← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أصابَ الكلام فلم يستطعْ ... فأخطا الجوابَ لَدى المفصلِ (١) ويشبهُ أَنَّ أَصَابَ مُعَدَّى صَابَ يَصُوبُ» (٢). كما ينقل عن الزجاج، كما في قوله: «وأنشد الزجاجُ: أَبيضُ لا يرهبُ الهزالَ ولا ... يقطعْ رحْمًا ولا يَخُونُ إِلا (٣)» (٤). وربَّما جَمعَ المصادر فأحال على أكثر من مصدر كما في قوله: «قال أبو عبيدة وتابعه القتبي (٥) وغيره: «يرجون». في هذه الآية بمعنى يخافون، واحتجوا ببيت أبي ذؤيب: إذا لَسعتهُ النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالفها في بَيتِ نُوبٍ عَواسل (٦)» (٧). القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن». وأما القرطبي فإنه ينقل كثيرًا عن أبي عبيدة والفراء والطبري وسيبويه وغيرهم. فمن ذلك قوله: «وأنشد ابن الأعرابي: حِمىً لا يُحَلُّ الدهرَ إِلا بإِذنِنَا ... ولا نسألُ الأقوامَ عهدَ المياثقِ (٨)» (٩). وقوله: «وقيل تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، قاله المفضل، واستشهد بقول جرير:

стр. 177

قَبحَ الإلهُ وجوهَ تغلبَ كُلَّمَا ... شَبَحَ الحَجِيْجُ وكَبَّرُوا إِهْلالا (١)» (٢). وقوله ينقل كلامًا لأبي عمرو الشيباني من كتابه «الجيم» دون إشارة للمصدر: «ورجل مُيَمَّم يظفر بكل ما يطلب، عن الشيباني، وأنشد: إِنَّا وَجَدِنَا أعصرَ بنَ سَعْدِ ... مُيَمَّمَ البيتِ رَفيعَ المَجْدِ (٣)» (٤). كما ينقل عن سيبويه كما في قوله: «وحكى الكسائي والفراء: ﴿أَنُلْزِمْكُمُوهَا﴾ بإسكان الميم الأولى تخفيفًا، وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد: فاليومَ أَشربْ غَيْرَ مُستحقبٍ ... إِثْمًا من اللهِ ولا وَاغِلِ (٥)» (٦). وهذا من شواهد سيبويه (٧). كما ينقل القرطبي عن الأصمعي كما في قوله: «قال الأصمعيُّ: وسَمعتُ ابن أبي طرفةَ - وكانَ مِنْ أَفصحِ مَنْ رأيتُ - يقولُ: سَمعتُ شِيخَانَنَا يقولون: لقيتُ مِنْ فلانٍ عِرْقَ القِرْبَةِ، يعنون الشدةَ، وأنشدني لابن الأَحْمر: ليستْ بِمشتمةٍ تُعَدُّ وعفوُها ... عرقَ السِّقَاءِ على القُعُودِ اللَّاغِبِ (٨) قال أبو عبيد: أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه كعرق القربة، فقال: كعرق السقا لما لم يمكنه الشعر. ثم قال: على القعود اللاغب، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم، وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه، زعم أنهم في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل

стр. 178

يتناوبونه، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر، وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام» (١). كما ينقل القرطبي عن أبي عُبَيدٍ القاسم بن سلَّام كما في قوله: «قال أبو عُبَيدٍ (٢): وأَنشدَني أَعرابيٌّ مِن بَنِي أَسد: وقلنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيلى فَأَسْجَدا (٣) يعني البعيرَ إذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ» (٤). وهذا منقول من كتاب «الغريب المصنف» لأبي عبيد (٥). وينقل القرطبي عن الفراء، من «معاني القرآن»، وغيره من كتب الفراء، مثل كتاب المصادر (٦). فمن ذلك قوله: «قال الفراءُ: سَمعتُ بعضَ العرب يقول: كانَ مَرةً وهو ينفعُ الناسَ أَحسَابُهُم، وأنشدني بعضُ العرب: فأَبْلِغ أَبا يَحيى إِذا مَا لقيتَهُ ... عَلى العِيْسِ في آَبَاطِهَا عَرَقٌ يَبْسُ بِأَنَّ السَّلاميَّ الذي بِضَرِيَّةٍ ... أَمِيْرَ الحِمَى قَدْ بَاعَ حَقَّ بَنِي عَبْسِ بثوب ودينار وشاة ودرهم ... فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هَاهُنَا رَأْسُ» (٧). وهذه الأبيات في «معاني القرآن» (٨). كما ينقل القرطبي من تفسير الطبري كقوله: «وأنشد الطبري في

стр. 179

ذلك» (١). كما ينقل عن ثعلب كما في قوله: «وأنشد ثعلب» (٢). وينقل أحيانًا على ندرة عن بعض كتب النحويين كما نقل عن كتابٍ لابن الدهان قوله: «قال ابنُ الدَّهانِ أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفيُّ يُجيزُ عطفَ الظاهرِ على المَجرورِ ولا يَمنعُ منهُ، ومنه قوله: آبَكَ أَيِّهْ بِيَ أَو مُصَدِّرِ ... مِنْ حُمُرِ الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشْوَرِ» (٣). كما ينقل عن يعقوب بن السكيت كما في قوله: «واللَّبُوسُ كُلُّ مَا يُلْبَسُ، وأنشد ابنُ السكيت: البَسْ لِكُلِّ حَالةٍ لَبُوسَهَا ... إِمَّا نَعِيمَهَا وإِمَّا بُوسَهَا» (٤). كما ينقل القرطبي عن المفسرين المتأخرين كالزمخشري، فقد نقل عنه في مواضع مثل قوله: «وقال الزمخشري: حنانًا: رحْمَةً لأَبويهِ وغيرهما، وتَعطُّفًا وشَفقةً، وأنشد سيبويه: فقالتْ: حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ هَا هُنَا ... أَذُو نَسَبٍ، أَمْ أَنتَ بِالحيِّ عَارِفُ (٥)» (٦). وهذا الشاهد في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] (٧)، والزمخشري نقله عن سيبويه مع اختلاف موضع الشاهد بينهما (٨). ويقول القرطبي: «قال الجوهريُّ: أَنشدَ أَبو عُبيدٍ: مِن اللَّوَاتِي والَّتِي واللَّاتِ ... زَعَمْنَ أَنْ قَدْ كَبِرَتْ لِدَاتِ (٩)» (١٠).

стр. 180

وهذا النص منقول عن «الصحاح» للجوهري (١). وينقل عن أبي بكر بن الأنباري في قوله: «قلتُ - أي القرطبي: قد ذكر أبو بكر الأنباريُّ في كتاب «الزاهر» له لمَّا تكلم على معنى الفِسْقِ قولَ الشاعر (٢): يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغورًا غائرا ... فواسقًا عن قَصدِها جَوائِرا (٣)» (٤). وهذا النص في كتاب أبي بكر بن الأنباري المشار إليه (٥). وينقل قول الخليل بن أحمد في قوله: «وأنشد الخليلُ: يَمَّمْتُهُ الرمحَ شَزْرًا ثُمَّ قلتُ لهُ: ... هَذي البَسَالةُ لا لُعْبُ الزَّحَاليقِ قال الخليل: من قال في هذا البيت: أَمَّمْتُهُ فقد أَخطأَ؛ لأنه قال: شزرًا. ولا يكون الشَّزْرُ إلا من ناحيةٍ، ولم يقصد أمامه» (٦). ويعتمد في مواضع على شرح الطبري للشاهد الشعري، كما في قوله: «وأما قول الشاعر: ................................ ... إِنِّي على الحسابِ مُقيتُ (٧) فقال فيه الطبري: «إِنَّهُ من غير هذا المعنى المُتقدِّمِ، وإِنه بِمعنى المَوقوف» (٨). وهذا الشاهد في تفسير الطبري، وكلام الطبري بتمامهِ: «وأَما المُقيتُ في بيت اليهوديِّ - هو السموأل - الذي يقولُ فيه: لَيْتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إِذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَطويَّةً ودُعِيتُ أَلِيَ الفَضلُ أَمْ عَليَّ إِذَا حُوْ ... سِبْتُ إِنِّيْ عَلى الحِسَابِ مُقِيْتُ فإن معناه: فإني على الحساب موقوفٌ، وهو من غير هذا

стр. 181

المعنى» (١). وأظن الطبري قد نقل هذه الأبيات عن أبي عبيدة (٢). ويقول القرطبي: «قال ابن الشجريِّ هبةُ اللهِ بنُ عليِّ (٣): ومن العَربِ مَن يأتي بالجامعِ بلفظِ الواحدِ، كما قال (٤): وَإِنَّ الذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ القَومُ كُلُّ القَومِ يَا أُمَّ خَالدِ (٥)» (٦). وهذا النصُّ منقول من «أمالي ابن الشجري» (٧). وينقل القرطبي عن الجوهري كما في قوله: «قال رؤبة: لو أَنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مَعَا ... وعَادَ عَادٍ واستَجَاشُوا تُبَّعَا (٨) ذكره الجوهري» (٩). وهو في الصحاح للجوهري كما ذكر (١٠). وربما نقل الكلام متفرقًا، ثم أحال على عدة مصادر كما في قوله: «أن العرب استعملت «لعل» مجردة من الشك بمعنى لام كي، فالمعنى: لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك يدل قول الشاعر: وقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وُوَثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ فَلمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتَأَلِّقِ (١١) المعنى: كفوا الحروب لنكفَّ، ولو كانت «لعل» هنا شكًا لم يوثقوا

стр. 182

لهم كُلَّ موثق. وهذا القول عن قطرب والطبري» (١). وهذا الذي نقله في تفسير الطبري (٢). كما ينقل القرطبي عن ابن قتيبة كما في قوله: «وأنشد القتبيُّ (٣): يَسُدُّونَ أَبوابَ القِبَابِ بِضُمَّرٍ ... إِلى عُنُنٍ مُستوثقاتِ الأَوَاصِرِ (٤)» (٥). وهذه المصادر التي تقدمت للشاهد الشعري عند المفسرين، تشترك مع مصادر الشاهد الشعري عند النحويين واللغويين، وذلك أن الدراسات اللغوية في بدايتها كانت من أجل القرآن الكريم وتفسيره، وهذه المصادر هي التي صرح المفسرون بذكرها في تفاسيرهم، وربما أغفلتُ ذكر بعض المصادر التي لم يشر إليها، وإن كان المفسر قد أخذ عنها. ولا شك أن حصر مصادر العلماء في تلك الموسوعات التفسيرية بدقة فيه عسر، لاختلاف مناهجهم، وإغفالهم لكثير من المصادر التي أخذوا عنها بطريقة أو بأخرى. وأختم بالإشارة إلى أهمية الرجوعِ لمصادر الشعر الجاهلي والإسلامي في العصر الراهن، وانتزاع الشواهد الشعرية اللغوية والنحوية منها، والاستدلال بِها على قواعد ومسائل لم يسبق للمتقدمين الاستشهاد بها، أو دعم المسائل القديمة بشواهد إضافية دون الاقتصار على شواهد المتقدمين التي أصبحت مُمِلَّةً عند بعض الطلاب. وقد كان عبد الحميد الفراهي (٦) يفعل هذا في مصنفاته في التفسير

стр. 183

واللغة، ويستدرك على المفسرين المتقدمين أشياء استنادًا إلى الشواهد الشعرية التي أخذها من هذه المصادر. وسأمثل لذلك بِما قاله في تفسير معنى «الآلاء» وكيف جَمعَ الشواهد الشعرية لتأييد رأيه الذي ذهب إليه، وخالفَ فيه المتقدمين. (١) قال: «الآلاءُ، أَجْمعوا على أَنَّ معناه: النِّعَمُ، ولكنَّ القرآن، وأشعار العرب يأباهُ. والظاهرُ أَنَّ معناه: الفِعالُ العَجيبةُ ... ولَمَّا كان غالبُ فِعالهِ تعالى الرَّحْمةَ، ظنُّوا أَنَّ الآلاءَ هي النعم. والروايةُ عن ابن عباس ﵄ حَملتهم على هذا. ولكنَّ السَّلفَ إذا سُئلوا أجابوا حسب السؤال، والمراد المخصوص في موضعٍ مسؤول عنه ... أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾ [النجم: ٥٥، ٥٦] (٢)، بعد ذكر إهلاك الأقوام. وهكذا في سورة الرحمن. وأَمَّا كلامُ العَربِ، فقال طَرَفَةُ: كامِلٍ يَحْمِلُ آلآءَ الفَتَى ... نَبَهٍ سَيِّدِ ساداتٍ خِضَمّْ (٣) وقالت مَيَّةُ بنتُ ضرارٍ تَرثي أَخاها: كَرِيْمٍ ثَناهُ وآلاؤُهُ ... وكافِي العَشِيْرَةِ ما غَالَها (٤) وقال المهلهلُ أخو كُليبٍ يَرثي أَخاهُ كُليبًا: الحَزْمُ والعَزْمُ كانا مِنْ طَبائِعِهِ ... ما كُلُّ آلآئِه يا قَومِ أُحْصِيها (٥) وقال رَبيعةُ بنُ مَقرومٍ، أَحدُ بَنِي غَيظ بن السِّيد: ولولا فَوارِسُنا ما دَعَتْ ... بِذاتِ السُّلَيْمِ تَميمٌ تَميما وما إِنْ لأُوئِبَها أَنْ أَعُدَّ ... مآثرَ قَومِي ولا أَنْ أَلوما

стр. 184

ولكنْ أُذَكِّرُ آلآءَنا ... حَدِيثًا وما كانَ مِنَّا قَدِيْما (١) وقال الأجدع الهمداني: ورضيتُ آلآءَ الكُميتِ فَمَنْ يَبِعْ ... فَرَسًا فَليسَ جَوادُنا بِمُباعِ (٢) قال الجوهريُّ في هذا الشِّعرِ: «آلآؤهُ: خِصالُهُ الجميلةُ». ولكنَّهُ لَم يَتثبَّت (٣) على هذا المعنى الذي هو أَصلُهُ، فقال في مادةِ أَلا: «والآلاءُ: النِّعَمُ، واحدُها: أَلا بالفتحِ، وقد يُكسَرُ ويُكتبُ بالياء، مِثالهُ: مِعى وأَمعاء» (٤). فاتَّبعَ ما فَهِمَ المفسرون عن ابن عباس ﵁. وقال فَضالةُ بنُ زيدٍ العدواني، وهو من المُعَمّرين: وفي الفَقْرِ ذُلٌّ للرِّقابِ، وقَلَّما ... رَأَيتُ فَقيرًا غَيْرَ نِكْسٍ مُذَمَّمِ يُلامُ وإِنْ كانَ الصَّوابُ بِكَفِّهِ ... ويُحْمَدُ آلآءُ البَخيلِ المُدَرْهَمِ (٥) أي: يَحمدون صفاتِ البخيلِ وفِعالهِ. وهذا البيتُ أوضحُ دَلالةً مِمَّا ذكرنا قبلَهُ على معنى الآلاءِ. وقال الحماسيُّ (في المراثي، ولم يُسمِّهِ أبو تَمَّام): إذا ما امرؤٌ أَثْنَى بِآلآءِ مَيّتٍ ... فلا يُبْعِدِ اللهُ الوليدَ بنَ أَدْهَما فَما كان مِفْراحًا إذا الخَيْرُ مَسَّهُ ... ولا كان مَنَّانًا إذا هُو أَنْعَما (٦) فَفَسَّر ما أرادَ من الآلاءِ بذكر أَنَّهُ لم يكن مِفراحًا إذا مَسَّه الخيرُ، ولا مَنَّانًا إذا أَنعمَ. وقالت الخنساءُ: فَبَكى أَخاكَ لآلآئهِ ... إذا المَجدُ ضَيَّعَهُ السَّائِسُونا (٧)» (٨). فهذه ثمانية شواهد شعرية ينتمي غالبها للعصر الجاهلي، توضِّحُ

стр. 185

المعنى الدقيق للآلاء بدون شرحٍ، وقد أضافُ المُحققُ ستة شواهد شعرية جاهلية أخرى تؤيد هذا المعنى. وهذه الشواهد مأخوذة من مصادر الشعر الجاهلي الموثوقة، كحماسةِ أبي تَمَّام والمفضليات والأصمعيات ودواوين الشعراء. يقول مُحققُ كتابهِ المُفردات: «ثُمَّ إِنَّ عددًا كبيرًا من شواهد المؤلف شواهد جديدة لم تَرِد في مظانِّها من كتب التفسير والغريب والمعاجم، مع أَنَّها وردت في الدواوين المشهورة التي رواها علماءُ اللغة، وكانت خليقةً بالتقييد لكونِها تَهدي إلى معنىً جديد لبعض الكلمات، أو وجهٍ جديدٍ من وجوهه، أو تفسيرٍ أدقّ من تفسيره المعروف» (١). وقد ذكر المترجِمون له أَنَّهُ كان يدرسُ الشعر الجاهلي دراسةً عميقةً من أجل هذه الغاية، وهي فهم القرآن الكريم فهمًا دقيقًا، والتوصل لذلك عن طريق الاستشهاد والاحتجاج بالشواهد الشعرية من الشعر الجاهلي. وقد بلغ في علم العربية مبلغًا يلحظه من تأمل مؤلفاته في ذلك. وهذا الباب يفتحُ مجال الاجتهاد والتدرب على مُمارسةِ كلام المتقدمين وشعرِهم، والغوصِ على أسراره.

стр. 186

المبحث السادس: صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي . التفسير اللغوي للقرآن الكريم أحد أنواع التفسير، فقد ذكر المتقدمون أنواعًا للتفسير، حيث يقول الإمام عبدُ الرزاق الصنعانيُّ: «حدثنا الثوري عن ابن عباس ﵄ أَنَّهُ قَسَّمَ التفسير إلى أربعة أقسام: قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يُعذَرُ أحدٌ بِجَهالتهِ، يقول من الحلال والحرام، وقسمٌ يعلمه العلماءُ خاصةً، وقسم لا يعلمه إِلَّا اللهُ، ومن ادَّعى عِلمَه فهو كاذِبٌ» (١). وقد شرح الطبري القسم الأخير منها فقال: «وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس من أَنَّ أحدًا لا يُعذَرُ بِجهالته، معنىً غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله، وإِنَّما هو خَبَرٌ على أَنَّ من تأويله ما لا يَجوزُ لأَحدٍ الجهلُ به» (٢). وزاد الماوردي في الإبانة عن عبارة ابن عباس بأكثر من هذا في تفسيره (٣). والتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها هو ما يَفهمهُ العربيُّ بسليقتهِ، ويُرجعُ فيه إلى لسانهِ بعد انقضاء زمنِ الاحتجاج. قال الزركشي: «فأما الذي تعرفه العربُ، فهو الذي يُرجَعُ فيه إلى لِسَانِهِم، وذلك شأنُ اللغةِ والإعراب» (٤). فقد جعل الزركشي ﵀ التفسيرَ اللغويَّ

стр. 187

مما يعول فيه على معرفة العربي، والأمر الآخر هو التركيب النحوي الذي يدركه العربي الفصيح بداهةً. والتفسير اللغوي للقرآن الكريم هو بَيَانُ معاني القرآن بِمَا وردَ في لغةِ العَربِ، ويشملُ ذلك ألفاظها وأساليبها التي نزل بِهَا القرآن الكريم (١). يقول الشاطبي: «فإن قلنا: إن القرآن نزل بلسان العرب، وإنه عربي، وإنه لا عُجمةَ فيهِ، فيعني أنه أنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها، وأنها فيما فُطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، وظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره ... » (٢). وقد نشأت الحاجةُ إلى تفسير ألفاظ القرآن الكريم لما اتسعت رقعة الفتح الإسلامي، وانتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية التي يعرف أهلها القرآن بفطرتهم، وقد بدأ ذلك مبكرًا في عهد الصحابة، ثم لم تزل الحاجة في ازدياد حتى صنَّفَ العلماءُ في ذلك المصنفات الخاصة بشرح ألفاظ القرآن الكريم شرحًا لغويًا، وكانت في أولها تتناول غريب ألفاظ القرآن، حتى وصلت بعدُ إلى استقصاء معاني مفردات القرآن الكريم (٣). فأما الغريبُ في اللغة فهو الغامضُ من الكلام (٤). وفي اصطلاح المفسرين الألفاظِ الغامضة في القرآن لقلةِ استعمالِها عند قومٍ مُعينين في حقبةٍ مُحددةٍ من الزَّمنِ. (٥)

стр. 188

وألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى، قال أبو حيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين: قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت. وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن» (١). ولهذا بدأ التأليف في الغريب في وقت مبكر لكون الحاجة إليه جاءت مبكرة أيضًا، فقد نُسب كتابٌ في غريب القرآن إلى عبدالله بن عباس ﵄ (٢)، وقام السيوطي بجمع أقوال ابن عباس ﵄ في تفسير مفردات القرآن مما روي من طريق علي بن أبي طلحة (ت ١٢٠ هـ) في فصل مفرد (٣). ولا شك أن مرويات ابن عباس ﵄ في التفسير هي التي مهدت للتدوين في علم غريب القرآن في وقت مبكر، وهيأت المادة الأولى لكل من ألف فيه فيما بعد، ثم توالى التصنيف فيه بعد ذلك، فكتب فيه أبان بن تغلب البكري (ت ١٤١ هـ) كتابه «غريب القرآن»، وكتب فيه محمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦ هـ)، وكتب فيه أبو روق عطية بن الحارث الهمداني. وكل هؤلاء الثلاثة من طبقةٍ واحدةٍ، حيث يقول ياقوت في ترجَمة أبانِ: «صنَّفَ كتابَ «الغريب في القرآن»، وذكر شواهدَهُ من الشعر، فجاء فيما بعدُ عبدُالرحمن بنُ مُحمد الأزدي الكوفي، فجَمَعَ من كتاب أبان ومحمد بن السائب وأبي روق عطية بن الحارث، فجعله كتابًا فيما اختلفوا فيه وما اتفقوا عليه، فتارةً يَجيءُ كتابُ أبان مفردًا، وتارة يَجيءُ مشتركًا على ما عَمِلَهُ عبدُ الرحمن» (٤).

стр. 189

ويُعدُّ الشاهد الشعري جزءًا من التفسير اللغوي للقرآن الكريم، وقد وضح ابن عباس ﵄ العلاقة بين المعنى اللغوي لألفاظ القرآن الكريم والشعر العربي، فقال: «إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر فإنه ديوان العرب» (١). وقوله كذلك: «إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب» (٢). وقد سبقه إلى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عندما سأل عن معنى التخوف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (٣) فقام رجل من هذيل، فقال: هذه لغتُنَا، التَّخَوُّفُ: التَّنَقُصُ، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا يصف ناقته: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ منها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفِنُ (٤) فقال عمر: «عليكم بديوانِكم لا تَضِلُّوا. قالوا: وما دِيوانُنا؟ قال: شعرُ الجاهليَّةِ؛ فإِنَّ فيهِ تفسيرُ كتابِكُم، ومَعاني كلامِكُم» (٥). غير أن ابن عباس قد أكثر من الاستشهاد بالشعر في التفسير، مما جعل هذا المنهج ينسب إليه كأَوَّلِ مَن فتح هذا الباب، ونهجه للمفسرين من بعده (٦)، فقد تابعه على هذا المنهج من أخذ عنه من التابعين، ثم من بعدهم حتى حُفظَ هذا المنهجُ وتطبيقُهُ في أوائل كتب التفسير، ولغة القرآن مثل «مجاز

стр. 190

القرآن» لأبي عبيدة، و «معاني القرآن» للفراء، وتفسير الطبري وغيرها. وقد أحصيتُ الشواهد الشعرية في كتب التفسير والمعاني والغريب محل الدراسة، فكانت على النحو التالي: الكتاب ... المؤلف ... عدد الشواهد مجاز القرآن ... أبو عبيدة «ت ٢١٠ هـ» ... ٩٥٢ معاني القرآن ... الفراء «ت ٢٠٧ هـ» ... ٧٨٥ غريب القرآن ... ابن قتيبة «ت ٢٧٦ هـ» ... ١٨٢ تأويل مشكل القرآن ... ابن قتيبة «ت ٢٧٦ هـ» ... ٣٦١ تفسير الطبري ... محمد بن جرير «ت ٣١٠ هـ» ... ٢٢٦٠ الكشاف ... الزمخشري «ت ٥٣٨ هـ» ... ٩٠١ المحرر الوجيز ... ابن عطية «ت ٥٤٢ هـ» ... ١٩٨١ الجامع لأحكام القرآن ... القرطبي «ت ٦٧١ هـ» ... ٤٨٠٧ ويمكن تسجيل بعض السمات لتعامل هؤلاء المفسرين مع الشواهد الشعرية: أولًا: أول هذه الكتب من حيث التأليف هو كتاب «مجاز القرآن» ظهر فيه الاعتماد على الشاهد الشعري بشكل ملحوظ؛ مما جعل بعض العلماء حينذاك يعارضونه معارضةً شديدةً (١)، وقد ذكر العسكري أَنَّ أبا عبيدة تأثر في منهجه هذا بما حُفِظَ عن ابن عباس من مسائل نافع بن الأزرق فقال عن أبي عبيدةَ: «صنَّفَ كتابَ المَجازِ، وأَخَذَ ذلك من ابن عباس حينَ سأله نافعُ بن الأزرق عن أشياءَ من غريب القرآنِ، ففسَّرها لَهُ واستشهد عليها بأبياتٍ من شعر العربِ، وهو أَوَّلُ ما رُوي في ذلك، وهو خَبَرٌ معروفٌ» (٢).

стр. 191

ثانيًا: الصفة المميزة لكتاب أبي عبيدة اعتمادُهُ الدليلَ اللغوي أصلًا ثابتًا ورئيسًا في التفسير، ولعله تأثر في ذلك بشيخه أبي عمرو بن العلاء، الذي اقتبس منه هذه الطريقة في تفسير القرآن الكريم، والاستشهاد على ذلك بشعر العرب (١). حيث كان الشعر بعد القرآن من أهم ما تلقى أبو عبيدة عن أبي عمرو (٢). ثالثًا: أغفل أبو عبيدة أصولًا تفسيرية أخرى كان الإجماع منعقدًا عليها عند المفسرين من قبل، كالعناية بتفسير السلف؛ مما جعل تفسيره تفسيرًا لغويًا محضًا، وقد اعتبر هذا المسلك خروجًا على ما كان عليه علماء اللغة والتفسير الذين كانوا يتحرجون أشد الحرج ويلتزمون بآثار السلف. وقد تعقبه الطبري في كثير من المواضع التي فسر فيها القرآن الكريم، ووصفه بأنه «مِمن ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير» (٣). مشيرًا بذلك إلى اكتفاء أبي عبيدة باللغة في التفسير، دون غيرها من المصادر. وقد تَحرَّجَ كثيرٌ من السلف من تفسير القرآن الكريم خوفًا من الدخول في الوعيد الذي ثبت في ذلك في قول النبي ﷺ : «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (٤). غير أن كثيرًا من العلماء نبه إلى أن التفسير بما ثبت في لغة العرب إذا لم يرد في الآية تفسير عن النبي ﷺ أو الصحابة ليس من التفسير بالرأي المذموم، وإنما هو تفسيرٌ بِعِلْمٍ؛ فإن القرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (٥)، ولذلك قال الماوردي نافيًا أن يكون التفسير باللغة من التفسير بالرأي المذموم وذلك تعليقًا على الحديث السابق: «قد حَمَلَ بعضُ المتورعة هذا

стр. 192

الحديث على ظاهره، وامتنع من أن يستنبط معاني القرآن باجتهاده، ولو صحبتها الشواهد، ولم يعارض شواهدها نص صريح. وهذا عدول عمَّا تُعبدنا بمعرفته من النظر في القرآن واستنباط الأحكام منه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] (١)» (٢). بل إن في عمل المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم ما يدل على أن الأخذ بلغة العرب في التفسير يشبه أن يكون إجماعًا عندهم، وقد حُكِيَ هذا الإجماعُ عنهم (٣). وإذا عُلِمَ «أن ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يُحفظْ من المنثور عُشرُهُ، ولا ضاع من الموزون عُشرُهُ» (٤) فإنَّ أكثر ما حُفظ من كلام العرب قبل الإسلام هو الشعر لا النثر، وذلك «أن العرب الذين هم أصل الفصاحة كانَ جُلُّ كلامهم شعرًا، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلا يسيرًا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر ... والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر» (٥) وتحقيق ما أُمِرَ به المسلمُ من تدبر القرآن الكريم، يحوج إلى دراسة اللغة العربية، بناءً على أَنَّ مَا لا يتمُّ الواجب إِلَّا بهِ فهو واجبٌ، وحيث إِنَّ الشعرَ يأتي في الذروة مما حفظ من لغة العرب فلزم العناية به، وخاصة ما نقله العلماء من الشواهد الشعرية، التي تعد صفوة ما يمكن أن ينتقى للاستشهاد والاحتجاج. ويمكن إبراز صلة الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم من خلال الأوجه التالية:

стр. 193

أولًا: الاستدلال بالشاهد الشعري على المعنى اللغوي . وظَّفَ المفسرون شواهد الشعر في شرحهم ألفاظ القرآن، وتبين دلالتها، ومعرفة المعاني اللغوية التي تدل عليها هذه الألفاظ عند العرب قبل نزول القرآن الكريم، وذلك لتتضح دلالة هذه الألفاظ لمن لا يعرف لغة العرب من جهة، وللرد على من طعن في عربية بعض ألفاظ القرآن الكريم من جهة ثانية (١). وقد كان لإيراد الشاهد الشعري والاستعانة به في شرح معاني ألفاظ القرآن صور متعددة في كتب التفسير، من أهمها: - أن يجيء الشاهد الشعري وحده مفسرًا الدلالة اللغوية، دون الحاجة إلى شرح للفظة القرآنية، ومن أمثلة ذلك أن أعرابيًا جاء إلى ابن عباس، يشكو أخاه فقال: تَخَوَّفَنِي مَالي أَخٌ لِيَ ظَالِمٌ ... فَلا تَخْذُلَّنِي اليومَ يَا خَيرَ مَنْ بَقِيْ (٢) فقال ابن عباس: تَخوَّفَكَ، أَي: تَنَقَّصَكَ؟ قال: نعم. قال: الله أكبر، ﴿يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] (٣) أي تَنَقُّصٍ مِن خِيارهم (٤). فقد جَمع ابن عباس بين معنى اللفظة في الشعر الذي سَمِعه، وفي الآية القرآنية، فكان في ذلك تفسيرًا لهذه اللفظة. ويكثر التأكيد من المفسرين على أن معنى اللفظة في هذه الآية أو تلك هو نظير معناها في الشاهد الشعري الذي أورده. * أن تذكر الدلالة اللغوية، ثم يؤتى بالشاهد الشعري شاهدًا لها. وذلك مثل قول الطبري في معنى «زَنِيْم» في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ [القلم: ١٣] (٥) حيث قال: «الزَّنيمُ في كلام العرب: المُلْصَقُ بالقَومِ وليس منهم، ومنه قول حسان بن ثابت:

стр. 194

وَأَنْتَ زَنِيمٌ نِيْطَ في آَلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِيْطَ خَلْفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْدُ (١) وقال آخر: زَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبوُهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيْمِ (٢)» (٣). ومن الملحوظ أن السلف من الصحابةِ والتابعينَ ومن بعدهم بقليل كانوا يكتفون بإيراد الشاهد من الشعر دون الحاجة لشرحه للسائل، وهذا يعود إلى أنَّ فَهْمَ الشِّعْرِ كان أمرًا شائعًا في تلك الطبقات، حتى قال عمر ﵁: «كانَ الشعرُ علمَ قومٍ لم يكنْ لهم علمٌ أصحّ منه» (٤). فلم يكن العربي الذي يستمع إلى الشعر حينئذٍ بحاجةٍ إلى من يفسِّر له المراد باللفظ في بيت الشعر. ومن الأمثلة على ذلك قول ابن عباس لمن سأله عن معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (٥) فقال: ما جَمَعَ، ألم تسمع قول الشاعر: (٦) مُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (٧) حيث اكتفى بتذكير السائلِ بالشاهد من الشعرِ، دونَ أَن يزيد على ذلك، اكتفاءًا بسليقةِ السائلِ، وثقةً في فهمه للشعر. ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وأما قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] (٨). فمعناه في جنات إقامة وثبوت، يقال: عَدَنَ الشيءُ في المكانِ إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي موضع ثبوت الشيء. ومنه قول الأعشى:

стр. 195

وإِنْ يَسْتَضِيفُوا إلى حِلْمِهِ ... يُضافوا إلى راجِحٍ قد عَدَنْ (١) هذا الكلام اللغوي» (٢). وهناك رواية أخرى للبيت «وَزَن» بدل «عَدَن»، وقد نبَّه عليها الطبريُّ. (٣) فقول ابن عطية هنا: «هذا الكلام اللغوي»، معناه: التفسير اللغوي، كما في الشاهد الشعري دون أن يشرح ابن عطية اللفظة في الشاهد الشعري؛ اتكالًا على فهم القارئ للشِّعر، فإن لم يتمكن القارئ من فهم العلاقة بين الشواهد والآية، فليرجع إلى شروح تلك الأشعار في مظانها. وفي هذه الصورةِ رُبَّما أطال المفسِّرُ في توضيح المفردة القرآنية بالشواهد الشعرية بعد تفسيرها كما في تفسير ابن عطية لقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ [مريم: ١٣] (٤)، حيث فسر معنى الحنَان فقال: «والحنانُ: الرَّحْمَةُ، والشَّفَقَةُ، والمَحبَّةُ، قاله جُمهور المفسرين، وهو تفسيرُ اللغةِ ... ومن الشواهد في الحَنَانِ قول امرئ القيس: وتَمنحُها بنو شَمَجَى بنِ جَرْمٍ ... مَعِيْزَهُمُ حَنَانَكَ ذا الحَنَانِ (٥) وقال النابغة: أبا منذرٍ أفنيتَ فاستبقِ بعضَنَا ... حنَانيكَ بعضُ الشَّرِّ أهونُ منْ بَعضِ (٦) وقال الآخر: فقالت حنانٌ ما أَتى بكَ هَا هُنَا ... أَذُو نَسبٍ أم أنتَ بالحيِّ عَارِفُ (٧)» (٨).

стр. 196

فهو هنا قد أورد ثلاثة شواهد شعرية لتوضيح معنى الحنان في اللغة، بعد أن بَيَّنَ دلالته اللغوية، وهذا الغالب في إيراد الشواهد الشعرية عند المفسرين، حيث يورده المفسرون بعد إيضاح الدلالة اللغوية للفظة، فيكون شاهدًا للمعنى يُفَسِّرُه. * أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولبعضها شواهد دون بعض. وذلك مثل تفسير «السَّكَرِ» في قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] (١)، حيث قال أبو عبيدة في تفسيرها: «أي: طُعْمًا، ويقال: جعلوا لك هذا سَكَرًا، أي: طعمًا، وهذا سَكَرٌ، أي: طُعْمٌ، وقال جَنْدَلُ (٢): جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (٣)» (٤). وقد اعترضه الزجاج في دلالة اللفظ، فقال: «وقالوا في تفسير قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: إنه الخمرُ قبل أن تُحَرَّم، والرزق الحسن يؤكل من الأعناب والتمور. وقيل: إن معنى السَّكَرِ: الطُّعمُ، وأنشدوا: جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرا (٦) أي: جعلت دمهم (٥) طُعْمًا لك، وهذا بالتفسير الأول أشبه، والمعنى: جعلت تَتَخَمَّرُ بأَعراض الكرام، وهو أَبْيَنُ فيما يقالُ: الذي يَتَبَرك (٦) في أعراض ... الناس». (٧) وفي لغة العرب: «وقيل: السَّكَرُ -

стр. 197

بالتحريك - الطعامُ، وأنكر أهلُ اللغة هذا، والعرب لا تعرفه». (١) في حين عدَّ الطبريُّ هذا المعنى أحد معاني السَّكَرِ عند العرب (٢). ومن الأمثلة كذلك تفسير الطبري للتلاوة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٣)، حيث قال: «ولقول القائل: هو يتلو كذا، في كلام العرب معنيان: أحدهما الاتباع، كما يقال: تلوت فلانًا، إذا مشيت خلفه، وتبعت أثره. كما قال جل ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] (٤) يعني بذلك: تتبع. والآخر: القراءة والدراسة، كما تقول: فلانٌ يتلو القرآنَ، بمعنى: أنه يقرأه ويدرسه، كما قال حسان بن ثابت: نَبِيٌّ يَرَى مَا لايَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ ... ويَتْلُو كِتَابَ اللهِ في كُلِّ مَشْهَدِ (٥)» (٦). فالطبري أورد دلالتين لغويتين للتلاوة، فاستشهد على الأولى بقراءة من القراءات المتواترة، واستشهد على الدلالة الثانية بشاهد شعري. * أن تتعدد الدلالة اللغوية، ولجميعها شواهد. ومن ذلك تفسير المَخْمَصَةِ في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] (٧) حيث يقول الطبري: «في مخمصة، يعني: في مجاعةٍ، وهي مفعلةٌ ... مِنْ خَمَصِ البَطْنِ، وهو اضطماره، وأظنه هو في هذا الموضع، معنيٌّ به اضطماره من الجوع وشدة السَّغَبِ، ولكنْ مِنْ خِلْقَةٍ، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بِخَمَصِ البطن:

стр. 198

والبَطْنُ ذُو عُكَنٍ خَمِيصٌ لَيّنٌ ... والنَّحْرُ تَنْفُجُهُ بثَدْيٍ مُقْعَدِ (١) فمعلومٌ أنه لم يرد صفتها بقوله: «خميصٌ» بالهُزالِ والضر من الجوع، ولكنه أراد وصفها بلطافة طي ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها؛ لأن ذلك مما يحمد من النساء. ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر من ذلك قول أعشى بني ثعلبة: تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونُكُمْ ... وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا (٢) يعني بذلك: يَبِتْنَ مُضطمراتِ البطون من الجوع والسَّغَبِ والضُّرِّ، فمن هذا المعنى قوله: في مَخْمَصةٍ» (٣). وهذا الاستقصاء الدقيق لمعاني المخمصة في الشعر العربي، والمعنى المناسب منها لدلالة اللفظة في الآية الكريمة عليه حُسْنُ بَصَرٍ من الطبري ﵀ بالتفسير والشعر معًا، بل إن شرحه لبيت النابغة أوفى من شرح شارح الديوان (٤). بواعث الاستشهاد: - قد يكون الباعث على الاستشهاد هو غموض دلالة اللفظة، كما فعل أبو عبيدة في تفسير الطلح في قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] (٥)، حيث قال: «زعم المفسرونَ أَنَّهُ الموزُ، وأَمَّا العربُ فالطلحُ عندهم شَجَرٌ عظيمٌ، كثيرُ الشوك، وقال الحادي: (٦) بَشَّرَهَا دَليلُها وقَالا ... غَدًا تَرَيْنَ الطلحَ والحِبَالا (٧)» (٨). فأبو عبيدة ذكر قول المفسرين أولًا في المراد بالطلح وأنه الموز، ولكنه ذكر معنى آخر للطلح عند العرب وهو نوعٌ من الشجر، وقد استند

стр. 199

في ذلك التفسير إلى شاهد شعريٍّ، ، وهذا المعنى غامض، مما دفع الطبريّ للتعقيب على كلام أبي عبيدة بقوله: «وأما الطلح فإن معمر بن المثنى كان يقول: هو عند العرب شَجَرٌ عِظَامٌ، كثير الشوك. وأنشد لبعض الحداة ... وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون: إنه الموزُ» (١). فتفسير أبي عبيدة اللغوي اعتمد على شاهد شعري، مع ذكره تفسير ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين، ولكن الطبري عاب أبا عبيدة بذلك في مواضع كثيرة من تفسيره، وقد كثرت تعقبات الطبري لأبي عبيدة في فهمه للشواهد الشعرية (٢). - وقد يكون الاستشهاد للاشتراك في معنى اللفظة، ومن أمثلة ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩] (٣) قال: «أي به يَنْجُونَ، وهو من العَصَرِ، وهي العُصْرَةُ أيضًا، وهي المَنْجَاةُ، قال: (٤) ................... ... وَلَقَدْ كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (٥) أي المقهور المغلوبُ، وقال لبيد: فَبَاتَ وأَسْرَى القَومُ آخرَ لَيْلِهِمْ ... ومَا كانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ (٦)» (٧). فتعقبه الطبري بقوله: «وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه

стр. 200

معنى قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] إلى: وفيه يَنْجُونَ من الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويزعم أنه من العَصَرِ والعُصْرَةِ التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي: صَادِيًا يَستغيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ ... وَلَقَدْ كانَ عُصرَةَ المَنْجُودِ أي المقهور، ومن قول لبيد: فَبَاتَ وأَسْرَى القَومُ آخرَ لَيْلِهِمْ ... ومَا كانَ وَقَّافًا بِغَيْرِ مُعَصَّرِ وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (١). فالطبري هنا يرد تفسير اللغة الذي ذهب إليه أبو عبيدة لمخالفته لتفسير الصحابة والتابعين، الذين فسروه بأن معناه تعصرون الزيت والسمسم، أو تحلبون الحليب (٢). وهذا يعني أن التفسير اللغوي الذي ينفرد به أحد علماء اللغة كأبي عبيدة إذا خالف ما أجمع عليه السلف ممن قبله من الصحابة والتابعين وأتباعهم فإنه يرد، فالسلف هم أهل اللغة، وهم الذين شاهدوا التنْزِيل، وصحبوا الرسول ﷺ ، فكانوا أولى بإصابة الحق، وأولى بالاتباع، ولذلك قال الطبري في تعقبه لتفسير أبي عبيدة: «وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (٣). ثانيًا: الاستدلال بالشاهد الشعري لبيان أساليب القرآن . عُنِيَ المفسرون بدراسة الأساليب القرآنية، ووازنوا بينها وبين الأساليب العربية في الشواهد الشعرية، وكثيرًا ما تقرأ قولهم: «وهذا نظير قول الشاعر»، أو: «ومثله قول الشاعر». وذلك لأن القرآن الكريم فيه: «ما في الكلام العربي من الغريب والمعاني، ومن المُحتمل مِن

стр. 201

مَجَازِ ما اخْتُصِرَ، ومَجَازِ ما حُذِفَ، ومَجَازِ ما كُفَّ عَن خَبَره، ومَجَازِ ما جاء لفظهُ لفظَ الواحدِ وَوَقَعَ على الجمع، ومَجازِ ما جاء على الجمعِ ووقع معناه على الاثنين» (١). ومن الأمثلة على ذلك قول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢] (٢): «والعرب إذا بدأت بالأسماء قبل الفعل جعلت أفعالها على العدد، فهذا المُستعملُ، وقد يجوز أن يكون الفعل على لفظ الواحد كأَنَّهُ مقدمٌ ومؤخرٌ، كقولك: وتفيض أَعينُهُم. كما قال الأعشى: فَإِنْ تَعْهَدِيْنِي وَلِيْ لِمَّةٌ ... فَإِنَّ الحَوادثَ أَودى بِهَا (٣) ووجه الكلام أن يقولَ: أَودينَ بِهَا، فلما توسَّعَ للقافيةِ جازَ على النَّكْسِ (٤). كأنه قال: فإنه أودى الحوادث بها» (٥). وهو هنا يشير إلى حال الفعل مع الفاعل في حال المثنى والجمع، وهذا من الأساليب النحوية. وربما اختلفَ المفسرونَ في حَملِ الآية على معنى بعض الشواهد من شعر العرب، ومن ذلك أن أبا عبيدة قد ذهب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] (٦) وأمثالها، إلى أن معناه: «وقلنا للملائكة، و «إذ» من حروف الزوائد، وقال الأسود بن يَعْفُر: فَإِذَا وذلكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... والدهرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بِفَسَادِ (٧) ومعناها: وذلك لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ، لا طعم ولا فضل، وقال عبد مناف بن رِبْعٍ الهُذَليُّ وهو آخر قصيدة:

стр. 202

حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلاًّ كمَا تَطردُ الجَمَّالةُ الشُرُدَا (١) معناه: حتى أسلكوهم» (٢). وهذان الشاهدان اللذان ذكرهما أبو عبيدة يصحان في (إِذَا) وليس في (إِذْ)، فالكلام هنا مختلف. وقد تعقبه الطبري فقال: «زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة، أن تأويل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ [البقرة: ٣٠] (٣): وقال ربك. وأَنَّ (إِذْ) من الحروف الزوائد، وأن معناها الحذفُ. واعتلَّ لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يعفر ... ». ثم ساق الشاهدين. ثم عقب على ذلك بقوله: «قال أبو جعفر: والأمر في ذلك بخلاف ما قال، وذلك أنَّ (إِذْ) حرفٌ يأتي بمعنى الجزاء، ويدل على مجهول من الوقت، وغير جائزٍ إبطال حرف كان دليلًا على معنى في الكلام. إذ سواء قيلُ قائلٍ: هو بمعنى التَطوُّل، وهو في الكلام دليل على معنىً مفهوم - وقيلُ آخر في جميع الكلام الذي نطق به دليلًا على ما أريد به: هو بمعنى التطوُّل. وليس لما ادعى الذي وصفنا قوله في بيت الأسود بن يعفر أن (إذا) بمعنى التطول وجه مفهوم، بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله: ............................ ... فَإِذَا وذلكَ لا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ وذلك أنه أراد بقوله: «فإذا»: فإذا الذي نحن فيه، وما مضى من عيشنا. وأشار بقوله: «ذلك» إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه «لا مَهَاهَ لذكره» يعني: لا طعمَ له ولا فضلَ؛ لإعقاب الدهر صالح ذلك بفساد. وكذلك معنى قول عبد مناف بن رِبْعٍ: حتى إذَا أَسْلَكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا .............................

стр. 203

لو أسقط منه إذا بطل معنى الكلام؛ لأن معناه: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلاًّ. فدل قوله: «أسلكوهم شلًّا» على معنى المحذوف، فاستغنى عن ذكره بدلالة (إذا) عليه فحذف، كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل العرب في نظائر ذلك، وكما قال النمر بن تولب: فإِنَّ المنيَّةَ مَنْ يَخْشَهَا ... فَسوفَ تُصَادفهُ أَيْنَمَا (١) وهو يريد: أينما ذهب ... الخ» (٢). وفي المثال السابق ما يدل على ما قد يقع من الخطأ في الاستشهاد بالشاهد الشعري، فأبو عبيدة قد استشهد بشواهد على «إذا»، في موضع كان ينبغي له أن يورد فيه شواهد على «إِذْ»، ولذلك تعقبه الطبري. ومن أمثلة ذلك ما ذكره القرطبي حيث يقول: «قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾ [النساء: ٨٣] (٣) في «إذا» معنى الشرط، ولا يجازى بها وإن زيدت عليها «ما» وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه: والجيِّدُ ما قال كعب بن زهير: وإذا مَا تشاءُ تبعثُ منها ... مغربَ الشمسِ نَاشِطًا مَذعُورا (٤) يعني أن الجيد لا يجزم بإذا «ما» كما لم يجزم في هذا البيت» (٥). فهو هنا قد اتخذ من الشاهد الشعري دليلًا على ما ذهب إليه من استحسان عدم الجزم بـ «إذا» كأسلوب من أساليب العربية، وأن الجيد هو رفع ما بعد إذا على ما يجب فيها، وهو أجود من الجزم بها (٦). وهذا استدلال بالشاهد الشعري على الأسلوب اللغوي الجيد.

стр. 204

ثالثًا: الاستدلال بالشاهد الشعري للحكم بعربية الألفاظ والأساليب . يعقب المفسرون على بعض المفردات أو الأساليب بوصفها بالفصاحة، أو الجودة، أو ناسبين تلك اللغة إلى قبيلة من قبائل العرب، معتمدين في ذلك الحكم على شاهد من شواهد الشعر، ويكثر ذلك عند الموازنة بين القراءات القرآنية، ولا سيما الإمام الطبري. ومن ذلك قوله ﵀: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠)﴾ [القيامة: ١٠] (١) وبفتح الفاء، قرأ ذلك قرأةُ الأمصار؛ لأن العين في «يَفْعِل» مكسورة، وإذا كانت العين من «يفعِل» مكسورة، فإن العرب تفتحها في المصدر منه، إذا نطقت به على «يَفْعِلُ»، فتقول: فَرَّ يَفِرُّ مَفَرًّا. بمعنى: فرارًا، كما قال الشاعر: (٢) يا لَبَكْرٍ أَنشِروا لي كُليبًا ... يا لبَكْرٍ أينَ أينَ الفرارُ (٣) فإذا أُريد بهذا هذا المعنى من مَفْعلٍ قالوا: أين المَفَرُّ؟ بفتح الفاء. وكذلك المدَبُّ من دبَّ يَدِبُّ، كما قال بعضهم: كأَنَّ بقايا الأَثْرِ فوقَ متونهِ ... مَدَبُّ الدَّبَى فوق النَّقَا وهو سارحُ (٤) وقد يُنشَدُ بكسر الدال، والفتح فيها أكثر، وقد تنطق العرب بذلك، وهو مصدر بكسر العين، وزعم الفراء أنهما لغتان، وأنه سمع: جاءَ على مَدَبِّ السَّيلِ، ومَدِبِّ السيلِ، وما في قميصِهِ مَصَحٌّ ومَصِحٌّ» (٥). فهو قد جعل الشاهد الشعري مستندًا في تصحيح اللغتين في الكلمة، وذلك بناء على رواية الفراء وهو ثقة لذلك عن العرب (٦). ومن الأمثلة كذلك قوله: «والصواب من القول في ذلك: أَنَّ

стр. 205

الشِّهابَ إذا أريد به أنه غيرُ القَبَسِ، فالقراءة فيه بالإضافة؛ لأَنَّ معنى الكلام حينئذ، ما بَيَّنَا من أنه شُعلَةُ قَبَسٍ، كما قال الشاعر (١): في كفهِ صَعدةٌ مُثقفَةٌ ... فيها سِنَانٌ كَشُعلةِ القَبَسِ (٢) وإذا أريد بالشهاب أنه هو القَبَسُ، أو أنه نعتٌ له، فالصواب في الشهابِ التنوينُ؛ لأنَّ الصحيح في كلام العرب تركُ إضافةِ الاسم إلى نعته، وإلى نفسه، بل الإضافات في كلامها المعروفةُ إضافةُ الشيء إلى غير نفسه وغير نعته» (٣). وهذه مسألة نحوية. ويقول الطبري: «ومعنى قولهم: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩] (٤) لم تأت عليه السنون فيتغير، على لغة من قال: أَسْنَهْتُ عندَكُم، أَسْنَهُ، إذا قامَ سَنَةً، كما قال الشاعر (٥): وليستْ بِسَنْهَاءٍ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولكنْ عَرايَا في السنينِ الجوائحِ (٦) فجعل الهاء في السنة أصلًا، وهي اللغةُ الفصحى» (٧). ومن الأمثلة كذلك قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس: ٥١] (٨): «أي القبور. وقُرئ بالفاء: (من الأَجْدَافِ) (٩)، ذكره الزمخشري (١٠). يقال: جَدَثْ

стр. 206

وجَدَفْ. واللغة الفصيحة الجدث بالثاء، والجمع أَجْدُثٌ وأَجْدَاثٌ، قال المتنخلُ الهُذَليُّ: عَرَفْتُ بِأَجْدُثٍ فَنِعَافِ عِرْقٍ ... عَلامَاتٍ كَتَحْبِيْرِ النِّمَاطِ (١)» (٢). رابعًا: الاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات . يعتني المفسرون في كتب التفسير بتوجيه القراءات القرآنية من حيث الإعراب، ويستعينون على ذلك بشواهد الشعر التي تؤيد مذاهبهم الإعرابية. وهذه المواضع من أكثر المواضع التي يلجأ فيها المفسرون إلى دعم ما يذهبون إليه من الآراء بالشواهد الشعرية، ولا سيما النحوية منها. ومن الأمثلة على ذلك: عند تفسير ابن عطية لقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩] (٣) قال: «واختلف القُراءُ في ﴿يُخَادِعُونَ﴾ الثاني، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ... فوجهُ قراءة ابن كثير ومَنْ ذُكِرَ إحراز تناسب اللفظ، وأن يُسَمَّى الفعلُ الثاني باسم الفعل الأول المسبب له، ويجيء ذلك كما قال الشاعر (٤): ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينَا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجَاهلينَا (٥) فجعلَ انتصارَهُ جَهْلًا» (٦). حيث وَجَّهَ قراءة ابن كثير ومن وافقه أنه من باب تناسب اللفظ، وأن قوله ﴿يُخَادِعُونَ﴾ ههنا بِمعنى: ﴿يَخْدَعُونَ﴾؛ «فإِنَّ فاعلَ قد جاءَ والفعلُ فيه من واحدٍ، كعاقبتُ اللصَّ، وطَارقتُ النَّعلَ، وإِنَّمَا جاء ههنا فَاعَلَ بِمعنى فَعَلَ لِيُشَاكِلَ لفظهُ لفظَ الأَوَّلِ، وإن

стр. 207

كان المعنى غير الأول طلبًا لمزاوجة اللفظ». (١) واستشهد على صحة ذلك، وأن العرب تفعله، بقول الشاعر (٢). وقال ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨] (٣): «وقرأ ابنُ كثيرٍ وعبيد عن أبي عمرو: ﴿وَكَائِنْ﴾ ممدودٌ مهموزٌ (٤)، كما قال الشاعر: وكائِنْ بالأَبَاطحِ من صديفٍ (٥)» (٦) ... ....................................... فقراءة أبي عمرو هنا صحيحة، وابن عطية يلتمس ما يشهد لهذه القراءة من اللغة، فاستشهد بالشاهد الشعري على صحة هذا الوجه لغةً. وقال ابن عطية: «وقراءة أبي بن كعب فيما حكى الكسائي: ﴿أو يُسْلِمُوا﴾ بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر قول امرئ القيس: فقلتُ لهُ: لا تبكِ عَيناكَ إِنَّمَا ... نُحاولُ ملكًا أو نَموتَ فَنُعذرا (٧) يروى: نَمُوتَ بالنصبِ، ونَموتُ بالرفع. فالنصبُ على تقدير: أو يكونَ أَنْ نَموتَ، والرفعُ على القطعِ، أَو نَحنُ نَموتُ» (٨). فهو هنا يشير إلى القراءة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (٩) فقد قرأ الجمهور بإثبات النون رفعًا، وهو عطف على ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الاستئناف، على تقدير: أو هم يسلمون.

стр. 208

وقرأ أُبَيُّ بن كعب، وزيدُ بن علي، وعبدالله بن مسعود ﴿أَوْ يُسْلِمُوا﴾ بحذف النون، وهو منصوب بتقدير (أن) في قول الجمهور من البصريين على تقدير: إِلَّا أَن يُسْلِموا. وعند الكسائي والجرمي على تقدير: (حتى يسلموا) (١). ويقول القرطبي: «وقرأ طلحة بن سليمان: ﴿يُدركُكُمُ﴾ برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله: مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشكرُهُا (٢) أراد: فالله يشكرها» (٣). وهو هنا يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] (٤) وقد رَدَّ ابنُ مُجاهد هذه القراءة في العربية، وحكم عليها أبو حيان بالضعف (٥). غير أن ابن جني لم يرتض ذلك وقال: «وهو لعمري ضعيف في العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود؛ لأنه قد جاء عنهم، ولو قال [أي ابن مجاهد]: مردود في القرآن لكان أصح معنى، وذلك أنه على حذف الفاء، كأنه قال: فيدرككم الموت ... » (٦). وقد ظهر اهتمام المفسرين بالشعر في فهم الدلالة اللغوية للألفاظ القرآنية مبكرًا منذ بدء التفسير، فقد كان المفسرون من علماء اللغة الذين يحرصون على حفظ الشعر، وقراءة الدواوين ودراستها، حتى ذكر الواحدي أنه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي ثم قال: «وقرأت عليه الكثير من الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي ﵀ يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلا قضيت

стр. 209

حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداءُ من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ﵀. فقلتُ: يا أَبتِ! إِنَّما أَتدرَّجُ بِهذا إلى ذلك الذي تريدُ، وإذا لم أُحْكِمِ الأدبَ بِجِدٍّ وتَعَب، لم أَرْمِ في غَرضِ التفسيرِ عَنْ كَثَب ... » (١). وهذا الطبري يقول في التأكيد على أن الشواهد الشعرية الصحيحة عمدة المفسر في معرفة الدلالة اللغوية للألفاظ القرآنية فيقول في ذلك: «وأصحهم برهانًا فيما ترجمَ وبَيَّنَ من ذلك مما كان مدركًا من جهة اللسان، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة .. » (٢). بل لم يكن هذا محل عناية المفسرين فحسب، بل إن ابن هشام في السيرة النبوية، يعرض لتفسير بعض الآيات مستعينًا على ذلك بالشعر، فمن ذلك: «قال ابن هشام: (أَيَّانَ مُرسَاها): متى مرساها. يعني بذلك: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] (٣) قال قيسُ بنُ الحداديةِ الخزاعيُّ (٤): فَجِئْتُ وَمَخْفَى السِّرِّ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... لأَسْأَلَهَا أَيَّانَ مَنْ سَارَ رَاجِعُ (٥)

стр. 210

ومرساها: منتهاها، وجَمعهُ: مَرَاسٍ، قال الكميت بن زيد الأسدي: وَالمُصِيْبِيْنَ بَابَ مَا أَخْطَأَ النَّا ... سُ وَمُرْسَى قَواعدِ الإِسْلامِ (١) ومُرْسَى السفينةِ: حيثُ تَنْتهي» (٢). وكذلك أشار شُرَّاحُ الشعر، وجامعو المَجموعات الشعرية إلى أهمية الشعر في تفسير القرآن، قال القرشي في مقدمة مختاراته من شعر العرب: «هذا كتابُ جَمْهَرَةِ أشعار العرب في الجاهلية والإسلام الذين نزل القرآن بألسنتهم، واشتقت العربية من ألفاظهم، واتُّخِذَت الشواهدُ في معاني الحديث من أشعارهم» (٣). وقال أبو هلال العسكري وهو يعدد فضائل الشعر: «ومن ذلك أيضًا أن الشواهد تنزع من الشعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن، وأخبار الرسول شاهد» (٤).

стр. 211

المبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي وخطره على تفسير القرآن . العربُ أهلُ فصاحةٍ وبَيَانٍ، وأهل شِعْرٍ وخَطَابة، وقد «كان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون» (١)، وقد أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وكان نزوله حادثة فريدة في تاريخ البشر، وفي تاريخ الأنبياء صلوات الله عليهم، ولذلك « ... كان الذين آمنوا بهذا الكتاب - كتاب الله - هم العربُ الجاهليين أصحاب «الشعر الجاهلي»، فصورة هذا العصرِ، وصُورُ رِجَالهِ أَسَاسٌ لا غِنَى عنه في قضيةِ صحةِ الشعرِ الجاهلي، وفي قضية صحةِ روايته» (٢). وقد تَحدَّى الله العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وكان إعجاز القرآن الذي تحدى الله به العربَ إعجازًا بيانيًا مرتبطًا بلغتهم العربية، التي يُمثِّلُ الشعرُ أعلى مُستوياتِها، ولا سيما شعر الجاهلية «الذي هو أقوى الشعر وأفحله» (٣)، وهو الأصل الذي انبثق منه الشعر العربي في سائر العصور، فكان الطعن في هذا الشعر طعنًا في لغة القرآن، وطعنًا في شواهدها التي عَوَّلَ عليها المفسرون، وذلك لأنَّ مطالبة العرب بأن يؤمنوا بأن محمدًا ﷺ رسولٌ من الله أرسله إليهم، يبلغهم عن ربهم،

стр. 212

حقيقة تاريخية واقعة لا شك فيها؛ لأنه «مُحالٌ أن يفجأ الله عباده من عَربِ الجاهلية بهذا التبيُّنِ الذي طالبهم به، وهم خِلْوٌ من القدرة عليه، فكان لزامًا أن تكون لهم قدرة يعلمها سبحانه فيهم، وإن جهلوها هم من أنفسهم من قبل أن يطالبوا بهذا التبين، وإلا يكن ذلك كذلك، كانت المطالبة تعجيزًا محضًا لعباده، يسقط منهم التكليف الذي تقتضيه هذه المطالبة» (١). وقد تعرض هذا الشعر في العصور المتأخرة إلى الطعن في صحته من قبل عدد من الباحثين من المستشرقين والعرب، ونظرًا لما لهذا الطعن من خطر على ما يرتبط بهذا الشعر من الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، كان من الضروري التعرض لهذه المسألة بشيء من الاقتضاب الذي يعطي صورة واضحة للمسألة، وذلك في النقاط التالية: أقسام الشعر الجاهلي من حيث الصحة: الشعر الجاهلي كغيره من جوانب تاريخ الجاهلية كان يعتمد الرواة في نقله على الحافظة، والرواية الشفوية في معظمه، وقد اعتراه ما اعترى غيره من المسموعات من اختلافٍ في الرواية، أو تزيُّدٍ فيها أو في بعضها، وربَّمَا تعرَّضَ للوضعِ والاختلاق، ولذلك يُمكنُ تقسيم الشعر الجاهلي من حيث الصحة ثلاثة أقسام: الأول: شعر صحيح لا سبيل إلى الشك فيه، وهو الذي أجمع العلماء الثقات على صحته، وفقًا لخبرتهم بهذا الشعر، وكانوا كثيرًا ما يعتمدون على حسهم الشعري النقدي، الذي اكتسبوه بعد معاناة شاقة في جمع تلك المادة ودراستها، التي أثمرت معرفة واسعة في تمييز صحيح الشعر من منحوله، ومن ذلك أنَّ حمادًا

стр. 213

الراوية أنشد بلال بن أبي بردة شعرًا مدحه به، فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال ذو الرمة: جيد، وليس له! قال بلال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري، إلا أنه لم يقله، فلما قضى بلال حوائج حماد، قال له: أنت قلت هذا الشعر؟ قال: لا، قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم، وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أن ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام (١)، ولذلك ذهب ابن سلام إلى أن ما اتفق عليه العلماء فليس لأحد أن يخرج منه (٢). وما ذاك إلا لقوة تلك الملكة النقدية التي تميز بها العلماء والرواة في زمن الرواية الأول، والتي جعلت خلفًا الأحمر يقول حينما قال له قائل: إذا سمعتُ أنا بالشعر أستحسنه، فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال خلف رادًا عليه: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته، فقال لك الصرَّافُ: إنه رديء، فهل ينفعك استحسانك له؟ (٣). وهذا القسم يُمثِّلُ جُلَّ المحفوظِ مِن شعر الجاهلية، وهو الذي اعتمد عليه المفسرون واللغويون والنحويون في الاستشهاد والاحتجاج، وقد حُفظ عبر الرواية الصحيحة، واستقر في الدواوين الموثوقة حتى اليوم. الثاني: شعر منحول مصنوع: وهو شعر ساقط، لا يعتد به، تعددت أسباب وضعه فمنه ما وضعه القُصَّاص؛ لتحسين قصصهم بالشعر، إذ كانوا على معرفة تامة بمحبة العربي للشعر، وكان الشعر بمثابة الدليل على تأكيد صحة ما يقولون، ولذا وضعوا شعرًا على لسان آدم والأنبياء والعرب البائدة (٤).

стр. 214

وهناك أشعار وضعت على ألسنة الحيوانات (١)، وأشعار سبب نحلها العصبية القبلية، ورغبة أفراد القبيلة في رفع شأن عشيرتهم، فيذكرون من الأمجاد والوقائع ما ليس لهم (٢). والذي يعني البحث أن هذا الضرب من الشعر ساقط لا يُحْتَجُّ ولا يُستشهد به على ألفاظ القرآن ولا تفسير آياته، ولذلك يقول ابن سلام: «وفي الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته ... وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد - إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه - أن يقبل من صَحِيفَةٍ، ولا يروي عن صَحَفي» (٣). وهذا القسم قد مَحَّصه العلماء، وأسقطوه من المصنفات منذ العصور المتقدمة، ومن ذلك أن ابن هشام (ت ٢١٨ هـ) قد أخذ على عاتقه مهمة تنقية سيرة ابن إسحاق مما شابها، فتعقب ابن إسحاق ونقد الشعر الذي أورده، وبيَّنَ الفاسدَ الموضوعَ وأسقطه، وأوضح نقد العلماء له، وذكر الروايات الصحيحة (٤). ولم يكن لهذا الضرب من الشعر تأثير في شواهد التفسير، بحيث يُشكِّلُ عِلَّةً قادحةً تُعَلُّ بِها قضية الاستشهاد بالشعر، وذلك لندرته في كتب التفسير، ومن أمثلته النادرة ما أورده المفسرون في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وهو قول الشاعر: فَأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ ... مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا فقد استشهد به المفسرون (٥)، في حين قد اعترف أبو عمرو بن

стр. 215

العلاء ﵀ بوضعه، وإضافته لقصيدة الأعشى (١). الثالث: شعرٌ مُخْتَلَفٌ فيه بين العلماء والرواة منذ الصدر الأول للرواية، حتى قال ابن سلام: «وقد اختلف العلماء بعدُ في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه» (٢). وهذا الضرب قد يبدو كثيرًا، غير أن الدراسات المتأنية قد أثبتت أنه ضئيل جدًا إذا ما قورن بما وثقه العلماء الأثبات، والرواة العدول، وقدكان للاختلاف بين العلماء أثر كبير في تضخيم هذا الضرب، وكثرة الدراسات حوله، ويمكن فهم مثل هذا الاختلاف إذا عُلِمَ أن الرواة لم ينهلوا من مصدر معيَّن وحيد، بل لكل راوية مصادر متعددة، فضلًا عن اختلاف المناهج التي تجعل المقبول عند راوية مرفوضًا بعينه عند راوية آخر، ناهيك عن النزاعات المذهبية التي وسعت دائرة هذا الضرب حتى أصبح كل فريق يرمي الآخر بالصنعة والوضع، انتصارًا للرأي، ورميًا للطرف الآخر بالانتحال. وقد اجتهد بعض الباحثين في جمع كل ما رمي بالوضع أو الانتحال في الشعر فلم يظفر إلا بعد قليل من الأبيات، ولم يَسْلَم له أكثرها (٣). التشكيك في الشعر الجاهلي بين القدماء والمعاصرين: شكك بعض العلماء المتقدمين في بعض الأبيات والمقطعات الشعرية، ورموها بالوضع والصنعة، وانتقدوا عددًا من الرواة الذين عرفوا بالكذب في رواية الشعر، وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى تنقية الشعر الجاهلي مما شابه من الكذب، والحرص على سلامته، والحرص قبل ذلك على لغة العرب التي هي لغة القرآن الكريم، وكان ذلك دليلًا على
следующие страницы →