... فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ: هُمُ هُمُ (٤) وقول أبي كبير الهذلي: وصحوتُ عن ذكرِ الغواني وانتهى ... عُمري، وأَنكرتُ الغداةَ تَقَتُّلي (٥) وربَّما اتُّهِم النحويونَ بوضع بعض الشواهد الشعرية تأييدًا لما يذهبون إليه، كما في الشاهد الذي أورده سيبويه، للاستشهاد على أن وزن «فَعِلَ» يعمل عَمَلَ فعله. يقول ابن عطية: «واختُلِفَ في عَمَلِ «فَعِلَ»، فقال سيبويه: إنه عامل، وأنشد:

стр. 120

حَذِرًا أُمُورًا لا تَضِيْرُ وآمنٌ ... ما ليسَ مُنجيهِ من الأَقْدارِ وادَّعى اللاحقيُّ (١) تدليسَ هذا البيت على سيبويه» (٢). وهو يشير إلى ما ذكره بعضُ النحويين من أَنَّ أبانَ اللاحقيَّ هو الذي صنع هذا البيت لسيبويه لغرض الاستشهاد به، دون أن يفطن سيبويه لذلك، وقد شاع هذا لدى كثير من المفسرين وأهل العربية. وعلة طعن العلماء في هذا الشاهد أنَّ كثيرًا منهم لا يرون أن صيغة «فَعِلَ» تعمل فيما بعدها، فحاولوا الطعن في الشاهد الشعري الذي ذكره سيبويه، في حين أن سيبويه أورد شاهدًا آخر على إعمال فعل، وهو: أَو مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضَادَةَ سَمْحَجٍ ... بِسَراتِهَا نَدَبٌ لَهُ وكُلُومُ (٣) فقد أعملَ «شَنِجٌ» في «عِضَادةَ». وأقدم من ردَّ هذا الشاهد هو المُبَرِّدُ، فقد قال عنه: «وهذا بيت موضوعٌ مُحْدَثٌ» (٤). غير أَنَّ السيرافيَّ دافع عن هذا الشاهد فقال: «وقد زعمَ قومٌ أَنَّ أبا يَحيى اللاحقيَّ حكى أَنَّ سيبويه سأله عن شاهدٍ في إعمال فَعِلَ، فعملَ له البيت. وإذا حكى أبو يحيى مثلَ هذا عن نفسه، ورضي بأَنْ يُخبِرَ أنه قليلُ الأمانة، وأَنَّه اؤتِمِنَ على الرواية الصحيحة فخانَ، لم يكن مثلهُ يُقبلُ قوله، ويُعترَضُ به على ما قد أثبته سيبويه. وهذا الرجلُ أحبَّ أنْ يتجمَّلَ بأَنَّ سيبويه سأله عن شيءٍ، فخبَّرَ عن نفسه بأَنَّه فعلَ ما يُبطل الجَمَالَ، ويُثبتُ عليهِ عارَ الأَبَدِ. ومن كانت هذه صورته بَعُدَ في النفوس أن يسأله سيبويه عن

стр. 121

شيء» (١). وقد وُجِّهَ كلامُ اللاحقي بأنه يعني بوضع هذا البيت روايته لا اختلاقه وقوله، وأكثر العلماء يميلون إلى توثيق هذا الشاهد ثقة في نقل سيبويه (٢). ثانيًا: ما نص أحد العلماء على وضعه: نص المفسرون على وضع بعض الشواهد الشعرية أو الشك في صحتها، ومن هؤلاء الزمخشري، فقد وقف مواقفَ نقدية مع عدد من الشواهد الشعرية التي يقال بوضعها. فمن ذلك قوله: «والله أعلم بصحة ما يقال: إن «طه» في لغة عك في معنى: يا رجل، ولعل عكًا تصرفوا في «يا هذا»، كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاءً، فقالوا في «يا» «طا»، واختصروا هذا فاقتصروا على «ها»، وأثر الصنعة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به: إنَّ السَّفَاهةَ طَهَ في خَلائِقِكُمْ ... لا قَدَّسَ اللهُ أخلاقَ الملاعين (٣)» (٤) وقوله في موضع آخر: «ومن بدع التفاسير: تفسير «الجُزْء» بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب: اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا: إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومًا فلا عَجَبٌ (٥) ... .......................................

стр. 122

زُوِّجْتُهَا مِنْ بَنَاتِ الأَوسِ مُجْزِئَةً (١)» (٢). ومثله ابن عطية في إيراد الشاهد الأول مع إِتْمامهِ فقال: «يقالُ: أجزأت المرأةُ إذا ولدت أنثى، ومنه قول الشاعر: إنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يَومًا فلا عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزِئُ المرأةُ المِذْكَارُ أَحيانَا وقد قيل في هذا البيت: إنه بيت موضوع» (٣). غير أن ابن قتيبة قد نقل عن أبي إسحاق الزجاج أن معنى الجزء هنا البنات، يقال له جزء من عيال، أي بنات. قال: وأنشدني بعض أهل اللغة بيتًا يدل على أن معنى «جزء» معنى إناث، قال: ولا أدري البيت قديم أم مصنوع: إِنْ أَجْزأتْ حُرَّةٌ يومًا فلا عَجَبٌ ... قد تُجزئُ الحُرَّةُ المِذكارُ أَحيَانَا فمعنى: «أجزأت». أي آنثت، أي أتت بأنثى. وقال المفضل بن سلمة: حكى لي بعض أهل اللغة: أجزأ الرجل، إذا كان يولد له بنات. وأجزأت المرأة: إذا ولدت البنات. وأنشد المفضل: زُوجتُها من بَنَاتِ الأَوسِ مُجزئةً ... للعَوسجِ اللَّدنِ في أَبياتِهَا زَجَلُ» (٤). وربما اكتفى الزمخشري بإظهار شكه وارتيابه في صحة الشاهد، كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٥): «وقيل: «العجل». الطين بلغة حِمْيَر، وقال شاعرهم: والنَّخْلُ ينبتُ بينَ المَاءِ والعَجَلِ (٦)

стр. 123

والله أعلم بصحته» (١). ومن الأمثلة كذلك ما ذكره الفراء من أن أبا البلاد النحوي (٢) كان ينشده بيتًا: عَسْعَسَ حتى لو يشاء إدَّنا ... كان له من ضوئه مَقْبَسُ (٣) يريد: إذْ دَنَا، ثم يلقي همزة إذ، ويدغم الذال في الدال، وكانوا يرون أن هذا البيت مصنوع (٤). ويعني بهم أهل رواية الشعر. وهذا الشاهد استشهد به الفراء هنا على أن عسعس في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ [التكوير: ١٧] (٥) في رأي بعض المفسرين بمعنى دنا من أوله وأظلم. وتابعه في ذلك الطبري، والقرطبي (٦). وأعرض عنه أبو عبيدة، والزمخشري، وابن عطية (٧). ولابن عطية في تفسيره وقفات نقدية لبعض الشواهد المصنوعة من مثل قوله - عند تفسير معنى الإثم في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... ﴾ [الأعراف: ٣٣] (٨): «والإثم أيضًا لفظٌ عامٌ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور. وقال بعض الناس: هي الخمر، واحتج على ذلك بقول الشاعر: شَرِبْتُ الإِثْمَ حتى طارَ عقلي (٩)

стр. 124

قال القاضي أبو محمد ﵀: وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن هذه السورة - أي الأعراف - مكية، ولم تُعْنَ الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُدٍ؛ لأن جماعة من الصحابة اصطحبوها يوم أُحُدٍ وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم. وأيضًا فبيت الشعر يقالُ: إِنَّهُ مصنوعٌ مُختَلَقٌ، وإن صحَّ فهو على حذفِ مُضافٍ» (١). فابن عطية يشكك في صحة هذا الشاهد، ويرى أنه على افتراض صحته ينبغي تأويله. ثالثًا: ما احتمل الوضع لسبب ما: ومن الشواهد التي يحتمل دخول الوضع فيها أو في موطن الاستشهاد منها، وخاصة أن معظم كتب التفسير قد ذكرته، قول الشاعر: تَرى السفيهَ بهِ عنْ كُلِّ مُحكمةٍ ... زيغٌ، وفيهِ إلى التشبيهِ إِصغاءُ وهذا الشاهد الشعري غير منسوب في كتب التفسير (٢)، ولعل صواب رواية البيت كما في «شرح مقامات الحريري»، وقد نُسِبَ فيها لسابق البربري، مع ثلاثة أبيات في الحلم والتسفيه، وهي التي تدور حولها الأبيات، وهي: لا تُظْهِرَنَّ لذي جَهْلٍ مُعاتبةً ... فرُبَّمَا هُيّجَتْ بالشَّيءِ أَشياءُ فالماءُ يُخْمِدُ حَرَّ النارِ يُطْفِئُها ... وليسَ للجهلِ غَيْرُ الحِلْمِ إِطفاءُ تَرى السَّفيهَ له عنْ كُلِّ مَحْلَمَةٍ ... زَيغٌ، وفيهِ إلى التسفيهِ إِصغاءُ (٣) فأما المفسرون فقد استشهدوا به على معنى الإصغاء في اللغة،

стр. 125

وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام: ١١٣] (١)، فيبقى الشاهد صالحًا لذلك بروايتيه (٢). أَمَّا المؤلفون في علوم القرآن، والأصوليون، والمؤلفون لكتب الاعتقاد، فقد أوردوه للاستشهاد به على معنى المُحكمِ والمتشابه، وهو بهذا لا يصلح الاستشهاد به، لوقوع التحريف فيه في موضع الشاهد منه. ويحتمل أن التصحيف قد دخل في هذا الشاهد في كلمتين، فتصحفت كلمة «مَحْلَمَة» إلى «مُحْكَمَةٍ»، وكلمة «التسفيه» إلى «التشبيه». والتصحيف من عيوب الشاعر التي وقع كثير من العلماء فيها، وقد صحف أبو عبيدة بيتًا لامرئ القيس، وفسر بموضع التصحيق آية من كتاب الله على معنى خالفه فيه المفسرون. فقد روى أبو عبيدة قول امرئ القيس: تَجاوَزتُ أَحراسًا إِلَيها وَمَعشَرًا ... عَلَيَّ حِراسًا لَو يُسِرّونَ مَقتَلي (٣) فكان أبو عبيدة يرويه: رِجالٌ حِرَاصٌ لو يُسِرُّون مَقتلي بالسين غير المعجمة، وفَسَّرَ به قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس: ٥٤] (٤) أي: أظهروها. ورواية الأصمعي للبيت: تَجاوَزتُ أَحراسًا إِلَيها وَمَعشَرًا ... عَلَيَّ حِراسًا لَو يُشِرّونَ مَقتَلي أي: يظهرون، يقال: أشررت الثوب إذا نشرته، وشررته أيضًا (٥). وقد قَبِلَ بعضُ العلماء الاستشهاد بالشعر المنحول رغم صنعته، واشترطوا لقبوله شرطين:

стр. 126

١ - أَن يكونَ مُحاكيًا للأَصلِ، ويُمَثِّلُ جانبًا من واقعهِ. (١) ٢ - أن يكون قائله من أهل المعرفة بشعر العرب، ومذاهب الشعراء (٢). ° القسم الثاني: العيوب المضعفة للشاهد الشعري . وأما القسم الثاني من عيوب الشاهد الشعري وهي العيوب المضعفة للشاهد الشعري، فهي تلك العيوب التي تضعف من قوة الشاهد الشعري ولكنها لا تسقط الاستشهاد به بالكلية للخلاف بين أهل العربية في ذلك. ومن هذه العيوب: ١ - رد الشاهد لكونه موضع ضرورة شعرية . اختلف العلماء في حقيقة الضرورة في الشعر على عدة آراء: الأول: مَنْ يرى أن الضرورة ما وقع في الشعر، سواء أكان للشاعر عنه مندوحة أم لا (٣). ونسبه الألوسي إلى الجمهور (٤). الثاني: مَن يرى أن الضرورة ما وقع في الشعر مما ليس للشاعر عنه مندوحة، وهو ما أشار إليه ابن مالك (٥)، ونسبهُ لَهُ جَماعةٌ من النحويين (٦). وبناء على ذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى أن الشعر لا ينبغي أن يكون هو المستند الوحيد لبناء القواعد في لغة العرب، ولا أن ينفرد بالتأسيس لها؛ وذلك أنه موضع للضرورات التي لا يمكن أن يقاس عليها

стр. 127

كلام الناس المنثور الخالي من هذه الضرورات. يقول الشاطبي (٧٩٠ هـ): «أما الاعتمادُ على الشعر مجردًا من نثر شهيرٍ يضاف إليه، أو يوافق لغةً مستعملةً يُحمل ما في الشعر عليها، فليس بمعتمد عند أهل التحقيق؛ لأن الشعر محل الضرورات» (١). ومثله أبو حيان الغرناطي، فقد رد الشواهد التي استشهد بها من أجاز تقديم الحال على صاحبه المجرور على الرغم من كثرتها بقوله: «وهذا الذي استدلوا به من السماع - على تقدير أن لا يتصور تأويله- لا حجة فيه، لأنه شِعْرٌ، والشعر يجوز فيه ما لا يجوز في الكلام» (٢). ويقول ابن جني: «والشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيرًا ما يُحَرَّفُ فيه الكَلِمُ عن أَبنيتهِ، وتُحال فيه المُثُلُ عن أوضاعِ صِيَغِها لأَجلِهِ» (٣). وبِما أَنَّ للشعر لغته الخاصة به، فإن الشاعر مقيَّد بِمراعاة أحكام الوزن، والخضوع لشروط القافية وإقامة الروي، وملزم بعدد من التفاعيل العروضية ليستقيم عروض البيت، فالشاعر «مضطر أن يسلك من السبل كل شاق بسبب إقامة الوزن، ولذلك خلت النصوص الفصيحة البليغة من أمثال هذه العثرات لأن ذلك يعرض للشاعر. وعلى ذلك فإن الشعر لا يمكن أن يكون شواهد لغوية قوية، وربما كان بسبب ذلك أننا نجد جميع العيوب التي تقدح في الفصاحة في الشواهد الشعرية» (٤). كذلك فإن الشعر يخضع للضرورة الشعرية التي تبيح للشاعر أن يخالف قواعد اللغة في حدود معروفة لأجل إقامة الوزن، فقد «أبيح للشاعر ما لم يبح للمتكلم من قصر الممدود، ومد المقصور، وتحريك

стр. 128

الساكن، وتسكين المتحرك، وصرف ما لا ينصرف، وحذف الكلمة ما لم تلتبس بأخرى» (١). كما إنه يحتمل في الشعر «وضع الشيء في غير موضعه دون إحراز فائدة، ولا تحصيل معنى» (٢). وهذه الضرورة التي تعرض للشعر تهبط بفصاحته، وتبعده عن واقع اللغة المألوف للناس (٣). وقد نبَّهَ سيبويه إلى ذلك بإشارتهِ إلى عدم جواز بعض الأساليب إلا في ضرورة الشعر (٤). وقال عند قول كثير عزة: لِمَيَّةَ مُوحشًا طللُ (٥) «وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام» (٦). فالاضطرار يجعل الشاعر ينطق بما لم يَرِدْ به سَمَاعٌ عن العرب (٧). وبعض العلماء لا يعد هذا عيبًا، وإنما يعدُّه من باب الرخصة في الشعر، كما عَقَدَ ابنُ رشيق لذلك بابًا سماه «الرخص في الشعر»، وجاء فيه قوله: «وأذكر هنا ما يجوز للشاعر استعماله إذا اضطر إليه» (٨). ويذكر الألوسي أن الحكم النحوي ينقسم إلى رخصة وغيرها، والرخصة ما جاز استعماله لضرورة الشعر (٩)، وجاء نحوه عند السيوطي (١٠). وهناك من رأى عدم التفريق بين الشعر وغيره من اللغة، وأن ما جاز في الشعر جاز في اللغة من باب أولى؛ لأن الشعر أصل كلام العرب، وقد نقل أبو جعفر النحاس هذا الرأي فقال: «بعض أهل النظر يقول: كل ما يجوز في الشعر فهو جائز في الكلام؛ لأن الشعر أصل

стр. 129

كلام العرب، فكيف نتحكم في كلامها، ونجعل الشعر خارجًا عنه» (١). وهناك من رأى أن ما ورد في الشعر مخالفًا لقواعد النحويين أخطاء لا مسوغ لها (٢)، وعلى هذا الرأي فهي عيوب يعاب بها الشاهد الشعري، وإن لم تسقط الاستشهاد به، يقول ابن فارس: «وما جعل الله الشعراء معصومين، يوقون الخطأ والغلط» (٣). ويذكر أبو هلال العسكري أن الشعراء المتقدمين قد وقعوا في مثل هذه الضرورات التي هي من الأخطاء لعدم علمهم بقبحها، ولو نقدت أشعارهم كما نُقِدَتْ أشعار المتأخرين، وعرفوا ذلك العيب فيها لتجنبوه (٤). ويقول الأفغاني بعد إيراده لبعض الشواهد التي تحمل على الضرورات عند جمهور النحويين قال: «إلى شواهد كثيرة ألجأت فيها الضرورةُ الشاعرَ إلى خَللٍ في نظم تراكيبه، فهذا كله خطأ ارتكب ضرورة، حين كان الشعر يرتجل، فلا يجوز بناء حُكْمٍ عليه البتةَ» (٥). وتسمية هذا بِخُصوصيةِ الشِّعْرِ بنَمَطٍ من الكلام أولى بسبب الاختلاف في مفهوم «الضرورة»؛ للتباين بين معناها اللغوي المعجمي، وبين ما اصطلح عليه جمهور النحويين (٦). ومن أمثلة ذلك ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا﴾ [البقرة: ٨٨] (٧) قال: «ولا يجوز تثقيلُ - أي تَحريك - عين «فُعُل» منه، إلا في ضرورةِ شِعْرٍ، كما قال طرفة بن العبد: أيُّها الفتيانُ في مَجلِسِنَا ... جَرِّدوا منها وِرَادًا وشُقُر (٨) يريد: شُقْرًا، إلا أَنَّ الشِّعرَ اضطرَّه إلى تَحريكِ ثانيهِ فحرَّكهُ» (٩).

стр. 130

فهنا يشير إلى اضطرار الشاعر الى تحريك الساكن في المفردة أحيانًا، وهذا لا يعرض للنثر، ويشير بقوله: «لا يَجوزُ تثقيلُ عين «فُعُل» منه». إلى القراءة التي وردت في قوله تعالى في الآية: ﴿غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] (١) حيث قرأها بعضهم مضمومة اللام (غُلُفٌ) (٢). والشاهد في البيت هو تحريك الساكن وهو القاف لإقامة الوزن. ومن الأمثلة ما ذكره ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] (٣): «قرأ الجمهور: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، وقرأ ابن كثير وحده: ﴿مَنْ يَتَّقِيْ ويصْبِر﴾ بإثبات الياء. واختلف في وجه ذلك. فقيل: قدر الياء متحركة، وجعل الجزم في حذف الحركة. وهذا كما قال الشاعر: أَلَمْ يِأْتيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... بِمَا لا قتْ لَبونُ بَنِي زِيَادِ قال أبو علي: وهذا مِمَّا لا نَحْملهُ عليه؛ لأَنَّهُ يَجيءُ في الشِّعرِ لا في الكلام» (٤). فانظر كيف استبعده أبو علي الفارسي من الاستشهاد على توجيه القراءة، لأن ما جاء في الشاهد الشعري من باب الضرورة التي لا تكون إلا في الشعر، وأما القرآن فلا يقال فيه ذلك. وقد ذكر الدكتور خالد عبد الكريم جمعة مجموعة من الشواهد التي حملها جمهور النحويين على الضرورة، وورد فيها روايات مختلفة في موضع الشاهد تخرجها من باب الضرورة إلى باب الجائز في الكلام المنثور، ورجَّح أن بعضها أُصلح إصلاحًا متعمدًا من أجل تغيير موضع الاستشهاد، وتصحيح موضع الضرورة في الشاهد، ليوافق المطرد في اللسان العربي (٥).

стр. 131

ومن أمثلة تلك الشواهد. قول الشمَّاخِ بن ضرار: (١) لَهُ زَجَلٌ كَأَنَّهُ صوتُ حَادٍ ... إذا طَلَبَ الوَسِيقةَ أو زَمِيرُ (٢) وقد استشهد به سيبويه على هذه الرواية على حذف حركات الإشباع في الكلام، فالشاعر هنا حذف حركة الإشباع وهي الواو في «كأَنَّهُ»، حيث أصلها «كأَنَّهو» (٣). وتابعه على نقل هذه الرواية كثير من علماء اللغة (٤)، والتفسير (٥). أما رواية الشاهد في ديوان الشماخ: لَهُ زَجَلٌ تقولُ: أَصَوْتُ حَادٍ ... إذا طَلَبَ الوَسِيقةَ أو زَمِيرُ (٦) وهي على رواية الديوان لا شاهد فيها، وأما على رواية سيبويه فيصح الاستشهاد بها. والذي ينبغي قوله هنا أن الرواية التي رواها سيبويه حجة، ورواية الديوان كذلك. فقد ثبت أن سيبويه شافه الأعراب، وسمع منهم، فالروايات التي يرويها يُحتج بها، ولا تُرَدُّ بِمَا خالفها في الديوان، مع الثقة بما في ديوان الشماخ لكونه من الدواوين التي حظيت بالتوثيق من قِبَلِ العلماء (٧). وقد أجاب السيرافي على مثل هذه المؤاخذات على سيبويه وغيره،

стр. 132

فقال: «فلا ينبغي أن يذهب إنسان له علم وتحصيل إلى أن سيبويه غلط في الإنشاد، وإن وقع شيء مما استشهد به في الدواوين على خلاف ما ذكر، فإنما ذلك سمع إنشاده ممن يستشهد بقوله على وجه، فأنشد ما سمع؛ لأَنَّ الذي رواه قولهُ حجةٌ، فصار بِمَنْزِلةِ شعرٍ يُروى على وجهين» (١). ويقف السيرافي عند استشهاد سيبويه (٢) بقول العجاج: فقدْ رأَى الرَّاؤونَ غَيْرَ البُطَّلِ ... أَنَّكَ يا مُعَاوِ يَا ابنَ الأَفْضَلِ (٣) فيقول: «هكذا وقع الإنشاد في الكتاب، وفي شعره: فقدْ رأَى الرَّاؤونَ غَيْرَ البُطَّلِ ... أَنَّكَ يا يزيدُ يَا ابنَ الأَنْحَلِ إِذْ زُلْزِلَ الأَقدامُ لم تزلزلِ (٤) فهذا الذي رأيتُهُ في ديوانه، وليس هذا بمفسد لحجة سيبويه؛ لأنه لم ينقل الشواهد من الدواوين، إنما سمعها، والعرب بعضهم ينشد شعر بعض، فإذا غيَّرَ هذا عربيٌّ يحتج بقوله صار كأنه هو القائل، وليس يجوز أن يفعل مثل هذا رجل عالم؛ لأن سيبويه قد لقي مَنْ قوله حجة، ولم يأخذ من الصحف، فإذا سمع من يجوز أن يكون عنده حجة في كلامه نقل عنه، وإن لم يره أهلًا لذلك تركه ... » (٥). وقد جاء البغدادي فشرح شواهدَ الرضي على الكافية في كتابه «خزانة الأدب» وكتابه «شرح أبيات المغني لابن هشام»، فتتبع رواية الشاهد عند النحويين، وما يترتب على تعدد روايته من مناقشات ومشاحنات، ورمي بالتغليط والصنعة والوضع. وكان يقف على الكثير من تلك الروايات مبينًا الرواية التي يستقيم للعلماء من النحويين والمفسرين

стр. 133

وغيرهم الاستشهاد بها، من تلك التي لا شاهد فيها (١). وقد عَمَدَ بعضُ المعاصرين إلى جمع تلك الإشارات التي ذكرها السيرافي والبغدادي وغيرهما من العلماء عن ذلك، وأقاموا عليها كتبًا تتهم أئمة العلماء بالتحريف والتغيير للشواهد الشعرية، ولا يُسَلَّمُ لهم بذلك (٢). ٢ - كثرة الشذوذ في الشعر . الشذوذ في اللغة هو الانفراد عن الجمهور والنُّدْرةُ (٣). والمقصود به الشاهد الشعري الذي جاء مخالفًا للمشهور مما جمع الرواة من كلام العرب. ولما كان ما وصف بالشذوذ والندرة والقلة يعود غالبًا إلى مخالفة القياس، وقواعد النحويين، وإن نطق به العربي الفصيح، فقد قال عنه العلماء: يحفظ ولا يقاس عليه. كما قال سيبويه في مثل ذلك: « ... فإِنَّما هذا الأقل نوادر تحفظ عن العرب، ولا يقاس عليها، ولكن الأكثر يقاس عليه» (٤). ويبدو أن هذا هو موقف الحق والإنصاف، الذي يحفظ لقواعد العربية صحتها، وسلامتها، واطرادها، ويحفظ لذلك الشاعر مكانته، ويناسب كذلك طبيعة جمع العلماء الأوائل للغة، إذ لم يستطع ولم يدَّع أحدهم الإحاطة بجميع ما نطقت به العرب. والشذوذ لا يعني عدم الفصاحة، ولكنه يعني المخالفة للمشهور من كلام العرب. وقد

стр. 134

أشار إلى ذلك ابن جني تحت باب «القول على الاطراد والشذوذ»، حيث ذكر أن «الاطراد هو التتابع والاستمرار، والشذوذ التفرق والتفرد، فجعل أهل العلم علم العرب ما استمر من الكلام في الإعراب وغيره من مواضع الصناعة مطردًا، وجعلوا ما فارق عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك إلى غيره شاذًا» (١). وهناك شواهد حكم عليها العلماء بالشذوذ، وقد شارك المفسرون في تعقب بعض الشواهد الشعرية التي حكم عليها بالشذوذ، مما يدل على عنايتهم وفطنتهم عند استخدام الشواهد الشعرية، ووعيهم للمؤاخذات التي وردت على بعض الشواهد. ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عطية: «وفي مصحف ابن مسعود ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبٌ﴾، وجعل الخبر قوله: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ [يونس: ٢] (٢). والأول أصوب - أي جَعْلُ «عَجَبًا» خبرًا لكان -؛ لأن الاسم معرفةٌ، والخبر نكرة، وهذا القلب لا يصح، ولا يجيء إلا شاذًا، ومنه قول حسان: يَكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ ومَاءُ (٣)» (٤). وهذا المثال يحتمل أن يكون مقصود ابن عطية بمجيئه شاذًا أي في الشعر وغيره، غير أنه قد ذكر مثالًا له من الشعر، مما دفعني إلى الاستئناس بالتمثيل به. وربما لم ترد بعض الألفاظ إلا في شاهد شعري وحيدٍ، كما ذكر الطبري أنه لا يزاد من بناء «فُعَال» على الأربع، فلا يقال خُمَاسَ وسُدَاسَ، إلا في عُشَارَ لِمَجيئها في بيت من شعر الكميت بن زيد، وهو قوله:

стр. 135

فَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حتى رَميتَ ... فوقَ الرجالِ خِصَالًا عُشَارَا (١) يعني: طعنت عشرةً (٢). وهذا الشاهد يقيس عليه الكوفيون إلى التسعة نحو خُمَاسَ ومَخْمَس، وسُداسَ ومَسْدَس، ولم يَرِدْ بِها سَماعٌ عن العرب (٣). وقد رويت لخلف الأحمر أَبياتٌ ذكر النحويون أَنَّها مِن وَضعِ خَلفٍ الأَحمر، ولا يصح الاستشهاد بِها (٤). وربما منع المفسرون القياس على ما لم يرد إلا في شاهد شعري، وعدوه شاذًا، غير مستعمل في لغة العرب على وجه مستقيم، كما قال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] (٥): «ويقدر حذف التنوين للالتقاء، وإنما جاء ذلك شاذًا في الشعر في قوله (٦): فألفيتهُ غَيْرَ مُستعتبٍ ... ولا ذاكرِ اللهَ إِلَّا قليلا (٧) ولا يُقَاسُ عليه» (٨). وهذا الشاهد قد استشهد به سيبويه (٩)، والمبرد (١٠)، والفراء (١١)،

стр. 136

وغيرهم. (١) وله روايتان: الأولى: جر «ذاكرِ»، فيكون معطوفًا على «مُستعتبٍ». الثانية: نصب «ذاكرَ»، فيكون معطوفًا على «غَيْرَ»، و «لا» لتأكيد النفي المستفاد من «غير» (٢). ومن الأمثلة كذلك قول الزمخشري: «وأما قراءة ابن عامر: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (٣) برفع القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر لكان سَمِجًا مردودًا كما سَمُجَ ورُدَّ: زَجَّ القَلوصَ أَبي مزادة فكيف به في الكلام المنثور، فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته» (٤). ومع ما ذكره الزمخشري وقفتان: الأولى: قراءة ابن عامر لهذه الآية فيها إشكال معروف ومشهور بين النحويين، بسبب خروجها عن المشهور في اللغة خروجًا جعل كثيرًا من النحويين والمفسرين والمصنفين في التوجيه يطعنون في ثبوتها أو يكادون (٥). ومحل الإشكال في القراءة هو الفصل بين المتضايفين بالمفعول به في قوله: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾، ووجهه أن المقرر في قواعد

стр. 137

العربية منع الفصل بين المتضايفين بالظرف والجار والمجرور في الاختيار فضلًا عن المفعول به. فكيف يجوز وقوعه في أفصح الكلام، وهو القرآن الكريم. ورد الزمخشري هنا لقراءة ابن عامر، قد تصدى المحررون من علماء القراءة والعربية للرد عليه وغيره ممن طعن في هذه القراءة الصحيحة وأمثالها. وخلاصة الرد أن هذه القراءة قد نقلت نقلًا صحيحًا، وأن القراءةَ حُجةٌ على النحاة لا العكس. وقد أطال ابن الجزري في الرد على الزمخشري بما لا مزيد عليه (١). وممن أشبع هذه المسألة بحثًا واستشهادًا محمد بن مالك في أكثر من كتاب من كتبه، قال في «شرح التسهيل»: «وتجويز ما قرأ به - أي ابن عامر - في قياس النحو قوي، وذلك أنها قراءة اشتملت على فصل بفضلة بين عاملها المضاف إلى ما هو فاعل، فحسن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كون الفاصل فضلة؛ فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به. الثاني: كونه غير أجنبي لتعلقه بالمضاف. الثالث: كونه مقدر التأخير من أجل المضاف إليه، فقدر التقدم بمقتضى الفاعلية المعنوية، فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياس استعماله؛ لأنهم قد فصلوا في الشعر بالأجنبي كثيرًا، فاستحق الفصل بغير أجنبي أن يكون له مزية فحكم بجوازه» (٢). وأشار إلى حجته في هذه المسألة في نظمه «الكافية الشافية» بقوله: وعُمْدَتي قِراءةُ ابنِ عَامِرِ ... وكَمْ لَهَا مِنْ عَاضِدٍ وَنَاصِرِ (٣)

стр. 138

ويقول النيسابوري في الرد على من قال بخطأ هذه القراءة: «والحق عندي في هذا المقام أن القرآن حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، والقراءات السبع كلها متواترة، فكيف يمكن تخطئة بعضها؟ فإذا ورد في القرآن المعجز مثل هذا التركيب لزم القول بصحته وفصاحته وألا يلتفت إلى أنه هل ورد له نظير في أشعار العرب وتراكيبهم أم لا؟ وإن ورد فكثير أم لا؟ » (١). الوقفة الثانية: أن هذا الشاهد الشعري الذي استنكره الزمخشري وردَّهُ، ورَدَّ القراءةَ معه، ليس الوحيد الذي حفظ على هذه القاعدة، وإنما هناك شواهد شعرية كثيرة، أورد أكثرها ابن مالك (٢). ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وقال الكوفيون: إنه قد يدخلُ حرفُ النداءِ على اللهم، وأنشدوا على ذلك: وما عليكِ أَن تَقولي كُلَّمَا ... سَبَّحتِ أَو هلَّلتِ ياللهمَ مَا ارددْ علينا شيخَنا مُسَلَّما قالوا: فلو كانت الميم عوضًا من حرف النداء لما اجتمعا. قال الزجاج: وهذا شاذ لا يعرف قائله، ولا يتركُ لهُ ما في كتاب اللهِ، وفي جَميعِ ديوانِ العَرَبِ» (٣). والشاهد في قول الزجاج من حكمه على الشعر بالشذوذ، ورده لجهالة قائله.

стр. 139

٣ - تعدد رواية الشاهد الشعري . وردت للشواهد الشعرية في كتب التفسير روايات متعددة، وكذلك في كتب النحو، ورُبَّما مسَّ الاختلافُ موضعَ الشاهدِ، فيسقط الاحتجاجُ به على المُرادِ، وإن كان هذا لا يعني سقوط الاحتجاج بالشاهد على وجه آخر إذا كان من غيره يحتج بقوله كما تقدم. أما إذا لم يَمَس الاختلاف موضع الشاهد فلا إشكال في الاستشهاد به. ومن أمثلة ذلك ما استشهد به ابن جرير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (١) حيث قال: «وقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ ولم يقل: «تلك» كما قال الشاعر (٢): ذُمَّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... والعيشَ بعدَ أولئكَ الأَيَّامِ (٣)» (٤). والشاهد في البيت عند الطبري هو استعمال «أولاء» للإشارة إلى الجمع سواء كانوا عقلاء أو غير ذلك. وكذلك عند الزمخشري (٥). وقد ورد هذا البيت في ديوان جرير «الأقوام» (٦) بدل «الأيام»، وكذلك عند أبي عبيدة (٧)، وزعم ابن عطية أن هذه الرواية هي الصحيحة، وأن الطبري قد غلط في روايته «الأيام» بدل «الأقوام»، وأن الزجاج قد تبع الطبري في هذا الخطأ (٨). غير أن المبرِّد - وهو معاصر للطبَريِّ - يرويه كما عند الطبري (٩). وإذا صح ما ذهب إليه

стр. 140

ابن عطية، لم يكن في الشاهد حجة لما ذهب إليه الطبري والزمخشري (١). ومن الأمثلة قول الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العربَ تُسمِّي كُلَّ صانعٍ خالقًا، ومنه قول زهير: وَلأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ ... وبعضُ القومِ يَخلُقُ ثُمَّ لا يَفْري ويُروى: ولأَنتَ تَخْلُقُ ما فَريتَ ... وبعضُ القومِ يَخلقُ ثُمَّ لا يَفري» (٢). ومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٣): «وعلى نحو ﴿حَيَّ﴾ جاء قول الشاعر (٤): عَيّوا بِأَمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الحَمَامَة (٥) ومنهُ ... قولُ المتلمس: فهذا أَوانُ العِرْضِ حَيَّ ذُبَابُهُ ... زَنَابيرُهُ والأَزْرَقُ المُتَلَمَّسُ (٦) ويُروى: جُنَّ ذُبَابُه» (٧). وعلى الرواية الثانية لا شاهد في البيت، وقد نبه ابن عطية هنا على الرواية الثانية، ولا يضر ذلك لأن الشاهد لم يكن وحيدًا للاستشهاد في هذه المسألة وإنما جاء مع غيره من الشواهد الصحيحة، غير أنه يسقط الاستشهاد بهذا الشاهد. وربَّمَا يرجعُ الخطأُ في الشاهد إلى الناسخ، من مثل ما ورد في «مجاز القرآن» المطبوع عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ

стр. 141

أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] (١): «مَجازهُ: ولا يَحملنَّكم ولا يُعدِينَّكُم، وقال: ولقد طَعَنْتَ أَبَا عُيَينةَ طَعنةً ... جَمَعَتْ فزارة بعدها أن يَغْضَبُوا (٢)» (٣). والبيت بهذه الرواية محرَّف، ولا شاهد فيه، على هذه الرواية. ولم ينبه المُحققُ على هذا، فيغلب على الظن أن الخطأ طباعي. وقد ورد هذا الشاهد عند الطبري بروايته الصحيحة وهي: ولقدْ طعنتَ أَبا عُيينةَ طَعنةً ... جَرَمَتْ فَزارةَ بعدها أَنْ يَغضبوا (٤) فالشاهد في قوله: «جَرَمَتْ»، بِمعنى حَمَلَتْ. وكذلك هو عند ابن قتيبة (٥)، والزمخشري (٦)، وابن عطية (٧)، والقرطبي. (٨) وقد عُنِيَ العلماء ببيان الروايات الأخرى للشاهد الشعري، وبعضهم عُنِيَ عناية خاصة ببيان الروايات الأخرى التي يبطل معها وجه الاستشهاد كما فعل ابن السيرافي في شرحه لشواهد سيبويه (٩). وقد كان الشعراء أنفسهم ينشدون شعرهم مع تغيير بعض العبارات التي تؤدي معنى متقاربًا، ومن أمثلة ذلك أن ذا الرمة أنشد شعره يومًا فقال: وظاهِرْ لَها مِنْ يابسِ الشَّخْتِ واستَعِنْ ... عليها الصَّبا واجْعَلْ يَدَيكَ لَها سِتْرا (١٠)

стр. 142

فقيل له: أنشدتنا بائس، فقال: يابس وبائس واحد. قال ابن جني تعقيبًا على هذا: «وهذا شعر ليست عليه مضايقة الشرع». بمعنى أنه ليس كالتغيير في القرآن من حيث المؤاخذة. ويحدث مثل هذه التغيير في الأبيات من الرواة والعلماء، مثل ما حدث لابن الأعرابي حيث أنشد يومًا قول الشاعر (١): ومَوضِعِ زَبْنٍ لا أُريدُ بَراجَه ... كأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوعِ آنسُ (٢) فقال له أحد الملازمين لحلقته: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيدالله. قال: كيف أنشدتك؟ فقال له: وموضع ضيقٍ. فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبن والضيق شيء واحد؟ قال ابن جني: «فهذا لعمري شائع لأنه شعر، وتحريفه جائز؛ لأنه ليس دينًا ولا عملًا مسنونًا» (٣). ٤ - جهالة قائل الشاهد الشعري . جعل أبو البركات الأنباري الجهل بالقائل سببًا من أسباب رد الاستشهاد بكثير من شواهد الكوفيين في مواطن متعددة، وذلك في مثل قوله: «هذا الشعر لا يعرف قائله، فلا يكون فيه حجة» (٤). ويقول: «وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به» (٥). وربما عضد جهالة القائل باحتمالات أخرى (٦)، في حين تراه يحكم بصحة شواهد البصريين وخاصة شواهد سيبويه على الرغم من جهالة قائليها، ثقة في رواية سيبويه وكبار البصريين (٧). وقد ردَّ شاهدًا شعريًا بحجة جهالة قائله، مع أنه رواه

стр. 143

الفراء، ونص على سماعه ممن يستشهد بكلامه في موضعين من المعاني. جاء في الأول: «أنشدني العكلي أبو ثروان .. » (١). وفي الثاني: «أنشدني أبو ثروان ... » (٢)، وهذا الشاهد هو قول الشاعر: كلِّفَ من عَنَائهِ وشقوتِهْ ... بِنتَ ثَماني عشرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ (٣) حيث قال ابن الأنباري عنه: «فلا يعرف قائله، ولا يؤخذ به» (٤). فكيف يستقيم لأبي البركات الأنباري رده، والفراء عالم ثقة (٥)، وأبو ثروان العكلي أعرابي فصيح (٦). ويلاحظ أن كلام ابن الأنباري وغيره في التطبيق يخالفه في التنظير، فكتب التفسير كلها على خلاف ذلك وكذلك كتب النحو، فإذا أمكن التسليم أن الشاهد إذا جهل قائله، وجهل راويه رُدَّ الاستشهاد به (٧) - إذ يترتب على ذلك جهالة حال القائل، ويحتمل أن يكون ممن يستشهد بكلامه، كما يحتمل أن لا يكون - فلا يُوافق في أن الشاهد إذا جهل قائله رد الاستشهاد به، وإن رواه علماء ثقات؛ ذلك أن العالم الثقة لم يكن ليرويه إلا لثقته في طرق ذلك الشاهد بعد التمحيص والتدقيق، أو لسماعه له ممن يستشهد بكلامه. ورد الشاهد للجهل بقائله منهج سار عليه الأنباري في «الإنصاف» مما جعل كثيرًا من الباحثين يتهمه بالتحامل على الكوفيين في ترجيحه وحكمه. ومن الشطط والتمحل مطالبة العلماء من النحويين والمفسرين وغيرهم بتعيين عين القائل فيما استشهدوا به، خاصة أن التزام العلماء بذكر السند في رواية الشعر قليل، إذ لم يكن يتصل بأمور دينهم، كما يتصل الحديث والتفسير، ولا يترتب عليه أمر من أمور التشريع، فهذا الأصمعي يورد قصيدة النابغة الذبياني:

стр. 144

أَمِنَ آلِ مَيَّةَ رَائحٌ أَو مُغتدِ ... عَجلانَ ذا زادٍ وغيرِ مزودِ (١) ثُمَّ يقول: «ليس عندي فيها إسناد، وهي له حقًا» (٢). ويذكر الدكتور ناصر الدين الأسد أن الروايات المسندة التي يرتفع إسنادها إلى ما قبل علماء القرن الثاني قليلة نادرة، إذ كان جل اعتمادهم على الرواية الشفوية، فالغالب أن يقف إسناد الرواية الأدبية عند زمن أبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية ومن عاصرهما، بل قد يوجد من العلماء المتأخرين من يهمل الإسناد، ومن هؤلاء المبُرِّد، فقد كان مشهورًا بحذف الإسناد في أحاديثه وأماليه (٣)، ولذلك فإن الأمر يتعلق بالراوية الذي نقل الشاهد الشعري، فإما أن يُوثَّق فيقبل منه، وإما أن يُضعَّف فيهمل ما يرويه. يقول ناصر الدين الأسد: «ولعلنا لا نعدو الصواب حينما نخلص من كل ذلك إلى أن الإسناد لم يكن - حتى في القرنين الثالث والرابع حين شاع وغلب - أصلًا ثابتًا من أصول الرواية الأدبية، ولم يكن أساسًا من الأسس التي يحتكم إليها في الاستشهاد على صحة الرواية الأدبية كما كان شأنه في رواية الحديث النبوي، فنحن نرى أن العلماء والرواة في اللغة والشعر والأخبار، كانوا يقدمون بين يدي ما يروونه بإسناد متصل إلى الطبقة الأولى من العلماء الرواة حينًا، وبإسناد منقطع حينًا آخر، يكتفون فيه بذكر شيخهم الذي أخذوا عنه هذا العلم، أو يتجاوزون شيخهم وربما شيخ شيخهم، ويقنعون بذكر أول من روي عنه هذا الشعر أو ذاك الخبر، مختصرين الإسناد اختصارًا إلى نهايته، ونراهم حينًا ثالثًا يحذفون الإسناد ويهملونه إهمالًا، ويلقون بالشعر أو الخبر قائمًا مجردًا.

стр. 145

وكان العلماء الرواة من معاصريهم وتلاميذهم يقبلون منهم كل ذلك ويوثقونه» (١). وأبو البركات الأنباري في رده البيت المجهول مسبوق في ذلك بأبي العباس المبرد (٢٨٥ هـ) حيث يعلِّق على قول الشاعر: محمدُ تفدِ نفسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذا ما خفتَ مِنْ شيءٍ تَبَالا (٢) بقوله: «وأما هذا البيت الأخير فليس بمعروف، على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» (٣). ونقل ابن السراج رأي المُبَرِّدِ في كتابه «الأصول» (٤)، وكذا ابن الشجري في «أماليه» (٥). وذهب كثير من النحويين إلى رد الاستشهاد بالشاهد المجهول القائل (٦). ورجح سعيد الأفغاني إسقاط الاحتجاج بالشاهد مجهول القائل (٧). ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه الفراء من جواز كسر ياء المتكلم، واستشهاده بقول الشاعر: قالَ لها: هَلْ لكِ يا تَا فِيِّ؟ ... قالتْ له: مَا أنتَ بالمرضيِّ (٨) وقد أنكر عليه الزجاج استشهاده، ورد ما استدل به، وقال: «وهذا الشعر مما لا يلتفت إليه، وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل هذا
следующие страницы →