← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الخطاب ﵁ أنه قرأ على المنبر قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾ [النحل: ٤٧] (١) فسأَلَ عن معنى التَّخُوّفِ. فقام رجلٌ من قبيلةِ هُذيلٍ وقال: «التخوفُ عندنا التنقصُ»، فلم يُسلِّم له عمر بن الخطاب بجوابه، وإنما طلب حُجةً وشاهدًا على صحة قوله كما هي عادته في التحقق والاستيثاق، فأنشدهُ الهذليُّ قولَ شاعرهم يصف ناقته: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (٢) فقال عمر ﵁: «أيها الناس، تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسيرَ كتابكم» (٣). وهذا التفسيرُ للتخوِّفِ هو المروي عن ابن عباس ﵄، ومجاهد وغيرِهما (٤) من المفسرين وأهل اللغة كابن الأعرابي واللحيانيُّ حيث قال: «تَخوَّفتُ الشيءَ: تنقصته، قال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على تَنقُّصٍ» (٥). وفَرَّقَ ابنُ عاشور بينَ: «تَخَوَّفَ» اللازم والمتعدِّي من حيث المعنى، فقال: «التخوُّفُ في اللغة يأتي مصدر «تَخَوَّفَ» القاصر بِمعنى: خافَ، ومصدر «تَخَوَّفَ» المتعدي بِمعنى: تنقَّص، وهذا الثاني لغة هذيل (٦)، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن» (٧). وقد اختلف العلماء كما تقدم في نسبة الشاهد الشعري الذي يستدل به بعض المفسرين في قصة عمر بن الخطاب ﵁، وقد تقدم تخريجه، وفي

стр. 247

القصة ما يرجح نسبته لشاعر من شعراء هذيل، قد يكون أبو كبير الهذلي وقد يكون غيره، ولذلك قال ابن عاشور: «نسب في الكشاف هذا البيت لزهير، وكذلك في الأساس، وليس زهير بهذلي، ونسبه صاحب اللسان إلى ابن مقبل وليس ابن مقبل بهذلي. وكيف وقد قال الشيخ الهذلي لعمر: قال شاعرنا، فهو هذلي، ووقع في تفسير البيضاوي أن الشيخ الهذلي أجاب عمر بقوله: نعم، قال شاعرنا أبو كبير. وقال الخفاجي: البيت من قصيدة له مذكورة في شعر هذيل، فنسبة البيت إلى أبي كبير أثبت» (١). والظاهر أن هذه القصة قد وقعت في خلافة عمر ﵁، ولم أجد أقدم من هذا التفسير لهذه المفردة قبل هذه القصة، مما جعل بعض العلماء يقرر أن الصحابة لم يكونوا يُعنَون بالسؤال عن المعاني الدقيقة للمفردات القرآنية إذا كان السياق العام للآية بيّنًا وظاهرًا، وأن ذلك هو معهود العرب في كلامها وخطابها، وأن العرب «لا ترى الألفاظ تعبدًا عند محافظتها على المعاني، وإن كانت تراعيها أيضًا، فليس أحد الأمرين عندها بِمُلتزم، بل قد تبني على أحدهما مرة، وعلى الآخر أخرى، ولا يكون ذلك قادحًا في صحة كلامها واستقامته» (٢). وهذا جارٍ في المعاني والألفاظ والأساليب. وهذه القصة التي تقدمت عن خفاء معنى «التخوُّف» على عمر ﵁، ومثلها لفظة «الأبِّ» على أبي بكر ﵁ (٣)، ضعفها بعض العلماء (٤)، بحجة أن الثقة بِها غير متحققة؛ فإنه من المستبعد أن تبقى غير واضحة لجمهور الصحابة ولاسيما القرشيون، وأبو بكر وعمر هما رأس

стр. 248

الصحابة، ويخفى عليهما هذا، في حياة النبي ﷺ ولم يُسئل عن معانيها. وذلك أن القرآن الكريم ما نزل إلا للبيان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] (١) ومعنى ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وضحت، فإن هذا كان اعتراضهم، وأما كونها تفصيلًا لإجْمَالٍ فهذا لا قدح فيه. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١] (٢). وكذلك قوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي بعيد عن العقل أن يأتي الرسول ﷺ بكلام لا يفهمه قومه، فأيُّ فائدة لهذا الكلام؟ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (٣). غير أنه يمكن القول: إن خفاء بعض الألفاظ على هؤلاء الصحابة وارد، ولا سيما إذا لم تكن من لغة قومهم، ولا يتعلق بمعرفتها حكم شرعي، وكان معناها العام مفهومًا من سياق الآيات. وفي قصة عمر بن الخطاب عندما قرأ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٤) وقوله: «كل هذا قد علمناه، فما الأبُّ؟ ثم ضرب عمر بيده، ثم قال: لعمرك إن هذا لهو التكلف، واتبعوا ما يتبين لكم في هذا الكتاب ... وما يتبين فعليكم به، وما لا فدعوه» (٥). وقد عقب الزمخشري على هذه القصة بقوله: «ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفًا عندهم .... ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن» (٦). وقد روى الحاكم أن عمر ﵁ سأل ابن عباس ﵄ عن هذه الآية فقال: «هو نبت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام، ولا يأكله الناس» (٧). وقال ابن حجر في خبر أبي بكر: إنه منقطع، وفي خبر عمر:

стр. 249

هو صحيح عنه (١). وقد تعرض أبو عبيدة لتفسير التخوف في هذه الآية فقال: «مَجازُهُ: على تَنقُّص» (٢)، ثُمَّ استشهد بشاهدين من الشعر، الأول قول العباس بن مرداس: أُلامُ عَلى الهِجَاءِ وكُلُّ يومٍ ... يُلاقِيْنِي مِن الجِيْرانِ غُولُ تَخَوَّفَ غدرُهُم مَالي وأُهدي ... سَلاسلَ في الحُلوقِ لها صَليلُ (٣) أي تنقص قدرهم مالي. سلاسلُ: يريدُ القوافي تُنشَدُ فهو صليلُها، وهو قلائد في أعناقهم. والثاني قول طرفة: وجَاملٍ خَوَّفَ مِنْ نَيبهِ زَجرُ المُعَلَّى أُصُلًا والسَّفيح (٤) خَوَّفَ مِن نِيبِهِ، أي: لا يَدَعُهُ يَزيدُ (٥). فأبو عبيدة قد وافق الهذلي في أن معنى التخوف التنقص، ولكنه لم يورد الشاهد الشعري الذي في قصة عمر، في حين أورد الطبري شاهد الهذلي، وشاهد أبي عبيدة معًا (٦). وهناك مثال آخر على هذا المنهج في التفسير، فقد اختلف عبد الله بن عباس مع معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وقيل

стр. 250

عبد الله بن عمرو في قراءة قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] (١)، فكان معاوية وعمرو يقرآن: ﴿حَامِيَة﴾، وكان ابن عباس يقرأ: ﴿حَامِيَةً﴾. فطلبا من عبد الله بن عباس شاهدًا من الشعر على صحة ما ذهب إليه، فلم يستحضر شاهدًا، غير أنه بعد خروجه لقي نافع بن الأزرق، وكان نافع يحفظ شعر تُبَّع، فأنشده قوله: فرأَى مغيبَ الشمسِ عند غُروبِها ... في عَينِ ذي خُلُبٍ وثأطٍ حَرمدِ (٢) والخُلُب هو الطين، والثأط هو الحمأة، والحرمد هو الأسود (٣). فأيد هذا الشاهدُ الشعريُّ قراءةَ ابن عباس (٤). وهذان المثالان اللذان تذكرهما كتب التفسير من استشهاد الصحابة بالشعر على تفسير مفردات قرآنية فحسب، يمكن اعتبارها بداية لطريقة أصبحت فيما بعد من الطرق التي اتبعها المفسرون في تفسيرهم للقرآن الكريم بلغة العرب. ويمكن من خلال الأمثلة القليلة المتوفرة وصف طريقة الصحابة في الاستشهاد بالشعر على تفسير القرآن الكريم، في التالي: ١ - ذكر الشاهد الشعري مجردًا من الشرح. وذلك كالمثال السابق الذي نُقل عن عمر بن الخطاب، فقد سأل الهذلي عن الشاهد على صحة قوله: إنَّ التخوَّفَ عندهم هو التنقص، فذكر له الشاهد الشعري، فَسَلَّمَ له، ولم يطالبه بشرح بيت الشعر، مع أن الذين ذكروا البيت بعد ذلك شرحو معناه، لخفاء بعض عباراته مثل «التَّامِك» و «القَرِد» و «السَّفَن» (٥). وكذلك ابن عباس في مسائله فإنه لا يزيد على أن يقول ألم تسمع

стр. 251

قول الشاعر كذا، أو كما قال الشاعر كذا، من غير شرح وتفصيل. وهذا المنهج في الاستشهاد سببه أن المفسر من الصحابة كان إذا أحال السائل على الشاهد الشعري يحيله على شيء معلوم لديه تمام العلم، لأن الشعر كان هو العلم الذي أتقنته العرب، ولم يكن لهم علم سواه (١)، فكان الشعر سهل الفهم، واضح العبارات، فعندما يحال السائل إليه يكتفي ويستغني عن السؤال. ولذلك حث عمر ﵁ على تعلم الشعر، والحرص عليه، لما فيه من توضيح كثير من ألفاظ القرآن الكريم. ٢ - الاستشهاد بأشعار الجاهليين، والمخضرمين. فأبو كبير الهذلي الذي نُسِبَ إليه الشاهد في قصة عمر ﵁ كان جاهليًا (٢)، والبيت الآخر كان لأمية بن أبي الصلت وهو شاعر معاصر لهم (٣). ٣ - الاكتفاء بالشاهد الشعري الواحد في الجواب، فلا يطالب السائل بالمزيد من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة غير ما تقدم أن ابن عباس سئل عن معنى الآية: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (٤) فقال: ما جَمَعَ. ألم تسمع قول الشاعر: (٥) مُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (٦) ٤ - نسبة الشعر إلى قائله، أو قبيلته. من مثل قول ابن عباس لما سُئِلَ عن معنى قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] (٧) قال: لا تَلْبَسهَا على غَدْرَةٍ ولا فَجْرَةٍ. ثم قال: أَلا تسمعونَ قولَ غيلانَ بنِ سلمة (٨):

стр. 252

إِنِّي بِحَمْدِ الله لا ثَوبَ فَاجرٍ ... لَبِسْتُ ولا مِنْ غَدْرَةٍ أَتَقَنَّعُ (١) فهو قد نسب الشاهد لقائله، لتأكيد المعرفة بالشعر وقائله، ولا يمكن القول لتأكيد صحة الاحتجاج، لعد ظهور مسألة عصور الاحتجاج بعد. ٦ - عدم القناعة بغير شواهد الشعر، كما في قصة نافع فقد كانت كل الشواهد من الشعر. ولذلك يقول المبرد: ومِمَّا سأَلهُ - أي نافع بن الأزرق - عنه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١، ٢] (٢) فقال ابن عباس: تأويله: هذا القرآن. ثم قال المُبَرِّدُ: هكذا جاء، ولا أحفظ عليه شاهدًا عن ابن عباس، وأنا أحسبه لم يقبله إلا بشاهد (٣). فهو يعني أن نافعًا لم يكن ليقبل تفسير ابن عباس إلا بشاهد من شعر العرب، غير أنه لم يحفظ المبرد ذلك الشاهد. ومن سمات الشواهد الشعرية في تفسير الصحابة أنها جميعها شواهد لغوية، ولم يرد عنهم شاهد على مسألة نحوية لعدم الحاجة إليها، ومن الأدلة على ذلك غير ما تقدم، المسائلُ التي سُئِلَ عنها ابن عباس من نافع بن الأزرق، فكلها شواهد لغوية (٤). وستأتي. وأما عبد الله ابن عباس فهو ترجُمان القرآن، وهو سيد المفسرين لمن بعده، ولم ينقل عن أحد من أصحاب النبي ﷺ في التفسير أكثر مما نقل عنه، وما آتاه الله من العلم بالقرآن إنما حصل له ببركة دعاء رسول الله ﷺ له، حيث دعا له بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٥). وقد كان مقدمًا على أقرانه عند أمير المؤمنين عمر بن

стр. 253

الخطاب ﵁، حتى كان يجعله في العلم في مصاف البدريين مع صغر سنه (١). وكان فقيه الصحابة عبد الله بن مسعود يثني عليه بقوله: «نعم ترجمان القرآن ابنُ عباس» (٢). وقد اشتهر عن ابن عباس أنه إذا سُئِلَ عن الشيء من عربية القرآن ينشد الشعر، ويقول إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب (٣). ومعنى هذا أنه يُستشهد بالشعر على تفسير القرآن لا على القرآن نفسه (٤). ويُعَدُّ ابنُ عباس أولَ من فتح باب الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، بمنهجية واضحة يصح أن يقال عنها منهج، وأشهر ما روي عنه من ذلك ما يُعرفُ بمسائلِ نافع بن الأزرق، التي نقلت إلينا، ولأهميتها، وكونها الوثيقة الأولى في هذا المنهج أُفرِدَ لها المبحث الثاني.

стр. 254

المبحث الثاني: مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ﵄ . (١) هذه المسائل مِنْ أَوَّلِ ما عُرِفَ في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، قال العسكري وهو يتحدث عن أولية التأليف في غريب القرآن: «أولُ من صنف في غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى، صنف كتاب المَجاز، وأخذ ذلك من ابن عباس حين سأله نافع بن الأزرق عن أشياء من غريب القرآن، ففسرها له، واستشهد عليها بأبيات من شعر العرب، وهو أول ما روي في ذلك وهو خبر معروف» (٢). وقد وُجِدَت إشارات مقتضبة إلى هذه المسائل في كتب السنة، والتفسير، والأدب، غير أنه لم يقم أحد منهم بالحكم عليها، ونقد أسانيدها ومتونها، ولذلك قام بعض الباحثين المعاصرين بإفراد هذه المسائل بالتأليف، والنظر إليها من زاوية التفسير البياني للقرآن الكريم (٣)، أو من زاوية اللغة (٤)، بطريقة توهم القارئ أن كل هذه المسائل صحيحة لا شك فيها، في حين قام بعض من الباحثين بالتشكيك في هذه المسائل، والطعن في ثبوتها (٥)، دون أن يكون هذا الطعن مبنيًا على دراسة نقدية منصفة، تبحث في صحيح هذه الآثار من ضعيفها.

стр. 255

* مادة المسائل: هذه المسائل هي ألفاظ من غريب القرآن أشكلت على نافع بن الأزرق الخارجي (ت ٦٥ هـ)، فجاء يسألُ عنها عبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨ هـ) وهو في مكة، واشترط على ابن عباس أن يأتيه على كل جواب بشواهد من الشعر العربي، تصدق ما فسر به ابن عباس تلك الكلمات، وكان من أمره أنه «خرج نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر (١) في نفر من رؤوس الخوارج يُنَقِّرُونَ عن العلم ويطلبونه، حتى قدموا مكة، فإذا هم بعبدالله بن عباس قاعدًا إلى جنب زمزم عليه رِدَاءٌ لَه أْحْمَرُ، وقميصٌ أبيضُ، وإذا الناس قيام يسألونه عن التفسير، ويقولون: يا ابن عباس، ما تقول في كذا؟ فيقول: كذا وكذا. فقال له نافع بن الأزرق: ... إني أتيتك لأسألك. قال: هات يا ابن الأزرق» (٢). وكان نافع طلب من ابن عباس أن لا يجيبه بجواب، إلا مستشهدًا له بشاهد من شعر العرب (٣). * وقت هذه المسائل: لم أجد تحديدًا لتاريخ هذه المسائل في الكتب التي نقلتها أو أشارت إليها، ويمكن تقدير وقت هذه الأسئلة ما بين عامي خَمسةٍ وأربعينَ وخَمسةٍ وخَمسين من الهجرة (٤٥ - ٥٥ هـ)؛ وذلك للقرائن التالية: ١ - قُدومُ نافع بن الأزرق، مع نَجْدة بن عُويْمر في نَفَرٍ من الخوارج إلى ابن عباس يسألونه عن العلم، وهذا يدل على ظهور أمر

стр. 256

الخوارج، وقد كان خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ابتداء من سنة ٣٧ هجرية بعد وقعة صفين (١). ٢ - أنَّ هؤلاء الخوارج كانوا لا يزالون صفًا واحدًا قبل أن يفترق الأزارقة عن النجدية عام ٦٤ هجرية (٢). ٣ - إنشاد عمر بن أبي ربيعة قصيدته الرائية بين يدي ابن عباس بحضرة نافع بن الأزرق، وهي قصيدة بديعة، يندر أن يكتبها الشاعر قبل العشرين من عمره، وهذه الحقبة توافق تحديد عمر الشاعر عمر بن أبي ربيعة فيما بين ٢٢ سنة و ٣٢ سنة، وهي فترة شبابه؛ حيث ولد سنة ٢٣ هجرية، وأغلب من ذكر قصة هذه المسائل يصف ابن أبي ربيعة بأنه شاب (٣). ٤ - أَنَّ هذه المسائل فيما يبدو كانت قبلَ أنْ يُكَفَّ بَصَرُ ابن عباس ﵄، والذي يمكن تحديده بعام ٦٠ هجرية، وإن كانت العلاقة لم تنقطع بعد عمى ابن عباس ﵄ (٤)، وعلى هذا فقد كانت هذه المسائل زمن خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵄، حيث بويع له بالخلافة عام ٤٠ للهجرة، وبقي حتى مات سنة ٦٠ للهجرة (٥). * مصادر مسائل نافع بن الأزرق ورواياتها (٦). - المسائل في كتب التفسير وما تعلَّق به: ١ - ذكرها الإمام عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢١٠ هـ) في تفسيره

стр. 257

فقال: «أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أخبرني مَنْ سَمِعَ ابنَ عباس يخاصم نافع بن الأزرق ... ». (١) ولم تتضمن المسائل فيما أخرجه شواهد من الشِّعْرِ. ٢ - أشار الإمام الطبري (ت ٣١٠ هـ) إلى هذه المسائل عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢] (٢) حيث أخرج عن سعيد بن جبير بإسنادين مُختلفين، قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن ... » (٣). ثم ذكر رواية ثالثة عن الضحاك - من غير طريق جويبر -: «أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس، قول الله ﵎: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] (٤)، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: أُلقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئًا، إلا مِمَّنْ وَحَّدَهُ، فيقولون: تعالوا نجحد، فيسألهم فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، قال: فيختم على أفواههم ويستنطق

стр. 258

جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثًا (١). ولم تتضمن روايات الطبري لهذه المسائل التي ذكر فيها نافع بن الأزرق شواهد من الشعر، وإن كان في مواضع أخرى لم يشر فيها إلى المسائل قد أورد الشواهد الشعرية عن ابن عباس. ٣ - ثم جاء أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (ت ٣٢٨ هـ)، فأخرج بسنده مسائل ابن الأزرق بشواهدها الشعرية (٢). ٤ - ثم بعد القرن الرابع الهجري كثر رجوع المفسرين إلى هذه المسائل، والاستشهاد بها لغريب ألفاظ القرآن، ومِمَّنْ رجع إليها من المفسرين ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في كتابه «أحكام القرآن»، والبغوي في تفسيره (٣)، والرازي في ... تفسيره (٤)، وأبو المظفر السمعاني في تفسيره (٥)، وأبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ) في «الجامع لأحكام القرآن»، وابن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ) في «تفسير القرآن العظيم» (٦). فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢] (٧) قال ابن العربي: « .... ويُروى أَنَّ نافعَ بنَ الأَزرقِ سأل ابن عباس عن قوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ قال: هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك، قال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم وتقوله، أما سمعت قول الشاعر (٨):

стр. 259

حَفَدَ الوَلائدُ حَولَهُنَّ وأُلقيتْ ... بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأَجْمَالِ (١)» (٢). ٥ - وذكرها النحاس في معاني القرآن (٣)، دون ذكر شواهد شعرية. ٦ - وذكرها ابن ناصر الدين الدمشقي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] (٤) حيث قال: «وفي مسائل نافع بن الأزرق الحنفي الحروري فقيه الخوارج لعبدالله بن عباس ﵄، وسأله عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فقال ابن عباس: غير مقطوع. قال هل تعرف العرب ذلك؟ فقال: قد عرفه أخو بني يشكر حيث قال: وَتَرى خَلْفَهُنَّ مِنْ سُرْعَةِ الرَّجْـ ... ـعِ مَنِيْنًا كَأَنَّهُ أَهْبَاءُ (٥) يعني الغبار تقطعه قطعًا وراءَها، والمَنِيْنُ: الغبار الضعيف» (٦). ٧ - وأما كتب علوم القرآن، فقد احتفلت بِمَسائل نافع بن الأزرق عند الحديث عن غريب القرآن، فقد أشار إليها الزركشي (٧) (ت ٧٩٤ هـ)، وتوسع في عرضها السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه «الإتقان» (٨)، كما رجع إليها في كتابه الآخر «المُهذَّب فيما وقع في القرآن من المُعرَّب» (٩)، وذكر السيوطي في كتابه «الوسائل في مسامرة الأوائل» أن «أول من صنف في

стр. 260

غريب القرآن أبو عبيدة معمر بن المثنى أخذ ذلك من أسئلة نافع بن الأزرق لابن عباس» (١). وهو مسبوق بما ذكره العسكري كما تقدمت الإشارة إليه. وجُلُّ من كتب في المسائل من المتأخرين اعتمد على ما أورده السيوطي من هذه المسائل في الإتقان. - المسائل في كتب الحديث: ١ - أورد الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) روايةً مُعلَّقةً في الحديث الثاني الذي قدم به لسورة «فُصِّلَتْ» في كتاب التفسير من صحيحه، قال: «وقال المنهالُ: عن سعيد بن جُبَيْرٍ، قال: قال رجل لابن عباس: إِنِّي أجد في القرآن أشياءَ تختلف عليَّ ... ». وقد وَصَلَ البخاريُّ الحديثَ بعد تَمَامهِ فقال: «حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيدالله بن عمرو عن زيد بن أبي أُنَيسةَ عن المنهال بِهَذا». (٢) قال الحافظ بن حجر (ت ٨٥٢ هـ): «قوله: «قالَ رجلٌ لابنِ عباسٍ» كأَنَّ هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يُجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه» (٣). ٢ - يُعَدُّ «المعجم الكبير» للإمام أبي القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) أشهر كتب الحديث التي نقلت هذه المسائل، فقد أخرجها الطبراني ضمن مروياته عن ابن عباس من طريق الضحاك بن مزاحم، قال: «خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج ينقرون عن العلم ويطلبونه حتى قدموا مكة ... » (٤). وقد أورد الطبراني من هذه المسائل إحدى وثلاثين مسألة مع شواهدها الشعرية. وعن المعجم الكبير أخذها جل المتأخرين، لكن المعاصرين أخذوها من مراجع وسيطة

стр. 261

متأخرة، وربما يكون تأخر طبع المعجم الكبير سببًا في ذلك. ٣ - أخرج هذه المسائل الإمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة قال: «سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ [المرسلات: ٣٥] (١)، ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ٢)، وقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ [الصافات: ٢٧] (٣)، ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] (٤)» (٥). ٤ - ومن متأخري المُحدثين الذين أوردوا مسائل نافع بن الأزرق الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) حيث أوردها في «مَجْمَعِ الزوائد ومَنْبَعِ الفوائد» من رواية الطبراني. (٦) - المسائل في كتب الأدب: ١ - وأما كتب الأدب فقد ظل الاهتمام بهذه المسائل محصورًا في بحث علاقة القرآن بالشعر، ويُعَدُّ كتاب «الكامل» للمبرد (ت ٢٨٥ هـ) من أول من أشار إلى هذه المسائل، حيث يقول: «حَدَّثَ أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المُثَنَّى التيميُّ النسابة عن أسامة بن زيد عن عكرمة قال: رأيت ابن عباس وعنده نافع بن الأزرق وهو يسأله، ويطلب منه الاحتجاج باللغة» (٧). وقد أورد جُملةً مُختصرةً منها حيث يقول: «وله - أي نافع بن الأزرق - ولعبدالله بن عباس مسائل كثيرة، وسنذكر جملة منها في هذا الكتاب إن شاء الله» (٨). ٢ - ومن كتب الأدب التي أوردت هذه المسائل كتاب «جَمْهَرةُ أَشعارِ العرب» لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي الذي عاش في

стр. 262

القرن الخامس الهجري (١)، فقد نص على قدوم نافع بن الأزرق إلى ابن عباس، وسؤاله عن القرآن، ومخاطبة ابن عباس له بقوله: « ... ونحن ذاكرون في كتابنا هذا ما جاءت به الأخبار المنقولة، والأشعار المحفوظة عنهم، وما وافق القرآن من ألفاظهم، وما روي عن رسول الله ﷺ في الشعر والشعراء، وما جاء عن أصحابه والتابعين من بعدهم ... فمن ذلك ما حدثنا به المفضل بن عبد الله (٢) عن أبيه عن جده، عن أبي ظبيان، عن عبد الله بن عباس قال: قدم نافع بن الأزرق الحروري إلى ابن عباس يسأله عن القرآن، فقال ابن عباس: يا نافع إن القرآن كلام الله تعالى، خاطب به العرب على لسان أفصحها، فمن زعم أن في القرآن غير العربية فقد افترى؛ لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر: ٢٨] (٣)» (٤). ثم عقد فصلًا بعنوان «ما وافق القرآن من ألفاظ العرب» أورد فيه أربعةً وثَمانينَ شاهدًا من الشعر المنسوب، وكلمات القرآن التي وافقت ما في هذه الشواهد من الألفاظ، وجُملةٌ كبيرة من تلك الشواهد وردت في مسائل نافع بن الأزرق (٥). ٣ - وأشار إليها المرزوقي (ت ٤٢١ هـ) في سياق ذكره لقصيدة عمر بن أبي ربيعة (٦). ٤ - كما أشار إليها نجم الدين الطوفي (ت ٧١٦ هـ) في كتابه «الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية» فقال: «عبد الله بن العباس الذي كان إذا سُئِلَ عن غريب القرآن ومشكلاته، أنشد أشعارَ العرب،

стр. 263

حتى إني رأيت ذلك كتابًا مستقلًا، يُعرفُ بِمسائل نافع بن الأزرق لابن عباس، ثلاثة كراريس فيه مائتان وخَمسون بيتًا تقريبًا، يُنْشِدُ كُلَّ بيتٍ على مسألة» (١). - المسائل عند المعاصرين: ١ - أول من أشار إليها محمد فؤاد عبدالباقي عندما أفردها في كتابه «معجم غريب القرآن»، وقد اعتمد على رواية السيوطي، وأعاد ترتيبها على حروف المعجم. (٢) ثم في دراسة د. سزكين لآثار ابن عباس ﵄ في التفسير ذكر الأثر الثالث وهو مسائل نافع بن الأزرق، وقال: «وتضم أسئلة زعيم الخوارج إلى عبد الله بن عباس عن معاني مائتي كلمة صعبة في القرآن، أجاب عنها ابن عباس وشرحها بشواهد من الشعر القديم» (٣). ٢ - ما كتبته الدكتورة عائشة عبدالرحمن المعروفة ببنت الشاطي بعنوان «الإعجاز البياني للقرآن ومسائل نافع بن الأزرق» الصادر عام ١٩٧١ م، وقد خصصت أكثر من نصف الكتاب لدراسة مسائل نافع بن الأزرق من حيث ألفاظها، وموازنتها بِما في كتب التفسير (٤). ٣ - ما كتبه الشيخ أبو تراب الظاهري في الجزء الأول من كتابه «شواهد القرآن»، فقد أفرده لشرح مسائل نافع بن الأزرق شرحًا لغويًا بديعًا (٥). ولم يُعْنَ فيه بتحقيق صحة هذه المسائل، وإنما عني بجمعها والكلام عليها من الناحية اللغوية المعجمية. ٤ - نشرة بعنوان: «سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن

стр. 264

عباس»، أخرجها إبراهيم السامرائي في بغداد سنة ١٩٦٨ م، وهي تحقيق لمخطوطة المسائل المروية عن الإمام الطستي المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم ١٦٦ مجاميع، وقد نشرها المحقق في حلقتين بِمَجلة رسالة الإسلام في العددين ٥، ٦ من السنة الثانية، ثم نشرها في كتاب بعد ذلك. ٥ - نشرة أخرى لهذه المخطوطة المعروفة بمسائل الطستي بتحقيق محمد عبدالرحيم وأحمد نعامة، صدرت من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة ١٤١٣ هـ بعنوان: «غريب القرآن في شعر العرب - سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس»، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطاب ﵁ (١). ٦ - نشرها الدكتور محمد الدالي باسم «مسائل نافع بن الأزرق عن عبد الله بن العباس»، وقد اعتمد في إخراجها على المخطوطتين المحفوظتين بالمكتبة الظاهرية، وهي أوثق نشرات المسائل من حيث العنايةُ بالنص وخدمتهُ، لا من حيث إسنادُها الذي رويت به فهو موضوع كما سيأتي الحكم عليه في موضعه، ولم ينبه المُحققُ إلى ذلك. وقد ذيلهما المُحقق بِما لم يرد في هاتين النسختين مما ورد عند ابن الأنباري، والمبرد والسيوطي وسؤالات نافع التي أخرجها السامرائي وهي من رواية الطستي. ٧ - تناول هذه المسائل كذلك الدكتور أحمد الخياطي في بحثه «شواهد التفسير عند ابن عباس في مسائل نافع بن الأزرق» بدار الحديث الحسنية بالمغرب (٢).

стр. 265

٨ - وهناك نشرة أخرى لهذه المسائل بعنوان: «غريب القرآن لحبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، نص المحاورة التي دارت بفناء الكعبة بين نافع بن الأزرق وابن عباس، ونقلها السيوطي في الإتقان». عرض وتعليق وتقديم محمد إبراهيم سليم. وهي مستلة من الإتقان للسيوطي. * روايات المسائل: هذه المسائل من حيثُ ثُبوتُها في حاجة إلى دراسة أسانيدها دراسة حديثية لأسانيدها ومتونها، ليتبين مدى صحتها وحجيتها في باب التفسير اللغوي للقرآن الكريم والاحتجاج له بشعر العرب، وقد جاءت تلك المسائل في مواضع متفرقة من كتب أهل العلم، وفي موضوعات متباينة، فكان لابُدَّ من جَمعِ جَميع الطرق التي رويت بِها، ونظرًا لعدم اطلاعي على دراسة حديثية وافية لأسانيد هذه المسائل، ولتعلقها بِموضوع الرسالة قمتُ بدراسة أسانيدها دراسة حديثيةً لتكتمل الصورة عند النظر إلى هذه المسائل المشهورة. أولًا: نقد الأسانيد: هذه المسائل على قسمين: * القسم الأول: مسائل ورد فيها السؤال عن آيات من القرآن الكريم دون اشتراط الاستشهاد عليها بشعر العرب، وقد وردت من عدة طرق: * الطريق الأول: مداره على المنهال بن عمرو. وقد رواه عبد الرزاق (١) عن معمر، عن رَجُلٍ، عن المنهال بن عمرو. ومن طريق

стр. 266

عبد الرزاق رواه ابن جرير الطبري (١). ورواه يعقوب الفسوي (٢)، والبُخَاريُّ (٣)، والطبراني (٤). ومن طريق الطبراني رواه المِزِّيُّ (٥)، والذهبي (٦)، وابن حجر (٧) من طريقِ زيدِ بنِ أَبي أُنَيسةَ عَن المِنهالِ بهِ. كلاهُما: رَجلٌ - مُبْهَمٌ - وزيدُ بن أبي أنيسةَ، عَن المنهال عن سعيد بن جبيرٍ قال: قال رجلٌ لابن عباسٍ: «إِنِّي أَجد في القرآن أشياءَ تَختلفُ عليَّ .... ». ثم سأله عن عدد من الآيات وأجابه ابن عباس. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة (٨)، والحاكم (٩) من طريق الأعمش سُليمانَ بنِ مِهرانَ عن المِنهالِ بهِ، بلفظ: «قال ابن عباسٍ: كان داود ﵇ يوضعُ له ستمائة ألف كُرسيٍّ، ثُم يَجِيءُ أشرافُ الإنسِ حتى يَجلسوا مِمَّا يلي الأَيْمن ... ». إلى آخر الأثر وفيها أنه استوقفه نافع بن الأزرق وسأله عن الهدهد. والسائل في الأثر عن ابن عباس ﵁ رَجُلٌ مبهمٌ، جاء تَمييزهُ في روايةِ الطبرانيِّ بأَنَّهُ سعيد بنُ جُبير، وهذا يخالف ما جاء في بقية المصادر التي روت الأثر، فهو إِمَّا خطأٌ طِبَاعِيٌّ، وإِمَّا تصحيفٌ في روايات «المعجم الكبير»، فقد جاء في المصادر التي روت الأثر من طريق الطبراني على أَنَّهُ «رَجُلٌ» بصيغة الإبهام، وذهب ابن حجر (١٠)، والعيني (١١) إلى أنه نافع بن الأزرق. كما أنَّه ورد التصريح باسم نافع بن الأزرق في أثناء الأثر الذي أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم المتقدم.

стр. 267

والأَثَرُ بِهَذا الإسناد أورده البخاري في صحيحه، وغاير في سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود فقال بعد أن ذكر متنه: «حدثنيه يوسف بن عدي: حدثنا عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بهذا». (١) وقد ذكر ابن حجر كلامًا للبرقاني تعليقًا على هذا الصنيع من البخاري فقال: «ولم يخرج البخاري ليوسف ولا لعبيدالله بن عمرو ولا لزيد بن أبي أنيسة حديثًا مسندًا سواه، وفي مغايرة البخاري سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على شرطه وإن صارت صورته صورة الموصول، وقد صرح ابن خزيمة في صحيحه بهذا الاصطلاح وأن ما يورده بهذه الكيفية ليس على شرط صحيحه، وخرج على من يغير هذه الصيغة المصطلح عليها إذا أخرج منه شيئًا على هذه الكيفية، فزعم بعض الشراحِ أنَّ البخاريَّ سَمعهُ أولًا مُرسلًا، وآخِرًا مُسندًا فنقلهُ كما سَمعهُ، وهذا بعيدٌ جدًا. وقد وجدتُ للحديث طريقًا أخرى أخرجها الطبري (٢) من رواية مطرف من طريقٍ عن المنهال بن عمرو بتمامه، فشيخُ مَعْمَر المُبهَمُ يُحتملُ أن يكون مُطَرِّفًا، أو زيدَ بنَ أبي أُنيسةَ، أو ثَالثًا» (٣). ولم يتبين لي فصل كلام ابن حجر من كلام البرقاني في هذا النقل المتقدم في المطبوع، فكأن البرقاني أو ابن حجر يرجح صحة الأثر، وأن مغايرة البخاري لسياق إسناده لا تدل على عدم صحته، بدليل وجود طريق أخرى للأثر عند الطبري، وكذلك فإن الحافظ المزي جزم بعزوه للبخاري فقال بعد تخريجه: «رواه البخاري بطوله» (٤). * الطريق الثاني: روى عَبْدُ بنُ حُميدٍ في تفسيره كما في تغليق التعليق لابن حجر (٥)، قال حدثني سليمانُ بن حَربٍ، ثنا حَمَّادُ بنُ

стр. 268

سَلَمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي الضُّحَى (١)، أَنَّ نافعَ بن الأزرقِ، وعَطيةَ، أَتيَا ابنَ عباسٍ فقالا: يا ابنَ عبَّاسٍ، أَخْبِرنَا عن قول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ [المرسلات: ٣٥] (٢)، وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣١] (٣) ... » إلى آخر الرواية، وسألوه عن عدد من الآيات وأجاب ابن عباس عنها. وقد ذكره السيوطي وعَزاهُ لِعَبدِ بنِ حُميد (٤). * الطريق الثالث: رواه عبد الرزاق (٥)، قال أنا ابن عيينةَ، عن عمرو بن دينار قال: أَخْبَرني مَن سَمِع ابنَ عباسٍ يُخاصمُ نافع بن الأزرق، فقال ابنُ عباسٍ: الوُرودُ الدخولُ، وقال نافع: لا .... إلى آخر الأثر (٦). * الطريق الرابع: مدار هذا الطريق على سفيان الثوري. رواه عبد الرزاق (٧)، ومن طريق عبدالرزاق رواه ابن المنذر في «الأوسط» (٨)، ورواه الطبراني (٩) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، ورواه البيهقي (١٠) من طريق عبد الرحمن بن مهدي. ثلاثتهم: عبد الرزاقِ، وعبد الرحمن بن مهديِّ، والفِرْيِابِيُّ عَن

стр. 269

سفيان الثورىِّ، عن عاصمٍ (١)، عَن أبي رَزِيْن (٢)، قال: «خاصمَ نافعُ بنُ الأزرق ابنَ عَبَّاسٍ فقال: هل تَجدُ الصلواتِ الخمسَ في القرآنِ؟ ... » الخ الأثر (٣). * الطريق الخامس: روى الطبري قال: «حدثني المُثَنَّى قالَ: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ قال: حدثنا القاسمُ قال: حدثنا الزُّبَيْرُ - هكذا في نسخة شاكر - وفي نسخة هجر جُويبرُ (٤) عن الضحاكِ: أَنَّ نافعَ بنَ الأزرق أَتى ابنَ عباسٍ فقال: يا ابن عباس قول الله ﵎ ... ». الأثر (٥). * القسم الثاني: ما ورد من سؤالا ت نافع بن الأزرق لابن عباس متضمنًا لشواهد شعرية ورد من طُرقٍ: * الطريق الأول: روى الحاكم (٦) من طريق أبي عبد الله: مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ حَمزةَ المروزيِّ. وابنُ الأَنباريِّ (٧) من طريق مُحمدِ بنِ عليِّ بن الحَسَنِ بن شَقيقٍ.

стр. 270

كِلاهُما - أَبو عبدِالله المروزيُّ، ومُحمدُ بن علي بن الحسن، عَن أَبي صَالح: هَديّة بن عبد الوهابِ (١)، عن مُحمدِ بنِ شُجاعٍ (٢)، عن مُحمدِ بن زِيَادٍ اليَشْكُريِّ، عَن مَيمونَ بنِ مِهرانَ، أَنَّ نافعَ بن الأزرقِ سأَلَ ابنَ عباسٍ فقال: أَخْبِرني عَن قول الله عَزَّوَجَلَّ َّ: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] (٣)، مَا العِتيُّ؟ قال: البُؤْسُ من الكِبَرِ، قالَ الشاعرُ (٤): إِنَّمَا يُعذَرُ الوَليدُ ولا يُعْـ ... ـذَرُ مَنْ كانَ في الزَّمَانِ عُتيَّا (٥) هذَا مَا ذَكرهُ الحاكمُ فقط. وأَمَّا ابنُ الأَنباريِّ فقد أَوْرَدَ بِهَذا الإِسْنادِ خَمسينَ مسألةً (٦). وأَورده السيوطيُّ (٧)، وعَزَاهُ للحاكمِ، ولابنِ الأَنباريِّ (٨). * الطريق الثاني: مَدَارهُ على عثمان بن عبد الرحَمن الطرائفيِّ. روى الطبراني (٩) من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي. وابنُ الأنباري (١٠) من طريق هشام بن عمار. وأَبو طاهر العَلاَّف (١١)، وأبو نصر مُحمدُ بن عيسى العُكْبَريُّ (١٢)، من طريق أَبِي بَكرٍ أَحْمدَ بن عبدالرحمن بنِ المُفَضَّلِ الحرَّانِيِّ.

стр. 271

ثلاثتُهُم - إبراهيمُ الرَّماديُّ، وهِشامُ بنُ عمَّارٍ، وأَبو بَكر الحَرَّانيِّ - عَن عثمانَ بنِ عبد الرحمن الطرائفيِّ قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ الحرَّانيُّ، قال: حدثنا جُويبرُ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزاحمٍ الهِلاليِّ قال: «خرج نافعُ بن الأزرق، ونَجدةُ بنُ عُويمرٍ في نَفَرٍ من رُؤوسِ الخَوارجِ لِيُنَقِّرونَ عن العِلْمِ ويَطلبونهُ، حتى قَدموا مكةَ فإذا هم بعبد الله بن عباسٍ قاعدًا قريبًا مِن زَمْزَمَ، وعليه رداءٌ أَحْمَرُ، وقَميصٌ، وإِذا نَاسٌ قيام يسألونه عن التفسيرِ، يقولونَ: يا ابن عباسٍ، مَا تقولُ في كَذا وكذا، فيقول هو كذا وكذا». وبعد المسألة الثانية والثلاثين قال عثمانَ بنِ عبد الرحمن الطرائفيِّ في صدر المسألة الثالثة والثلاثين: «وحدثني عبيدالله بن العباس، قال: وزاد فيهِ مُحمدُ بن السائب الكلبيُّ ... » (١). فأَمَّا الطبراني فقد روى من هذه الطريق إحدى وثلاثين مسألة (٢). ورواها من طريقه الهيثمي (٣). وأما ابن الأنباري فقد روى من هذه الطريق مسألتين (٤). وأما أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن يوسف بن العلاف فقد روى من هذه الطريق ثنتين وثلاثين مسألة. وكذلك أبو نصر محمد بن عيسى العُكبريِّ روى مثل هذا العدد. وأما زيادة محمد بن السائب الكلبي فقد بلغت عشرين مسألة (٥). ومن هذا الطريق رويت مسائل

стр. 272

نافع بن الأزرق التي حققها الدكتور محمد الدالي عن مخطوطتها المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق. * الطريق الثالث: رواية أَبي الحَسَنِ عليِّ بن مسلم، عن عبدالعزيز بن صالح البُرجُميِّ، عن أبي شهاب الحنَّاط عبدِ ربه بن نافع، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عكرمة مولى ابن عباس. فأما أبو شِهاب الحنَّاط عبد ربه بن نافع الكوفي المدائني، المتوفى سنة ١٧٢ هـ، فقد وثَّقَهُ يَحْيى بنُ معينٍ، وقال يَحيى القطان: «لم يكن بالحافظ» (١). فهو من الرواة المختلف فيهم بين الحُفَّاظ. وأما أبو بكر الهُذَلِيُّ وهو سُلْمَى بنُ عبد الله بن سُلْمَى، فقد ضعَّفه أَحْمدُ بن حنبل، وابنُ مَعين، وعليُّ بن المديني، والنسائي، والدارقطنيُّ، وهو متروك الحديث، توفي سنة ١٥٩ هـ (٢). وأما عبدالعزيز بن صالح البُرْجُمِيُّ فلا يُعرف (٣). * الطريق الرابع: ذكرها المبرد (٤) فقال: «حدّث أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المُثَنَّى التيميُّ النَّسَّابَةُ، عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، عَن عكرمةَ (٥). وقد أورد المُبردُ من هذا الطريق سبعَ مسائل.

стр. 273

* الطريق الخامس: روى أبو الحسن الطَّسْتيُّ (١)، عن أبي سَهْلٍ الجُنْدِيسَابُوريِّ، عن يَحيى بنِ أَبي عُبيدةَ بَحرِ بنِ فَرُّوخٍ المكيِّ، عَن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عَن عِيسى بن دأبٍ، عن حُميدٍ الأعرجِ، وعبدِ الله بنِ أبي بكرِ بن مُحمدٍ، عن أبيهِ أبي بكرِ بنِ مُحمد (٢). وذكر السيوطيُّ في «الدر المنثور» من هذا الطريق ٢٤٥ مسأَلةً مَعزوَّةً للطستي، وكذلك في الإتقان (٣). والأَثَرُ بِهذا الإسناد ضعيف جدًا، ولا يُحتجُّ به (٤). هذه هي الأسانيد التي رويت بها مسائل نافع بن الأزرق، وقد اختلفت هذه الروايات في عدد المسائل، وزاد فيها محمد بن السائب الكلبي (ت ١٤٦ هـ)، وزاد غيره، حتى بلغت ثَلاثَمائة وثلاثين مسألة. فأصلُ هذه المسائل ثابت، غير أن أكثر أسانيدها ضعيف لا يوثق به، وقد أشار إلى ضعف أسانيد مسائل ابن الأزرق عدد من العلماء، منهم الألوسي في تفسيره حيث قال بعد ذكره لإحدى هذه المسائل: «وخَبَرُ ابن الأزرقِ قد قيلَ فيه ما قيل» (٥) أي من الطعن فيه وتضعيفه. ثانيًا: نقد متن المسائل: يُمكنُ توجيه عدد من الانتقادات لمتن هذه المسائل، مما يطعن في صحة غالب هذه المسائل، مما سبق الحديث على أسانيده وطرقه، ومن هذه الانتقادات:

стр. 274

أولًا: أَنَّ المسائل تضمنت ألفاظًا سُئِلَ عنها ابنُ عباس ليست من الغريب لوضوحها وسهولتها، إذ إنه لو جاز له أن يَسألَ عن معاني أمثال هذه الكلمات: رِئْيَا، حَميم آنٍ، تَتْبِيب، حَنِيذ، رِبِّيون، فما يَجوزُ له أن يسأل عن مثل: عذابٍ أليمٍ، أطعموا البائِسَ، اضربُوا كُلَّ بَنَانٍ، وعشرات غيرها مِمَّا يُعَدُّ متداولًا مفهومًا لا يَحتاج إلى سؤال، حتى لو كان نافع بن الأزرق يقصد بأسئلته التعنت والمُماراة، فالمتوقع من المتعنت والمُجادل أن يَعْمدَ إلى السؤال عن الغامض البعيد، لا إلى الظاهر القريب. ثانيًا: وجود شواهد شعرية لشعراء بعد نزول القرآن، كحسان بن ثابت وأمية بن أبي الصلت، بل بعد هؤلاء أمثال عمر بن أبي ربيعة، وهؤلاء الشعراء متأثرون فيما قالوا بعد الإسلام بالقرآن بعد أن قرأوه وتدارسوه، وهذا لا يغيب عن سائلٍ كنافعِ بنِ الأزرق، حيث يقول في سؤاله لابن عباس بعد جوابه له: «وهل كانت العرب تعرف ذلك من قبل أن يُنَزَّلَ الكتابُ على محمد ﷺ » (١). فيستبعد قبول نافع بهذه الشواهد لتأخرها. ثالثًا: وجود شواهد شعرية في هذه المسائل لشعراء بعد ابن عباس بزمنٍ طويلٍ، وجهالة كثير من قائلي الشواهد، وهذه من العقبات التي واجهت محمد فؤاد عبد الباقي (ت ١٣٨٨ هـ) حين درس هذه المسائل ضمن «معجم غريب القرآن». ففي لفظ «الحُسْبَان» تستشهد الرواية عند السيوطي بقول حسان بن ثابت، ويعلق على ذلك عبدالباقي بقوله: «ليس في ديوانه» (٢)، وكذلك في ألفاظ أخرى كـ «رِبِّيون»، و «ضِيْزَى»، و «المُعْصِرات» (٣). هذا دون الكلام عن الأبيات المختلف في نسبتها، أو المنسوبة إلى أكثر من قائل، أو الأبيات التي تصرف فيها الرواة حذفًا أو زيادة.

стр. 275

رابعًا: طُبِعَ تفسير منسوب لابن عباس، جَمَعَهُ الفيروزآبادي بعنوان «تنوير المقباس» (١)، ولم أجد فيه موضعًا واحدًا استشهد فيه ابن عباس بشاهد من الشعر، مِمَّا يُشكِّكُ في صحة هذا التفسير المنسوب لابن عباس، إضافة إلى أنه من رواية محمد بن مروان السُّدِّي عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهي أوهى الطرق عن ابن عباس (٢). وإن كان احتمال حذف الفيروز آبادي - الذي جَمع هذا التفسير - للشواهد الشعرية واردًا؛ رغبةً في الاختصار. خامسًا: ورد ضمن مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس ما «رُوي عن عكرمةَ أَنَّ نافعَ بنَ الأزرقِ قال لابن عبَّاسٍ: يا أَعمى البصرِ، أَعمى القلبِ، تَزعمُ أَنَّ قومًا يَخرجونَ من النارِ، وقد قال الله جل وعز: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧] (٣)؟ فقالَ ابن عباس: ويَحكَ، اقرأ مَا فَوقَها، هَذا للكفارِ» (٤). وهذه الرواية مُنْكَرَةٌ؛ لسوء الأدب مع الصحابي الجليل ابن عباس، وقد أنكرها الزمخشريُّ فقال تعقيبًا عليها: «وكفاك بِما فيه من مواجهةِ ابنِ الأزرقِ ابنَ عَمِّ رسولِ الله ﷺ ، وهو بين أَظْهُرِ أعضَادهِ من قريش، وأَنْضَادِهِ من بَنِي عبد المطلب، وهو حَبْرُ الأُمَّةِ وبَحْرُها ومُفَسِّرُها، بالخِطابِ الذي لا يَجْسُرُ عليهِ أحدٌ من أهل الدنيا، ويرفعهُ إلى عِكرمةَ دَليلينِ نَاصَّيْنِ أَنَّ الحديثَ فِريةٌ مَا فيها مِرْيَةٌ» (٥)، وأنكرها

стр. 276

كذلك الزيلعي (١). سادسًا: استبعاد حصول هذه المسائل بطولها في مجلس واحد، حتى ذهب بعض الباحثين إلى أنه «ليس من المعقول أن يسألَ نافعٌ عن نَحو مائةِ مسألةٍ وخَمسٍ وثَمانينَ كلمةً في مَجلسٍ واحدٍ، ليجيبه ابن عباس بمائة وخَمسةٍ وثَمانين بيتًا من الشعر، تُحفَظُ لِفَورها، ويرويها الحاضرون سماعًا دون نسيان» (٢). مع إنه يمكن أن يستأنس بما ذكره المبرد من قوله: «ويروى من غير وجهٍ أن ابن الأزرق أتى ابن عباس يومًا فجعل يسأله حتى أَمَلَّهُ، فجعل ابن عباس يظهر الضجر ... » (٣). مِمَّا يعني أنه قد أطال في الأسئلة على ابن عباس. سابعًا: اتَّهَمَ بعض الباحثين هذه القصة بالوضع من أساسها، مستدلًا بذلك على وضع الشعر الجاهلي لأسباب دينية، فقال: «أليس من الممكن أن تكون قصة ابن عباس ونافع بن الأزرق قد وُضعت في تكلفٍ وتصنعٍ لغرضٍ من هذه الأغراض المختلفة التي كانت تدعو إلى وضع الكلام وانتحاله، لإثبات أن ألفاظ القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب، أو لإثبات أن عبد الله بن عباس كان من أقدر الناس على تأويل القرآن وتفسيره ومن أحفظهم لكلام العرب الجاهليين؟ » (٤). غير أَنَّ هذه الاحتمالات لا تكفي للقطع بوضع هذه القصة، فمن المُحْتَمَلِ أن يكون ابنُ عباسٍ مِمَّن كان يقضي جانبًا من وقته في التماس الشواهد على تفسير الغريب من القرآن، حيث رأى الناس مقبلة على هذا النوع من العلم، فيكون جوابه عن مسائل ابن الأزرق نتيجة بحث سابق، وتأمل غير قليل في القرآن الكريم، فلا غرابة أن يجيب ابن عباس نافعًا عقب كل مسألة

стр. 277

بشاهد من الشعر (١). كما وصفها المستشرق جولد زيهر بأنها أسطورة فقال: «وبذلك المبدأ المنهجي المنسوب لابن عباس، اقترنت على النمط العربي أسطورة مدرسية عظيمة الإفادة، وجدت مدخلًا إلى المعجم الكبير للطبراني (المتوفى سنة ٣٦٠ هـ =٩٧١ م)، وذلك أن الزعيم الخارجي نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن عدد كبير من مفردات القرآن، طالبًا إليه أن يستشهد على معانيها من الشعر القديم» (٢). واتهم اللغويين المتأخرين بوضع هذه المسائل ونسبتها لابن عباس فقال: «وهذه مُبَايعةٌ من عَالَمِ اللغويين المتأخرين لأبي التفسير الذي نَمَّى الطريقة اللغوية في تفسير القرآن» (٣). كما شكك فيها بعض المؤرخين المعاصرين (٤). * مسائل الإمام الطستي: وقد طُبِعَتْ مسائلُ نافع بن الأزرق من رواية الطَّسْتيِّ بعنوان «مسائل الإمام الطستي عن أسئلة نافع بن الأزرق وأجوبة عبد الله بن عباس ﵄»، قام بجمعها الدكتور عبدالرحمن عميرة، والروايات التي في هذه المطبوعة بلغت سبع روايات وأربعمائة رواية، والإسناد الذي رويت به هذه المسائل مُعَلٌّ بِعَللٍ سبق ذكرُها، وهو ضَعيفٌ جدًا، ولا يُحتجُّ به، ويضاف إلى ذلك بعض الانتقادات لهذه المطبوعة، وهذه الملحوظات هي: أولًا: ليست هذه المسائل جَميعًا من رواية الطستي، بل فيها مسائل كثيرة، مروية من طريق عَبْدِ بن حُميدٍ (٥)، ومن طريق ابن

стр. 278

الأنباري (١)، ومن طريق ابن أبي حاتم (٢)، والطبراني (٣). ثانيًا: ورد في المسائل استشهاد ابن عباس بشواهد شعرية، لشعراء ولدو بعد وفاة ابن عباس، مثل أبان بن تغلب (٤)، فقد مات سنة ١٤١ هـ، ولم يدرك ابن عباس. وكذلك وردت شواهد شعرية كثيرة لشعراء يُشَكُّ في أَنَّ ابنَ عباسٍ أَدركَهُم، وفي هذه المسائل ما يدل على أنه روى شعرهم مثل العَجَّاجِ التميمي الرَّاجزِ حيث يستشهدُ ابنُ عبَّاس بشعره (٥)، ووردت شواهد استشهد بها ابن عباس من شعر أبي النجم العجلي (ت ١٢٠ هـ) (٦)، ورؤبة بن العجاج (٧)، والأخطل (ت ٩٥ هـ) (٨) والطرماح بن حكيم (ت ١٢٠ هـ تقريبًا) (٩)، والقطامي (ت ١٠١ هـ) (١٠)، وغيرهم. وربما أورد ابن عباس -كما في هذه المسائل - شاهدًا شعريًا ينسبه لأحد المتأخرين في قوله في جواب لنافع عن معنى «المسيح»، حيث قال: «المسيح: العَرَقُ يَسِيْلُ من الجَبين. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت بعض المتأخرين يقول: افْرَحْ فَسوفَ تَأْلَفُ الأَحْزَانَا ... إِذَا شَهِدْتَ الحَشْرَ والميزَانَا وسَالَ مِنْ جَبِيْنِكَ المَسِيْحُ ... كَأَنَّهُ جَداولٌ تَسيحُ» (١١).

стр. 279

وهَذا شِعرٌ ضعيفٌ متأخرٌ، وقد بحثت في معاجم اللغة عن معنى كلمة: «المسيح». فلم أجد مَنْ ذَكَرَ مِن معانيه أَنَّهُ العَرَقُ الذي يَسيلُ من الجبين (١). ورأيتهُ ذَكَرَ أَنَّ ابنَ عباس استشهد لمعنى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بشاهدٍ غير منسوب، ولكنه تظهر عليه علامات الحداثة والتأخر وهو قول الشاعر: نَامَ مَنْ كَانَ خَلِيًّا مِنْ أَلَمْ ... وَبَقِيتُ الليلَ طُولًا لَمْ أَنَمْ وبعد البحث تبين لي أنه للوليد بن يزيد بن عبد الملك الأموي (٢)، وهو من خلفاء الأمويين ولد سنة ٨٨ من الهجرة بعد وفاة ابن عباس بعشرين سنة، مما يعني استبعاد استشهاد ابن عباس بشعره (٣). ثالثًا: ظهور علامات التكلفِ في التفسير، مِمَّا لا يُعرفُ من منهج ابن عباس في التفسير، ومن ذلك قوله في جواب عن معنى «الخوف» في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٤): «العَرَبُ قد تضعُ «الظنَّ» موضع «الخَوفِ»، و «الخَوفَ» موضع «الظنِّ» في كلامها لتقارب معنييهما ... » (٥)، ثم أورد شاهدًا من الشعر. وهذا النص مع الشاهد الشعري هو نص كلام الطبري في تفسيره، ولم ينقله عن ابن عباس (٦). وقد نسبه جامع هذه المسائل لابن عباس. ومن علامات التكلف هذه ذِكْرُ ابنِ عباسٍ لأوجه اشتقاقية لم تكن معروفة كصناعةٍ في زمنه ﵄، وإنما عرفت عند المتأخرين. ومن ذلك قول ابن عباس في جوابه عن معنى «تَتْلُو» في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٧) حيث قال: «(يتلو كذا) له في

стр. 280

كلام العرب معنيان .. أحدهما: الاتباع كما يقالُ: تَلَوتُ فلانًا إذا مشيتُ خَلْفَهُ، وتَبِعتُ أَثَرَه، كما قال جل ثناؤه: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] (١) يعني بذلك: تَتَّبِع. والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما تقول: فلانٌ يتلو القرآن ... » (٢). ثم ذكر شاهدًا من الشعر عن حسان بن ثابت ﵁. وهذا التحليل للفظة ليس من أسلوب ابن عباس، وطريقته المعروفة، وإنما هو من منهج المتأخرين من العلماء، وهذا الكلام بنصه وشاهده الشعري للطبري (٣)، وهو من كلامه، ولم ينقله عن أحد. وقد تتبعت كثيرًا من المسائل المنسوبة لابن عباس في هذه المطبوعة المنسوبة للطستي، فوجدتها منقولةً من تفسير الطبري بنصها دون إشارة لذلك (٤). رابعًا: نقل كلامًا لابن عباس ينقل فيه ابن عباس أقوالَ علماءَ متأَخرينَ كَعيسى بنِ عمرَ النَّحويِّ (ت ١٤٩ هـ)، كقوله عندما سأل نافع بن الأزرق عن معنى ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨] (٥): «السَّواءُ: القَصْدُ والمَنْهَجُ، وأَصلُ السَّواءِ: الوَسَطُ، ذُكر عن عيسى بن عمر النحوي أنه قال: ما زلت أكتب حتى انقطعَ سَوائِي، يَعْنِي: وَسَطِي. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم ... » (٦). ثم أورد شاهدًا لحسان بن ثابت ﵁. وفَعَلَ مثلَ ذلكَ بنقله لكلام، أبي عمرو بن العلاء

стр. 281

(١٥٤ هـ) (١)، والفراء (٢٠٧ هـ) (٢)، وأبي عبيدة (٢١٠ هـ) (٣)، وأختم بزعمِ نقلِ ابنِ عباسٍ عن قُطربَ في قوله لنافع بن الأزرق مُجِيبًا لَهُ عن معنى «الصَّرْصَرَة»، وأَنَّهَا الريحُ شديدةُ البَرْدِ والصَّوتِ بقوله: «أَمَا سَمعتَ قُطربَ وهوَ يُنشدُ قولَ الحطيئة: المُطعمونَ إِذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ ... والحَامِلُونَ إِذا اسْتُودُوا على النَّاسِ (٤)» (٥). وقُطْرُبُ توفي سنة ٢٠٦ هـ (٦). فأينَ ابنُ عباسٍ مِنْ قُطرب؟ خامسًا: ذكر عميرة أن نافعًا سأل ابن عباس فقال: «أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٧)، قال: هو ما تأكله البهائم من العشب، وكل ما أنبت الأرض مما لا يأكله الناس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم ... أما سمعت الشاعر وهو يمدح الرسول ﷺ فيقول: لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُهَا الصَّبَا ... بِهَا يُنبتُ اللهُ الحصيدةَ والأَبَّا (٨) وهذه المسألة ليست من مسائل الطستي، ولا من مسائل نافع بن الأزرق في كل المصادر، وإنما هي من كلام القرطبي في تفسيره للآية دون إشارة لنافع ولا لابن عباس (٩). سادسًا: تكرار بعض المسائل بشواهدها الشعرية. فقد ذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] (١٠) أن نافع سأل ابن عباس عن معنى الملامسة هنا، فأجابه بأَنَّهَا الجماع، وفي لغة هذيل: اللمس باليد. واستشهد له بشاهدين من الشعر للبيد بن ربيعة

стр. 282

والأعشى (١). ثُمَّ كرر المسألة بألفاظها عند تفسير الآية السادسة من سورة المائدة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) ومثل ذلك تكراره لشاهد شعري واحد استشهد به ابن عباس على مفردتين مختلفتين، كقول زهير: لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ (٣) فقد ورد استشهاد ابن عباس به على معنى: «بنان». في رواية للبيت: شاكي البنان .. بدل شاكي السلاح. وورد استشهاده به على معنى لبد (٤). سابعًا: الذي يظهر لي أن هذه المطبوعة مجموعة من عدة مصادر، وأهم هذه المصادر هو «الدر المنثور» للسيوطي، فقد أوردها السيوطي مُفَرَّقةً بِحَسبِ مواضعِ السُّور والآيات، ومن أدلة ذلك: ١ - يقول السيوطي قبل كل مسألة: «وأخرج الطستي في مسائله عن نافع بن الأزرق كذا وكذا ... ». وهكذا المطبوعة. ٢ - هناك مسائل انفرد بِهَا الطستيُّ في مسائله، نقلها عنه السيوطي، مِمَّا يوحي باعتماد الدكتور عبد الرحمن عميرة عليه (٥). ٣ - هناك مسائل عزاها السيوطي للطستي ليست في المخطوطة، في حين ذكرها الدكتور عميرة في مسائل الطستي (٦)، وهذا أدل على اعتماده على «الدر المنثور». كما يعد كتاب «إيضاح الوقف والابتداء» لابن الأنباري مصدرًا

стр. 283

مهمًا لجامع هذه المطبوعة، حيث نقل عنه عددًا من المسائل (١). وكذلك تفسير الطبري فقد أخذ منه كلامًا للطبري ونسبه لابن عباس دون الإشارة إلى ذلك، وقد تقدمت بعض الأمثلة. وكذلك تفسير القرطبي فقد نقل منه بعض المسائل. وهذا كله يَرجح أَنَّ جامع هذه المسائل، الذي أخرج هذه المطبوعة وسَمَّاها «مسائل الإمام الطستي» لم يُحَقِّق النسخة المخطوطة لمسائل الطستي المَحفوظة في دار الكتب المصرية برقم ١٦٦ مجاميع، وربما لم يطلع عليها، وقد حقق الدكتور إبراهيم السامرائي هذه المخطوطة وأخرجها كما تقدم. وهناك تحقيق آخر لهذه المخطوطة لمُحمد عبدالرحيم وأحمد نعامة، صدر من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة عام ١٤١٣ هـ بعنوان: «غريب القرآن في شعر العرب - سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس»، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطاب ﵁ (٢). في حين ذكر الدكتور عبدالرحمن عميرة في هذه المسائل سبع مسائل وأربعمائة مسألة. ومن أدلة عدم اطلاعه على هذه المخطوطة ذكره لمسائل ليست في مخطوطة مسائل الطستي (٣)، وإهماله لمسائل ضمن المخطوطة لم يذكرها في المطبوعة (٤). كما ذكر عميرة مسائل ليست على شرط نافع بذكر شاهد

стр. 284

من الشعر في كل مسألة، وقد نقلها عن السيوطي (١). * منهج عرض المؤلفين والمفسرين للمسائل: اختلف عرض المفسرين والمصنفين في علوم القرآن والمحدثين لهذه المسائل على طريقتين: الأولى: جَمعُ هذه المسائل بإسناد واحد في مكان واحد، كما صنع ابن الأنباري، والطستي في مسائله، والطبراني، ، والهيثمي، والسيوطي في الإتقان. الثانية: تفريق هذه المسائل بحسب السور والآيات المسؤول عنها كما فعل المفسرون كالطبري والرازي والقرطبي والسيوطي في الدر المنثور. - فأما الروايات التي وردت فيها الشواهد الشعرية مَجموعةً في مكان واحد، فقد وردت مختصرة كما في رواية ابن الأنباري ثم الطبراني والهيثمي، حيث جاءت مسائل نافع متسلسلةً بإسنادٍ واحدٍ. فقد تضمَّن معجمُ الطبراني إحدى وثلاثين مسألةً، استشهد لها ابنُ عباس بالشعر الجاهلي والإسلامي، وفيها اختلاف في ألفاظ الشواهد، وفي نسبة الأبيات. ومن أمثلة هذه المسائل: ١ - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] (٢) ما الشواظ؟ قال ابنُ عبَّاسٍ: اللهب الذي لا دُخانَ فيه، مستشهدًا بقول أمية: يَمَانيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيْرًا ... ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (٣) ٢ - قال نافع: أخبرني عن قوله: ﴿وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] (٤) ما النحاس؟

стр. 285

قال ابن عباس: الدخان الذي لا لهب فيه، محتجًا بقول النابغة الجعدي: تُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيهِ نُحَاسَا (١) ٣ - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] (٢) قال ابن عباس: ماء الرجل، وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشجًا ... قال أبو ذؤيب الهذلي: كَأَنَّ النَّصلَ والفُوقَينِ منهُ ... خِلالَ الرِّيشِ سِيْطَ به مَشِيْجُ (٣) ٤ - قال نافع: فأخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] (٤) ما المقيت؟ قال ابن عباس: القادر ... أما سمعت بقول النابغة: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وإِنِّي في مَسَاءتهِ مُقِيتُ (٥) وأما التي وردت فيها مسائل بن الأزرق وشواهدها مجموعة في مكان واحد بطريقة مطولة، فكما فعل السيوطي، فقد خصص النوع السادس والثلاثين من علوم القرآن لمعرفة غريبه، وأدرج ضمن هذا النوع مسائل نافع التي جاءت في روايته متضمنة لمائة وتسع وثمانين مسألة (٦). ومَتْنُ رواية السيوطي - فضلًا عن سندها - يتضمن من العلل ما يكفي للحكم عليها بالوضع كما تقدم في دراسة الطرق. ومثلها المسائل في مسائل الطستي. - وأما إيراد مسائل نافع بن الأزرق مفرقة في كتب التفسير بحسب السور والآيات فأوعب التفاسير التي ذكرتها هو الدر المنثور للسيوطي، وبشكل أقل بعض التفاسير المتقدمة كتفسير الطبري، والرازي، والقرطبي، وغيرهم.
следующие страницы →