← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(١٥٤ هـ) (١)، والفراء (٢٠٧ هـ) (٢)، وأبي عبيدة (٢١٠ هـ) (٣)، وأختم بزعمِ نقلِ ابنِ عباسٍ عن قُطربَ في قوله لنافع بن الأزرق مُجِيبًا لَهُ عن معنى «الصَّرْصَرَة»، وأَنَّهَا الريحُ شديدةُ البَرْدِ والصَّوتِ بقوله: «أَمَا سَمعتَ قُطربَ وهوَ يُنشدُ قولَ الحطيئة: المُطعمونَ إِذا هَبَّتْ بِصَرْصَرَةٍ ... والحَامِلُونَ إِذا اسْتُودُوا على النَّاسِ (٤)» (٥). وقُطْرُبُ توفي سنة ٢٠٦ هـ (٦). فأينَ ابنُ عباسٍ مِنْ قُطرب؟ خامسًا: ذكر عميرة أن نافعًا سأل ابن عباس فقال: «أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٣١] (٧)، قال: هو ما تأكله البهائم من العشب، وكل ما أنبت الأرض مما لا يأكله الناس. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم ... أما سمعت الشاعر وهو يمدح الرسول ﷺ فيقول: لَهُ دَعْوَةٌ مَيْمُونَةٌ رِيحُهَا الصَّبَا ... بِهَا يُنبتُ اللهُ الحصيدةَ والأَبَّا (٨) وهذه المسألة ليست من مسائل الطستي، ولا من مسائل نافع بن الأزرق في كل المصادر، وإنما هي من كلام القرطبي في تفسيره للآية دون إشارة لنافع ولا لابن عباس (٩). سادسًا: تكرار بعض المسائل بشواهدها الشعرية. فقد ذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] (١٠) أن نافع سأل ابن عباس عن معنى الملامسة هنا، فأجابه بأَنَّهَا الجماع، وفي لغة هذيل: اللمس باليد. واستشهد له بشاهدين من الشعر للبيد بن ربيعة

стр. 282

والأعشى (١). ثُمَّ كرر المسألة بألفاظها عند تفسير الآية السادسة من سورة المائدة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) ومثل ذلك تكراره لشاهد شعري واحد استشهد به ابن عباس على مفردتين مختلفتين، كقول زهير: لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ (٣) فقد ورد استشهاد ابن عباس به على معنى: «بنان». في رواية للبيت: شاكي البنان .. بدل شاكي السلاح. وورد استشهاده به على معنى لبد (٤). سابعًا: الذي يظهر لي أن هذه المطبوعة مجموعة من عدة مصادر، وأهم هذه المصادر هو «الدر المنثور» للسيوطي، فقد أوردها السيوطي مُفَرَّقةً بِحَسبِ مواضعِ السُّور والآيات، ومن أدلة ذلك: ١ - يقول السيوطي قبل كل مسألة: «وأخرج الطستي في مسائله عن نافع بن الأزرق كذا وكذا ... ». وهكذا المطبوعة. ٢ - هناك مسائل انفرد بِهَا الطستيُّ في مسائله، نقلها عنه السيوطي، مِمَّا يوحي باعتماد الدكتور عبد الرحمن عميرة عليه (٥). ٣ - هناك مسائل عزاها السيوطي للطستي ليست في المخطوطة، في حين ذكرها الدكتور عميرة في مسائل الطستي (٦)، وهذا أدل على اعتماده على «الدر المنثور». كما يعد كتاب «إيضاح الوقف والابتداء» لابن الأنباري مصدرًا

стр. 283

مهمًا لجامع هذه المطبوعة، حيث نقل عنه عددًا من المسائل (١). وكذلك تفسير الطبري فقد أخذ منه كلامًا للطبري ونسبه لابن عباس دون الإشارة إلى ذلك، وقد تقدمت بعض الأمثلة. وكذلك تفسير القرطبي فقد نقل منه بعض المسائل. وهذا كله يَرجح أَنَّ جامع هذه المسائل، الذي أخرج هذه المطبوعة وسَمَّاها «مسائل الإمام الطستي» لم يُحَقِّق النسخة المخطوطة لمسائل الطستي المَحفوظة في دار الكتب المصرية برقم ١٦٦ مجاميع، وربما لم يطلع عليها، وقد حقق الدكتور إبراهيم السامرائي هذه المخطوطة وأخرجها كما تقدم. وهناك تحقيق آخر لهذه المخطوطة لمُحمد عبدالرحيم وأحمد نعامة، صدر من مؤسسة الكتب الثقافية في القاهرة عام ١٤١٣ هـ بعنوان: «غريب القرآن في شعر العرب - سؤالات نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن عباس»، وقد بلغ عدد المسائل فيها مائتين وخمسين مسألة، كلها عن غريب القرآن عدا مسألة واحدة عن كلمة لعمر بن الخطاب ﵁ (٢). في حين ذكر الدكتور عبدالرحمن عميرة في هذه المسائل سبع مسائل وأربعمائة مسألة. ومن أدلة عدم اطلاعه على هذه المخطوطة ذكره لمسائل ليست في مخطوطة مسائل الطستي (٣)، وإهماله لمسائل ضمن المخطوطة لم يذكرها في المطبوعة (٤). كما ذكر عميرة مسائل ليست على شرط نافع بذكر شاهد

стр. 284

من الشعر في كل مسألة، وقد نقلها عن السيوطي (١). * منهج عرض المؤلفين والمفسرين للمسائل: اختلف عرض المفسرين والمصنفين في علوم القرآن والمحدثين لهذه المسائل على طريقتين: الأولى: جَمعُ هذه المسائل بإسناد واحد في مكان واحد، كما صنع ابن الأنباري، والطستي في مسائله، والطبراني، ، والهيثمي، والسيوطي في الإتقان. الثانية: تفريق هذه المسائل بحسب السور والآيات المسؤول عنها كما فعل المفسرون كالطبري والرازي والقرطبي والسيوطي في الدر المنثور. - فأما الروايات التي وردت فيها الشواهد الشعرية مَجموعةً في مكان واحد، فقد وردت مختصرة كما في رواية ابن الأنباري ثم الطبراني والهيثمي، حيث جاءت مسائل نافع متسلسلةً بإسنادٍ واحدٍ. فقد تضمَّن معجمُ الطبراني إحدى وثلاثين مسألةً، استشهد لها ابنُ عباس بالشعر الجاهلي والإسلامي، وفيها اختلاف في ألفاظ الشواهد، وفي نسبة الأبيات. ومن أمثلة هذه المسائل: ١ - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] (٢) ما الشواظ؟ قال ابنُ عبَّاسٍ: اللهب الذي لا دُخانَ فيه، مستشهدًا بقول أمية: يَمَانيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيْرًا ... ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (٣) ٢ - قال نافع: أخبرني عن قوله: ﴿وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥] (٤) ما النحاس؟

стр. 285

قال ابن عباس: الدخان الذي لا لهب فيه، محتجًا بقول النابغة الجعدي: تُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيهِ نُحَاسَا (١) ٣ - قال نافع: أخبرني عن قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] (٢) قال ابن عباس: ماء الرجل، وماء المرأة إذا اجتمعا في الرحم كان مشجًا ... قال أبو ذؤيب الهذلي: كَأَنَّ النَّصلَ والفُوقَينِ منهُ ... خِلالَ الرِّيشِ سِيْطَ به مَشِيْجُ (٣) ٤ - قال نافع: فأخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] (٤) ما المقيت؟ قال ابن عباس: القادر ... أما سمعت بقول النابغة: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وإِنِّي في مَسَاءتهِ مُقِيتُ (٥) وأما التي وردت فيها مسائل بن الأزرق وشواهدها مجموعة في مكان واحد بطريقة مطولة، فكما فعل السيوطي، فقد خصص النوع السادس والثلاثين من علوم القرآن لمعرفة غريبه، وأدرج ضمن هذا النوع مسائل نافع التي جاءت في روايته متضمنة لمائة وتسع وثمانين مسألة (٦). ومَتْنُ رواية السيوطي - فضلًا عن سندها - يتضمن من العلل ما يكفي للحكم عليها بالوضع كما تقدم في دراسة الطرق. ومثلها المسائل في مسائل الطستي. - وأما إيراد مسائل نافع بن الأزرق مفرقة في كتب التفسير بحسب السور والآيات فأوعب التفاسير التي ذكرتها هو الدر المنثور للسيوطي، وبشكل أقل بعض التفاسير المتقدمة كتفسير الطبري، والرازي، والقرطبي، وغيرهم.

стр. 286

* منهج الاستشهاد في المسائل: أصبحت شواهد ابن عباس التي وردت في مسائل نافع بن الأزرق شواهد عند النحويين وعلماء اللغة من بعدُ، ويمكن وصف منهج هذه المسائل بحسب ورودها في الكتب التي أخرجتها كالتالي: ١ - جَميع هذه الشواهد لغوية. فكلها تدخل تحت ما يُسمَّى بغَريبِ القرآن، ولا سيما الجزء الذي يشبه أن يكون أصلًا لهذه المسائل، بخلاف الزيادات التي دخل فيها ما لا يمكن القول بغرابته حتى في العصر الراهن، فضلًا عن عصر الصحابة ﵃. وقد تقدم ذكر أمثلة له. ٢ - الاكتفاء بالشاهد الشعري الواحد في الجواب، فلا يطالب السائل بالمزيد من الشواهد الشعرية. ومن الأمثلة غير ما تقدم أن ابن عباس سئل عن معنى الآية: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (١) فقال: ما جَمَعَ. ألم تسمع قول الشاعر: (٢) مُسْتَوسِقَاتٍ لَمْ يَجِدْنَ سَائِقَا (٣) ٣ - عدم شرح الشواهد الشعرية. فابن عباس يذكر الشاهد دون التعرض لشرح اللفظة الغريبة المسئول عنها. وهذا راجع إلى معرفة السائل بمعاني الشعر، وظهور هذه المعرفة لدى طبقات الناس في ذلك العهد المتقدم. فمثلًا، عندما سأل نافع عن قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣] (٤) قال ابن عباس: لا تَخَافُونَ عَظَمَةَ ربكم. قال وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول أبي ذؤيب:

стр. 287

إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالفَهَا في بيتِ نُوبٍ عَواملِ (١) واكتفى بذكر الشاهد الشعري دون شرحه وبيان وجه الاستشهاد، وهكذا في كل أجوبته المنسوبة إليه في هذه المسائل. ٤ - نسبة الشعر إلى قائله، أو قبيلته. من مثل قول ابن عباس لما سُئِلَ عن معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] (٢) ما المُقِيْتُ؟ قال ابن عباس: القادر ... أَما سَمعتَ بقول النابغة: وذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وإِنِّي في مَسَاءتهِ مُقِيتُ (٣) فهو قد نسب الشاهد لقائله وهو النابغة الذبياني؛ لتأكيد الثقة بالشاهد. وقد يُنسبُ الشاهد إلى قبيلته كقوله عندما سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ٢] (٤): «الذي يصمد إليه في الأمور كلها. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك؟ قال: نعم، أما سَمعتَ بقول الأَسَديَّةِ حيث تقول: أَلا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ ... بِعَمروِ بنِ مَسعودٍ وبِالسَّيّدِ الصَّمَدْ (٥) فقد نسب الشاهد لامرأة من بني أسد، وهي هند بنت معبد بن نضلة الأسدية (٦). وعزاه أبو عبيدة إلى رجل من بني أسد (٧). ٥ - عدم التحرج من ذكر الأبيات ذات المعاني المبتذلة. لم يكن يعني المفسر معنى الشاهد الشعري، وإنما كان الغرض هو اللفظة المراد الاستشهاد لصحتها وصحة معناها، فمثلًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا إنَّ

стр. 288

﴿مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦] (١) فسرها ابن عباس بأن معناها: لتثقل عليهم. ثم استشهد على ذلك بقول امرئ القيس: تَمْشِي فَتُثْقِلُها عَجِيْزَتُهَا ... مَشْيَ الضعيفِ يَنُوءُ بالوِسْقِ (٢) فهذا الشاهد في معناه يشير إلى جانب من جوانب النسيب ووصف النساء، ولكن ابن عباس نظر إلى لغة الشاهد دون معناه، وهو الجانب المراد من إيراد الشاهد الشعري، وهي أَنَّ نَاءَ بِمَعنى ثَقُلَ. وقد التمس عبد القاهر الجرجاني العذر للسلف في ذلك فقال: «وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات فيها الفُحْشُ، وفيها ذِكْرُ الفِعلِ القَبيح، ثم لم يَعِبْهُم ذلك، إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (٣). ٦ - الاستشهاد لمعنى لفظة دون أخرى في الآية المسئول عنها. فعند السؤال عن قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] (٤) فسر ابن عباس القانعَ بِأَنه الذي يقنع بِما أُعطي، والمُعتَرَّ الذي يعترض الأبواب، وقد سأله نافع بن الأزرق عن شاهد لذلك من الشعر، فقال: أما سمعت قول الشاعر: عَلى مُكْثِريهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيْهِمُ ... وعندَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ (٥) فهو قد شرح اللفظتين، ثم أورد شاهدًا لمعنى المعتر، دون القانع (٦). * أثر مسائل نافع بن الأزرق في كتب التفسير: أولًا: هذه المسائل المنسوبة لابن عباس تتخذ مَنهجًا مطردًا، على

стр. 289

وتيرة واحدة دون استثناء، في شرح الكلمة بكلمة، يعقبها شاهد شعري مؤيد للتفسير، في حين تعامل المفسرون مع هذه الألفاظ التي وردت في المسائل تعاملًا مختلفًا، فقد لا يرى المفسرُ حاجةً إلى شرح اللفظة الواردة في المسائل وهو قليل، فإن شرحها فقد لا يردفها بشاهد شعري كما فعل الرازي، فقد ذكر سؤال نافع بن الأزرق لابن عباس وجواب ابن عباس له دون أن يذكر الشواهد الشعرية (١)، فإن دعمها بشاهدٍ فقد لا يكون الشاهد شعريًا، أو قد يكون شعريًا ومعه غيره من الشواهد النثرية. فمثلًا سأل نافع بن الأزرق عن معنى النُّحَاسِ في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥] (٢) فقال ابن عباس: الدُّخانُ الذي لا لَهَب فيه، مُحتجًّا بقول النابغة الجعدي: تُضِيءُ كَضَوءِ سِرَاجِ السَّلِيـ ... ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فيهِ نُحَاسَا (٣) وقد تأثرَ جُلُّ المفسرينَ بِهَذا الجواب، فقد تعرض أبو عبيدة لهذه اللفظة، وفسرها بتفسير ابن عباس، واستشهد لها بالشاهد نفسه (٤)، وكذلك فعل الفراء (٥)، والطبري (٦)، والزمخشري (٧)، وابن عطية (٨)، والقرطبي (٩). ثانيًا: الشرح المعجمي للمفردات في المسائل حافظ على دلالته مع تغير الزمان، لأن فهم القرآن ينبغي أن يكون على العُرْفِ اللغويِّ الأول، واللغة المستعملة إِبَّانَ نزول القرآن، دون التأثر بالتطور الدلالي اللغوي الحادث بعد ذلك، ومن ثَمَّ فإن التفسير الذي فسره ابن عباس بقي

стр. 290

محافظًا على قيمته الدلالية حتى الآن، وربما استشهد المفسرون بالشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عباس نفسه. وربما تغير الشاهد الشعري دون الدلالة في المسائل. مثل سؤال نافع عن معنى الشواظ في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ [الرحمن: ٣٥] (١) فأجابه ابن عباس بقوله: اللهب الذي لا دخان فيه، مستشهدًا بقول أمية بن أبي الصلت: يَمَانيًّا يَظَلُّ يَشِبُّ كِيْرًا ... ويَنْفُخُ دَائِبًا لَهَبَ الشُّوَاظِ (٢) فقد وجدت المفسرين من بعده قد وافقوه جميعًا في شرح هذه اللفظة، واختلفوا في الاستشهاد بالشاهد الشعري على ثلاثة أقسام: - من استشهد بالشاهد الشعري الذي استشهد به، ومنهم ابن عطية (٣)، حيث اكتفى بذكر الشاهد الشعري الذي ذكره ابن عباس، وأما القرطبي فقد أورد الشاهد الذي ذكره ابن عباس، والشاهد الذي ذكره أبو عبيدة والطبري (٤). - من استشهد بشاهد شعري آخر. وهم أبو عبيدة حيث قال: «وشواظ واحد، وهو النار التي تؤجج لا دخان فيها، قال رؤبة: إِنَّ لَهُمْ مِنْ وَقْعِنَا أَقْيَاظَا ... ونَارَ حَربٍ تُسْعِرُ الشُّوَاظَا (٥) فهو قد وافق ابن عباس في التفسير، ولكنه خالفه في الشاهد الشعري، فلم يستشهد بالشاهد الذي استشهد به ابن عباس، وكذلك فعل الطبري، فقد وافق أبا عبيدة في التفسير والشاهد الشعري (٦). - من لم يستشهد بالشعر واكتفى بالتفسير. ومنهم الفراء، فقد

стр. 291

وافقهم في التفسير للفظة، ولكنه لم يستشهد لها بشاهد من الشعر (١). ثالثًا: اختلاف الشواهد الشعرية في مسائل نافع بن الأزرق عن الشواهد الشعرية في كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، الذي يُعَدُّ كُلُّ من كَتَبَ بعده في غَريبِ القُرآن عالةً على شواهده الشعرية، مع أن أبا عبيدة أحد رواة المسائل (٢)، وقد كان تأثرُ الطبريِّ والزمخشريِّ وابن عطية والقرطبيِّ بشواهد «مَجَاز القرآن» أكثر من تأثرهم بشواهد مسائل نافع بن الأزرق. وهذا يطعن في قول من اتهم أبا عبيدة بوضع مسائل نافع بن الأزرق (٣). رابعًا: تأثر المفسرون بمنهج ابن عباس في جوابه لنافع بن الأزرق في الاستشهاد بالشعر، ولم يشذ أحد منهم من لدن أبي عبيدة في «مَجَاز القرآن»، حتى الشنقيطي وابن عاشور من المعاصرين، مرورًا بكبار المفسرين كالطبري وابن عطية والزمخشري والقرطبي، فالمادة الشعرية في تفاسيرهم، ومنهجهم في الاستشهاد تدل على تأثرهم بهذه المسائل. خامسًا: أورد القرشي في أول كتابه «جَمهرة أشعار العرب» أربعةً وثَمانينَ شاهدًا من الشعر، وبعد كل شاهد يذكر اللفظة القرآنية التي وردت موافقة لما في الشاهد الشعري، بطريقة مخالفة لطريقة مسائل نافع بن الأزرق التي تبدأ بالسؤال عن اللفظة القرآنية ثم يأتي الشاهد بعد ذلك. غير أن كثيرًا من شواهد الشعر التي ذكرها القرشي هي شواهد وردت في روايات مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس (٤). وهو قبل ذلك قد ذكر قصة سؤال نافع لابن عباس، ولم يسرد المسائل (٥)، وفي هذا نوع من التأثر بهذه المسائل. سادسًا: مِنْ أكثرِ من رأيتهُ نَسَجَ على مِنوالِ هذه المسائلِ دونَ

стр. 292

الإشارةِ إليها أَدنى إشارةٍ أبو النَّصر أَحْمدُ بنُ مُحمدٍ السَّمْرَقَنْدِيُّ (١) المعروفُ بالحَدَّاديِ في كتابه «المُوضِّح في التفسير»، وهو كتاب مُختصر في تفسير الغريب من ألفاظ القرآنِ وأساليبه، يكتفي فيه بِبَيانِ اللفظةِ الغريبة، أو التركيبِ المُشكلِ في الآيةِ بأَوجزِ عبارةٍ، ثُم يستشهدُ على ذلك بشاهدٍ من الشِّعرِ أو أكثر، على غرار مسائل نافع بن الأزرق، ويقع الكتاب في (١١٣) مائة وثلاث عشرة صفحة، فسَّر فيها (٢٠٠) مائتي لفظةٍ غريبةٍ، وأسلوبٍ من أساليب القرآنِ الكريم، واستشهد على تفسيره بِمائتين وخَمسةَ عشر شاهدًا من الشعرِ الجيّدِ المُحتجِّ به عند المفسرين، ولم ينسب منها لقائله إلا ثلاثة وعشرين شاهدًا، في حين استطاع المُحقق نسبة مائة وثلاثة وستين شاهدًا، وبقي تسعة وعشرون شاهدًا غير منسوبة، والشعراء الذين استشهد بشعرهم من الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، ولم يستشهد بشعر المُحدثين إلا في موضع واحدٍ، فقد استشهد ببيت لأبي نواس، معتمدًا على إنشاد الفراء له. (٢) ويظهر من منهجه أنه لم يكن يعتني بنسبة الشواهد الشعرية إذا ثبتت لديه صحتها، والثقة بها، وقد كان هذا نهجًا عند العلماء، وسيأتي بيان ذلك (٣).

стр. 293

المبحث الثالث: منهج التابعين وأتباعهم في الاستشهاد بالشعر في التفسير تَمْتَدُّ الحقبة التي يدرسها هذا المبحث منذ وفاة آخر الصحابة ﵃، وهو عند الأكثر أنس بن مالك ﵁ المتوفى سنة ٩٣ هـ (١) حتى نهاية القرن الثاني الهجري تقريبًا، وعصر الصحابة متداخلٌ مع عصر التابعين، وكذلك عصر التابعين متداخل مع عصر أتباع التابعين وهكذا، لصعوبة الفصل بين هذه الطبقات، ولأخذ اللاحق عن السابق، مِمَّا يجعل الدراسة بناء على هذا دراسة تقريبية. وقد تقدم أن الصحابة ﵃ قد سبقوا إلى الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وإيضاح معانيه، غير أن المروي عنهم في ذلك قليل، ولولا ما روي عن ابن عباس ﵄ في ذلك لما أمكن دراسة منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، لقلة ما روي عنهم في التفسير عمومًا، ومن الاستشهاد بالشعر في التفسير بصفة خاصة. فالحديث عن منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر إنما هو حديث عن منهج ابن عباس خاصة، وقد تقدم قول ابن الأنباري: «جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وتابعيهم من الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله باللغة والشعر ما بَيَّنَ صحةَ مذهب النحويين في ذلك». (٣) وقال بعد أن أورد شواهد الشعر في التفسير عن ابن عباس

стр. 294

وغيره: «وهذا كثير في الحديث عن الصحابة والتابعين». (١) غير أنه لم يصل من الروايات عن غير ابن عباس ما يُمَكِّنُ من دراستها والحكم عليها. يقول حاجي خليفة: «ولما انتشر الإسلام، واتسعت الأمصار، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وحدثت الفتن واختلاف الآراء، وكثرت الفتاوى والرجوع إلى الكبراء، أخذوا في تدوين الحديث والفقه وعلوم القرآن، وكان مطمح نظرهم في التدوين ضبط معاقل القرآن والحديث ومعانيها، ثم دونوا فيما هو كالوسيلة إليهما، واشتغلوا بالنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط .... وكان ذلك مصلحة عظيمة، وفكرة في الصواب مستقيمة». (٢) وكانَ لِحَبْرِ الأُمِّة عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ القِدْحُ المُعَلَّى في توظيف الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم (٣)، لسعة علمه، وكثرة حفظه لشعر العرب، وبركة دعوة النبي ﷺ له بالفقه في كتاب الله في قوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٤). وفي رواية أخرى: «اللهم علمه الكتاب» (٥). وقد كان لهذه الدعوات أثر مبارك في علم ابن عباس، وتفسيره للقرآن، فقد فَاقَ ما رُوي عنه في التفسير ما رُوي عن سائرالصحابة في التفسير (٦).

стр. 295

• أهم مدارس التفسير في عصر التابعين: تفرق الصحابة ﵃ في الأمصار، وصار لكل منهم تلاميذ يأخذون عنه علم القرآن والتفسير والفقه، وبدأ هؤلاء الصحابة ﵃، يشكلون ما يمكن تسميته بالمراكز أو المدارس العلمية، وقد بدأت هذه المراكز بالظهور في النصف الثاني من القرن الأول الهجري وأهمها: أولًا: مدرسة المدينة المنورة، ومؤسس هذه المدرسة هو الصحابي الجليل أُبَيُّ بن كعبٍ الأنصاري، وكان لكبار الصحابة أثر فيها كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، وممن أخذ عن هذه الطبقة من التابعين أبو العالية الرياحي (ت ٩٣ هـ)، وسعيد بن المسيب (ت ٩٤ هـ)، وعطاء بن يسار (ت ٩٤ هـ)، ومحمد بن كعب القرظي (ت ١٢٠ هـ)، والزُّهريُّ (ت ١٢٤ هـ)، وغيرهم، وزيد بن أسلم (ت ١٣٦ هـ) (١). ثانيًا: مدرسة مكة المكرمة، ومؤسس هذه المدرسة هو شيخ المفسرين وحَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨ هـ)، وتلاميذه الذين لازموه وأخذوا عنه كثيرون منهم أبو الشعثاء جابر بن زيد (ت ٩٣ هـ)، وسعيد بن جبير (ت ٩٥ هـ)، ومجاهد بن جبر (ت ١٠٤ هـ)، وعكرمة مولى ابن عباس (ت ١٠٥ هـ)، ، وطاووس بن كيسان (ت ١٠٦ هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت ١١٤ هـ) وغيرهم. وتُعدُّ هذه المدرسة أوثق مدارس التفسير، وأكثرها استشهادًا بالشعر في التفسير، لمكانة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في علم التفسير، يقول ابن تيمية: «وأما التفسير فإن أعلم الناس به أهلُ مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس» (٢). ثالثًا: مدرسة الكوفة، ومؤسسها هو الصحابي الجليل عبد الله بن

стр. 296

مسعود الهذلي ﵁ (ت ٣٢ هـ)، وأصحابه الذين أخذوا عنه ولازموه علقمة بن قيس (ت ٦١ هـ)، ومسروق بن عبدالرحمن (ت ٦٣ هـ)، والأسود بن يزيد النخعي (ت ٦٤ هـ)، والشعبي (١٠٥ هـ)، وغيرهم. رابعًا: مدرسة البصرة، وقد حظيت بصحابيين جليلين هما أبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك ﵄، وقد أخذ عن هذين الصحابيين من التابعين الحسن البصري، وأيوب السختياني وغيرهما (١). وقد كان لعلم التفسير في هذا العصر حظ وافر من الانتشار والذيوع؛ لأهميته وحاجة الناس إليه، فلا يكاد يخلو مسجد أو حلقة درس من تفسير القرآن الكريم، ومن أوائل من وصلت تفاسيرهم للقرآن الكريم من عصر التابعين تفسير مجاهد بن جبر (ت ١٠٤ هـ)، وتفسير عطاء الخراساني (ت ١٣٣ هـ)، وتفسير سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) وتفسير عبدالرزاق الصنعاني (ت ٢١١ هـ)، وغيرها. • تفسير التابعين: وتُعَدُّ جهود التابعين في التفسير امتدادًا لجهود الصحابة ﵃، وقد كان لأصحاب ابن عباس ﵄ من التابعين حرص كبير على علمه ولا سيما ما يتعلق منه بتفسير القرآن الكريم، فقد عرض مجاهد القرآن الكريم عليه ثلاثين مرة (٢)، ويقول أيضًا: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية، وأسأله عنها (٣)، ويدون ذلك في ألواح كان يصطحبها معه كما قال ابن أبي مليكة: رأيت مجاهدًا يسأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، فيقول له ابن عباس: اكتب، قال: حتى سأله عن التفسير

стр. 297

كله (١). ولذلك عده ابن كثير من أخص أصحاب ابن عباس (٢). وقد نقل التابعون أقوالًا عن ابن عباس تحث على الاستعانة بالشعر في التفسير، فعن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة قال: شهدت ابن عباس وهو يُسأَلُ عن عربية القرآن فينشد الشعر (٣). وعن سعيد بن جبير ويوسف بن مهران قالا: ما نحصي كم سمعنا ابن عباس يُسأَلُ عن الشيء من القرآن فيقول: هو كذا وكذا، أما سمعت الشاعر يقول: كذا وكذا (٤). والذين تفرغوا للتفسير من التابعين قليل، وجُلُّ المنقول في التفسير عن مُجاهدِ بنِ جَبْرٍ، وعكرمة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والحسن البصري. وأبرز من ظهر في رواياته الاستشهاد بالشعر في التفسير هم أصحاب ابن عباس من التابعين، وأبرزهم في ذلك عكرمة، ثم مُجَاهد، ثم يأتي بعدهما في ذلك عبدالرحمن بن زيد بن أسلم من المدينة المنورة وأما غيرهم فلا تكاد تجد لهم إلا الرواية أو الروايتين، والغالب أنك لا تجد لهم شيئًا في ذلك. أبرز من عني بالاستشهاد بالشعر من التابعين: - مُجَاهدُ بن جَبْر (ت ١٠٤ هـ). فأما مجاهد فقد انقطع لتفسير القرآن وتعليمه، حتى قال عن نفسه: استفرغ علمي القرآن (٥). وقد وردت عنه عدة روايات في التفسير استشهد فيها بالشعر، فمن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] (٦) حيث قال: اللؤلؤ، عظام اللؤلؤ، والمرجان: اللؤلؤ الصغار. قال الكلبي: وهي بلغة

стр. 298

أهل اليمن، وأنشدني شعر جَبَلَةَ بنِ عَدَيٍّ الكِنْدِيِّ الذي يقال له الذائدُ: أَذُودُ القَوافيَ عَنِّي ذِيَادا ... ذِيَادَ غُلامٍ تَنَقَّى جِيَادَا وأَعْزِلُ مَرجَانَهَا جَانِبًا ... وآَخذُ مِنْ دُرِّهَا المُستَجَادَا (١) ورُبَّمَا يفسِّر مجاهدُ الآية، ثم ينقل الشاهد الشعري عن ابن عباس، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق: ١٧] (٢) حيث قال مجاهد في تفسيرها: مَا جَمَع، قال ابن عباس: مُسْتَوسِقَاتٍ لَو يَجِدْنَ سَائِقَا (٣) وابن عباس هو أول من استشهد بهذا الشاهد على هذا المعنى، ونقل عنه ذلك مجاهد، ثم تناقله المفسرون بعد ذلك في كتبهم (٤). - عكرمة مولى ابن عباس (ت ١٠٥ هـ). وأما عكرمة فقد برز في التفسير باللغة مع الاستشهاد على تفسيره بالشعر، وهو في ذلك يسير على نهج شيخه ابن عباس، فمن الروايات التي رويت عن عكرمة في الاستشهاد بالشعر في التفسير، أنه سأله رجل عن الزنيم، فقال: هو ولد الزنى، وتَمثَّلَ ببيت شعر: زَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبُوهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمِ (٥) وعنه أيضًا، الزنيمُ: الدَّعيُّ الفاحشُ اللئيمُ، ثُمَّ قال: زَنِيْمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادةً ... كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأَدِيْمِ الأَكَارِعُ (٦)

стр. 299

وعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨] (١) قال: ظل الأغصان على الحيطان (٢)، وفي رواية: ذواتا ظل وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر (٣): مَا هَاجَ شَوقَكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامةٍ ... تَدعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَمَامَا تَدعو أَبا فَرْخَينِ صَادفَ ضَاريًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِن الصُّقُورِ قَطَامَا (٤) وعن عكرمة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٤] (٥) قال: الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ قال: الأرض كلها ساهرة، ألا ترى قول الشاعر (٦): صَيدُ بَحْرٍ وصيدُ سَاهرةٍ (٧) وعن عكرمة: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] (٨) قال: أن لا تميلوا، ثم قال: أما سَمعت قول أبي طالب: بِمِيْزَانِ قِسْطٍ وَزنُهُ غَيْرُ عَائِلِ (٩) وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه سئل عن قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧] (١٠) قال: صلب الرجل وترائب المرأة، أما سمعت قول الشاعر: ونِظام اللولى على ترائبها ... شَرِقَا به اللبَّاتُ والنَّحْرُ (١١) - عبدالرحمن بن زيد (ت ١٨٢ هـ). ويأتي بعد عكرمة في

стр. 300

الاستشهاد بالشعر عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، حيث وردت عنه عدة روايات استشهد فيها بالشعر في تفسير القرآن الكريم، فمن ذلك قول ابن زيد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٦] (١) قال: الوتين نياط القلب الذي القلب متعلق به، وإياه عنى الشماخ بن ضرار التغلبي بقوله: إِذَا بلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ... عَرابةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِيْنِ (٢) وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥] (٣) قال الطبري: «وحدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المقسط: العادل، والقاسط: الجائر، وذكر بيت شِعْرٍ (٤): قَسَطْنَا عَلى الأَمْلاكِ في عهدِ تُبَّعٍ ... ومِنْ قَبلُ مَا أَردَى النفوسَ عِقابُها (٥) وقال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ [النحل: ١٠] (٦) قال: تَرْعَونَ، قال: الإِسَامَةُ: الرَّعيةُ، وقال الشاعر (٧): مِثلِ ابنِ بَزْعَةَ أَو كآخرَ مثلهِ ... أَولى لكَ ابنَ مُسيمةِ الأَجْمَالِ (٨) قال: يا ابنَ راعيةِ الأَجْمَال (٩). قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] (١٠) قال: الغيُّ الشرّ، ومنه قول الشاعر (١١):

стр. 301

فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ ... ومَنْ يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِمَا (١) وقال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ [الأنبياء: ١٩] (٢) قال: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يَمَلُّون، وذلك الاستحسار. قال: و ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] (٣) و ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] (٤) هذا كُلُّهُ واحدٌ معناه، والكلامُ فيه مُختلفٌ، وهو مِن قولِهِم: بَعِيْرٌ حَسِيرٌ إذا أَعيا وقام (٥)، ومنه قول علقمةَ بنِ عبدةَ: بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيْضٌ، وأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيْبُ (٦) وقال ابن زيد في قوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥)﴾ [المطففين: ٢٥] (٧) الرحيق المختوم: الخمر، قال حسان: يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَليهمُ ... بَرَدَى يُصَفِّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ (٨) وأما بقية التابعين، فلم يحفظ عنهم في الاستشهاد بالشعر على التفسير إلا روايات مفردة، فالشعبي مع كونه شاعرًا ومن أحفظ الناس لشعر العرب (٩)، لم يرد عنه إلا رواية واحدة - فيما وقفتُ عليه - عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٤] (١٠) قال الشعبي: بالأرض، ثم أنشد أبياتًا لأمية: وَفِيها لَحْمُ سَاهِرةٍ وبَحْرٍ (١١)

стр. 302

وهو مسبوق في الاستشهاد بهذا الشاهد، فقد سبقه إليه ابن عباس ﵄. وأما الضحاكُ فلم يُرو عنهُ إِلَّا روايات قليلة، منها في تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾ [الواقعة: ١٨] (١) قال: الأكوابُ جِرَارٌ ليس لها عُرًى، وهي بالنبطيةِ كوبَا، وإياها عنى الأعشى بقوله: صَريفيَّةً طَيِّبًا طَعمُهَا ... لَهَا زَبَدٌ بَيْنَ كُوبٍ ودَنّ (٢) وأما سعيد بن جبير فقد كان مقلًا من الاستشهاد بالشعر، والروايات عنه في ذلك قليلة جدًا، منها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] (٣) قال سعيد بن جبير: القانع: السائلُ الذي يسألُ، ثم أنشد أبياتًا للشمَّاخ: لَمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مَفَاقِرَهُ أَعفُّ من القَنُوعِ (٤) في حين قد فسر ابن عباس القانع بأنه الذي يقنع بما أعطي، والمعتر الذي يعترض الأبواب، وقد سأله نافع بن الأزرق عن شاهد لذلك من الشعر، فقال: أما سمعت قول الشاعر (٥): عَلى مُكْثِريهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيْهِمُ ... وعندَ المُقِلِّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ (٦) وأما قتادة بن دعامة فمع إنه من أحفظ التابعين لشعر العرب وأيامها (٧)، وقد كان الرجلان من بني أمية يختلفان في البيت من الشعر، فيبردان بريدًا إلى قتادة في البصرة يسأله عن ذلك (٨)، إلا أنه لم يُحفظْ

стр. 303

عنه روايةٌ في تفسير القرآن والاستشهاد على ذلك بالشعر. وأما مكحول فله رواية مفردة، وهي أنه سُئِلَ عن قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] (١) قال: أما سَمعت قول الشاعر: وَقَامَتِ الحَربُ بِنَا عَلى سَاقْ (٢) وهذا الشاهد سبق أن استشهد به ابن عباس ﵄. - موقف التابعين من الاستشهاد بالشعر على التفسير: الظاهر أن التابعين لم يتحرجوا من إنشاد الشعر، والاعتماد عليه كمصدر من مصادر التفسير، بل حتى من أثر عنه التحرج منه كالحسن البصري قد رويت عنه روايات في الاستشهاد به على التفسير، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)﴾ [القيامة: ٢٩] (٣) قال الحسن: لفت ساق الآخرة بساق الدنيا، وذكر قول الشاعر: وَقَامَتِ الحَربُ بِنَا عَلى سَاقْ (٤) وإن كان قد روي عن الأصمعي أنه سأل سعيد بن المسيب فقال: ها هنا قوم نُسَّاك يعيبون إنشاد الشعر، قال: نَسَكُوا نُسُكًا أعجميًّا (٥). ويروى هذا الخبر عن ابن أنعم، أنه قال: قلت لابن المسيب: إن عندنا رجلًا من الأنصار يقال له: إسماعيل بن عبيد من العُبَّاد، إذا سمعنا نذكر شعرًا صاح علينا، فقال سعيد: ذاك رجلٌ نَسَكَ نُسُكَ العَجَمِ (٦). والآثارُ عن التابعين في تفسير القرآن بالشعر كثيرة، ذكرها أهلُ السُّنَنِ (٧). بل إن البيئة العلمية في عصر التابعين كانت حافلة بالطلاب الذين

стр. 304

يطلبون علم التفسير، بل جاوز الأمر ذلك حتى أصبح أمثال الفرزدق من الشعراء يفسر القرآن بحضرة كبار التابعين، ويُقَرُّ على ذلك، فقد ذكر الزمخشري أن الحسن البصري ﵁ سُئِلَ عن لغوِ اليمين في الآية، وكان الفرزدق عنده، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد، دعني أجب عنك، فقال: ولستَ بِمَأخوذٍ بلغوٍ تقولهُ ... إذا لم تعمَّد عاقدات العزائمِ (١) وهو في هذا يشير إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (٢). أتباع التابعين: يُطلقُ مصطلح السلف في كتب التفسير، ويراد به طبقة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وعن هذه الطبقات الثلاث نُقِلَ كُلُّ التفسير، ولم يَعُدْ لِمَنْ بعدَهم سِوى الاختيار من أقوالهم، والترجيح بينها. وقد توسع أتباع التابعين في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم أكثر من التابعين، نظرًا لحاجة الناس لذلك، ولبدء التدوين والتصنيف في عهدهم بشكل منظم، فقد ذكر أن أبان بن تغلب (ت ١٤١ هـ) قد صنف كتابًا في غريب القرآن، وذكر شواهده من الشعر (٣). وابن جريج مع كونه من أول من صنف التفسير، إلا أنه لم يرد عنه من الشواهد في التفسير المنقول عنه سوى سبعة أبيات، خَمسة منها في معرض الحديث عن أسباب النُزُول، واثنان لتأكيد معنى لغوي. فقد استشهد ابن جريج بالشعر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾ [آل عمران: ٦٩] فقال: ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ (٤)، أي: يُهلكونَكُم، ومنه قول الأخطل:

стр. 305

كُنتَ القَذَى في مَوجِ أَكْدَرَ مُزبدٍ ... قَذَفَ الأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا (١) أي: هَلَكَ هَلاكًا (٢). وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥] (٣) قال ابن جريج: السبت، النعل؛ لأنه يقطع كالطحن والرعي، سُمِّي يومُ السبت لأَنَّه قطعة زمان، قال لبيد: وغَنيتُ سَبْتًا قبلَ مَجْرى دَاحِسٍ ... لو كانَ للنَّفْسِ اللحومِ خُلُودُ (٤) وأما إسماعيل السدي فقد حفظت عنه روايات قليلة استشهد فيها بالشعر على تفسير القرآن، منها عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ [الفجر: ٥] (٥) قال: لذي لُبٍّ، قال الحارثُ بن مُنبه الجَنْبِيِّ من مذحج لابنه في الجاهلية: وَكيفَ رَجَائِي أَنْ تَثُوبَ وإِنَّمَا ... يُرَجَّى مِن الفِتْيَانِ مَنْ كَانَ ذَا حِجْرِ (٦) وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤)﴾ [النازعات: ٣٤] (٧) قال سفيان الثوري: هي الساعةُ التي يُسَلَّمُ فيها أهلُ النار إلى الزَّبَانية، أي الداهية التي طمت وعظمت، قال: إِنَّ بعضَ الحُبِّ يُعْمِي ويُصِمّْ ... وكذاكَ البعضُ أَدْهَى وأَطَمّْ (٨) وذكر الطبري عن محمد بن سهل قال: سألني رجل في المسجد عن هذا البيت:

стр. 306

دَأْبَ شَهْرَين ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ... بِأَرِيْكَيْنِ يَخْفِيَانِ غَمِيْرَا (١) فقلت: يظهران. فقال ورقاء بن إياس وهو خلفي: أقرأنيها سعيد بن جبير: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] (٢) بنصب الألف (٣). وروى الكلبي عن أبي صالح وعبد الوهاب عن مجاهد في قوله تعالى في طسم الشعراء في قصة صالح وشعيب: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ [الشعراء: ١٥٣] (٤) قالا: من المخدوعين، قال الكلبي: وهي من لغة العرب جميعًا، وأنشد: فَإِنْ تَسأَلِينا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا ... عَصَافِيرُ مِن هَذا الأَنَامِ المُسَحَّرِ (٥) وقوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] (٦) من هذا، وأنشدنا شعر امرئ القيس: أَرَانَا مُوضِعِينَ لِوَقتِ غَيبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وبالشَّرابِ (٧) وربما أورد المفسر تفسير التابعين ثم استشهد له بشاهد من الشعر، ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿يس (١)﴾ [يس: ٢] (٨) عن سعيد بن جبير قال: إنه اسم من أسماء محمد ﷺ ، ودليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [يس: ٣] (٩). وقال السَّيّدُ الحِميَريُّ (١٠):

стр. 307

يَا نَفْسُ لا تَمْحَضي بالنُّصحِ جَاهِدةً ... عَلى المَوَّدةِ إِلَّا آَلَ يَاسِينَا (١) وذلك لأنَّ السيدَ الحميري قد وُلِدَ سنة ١٠٥ هـ، في حين توفي سعيد بن جُبَيْر عام ٩٥ هـ، فليس الاستشهاد بالشعر له. • منهج التابعين في الاستشهاد بالشعر في التفسير: لم يتغير الحال كثيرًا في عهد التابعين عنه في عهد الصحابة، فلا تزال البيئة صافية، واللحن قليلًا، والحاجة إلى التفسير قليلة. فلم يرد عن التابعين من الروايات في استشهادهم بالشعر في تفسير القرآن الكريم ما يكشف بجلاء عن منهجهم في ذلك، فلم يرد عنهم بعد البحث والتقصي سوى روايات معدودة، أوردتها في ثنايا هذا المبحث. وقد استثنيت من الدراسة في هذا المبحث ما كتبه أبو عبيدة في «مجاز القرآن»، وما كتبه الفراء في «معاني القرآن»؛ لأنني قد خصصتهما بالدرس في الباب الثاني. ويمكن من خلال هذه الروايات المحدودة تلمس المنهج العام للاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن في عهد التابعين وأتباعهم على النحو التالي: ١ - كان لمدرسة مكة التي أسسها عبد الله بن عباس عناية بالاستشهاد بالشعر في التفسير. وقد كان مجاهد وعكرمة من أبرز من وظَّفَ الشاهد الشعري في التفسير، وذلك اقتداء بحبر الأمة ابن عباس ﵄. وقد تقدمت الأمثلة على ذلك عن مجاهد وعكرمة. ٢ - الاكتفاء بذكر الشاهد دون بيان أو شرح. وذلك لأنه لا يزال الناس أهل سليقة لغوية صحيحة، وكان الشعر لا يزالُ عِلْمًا شائعًا بين

стр. 308

العرب في تلك الطبقة المتقدمة، مما يعني إحالة الناس إلى ما يعلمون عندما يحالون إلى شواهد الشعر العربي. ٣ - استشهاد التابعين بأشعار المعاصرين. وذلك أن العصر عصر فصاحة وسليقة، ولم تختلط الألسن بالعجمة اختلاطًا واسعًا. ولذلك يحتج عكرمة بشعر ثابت بن عبدالرحمن بن كعب وهو معاصر له، حيث توفي سنة ١٠٠ هـ (١). كما في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨] (٢) قال عكرمةُ: ظِلُّ الأغصان على الحيطان (٣)، وفي رواية: ذواتا ظِلٍّ وأغصان، ألم تسمع إلى قول الشاعر (٤): مَا هَاجَ شَوقَكَ مِنْ هَدِيلِ حَمَامةٍ ... تَدعُو عَلى فَنَنِ الغُصُونِ حَمَامَا تَدعو أَبا فَرْخَينِ صَادفَ ضَاريًا ... ذَا مِخْلَبَيْنِ مِن الصُّقُورِ قَطَامَا (٥) ويؤخذ على هذا الشاهد الذي ذكره عكرمة عدم الدقة في الاستدلال، حيث إنه لا يدل على أن المقصود بفنن الغُصون ظلُّ الغصون، حيث إن الفنن هو جزء متفرع من الغصن، قال أبو الهيثم: «الفنون تكون في الأغصان، والأغصان تكون في الشُّعَبِ، والشُّعَبُ تكون في السُّوقِ، وتُسمَّى هذه الفروعُ - يعني فروع الشجر - الشَّذَبَ» (٦). ٤ - اعتماد المفسرين على تفسير التابعين واستشهاهم لصحته بالشعر. وذلك أن تفسير التابعين يأتي في المرتبة التالية لتفسير الصحابة ﵃. فإذا أجمع التابعون على تفسير كان اتباعهم في ذلك واجبًا (٧).

стр. 309

وقد حرص المفسرون على نقل تفاسير التابعين، والأخذ بها، وقد وجدت بعض الأمثلة التي ينقل المفسر فيها تفسير التابعي، ثم يعقبه بشاهد من الشعر يؤيد ما ذهب إليه التابعي. فمن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾ [الصافات: ١٤٢] (١): «والمليمُ الذي أَتى ما يُلامُ عليه، أَلامَ الرجلُ: دَخلَ في اللَّومِ، وبذلك فَسَّرَ مُجاهدُ وابنُ زيدٍ، ومنه قول الشاعر (٢): وَكَمْ مِنْ مُلِيمٍ لَمْ يُصَبْ بِمَلامَةٍ ... ومُتَّبعٍ بالذَّنبِ لَيسَ بِمُذنبِ (٣) ومنه قول لبيدِ بن ربيعة: سَفَهًا عَذلتِ وَلُمْتِ غَيْرَ مُليمِ ... وهداكَ قبلَ اليومِ غَيْرُ حَكيمِ (٤) وقال ابن عطية كذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] (٥): والمُرَاغَمُ: المُتَحوَّلُ والمَذهَب، كذا قال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم، ومنه قول النابغة الجعدي: كَطَودٍ يُلاذُ بِأَرْكَانِهِ ... عَزِيزِ المُرَاغمِ والمَذْهَبِ (٦) وقول الآخر: إِلى بَلَدٍ غَيْرِ دَاني المَحَلِّ ... بَعيدِ المُرَاغَمِ والمُضْطَرَبْ (٧)

стр. 310

وقال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] (١): والأثام في كلام العربِ العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابنُ زيدٍ وقتادةُ هذه الآية. ومنه قول الشاعر (٢): جَزَى اللهُ ابنَ عُروةَ حيثُ أَمْسَى ... عُقُوقًا والعُقوقُ لَهُ أَثَامُ (٣) أي: جزاء وعقوبة (٤). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] (٥) قال الضحاك: هو الهلاك (٦). قال ابن عطية مستشهدًا لتفسير الضحاك: «ومنه قول ابن الزبعرى: إِذْ أُجَاري الشيبطَانَ في سُنَنِ الـ ... ـغَيِّ ومَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ (٧) ٥ - الاستشهاد بأكثر من شاهد للفظة الواحدة. قد يرد عن بعض التابعين الاستشهاد بأكثر من شاهد من الشعر للفظة الغريبة، مما يعني سعة المحفوظ من الشواهد الشعرية، وربما تعدد مجالس السؤال عن هذه اللفظة. فعكرمة عندما سئل عن معنى الزَّنيمِ، قال مرةً: هو ولد الزنى، وتمثل ببيت شعر: زَنِيْمٌ ليسَ يُعْرَفُ مَنْ أَبُوهُ ... بَغِيُّ الأُمِّ ذُو حَسَبٍ لَئِيمِ (٨) وأجاب في جوابٍ آخر بأَنَّ الزَّنيمَ الدَّعيُّ الفاحشُ اللئيمُ، واستشهد لذلك بشاهدٍ آخر هو قولُ الشاعر: زَنِيْمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادةً ... كَمَا زِيدَ في عَرْضِ الأَدِيْمِ الأَكَارِعُ (٩)

стр. 311

وقد صار هذا شائعًا عند المفسرين المتأخرين، حيث يوردون عددًا من الشواهد في بعض المواضع، للاستشهاد على معنى لفظةٍ واحدةٍ (١).

стр. 312

الباب الثاني: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر وأثر الشاهد الشعري في التفسير . الفصل الأول: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر. الفصل الثاني: مناهج أصحاب كتب المعاني والغريب. الفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في التفسير.

стр. 313

الفصل الأول: مناهج المفسرين في الاستشهاد بالشعر . المبحث الأول: منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري. المبحث الثاني: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير. المبحث الثالث: منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري ودلالته على المعنى المراد. المبحث الرابع: منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري. المبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين.

стр. 314

المبحث الأول: منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري . آيات القرآن في كتب التفسير هي المدار الذي يدورُ حوله كلام المفسرين وبحثهم، وأخذهم وردهم، ويستعين المفسرون بالعلوم الأخرى بقدرِ قُربِهَا والحاجة إليها في بَيَانِ الآيات، وكشفِ معَانيهَا؛ ومِن ثَمَّ فإن الاستعانة بالشواهد الشعرية، ومنهج إيرادها في كتب التفسير يتغير بِتغيرِ قيمةِ هذه الشواهد الشعرية في توضيح معاني الألفاظ والأساليب القرآنية، فتكثر هذه الشواهد وتقل بِحَسبِ منهج المفسر، والغرض الذي يسعى لتحقيقه، وحسب الموضع الذي وردت فيه هذه المسألة والحاجة للاستشهاد عليها. وقد اختلف المفسرون في إيراد الشواهد الشعرية في كتب التفسير باختلاف أغراضهم منها، وحاجتهم إليها أو إلى بعضها، وبالتالي ترتب على هذا اختلاف منهجهم في إيرادها في كتب التفسير. ويمكنُ إجْمال طريقة المفسرين في عرض الشواهد الشعرية، ومنهجهم في إيرادها على النحو الآتي: * أولًا: التمهيد للشاهد الشعري: عند الحاجة إلى الاستشهاد بشاهد من الشعر في كتب التفسير يُقدِّمُ المفسرون أحيانًا بين يدي الشاهد الشعري عند إيراده بِمُقدمات متعددة، وتتفاوت هذه المقدمات طولًا وقِصَرًا، وبَيَانًا وإبْهامًا، بحسب الموقف الذي يستدعي الشاهد. غير أن هذه التقدمة بين يدي الشاهد الشعري لا تَخلو من حالين:

стр. 315

- إما أن تكون تقدمةً مُبَيَّنةً بوجهٍ من وجوه البيان. - أو تكون تقدمة مُبهمةً لا تكشف من حال قائل الشاهد إلا ما لا غناء به. أولًا: التقدمة المُبَيَّنَة: المقصود بالتقدمة المبينة أن يقدم المفسر بين يدي الشاهد الشعري ما يدل على قائله، ومن خلال استعراض صنيع المفسرين في تقديمهم وبيانهم للشاهد الشعري تبين أن هذه التقدمة المُبَيَّنَة لا تخلو من حالين: الأولى: أن يكون هذا البيان تامًا . والمراد بالبيان التام هنا أن يُقدَّم بين يدي الشاهد الشعري ما يفيدُ نسبته إلى قائله، ولهذه النسبة صور كثيرة، منها: - نسبته إلى الشاعر باسمه المُجَرَّد لشهرته به إذا كان الشاعر من الأعلام، وفي الغالب ألاَّ يشاركهم في أسمائهم غيْرُهم من الشعراء في مثل منْزِلَتهم من الشهرة، ومن أمثلته قول الطبري: «وقال الشاعرُ، وهو حاتِمٌ ... » (١)، وقوله: «ومنه قول حسان» (٢)، وقوله: «وقال طرفة» (٣)، وقوله: «وقال لبيد» (٤)، وقوله: «وقال كُثَيّر» (٥)، وهكذا (٦). - نسبته إلى الشاعر باسمه واسم أبيه، ومن أمثلته قول الطبري: «وقال الأسودُ بنُ يَعْفُرَ» (٧)، وقوله: «ومنه قول عمرو بن كلثوم» (٨)، وقوله: «ومنه قول حسان بن ثابت» (٩)، وقوله: «ومنه قول عَدِيِّ بن

стр. 316

زيد» (١)، وقوله: «ومنه قول لبيد بن ربيعة». (٢)، ومثله قول ابن عطية: «قال الشاعر وهو ميمون بن قيس ... ». (٣) وقوله: «كما قال عمرو بن شَبِيم ... ». (٤) وربما نسب الشاعر إلى جده كقول القرطبي: «قال كعبُ بنُ أبي سُلْمَى: أَرجُو وآمُلُ أَنْ تَبْقى مَودتُها ... ومَا إِخَالُ لَدُنيا منكِ تَنْويلُ (٥)» (٦). وهو كعب بن زهير بن أبي سلمى ﵁، فنسبه لجده. - وربما كان الشاعرُ غيرَ مشهورٍ باسمه واسم أبيه، فيزيد المفسر في البيان، كقول الطبري: «وكما قال خالدُ بن زُهَيْرٍ (٧) ابنِ عَمِّ أَبي ذُؤيبٍ ... ». (٨) فقد أشار لقرابته من أبي ذؤيب الهذلي لشهرته، زيادة في الدلالة عليه. ومثل قول الطبري: «وقرأ آخرون: ﴿وَأَرْنَا مَنَاسِكَنَا﴾ بتسكين الراء، وزعموا أن معنى ذلك: وعَلِّمْنا، ودُلَّنَا - لا أَنَّ معناه: أَرِنَاها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حطائط بن يَعْفُر، أَخي الأَسود بن يَعْفُر .... » (٩). فقد عرف الطبريُّ الشاعر بنسبته إلى أخيه الشاعر الأسودِ بنِ يَعْفُر (١٠) لشهرته دون أخيه (١١).

стр. 317

- وقد يذكر المفسر الشاعر بكنيته لاشتهاره بها، وهو أمرٌ لا يقلُّ عن سابقه في اعتماد الأشهر من العَلَمِ أو الكُنْيَةِ، كقول الطبري: « ... ومنه قول ابن الرِّقاع ... » (١). وقوله: « ... ومنه قول أبي ذؤيب ... » (٢)، وقوله: «ومنه قول أبي الأَسود» (٣). وربما يذكر المفسر الشاعر بكنيته، للاختلاف في اسمه، أو الجهل به. ومن ذلك قول الطبري: «وقد قالت بنتُ عُتيبةَ بنِ الحَارثِ بن شِهَابٍ اليَرْبُوعيِّ: تَرَوَّحْنَا من اللَّعْباءِ قَصْرًا ... وأَعْجَلْنَا الإِلاهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (٤) يعني بـ «الإِلاهةَ» في هذا الموضع الشَّمْس» (٥). فقد وقع الخلاف في اسم هذه الشاعرة بين المُترجِمَين، فقيل: آمنة بنت عتيبة، وقيل: مية، وقيل: أم البنين (٦). - وقد يقتصر المفسر على لقب الشاعر الذي اشتهر به فيضيفه إليه، ويكتفي به كقول الطبري: «كما قال الراعي» (٧)، وقوله: «ومنه قول القَطَاميِّ» (٨)، وقوله: «كما قال النابغة» (٩) وهو الذبياني، وقوله: «وقالت الخنساء» (١٠)، وقوله: «ومنه قول المُرَقَّش» (١١)، وهكذا، وهي ألقاب مشهورة لشعراء.

стр. 318

- ورُبَّمَا ذُكِرَ الشاعرُ بلقبهِ فحسب في مواضعَ، كقول الطبري: «كما قال الفرزدق» (١)، وبلقبه واسم أبيه في مواضع أخرى، كقوله: «ومنه قول الفرزدق بن غالب ... » (٢)، وقول الطبري: «ومنه قول الطِّرِمَّاحِ ... » (٣)، وقوله في موضع آخر: «ومن ذلك قول الطِّرِمَّاحِ بنِ حَكيم ... » (٤)، وقول الطبري كذلك: «كما قال الشمَّاخ» (٥)، وذكره باسمه واسم أبيه في مواضع أخرى كقوله: «ومنه قول الشمَّاخ بن ضرار» (٦)، وقوله كذلك: «وقال جرير» (٧)، وفي مواضع أخرى يقول: «قال جرير بن عطية» (٨). - وربَّمَا ذكر المفسرُ الشاعرَ بلقبه ونسبته. ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: « ... كما قال المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ» (٩)، وقوله: «ومنه قول طُفَيلٍ الغَنَويِّ» (١٠). - وقد يذكر المفسر شاهدَين متتاليين لشاعر واحد، فينسب الشاهد الأول، ويعطف عليه الثاني دون إعادة ذكر اسمه أو لقبه، كقول الطبري وهو يفرق بين أداتي الاستفهام «أين» و «أَنَّى»: «وقد فَرَّقَتِ الشعراءُ بين ذلك في أَشعارِهَا، فقال الكميتُ بن زَيدٍ: تَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبُهُ؟ ... يُؤَامِرُ نَفْسَيهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأَبِلْ (١١) وقال أيضًا:

стр. 319

أَنَّى وَمِنْ أَينَ آَبَكَ الطَّرَبُ؟ ... مِنْ حَيثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ (١)» (٢). وربما كرر شاهدين لشاعر واحد، فصرح بذكر اسمه مرتين، كقول الطبري: «وأَمَّا الصلاةُ فإِنَّهَا في كلام العرب الدعاء، كما قال الأعشى: لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهرَ بَيْتَهَا ... وإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَليها وزَمْزَمَا (٣) يعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا: وَقَابَلَهَا الرِّيْحُ في دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ (٤)» (٥). - ورُبَّمَا يزيد المفسر في البيان، فيبين مع اسم الشاعر نسبته إلى قبيلته إن لم يكن مشهورًا ومن ذلك قول الطبري: «ومن الفَارِهِ بِمَعنى: المرح قول الشاعر عَدِيِّ بنِ وَداعٍ العُقَويِّ (٦) من الأزد ... » (٧)، وقوله: «قال المُثَنَّى بنُ جَنْدَلٍ الطُّهَوِيُّ ... » (٨)، وقوله: «ومنه قول عوف بن الأَحْوَصِ الكِلابي» (٩). - بيان موضوع الشاهد: قد يزيد المفسر في البيان فيبين مع نسبة الشاعرِ موضوع الشاهد قبل ذكر الشاهد، ليكون القارئ على بينة من المعنى الذي يعنيه الشاعر، كقول الطبري: «ومنه قول ذي الرمة في صِفَةِ السَّرَابِ .... » (١٠). فلو لم

стр. 320

يُقَدِّم المفسرُ قبل الشاهد بذكر المناسبة التي قاله الشاعر فيها لخفي معنى الشاهد على القارئ. ومن الأمثلة كذلك قول الطبري: «ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفةِ فَرَسٍ .... » (١)، وقوله: «واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفةِ نَارٍ نَعَتَها .... » (٢)، وقوله: «كما قال الأعشى في صفة امرأَةٍ انتسبت إلى قومٍ .... » (٣)، وقوله: «ومنه قول الأخطل في هجاء جرير ... » (٤)، وغير ذلك. (٥) - وربما ذكر المفسر المناسبةَ التي قيل فيها الشاهد الشعري دون ذكر الشاعر، ومن ذلك قول الطبري عند حديثه عن النسيء عند العرب في الجاهلية: «وقال مُنَافِرُهُم: ومِنَّا مُنْسِي الشهورِ القَلَمَّس» (٦). فأشار إلى أنه قيل هذا البيت في مُنَافِرةٍ، والمُنافرةُ المُفَاخرةُ والمُحَاكمَةُ، وذلك أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثُمَّ يُحكِّمَا بينهما رجلًا (٧). - وقد يُبَيّنُ المفسرُ مع نسبة الشاهد لقائله زَمَنَ قول هذا الشاهد من الشعر. ومن ذلك قول ابن عطية: «وقيل: الرعدُ اسمُ الصوت المسموع، قاله علي بن أبي طالب ﵁، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته: فَجَّعَنِي الرَّعدُ والصواعقُ بالفـ ... ـارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجِدِ (٨)
следующие страницы →