← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] (١): «مَجازهُ: ولا يَحملنَّكم ولا يُعدِينَّكُم، وقال: ولقد طَعَنْتَ أَبَا عُيَينةَ طَعنةً ... جَمَعَتْ فزارة بعدها أن يَغْضَبُوا (٢)» (٣). والبيت بهذه الرواية محرَّف، ولا شاهد فيه، على هذه الرواية. ولم ينبه المُحققُ على هذا، فيغلب على الظن أن الخطأ طباعي. وقد ورد هذا الشاهد عند الطبري بروايته الصحيحة وهي: ولقدْ طعنتَ أَبا عُيينةَ طَعنةً ... جَرَمَتْ فَزارةَ بعدها أَنْ يَغضبوا (٤) فالشاهد في قوله: «جَرَمَتْ»، بِمعنى حَمَلَتْ. وكذلك هو عند ابن قتيبة (٥)، والزمخشري (٦)، وابن عطية (٧)، والقرطبي. (٨) وقد عُنِيَ العلماء ببيان الروايات الأخرى للشاهد الشعري، وبعضهم عُنِيَ عناية خاصة ببيان الروايات الأخرى التي يبطل معها وجه الاستشهاد كما فعل ابن السيرافي في شرحه لشواهد سيبويه (٩). وقد كان الشعراء أنفسهم ينشدون شعرهم مع تغيير بعض العبارات التي تؤدي معنى متقاربًا، ومن أمثلة ذلك أن ذا الرمة أنشد شعره يومًا فقال: وظاهِرْ لَها مِنْ يابسِ الشَّخْتِ واستَعِنْ ... عليها الصَّبا واجْعَلْ يَدَيكَ لَها سِتْرا (١٠)

стр. 142

فقيل له: أنشدتنا بائس، فقال: يابس وبائس واحد. قال ابن جني تعقيبًا على هذا: «وهذا شعر ليست عليه مضايقة الشرع». بمعنى أنه ليس كالتغيير في القرآن من حيث المؤاخذة. ويحدث مثل هذه التغيير في الأبيات من الرواة والعلماء، مثل ما حدث لابن الأعرابي حيث أنشد يومًا قول الشاعر (١): ومَوضِعِ زَبْنٍ لا أُريدُ بَراجَه ... كأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوعِ آنسُ (٢) فقال له أحد الملازمين لحلقته: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيدالله. قال: كيف أنشدتك؟ فقال له: وموضع ضيقٍ. فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبن والضيق شيء واحد؟ قال ابن جني: «فهذا لعمري شائع لأنه شعر، وتحريفه جائز؛ لأنه ليس دينًا ولا عملًا مسنونًا» (٣). ٤ - جهالة قائل الشاهد الشعري . جعل أبو البركات الأنباري الجهل بالقائل سببًا من أسباب رد الاستشهاد بكثير من شواهد الكوفيين في مواطن متعددة، وذلك في مثل قوله: «هذا الشعر لا يعرف قائله، فلا يكون فيه حجة» (٤). ويقول: «وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به» (٥). وربما عضد جهالة القائل باحتمالات أخرى (٦)، في حين تراه يحكم بصحة شواهد البصريين وخاصة شواهد سيبويه على الرغم من جهالة قائليها، ثقة في رواية سيبويه وكبار البصريين (٧). وقد ردَّ شاهدًا شعريًا بحجة جهالة قائله، مع أنه رواه

стр. 143

الفراء، ونص على سماعه ممن يستشهد بكلامه في موضعين من المعاني. جاء في الأول: «أنشدني العكلي أبو ثروان .. » (١). وفي الثاني: «أنشدني أبو ثروان ... » (٢)، وهذا الشاهد هو قول الشاعر: كلِّفَ من عَنَائهِ وشقوتِهْ ... بِنتَ ثَماني عشرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ (٣) حيث قال ابن الأنباري عنه: «فلا يعرف قائله، ولا يؤخذ به» (٤). فكيف يستقيم لأبي البركات الأنباري رده، والفراء عالم ثقة (٥)، وأبو ثروان العكلي أعرابي فصيح (٦). ويلاحظ أن كلام ابن الأنباري وغيره في التطبيق يخالفه في التنظير، فكتب التفسير كلها على خلاف ذلك وكذلك كتب النحو، فإذا أمكن التسليم أن الشاهد إذا جهل قائله، وجهل راويه رُدَّ الاستشهاد به (٧) - إذ يترتب على ذلك جهالة حال القائل، ويحتمل أن يكون ممن يستشهد بكلامه، كما يحتمل أن لا يكون - فلا يُوافق في أن الشاهد إذا جهل قائله رد الاستشهاد به، وإن رواه علماء ثقات؛ ذلك أن العالم الثقة لم يكن ليرويه إلا لثقته في طرق ذلك الشاهد بعد التمحيص والتدقيق، أو لسماعه له ممن يستشهد بكلامه. ورد الشاهد للجهل بقائله منهج سار عليه الأنباري في «الإنصاف» مما جعل كثيرًا من الباحثين يتهمه بالتحامل على الكوفيين في ترجيحه وحكمه. ومن الشطط والتمحل مطالبة العلماء من النحويين والمفسرين وغيرهم بتعيين عين القائل فيما استشهدوا به، خاصة أن التزام العلماء بذكر السند في رواية الشعر قليل، إذ لم يكن يتصل بأمور دينهم، كما يتصل الحديث والتفسير، ولا يترتب عليه أمر من أمور التشريع، فهذا الأصمعي يورد قصيدة النابغة الذبياني:

стр. 144

أَمِنَ آلِ مَيَّةَ رَائحٌ أَو مُغتدِ ... عَجلانَ ذا زادٍ وغيرِ مزودِ (١) ثُمَّ يقول: «ليس عندي فيها إسناد، وهي له حقًا» (٢). ويذكر الدكتور ناصر الدين الأسد أن الروايات المسندة التي يرتفع إسنادها إلى ما قبل علماء القرن الثاني قليلة نادرة، إذ كان جل اعتمادهم على الرواية الشفوية، فالغالب أن يقف إسناد الرواية الأدبية عند زمن أبي عمرو بن العلاء وحماد الراوية ومن عاصرهما، بل قد يوجد من العلماء المتأخرين من يهمل الإسناد، ومن هؤلاء المبُرِّد، فقد كان مشهورًا بحذف الإسناد في أحاديثه وأماليه (٣)، ولذلك فإن الأمر يتعلق بالراوية الذي نقل الشاهد الشعري، فإما أن يُوثَّق فيقبل منه، وإما أن يُضعَّف فيهمل ما يرويه. يقول ناصر الدين الأسد: «ولعلنا لا نعدو الصواب حينما نخلص من كل ذلك إلى أن الإسناد لم يكن - حتى في القرنين الثالث والرابع حين شاع وغلب - أصلًا ثابتًا من أصول الرواية الأدبية، ولم يكن أساسًا من الأسس التي يحتكم إليها في الاستشهاد على صحة الرواية الأدبية كما كان شأنه في رواية الحديث النبوي، فنحن نرى أن العلماء والرواة في اللغة والشعر والأخبار، كانوا يقدمون بين يدي ما يروونه بإسناد متصل إلى الطبقة الأولى من العلماء الرواة حينًا، وبإسناد منقطع حينًا آخر، يكتفون فيه بذكر شيخهم الذي أخذوا عنه هذا العلم، أو يتجاوزون شيخهم وربما شيخ شيخهم، ويقنعون بذكر أول من روي عنه هذا الشعر أو ذاك الخبر، مختصرين الإسناد اختصارًا إلى نهايته، ونراهم حينًا ثالثًا يحذفون الإسناد ويهملونه إهمالًا، ويلقون بالشعر أو الخبر قائمًا مجردًا.

стр. 145

وكان العلماء الرواة من معاصريهم وتلاميذهم يقبلون منهم كل ذلك ويوثقونه» (١). وأبو البركات الأنباري في رده البيت المجهول مسبوق في ذلك بأبي العباس المبرد (٢٨٥ هـ) حيث يعلِّق على قول الشاعر: محمدُ تفدِ نفسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إذا ما خفتَ مِنْ شيءٍ تَبَالا (٢) بقوله: «وأما هذا البيت الأخير فليس بمعروف، على أنه في كتاب سيبويه على ما ذكرت لك» (٣). ونقل ابن السراج رأي المُبَرِّدِ في كتابه «الأصول» (٤)، وكذا ابن الشجري في «أماليه» (٥). وذهب كثير من النحويين إلى رد الاستشهاد بالشاهد المجهول القائل (٦). ورجح سعيد الأفغاني إسقاط الاحتجاج بالشاهد مجهول القائل (٧). ومن أمثلة ذلك ما ذهب إليه الفراء من جواز كسر ياء المتكلم، واستشهاده بقول الشاعر: قالَ لها: هَلْ لكِ يا تَا فِيِّ؟ ... قالتْ له: مَا أنتَ بالمرضيِّ (٨) وقد أنكر عليه الزجاج استشهاده، ورد ما استدل به، وقال: «وهذا الشعر مما لا يلتفت إليه، وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل هذا

стр. 146

الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ» (١). واعتراض الزجاج من جهتين: أنَّ قول مثل هذا الشعر سهل، ومِنْ ثَمَّ فإن إمكان الصنعة فيه وارد، والأمر الثاني أنه لا يُعرفُ له قائل. وهذا لا يسلم للزجاج؛ لأن الفراء قد صرح بسماعه من العرب بقوله: «وقد سَمعتُ بعضَ العَربِ يُنشدُ .. » (٢). يقول الفراء عندما وقف عند قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (٣) بنصب الياء: «أي الياء منصوبة؛ لأن الياء من المتكلم تسكن إذا تحرك ما قبلها، وتنصب إرادة الهاء ... فإذا سكن ما قبلها ردت إلى الفتح الذي كان لها، والياء من ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ ساكنة، والياء بعدها من المتكلم ساكنة، فحركت إلى حركة قد كانت لها، فهذا مطرد في الكلام» (٤). وحينما قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب الآية السابقة بخفض الياء أنكر قراءتهم، يقول: «ولعلها من وَهَمِ القراء طبقة يحيى؛ فإنه قل من يسلم منهم من الوَهَمِ، ولعله ظن أن الباء في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ خافضةٌ للحرف كله، والياء من المتكلم خارجة من ذلك ... » (٥). ولذا خالفت رواية الشاهد الشعري عند الفراء ما يرجحه، وكان الطعن فيها وردها مما يسند ما يذهب إليه، غير أنه قد وقف عند حدود سماعه، وهو ثقة، واستشهد برواية العربي لذلك البيت، سواء أكان العربي قائل الشاهد أم راويه، فإذا كان قول الشاعر العربي حجة، فإن قول الراوية العربي حجة أيضًا، وإن وقع منه شيء من التغيير والتبديل. أضف إلى ذلك أن الرضي صرح في شرح كافية ابن الحاجب أن كسر ياء المتكلم مع الياء قبلها لغة بني يربوع، وذلك لتشبيه الياء بالهاء بعد الياء، كما في «فيه»

стр. 147

و «لديه»، وأورد الآية الكريمة، والشاهد الشعري (١)، ونقل عن غيره (٢). كما ذكر البغدادي أن الشاهد غير مجهول القائل، وأنه رآه في ديوان الأغلب العجلي الراجز (٣). وقد كرر الزمخشري ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (٤)، وقال: «الإصراخ: الإغاثة، وقرئ: «بمصرخيِّ». بكسر الياء، وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول: قالَ لها: هَلْ لكِ يا تَا فِيِّ؟ ... قالتْ له: مَا أنتَ بالمرضيِّ» (٥). ومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية: «قال أبو علي وغيره: هذا أن كل موضع تلزم الحركة فيه ياء مستقبلة. فالإدغام في ماضيه جائز، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] (٦) لا يجوز الإدغام فيه؛ لأن حركة النصب غير لازمة. ألا ترى أنها تزول في الرفع وتذهب في الجزم. ولا يلتفت إلى ما أنشده بعضهم لأنه بيت مجهول: وكأَنَّها بينَ النساءِ سبيكةٌ ... تَمْشي بِسُدَّةِ بيتها فَتَعِيُّ» (٧). والحق أَنَّ الشاهد الذي لم يعرف قائلهُ إذا صدر مِمَّن يُحتجُّ بقوله، أو رواه عالم ثقةٌ صحَّ الاستشهادُ به، وقد استشهد الأصمعيُّ بِرَجَزٍ مشكوكٍ في نسبته للأغلب العجليِّ ثُمَّ قال: «إِن لم يكن له فهو لِغَيْره مِمَّن هو ثَبتٌ أو ثقة» (٨). والمفسرون الثقات الذين أوردوا هذه الشواهدَ المَجهولةَ، على

стр. 148

درايةٍ ومعرفةٍ بِما قالهُ العلماء فيها من أهل الدراية الكاملة، والثقة التامة، ولو لم تكن مقبولةً عندهم لما رووها وأثبتوها في كتبهم، «والشاهد الذي جُهِلَ قائلهُ إِنْ أنشده ثقةٌ كسيبويه وابن السرَّاجِ والمُبَرِّدِ ... ونحوهم فهو مقبولٌ يُعتمدُ عليه، ولا يَضرُّ جَهلُ قائلهِ، فإِنَّ الثقةَ لو لم يعلم أَنَّهُ من شعرِ مَنْ يصحُّ الاستدلالُ بكلامه لَمَا أَنشده» (١). وجهالةُ عينِ قائلِ الشاهدِ لا تضرُّ في الاستشهاد إذا صحتْ نسبتهُ لزمنِ الاحتجاج، وإِنَّما تؤثرُ جهالةُ الحالِ، فلو جاء شعرٌ لجاهلي ولم يُعرف اسمهُ وصحَّ النقلُ فإِنَّهُ يُحتجُّ به، ولو جاء شعرُ مولدٍ معروفُ القائل لرُدَّ ولم يُحتجَّ به؛ إِذ العلةُ في ردِّ الشاهدِ المَجهولِ في اللغة هو الخوفُ من أن يكون لِمَنْ لا يُوثَقُ بفصاحته، كما صرَّح بذلك السيوطي (٢)، والبغدادي (٣). وعلى هذا فإن نسبة الشعر إلى قائله، أو معرفة الشاعر، ليست قضيةً تستحقُّ كلَّ هذا الاهتمام، فالمهمُّ هو صحة نسبة الشعر إلى من يُحتجُّ بشعره زمانًا ومكانًا، وثبوت روايته عن الثقات الأثبات. أَمَّا تعيينُ القائل، أو الاتفاق عليه، أو التوسع في إيراد أقوال السابقين في نسبته، والفخر بالوصول إلى نسبة بيتٍ أو أبيات فهو في غيرِ مكانه، وهو عَمَلٌ على هامشِ تَقعيدِ العربيةِ، إذ يكفي في النحوِ صحةُ الاحتجاج بالبيت. وخاصةً إذا كان أولئك العلماء من أهل البَصَرِ والمعرفةِ التامَّةِ بالشعرِ، كما قال ابنُ سلَّام: «وليس يُشكِلُ على أَهلِ العلم زيادةُ الرواةِ، ولا ما وضعوا، ولا ما وَضَعَ المولَّدون. إِنَّما عَضَّلَ بِهم أَنْ يقولَ الرجلُ من أهلِ الباديةِ مِن وَلَدِ الشعراءِ، أو الرجلُ ليسَ من ولدِهِم، فيُشكلُ ذلك بعضَ الإشكال» (٤).

стр. 149

٥ - انفراد الشاهد الشعري أو بعضه عن القصيدة . قد يستشهد المفسر بشاهد شعري مفرد لا يعرف له سابق ولا لاحق، أو بجزء من الشاهد الشعري دون سائره. مما يجعل احتمال الخطأ في ضبط الشاهد الشعري واردًا. ولذلك حرص شراح الشواهد الشعرية على تتبع الأبيات السابقة واللاحقة للشواهد الشعرية؛ لتوثيق الشاهد، والاطمئنان إلى صحة ضبطه، وبالتالي صحة ما بني عليه. يقول البَطَلْيُوسيُّ (١) مبينًا سبب شرحه لشواهد أدب الكاتب: «وغَرضي أَنْ أَقرنَ بكلِّ بيتٍ منها ما يتصلُ به من الشِّعرِ مِن قبلهِ أو من بعدهِ، إِلَّا أبياتًا يسيرةً لا أعلم قائلَها، ولم أحفظ الأشعارَ التي وقعت فيها، وفي معرفة ما يتصلُ بالشاهد، وما يَجلو معناهُ، ويُعربُ عن فحواه، فإِنَّا رأينا كثيرًا من المُفسِّرين للأبياتِ المستشهدِ بِها قد غَلِطوا في معانيها، حينَ لَم يَعلموا الأشعارَ التي وقعت فيها؛ لأَنَّ البيتَ إذا انفردَ احتملَ تأويلاتٍ كثيرةً» (٢). ويقول في مقدمة شرح أبيات الجمل: «وغَرضي أَنْ أَصِلَ بكلِّ بيتٍ منها ما يتصلُ به، ليكونَ أَبْيَنَ لغرضِ قائلهِ ومذهبه» (٣). ومما يدل على أن المفسرين قد يسشتهدون بالبيت أو جزئه من غير معرفة بالبيت كاملًا أو القصيدة التي هو منها ما ذكره الفراء في تفسير سورة (ص) حينما قال: «ومن العرب من يضيف «لات» فيخفض، أنشدوني: لاتَ سَاعةَ مَنْدَمِ ولا أحفظ صدره» (٤). وقد عَلَّق البغدادي على قول الفراء فقال: «والبيت الذي لم يعرف صدره أنشده ابن السكيت في كتاب الأضداد،

стр. 150

قال فيه: قال ابن الأعرابي: أخلاق مشمولة أي مشئومة، وأخلاق سوء، وأنشد: وَلَتَعْرِفَنَّ خَلائِقًا مَشْمُوَلةً ... وَلتَنْدَمَنَّ ولاتَ سَاعةَ مَنْدَمِ» (١). في حين أن الجزء الذي أورده الفراء وقع في أشعار أخرى غير ما ذكره ابن السكيت (٢). وهذا العيب الذي يوجد كثيرًا في شواهد الشعر في كتب التفسير وغيرها، حرص المفسرون على الخروج منه بشرح الشاهد حين وروده لإزالة ما قد يقع فيه من سوء فهم أو تأويل، غير أنهم لم يلتزموا شرح كل الشواهد الشعرية التي ترد في التفسير، وقد ذكرت أمثلة لذلك في مبحث «منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري» وغيره من مباحث الباب الثاني، فلا أطيل هنا. ٦ - اضطراب الوزن وعدم وضوح المقصود . قد يختل وزن الشاهد الشعري في كتب التفسير، فيغمض المعنى على القارئ، ولا يتبين المعنى الذي أراده المفسر من إيراد الشاهد، ولا وجه الاستشهاد، وهذا العيب أمثلته قليلة جدًا في كتب التفسير، ولكنه يقع في باب الشعر، لا عتماده على الوزن واستقامته، فإذا اختلت دخله الوهم، وكثرة التأويلات. ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيدة قال في كتابه المجاز: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] (٣) مجازها: هذه آيات الكتاب الحكيم، أي: القرآن. قال الشاعر:

стр. 151

ما فهم من الكتاب أم آي القرآن» (١). وهو بهذه الصورة مضطرب الوزن، ولذلك علق المحقق فقال: «لم أجده فيما رجعت إليه من المظان، وفي وزنه خلل، وفي معناه غموض» (٢). وهذا الذي اضطرب على المحقق هو شطر من الرجز للعجاج الراجز، وهو من أبيات هي: خَوادِبًا أَهوَنُهُنَّ الأَمُّ ما فيهُمُ مِنَ الكِتابِ أُمُّ وَما لَهُم مِن حَسَبٍ يَلُمُّ (٣) ومعناه كما شرحه أبو عبيدة بقوله: أي القرآن، وهو يقصد أن الكتاب في الشاهد الشعري بمعنى القرآن، بمعنى أنه ليس للأزد في القرآن أم وليس بظاهر لي هذا المعنى، في حين فسر هذا البيت الأصمعي فقال: «وقوله: ما فيهم من الكتاب أم، أراه يذهب إلى أن ليس لهم أصلٌ، كلهم طغامٌ» (٤). وعلى هذا المعنى فلا وجه لا ستشهاد أبي عبيدة بهذا الشاهد.

стр. 152

المبحث الخامس: مصادر الشعر المحتج به . المَصْدَرُ لغةً اسمُ مَكانٍ مِن صَدَرَ إذا رَجَعَ، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] بفتحِ الياءِ وضمِّ الدالِ (١)، أي: يرجعوا من سَقْيِهِمْ لماشيتهم (٢). فكما يردُ الشاربُ للماءِ ويصدرُ عنهُ، فيكون الماء مصدرًا له، فكذلك المفسرون قد وردوا موارد علميةً كثيرةً أخذوا منها العلمَ، وصدروا عنها وهم يحملون علمًا جمًا غزيرًا ظهر بعد في كتب التفسير واللغة التي حُفِظَت، ورواها العلماء. والذي يسعى هذا المبحثُ لدراسته هو تتبع تلك المصادر العلمية التي صدر عنها المفسرون، وأخذوا عنها شواهدهم الشعرية. وقد تنوعت هذه المصادر بتنوع واختلاف العوامل المكانية، والزمانية، والعلمية للمفسرين. فقد كانت روايةُ الشعرِ شُغلًا شاغلًا للطبقة الأُولى من العلماء الرواة كأبي عمرو بن العلاء والأصمعيِّ، حتى قال المازنيُّ للأَصمعيِّ متعجبًا من سَعَةِ حفظه: إِنَّكَ لتحفظُ من الرَّجَزِ ما لا يحفظه أحدٌ! فقال الأصمعي: إنهُ كانَ هَمَّنَا وسَدَمَنا (٣)، والسَّدَمُ هُوَ الحِرْصُ (٤).

стр. 153

وقد قَسَّمَ الدارسون الرواية من حيثُ مراحلُها التاريخيةُ إلى مرحلتين: المرحلة الأولى: مرحلة رواية الشعر خاصة. وذلك بحفظه ونقله وإنشاده، ولا تتجاوز ذلك إلى ضبطه وتحقيقه والنظر فيه وتمحيصه. وقد استمر مدلول هذه المرحلة حتى آخر القرن الأول، وبداية القرن الثاني. قال محمد بن المنكدر التيمي المدني (١) المتوفى سنة ١٣٠ هـ: «ما كنا ندعو الرواية إلا روايةَ الشِّعرِ، وما كنا نقولُ هذا يروي أحاديثَ الحكمةِ إِلَّا عَالِم» (٢). وكان الغرض من هذه الرواية هو المتعة، وحفظ أمجاد القبيلة، مما كانت تحرص عليه العرب، وقد أثبتت الدراسات الحديثة «أن الجاهلية العربية عرفت الكتابة معرفةً قديمةً واسعةً، واستخدمتها في جُلِّ شُؤونها، وكتبت بعضَ شَعرِهَا وأَخبارِها وأنسابها ودونتها في صحف وكتب ودواوين، فالقول إذن بأمية الجاهلية فرض واهم يجب أن نسقط جميع ما ترتب عليه من نتائج باطلة» (٣). غير أن الرواية الشفوية للشعر كانت منتشرة، فقد كان لكل شاعر جاهلي كبير على وجه التقريب راوية يصحبه، ويروي عنه أشعاره، وينشرها بين الناس. المرحلة الثانية: مرحلة الرواية العلمية. وهي المرحلة التي بدأ فيها رواة الحديث يتصدرون للتحديث، فصار للمحدثين رواة، كما كان للشعر رواة، وأصبحت الرواية الشعرية في هذه المرحلة تقوم على الحفظ والنقل والإسناد، مع العناية بالضبط

стр. 154

والإتقان، والتحقيق والتمحيص للمرويات، والحرص على الشرح والتفسير (١). وقد بدأت هذه الرواية متأخرةً عن الأولى، حيث بدأت مع بداية القرن الثاني الهجري، حيث كان يبحث الراوي عن الأعرابي الفصيح ليسمع منه لغة قومه؛ لاستخراج القواعد والقوانين التي تضبط اللغة، وتصون اللسان عن الخطأ والزلل. وقد بذل الرواة وسعهم في البحث عن العرب الفصحاء، تلقفوهم في الحواضر الإسلامية، وبحثوا عنهم داخل أخبيتهم في الصحراء، وخلف ماشيتهم في العراء، وكانوا يطيرون فرحًا بكلمة يسمعونها من نبعها الصافي، لا يشوبها كدر، وقد كان يدفعهم إلى ذلك حرصهم على لغة كتابهم الكريم، وعصبيتهم للغة العرب، ولا سيما أن الدولة الأموية التي بدأت في عهدها الرواية كانت شديدة التعصب للعرب، وللغة القرآن (٢). وقد كان الخلفاء الأمويون يستقدمون المؤدبين لأولادهم، فيروونهم شعر العرب، لتستقيم ألسنتهم، وتسلم من داء اللحن والعجمة، وربما أرسلوا أبناءهم إلى البادية ليسمعوا اللغة من مصدرها، مما دفع الرواة إلى الحرص على حفظ الشعر واللغة لنيل الحظوة عند أولئك الخلفاء. ومِمَّا ينبغي ذكره هنا أن رواية اللغة روايةً علميةً نشأت أول ما نشأت على أيدي القراء والمفسرين، فكان القارئ أو المفسِّر إذا أشكل عليه لفظٌ أو معنى، استعان على إيضاح ذلك ببيت من الشعر، فهذا ابن عباس (٦٨ هـ) كان يُسألُ عن أشياء من القرآن، فيجيب ويستشهد بالشعر على ذلك (٣). وكانت رسل بني أمية تأتي قتادة كلَّ يومٍ من الشام إلى البصرة يسألونهُ عن معنى بيتٍ من الشِّعرِ، فيُفَسِّرَهُ لهم (٤). وهذا أبو

стр. 155

عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ) كان قارئًا من القراء السبعة، ثم اتجه إلى تحصيل اللغة، حتى أصبح مَعْلَمًا بارزًا من معالمها، فالمتأمل لتاريخ اللغة والرواية يلحظ أن أبا عمرو بن العلاء كان نقطة تحول في تاريخ الرواية العلمية (١)، يقول شعبة بن الحجاج (٢): «كنت أختلف إلى ابن أبي عَقْرَب فأسأله عن الفقه، ويسأله أبو عمرو بن العلاء عن العربية، فنقوم وأنا لا أحفظ حرفًا مما سأله، ولا يحفظ حرفًا مما سألته» (٣). وهذا الأصمعي يلزم أبا عمرو بن العلاء ليأخذ قراءته، ثم يتأثر بأستاذه ليصبحَ عَلَمًا من أعلام رواية اللغة وشعر العرب (٤). ويمكن القول: إنه قد مضى القرن الأول وجزء من الثاني ورواية اللغة يقوم بها القراء والمفسرون، ولم تنتقل إلى اللغويين إلا بعد ذلك. ويمكن تقسيم مصادر الشواهد الشعرية التي اعتمد عليها المفسرون في تفسير القرآن الكريم، واللغويون في تقعيد القواعد اللغوية، وتأسيس علوم العربية، إلى قسمين: الأول: مصادر مباشرة، وهي الأخذ عن الشعراء الذين يُحتجُّ بشعرهم مباشرةً. الثاني: مصادر غير مباشرة، وهي كل ما عدا الشاعر من المصادر، ويندرج تحت ذلك، الرواة عن الشعراء، من العلماء، والأعراب، والمصنفات الأولى التي حفظت الشواهد الشعرية للأجيال التالية، من كتب التفسير واللغة وغيرها.

стр. 156

أولًا: المصادر المباشرة . فأما القسم الأول من مصادر الشاهد الشعري، وهو الشعراء، فقد روى المفسرون واللغويون عن كثير من الشعراء مباشرةً، ومن أقدم الأمثلة لذلك عبدالله بن عباس ﵄، فقد كان يستشهد بأشعار حسان بن ثابت (١)، ولبيد بن ربيعة (٢)، وعبدالله بن رواحة (٣)، وغيرهم من الصحابة الذين عاصرهم، وسمع منهم أو من بعضهم مباشرةً، وقد استشهد بأشعار عمر بن أبي ربيعة المخزومي (٩٥ هـ) على تفسير القرآن الكريم. (٤) وقد كان هذا الصنيع من ابن عباس أول عمل منظم لعملية الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وسيأتي مزيد بيان لذلك في مبحثٍ تالٍ. وقد أدرك عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي (١١٨ هـ)، وأبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ)، شعراءَ الاحتجاج، كالفرزدق، والكُميت، وذي الرمة، والعجاج، ورؤبة وأضرابهم، وهم من طبقة شعراء الإسلام. (٥) يقول الخليل بن أحمد (١٧٠ هـ): «دفنَّا الشعر واللغة والفصاحة اليومَ، فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: هذا حين انصرفنا من دفن رؤبة بن العجاج». (٦) وسئل يونس بن حبيب عن فصاحة رؤبة فقال: ما رأيت قط عربيًا أفصح منه. (٧) ويقول الأصمعي: «ساقةُ الشعراءِ ابنُ ميَّادة

стр. 157

(١٤٦ هـ)، وابنُ هَرْمَة (١٤٥ هـ)، ورؤبَةُ (١٤٥ هـ)، وحَكَمُ الخُضَريُّ، ومَكِيْنُ العُذريُّ (١٦٠ هـ)، وقد رأَيتهُم أَجْمعين» (١). وقد أدرك أبو عبيدة رؤبةَ بن العجاج، وسأله عن قوله: فيها خُطوطٌ مِنْ بَيَاضٍ وَبَلَقْ ... كأَنَّهُ في الجلد توليعُ البَهَقْ (٢) حيث قال: «قلت لرؤبة: إن كانت خطوط فقل: كأَنَّها، وإن كانَ سوادٌ وبَلَقٌ فقل: كأَنَّهُما. فقال: كأَنَّ ذاكَ - ويلك - تَولِيعُ البَهَقْ» (٣). وكذلك الأصمعيُّ روى الشواهدَ والأشعارَ عن رُؤبةَ وغيره (٤). ومن أئمةِ الكوفيين يحيى بن زياد الفراء الذي أدرك كثيرًا من الشعراء، وروى عنهم. ومن ذلك قوله: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فَرَسَهُ: عَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً باردَا ... حَتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها» (٥). وهذا الشاهد من الشواهد السائرة في كتب النحو والتفسير، والشاهد فيه «وماءً» حيث نصبَ الماءَ بفعلٍ مقدرٍ هو «أَسْقَيْتُها»، ولم يذكره؛ لكون الماء لا يُعلفُ وإِنّما يُشرَبُ (٦). وأكثر من تهيأت لهم الرواية المباشرة عن الشعراء هم العلماء الرواة الذين أدركوا عصور الاحتجاج، وأولهم وأوثقهم أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ)، ومن طبقته حَمَّاد بن مَيْسَرة المعروفُ بِحَمَّاد الراوية

стр. 158

(١٥٦ هـ) (١)، وعن هذين أخذ سائر شيوخ العلم والرواية كخلف الأحمر (١٨٠ هـ)، والمفضل الضبي (١٧٨ هـ)، والأصمعي (٢١٥ هـ)، وأبي عبيدة (٢١٠ هـ)، وأبي عمرو الشيباني (٢٠٦ هـ)، والفراء (٢٠٧ هـ) وغيرهم، ثم أخذ عن هؤلاء من تلاهم كابن الأعرابي (٢٣١ هـ)، ومحمد بن حبيب (٢٤٥ هـ)، وأبي حاتم السجستاني (٢٥٥ هـ)، ثم أخذ عن هؤلاء أبو سعيد السكري (٢٨٥ هـ)، وثعلب (٢٨٦ هـ) وأضرابهما (٢). وأما من أتى بعدهم فقد اعتمدوا على الرواية عنهم وعن تلاميذهم، وعلى المصنفات التي دونها هؤلاء. يقول أبو الطيب اللغوي: «وكان في هذا العصر ثلاثةٌ، هُم أَئِمةُ النَّاسِ في اللغة، والشعرِ، وعُلومِ العرب، لم يُرَ مِثلُهُم قَبْلَهم ولا بَعدهم، عنهم أُخِذَ جُلُّ مَا في أَيدي الناس من هذا العلمِ بَلْ كُلُّهُ، وهُم أبو زيدٍ، وأَبو عبيدةَ، والأَصمعيُّ، وكلهم أخذوا عن أَبي عَمروٍ اللغةَ، والنحوَ، والشعرَ، ورَووا عنه القراءةَ، ثم أَخذُوا بعدَ أبي عمروٍ عن عيسى بنِ عُمرَ، وأَبي الخطابِ الأخفشِ، ويونسَ بن حبيب عن جماعةٍ من ثقاتِ الأعراب وعلمائهم» (٣). وهذا المصدر المباشر لم أجد له أثرًا ظاهرًا إلا في كتابي «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء، حيث تقدم أخذهم مباشرةً من الشعراء، ونقلُهُم لعدد من الشواهد الشعرية، وستأتي الأمثلة على ذلك في هذا المبحث، وأثر هذا المصدر المباشر في تفسيرهم للقرآن الكريم، أما بقية كتب التفسير موضوع الدراسة فلم يدرك أحدٌ منهم شاعرًا يحتج بشعره.

стр. 159

ثانيًا: المصادر غير المباشرة . وأما القسم الثاني من مصادر الشاهد الشعري، فهو المصادر غير المباشرة، وهي الأخذ عن غير الشعراء بأي طريقة، وهذه الطرق هي: أولًا: الأخذ عن الرواة والعلماء: وهي أوسع طرق رواية الشعر والشواهد، فقد كان الرواة هم الطريق الذي منه انتشرت رواية الشعر، ونقلت للأجيال التالية، وعنهم نقل كل الشعر الذي دُوِّن بعد ذلك. وقد قسم الباحثون رواة الشعر إلى ست طبقات: الرواة العلماء، والشعراء الرواة، ورواة القبيلة، ورواة الشاعر، ورواة مصلحين للشعر، ورواة وضاعين (١). وأوثق هذه الطبقات هي الطبقة الأولى، ومن أبرزهم أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ)، وحماد الراوية (١٥٦ هـ)، وسبب الثقة بهذه الطبقة أنها «اتخذت من الشعر موضوعًا علميًا، تدرسه دراسة، بعد أن تأخذه عن شيخٍ، أو أُستاذٍ في مدرسةٍ من مدارسِ علم الشعر وروايته آنذاك ... وتكون طريقة الدرس هي الرواية الأدبية بدعامتيها: الكتاب والسماع، ثم تقوم بتمحيص ما تجمعه وتفحصه وتنقده، وتميز صحيحه من فاسده، والثابت النسبة من المشكوك فيه، وتنتهي من ذلك إلى تسجيل ما ترجح لديها صحته في نسخة خاصة تصبح هي رواية ذلك الشيخ الراوية العالم، ينقلها عنه تلاميذه وينسبونها إليه» (٢). وعلى هؤلاء العلماء الرواة تدور رواية معظم الشواهد الشعرية، وإليهم ينتهي علمها، وعلامة ذلك تكرر الشواهد الشعرية منذ عصرهم حتى اليوم، فلا يكاد المفسرون يستشهدون بغير تلك الشواهد الشعرية التي رواها أبو عمرو بن العلاء، وعنه أبو عبيدة والأصمعي، وطبقتهم،

стр. 160

إلا في القليل النادر، مما يدل على وحدة المصادر التي استقى منها العلماء الشواهد الشعرية في مختلف العلوم الإسلامية كالتفسير والنحو واللغة، وهم أولئك الرواة من العلماء وغيرهم الذين احترفوا رواية الشعر وصاروا يعرفون بالرواة، مثل حَمَّاد بن مَيْسَرَة الذي يعد أول من أطلق عليه لقب الراوية، وقد سأله الخليفة الأموي الوليد بن يزيد «بِمَ استحققت هذا اللقب فقيل لك: الراوية؟ فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن أعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرًا لقديم ولا محدث إلا ميزت القديم منه من المُحْدَث. فقال: إِنَّ هذا لَعِلمٌ - وأبيك- كَبِيْرٌ، فكم مقدارُ ما تَحفظُ من الشِّعرِ؟ قال: كثيرًا، ولكني أنشدك على كل حرفٍ من حروف المعجمِ مائةَ قصيدة كبيرة، سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام» (١). وقد ذكر الأزهري في مقدمة «تهذيب اللغة» طبقات الرواة والعلماء الذين أخذ عنهم (٢). وقد ظهر الاعتماد على هذا المصدر - وهم العلماء الرواة - بوضوح من خلال دراسة «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء، وقد اعتمدا اعتمادًا كبيرًا على هذا المصدر في كتابيهما، في حين اعتمد عليه ابن قتيبة والطبري قليلًا، ولم يعتمد عليه الزمخشري ولا ابن عطية ولا القرطبي لتأخر زمانهم عن زمن الاحتجاج، وانقطاع زمن الرواية. مصادر أبي عبيدة في «مجاز القرآن»: يمكن تقسيم مصادر أبي عبيدة إلى المصادر التالية:

стр. 161

١ - يروي أبو عبيدة مباشرةً عن أبي عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ)، فهو أكبر شيوخه، وأوثقهم، وقد لازمه ملازمة طويلة وانتفع بعلمه كثيرًا، وأثنى عليه كما في قوله: «كان أبو عمرو أعلم الناس بالغريب والعربية، وبالقرآن والشعر، وبأيام العرب وأيام الناس ... وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتًا له إلى قريب من السقف ... وكانت عامة أخباره عن أعراب أدركوا الجاهلية ... » (١). ومن ذلك قول أبي عبيدة: «﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] (٢) قال أبو عمرو: تذكر وتؤنث، وأنشدنا: فَلا تَبعَدْ فَكُلُّ فَتى أُنَاسٍ ... سَيُصْبِحُ سَالِكًا تلكَ السَّبيلا (٣)» (٤). وكما في قوله: «عن أبي عمرو بن العلاء، قال كعب بن زهير: تسعى الوشاةُ جَنَابَيهَا وقيلَهمُ: ... إِنَّكَ يَابنَ أَبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ (٥) قال (٦): سمعتُ أبا عمرو بن العلاء يقول: معناها: ويقولون، وكذا كل شيء من هذا المنصوب كان في موضع «فَعْل» أو «يَفْعِل» كقولك: صبرًا ومهلًا وحلًا، أي: اصبر، وامهل، وتحلل» (٧). ويروي أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء مرسلًا كما في قوله: «كقول كعب: تسعى الوشاةُ جَنَابَيهَا وقيلَهمُ: ... إِنَّكَ يَابنَ أَبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ (٤) يقولون عن أبي عمرو: وقيلهم منصوب لأنه في موضع: ويقولون» (٨). وقد تأثر أبو عبيدة بشيخه أبي عمرو في منهجه وسعة علمه، وفي منهجه في تفسير القرآن الكريم. ومن أدلة ذلك ما يروي

стр. 162

المازني عن أبي عبيدة أنه قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأُ: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وأَنَّهُ سأَل أبا عمرو عن وجه هذه القراءة فقال: هي لغة فصيحة ... واستشهد لها بقولِ المُمَزَّقِ العبديِّ (١): وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيْفًا كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرَّقِ (٢) ومن أدلة تأثره بشيخه ما يرويه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] (٣) حيث قال: قوم يكسرون النونَ، وكان أبو عمرو يَفتحها. ثم أورد احتجاج أبي عمرو لقراءته بشواهد من الشعر، وتخريجها تخريج النحويين (٤). وقد أخذ عنه القرآن والشعر حتى أنفد ما عنده أو كاد، وهو شيخ أبي عبيدة الأول. ٢ - كما يروي أبو عبيدة عن بعض قبائل العرب بصيغة مبهمة، كما في قوله: «سَمعتُ مَنْ ينشد بيت خِرْنِق بنت هِفَّان، من بني سعد بن ضُبَيعةَ رهط الأعشى: لا يَبْعُدنْ قومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآَفةُ الجُزْرِ النَّازلينَ بكلِّ مُعتركٍ ... والطيبيَّنَ معاقدَ الأُزْرِ (٥) فيخرجون البيت الثاني من الرفع إلى النصب، ومنهم من يرفعه على موالاة أوله في موضع الرفع» (٦). ٣ - يقول أبو عبيدة: «وأنشدني أبو عمرو الهذلي (٧) لساعدة بن

стр. 163

جُؤَيَّةَ الهذلي (١)» (٢). وقد اتسعت رواية أبي عبيدة للشعر حتى استوعب الشعر العربي المروي أو كاد، وأصبح مصدرًا من مصادر الشعر عند العلماء، فروى طرائف الشعر وغرائبه (٣)، وروى شعر المغمورين واللصوص (٤)، إلى جانب مألوف الشعر ومعروفه وشوارده (٥). وبلغ من استقصائه لرواية الشعر، أنه أصبح يطلق أحكامًا واثقة على الشعر تدل على تبحره في معرفته وحفظه، كقوله في تفسير التَّفَثْ: «ولم يجئ فيه شعرٌ يُحتَجُّ به» (٦). وهذا الحرص على الاستيعاب لرواية الشعر عنده تفسر لنا روايته لقصائد لم يعرفها الأصمعي (٧)، ولم يروها شيخه أبو عمرو بن العلاء (٨)، وروايته لدواوين شعراء توزعتهم أهواء الأمصار المختلفة، وقد كان يحرص على الإحاطة بالشعر النادر الطريف، والمصون الغريب؛ إذ يرى أن الشائع المبذول قريب متيسر لا يجدي إتعاب النفس في حفظه وروايته (٩). وقد أثرت هذه الرواية الواسعة في تفسيره للقرآن الكريم، فقد سلك في كتابه المجاز مسلكًا لغويًا في التفسير، وهو يعد أول كتاب في التفسير اللغوي، وقد أكثر فيه من الاستشهاد بالشواهد الشعرية على التفسير حيث بلغت شواهده (٩٥٢) شاهدًا، ولعل سبقه لهذا المنهج يفسرُ ما قام حول تأليفه كتابه «مجاز القرآن» من ضجة في زمنه، حيث يقول تلميذه أبو عمر الجرمي: «أتيت أبا عبيدة بشيء منه - أي كتاب المَجاز - فقلت له: عمن أخذت هذا يا

стр. 164

أبا عبيدة؛ فإن هذا خلاف تفسير الفقهاء؟ - يعني المفسرين - فقال لي: هذا تفسير الأعراب البوالين على أعقابهم، فإن شئت فخذه، وإن شئت فذره» (١). ويقول الفراء لمن سأله عن كتاب أبي عبيدة: «لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب المَجاز» (٢). وقد تتبع الدكتور نهاد الموسى مصادر الرواية الشعرية عند أبي عبيدة، وذكر أنه قد التمس العلم في دوائره جميعًا، لدى الشيوخ، والأعراب، والمصادر الخاصة من الرواة والكتب، وأنه كان يعرف ما تمتاز به كل دائرة، فيطلب عندها من العلم ما هي عليه أقوم، وما هي به أبصر (٣). مصادر الفراء في «معاني القرآن»: وأما يحيى بن زياد الفراء فيمكن تفصيل مصادره كالتالي: ١ - يروي كثيرًا عن شيخه الكسائي، وهو من كبار علماء الكوفة وثقاتهم كما تجد كثيرًا قوله: «أنشدني الكسائي» (٤)، «وأنشدني الكسائي في بعض البيوت» (٥). ٢ - كما يروي الفراء عن المفضل الضبي، وهو من أوثق رواة الكوفة للشعر، كما في قوله: «وأنشدني المفضل» (٦). ٣ - ويروي عن يونس بن حبيب كما في قوله: «وأنشدني يونس - يعني النحوي البصري- عن العرب قول الأعشى» (٧). كما يروي عن القاسم بن معن: «وأنشدني القاسم بن معن عن العرب» (٨). ٤ - كما تجد في كتبه كثيرًا من أسماء الأعراب الرواة الذين أخذ

стр. 165

عنهم، من أمثال أبي الجراح العقيلي (١)، وأبي القمقام الفقعسي (٢)، وأبي ثروان (٣). ٥ - ويكتفي في ذكر المصدر أحيانًا كثيرة بالإشارة إلى القبيلة كقوله: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فرسه» (٤)، «وأنشدني بعض بني فقعس» (٥). وأحيانًا تتسع دائرة الإبهام فيقول: «وأنشدني بعض العرب» (٦) أو: «أنشدني بعضهم» (٧). دون تحديد مَنْ مِن العرب أنشده. مصادر ابن قتيبة: وأما ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) فقد أكثر من الرواية عن شيخه أبي حاتم السجستاني (٢٥٥ هـ) (٨)، كقوله: «وحدثني أبو حاتم السجستاني عن الأصمعي أنه قال: سألت عيسى بن عمر عن قول أمية بن أبي الصلت ... ». (٩)، وقوله: «وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة» (١٠). مصادر الطبري في تفسيره: وأما الإمام الطبري فقد روى الشعر عن كثير من العلماء الرواة كثعلب إمام الكوفيين في النحو (١١)، غير أنه لم يصرح باسمه في تفسيره، وهذا أمر مستغرب، وأخذ كذلك عن غيره كما في قوله: «أنشدني بعض الرواة عن أبي عبيدة» (١٢).

стр. 166

مصادر الزمخشري في تفسيره: في حين لم يعتمد الزمخشري على الرواة، ولم يكن لذلك أثرٌ في تفسيره، إلا في قوله: «وأنشدتني بعض البدويات لبدوي: عَريضُ القَفَا مِيزَانُهُ في شِمَالهِ ... قد انْحَصَّ مِن حَسْبِ القَراريطِ شَارِبُه» (١). مصادر ابن عطية والقرطبي: وأما ابن عطية والقرطبي فلم يكن لهذا المصدر وجود ولا أثر في تفسيريهما؛ لتأخرهما إلى القرن السادس والسابع الهجريين. ثانيًا: العلماء المتقدمون . وهم الذين صنفوا الكتب التي حفظت الكثير من أشعار العرب، سواء أكانت هذه الكتب لغوية أم نحوية أم غيرها، مثل الخليل بن أحمد، وسيبويه، وأبي عبيدة معمر بن المثنى، والفراء، وأبي زيد الأنصاري، وغيرهم. وقد أولى العلماء عناية كبيرة لمصادر الشعرِ المُحتجِّ به في اللغة والتفسير وغيرها، ومن أهم مصادرِ الشعرِ المُحتجِّ به من هذه المصنفات، والتي تشتمل على عدد كبير من الشواهد الشعرية في التفسير واللغة وغيرها ما يأتي: - دواوين الشعراء: وهي التي رويت عن الثقات، كديوان امرئ القيس، والأعشى، والنابغة الذبياني، فقد كانت مصدرًا مهمًا للمفسرين، استقوا منها شواهدهم الشعرية. - المُفضليَّات: وهي مجموعة من قصائد الجاهلية وصدر الإسلام، اختارها

стр. 167

المفضل بن محمد الضبيِّ الكوفي (ت ١٦٨ هـ)، وتشتمل على ٣٣٦ قصيدة، وشعراؤها ١٥٥ شاعرًا، ومن شعرهم أكثر شواهد العربية والتفسير، في الغريب والبلاغة والنحو والتصريف. (١) - الأصمعيات ، وهي مجموعة مختارة من شعر الجاهلية وصدر الإسلام، اختارها عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت ٢١٣ هـ)، وقد اشتملت الأصمعيات على ما أخلت به المفضليات من مختار شعر الجاهلية وصدر الإسلام، وهي قصائد جياد، وشواهدها كثيرة (٢). - حَماسةُ أبي تَمَّام . وهي مجموعة من شعر الجاهلية والإسلام وبعض المُحدَثين، انتقاها واختارها أبو تَمَّام، ويستشهد المفسرون بكثير من شواهدها وخاصة الزمخشري وابن عطية، والقرطبي. يقول البغداديُّ واصفًا لديوان الحماسة: «وهو مَجموعةٌ من أَشعارِ الجاهلية والإسلام، انتقاها واختارها أبو تَمَّام حَبيبُ بن أوس الطائي الشاعر المشهور، وقد وقعَ الإجماعُ من النقاد على أنه لم يَتَّفق في اختيار المُقطَّعاتِ أَنْقَى مِمَّا جَمَعه أبو تَمام في كتاب الحماسةِ ... وقد جَرت عادةُ المصنفين إذا استشهدوا بشيءٍ مِمَّا فيه أَن يقولوا: قال الحَماسيُّ، ونَحوه، والمرادُ الشاعرُ المذكور في كتاب الحماسةِ، تنويهًا برفعةِ ما فيه من الأشعارِ، فإِنَّ جَميعَ ما فيه مِمَّا يصحُّ به الاستشهادُ» (٣). - دواوين القبائل كأشعارِ الهُذليين ، وقد شرحها أبو سعيدٍ السُّكريُّ، وهي الديوانُ الذي بقي مِمَّا جَمَعه

стр. 168

المتقدمون من شعر القبائل، ومعظمُ شواهد الهُذليينَ في كتب التفسيرِ في هذا الديوان. (١). وهذا المصدر من أهم المصادر التي اعتمد عليها ابن قتيبة في «تأويل مشكل القرآن» و «غريب القرآن»، والطبري في تفسيره «جامع البيان في تأويل آي القرآن»، كما في قول ابن قتيبة: «وأنشد الفراء» (٢)، وقوله: «وأنشد أبو عبيدة» (٣). وأما الإمام الطبري فيروي تلك المصنفات عن الرواة، في مثل قوله: «أنشدني بعض الرواة عن أبي عبيدة» (٤). ويقول: «وحُدِّثتُ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال: سَمعتُ أبا عمروٍ يقول في بيت زهير» (٥). وقال في موضع آخر: «وقد ذُكِرَ أَنَّ أَبا عمرو بن العلاء كان ينشد بيت زهير» (٦). وينقل عن الفراء، في مثل قوله: «وذكر الفراء أن بعض العرب أنشده» (٧). وقوله: «وذكر الفراء أن العرب تقول ... وأنشد في ذلك» (٨). وكثيرًا ما يستشهد الطبري بشعر الشاعر مباشرة دون أن يسنده لأحد من الذين أخذ عنهم شعر هذا الشاعر، مثل قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣] (٩): «وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾: مَفْعَلٌ مِن النَّوْصِ، والنَّوْصُ في كلام العرب: التأَخُّرُ، والمَنَاصُ: المَفَرُّ، ومنه قول امرئ القيس:

стр. 169

أَمِنْ ذكر سلمى إذ نأَتْكَ تَنُوصُ ... فتقصر عنها خطوةً أو تَبُوصُ (١) يقول: أو تَقَدَّمُ، يُقال من ذلك: نَاصَنِي فلانٌ إذا ذَهَبَ عَنكَ، وبَاصَنِي إِذا سَبَقَكَ» (٢). مِمَّا يدلنا على أنه كان يرجع إلى ديوان امرئ القيس مكتوبًا لديه، فقد كان ديوانه مدونًا في زمن الطبري (٣). ويروي عن أبي عمرو بن العلاء إرسالًا (٤)، وعن المفضل كذلك (٥). وقد يبهم المصدر أحيانًا كما في قوله: «وذكر بعضهم سماعًا من العرب» (٦)، وهذا الذي أبهمه بقوله بعضهم هو الفراء، وكلامه هذا في معاني القرآن (٧). ثالثًا: المفسرون الأوائل الذين أخذوا عن العلماء، وعن الكتب: وهؤلاء من أمثال ابنِ قُتيبةَ والطبريِّ، في بعض المواضع من كتبهم، وإن كانوا قد اعتمدوا على المصنفات المتقدمة في هذا الباب. وهذا المصدر من المصادر المهمة التي اعتمد عليها متأخرو المفسرين وخاصة مفسرو القرن الخامس ومن بعدهم، فقد اعتمدوا على ما دونه الطبري وأبو عبيدة والفراء اعتمادًا كليًا، حتى إنك لا تكاد تجد جديدًا، وإن وجدت لم تجد قاعدة جديدة بنيت عليه، وإنما هي شواهد داعمة للشواهد المعروفة. وهذا المصدر يتجلى في تفسير «الكشاف» للزمخشري (٥٣٨ هـ)، و «المحرر الوجيز» لابن عطية (٥٤٢ هـ)، و «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٦٧١ هـ). في هذه الكتب اعتمد المصنفون تمامًا على المصنفات، ولا سيما

стр. 170

«مجاز القرآن» لأبي عبيدة (٢١١ هـ)، و «معاني القرآن» للفراء (٢٠٧ هـ)، وتفسير الطبري (٣١٠ هـ)، و «الكتاب» لسيبويه (١٨٠ هـ). الزمخشري في «الكشاف» . ينقل الزمخشري كثيرًا عن أبي عبيدة من كتاب المجاز، مثل: «قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله: فيها خُطوطٌ مِنْ بَيَاضٍ وَبَلَقْ ... كأَنَّهُ في الجلد توليعُ البَهَقْ (١) إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما. فقال: أردت كأن ذاك ويلك» (٢). وهذا النص في كتاب أبي عبيدة (٣). وكثيرًا ما ينقلُ مِنْ ديوان الحَمَاسةِ الذي صنعه أبو تَمَّام، وهو مختارات من الشعر العربي، قسمها أبو تمام بحسب موضوعاتها، وصدرها بالحماسة. ومن ذلك قول الزمخشري: «﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ ... ﴾ [الشعراء: ١٠٦] (٤) ... قيل: أخوهم لأنه كان منهم، من قول العرب: يا أخا بني تميم، يريدون: يا واحدًا منهم. ومنه بيت الحماسة: لا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ ... في النَّائِبَاتِ عَلى مَا قالَ بُرهَانَا (٥)» (٦). كما ينقل من كتاب سيبويه، كما في قوله: «أنشد سيبويه» (٧). ويعبر أحيانًا بأبيات الكتاب لشهرتها كقوله: «والمراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء، وتارة

стр. 171

لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب» (١). ورجع للكامل للمبرد في قوله: «وقد عثرتُ على بيتٍ أنشدهُ المُبَرِّدُ في كتاب «الكامل» لبعض الأعراب: رَأيتُ رُؤيا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا ... وكنتُ للأَحلامِ عَبَّارا» (٢). وهذا النصُّ منقول من «الكامل» ضمن قصة يقول فيها: «وحدثني بعض أصحابنا أن رجلًا من الأعارب تقدم إلى سَوَّارٍ - وهو القاضي سَوَّارُ بنُ عبدالله - في أمرٍ فلم يصادف عنده ما يُحبُ، فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال فقال الأعرابي وفي يده عصًا: رَأيتُ رُؤيا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا ... وكنتُ للأَحلامِ عَبَّارا بِأَنَّنِي أَخْبِطُ في لَيْلَتي ... كَلْبًا، فَكانَ الكلبُ سَوَّارا ثم انحنى على سَوَّارٍ بالعصا حتى مُنِعَ» (٣). كما ينقل الزمخشري كذلك عن الفراء كثيرًا، كما في قوله: «﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٤) ... وأجاز الفراء أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ اسم كان. على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن، كقوله: لَمْ يَمنعِ الشّرْبَ منها غَيْرَ أَنْ نَطَقَتْ (٥) وهو من جهة الإعراب لا بأس به» (٦). وهذا الشاهد منقول عن كتاب الفراء (٧).

стр. 172

ابن عطية في «المُحرَّر الوجيز»: ذكر ابن عطية في فهرسة شيوخه، الذي ذكر فيه من تلقى عنهم من الشيوخ رواية أو إجازة، والمصنفات التي أخذها عنهم، فذكر أنه أخذ كتاب سيبويه، وديوان الحماسة لأبي تمام، ومختصر تفسير الطبري، ولذلك فإن شواهد ابن عطية لا تكاد تخرج عن شواهد هذه المصنفات (١). وهو يسند الشاهد أحيانًا للعلماء الرواة كابن الأعرابي، كما في قوله: «وأنشد ابن الأعرابي: في كُلِّ مَا يومٍ وكُلِّ لَيلاهْ ... حتى يقولَ مَنْ رآهُ إِذْ رَاهْ يَا وَيْحَهُ مِنْ جَمَلٍ مَا أَشقَاهْ (٢)» (٣). وربما يكون نقل هذه الأبيات عن كتب أبي الفتح ابن جني فقد رواها بسنده عن ابن الأعرابي (٤). حيث إن من مصادره كتب ابن جني كما سيأتي. ويرجع كثيرًا لأبي عبيدة، كما في قوله: «و ﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] (٥) معناه: أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير: هنالكَ إِنْ يُسْتَخْوَلوا المالَ يُخْوِلوا ... وإِنْ يُسئلوا يُعطوا وإن يُيْسِروا يُغلوا (٦)» (٧). وهذه الأبيات منقولة من «مجاز القرآن»، فقد رواها أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء (٨). وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٧] (٩)، وهو يتحدث

стр. 173

عن قراءة من قرأ (الضَّأْلِين) (١)، نقل ابن عطية عن ابن جني فقال: «قال أبو الفتح: وعلى هذه اللغة قولُ كُثَيّر: إذا مَا العَوالي بِالعَبِيطِ احْمَأَرَّتِ (٢) وقول الآخر (٣): وللأرضِ أَمَّا سُودُها فَتَجلَّلَتْ ... بَيَاضًا وأَمَّا بِيْضُهَا فادهأَمَّتِ (٤)» (٥). وهذا النقل من كتاب الخصائص لابن جني مع تصرف قليل (٦). وينقل دون سندٍ عن كبار العلماء الرواة كأبي زيد الأنصاري في مثل قوله: «وأنشد أبو زيد» (٧). كما ينقل عن المقتضب للمبرد كما في قوله: «وذهب المبرد في باب التعجب من «المقتضب» إلى أن هذه الآيةَ تقريرٌ واستفهامٌ لا تعجب، وأن لفظة «أَصْبَرَ» بِمعنى اضطر وحبس، كما تقول: أَصْبَرْتُ زَيدًا على القتل ... قال: ومثله قول الشاعر (٨): قُلتُ لَهَا أُصْبِرُهَا دَائِبًا: ... أَمثَالُ بِسْطَام بنِ قيسٍ قَليلْ (٩)» (١٠).

стр. 174

وهذا النص في كتاب «المقتضب» (١)، غير أنه لا يكتفي بالنقل هنا، بل يتعقب المبرد في روايته للشاهد فيقول: «الضبط عند المبرد بضم الهمزة وكسر الباء - أُصْبِرُهَا -، ورُدَّ عليه في ذلك؛ فإنَّه لا يُعرف في اللغة «أَصْبَرَ» بمعنى «صَبَرَ»، وإنما البيت أَصْبُرُهَا بفتح الهمزة وضم الباء، ماضيه «صَبَرَ»، ومنه المصبورةُ، وإنما يرد قول أبي العباس - أي المبرد - على معنى: أجعلها ذات صبر» (٢). وينقل ابن عطية عن أبي علي الفارسي كما في قوله: «ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض تعاليقه أن الجنَّ يدخلون في لفظةِ النَّاسِ، وأنشد على ذلك: فقلتُ: إِلى الطعامِ، فَقالَ منهم: ... أُنَاسٌ يَحْسدُ الإنسَ الطعَامَا (٣)» (٤). وينقل عن الطبري كما في قوله: «وأنشد الطبريُّ: فَإِنْ كنتَ سِيدَنَا سُدْتَنَا ... وإِنْ كنتَ لِلخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ (٥)» (٦). وينقل عن ابن الأنباري كما في قوله: «حكاه عنه ابن الأنباري وأنشد» (٧). وابن عطية يعتمد في أحيان كثيرة على شرح الفراء والطبري وأبي عبيدة للشاهد الشعري ويوافقهم غالبًا ويخالفهم أحيانًا (٨). وينقل عن أبي العباس ثعلب، وأبي الحسن الأخفش كما في قوله: «وقال أحمدُ ابن يحيى ثعلب: عَابدُ كَشَارفٍ وشَرَف، ومنه قول القينة:

стр. 175

أَلا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وهُنَّ مُعَقَّلاتٌ بِالفِنَاءِ (١) وقال أبو الحسن الأخفش: هوَ جَمعُ «عَبِيْدٍ»، وأنشد: أنسُبِ العَبْدَ إِلى آبائهِ أَسودَ الجلدةِ مِنْ قومٍ عُبُد» (٢). وينقل كثيرًا عن سيبويه (٣)، وعن الفراء والكسائي كما في قوله: «وقال الفراء والكسائي: هو مجزوم على الدعاء. ومنه قول الشاعر: فلا يَنبسطْ مِنْ بينِ عَينيكَ ما انْزَوَى ... ولا تَلقني إِلَّا وأنْفُكَ رَاغمُ» (٤). وربما نبَّهَ ابن عطية إلى أن الذي نقل منه قد نقل عن غيره كما في قوله تعقيبًا على نقلٍ للزجاج عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧] (٥): «وخبر «إِنَّ» قوله تعالى: ﴿اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ ثم دخلت «أن» على الجزء مؤكدة، وحسن ذلك لطول الكلام، فهي وما بعدها خبر «إِنَّ» الأولى، وقرن الزجاج هذه الآية بقول الشاعر (٦): إِنَّ الخليفةَ إِنَّ اللهَ سَرْبَلَهُ ... سِربالَ مُلكٍ بهِ تُرجى الخَواتيمُ (٧) ثم تعقبه بقوله عن الزجاج: «نقله من الطبري» (٨). وهذا الشاهد ذكره الطبري عند هذه الآية في تفسيره (٩). وينقل عن تفسير الثعلبي كما في قوله: «وأنشد الثعلبي:

стр. 176

أصابَ الكلام فلم يستطعْ ... فأخطا الجوابَ لَدى المفصلِ (١) ويشبهُ أَنَّ أَصَابَ مُعَدَّى صَابَ يَصُوبُ» (٢). كما ينقل عن الزجاج، كما في قوله: «وأنشد الزجاجُ: أَبيضُ لا يرهبُ الهزالَ ولا ... يقطعْ رحْمًا ولا يَخُونُ إِلا (٣)» (٤). وربَّما جَمعَ المصادر فأحال على أكثر من مصدر كما في قوله: «قال أبو عبيدة وتابعه القتبي (٥) وغيره: «يرجون». في هذه الآية بمعنى يخافون، واحتجوا ببيت أبي ذؤيب: إذا لَسعتهُ النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالفها في بَيتِ نُوبٍ عَواسل (٦)» (٧). القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن». وأما القرطبي فإنه ينقل كثيرًا عن أبي عبيدة والفراء والطبري وسيبويه وغيرهم. فمن ذلك قوله: «وأنشد ابن الأعرابي: حِمىً لا يُحَلُّ الدهرَ إِلا بإِذنِنَا ... ولا نسألُ الأقوامَ عهدَ المياثقِ (٨)» (٩). وقوله: «وقيل تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، قاله المفضل، واستشهد بقول جرير:

стр. 177

قَبحَ الإلهُ وجوهَ تغلبَ كُلَّمَا ... شَبَحَ الحَجِيْجُ وكَبَّرُوا إِهْلالا (١)» (٢). وقوله ينقل كلامًا لأبي عمرو الشيباني من كتابه «الجيم» دون إشارة للمصدر: «ورجل مُيَمَّم يظفر بكل ما يطلب، عن الشيباني، وأنشد: إِنَّا وَجَدِنَا أعصرَ بنَ سَعْدِ ... مُيَمَّمَ البيتِ رَفيعَ المَجْدِ (٣)» (٤). كما ينقل عن سيبويه كما في قوله: «وحكى الكسائي والفراء: ﴿أَنُلْزِمْكُمُوهَا﴾ بإسكان الميم الأولى تخفيفًا، وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد: فاليومَ أَشربْ غَيْرَ مُستحقبٍ ... إِثْمًا من اللهِ ولا وَاغِلِ (٥)» (٦). وهذا من شواهد سيبويه (٧). كما ينقل القرطبي عن الأصمعي كما في قوله: «قال الأصمعيُّ: وسَمعتُ ابن أبي طرفةَ - وكانَ مِنْ أَفصحِ مَنْ رأيتُ - يقولُ: سَمعتُ شِيخَانَنَا يقولون: لقيتُ مِنْ فلانٍ عِرْقَ القِرْبَةِ، يعنون الشدةَ، وأنشدني لابن الأَحْمر: ليستْ بِمشتمةٍ تُعَدُّ وعفوُها ... عرقَ السِّقَاءِ على القُعُودِ اللَّاغِبِ (٨) قال أبو عبيد: أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه كعرق القربة، فقال: كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر. ثم قال: على القعود اللاغب، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم، وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه، زعم أنهم في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل

стр. 178

يتناوبونه، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر، وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام» (١). كما ينقل القرطبي عن أبي عُبَيدٍ القاسم بن سلَّام كما في قوله: «قال أبو عُبَيدٍ (٢): وأَنشدَني أَعرابيٌّ مِن بَنِي أَسد: وقلنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيلى فَأَسْجَدا (٣) يعني البعيرَ إذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ» (٤). وهذا منقول من كتاب «الغريب المصنف» لأبي عبيد (٥). وينقل القرطبي عن الفراء، من «معاني القرآن»، وغيره من كتب الفراء، مثل كتاب المصادر (٦). فمن ذلك قوله: «قال الفراءُ: سَمعتُ بعضَ العرب يقول: كانَ مَرةً وهو ينفعُ الناسَ أَحسَابُهُم، وأنشدني بعضُ العرب: فأَبْلِغ أَبا يَحيى إِذا مَا لقيتَهُ ... عَلى العِيْسِ في آَبَاطِهَا عَرَقٌ يَبْسُ بِأَنَّ السَّلاميَّ الذي بِضَرِيَّةٍ ... أَمِيْرَ الحِمَى قَدْ بَاعَ حَقَّ بَنِي عَبْسِ بثوب ودينار وشاة ودرهم ... فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هَاهُنَا رَأْسُ» (٧). وهذه الأبيات في «معاني القرآن» (٨). كما ينقل القرطبي من تفسير الطبري كقوله: «وأنشد الطبري في

стр. 179

ذلك» (١). كما ينقل عن ثعلب كما في قوله: «وأنشد ثعلب» (٢). وينقل أحيانًا على ندرة عن بعض كتب النحويين كما نقل عن كتابٍ لابن الدهان قوله: «قال ابنُ الدَّهانِ أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفيُّ يُجيزُ عطفَ الظاهرِ على المَجرورِ ولا يَمنعُ منهُ، ومنه قوله: آبَكَ أَيِّهْ بِيَ أَو مُصَدِّرِ ... مِنْ حُمُرِ الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ» (٣). كما ينقل عن يعقوب بن السكيت كما في قوله: «واللَّبُوسُ كُلُّ مَا يُلْبَسُ، وأنشد ابنُ السكيت: البَسْ لِكُلِّ حَالةٍ لَبُوسَهَا ... إِمَّا نَعِيمَهَا وإِمَّا بُوسَهَا» (٤). كما ينقل القرطبي عن المفسرين المتأخرين كالزمخشري، فقد نقل عنه في مواضع مثل قوله: «وقال الزمخشري: حنانًا: رحْمَةً لأَبويهِ وغيرهما، وتَعطُّفًا وشَفقةً، وأنشد سيبويه: فقالتْ: حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ هَا هُنَا ... أَذُو نَسَبٍ، أَمْ أَنتَ بِالحيِّ عَارِفُ (٥)» (٦). وهذا الشاهد في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] (٧)، والزمخشري نقله عن سيبويه مع اختلاف موضع الشاهد بينهما (٨). ويقول القرطبي: «قال الجوهريُّ: أَنشدَ أَبو عُبيدٍ: مِن اللَّوَاتِي والَّتِي واللَّاتِ ... زَعَمْنَ أَنْ قَدْ كَبِرَتْ لِدَاتِ (٩)» (١٠).

стр. 180

وهذا النص منقول عن «الصحاح» للجوهري (١). وينقل عن أبي بكر بن الأنباري في قوله: «قلتُ - أي القرطبي: قد ذكر أبو بكر الأنباريُّ في كتاب «الزاهر» له لمَّا تكلم على معنى الفِسْقِ قولَ الشاعر (٢): يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغورًا غائرا ... فواسقًا عن قَصدِها جَوائِرا (٣)» (٤). وهذا النص في كتاب أبي بكر بن الأنباري المشار إليه (٥). وينقل قول الخليل بن أحمد في قوله: «وأنشد الخليلُ: يَمَّمْتُهُ الرمحَ شَزْرًا ثُمَّ قلتُ لهُ: ... هَذي البَسَالةُ لا لُعْبُ الزَّحَاليقِ قال الخليل: من قال في هذا البيت: أَمَّمْتُهُ فقد أَخطأَ؛ لأنه قال: شزرًا. ولا يكون الشَّزْرُ إلا من ناحيةٍ، ولم يقصد أمامه» (٦). ويعتمد في مواضع على شرح الطبري للشاهد الشعري، كما في قوله: «وأما قول الشاعر: ................................ ... إِنِّي على الحسابِ مُقيتُ (٧) فقال فيه الطبري: «إِنَّهُ من غير هذا المعنى المُتقدِّمِ، وإِنه بِمعنى المَوقوف» (٨). وهذا الشاهد في تفسير الطبري، وكلام الطبري بتمامهِ: «وأَما المُقيتُ في بيت اليهوديِّ - هو السموأل - الذي يقولُ فيه: لَيْتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَطويَّةً ودُعِيتُ أَلِيَ الفَضلُ أَمْ عَليَّ إِذَا حُوْ ... سِبْتُ إِنِّيْ عَلى الحِسَابِ مُقِيْتُ فإن معناه: فإني على الحساب موقوفٌ، وهو من غير هذا
следующие страницы →