← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المبحث السابع: الرد على التشكيك في الشعر الجاهلي وخطره على تفسير القرآن . العربُ أهلُ فصاحةٍ وبَيَانٍ، وأهل شِعْرٍ وخَطَابة، وقد «كان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم، ومنتهى حكمهم، به يأخذون، وإليه يصيرون» (١)، وقد أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وكان نزوله حادثة فريدة في تاريخ البشر، وفي تاريخ الأنبياء صلوات الله عليهم، ولذلك « ... كان الذين آمنوا بهذا الكتاب - كتاب الله - هم العربُ الجاهليين أصحاب «الشعر الجاهلي»، فصورة هذا العصرِ، وصُورُ رِجَالهِ أَسَاسٌ لا غِنَى عنه في قضيةِ صحةِ الشعرِ الجاهلي، وفي قضية صحةِ روايته» (٢). وقد تَحدَّى الله العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وكان إعجاز القرآن الذي تحدى الله به العربَ إعجازًا بيانيًا مرتبطًا بلغتهم العربية، التي يُمثِّلُ الشعرُ أعلى مُستوياتِها، ولا سيما شعر الجاهلية «الذي هو أقوى الشعر وأفحله» (٣)، وهو الأصل الذي انبثق منه الشعر العربي في سائر العصور، فكان الطعن في هذا الشعر طعنًا في لغة القرآن، وطعنًا في شواهدها التي عَوَّلَ عليها المفسرون، وذلك لأنَّ مطالبة العرب بأن يؤمنوا بأن محمدًا ﷺ رسولٌ من الله أرسله إليهم، يبلغهم عن ربهم،

стр. 212

حقيقة تاريخية واقعة لا شك فيها؛ لأنه «مُحالٌ أن يفجأ الله عباده من عَربِ الجاهلية بهذا التبيُّنِ الذي طالبهم به، وهم خِلْوٌ من القدرة عليه، فكان لزامًا أن تكون لهم قدرة يعلمها سبحانه فيهم، وإن جهلوها هم من أنفسهم من قبل أن يطالبوا بهذا التبين، وإلا يكن ذلك كذلك، كانت المطالبة تعجيزًا محضًا لعباده، يسقط منهم التكليف الذي تقتضيه هذه المطالبة» (١). وقد تعرض هذا الشعر في العصور المتأخرة إلى الطعن في صحته من قبل عدد من الباحثين من المستشرقين والعرب، ونظرًا لما لهذا الطعن من خطر على ما يرتبط بهذا الشعر من الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، كان من الضروري التعرض لهذه المسألة بشيء من الاقتضاب الذي يعطي صورة واضحة للمسألة، وذلك في النقاط التالية: أقسام الشعر الجاهلي من حيث الصحة: الشعر الجاهلي كغيره من جوانب تاريخ الجاهلية كان يعتمد الرواة في نقله على الحافظة، والرواية الشفوية في معظمه، وقد اعتراه ما اعترى غيره من المسموعات من اختلافٍ في الرواية، أو تزيُّدٍ فيها أو في بعضها، وربَّمَا تعرَّضَ للوضعِ والاختلاق، ولذلك يُمكنُ تقسيم الشعر الجاهلي من حيث الصحة ثلاثة أقسام: الأول: شعر صحيح لا سبيل إلى الشك فيه، وهو الذي أجمع العلماء الثقات على صحته، وفقًا لخبرتهم بهذا الشعر، وكانوا كثيرًا ما يعتمدون على حسهم الشعري النقدي، الذي اكتسبوه بعد معاناة شاقة في جمع تلك المادة ودراستها، التي أثمرت معرفة واسعة في تمييز صحيح الشعر من منحوله، ومن ذلك أنَّ حمادًا

стр. 213

الراوية أنشد بلال بن أبي بردة شعرًا مدحه به، فقال بلال لذي الرمة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال ذو الرمة: جيد، وليس له! قال بلال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري، إلا أنه لم يقله، فلما قضى بلال حوائج حماد، قال له: أنت قلت هذا الشعر؟ قال: لا، قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم، وما يرويه غيري. قال: فمن أين علم ذو الرمة أن ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام (١)، ولذلك ذهب ابن سلام إلى أن ما اتفق عليه العلماء فليس لأحد أن يخرج منه (٢). وما ذاك إلا لقوة تلك الملكة النقدية التي تميز بها العلماء والرواة في زمن الرواية الأول، والتي جعلت خلفًا الأحمر يقول حينما قال له قائل: إذا سمعتُ أنا بالشعر أستحسنه، فما أبالي ما قلت فيه أنت وأصحابك، فقال خلف رادًا عليه: إذا أخذت أنت درهمًا فاستحسنته، فقال لك الصرَّافُ: إنه رديء، فهل ينفعك استحسانك له؟ (٣). وهذا القسم يُمثِّلُ جُلَّ المحفوظِ مِن شعر الجاهلية، وهو الذي اعتمد عليه المفسرون واللغويون والنحويون في الاستشهاد والاحتجاج، وقد حُفظ عبر الرواية الصحيحة، واستقر في الدواوين الموثوقة حتى اليوم. الثاني: شعر منحول مصنوع: وهو شعر ساقط، لا يعتد به، تعددت أسباب وضعه فمنه ما وضعه القُصَّاص؛ لتحسين قصصهم بالشعر، إذ كانوا على معرفة تامة بمحبة العربي للشعر، وكان الشعر بمثابة الدليل على تأكيد صحة ما يقولون، ولذا وضعوا شعرًا على لسان آدم والأنبياء والعرب البائدة (٤).

стр. 214

وهناك أشعار وضعت على ألسنة الحيوانات (١)، وأشعار سبب نحلها العصبية القبلية، ورغبة أفراد القبيلة في رفع شأن عشيرتهم، فيذكرون من الأمجاد والوقائع ما ليس لهم (٢). والذي يعني البحث أن هذا الضرب من الشعر ساقط لا يُحْتَجُّ ولا يُستشهد به على ألفاظ القرآن ولا تفسير آياته، ولذلك يقول ابن سلام: «وفي الشعر مصنوع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه، ولا حجة في عربيته ... وقد تداوله قوم من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وليس لأحد - إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شيء منه - أن يقبل من صَحِيفَةٍ، ولا يروي عن صَحَفي» (٣). وهذا القسم قد مَحَّصه العلماء، وأسقطوه من المصنفات منذ العصور المتقدمة، ومن ذلك أن ابن هشام (ت ٢١٨ هـ) قد أخذ على عاتقه مهمة تنقية سيرة ابن إسحاق مما شابها، فتعقب ابن إسحاق ونقد الشعر الذي أورده، وبيَّنَ الفاسدَ الموضوعَ وأسقطه، وأوضح نقد العلماء له، وذكر الروايات الصحيحة (٤). ولم يكن لهذا الضرب من الشعر تأثير في شواهد التفسير، بحيث يُشكِّلُ عِلَّةً قادحةً تُعَلُّ بِها قضية الاستشهاد بالشعر، وذلك لندرته في كتب التفسير، ومن أمثلته النادرة ما أورده المفسرون في مواضع متفرقة من تفاسيرهم، وهو قول الشاعر: فَأَنْكَرتني ومَا كانَ الذي نَكِرَتْ ... مِن الحوادثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلعَا فقد استشهد به المفسرون (٥)، في حين قد اعترف أبو عمرو بن

стр. 215

العلاء ﵀ بوضعه، وإضافته لقصيدة الأعشى (١). الثالث: شعرٌ مُخْتَلَفٌ فيه بين العلماء والرواة منذ الصدر الأول للرواية، حتى قال ابن سلام: «وقد اختلف العلماء بعدُ في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه» (٢). وهذا الضرب قد يبدو كثيرًا، غير أن الدراسات المتأنية قد أثبتت أنه ضئيل جدًا إذا ما قورن بما وثقه العلماء الأثبات، والرواة العدول، وقدكان للاختلاف بين العلماء أثر كبير في تضخيم هذا الضرب، وكثرة الدراسات حوله، ويمكن فهم مثل هذا الاختلاف إذا عُلِمَ أن الرواة لم ينهلوا من مصدر معيَّن وحيد، بل لكل راوية مصادر متعددة، فضلًا عن اختلاف المناهج التي تجعل المقبول عند راوية مرفوضًا بعينه عند راوية آخر، ناهيك عن النزاعات المذهبية التي وسعت دائرة هذا الضرب حتى أصبح كل فريق يرمي الآخر بالصنعة والوضع، انتصارًا للرأي، ورميًا للطرف الآخر بالانتحال. وقد اجتهد بعض الباحثين في جمع كل ما رمي بالوضع أو الانتحال في الشعر فلم يظفر إلا بعد قليل من الأبيات، ولم يَسْلَم له أكثرها (٣). التشكيك في الشعر الجاهلي بين القدماء والمعاصرين: شكك بعض العلماء المتقدمين في بعض الأبيات والمقطعات الشعرية، ورموها بالوضع والصنعة، وانتقدوا عددًا من الرواة الذين عرفوا بالكذب في رواية الشعر، وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى تنقية الشعر الجاهلي مما شابه من الكذب، والحرص على سلامته، والحرص قبل ذلك على لغة العرب التي هي لغة القرآن الكريم، وكان ذلك دليلًا على

стр. 216

الأمانة العلمية التي تحلى بها أولئك النفر من العلماء الناقدين، والجهابذة العارفين بكلام العرب وأشعارها. ولما جاء العصر الحديث، أَحيا بعضُ الباحثين قضيةَ الوَضْعِ في الشعر الجاهلي، واقتطعوا من كلام المتقدمين ما يوافق أهوائهم من الطعن في صحة الشعر الجاهلي، وكان الباعث عند هؤلاء المعاصرين من المستشرقين وأتباعهم هو الطعن في الشعر الجاهلي، واتخذوا ذلك مطية للطعن في القرآن الكريم ولغته، والمتأمل لدراسات المستشرقين يلحظُ رَغبةَ نَفَرٍ من المستشرقين في التعرض إلى مفتريات كاذبة تتجه وجهة الهدم في الإسلام، والطعن في النبوة والقرآن، دون أن يكون لهذه المفتريات صلة بالبحث الأدبي الخالص، بل تؤكد الحقائق الواضحة أنهم ما تكلموا في الأدب والشعر الجاهلي لوجه الأدب، بل من أجل الطعن في الإسلام والقرآن؛ ولذلك تصدَّى العلماء لرد هذه الأباطيل، وبالغوا في ذلك حياطة للقرآن، وحمايةً للغة العربية. وفيما يلي عرض لقضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وتاريخ هذه المسألة منذ كتب فيها العلماء المتقدمون ما يسعى في توثيق الشعر وحفظه، حتى المعاصرين الذين كتبوا ما يوهي من شأن هذا الشعر، ويشكك فيه، مع عرض أدلة الفريقين، وأقوالهم. أولًا: القدماء: كان للمفضل الضبي الكوفي (ت ١٦٨ هـ) (١)، والأصمعي (ت ٢١٦ هـ) (٢) سبق في نقد الرواة الكذابين، وبيان ما كذبوا فيه، غير أن أول من بحث هذه القضية بحثًا منظمًا مستفيضًا هو محمد بن سلام الجمحي (ت ٢٣١ هـ)، وعزا أسباب الوضع إلى عاملين أساسيين: العصبية القبلية، والرواة الوضاعين، فقد رأى أن بعض القبائل كانت تتزيد في

стр. 217

أشعارها، وتنحل شعراءها شعرًا لم يقولوه، فأوضح ذلك في قوله: «لما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها، استقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعِهم، وكان قومٌ قد قَلَّتْ وقائعُهُم وأشعارُهم، وأرادوا أن يَلحقوا بِمَن لَهُ الوقائعُ والأشعار، فقالوا على ألسنِ شعرائهم، ثُمَّ كانت الرواة بعدُ فزادوا في الأشعار» (١). وقد بَيَّنَ ما أضافه القرشيون في شعر شعرائهم، فطولوا قصيدة لأبي طالب في مدح رسول الله ﷺ ، وذَكَرَ ما حُمِلَ على حسان بن ثابت ﵁، وقد لَحَظَ أن بعض أبناء الشعراء الأعراب كانوا يفدون إلى المدن ويستنشدهم الرواةُ شعرَ آبائهم فينشدونهم، فإذا نفد ما لديهم زادوا في الأشعار، كما فعل داود ابن متمم بن نويرة. قال ابن سلام: «أخبرني أبو عبيدة، أن ابن داوود بن متمم بن نويرة، قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة ... فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته، فلما نفد شعر أبيه، جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلام دون كلام مُتَمِّم، وإذا هو يحتذي على كلامه فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علمنا أنه يفتعله» (٢).، ولم يَخْفَ هذا الشعرُ المصنوعُ على الرواة الناقدين، فكانوا يرفضونه. - طرائق المتقدمين في التمحيص والتثبت: ١ - التنبيه على الرواة الكذابين: بدأ نقد الرواة الكذابين بما قاله المفضل الضبي الكوفي (ت ١٦٨ هـ) الذي نقد حَمَّادَ الراوية وبيَّنَ أكاذيبهُ (٣)، وكذلك فعل الأصمعي (ت ٢١٦ هـ) حين نقد خلفًا الأَحْمر. (٤) ثم تصدى للأمر ابنُ سلَّام فنَبَّهَ

стр. 218

على الرواة الكذابين كحمَّاد الراوية، ورفض مروياته، وبَيَّنَ فساد روايته، وحذَّرَ منه، فقال: «وكان أول من جمع أشعار العرب، وساق أحاديثها، حماد الراوية، وكان غير موثوق به، وكان ينحل شعر الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار» (١). وقال يونس بن حبيب: «العجب ممن يأخذ عن حماد، وكان يكذب ويلحن ويكسر» (٢). ٢ - التنبيه على من يحمل الشعر المزيف من غير الرواة: وذكر ابن سلَّام صنفًا آخر من الرواة يحملون الشعر الزائف هم رواة الأخبار والسير، وأشار إلى ابن إسحاق راوي السيرة النبوية، فقال: «وكان مِمَّن أفسد الشعر وهجَّنه، وحَمَلَ كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار ... وكان من علماء الناس بالسير ... فقبل الناس عنه الأشعار، وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أُتينا به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرًا، فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليست بشعر، إنما هو كلام مؤلف معقود بقوافٍ، أفلا يرجع إلى نفسه، فيقول: مَنْ حَمَلَ هذا الشعر؟ ومَن أداه منذ آلاف السنين، والله ﵎ يقول: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] (٣) أي: لا بقية لهم، وقال أيضًا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ [النجم: ٥٠، ٥١] (٤)؟ » (٥). وقال كذلك: «ولسنا نَعُدُّ ما يروي ابن إسحاق له - أي لأبي سفيان بن الحارث - ولا لغيره شعرًا، ولأن لا يكون لهم شعرٌ أحسن من أن يكون ذلك لهم» (٦). ولم يكن ابن سلام وحده الذي نبَّهَ إلى فساد الشعر الذي يحمله

стр. 219

ابن إسحاق ونقده، بل أخذ آخرون على عاتقهم مهمة تنقية الشعر مما شابه من الزائف المصنوع، مثل ابن هشام صاحب السيرة النبوية (ت ٢١٨ هـ) الذي عمل على تهذيب سيرة ابن إسحاق، وتعقب ابن إسحاق فنقد الشعر، وبين الفاسد المصنوع، وأسقط الشعر الفاسد، وأوضح نقد العلماء له، وذكر الروايات الصحيحة، وهكذا (١). وقد اعتذر ابن إسحاق بأنه لا علم له بالشعر، وأنه يؤتى به فيحمله، ولم يرض ابن سلام بذلك العذر، فقال: «ولم يكن له ذلك عذرًا، فكتب في السيرة أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرًا قط، وأشعار النساء فضلًا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود، فكتب لهم أشعارًا كثيرة، وليس بشعر .... فلو كان الشعرُ مثلَ ما وُضِعَ لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم» (٢). ونقد ابنُ النديم ابنَ إسحاق كذلك، فقال: «ويقال كان يُعْمَلُ له الأشعارُ ويُؤتى بِهَا، ويُسْأَلُ أن يُدخلها في كتابه السيرة فيفعل، فضَمَّنَ كتابَه من الأشعار ما صار به فضيحةً عند رواة الشعر» (٣). هؤلاء العلماء الأثبات حين جرحوا الرواة وكذبوا الوضاعين وبينوا الشعر الفاسد المصنوع، وثقوا من ناحية ثانية الشعر الصحيح، وعدلوا الرواة الثقات، وشهدوا لهم بالدقة والأمانة والعلم. ففي الشعر الجاهلي والإسلامي، شعر منتحل موضوع، ولم يكن النقاد القدامى غافلين عنه، فقد نقدوه ومحصوه، وبينوا صحيحه من فاسده، ولكن ذلك الشعر المصنوع لم يكن من الكثرة بحيث يضطرب الدارسون في معرفته، أو يتخذون ذلك القليل الفاسد وسيلة لا تهام الشعر الجاهلي عامة، فإن من

стр. 220

التجاوز على الحق والخروج على أصول البحث العلمي، الغلو في تقدير المنحول والمبالغة فيه اعتمادًا على فرضيات لم تثبت، ولم تصح تاريخيًا، ومن الخطأ الفاحش أيضًا أن تؤخذ فكرة الانتحال مركبًا ذلولًا لدفع كل ما يغمض على الدرس. وإذا كان ابن سلام قد فتح للنقاد طريقًا يؤدي إلى تصحيح المخطوء ورد المنحول ومعرفة الحق من الباطل، فإنه كذلك حذر الباحثين ونبههم إلى أن ما اتفق عليه العلماء بالشعر، فليس لأحد أن يخرج منه (١). وذكر ابن سلام أن خلاَّدَ بن يزيد الباهلي قال لخلف بن حيان أبي محرز - وكان خلاد حسن العلم بالشعر يرويه ويقوله-: بأي شيء ترد هذه الأشعار التي تُروى؟ قال له: هل فيها ما تعلم أنت أنَّهُ مصنوعٌ لا خير فيه؟ قال: نعم، قال: أفتعلم في الناس من هو أعلم بالشعر منك؟ قال: نعم، قال: فلا تنكر أن يعلموا من ذلك أكثر مِمَّا تعلمُ أنت (٢). فهذا دليل على عدم اعتبار ما أسقطه العلماء بالشعر، وأهل البصر بروايته. ثانيًا: عند المعاصرين: بقيت هذه القضية قضية علمية في حدودها المقبولة، تبحث في كتب الأدب وغيرها، حتى كان العصر الحديث فأثيرت قضية الانتحال مرة أخرى بصورة مغايرة، وتناولها المستشرقون والعرب، ومن هؤلاء المعتدل المنصف، ومنهم المشتط المسرف المتحامل، وقامت مناقشات، وكتبت ردود، وكان السبق في إثارة هذه القضية للمستشرقين ثم تبعهم العرب في تناول هذه القضية. - فأَما المستشرقون فقد عرض المستشرق الفرنسي بلاشير قضية

стр. 221

الشعر الموضوع عند المستشرقين بشيء من الإيجاز في كتابه «تاريخ الأدب العربي» (١). فذكر أن أول من تناول الموضوع هو المستشرق الألماني تيودور نُولدكه (٢) عام ١٨٦١ م (٣)، ثم تلاه ألفرت (٤) عام ١٨٧٢ م (٥)، وتابع هذين المستشرقين في آرائهما مستشرقون آخرون طوال ثلاثين سنة هم: موير، وباسيه، وبروكلمان، وليال (٦)، وهوار الذي كتب مقالة بعنوان «مصدر جديد للقرآن» سنة ١٩٠٤ م، على أن هؤلاء جميعًا لم يبلغوا في نظرية الانتحال من الشك والإسراف ما بلغه مرجليوث (٧)، فقد كتب عددًا من المقالات حول التشكيك في الشعر الجاهلي، كانت مقالته الأخيرة التي نشرها بعنوان «نشأة الشعر العربي» سنة ١٩٢٥ م - وإن كانت متأخرة بالنسبة لغيرها - من أعمق دراسات المستشرقين في اتهام

стр. 222

الشعر الجاهلي، ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه المقالة أول بحث منظم هاجم الشعر الجاهلي، وأنكر وجوده. (١) ورجح مرجليوث فيها أَنَّ الشعر الذي نقرأه على أنه شعر جاهلي إنما نُظِمَ في العصور الإسلامية، ثم نَحَله هؤلاء الواضعون المزيفون لشعراء جاهليين، وحشد أدلة لإثبات مزاعمه، وتحقيق غايته، وهذا تلخيص لأدلته (٢): أدلة مرجليوث على عدم صحة الشعر الجاهلي: ١ - أن الشعر إما أن يحفظ بالكتابة، وإمَّا بالرواية، ورأي العلماء المسلمين أنه حفظ بالرواية في عهود الإسلام الأولى، ويستبعد أن يكون الشعر قد حفظ بالرواية لأسباب هي: - عدم وجود جماعة متخصصة من رواة الشعر. - أن الإسلام والقرآن ذم الشعراء، وهذا سبب قوي لنسيان الشعر إذا كان قد وجد. - معظم الأشعار تتغنى بما يثير الشحناء، والإسلام جاء لتوحيد العرب، فحث على نسيان هذا الشعر. الفرض الثاني أن يكون الشعر قد نقل عن طريق الكتابة، ومع إقراراه بوجود الكتابة قبل الإسلام فهو ينفي أن يكون الشعر قد حفظ بالكتابة لسببين: - أن القرآن نفى أن يكون للجاهليين كتاب، ولو أن الشعر الجاهلي كان مكتوبًا لوصلت كثير من الكتب.

стр. 223

- أن الأدب يتطور من الشذوذ إلى الانتظام، وأن الشعر الذي قيل: إنه جاهلي هو مرحلة تالية للقرآن؛ لأن في القرآن سجعًا وبعض الآيات فيها وزن، فينبغي أن يكون الشعر تطورًا للقرآن لا سابقًا له. - أن الإسلام حدث عظيم، وانفصال عن الماضي، ولم يكن الإسلام متسامحًا مع الوثنية بأي حال، في حين نجد الشعر لسان الوثنية، فكيف يحفظون أشعارًا تمجد نظامًا أبطله الإسلام. ثم ساق أدلة على عدم صحة الشعر الجاهلي هي الأدلة الداخلية، وهي: ١ - في الشعر إشارات إلى قصص ديني ورد في القرآن وفيه كلمات إسلامية، وأن الشعراء لا يمثلون الدين الجاهلي وليس فيه جو الآلهة المتعددة بل فيه توحيد، وأن هؤلاء الشعراء يُقسمون كالمسلمين بالله الواحد، وبالصفات التي ذكرها القرآن، وهؤلاء الشعراء موحدون ومطلعون على أمور لا يعرفها إلا القرآن. ٢ - الدليل الثاني هو اللغة، فاللهجات بين القبائل متعددة، والاختلاف بين لغة القبائل الشمالية، واللغة الحميرية الجنوبية كبير، في حين جاء الشعر كله بلغة القرآن، وليس هناك لغة أدبية موحدة قبل القرآن. ٣ - موضوعات القصائد تتفق في طرق موضوعات واحدة متكررة، مما يدل على أنها نظمت بعد القرآن لا قبله؛ لأنهم يبدأون قصائدهم بالغزل، والقرآن وصفهم أنهم في كل وادٍ يهيمون ويتبعهم الغاوون. ٤ - أن القرآن لم يشر إلى الموسيقى، وإذا كانت الموسيقى من مستحدثات العصر الأموي، فهل يعقل أن الوزن وجد عند العرب قبل الإسلام، وأن التسلسل يقتضي أن يكون الرقص ثم الموسيقى ثم الشعر، والممالك العربية ذات النقوش كانت ذات حضارة، ولكن ليس لها شعر،

стр. 224

فهل يكون للأعراب البدو شعر متطور، وليس للمتحضرين شعر؟ ويخلص إلى أن الشعر والنثر المسجوع مشتقان من القرآن وأن الأعمال التي سبقت القرآن يجب أن تكون أقل فنًا لا أكثر. - وأما العرب فقد كان أول من بحث هذا الموضوع من المعاصرين هو مصطفى صادق الرافعي في كتابه «تاريخ آداب العرب». سنة ١٩١١ م، وقد روى ما قاله القدماء وتابع ابن سلام في آرائه، ووقف بالمسألة عند حدها التاريخي الأدبي ولم يزد على ذلك (١). ثم جاء بعد ذلك طه حسين، فألف كتابه «في الشعر الجاهلي» سنة ١٩٢٦ م، فأثار ضجة كبيرة لما فيه من آراء جريئة تعرض بعضها للدين والتشكيك في صدق القرآن، فقام بحذف ما أثار عليه العلماء، وزاد فيه شيئًا يسيرًا وأصدره سنة ١٩٢٧ م بعنوان «في الأدب الجاهلي»، وقد أخذ طه حسين أكثر مادته من روايات ابن سلام، واستنتاجات وآراء مرجليوث وغيره من المستشرقين، وتوسع فيها وعمم الأحكام الفردية، واتخذ الأمور الخاصة فصيرها قواعد عامة، حتى خرج بحكم مبالغ متعسف هو صياغة جديدة لآراء مرجليوث، حيث توصل إلى «أن الكثرة مما نسميه أدبًا جاهليًا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم، أكثر مما تمثل حياة الجاهليين» (٢). وقد قسم بحثه إلى ثلاثة أقسام: دوافع الشك في الشعر الجاهلي، وأسباب الوضع والنحل، ثم درس فريقًا من الشعراء وشك في نسبة الشعر إليهم. تحدث في دوافع شكه فقال: إن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الدينية، والعقلية، والسياسية، والاقتصادية للعرب الجاهليين، وإن هذا

стр. 225

الشعر بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية في العصر الجاهلي؛ لأن هناك خلافًا قويًا بين لغة حمير ولغة عدنان، وإن القبائل الشمالية والقبائل الجنوبية تختلف من حيث اللهجة، مع إن الشعر الذي وصلنا جاء بلهجة واحدة. وذكر أن فريقًا من العلماء اتخذوا الشعر الجاهلي مادة للاستشهاد على ألفاظ القرآن والحديث مع إن الشعر لم يصل مدونًا بل عن طريق الرواية الشفوية. ويتحدث طه حسين عن أسباب الانتحال فيرجعها إلى: - السياسة، ويعني بها العصبية القبلية، كما كان بين قريش والأنصار من عداء، وما كان بين القبائل من أحقاد، غير أنه لم يستشهد ببيت شعر جاهلي، بل استشهد بشعر إسلامي (١). - الدين، وذكر أن الشعر الذي قيل قبل البعثة تبشيرًا بالنبي موضوع بعد الإسلام، وما جاء عند المفسرين من ذكر الأمم السابقة كذلك، وأن الديانة اليهودية والديانة المسيحية لم يظهر لهما أثر في الشعر الجاهلي مع مخالطة أصحابها في الجزيرة العربية (٢). - القصص، وتحدث عن القصاص، وما كانوا يضعون من شعر لتزيين القصص والأخبار، ويقسم ذلك القصص إلى أقسام (٣). - الشعوبية، وتحدث عن الخصومة بين العرب والموالي، وأن هؤلاء الشعوبية

стр. 226

قد نحلوا أخبارًا وأشعارًا وأضافوها إلى الجاهليين والإسلاميين، وكذلك فعل خصومهم، يقول: «وكانت الشعوبية تنحل من الشعر ما فيه عيب للعرب وغض منهم، وكان خصوم الشعوبية ينحلون من الشعر ما فيه ذود عن العرب ورفع لأقدارهم» (١). ولكن لم يقدم شاهدًا واحدًا على ذلك الشعر الذي صنعته الشعوبية، ونحلته العرب. - الرواة: وتحدث عن فساد مروءة بعض الرواة مثل حماد وخلف وأبي عمرو الشيباني، وأنهم كانوا ينحلون الأشعار ويعبثون بالشعر، وطائفة أخرى اتخذت الرواية مكسبًا من أولئك الأعراب الذين كان يذهب إليهم رواة الأمصار يسألونهم عن الشعر والغريب (٢). الرد على المشككين في صحة الشعر الجاهلي: كانت مقالة مرجليوث حافزًا لكتابات كثيرة، لما حوته من آراء جريئة، ومزاعم وتصورات تخطئ الواقع التاريخي وحقيقة الحياة الجاهلية، فكان المستشرقون أنفسهم هم الذين ردوا عليه وناقشوا نظرياته ودحضوا مزاعمه، ولعله لم يتح للعرب أن يطلعوا على أفكاره تلك إلا في وقت متأخر، أو لم يكن لمن اطلع عليها ما يدفعه إلى الرد عليه، أو لغير ذلك من الأسباب. وكان أول المستشرقين الذين ردوا على افتراضات مرجليوث هو تشارلس ليال في المقدمة التي كتبها للجزء الثاني من المفضليات سنة ١٩١٨ م، فقد ناقش مرجليوث حول حماد الراوية وخلف الأحمر، فعرض سيرتهما وناقش الروايات التي قيلت حولهما، ثم عاد فتحدث عن الأمر مرة أخرى في مقدمة تحقيقه لديوان عبيد بن الأبرص، فقال: «أما صحة الأبيات فينظر إليها الأشخاص المختلفون من

стр. 227

زوايا مختلفة بالطبع، ومن المؤكد أن قصائد البدو الوثنيين لم تنتقل إلينا مكتوبة، وإنما بالرواية، وكانت القصائد التي تسجل انتصارات القبيلة من أعز مآثرها، فترويها جيلًا عن جيل. وبالإضافة إلى هذا النوع من المعرفة بين القبيلة وُجِدَ الراوي، ومهمته أن يحتفظ بالأشعار كما تعيها ذاكرته، وفي العصور التي لا تستخدم فيها الكتابة إلا في المدن ولأغراض خاصة، يُعْنَى بالذاكرة عناية كبيرة، وتكون أقدر كثيرًا منها في العصور الحديثة، وليس من المدهش أن تتداول القصائد بهذه الطريقة قرنين أو ثلاثة من الزمان» (١). ثُمَّ يشير إلى أن اختلاف الرواية أمر محتمل للاعتماد على الرواية الشفوية، غير أن هذا لا يكفي في إبطال هذا الكم من الشعر الجاهلي، فيقول: «ومن الطبيعي أن يظن المرء أن هذه القصائد اعتراها بعض التغيير في أثناء هذا الانتقال، فعدم تثبت الذاكرة يؤدي إلى إسقاط أبيات، أو اضطراب ترتيبها، أو إبدال عبارات منسية بعبارات من الراوي، ومثل هذه الظواهر مألوفة في كل مكان، ولكننا حين نختبر القصائد ذاتها، نجد قدرًا من الشخصية الذاتية يكفينا للقول بأنها في معظمها من عمل المؤلفين المنسوبة إليهم، فالمعلقات السبع مثلًا، كلها قصائد ذوات ذاتية ومزايا عالية، وتقدم لنا شخصيات شديدة التميز، ونفس الأمر نجده في القصائد الثلاث الباقية (للأعشى والنابغة وعبيد) التي عدها كثير من النقاد من المعلقات، فقد تركت شخصية امرئ القيس وزهير ولبيد والنابغة والأعشى طابعها على شعرها، ومن إفراط الخيال أن نظن أن معظم القصائد المنسوبة لهم منحولة في عصر متأخر، ومن تأليف أدباء عاشوا تحت ظروف مغايرة تمام المغايرة، وفي عالم شديد الاختلاف عن أيام الحياة البدوية في الصحراء العربية» (٢).

стр. 228

ثم يذكر سببًا ثانيًا لصحة الشعر الجاهلي هو إِيمان شعراء القرن الأول الهجري بهذا الشعر، واستمرارهم على تقاليد الشعراء في العصر الجاهلي (١). والسبب الثالث في إيمانه بصحة الشعر الجاهلي هو «أن القصائد القديمة كانت ملأى بألفاظ غريبة على العلماء الذين كانوا أول من عرض هذه القصائد لِمَحكِّ النقد، فقد كانت تنتمي لمرحلة قديمة من اللغة كانت غير مستعملة في الزمن الذي كتبت فيه القصائد، وجمعت في دواوين» (٢). وتناول مستشرقون آخرون الرد على مرجليوث، ودحض نظرياته، من أمثال جورجي ليفي دلافيدا، وجب، وبروكلمان، وبلاشير، وغيرهم، ذكروا ذلك في ثنايا كتبهم ولم يخصصوا لها فصولًا خاصة (٣). وأما طه حسين فقد أثار كتابه ثائرة العلماء والأدباء على حد سواء، فأما العلماء فلتعرضه للدين وتشكيكه في القرآن، وأما الأدباء فقد كشفوا زيف ما كتبه، وألفوا الكثير من الكتب في ردها ونقضها، وبيان بطلان منهجها، من أهمها كتاب «نقد كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد فريد وجدي، وكتاب «الشهاب الراصد» لمحمد لطفي جمعة، وكتاب «نقض كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد الخضر حسين، و «محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي» لمحمد الخضري، وكتاب «النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي» لمحمد أحمد الغمراوي، مع مقدمة وافية للأمير شكيب أرسلان، وفصول من كتاب «تحت راية القرآن» لمصطفى صادق الرافعي. وفصول من كتاب «مصادر الشعر الجاهلي» لناصر الدين الأسد. وتتفاوت

стр. 229

هذه الكتب في أسلوبها ومنهجها العلمي، فمنها العلمي الدقيق المتزن مثل كتاب النقد التحليلي للغمراوي، وهو أوفاها وأشملها، ويأتي بعده ما كتبه محمد الخضر حسين، ثم بقية الردود. ويمكن تلخيص ردود العلماء على كتاب طه حسين، ومآخذهم عليه في النقاط التالية: أولًا: عدم فهمه منهج ديكارت فهمًا صحيحًا: حيث قال في مقدمته: «أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث» (١). فنعى عليه محمد لطفي جمعة بأن منهج ديكارت لم يكن منهجَ شكٍ للشكِّ ذاته، وإنما يتخذ الشك وسيلة لليقين، فهو منهج إيجابي لا سلبي، يقول: «وقد آلى ديكارت على نفسه أن لا يقبل المعلومات مهما كانت صفتها وقوة الثقة الملازمة لها، ما عدا الحقائق الخاصة بالعقيدة، فإنه لم يطبق عليها هذه الطريقة» (٢). في حين يذهب طه حسين إلى الشك للشك ذاته، وطبق ذلك على العقيدة نفسها، وهذا ما أثار عليه العلماء. ثانيًا: مُخالفته لمنهج ديكارت: حيث لم يمحص الروايات التي يحتج بها، يقول محمد الخضر حسين: « ... على الرغم من قبضه على منهج ديكارت، ونعيه الاطمئنان إلى ما يقوله القدماء، قد اطمأن في كثير من هذا النحو الجديد من البحث إلى ما يرويه صاحب الأغاني وغيره ... » (٣).، ويفسر محمد فريد وجدي طريقة طه حسين في التنكر لمنهج ديكارت بقوله: «ولكنه بغلوه

стр. 230

في تحري أسباب الاختلاق على الجاهليين التقط من كتب المحاضرات جميع ما فيها مما يتعلق بالاختلاق، وبالعوامل التي حملت عليه، وبالمطامع التي دفعت إليه، ولم يسر في ذلك على ما يقضي به عليه مذهب ديكارت من النقد والتمحيص، بل وثق به ثقة مطلقة مما حملته على إصدار الأحكام جزافًا» (١). ثالثًا: ضعف الأدلة: حيث إنه يفترض فرضًا، ثم يبني عليه فرضًا آخر، ويقرنه بفروض أخرى، ثم ينتهي بالقطع والجزم والثبوت، وقدموا لذلك أمثلة كثيرة منها: أنه يورد ثلاث جُمَلٍ، يبرهن على الأولى منها بقوله: «فليس يبعد».، وعلى الثانية بقوله: «فليس ما يمنع».، وعلى الثالثة بقوله: «فما الذي يمنع». ويبني على هذه الكلمات الثلاث قوله: «أمر هذه القصة إذن واضح». ويقول الخضري معقبًا على ذلك: «نعم قد اتضح بنفي البعد في الأولى، وعدم المانع في الأخريين، وما علمنا بمنطق في العالم يكتفي في إقامة البرهان على عدم صحة خبر من الأخبار بأنه لا يبعد ضده أو أنه لا مانع من ضده» (٢). رابعًا: التعسف والشك في كل شعر أو خبر فيه شبه بالقرآن: يقول الخضر حسين: «من شاء أن ينظر إلى قاعدة تمتد إلى غير نهاية، ولا تتصل بما يمسكها أن تزول إلا إرادة المؤلف، فلينظر إلى هذه الفقرة التي تمثل قلمًا يشتهي أن يكتب فينتكس ويرمي بالحديث في غير قياس، كل شعر أو خبر أو حديث يضاف للجاهليين ويكون بينه وبين آية من القرآن شبه قوي أو ضعيف فهو مصنوع، أليس من الجائز أن ينطق

стр. 231

العرب بحكمة فيأتي القرآن بهذه الحكمة على وجه أبلغ وأرقى، أمن الحق أن ننكر أن العرب قالوا مثلًا: «القتل أنفى للقتل». لمُجرد شبه بقول القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] (١). أو من الحق أن ننكر أن زهيرًا قال: وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ ... وَلو رَامَ أَسْبَابَ السَّماء بِسُلَّمِ (٢) لأن له شبهًا قويًا أو ضعيفًا بقول القرآن: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (٣)» (٤). ومما يتصل بمجافاة منهج ديكارت أنه عقد فصلًا عن (الشعوبية ونحل الشعر) ولكنه لم يأت برواية تدل على أن بعض الشعوبية نحل شعرًا جاهليًا، وقال الخضر حسين: «وقال المؤلف عن الشعوبية ما شاء أن يقول من كتاب الأغاني قصصًا عن أبي العباس الأعمى، وإسماعيل بن يسار، وقصارى ما تدل عليه هذه القصص، أن الأول كانوا يهجو آل الزبير، وأن الثاني كان يبغض آل مروان، وله شعر يفخر فيه بالأعاجم، وزعم أنه وصل بهذا إلى ما كان يريده من تأثير الشعوبية في انتحال الشعر، ولكنه لم يستطع أن يضرب لك مثلًا يريك كيف انتحلت الشعوبية شعرًا جاهليًا، فضاق بمنهج ديكارت» (٥). وكذلك أخذوا عليه في فصل السياسة ونحل الشعر أنه لم يأت بمثل واحد يمثل الانتحال يثبت فيه أن واحدًا من القرشيين أو الأنصار اختلق شعرًا ونسبه إلى شعرائه في الجاهلية. خامسًا: التناقضُ: فمرة يرى أن العرب: «لم يكونوا في عزلة سياسية واقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى ... بل كانوا أصحاب علم ودين وأصحاب

стр. 232

ثروة وقوة بأس وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها» (١). ومرة أخرى يرى أن العرب كانوا في عزلة حين يرى العزلة تخدم غرضه في نفي الشعر وتوحيد اللهجات، حيث يقول: «ولا سيما إذا صحت النظرية التي أشرنا إليها آنفًا وهي نظرية العزلة العربية، وثبت أن العرب كانوا متقاطعين متنابذين، وأنه لم يكن بينهم من أسباب المواصلات المادية والمعنوية ما يمكن من توحيد اللهجات» (٢). ويأخذ عليه الخضر حسين هذا التناقض فيقول: «أتدري ما هي نظرية العزلة التي أشار إليها آنفًا؟ هي تلك النظرية التي رماها على أكتاف الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الإسلام، وشن عليها الغارة بنكير لا هوادة فيه ... أنكر المؤلف نظرية العزلة العربية حين رآها تعترض ما أراده من أن للجاهليين اتصالًا بالعالم الخارجي، وود في هذا الفصل أن تستقيم له لأنها تؤيد نظرية عدم التقارب بين لغات القبائل العربية» (٣). وأخذوا عليه إنكاره هجرة فريق من عرب اليمن إلى الشمال، وأن صحة يمانية من انتسب إلى اليمن من قبائل الشمال غير ثابتة، وهذا يسقط اعتراضه، فإنه إذا صح أن التاريخ القديم والتاريخ الحديث أجمعا على خطأ، فلم تكن هجرة ولم يكن في الشمال يمانيون، لم يكن هناك أدنى شبهة لغوية يمكن أن يعترض بها على صحة كلام امرئ القيس، إذ يصير امرؤ القيس ومن معه بذلك مُضَرِيِيْنَ، ويصير من السخف أن يقال بعد ذلك أن كلامهم وشعرهم منحول؛ لأن لغته ليست لغة نقوش حميرية اكتشفت في الجنوب، حتى ولو كانت لغة النقوش تمثل لغة اليمن في عصر امرئ القيس (٤).

стр. 233

سادسًا: التعسف في تفسير النصوص: وتوجيهها إلى غير وجهتها، وإيرادها مقطوعة عن سياقها، والاستدلال بها على ما تدل عليه. سابعًا: إغارته على كتب عربية وغربية: والتقاطه منها آراء وأقوالًا نظمها في خيط من الشك، ونسبها إلى نفسه. ولا سيما مرجليوث، وقد لاحظوا أن أهم ما أخذه طه حسين منه هو مسألة الدين واللهجات. ثامنًا: زعمه أن الشعر الجاهلي لا يمثل دين الجاهلية: وأن القرآن هو مرآة الحياة الدينية في الجاهلية، وقد رفض الغمراوي هذا وقال إن هذا: «لا ينطبق إلا على أهل مكة والمدينة ومن حولهما، ولا ينطبق على من حولهما مثل ما ينطبق عليهما. ومكة والمدينة وما حولهما ليست هي كل بلاد العرب، وأهل مكة والمدينة ومن جاورهم لم يكونوا جملة العرب ولا جمهرتهم، فمن الخطأ الواضح إذن أن يجعل الدكتور ما ينطبق عليهم ينطبق على جميع العرب، وأن يستند في ذلك إلى القرآن». ويرى محمد الخضر حسين أولًا أن هذه الشبهة مما استلبه المؤلف من مرجليوث، وثانيًا: أن معظم شعر العرب كان في الفخر والحماسة، وأن المسلمين صرفوا عنايتهم عن رواية الشعر الذي يمثل دينًا غير الإسلام، ولا سيما دين اللات والعزى، وعلى الرغم من هذا وصلت إلينا بقية من الشعر الذي يحمل شيئًا من الروح الديني نجده في كتاب الأصنام لابن الكلبي وغيره» (١). تاسعًا: أما فيما يخص الدين ونحل الشعر فيتعرض طه حسين إلى أمية بن

стр. 234

أبي الصلت، وأن النبي نهى عن رواية شعره، ويرى أن هذا وحده كاف لأن يضيع هذا الشعر، فيرد عليه محمد الخضر حسين بأن في الحديث الصحيح أن النبي استنشد رجلًا شعر أمية فظل ينشده حتى أنشد مائة بيت (١)، ولو صح أن النبي ﷺ نهى عن شعره لكان هذا النهي مقصورًا على قصيدة أمية في رثاء قتلى قريش في بدر، ومع ذلك فإن هذه القصيدة التي يقولون أن النبي ﷺ نهى عن روايتها، واردة في بعض كتب السيرة والمغازي وقد رواها ابن هشام في نحو ثلاثين بيتًا (٢). أما محمد لطفي جمعة فيرد عليه من وجه آخر، وهو ما ورد في الشعر الجاهلي من نثر وشعر عن الجن ووجودها وأخبارها، ويقول: إن مؤلف كتاب الشعر الجاهلي يريد أن يوهم القارئ أن كل ما ورد عن الجن في الشعر والنثر إنما وضع بعد الإسلام وضعًا لتبرير سورة الجن التي جاءت في القرآن الكريم، وإن كل ما نسب إلى العرب في أدبهم من هذه الناحية إنما اصطنع اصطناعًا مجاراة للعقيدة التي اقتضتها هذه السورة، والحقيقة أن عرب الجاهلية كانوا يعتقدون بالجن، ونظموا شعرًا جاهليًا عن علاقة الجن بالشعر والشعراء، ولم تكن أمة سامية أو آرية تخلو من الاعتقاد بالجن أو الأرواح الخيرة والشريرة (٣). عاشرًا: خطؤه وغلوه: في قوله: «فحرصوا أن يستشهدوا على كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن الكلمة عربية لا شك في عربيتها» (٤). فرأى الشيخ الخضري أن في هذه الجملة غلوًا وخطأ: أما الغلو فإن الاستشهاد على كل كلمة لا يؤيده الواقع استنادًا إلى

стр. 235

كتب التفسير التي اعتنت بالشواهد كتفسير الطبري وتفسير الزمخشري، فعدد شواهد الكشاف مثلًا ٧٢٧ شاهدًا (١)، وليس هذا عدد كلمات القرآن. وأما الخطأ ففي ظنه أن هذه الشواهد كلها جاهلية جيء بها لإثبات عربية القرآن، مع أن أكثر الشواهد لشعراء إسلاميين وقليل منها ما هو لشعراء جاهليين أو مجهولين، وما كان الاسستشهاد لإثبات عربية القرآن كما يزعم، وإنما هو لبيان مفهوم الكلمات التي يعدها الناس أحيانًا غريبة، وأن القرآن ليس بدعًا في اللغة، بل جاء بلغة العرب لم تشذ فيه كلمة عن مناهجهم (٢). ويمكن أن يقال إضافة لما ذكروا في الرد عليه: إنه قد مثَّلَ الشعرُ الجاهلي المنسوب الذي استشهد به المفسرون في كتب التفسير وكتب معاني القرآن وغريبه نسبةً كبيرة من شعر الشواهد، فقد مثَّلَ عند أبي عبيدة في مجاز القرآن ما يزيد على ثلث عدد الشواهد الشعرية (٣)، في حين مثَّل عند الفراء في معاني القرآن أكثر من النصف تقريبًا (٤)، وأما عند الطبري في تفسيره فقد بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بشعرهم من شعراء الجاهلية خمسة وتسعين شاعرًا من بين عدد الشعراء الذين احتج بشعرهم وهم يصلون إلى ستين ومائتي شاعر، وسيأتي بيان ذلك. ومما يدل على صحة الشعر الجاهلي أَنَّ جلة الصحابة استعانوا به في تفسير ألفاظ القرآن الكريم، وبيان معانيه، فقبل عصر الرواة المحترفين، وقبل قيام مدرستي الكوفة والبصرة، كان عمر بن

стр. 236

الخطاب ﵁ يحض على معرفة الشعر؛ لأنه ديوان العرب، وفيه تفسير كتاب الله، فقد نقل عنه أنه قال: «أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإن فيه تفسير كتابكم» (١). وكان ابن عباس وهو من هو علمًا بالشعر وأيام العرب والقرآن الكريم وتفسيره، وهو حبر الأمة، قد فسر القرآن الكريم واستدل على فهم معاني ألفاظه بالشعر الجاهلي، فقد حدَّثَ عكرمة، قال: «ما سمعت ابن عباس فسر آية من كتاب الله عَزَّوَجَلَّ إلا نزع فيها بيتًا من الشعر، وكان يقول: إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (٢). ولذلك فإن ما استدل به الصحابة والتابعون من الشواهد في تفسير القرآن الكريم، يعد من الأدلة الدامغة التي تدحض ما ذهب إليه منكرو الشعر الجاهلي، وقد ذكر ابن الأنباري أنه قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرًا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر (٣). هذه قصة قضية الانتحال كما جاءت عند القدماء والمعاصرين من المستشرقين والعرب، وقد كان في إثارة هذه القضية خير كبير، فقد استقر الأمر على ضوء الدراسات الحديثة على تأصيل الشعر الجاهلي، ونفي المبالغة في وصمه بالانتحال والوضع، فقد ظهرت طيلة هذه الفترة التي امتدت منذ مقالة مرجليوث حتى اليوم دراسات كثيرة، فكتبت مباحث حول الشعر الجاهلي وموضوعاته وشعرائه، وحققت وطبعت دواوين أكثر الجاهليين، وقامت دراسات أكاديمية علمية حول تاريخ الجاهلية واللغة العربية واللهجات وأديان العرب، وكل الموضوعات التي أثيرت حولها الشبهات، كما ألفت كتب علمية حول أعلام الشعراء الجاهليين، والرواة الكبار، وبذلك لم يعد هناك مجال لرجم الشعر

стр. 237

الجاهلي بالوضع المبني على الظنون والشكوك والافتراضات. وقد مرت الكتب التي كتبت في الرد على طه حسين، وقد أفرد الدكتور ناصر الدين الأسد كتابًا لتوثيق الشعر الجاهلي أتى فيه على كل الشبهات وردها، وهو كتابه «مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية».

стр. 238

* الفصل الثاني: الاستشهاد بالشعر في التفسير وموقف السلف منه . المبحث الأول: منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في التفسير. المبحث الثاني: تحقيق مسائل نافع بن الأزرق من حيث ثبوتها وحجيتها. المبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير.

стр. 239

المبحث الأول: منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في التفسير . مر الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم بثلاث مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة الصحابة والتابعين: كان القرآن الكريم في هذه المرحلة هو الحافز الأساسي لإحياء الشعر العربي القديم، وإعطائه مكانة هامة في الاحتجاج والاستشهاد، وهذه الظاهرة لم تنضج بشكل واضح إلا مع ابن عباس ﵄ في جواباته على أسئلة نافع بن الأزرق، حيث كان يستشهد على كل لفظة في آية سُئِلَ عنها بشاهد من الشعر. وأما المحاولات الأولى للاستشهاد بالشعر، فقد كانت في تفسير القرآن الكريم. مما يسجل سبقًا للمفسرين رحمهم الله تعالى. المرحلة الثانية: مرحلة أتباع التابعين: وكان يمثلها اللغويون، ولم تسلم هذه المرحلة من التأثُر بِمَا سار عليه ابن عباس في المرحلة الأولى، وكان يمثلها في القرن الثاني وبداية الثالث الهجري أبو عبيدة معمر بن المثنى، والأخفش، والفراء، حيث أسهم هؤلاء في قيام حركة تفسيرية جادة ومنظمة، ومليئة بكثير من شواهد الشعر. المرحلة الثالثة: مرحلة تدوين اللغة والتفسير: تبدأ منتصف القرن الثالث الهجري فما بعده، حيث لم تبق عملية الاستشهاد مقتصرة على جانب تفسير القرآن، بل أخذت تتسع وتتطور،

стр. 240

لتشمل جَميع القضايا العلمية الأخرى كالنحو، والبلاغة، وغيرها. فأما المرحلة الأولى فلما كان النبي ﷺ بين أصحابه، فقد كان مرجعهم في تبيين الكتاب، ولم يكونوا يصدرون عن سواه فيه فقد كفاهم، ولأنَّه «مِمَّا ينبغي أن يُعْلَمَ أن القرآن والحديث إذا عُرِفَ تفسيرُهُ من جهة النبي ﷺ ... لم يُحْتَجْ في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم» (١). ومن تمام تعليم رسول الله ﷺ القرآن للناس بيان معانيه ومعرفة أحكامه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] (٢)، ومن ثَمَّ «فإن سنة رسول الله ﷺ تُبَيّن القرآن، وتدل عليه، وتعبر عنه» (٣). وقد كان الصحابة ﵃ في عهد النبي ﷺ إذا جاء الوحي انتظروا بيان رسول الله ﷺ وتفسيره فيما يحتاجُ إلى شرح وبيان وهو قليل، وربما عمدوا إلى سؤاله عما يشكل عليهم من الوحي. كما أن النبي ﷺ قد أباح لهم أن يفهموا القرآن؛ لأن الآلة كانت متحصلة لهم، وصوَّب لهم خطأهم فيما يخطئون فيه، دون أن يلوم أحدًا منهم أو يؤاخذه على فهمه، كما في قصة نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] (٤)، حين شقَّ ظاهرُها على الناس حتى كشف لهم النبي ﷺ عن معناها كما في حديث عبدالله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : «ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٥)» (٦). وكما في قصة عدي بن حاتم ﵁ عند نزول: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٧)، حيث قال عدي: لما نزلت (وذكر

стр. 241

الآية) عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: «إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار» (١). وكان تعليم النبي ﷺ القرآن لأصحابه يقتضي تفهم معانيه، كما كانت قراءة الصحابة القرآن تقتضي الوقوف على معانيه، يدل على ذلك قول أبي عبدالرحمن السلمي (ت ٧٤ هـ): «حدثني الذين كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود، وأبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ كان يقرئهم العشر، فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا» (٢). وقد اختلف العلماء في مقدار التفسير الذي بينه النبي ﷺ للصحابة، فمنهم من قال: إنه فسر عددًا من الآيات (٣)، ومنهم من قال: إنه بين للصحابة معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه (٤). والخلاف في هذه المسألة قد يكون لفظيًا؛ لأن القرآن الكريم أنزل بلغة العرب، وكان لسان المخاطبين به من الصحابة عربيًا، فلم يحتاجوا إلى السؤال عن معاني كثير من آيات القرآن، قال أبو عبيدة: «إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين ... فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي ﷺ أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه» (٥). وما قاله أبو عبيدة لا يعني أن الصحابة ﵃ لم يسألوا رسول الله ﷺ

стр. 242

عن معنى شيء من القرآن، أو أنه لم يبين لهم من معاني القرآن شيئًا، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ بيَّن معاني كثير من آيات القرآن، لكنه لم يبين معاني جميع آياته؛ لأن من القرآن ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ولا شك في أنه لم يفسر لهم ما يرجع فهمه إلى معرفة كلام العرب؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، ولم يفسر لهم ما استأثر الله بعلمه، مما يجري مجرى الغيب التي لم يطلع الله عليها نبيه، وإنما فسر لهم رسول الله ﷺ ما خفي عليهم معناه، أو التبس المراد به، مما خصه الله بمعرفته، وأطلعه عليه (١). ولم يدون شيء من التفسير في حياة رسول الله ﷺ ؛ لأن التدوين كان موجهًا إلى حفظ ألفاظ الوحي، وكان قد نهى أولًا عن كتابة شيء من كلامه غير القرآن، خشية اختلاطه بالقرآن، فقال: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، ومن كتب غير القرآن فَلْيَمْحُهُ» (٢). وقد نقل علماء الصحابة ما سمعوه من التفسير النبوي للقرآن الكريم، وقد حفظت تلك الروايات في كتب التفسير والحديث، وقد جمع السيوطي الروايات المنقولة عن رسول الله ﷺ في التفسير، من كتب الحديث والتفسير، ورتبها على ترتيب سور المصحف، وقد بلغ مجموعها أكثر من مائتين وخمسين رواية بقليل (٣). وقد كان التفسير اللغوي الذي حُفِظَ عن النبي ﷺ قليلًا (٤)، لما تقدم من فصاحة القوم، ولأن التطبيق العملي لأحكام القرآن الذي كانوا يشاهدونه ويشاركون فيه قد أغناهم عن السؤال عن معاني الآيات، ويمكن أن يضاف أمر آخر أسهم في تقليل مسائل الصحابة عن معاني القرآن هو قوة إيمانهم،

стр. 243

وصفاء عقيدتهم، وعمق يقينهم، فكرهوا لذلك السؤال عما تشابه من آي القرآن مما استأثر الله بعلمه، فلم يرو عنهم أنهم سألوا عنه رسول الله، واتجهوا إلى الجانب العملي من القرآن والسنة فسألوا عما خفي منه، واشتغلوا بتعلمه وروايته لمن جاء بعدهم ﵃. ومن أمثلة ذلك تفسير النبي ﷺ ، تفسيره لمعنى الوَسَطِ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (١) بقوله: «الوسط: العدل» (٢). أما بعد وفاته ﷺ فقد اتسعت البلاد، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا، ودخلت العُجْمَةُ على الألسنة، فاحتاج المسلمون لشرح ما لم يكن الصحابة في عهد النبي ﷺ بحاجة إلى شرحه من القرآن والسنة، ففزعوا إلى خلفاء النبي ﷺ في العلم من بعده من أصحابه، والذين صاروا أئمة الناس في شرائع الدين، وعنهم يصدرون، وبرز فيه منهم خلق كثير، رؤوسهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأم سلمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ أجمعين (٣). أمَّا الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدًا، وكأن السبب في ذلك تقدمُ وفاتهم، فلا يُحفظ عن أبي بكر ﵁ في التفسير إلا آثارٌ قليلةٌ جدًا لا تكاد تجاوز العشرة (٤). وأمَّا علي فرويَ عنه الكثير وقد روى معمر عن وهب بن عبد الله

стр. 244

عن أبي الطفيل قال شهدت عليًا يخطب وهو يقول: «سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفتُ بليلٍ نزلت أم بنهارٍ، في سَهْلٍ أَم في جَبلٍ» (١). أمَّا ابن مسعود فروي عنه أكثر مما روي عن علي وقد صحَّ عنه أنه قال: «والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله، إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه» (٢). وأما أُبّيُّ بن كعب فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرًا وكذا الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده (٣). وقد ورد عن جماعة من الصحابة غَيرِ هؤلاء اليسيرُ من التفسير كأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، وورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أشياء تتعلق بالقصص وأخبار الفتن والآخرة وما أشبهها بأن يكون مِمَّا سَأَلَ عنهُ أهلَ الكتاب (٤). - تفسير النبي ﷺ والصحابة: فأما ما روي من التفسير النبوي فلم يكن فيه استشهاد بالشعر، وأَمَّا مَا نُقِلَ من تفاسير الصحابة ﵃ فلا يوجد بينها إلا قليل من الروايات التي ورد فيها الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وذلك لقلة الحاجة للتفسير ولا سيما اللغوي، فقد كانوا أهل الفصاحة، وأصل

стр. 245

العرب. ولا يمكن الاطمئنان إلى هذا العدد القليل من الروايات لتحديد ما يمكن أن يُمَثِّل منهجًا للصحابة في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم - باستثناء ابن عباس وسيأتي الحديث عنه - لقلة ما روي عنهم من ذلك، وليس هناك إلا روايات مفردة لا يمكن أن تشكل منهجًا واضح القَسَمَات. وقد رُوي عن ابن عباس أنه سأل تلاميذه عن معنى الحَرَجِ في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١) وقال: إذا تعانيتم في شيء من القرآن فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربي. ثم دعا ابن عباس أعرابيًا، فقال: ما الحرج؟ قال: الضيق. قال: صدقت (٢). وقد ذكر ابن الأنباري بعد إيراده عددًا من المسائل عن عبد الله بن عباس، فكان ابن عباس يجيب عن كل سؤال، ويستشهد على جوابه ببيت من الشعر، كثرة ما روي من ذلك عن الصحابة فقال: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين - أي الاستشهاد بالشعر في التفسير - إلا أَنَّا نَجْتَزئ بما ذكرنا كراهيةً لتطويل الكتاب، وإنما دعانا إلى ذكر هذا أَنَّ جَماعةً لا علم لهم بحديث رسول الله ﷺ ، ولا معرفة لهم بلغة العرب، أنكروا على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر» (٣). وابن الأنباري قد ذُكِرَ في ترجمتهِ أَنَّهُ كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت من الشواهد الشعرية في تفسير القرآن الكريم (٤). ورُبَّما يكون ما ذكره ابن الأنباري صحيحًا، غير أنه لم يُحفظ من هذه الروايات عن الصحابة إلا النَّزْرُ القليل. أمثلة من تفسير الصحابة واستشهادهم بالشعر: من تلك الروايات التي رويت عن الصحابة ما رُويَ عن عمر بن

стр. 246

الخطاب ﵁ أنه قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (١) فسأَلَ عن معنى التَّخُوّفِ. فقام رجلٌ من قبيلةِ هُذيلٍ وقال: «التخوفُ عندنا التنقصُ»، فلم يُسلِّم له عمر بن الخطاب بجوابه، وإنما طلب حُجةً وشاهدًا على صحة قوله كما هي عادته في التحقق والاستيثاق، فأنشدهُ الهذليُّ قولَ شاعرهم يصف ناقته: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (٢) فقال عمر ﵁: «أيها الناس، تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسيرَ كتابكم» (٣). وهذا التفسيرُ للتخوِّفِ هو المروي عن ابن عباس ﵄، ومجاهد وغيرِهما (٤) من المفسرين وأهل اللغة كابن الأعرابي واللحيانيُّ حيث قال: «تَخوَّفتُ الشيءَ: تنقصته، قال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على تَنقُّصٍ» (٥). وفَرَّقَ ابنُ عاشور بينَ: «تَخَوَّفَ» اللازم والمتعدِّي من حيث المعنى، فقال: «التخوُّفُ في اللغة يأتي مصدر «تَخَوَّفَ» القاصر بِمعنى: خافَ، ومصدر «تَخَوَّفَ» المتعدي بِمعنى: تنقَّص، وهذا الثاني لغة هذيل (٦)، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن» (٧). وقد اختلف العلماء كما تقدم في نسبة الشاهد الشعري الذي يستدل به بعض المفسرين في قصة عمر بن الخطاب ﵁، وقد تقدم تخريجه، وفي

стр. 247

القصة ما يرجح نسبته لشاعر من شعراء هذيل، قد يكون أبو كبير الهذلي وقد يكون غيره، ولذلك قال ابن عاشور: «نسب في الكشاف هذا البيت لزهير، وكذلك في الأساس، وليس زهير بهذلي، ونسبه صاحب اللسان إلى ابن مقبل وليس ابن مقبل بهذلي. وكيف وقد قال الشيخ الهذلي لعمر: قال شاعرنا، فهو هذلي، ووقع في تفسير البيضاوي أن الشيخ الهذلي أجاب عمر بقوله: نعم، قال شاعرنا أبو كبير. وقال الخفاجي: البيت من قصيدة له مذكورة في شعر هذيل، فنسبة البيت إلى أبي كبير أثبت» (١). والظاهر أن هذه القصة قد وقعت في خلافة عمر ﵁، ولم أجد أقدم من هذا التفسير لهذه المفردة قبل هذه القصة، مما جعل بعض العلماء يقرر أن الصحابة لم يكونوا يُعنَون بالسؤال عن المعاني الدقيقة للمفردات القرآنية إذا كان السياق العام للآية بيّنًا وظاهرًا، وأن ذلك هو معهود العرب في كلامها وخطابها، وأن العرب «لا ترى الألفاظ تعبدًا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضًا، فليس أحد الأمرين عندها بِمُلتزم، بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحًا في صحة كلامها واستقامته» (٢). وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب. وهذه القصة التي تقدمت عن خفاء معنى «التخوُّف» على عمر ﵁، ومثلها لفظة «الأبِّ» على أبي بكر ﵁ (٣)، ضعفها بعض العلماء (٤)، بحجة أن الثقة بِها غير متحققة؛ فإنه من المستبعد أن تبقى غير واضحة لجمهور الصحابة ولاسيما القرشيون، وأبو بكر وعمر هما رأس

стр. 248

الصحابة، ويخفى عليهما هذا، في حياة النبي ﷺ ولم يُسئل عن معانيها. وذلك أن القرآن الكريم ما نزل إلا للبيان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] (١) ومعنى ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وضحت، فإن هذا كان اعتراضهم، وأما كونها تفصيلًا لإجْمَالٍ فهذا لا قدح فيه. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١] (٢). وكذلك قوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي بعيد عن العقل أن يأتي الرسول ﷺ بكلام لا يفهمه قومه، فأيُّ فائدة لهذا الكلام؟ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (٣). غير أنه يمكن القول: إن خفاء بعض الألفاظ على هؤلاء الصحابة وارد، ولا سيما إذا لم تكن من لغة قومهم، ولا يتعلق بمعرفتها حكم شرعي، وكان معناها العام مفهومًا من سياق الآيات. وفي قصة عمر بن الخطاب عندما قرأ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٤) وقوله: «كل هذا قد علمناه، فما الأبُّ؟ ثم ضرب عمر بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب ... وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه» (٥). وقد عقب الزمخشري على هذه القصة بقوله: «ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفًا عندهم .... ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن» (٦). وقد روى الحاكم أن عمر ﵁ سأل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية فقال: «هو نبت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام، ولا يأكله الناس» (٧). وقال ابن حجر في خبر أبي بكر: إنه منقطع، وفي خبر عمر:

стр. 249

هو صحيح عنه (١). وقد تعرض أبو عبيدة لتفسير التخوف في هذه الآية فقال: «مَجازُهُ: على تَنقُّص» (٢)، ثُمَّ استشهد بشاهدين من الشعر، الأول قول العباس بن مرداس: أُلامُ عَلى الهِجَاءِ وكُلُّ يومٍ ... يُلاقِيْنِي مِن الجِيْرانِ غُولُ تَخَوَّفَ غدرُهُم مَالي وأُهدي ... سَلاسلَ في الحُلوقِ لها صَليلُ (٣) أي تنقص قدرهم مالي. سلاسلُ: يريدُ القوافي تُنشَدُ فهو صليلُها، وهو قلائد في أعناقهم. والثاني قول طرفة: وجَاملٍ خَوَّفَ مِنْ نَيبهِ زَجرُ المُعَلَّى أُصُلًا والسَّفيح (٤) خَوَّفَ مِن نِيبِهِ، أي: لا يَدَعُهُ يَزيدُ (٥). فأبو عبيدة قد وافق الهذلي في أن معنى التخوف التنقص، ولكنه لم يورد الشاهد الشعري الذي في قصة عمر، في حين أورد الطبري شاهد الهذلي، وشاهد أبي عبيدة معًا (٦). وهناك مثال آخر على هذا المنهج في التفسير، فقد اختلف عبد الله بن عباس مع معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقيل

стр. 250

عبد الله بن عمرو في قراءة قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] (١)، فكان معاوية وعمرو يقرآن: ﴿حَامِيَة﴾، وكان ابن عباس يقرأ: ﴿حَامِيَةً﴾. فطلبا من عبد الله بن عباس شاهدًا من الشعر على صحة ما ذهب إليه، فلم يستحضر شاهدًا، غير أنه بعد خروجه لقي نافع بن الأزرق، وكان نافع يحفظ شعر تُبَّع، فأنشده قوله: فرأَى مغيبَ الشمسِ عند غُروبِها ... في عَينِ ذي خُلُبٍ وثأطٍ حَرمدِ (٢) والخُلُب هو الطين، والثأط هو الحمأة، والحرمد هو الأسود (٣). فأيد هذا الشاهدُ الشعريُّ قراءةَ ابن عباس (٤). وهذان المثالان اللذان تذكرهما كتب التفسير من استشهاد الصحابة بالشعر على تفسير مفردات قرآنية فحسب، يمكن اعتبارها بداية لطريقة أصبحت فيما بعد من الطرق التي اتبعها المفسرون في تفسيرهم للقرآن الكريم بلغة العرب. ويمكن من خلال الأمثلة القليلة المتوفرة وصف طريقة الصحابة في الاستشهاد بالشعر على تفسير القرآن الكريم، في التالي: ١ - ذكر الشاهد الشعري مجردًا من الشرح. وذلك كالمثال السابق الذي نُقل عن عمر بن الخطاب، فقد سأل الهذلي عن الشاهد على صحة قوله: إنَّ التخوَّفَ عندهم هو التنقص، فذكر له الشاهد الشعري، فَسَلَّمَ له، ولم يطالبه بشرح بيت الشعر، مع أن الذين ذكروا البيت بعد ذلك شرحو معناه، لخفاء بعض عباراته مثل «التَّامِك» و «القَرِد» و «السَّفَن» (٥). وكذلك ابن عباس في مسائله فإنه لا يزيد على أن يقول ألم تسمع
следующие страницы →