← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

زيد» (١)، وقوله: «ومنه قول لبيد بن ربيعة». (٢)، ومثله قول ابن عطية: «قال الشاعر وهو ميمون بن قيس ... ». (٣) وقوله: «كما قال عمرو بن شَبِيم ... ». (٤) وربما نسب الشاعر إلى جده كقول القرطبي: «قال كعبُ بنُ أبي سُلْمَى: أَرجُو وآمُلُ أَنْ تَبْقى مَودتُها ... ومَا إِخَالُ لَدُنيا منكِ تَنْويلُ (٥)» (٦). وهو كعب بن زهير بن أبي سلمى ﵁، فنسبه لجده. - وربما كان الشاعرُ غيرَ مشهورٍ باسمه واسم أبيه، فيزيد المفسر في البيان، كقول الطبري: «وكما قال خالدُ بن زُهَيْرٍ (٧) ابنِ عَمِّ أَبي ذُؤيبٍ ... ». (٨) فقد أشار لقرابته من أبي ذؤيب الهذلي لشهرته، زيادة في الدلالة عليه. ومثل قول الطبري: «وقرأ آخرون: ﴿وَأَرْنَا مَنَاسِكَنَا﴾ بتسكين الراء، وزعموا أن معنى ذلك: وعَلِّمْنا، ودُلَّنَا - لا أَنَّ معناه: أَرِنَاها بالأبصار. وزعموا أن ذلك نظير قول حطائط بن يَعْفُر، أَخي الأَسود بن يَعْفُر .... » (٩). فقد عرف الطبريُّ الشاعر بنسبته إلى أخيه الشاعر الأسودِ بنِ يَعْفُر (١٠) لشهرته دون أخيه (١١).

стр. 317

- وقد يذكر المفسر الشاعر بكنيته لاشتهاره بها، وهو أمرٌ لا يقلُّ عن سابقه في اعتماد الأشهر من العَلَمِ أو الكُنْيَةِ، كقول الطبري: « ... ومنه قول ابن الرِّقاع ... » (١). وقوله: « ... ومنه قول أبي ذؤيب ... » (٢)، وقوله: «ومنه قول أبي الأَسود» (٣). وربما يذكر المفسر الشاعر بكنيته، للاختلاف في اسمه، أو الجهل به. ومن ذلك قول الطبري: «وقد قالت بنتُ عُتيبةَ بنِ الحَارثِ بن شِهَابٍ اليَرْبُوعيِّ: تَرَوَّحْنَا من اللَّعْباءِ قَصْرًا ... وأَعْجَلْنَا الإِلاهَةَ أَنْ تَؤُوبَا (٤) يعني بـ «الإِلاهةَ» في هذا الموضع الشَّمْس» (٥). فقد وقع الخلاف في اسم هذه الشاعرة بين المُترجِمَين، فقيل: آمنة بنت عتيبة، وقيل: مية، وقيل: أم البنين (٦). - وقد يقتصر المفسر على لقب الشاعر الذي اشتهر به فيضيفه إليه، ويكتفي به كقول الطبري: «كما قال الراعي» (٧)، وقوله: «ومنه قول القَطَاميِّ» (٨)، وقوله: «كما قال النابغة» (٩) وهو الذبياني، وقوله: «وقالت الخنساء» (١٠)، وقوله: «ومنه قول المُرَقَّش» (١١)، وهكذا، وهي ألقاب مشهورة لشعراء.

стр. 318

- ورُبَّمَا ذُكِرَ الشاعرُ بلقبهِ فحسب في مواضعَ، كقول الطبري: «كما قال الفرزدق» (١)، وبلقبه واسم أبيه في مواضع أخرى، كقوله: «ومنه قول الفرزدق بن غالب ... » (٢)، وقول الطبري: «ومنه قول الطِّرِمَّاحِ ... » (٣)، وقوله في موضع آخر: «ومن ذلك قول الطِّرِمَّاحِ بنِ حَكيم ... » (٤)، وقول الطبري كذلك: «كما قال الشمَّاخ» (٥)، وذكره باسمه واسم أبيه في مواضع أخرى كقوله: «ومنه قول الشمَّاخ بن ضرار» (٦)، وقوله كذلك: «وقال جرير» (٧)، وفي مواضع أخرى يقول: «قال جرير بن عطية» (٨). - وربَّمَا ذكر المفسرُ الشاعرَ بلقبه ونسبته. ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: « ... كما قال المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ» (٩)، وقوله: «ومنه قول طُفَيلٍ الغَنَويِّ» (١٠). - وقد يذكر المفسر شاهدَين متتاليين لشاعر واحد، فينسب الشاهد الأول، ويعطف عليه الثاني دون إعادة ذكر اسمه أو لقبه، كقول الطبري وهو يفرق بين أداتي الاستفهام «أين» و «أَنَّى»: «وقد فَرَّقَتِ الشعراءُ بين ذلك في أَشعارِهَا، فقال الكميتُ بن زَيدٍ: تَذَكَّرَ مِنْ أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ شُرْبُهُ؟ ... يُؤَامِرُ نَفْسَيهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأَبِلْ (١١) وقال أيضًا:

стр. 319

أَنَّى وَمِنْ أَينَ آَبَكَ الطَّرَبُ؟ ... مِنْ حَيثُ لا صَبْوَةٌ وَلا رِيَبُ (١)» (٢). وربما كرر شاهدين لشاعر واحد، فصرح بذكر اسمه مرتين، كقول الطبري: «وأَمَّا الصلاةُ فإِنَّهَا في كلام العرب الدعاء، كما قال الأعشى: لَهَا حَارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهرَ بَيْتَهَا ... وإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَليها وزَمْزَمَا (٣) يعني بذلك: دعا لها، وكقول الأعشى أيضًا: وَقَابَلَهَا الرِّيْحُ في دَنِّهَا ... وصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ (٤)» (٥). - ورُبَّمَا يزيد المفسر في البيان، فيبين مع اسم الشاعر نسبته إلى قبيلته إن لم يكن مشهورًا ومن ذلك قول الطبري: «ومن الفَارِهِ بِمَعنى: المرح قول الشاعر عَدِيِّ بنِ وَداعٍ العُقَويِّ (٦) من الأزد ... » (٧)، وقوله: «قال المُثَنَّى بنُ جَنْدَلٍ الطُّهَوِيُّ ... » (٨)، وقوله: «ومنه قول عوف بن الأَحْوَصِ الكِلابي» (٩). - بيان موضوع الشاهد: قد يزيد المفسر في البيان فيبين مع نسبة الشاعرِ موضوع الشاهد قبل ذكر الشاهد، ليكون القارئ على بينة من المعنى الذي يعنيه الشاعر، كقول الطبري: «ومنه قول ذي الرمة في صِفَةِ السَّرَابِ .... » (١٠). فلو لم

стр. 320

يُقَدِّم المفسرُ قبل الشاهد بذكر المناسبة التي قاله الشاعر فيها لخفي معنى الشاهد على القارئ. ومن الأمثلة كذلك قول الطبري: «ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفةِ فَرَسٍ .... » (١)، وقوله: «واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذي الرمة في صفةِ نَارٍ نَعَتَها .... » (٢)، وقوله: «كما قال الأعشى في صفة امرأَةٍ انتسبت إلى قومٍ .... » (٣)، وقوله: «ومنه قول الأخطل في هجاء جرير ... » (٤)، وغير ذلك. (٥) - وربما ذكر المفسر المناسبةَ التي قيل فيها الشاهد الشعري دون ذكر الشاعر، ومن ذلك قول الطبري عند حديثه عن النسيء عند العرب في الجاهلية: «وقال مُنَافِرُهُم: ومِنَّا مُنْسِي الشهورِ القَلَمَّس» (٦). فأشار إلى أنه قيل هذا البيت في مُنَافِرةٍ، والمُنافرةُ المُفَاخرةُ والمُحَاكمَةُ، وذلك أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثُمَّ يُحكِّمَا بينهما رجلًا (٧). - وقد يُبَيّنُ المفسرُ مع نسبة الشاهد لقائله زَمَنَ قول هذا الشاهد من الشعر. ومن ذلك قول ابن عطية: «وقيل: الرعدُ اسمُ الصوت المسموع، قاله علي بن أبي طالب ﵁، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته: فَجَّعَنِي الرَّعدُ والصواعقُ بالفـ ... ـارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجِدِ (٨)

стр. 321

فقد أشار إلى أن هذا القول من لبيد كان في الجاهلية قبل الإسلام، مما يدل على أن هذا المعنى للرعد معروف قبل الإسلام. ومثله قول القرطبي: «وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء ... » (١). فهو قد بَيَّنَ زمن قول هذا الشاهد. - وقد ينقل المفسرُ الشاهدَ عن غيره غير منسوبٍ، فينسبه هو لقائله رغبة في توثيقه، وزيادة الطمأنينة بحجيته. ومن ذلك قول الإمام الطبري: «حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، أَنَّ ابنَ زيدٍ أنشده: قُعودٌ لدَى الأَبْوَابِ طُلاَّبُ حَاجَةٍ ... عَوانٍ من الحَاجَاتِ أَو حَاجةً بِكْرَا (٢) قال أبو جعفر: والبيت للفرزدق» (٣). وقد أورد الطبري هذا الشاهد في موضعٍ آخر ولم ينسبه (٤). - إِبْهامُ نسبة الشاهد المشهور: قد يشتهر الشاهدُ فيُغْفِلُ المُفَسِّرُ نسبته لقائله استغناءً بشهرتهِ، ومن ذلك أن الإمام الطبري يُبْهِمُ نسبةَ شواهدَ مشهورة، كقوله: «كما قال الشاعر: لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ ... وإِنِّي بِحَرِّهَا اليومَ صَالِ» (٥). وهذا الشاهد من قصيدة مشهورة للحَارِثِ بِنِ عُبَادٍ البَكريِّ (٦). وقول الطبري كذلك: « ... ومنه قول الشاعر: تَقولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِيْنِي: ... أَهَذا دِيْنُهُ أَبَدًا وَدِيْنِي؟ » (٧).

стр. 322

وهذا الشاهد للمثقَّبِ العبدي (١)، وقد استشهد الطبري بأبيات من قصيدة الشاهد، ونسبها للمثقَّب العبدي، مِما يدل على معرفته بها (٢). - نسبة الشاهد في مواضع دون أخرى: قد يورد المفسر الشاهد في مواضع فينسبه في بعضها ويبهمه في بعضها، ربما لنسيانه في موضع، وتذكره في آخر، أو للجهل به ثم طروء العلم بالقائل بعد ذلك، أو لغير ذلك من الأسباب. ومن ذلك قول الطبري: « ... فإن العرب قد تصل «ذا» و «هذا» كما قال الشاعر: عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَليكِ إِمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وهَذا تَحْمِلينَ طَلِيْقُ (٣) فـ «تَحملين» من صلة «هذا» (٤). فأَبْهَمَ ذكرَ الشاعر في هذا الموضع، وهو الموضع الأول. ثُمَّ أوردَ الشاهد مرة أخرى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧] (٥)، فقال: « .... فالباء في قوله: ﴿بِيَمِينِكَ﴾ مِنْ صِلَةِ ﴿تِلْكَ﴾ والعرب تَصِلُ «تلك» و «هذه»، كما تصل «الذي»، ومنهُ قولُ يَزيدَ بنِ مُفَرِّغٍ: عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَليكِ إِمَارَةٌ ... أَمِنْتِ وهَذا تَحْمِلينَ طَلِيْقُ كأنه قال: والذي تَحملين طليق» (٦). فنسبه لقائله في الموضع الثاني. ومثله كذلك بيت لطرفة بن العبد، استشهد به الطبري في ثلاثة مواضع، فلم ينسبه في موضعين، وذلك في قوله: « .... وكما قال الشاعر:

стр. 323

أَلا أَيُّهَذا الزَّاجِري احْضرُ الوَغَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدي (١) فرفع «أَحْضرُ» - وإن كان يصلح دخول «أن» فيها؛ إذ حذفت - بالألف التي تأتي بمعنى الاستقبال» (٢). في حين نسبه في الموضع الثالث، فقال: «كما قال طرفة بن العبد ... » وذَكَرَهُ (٣). - تشابه أسماء الشعراء: قد تَتَشَابَهُ أَسْماءُ الشعراء، أو أَلقابُهُم، فيحرص المفسرون على التمييز بينهم، وذلك بالنص على الاسم كاملًا، أو النسبة إلى قبيلته أو نحو ذلك. ومن ذلك لقب «النابغة»، فقد أُطلق على عدد من الشعراء، وإذا أطلق معرفًا بـ «أل» فهو زياد بن معاوية الذبياني (٤). ومن ذلك قول الطبري: «كما قال النابغة» (٥)، وقوله: «كما قال النابغة الذبياني» (٦)، وقال في مواضع أخرى: «ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان ... » (٧). وذلك لتمييزه عن غيره، مِمَّن لُقِّبَ بالنابغة كنابغة بني شيبان (٨)، ونابغة بني جعدة الذي ذكره الطبري فقال: «كما قال نابغة بني جعدة» (٩)، وقال في موضع آخر: «ومنه قول النابغة الجعدي» (١٠). ومثلُ لَقَبِ «النَّابغةِ»، لقبُ «الأعشى»، فقد أطلق على عدد من الشعراء لقبُ الأعشى، فحرص المفسرون على التمييز بينهم، فإذا أطلق

стр. 324

لقب الأعشى، فإنه ينصرف إلى أبي بَصيرٍ مَيمون بن قيسٍ أَعشى بَنِي ثعلبة (١). ومن ذلك قول الطبري: «ومنه قول الأعشى» (٢)، وقوله: «ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس ... » (٣)، أو قوله: «كما قال ميمون بن قيس الأعشى» (٤)، وقوله في مواضع أخرى ناسبًا له إلى جده الأعلى: «ومنه قول أعشى بني ثعلبة» (٥)، ونسبه لجده الأدنى في مواضع كقوله: «كما قال أعشى بني قيس» (٦)؛ وذلك لتمييزه عن غيره مِمَّن تلقب بهذا اللقب، كأعشى همدان كما في قوله: «وكقول أعشى همدان» (٧)، وأعشى باهلة كذلك (٨). - الوَهَمُ في نسبة الشاهد: ربَّمَا نَسَبَ المفسرُ الشاهدَ إلى غير قائله وَهَمًا منه أو خطأ، أو غير ذلك، كقول الطبري: « .... وقول الصَّلَتَانِ العَبْدِيِّ: إِنَّ السَّمَاحَةَ والمُروءةَ ضُمِّنَا ... قَبْرًا بِمَروَ عَلى الطريقِ الوَاضِحِ» (٩). وهذا البيت لزياد الأعجم - في أكثر المصادر- من قصيدته السائرة في رثاء المغيرة بن المُهلَّب (١٠).

стр. 325

وقول الطبري كذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] (١): «وأما تأويل قوله: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ فإنه بِمُبْعِدِه ومُنَحِّيه، كما قال الحطيئة: وقالوا: تَزَحْزَحْ مَا بِنَا فَضْلُ حَاجةٍ ... إليكَ، ومَا مِنَّا لِوَهْيِكَ رَاقِعُ يعني بقوله: تَزَحْزَح، تَبَاعَدْ» (٢). والبيت ليس للحطيئةِ وليس في ديوانه، وإنَّما هو للشاعر قيسِ بنِ الحدَّاديةِ (٣) من قصيدة طويلة له رواها أهل الأدب (٤). ومن الأمثلة على الوهم في نسبة الشاهد الشعري قول ابن عطية: «والطامسُ: الداثرُ المُغَيَّرُ الأعلام، كما قال ذو الرمة: مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ ... عُرَضْتُهَا طَامِسُ الأَعْلامِ مَجْهُولُ» (٥). وهذا البيت ليس لذي الرمة، وإنما هو لكعب بن زهير ﵁، من قصيدته المشهورة بالبُرْدَةِ في مدح النبي ﷺ (٦)، وقد نصَّ على ذلك ابن عطية نفسه في موضعٍ سابقٍ من تفسيره (٧)، غير أنه وهم في هذا الموضع، ولهذا أمثلة أخرى (٨). الثانية: أن يكون هذا البيان ناقصًا . ما تقدم كان تفصيلًا للمقصود بالتقدمة المبينة للشاهد الشعري بيانًا

стр. 326

تامًا يدل على قائله، وهذا هو القسم الثاني من أنواع التقدمة المبينة، وهو أن يقدم بين يدي الشاهد الشعري بما يقلل شيوعه، ولا يدل على عين قائله. ولهذا البيان الناقص صور متعددة في كتب التفسير، ومن هذه الصور: - النسبة إلى جنس القائل: قد ينسب المفسر الشاهد إلى جنس القائل، فينص على أنه لرجل أو لامرأة، أو نحو ذلك. كما قال الزمخشري مشيرًا إلى أن القائل امرأة: « .... كقولها (١): فَإِنَّمَا هيَ إِقبَالٌ وإدبارُ (٢)» (٣). فإنه يفهم من قول الزمخشري هذا أن القائل امرأة دون تحديد لعين هذه الشاعرة. ومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية: «قال الشاعر وهي امرأة» (٤). فاكتفى ببيان جنس الشاعر وأنها امرأة كما فعل الزمخشري. وربما أضاف المفسر إلى الجنس ذكر القبيلة، كقول القرطبي: «ولرجل من قريش ... » (٥)، وقوله أيضًا: «وأنشد سيبويه لرجل من مذحج ... » (٦). وقول الطبري: «فقالت امرأة من عاد». (٧) وهذا أكثر بيانًا من الاقتصار على ذكر الجنس، بذكر القبيلة أو القوم. - نسبة الشاعر إلى قبيلته: قد ينسب المفسرُ الشاعرَ إلى قبيلته، ولا يُعرف هذا الشاعر بعينه

стр. 327

لعدم شهرته، كقول الطبري: «ومنه قول الهذلي» (١). وشعراء هذيل كثيرون، ولا يتميز الشاعر إلا بالتنقيب عن الشاهد في ديوان أشعار الهذليين لمعرفة قائله، هذا إن كان موجودًا في أشعار الهذليين المجموعة، أو دواوين شعرائهم المرويَّة، وقد لا يعثر الباحث على القائل. وكذلك قول الطبري: «وكما قال بعض الهذليين ... » (٢)، وقول الطبري: «وقال رجل من بني أسد» (٣)، أو قوله: «قال رجل من بني عدي» (٤)، أو قوله: «وقال بعض بني عقيل ... » (٥)، وقوله: «وقال بعض بني سُلَيْم» (٦). وأمثال هذه النسبة التي تقرب القائل، ولكنها لا تدل عليه دلالة واضحة. غير أنه رُبَّما نسب المفسرُ الشاعرَ إلى قبيلته وهو معروف بنسبته تلك دون غيره من شعراء قبيلته، كقول الطبري: «ومنه قول الجعدي» (٧)، وهو النابغة الجعدي دون غيره من بني جعدة لشهرته (٨). - وربَّمَا نسبه إلى قبيلته بوصفهِ لا بِاسْمِهِ، كقول الطبري: «وذُكِرَ عن لِصٍّ مِن غَطفان أَنَّه أَراد أن يَخْبُزَ، فَخاف أن يُعْجَلَ عن الخَبْزِ، فَبَلَّ الدقيقَ، وأَكَلَهُ عَجينًا، وقال ... » (٩). ثم ذكر أبياتًا، فلم يحدد عين القائل، وإنما أشار إليه بوصفه دون اسمه أو لقبه أو ما يقود إلى تحديد عينه.

стр. 328

ومن ذلك قول الطبري: «ويَسْتَشِهِدُ لقولهِ ذلكَ برَجَزِ بعضِ الأَعراب ... » (١). وقوله: «وقال بعض الأعراب ... » (٢) فنسبه في الموضعين إلى بعض الأعراب دون نص على عين القائل، والوصف بالأعرابية لا يفيد كثيرًا في معرفة القائل لكثرة شعراء الأعراب، وهم سكان البادية، وعنهم أخذ العلماء والرواة كثيرًا من اللغة والشعر (٣). - وربما أَبْهَم المفسر النسبة إبهامًا شديدًا فنسب الشاعر إلى العَربِ وهذا لا يكاد يتميز لكثرة بطون العرب وقبائلها، ومن ذلك قول الطبري: «وقال بعض العرب ... » (٤)، وكذلك قول الزمخشري: «وفي معناه قول العرب: إِنَّ الغَنِيَّ طَويلُ الذَّيْلِ مَيَّاسُ» (٥). وما تقدم من نسبة الشاعر إلى قبيلته أو إلى العرب يعد من البيان الناقص الذي لا يقود إلى معرفة الشاعر بعينه ما لم يكن مشهورًا بين شعراء قبيلته بهذه النسبة، وقد استخدم المفسرون هذه الطريقة في نسبة الشواهد في كتب التفسير. - الاقتصار على ذكر من أنشد الشاهد من الرواة: قد يقتصر المُفَسِّرُ على ذكر مَنْ أنشدَ الشاهدَ من العلماء والرواة، ولا يذكرُ مَن قاله من الشعراء؛ ثقةً برواية هذا الراوي، والغالب أن يكون من العلماء الكبار، والرواة الثقات كأبي عمرو بن العلاء، والكسائي وأمثالهم.

стр. 329

ومن ذلك قول الطبري: « ... كما قرأ بعضُ القَرأَةِ: (وَالبَغْي يَّعِظُكُمْ) (١) تَخِفُّ الياءُ مع الياءِ، وذكر أن الكسائي أنشده: وَأَشْمَتَّ العِدَاةَ بِنَا فَأَصْخَوا ... لَدَى يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِيْنَا (٢) وقال: يريد: لديَّ يتباشرونَ بِمَا لقينا، فحذف ياءً لِحَركتهنَّ واجتماعهنَّ» (٣). فقد اكتفى بذكر من أنشد الشاهد وهو الإمام الكسائي ﵀، وحسبك به ثقة في علمه وروايته، وهو ممن رحل إلى البادية في طلب اللغة والشعر، وقد أنفد في الكتابة عن الأعراب خَمس عشرة قِنِّينَةً من الحِبْرِ غير ما حفظ (٤). وقد يكون من أنشد الشاهد عدد من العلماء كأهل الكوفة أو البصرة، فينسبه المفسرُ إليهم جَميعًا. ومن ذلك قول الطبري: «وحكى بعض البصريين (٥)، وبعضُ الكوفيين سَمَاعًا من العرب: «طَافَ يطيفُ»، وطِفْتُ أطِيفُ»، وأنشدوا في ذلك: أَنَّى أَلَمَّ بكَ الخَيَالُ يَطِيفُ ... وَمَطَافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ (٦)». (٧) ثانيًا: التقدمة المُبهمة: تقدم الحديث عن القسم الأول وهو التقديم للشاهد الشعري بِما

стр. 330

يبينه، والتمهيد له بما يدل على قائله بيانًا تامًا أو ناقصًا، وهذا هو القسم الثاني وهو التقدمة المبهمة للشاهد الشعري، وهي أن يُبهمَ المفسرُ ذكرَ الشاعرِ، فلا يُستدَلُّ على القائلِ بعَينهِ، أو قبيلتهِ، أو نحو ذلك مِمَّا يُقَلِّلُ شُيوعَه، فيبقى قائلُ الشاهد مَجهولًا لا يُعرفُ، وهذا شائع في كتب التفسير. ومن أمثلته قول الطبري: «وأنشدوا في همز الألف ... ». (١)، وقوله: «وقد زعم بعض أهل العربية أن العرب تخاطب الواحد خطاب الاثنين، وأنشد في ذلك ... » (٢) ولم يذكر من هو الشاعر، وكثيرًا ما تَرِدُ في كتب المفسرين والنحويين واللغويين قبل إيرادهم للشاهد الشعري عبارة «وأنشد»، أو «وأنشدوا»، أو «وينشد»، والنشيد هو رفع الصوت بالشِّعْر، وإنشادُ الشِّعرِ: إلقاؤه، وكانت - وما زالت- عادةُ ملقي الشعر أن يرفع صوته عند الإلقاء فَسُمِّيَ منشدًا (٣)، وهي صيغة من صيغ رواية الشعر ... المعروفة (٤). - ومن التقدمة المبهمة قول المفسر: «كما قال الشاعر» (٥)، وقوله: «وذلك كقولهم» (٦)، و «ومنه قول الشاعر»، و «ويُنشدُ لبعض شعرائهم»، «وقد أنشدني بعضهم سَماعًا من العرب»، ونحو هذه العبارات المبهمة. - ومن التقدمة المبهمة التي يقدم بها بين يدي الشواهد الشعرية من بَحْرِ الرَّجَزِ قولهم: «قال الراجز» (٧)، والرَّجَزُ نوعٌ من الشعر له وزن

стр. 331

معروف، وقد أكثر العلماء من الاستشهاد به في مصنفاتهم في التفسير واللغة (١). - وقد يورد المفسرُ عددًا من الشواهد، فينسب بعضها ويبهم بعضها، كقول الطبري: «كما قال الفرزدقُ: ومِنَّا الذي اخْتِيْرَ الرِّجَالَ سَمَاحةً ... وَجُودًا إذا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ (٢) وكما قال الآخر (٣): أَمرتكَ الخَيْرَ فَافْعَل مَا أُمِرتَ بهِ ... فقدْ تركتكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشَبِ (٤) وقال الرَّاعي: اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إِذْ غَثَّتْ خَلائِقُهُمْ وَاعْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْدَهُ السُّولُ (٥)» (٦). فهو قد نسب البيت الأول للشاعر بلقبه المشهور وهو الفرزدق هَمَّام بن غالب، ثُمَّ أَبْهم الثاني - ربَّما للاختلاف في نسبته كما في تخريجه، أو لجهالته، ثُمَّ نسب الثالث للشاعر بلقبه الذي عُرفَ به وهو الراعي النُّمَيْريِّ واسمه عُبَيدُ بنُ حُصَيْن (٧). - ثانيًا: الاكتفاء بالشاهد الشعري دليلًا: في مواضع كثيرة يكتفي المفسرون بالشواهد الشعرية دون غيرها،

стр. 332

وقد يكون الاستشهاد لمسألةٍ لغوية، أو نَحويةٍ، أو غير ذلك، وفي هذه الحال يكون الاعتماد على الشاهد الشعري بِمُفردهِ في الدَّلالةِ على المسألة لإفراده بالذكر. وكما أن القرآن الكريم دليلٌ مستقل بقراءاته كلها، يصح الاعتماد عليه بمفرده في الاستدلال على مسائل اللغة والنحو، وكذلك الحديث الشريف عند عدد من العلماء، بمعنى أن يكتفى بهما في الاستدلال والاستشهاد على الرأي مع ندرة ذلك في الحديث الشريف، فكذلك الشعر، فقد انفرد بالاستدلال في كتب التفسير كثيرًا، وقد اكتفى المفسرون بالشعر في الاستشهاد في مواضع كثيرة من كتب التفسير، واقتصروا عليه دون غيره. وقد تقدم قول الشاطبي مضعفًا الاقتصار على الشعر في الأحكام، والاكتفاء به، وهو قوله: «أَمَّا الاعتمادُ على الشعرِ مُجرَّدًا مِن نَثْرٍ شَهيرٍ يُضاف إليه، أو يوافق لغةً مستعملةً يُحمل ما في الشعر عليها، فليس بِمُعتمدٍ عند أهل التحقيق؛ لأن الشعر مَحلُّ الضرورات» (١). وهناك مسائل في كتب التفسير لا يوجدُ فيها إِلَّا الشعر دليلًا على الرأي، وذلك في المسائل التي تتعلق بما يجوز في ضرورة الشعر من الأوجه. ومن أمثلة ذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] (٢) قال: «ولا يجوز تثقيلُ (٣) عين «فُعْل» منه، إلا في ضرورةِ شِعْرٍ، كما قال طرفة بن العبد: أيُّها الفتيانُ في مَجلِسِنَا ... جَرِّدوا منها وِرَادًا وشُقُر (٤) يريد: شُقْرًا، إلا أن الشعر اضطره إلى تحريك ثانيه فحركه». (٥)

стр. 333

فهنا يشير إلى اضطرار الشاعر الى تحريك الساكن في المفردة أحيانًا، وهذا لا يكون في النثر، ولا تَجدُ عليه شاهدًا من غير الشعر، لعدم وجود الضرورة إلا فيه. ومن الأمثلة كذلك ما ذكره الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (١) حيث نقل كلام الفراء في أوجه قراءة (عَبَدَ) وتوجيهه لقراءة من قرأ: ﴿وعَبُدَ الطَّاغوتِ﴾ (٢) فقال: «وكان الفراءُ يقولُ (٣): إن تكنْ فيهِ لغةٌ مثل «حَذِرٍ» و «حَذُرٍ»، و «عَجِلٍ» و «عَجُلٍ» فهو وجه والله أعلم، وإلا فإن أراد قول الشاعر (٤): أَبَنِي لُبَيْنَى إِنَّ أُمَّكَمُ أَمَةٌ وإِنَّ أَبَاكُمُ عَبُدُ (٥) فإِنَّ هذا من ضرورة الشعر، وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي، وأَمَّا في القراءة فلا» (٦). فيكون الشاهد الشعري هو الدليل الوحيد في مثل هذه المسائل في كتب التفسير، لاختصاص مثل ذلك بالشعر دون النثر (٧). صور الاكتفاء بالشاهد الشعري: للمفسرين في حال اكتفائهم بالشاهد الشعري، واقتصارهم عليه في الاستشهاد ثلاث صور: الأولى: ما ورد له شاهد واحد: ومن أمثلة الاكتفاء بشاهدٍ واحدٍ من الشعر عند المفسرين قول الطبري: «﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] (٨) يقول: فَلأنفسهم يَستعدونَ

стр. 334

ويُسوونَ المضجعَ ليسلموا من عقابِ رَبِّهِم، وينجو من عذابه، كما قال الشاعر (١): امْهَدْ لِنَفْسكَ حَانَ السُّقمُ والتَّلَفُ ... ولا تُضِيعنَّ نَفسًا مَا لَهَا خَلَفُ (٢)» (٣). فالطبري قد اكتفى بالشاهد الشعري للاستدلال على المعنى اللغوي للفظة «يَمْهَدُونَ» في الآية القرآنية، بعد أن فَسَّر معناها بكلام من عنده (٤). وقال ابن عطية مكتفيًا بشاهد من الشعر للاستشهاد على أن لفظ «القوم» يأتي ويراد به الرجال خاصة دون النساء: «والقوم في كلامٍ الرجالُ خاصةً، ومنه قول زهير: وَلا أَدْرِي وسَوفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَومٌ آَلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٥)» (٦). وقال ابن عطية أيضًا: «واختلف المتأولون في قوله: ﴿وَانْظُرْنَا﴾ [النساء: ٤٦] (٧)، فقال مُجَاهدُ وعكرمةُ وغَيرُهُما: معناه: انتظرنا، بِمَعنى: أفهمنا وتَمهَّل علينا؛ حتى نفهم عنك ونَعِيَ قولَك، وهذا كما قال الحطيئة: وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ إِيناءَ صَادرةٍ ... لِلخِمْسِ طَالَ بِهَا مَسْحِي وتَنْسَاسِي (٨) وقالت فرقة: انظر معناه: انظر إلينا، فكأنه استدعاءُ اهْتِبَالٍ وتَحَفٍّ، ومنه قول ابنِ الرُّقَيَّاتِ:

стр. 335

ظَاهراتُ الجَمَالِ والحُسْنِ يَنْظُرْنَ ... كَمَا تنظرُ الأَرَاكَ الظباءُ (١)» (٢). فهو قد أورد وجهين، لكل وجه شاهد واحد من الشعر مكتفيًا بالشاهد الواحد، ومقتصرًا عليه في الاستشهاد والاستدلال على المعنى اللغوي. - الاستشهاد للمشترك اللفظي: ورُبَّمَا جاءت اللفظةُ مشتركةً من قبيل «المشترك اللفظي»، وهو اللفظ يدل على أكثر من معنى، فيفسرها المفسرُ، ويكتفي في الدلالة على كلِّ معنىً من المعاني بشاهدٍ من الشعر. ومثال ذلك قول القرطبي وهو يفسر معنى الريب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢] (٣): «وفي الرَّيْبِ ثلاثةُ مَعَانٍ: أحدها: الشَّكُّ، قال عبد الله بنُ الزِّبَعْرَى: ليسَ في الحقِّ يا أُمَيمةُ رَيْبُ ... إِنَّمَا الرَّيبُ ما يقولُ الجَهُولُ (٤) وثانيها: التُّهَمَة، قال جَميل (٥): بُثَينةُ قالتْ: يا جَميلُ أَرَبْتَنِي ... فقلتُ: كِلانَا يَا بُثَيْنَ مُرِيبُ (٦) وثالثها: الحاجة، قال (٧): قَضِينَا مِنْ تِهَامَةَ كُلَّ رَيْبٍ ... وخَيْبَرَ ثُمَّ أَجْمَمْنَا السيوفَا (٨)» (٩). فقد استشهد القرطبي لكل معنى من معاني الريب بشاهد من الشعر المحتج به، واقتصر في الاستشهاد على الشعر دون غيره من الشواهد. والأمثلة على اكتفاء المفسرين بالشاهد الشعري الواحد كثيرة، مما يدل

стр. 336

على أن للشاهد الشعري مكانته بين الشواهد في الدلالة اللغوية والنحوية ونحوها ولو كان شاهدًا مفردًا، مِمَّا يَجعل المفسرين يكتفون به في الاستشهاد (١). الثانية: ما ورد له شاهدان . قد يزيد المفسر في الاستشهاد على المسألة أو المفردة على الشاهد الشعري المفرد، فيدعمه بشاهد شعري آخر يقويه ويؤكده، ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «والعربُ تُسمِّي الريحَ العاصفَ التي فيها الحصى الصغار، أو الثلجُ، أو البَرَدُ والجَليدُ حاصبًا، ومنه قول الأخطل: وَلقدْ عَلِمْتُ إذا العِشَارُ تَروَّحَتْ ... هَدَجَ الرّئالِ يَكُبُّهُنَّ شَمَالا تَرمي العِضَاهَ بِحَاصبٍ مِنْ ثَلْجِهَا ... حتى يَبِيْتَ على العِضَاهِ جُفَالا (٢) وقال الفرزدق: مُستقبلينَ شَمالَ الشامِ تَضربُنَا ... بِحَاصبٍ كَنديفِ القُطنِ مَنْثُورِ (٣)» (٤). فقد أورد شاهدين على أن العرب تُسمِّي الريحَ العاصفَ التي فيها الحصى الصغار، أو الثَّلج، أو البَرَدُ والجَلِيدُ حَاصِبًا، وربما يكون إيراده لشاهدين من الشعر رغبة في تقوية الحجة؛ لغرابة مثل هذه اللفظة في دلالتها على هذا المعنى، أو ندرة ذلك وخفائها على العامة.

стр. 337

ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] (١): «وأَصلُ «الإِخْلادِ» في كلام العرب الإِبطاءُ والإِقامةُ. يُقال منه: أَخْلَدَ فُلانٌ بالمكانِ، إذا أَقامَ به، وأَخلَدَ نفسهُ إلى المَكانِ، إذا أَتاهُ من مكانٍ آخر، ومنه قول زهير: لِمَنْ الدِّيارُ غَشِيتُها بِالفَدْفَدِ ... كالوحي في حَجَرِ المَسِيلِ المُخْلِدِ (٢) يعني: المُقِيم، ومنه قول مالك بن نويرة: بِأَبْناءِ حَيٍّ مِنْ قَبَائِلِ مَالكٍ ... وعَمْرِو بنِ يَرْبُوعٍ أَقَاموا فَأَخْلَدُوا (٣)» (٤). فقد استشهد الطبري على أن معنى «أخلد» أقام، بشاهدين من الشعر، الأول وردت فيه اللفظة بصيغة اسم الفاعل «مُخْلِد»، والثاني وردت فيه اللفظة بصيغة الفعل الماضي كما في الآية الكريمة «أخلدوا»، وفي الشاهد الثاني عطف الشاعر الإخلاد على الإقامة، مما قد يدل على التغاير بين المعنيين، وقد يكون المعنى في البيت الثاني كما قال الطبري الإتيان من مكان آخر، والإقامة في المكان الثاني، وهذا معنى قل أن تشير إليه كتب اللغة (٥). والأمثلة على ذلك كثيرة (٦). الثالثة: ما ورد له ثلاثة شواهد فأكثر . قد يَحتاجُ المفسرُ إلى إيراد عدد من الشواهد الشعرية للتأكيد على المعنى الذي ذهب إليه في اللفظة الغريبة، فقد تكون اللفظة المُفَسَّرةُ من الغريب الذي يَحتاج إلى مزيد بيانٍ وإيضاحٍ، فَيُكثر المفسرُ من إيراد الشواهد الشعرية، ولا يكتفي بالشاهد الواحد.

стр. 338

يقول الزركشي: «ثم إن كان ما تضمنه ألفاظُها - أي اللغة - يوجب العمل دون العلم كفى فيه الاستشهادُ بالبيت والبيتين، وإن كان مِمَّا يوجبُ العلمَ لم يكف ذلك، بل لا بُدَّ من أن يستفيضَ ذلك اللفظُ، وتكثرَ شواهدُه من الشعر» (١). ولم يتبين لي تفريقه بين ما يوجب العمل وما يوجب العلم من الألفاظ في القرآن الكريم. غير أن الزجَّاجَ (ت ٣١١ هـ) (٢) بَيَّنَ عِلَّةَ الإِكثارِ من الشواهد في بعض المسائل دون بعض فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] (٣): «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (٤) - فـ «ألا» لابتداء الكلام والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: ﴿أَلا يا سْجُدوا﴾ بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ: أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا ... ولا زَالَ مُنهَلًّا بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (٥) وقال الأخطل: أَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آَخِرَ الدَّهْرِ (٦) وقال العجاج:

стр. 339

يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (١) وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ» (٢). فقد وضح الزجاج هنا علة الإكثار من إيراد الشواهد الشعرية على بعض المسائل دون بعض، وهو قلة اعتياد العامة على مثل تلك الألفاظ أو الأساليب، ولعل الزركشي يعني بإفادة العلم دون العمل أي العلم بمعاني غريب اللغة الذي لم يعتده عامة الناس كما بَيَّنَ الزجاجُ والله أعلم. ويعني الزجاج بقوله: «وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا» أبا عبيدة معمر بن المثنى، فقد أورد الشواهد الثلاثة عند هذا الحرف (٣)، في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (٤)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل (٥)، وتابعه في ذلك الطبري فلم يزد على ما عنده (٦). ومن أمثلة الإكثار من الشواهد عند المفسرين قول الطبري: «ومن الدلالة على أن المطر الشديد قد يُسمَّى طوفانًا، قولُ حُسَيلِ بنِ عُرْفُطَة (٧): غَيَّرَ الجِدَّةَ مِن آَيَاتِهَا ... خُرُقُ الريحِ وطوفانُ المَطَر (٨)

стр. 340

ويُروى: ........................ ... خُرُقُ الريحِ بِطُوفانِ المطرْ وقول الراعي: (١) تُضْحِي إذا العيسُ أَدركنَا نَكائِثَهَا ... خَرْقَاءَ يَعتَادُها الطُّوفَانُ والزُّؤُدُ (٢) وقول أبي النجم: قَدْ مَدَّ طوفانٌ فبثَّ مَددا ... شهرًا شآبيب وشهرًا بَرَدَا (٣)» (٤). فقد أكثر الطبري فأورد ثلاثة شواهد على أن المطر الغزير يسمى طوفانًا، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ (٥) وأن الطوفان في هذه الآية يُحتمل أن يكون مقصودًا به المطر، وهو أحد الأوجه التي قيلت في تفسير هذه الآية، وأنه سائغ من حيث اللغة بدلالة هذه الشواهد الشعرية التي ساقها، ولعل ما ذكره الزجاج من تعليلٍ صحيحٌ في هذه اللفظةِ، فهي مِمَّا لم يعتده العامة. ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عند تفسيره لمعنى كلمة «عصيب» حيث قال: «وأما قوله: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] (٦) فإنه يقول: قال لوط: هذا اليوم يومٌ شديدٌ شَرُّهُ، عظيمٌ بلاؤهُ. يقال منه: عَصَبَ يومُنا هَذا، يَعْصِبُ، عَصْبًا. ومنه قولُ عَدِيِّ بن زَيدٍ: وكنتُ لِزَازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَرِّدْ ... وقدْ سَلكُوكَ في يَومٍ عَصِيبِ (٧)

стр. 341

وقول الراجز: (١) يومٌ عَصِيبٌ يَعْصُبُ الأَبْطَالا ... عَصْبَ القَويِّ السَّلَمَ الطِّوَالا (٢) وقول الآخر (٣): وإِنَّكَ إِنْ لا تُرْضِ بَكْرَ بنَ وائلٍ ... يَكُنْ لكَ يَومٌ بالعِراقِ عَصِيبُ (٤) وقال كعبُ بنُ جُعَيْلٍ: ومُلَبُّونَ بِالحضيضِ فِئَامٌ عَارِفَاتٌ مِنهُ بِيَومٍ عَصِيْبِ (٥)» (٦). فقد انفرد الشاهد الشعري هنا بالاستدلال مع تعدده، حيث استشهد الطبري بأربعة شواهد للدلالة على معنى «عَصِيب» في لغة العرب، وأنها قد استفاضت في أشعارهم، بِمَعنى الشديدِ، كَثِيرِ الشرّ، ويلحظ أن وصف «عَصِيب» لم يرد إلا صفةً لليوم في الشعر وفي القرآن الكريم على حدٍّ سواء (٧). غير أن هذا الوصف ليس من الغريب الذي لم يعتده العامة مما يدعو للإكثار من الشواهد الشعرية عليه. - وأكثر ابنُ عطية من الشواهد الشعرية عند تفسيره لكلمة «شَطْر» في قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (٨): فقال: «و «شَطْرَ» نُصِبَ على الظرفِ، ويُشبهُ المفعولَ به لوقوعِ الفِعْلِ عليهِ، ومعناه: نَحْو، وتِلقَاء، قال ابن أَحْمَر: تَعْدُو بِنَا شَطْرَ نَجْدٍ وهي عَاقِدَةٌ ... قَد كَارَبَ العَقْدُ مِن إيِفَادِهَا الحُقُبَا (٩)

стр. 342

وقال غَيْرُه: (١) أَقُولُ لأُمِّ زِنْبَاعٍ أَقِيْمِي ... صُدُورَ العِيْسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيْمِ (٢) وقال لقيط (٣): وَقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ تَغشاكمُ قِطَعَا (٤) وقال غيره: أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولًا ... وَمَا تُغْنِي الرِّسَالةُ شَطْرَ عَمرو (٥)» (٦). وكلمة «شَطْر» وردت في هذه الشواهد كلها بِمعناها وصيغتها في الآية الكريمة. ومن الأمثلة كذلك على ذكر المفسرين لعدد من الشواهد الشعرية لبيان لفظة واحدة قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٧): «ومِنْ أَنْحاءِ اللفظةِ الدين: الجزاء، فمن ذلك قول الفِنْدِ الزِّمَّاني: ولم يبقَ سِوَى العُدوانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (٨) أي: جازيناهم. ومنه قول كعب بن جعيل: إذَا مَا رَمَونَا رَمينَاهُمُ ... ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضُونَا ومنه قول الآخر: واعلَمْ يَقِينًا أَنَّ مُلككَ زَائِلٌ ... واعلَمْ بِأَنَّ كمَا تَدِينُ تُدَانُ» (٩). ولفظة الدين وردت في الآية بلفظ المصدر «الدِّيْنُ»، في حين وردت

стр. 343

في الشواهد الشعرية بلفظ الفعل «دِنَّاهُمْ» «دَانُوا» «تَدِينُ»، مع اتحادها في أصل المعنى وهو الجزاء. وهذا المنهج الذي سار عليه الطبري وابن عطية من الإكثار من الشواهد الشعرية حتى تزيد عن شاهدين، سار عليه غيرهم من المفسرين (١). * ثالثًا: إيراد الشاهد الشعري مع شواهد أخرى غير شعرية . في أحيان كثيرة يورد المفسرون عددًا من الشواهد، من القرآن الكريم، والحديث الشريف، وكلام العرب شعرًا ونثرًا؛ لتأكيد المعنى الذي يذهبون إليه وتقويته، ولهم في ترتيب هذه الشواهد عند اجتماعها صور متعددة هي: تقديم الشاهد القرآني على غيره: ومن هذه الصورة قول الطبري: «ومعنى الحَكيم في هذا الموضع المُحْكِم، صُرِفَ مُفْعِل إلى فَعِيْلٍ، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] (٢) بِمَعنى: مُؤْلِم، وكما قال الشاعر (٣): ................................ ... أَمِنْ رَيْحَانةَ الدَّاعي السَّميعُ (٤)» (٥). وفي تقديم الشاهد القرآني دلالة على اعتماده دليلًا على المسألة، وتعضيده بما يتلوه من شواهد، فالتقديم في الترتيب يوحي بنوع من التمييز لهذا الشاهد، وأنه دليل اعتماد لدى المفسر في هذا الموضع، ثم تأتي الشواهد التالية كأدلة اعتضاد، وإن كان هذا غير لازم على كل حال، فربما فعل المفسرون ذلك دون استحضار لمزية في هذا الترتيب، وإنما بحسب ورودها على الذهن حال التدوين.

стр. 344

ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ [يونس: ٥] (١) وهو يذكر وجه توحيد الضمير في قوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ مع تقدم ذكر الشمسِ والقمرِ، فذكر الوجه الأول، ثم قال: «والآخر: أَن يكونَ اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، كما قال في موضع آخر: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] (٢). وكما قال الشاعر (٣): رَمَاني بِأَمْرٍ كنتُ منهُ وَوالديْ ... بَرِيًّا، ومنْ جُولِ الطَويِّ رَمَاني (٤)» (٥). فقدم الشاهد من القرآن على الشاهد من الشعر. - ومن أمثلة ذلك قول الزمخشري: «والخُلْدُ: الثباتُ الدائمُ، والبقاءُ اللازمُ الذي لا ينقطع. قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤] (٦). وقال امرؤ القيس: أَلا انعِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطللُ البَالي ... وهَل يَنْعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالي وهَلْ يَنْعَمَنْ إِلَّا سَعيدٌ مُخَلَّدٌ ... قليلُ الهُمُومِ مَا يبيتُ بِأَوْجَالِ (٧)» (٨). فقدم الدليل من القرآن على أن الخلد يأتي في اللغة بمعنى الثبات والمكث الطويل، ثم ذكر بعده شاهدًا من قول امرئ القيس على المعنى نفسه. - ومن الأمثلة قول ابن عطية: «﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (٩)

стр. 345

معناه: أن هذا يَخْلُفُ هذا، وهذا يَخْلُفُ هذا، فهُمَا خِلْفَةٌ، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] (١)، وكما قال زهير: بِهَا العِيْنُ والآرامُ يَمْشِيْنَ خِلْفَةً ... وأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ (٢) وقال الآخر: (٣) وَلَهَا بِالمَاطِرونَ إِذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الذي جَمَعَا خِلْفَةً حتى إذَا ارتَبَعَتْ ... سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيِعَا (٤)» (٥). واللفظة في الآية القرآنية وفي الشاهدين من الشعر وردت بصيغة ومعنى واحد، وقد سلك ابن عطية هذا المنهج في مواضع من تفسيره (٦). - وسلك القرطبي هذا المنهج في إيراد الشاهد الشعري في مواضع من تفسيره، ومن ذلك قوله: «﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ [طه: ٣١] (٧) أي: ظهري، والأَزْرُ الظهرُ من موضع الحَقْوَين، ومعناه تُقوِّي به نفسي، والأَزْرُ: القُوَّةُ، وآزَرَهُ: قوَّاه. ومنه قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح: ٢٩] (٨) وقال أبو طالب: أَلَيسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدَّ أَزْرَهُ ... وأَوصى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وبِالضَّرْبِ (٩)» (١٠).

стр. 346

تقديم عدد من شواهد القرآن على الشعر: وربَّما قَدَّمَ المُفَسِّرُ عدةَ شواهد من القرآن على شاهد الشعر، كقول الطبري: «واختلفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] (١)، فقرأته عامةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينة والبصرة «دَكًّا» مقصورًا بالتنوين، بِمَعنى: دَكَّ اللهُ الجبلَ دَكًّا، أَي: فَتَّتَهُ (٢)، واعتبارًا بقول الله: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١)﴾ [الفجر: ٢١] (٣) وقوله: ﴿﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] (٤). واستشهد بعضهم على ذلك بقول حُمَيد (٥): يَدُكُّ أركانَ الجبالِ هَزَمُهْ ... تَخْطُرُ بالبِيْضِ الرِّقَاقِ بُهَمُهْ» (٦). فقد قدم الطبري شاهدين من القرآن الكريم على معنى الدك في اللغة وأنه التفتيت، ثم أتبع ذلك بشاهد من الشعر. والذي يبدو لي من صنيع المفسرين أنهم لا يقدمون على شواهد القرآن اللغوية - إذا وجدت - شيئًا من كلام العرب، غير أنه قد لا توجد الشواهد من القرآن في مواضع كثيرة غير الآية المفسرة فيَعدلُ المفسرونَ إلى شواهد الشعر حينئذ. تقديم الحديث على الشاهد الشعري . ومن أمثلة هذه الصورة في الترتيب قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] (٧): «يقال منه: «أَجْمَعتُ على كَذا» بِمَعنى: عَزَمْتُ عليه، ومنه قول النبي ﷺ : «مَنْ لَمْ يُجمعِ على الصومِ من الليلِ فلا صومَ له» (٨)، بِمَعنى: مَن لم يَعْزِم، ومنه قول الشاعر (٩):

стр. 347

يَا ليتَ شِعْرِي وَالمُنَى لا تَنْفَعُ ... هَلْ أَغْدُوَنْ يَومًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ (١)» (٢). فقدم الحديث النبوي على الشاهد الشعري، مع اختلاف صيغ اللفظة موضع الشاهد في الآية عنه في الحديث النبوي والشاهد الشعري، ففي الآية وردت اللفظة بصيغة فِعْلِ الأمر «أَجْمِعُوا»، وفي الحديث وردت بصيغة فعل المضارع «يُجْمِعُ»، وفي الشعر وردت بصيغة اسم المفعول «مُجْمَعُ»، مع الاتفاق في أصل المعنى وهو العزم على الشيء. - ومن الأمثلة قول الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾ [الرعد: ١٣] (٣): «وَمَحَلَ بِفلانٍ إذا كَادَهُ وسَعَى به إلى السلطان، ومنه الحديث: «ولا تَجْعَلْه علينا مَاحِلًا مُصَدَّقا» (٤)، وقال الأعشى: فَرعُ نَبْعٍ يَهشُّ في غُصُنِ المَجْدِ ... غَزِيرِ النَّدى شَديدِ المِحَالِ (٥) والمعنى: أنه شديدُ المكرِ والكَيدِ لأعدائه». (٦) وقد قدم الاستشهاد بالآية ثم أتبعها بالحديث، ثم الشاهد الشعري بعدهما. - وقال ابن عطية: «وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يونس: ٧١] (٧)، أي: مُلْتَبِسًا مُشْكِلًا. ومنه قوله في الهلال: «فإنْ غُمَّ عَليكم» (٨)،

стр. 348

ومنه قول الراجز (١): وَلَو شَهدت النَّاسَ إِذ تُكُمُّوا ... بِغُمَّةٍ لَو لَم تُفَرَّج غُمُّوا (٢)». (٣) وقال ابن عطية: «وكذلك دخلت «ما» على «من» كافَّةً في نَحو قولهِ: «وكان الرسول ﷺ مِمَّا يُحرِّك شفتيه» (٤)، ونحو قول الشاعر: (٥) وَإِنَّا لِمَّمَا نَضْرُبِ الكبشَ ضَربةً ... على رأسهِ تُلْقِي اللِّسَانَ من الفَمِ (٦)». (٧) - ومن ذلك أيضًا قول القرطبيُّ: «والمُنَازعةُ: مُجَاذبةُ الحُجَج، ومنه الحديث: «وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن». (٨) وقال الأعشى: نَازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتكِئًا ... وقَهوةً مُزَّةً رَاوُوقُهَا خَضِلُ (٩) الخضلُ: النباتُ الناعمُ، والخَضِيلةُ: الروضةُ». (١٠) والمنازعة في الحديث معنوية، أما في الشاهد الشعري فهي منازعة حسية. فهذه صورة من صور ترتيب الشاهد الشعري مع غيره من الشواهد، حيث يتقدم عليه الحديث النبوي، ثم يأتي بعد ذلك الشعر. تقديم الشاهد الشعري على غيره . ومن الصور أن يُقدِّمَ المفسرُ الشاهدَ الشعريَّ على غيره من

стр. 349

الشواهد، كما فعل الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١) حيث يقول: «يقال منه: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أَنْظُرُهُ نَظرةً، بِمَعنى: انتظَرْتُهُ وَرَقَبْتُه، ومنه قول الحطيئة: وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعشاءَ صَادرةٍ ... للخَمسِ طالَ بِهَا حَوزي وتَنْسَاسي (٢) ومنه قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (٣) يعني به: انتظرونا». (٤) والفعل في الآيتين ورد بصيغة الأمر «انْظُرنَا» و «انظُرُونا»، في حين ورد الفعلُ في الشاهد الشعري بصيغة الماضي «نظرتكم». - ومن الأمثلة على هذه الصورة في الترتيب أيضًا قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٥): «يقالُ: قد أَذِنْتُ بِهَذا الأمرِ، إذا علمتُ بهِ، آَذَنُ بهِ إِذْنًا، ومنه قول الحطيئة: أَلا يَا هِندُ إِنْ جَدَّدْتِ وَصْلًا ... وإِلاَّ فَأْذِنِيني بِانْصِرَامِ (٦) يعني: فَأَعْلِمِيْني. ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (٧)». (٨) والفعل في الشاهد الشعري وفي الآية الكريمة ورد بصيغة الأمر، غير أنه في الشاهد الشعري أُسْنِدَ لِمُفردٍ «فأذنيني»، وفي الآية أسند إلى الجمع «فأذنوا»، فقدم المفردُ على الجمع. - ومن ذلك أيضًا قول ابن عطية مقدمًا للشاهد الشعري على المَثَلِ: «والدِّيْنُ .... الجزاءُ، ومنه قول الشاعر (٩):

стр. 350

وَلَمْ يَبْقَ سِوَى العُدْوَانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (١) أي جازيناهم كما فعلوا، مثلُ: «كَمَا تَدِيْنُ تُدَان» (٢)». (٣) تقديم أقوال العرب على الشاهد الشعري . ومن صور ترتيب الشواهد في كتب التفسير تقديم أقوال العرب النثرية على الشاهد الشعري، ثم إتباعها بالشاهد الشعري. ومن أمثلة هذه الصورة في الترتيب قول الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩] ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] (٤): « .... وقيل: «أَنَّهَا» بِمَعنى «لَعَلَّها» مِن قول العرب: «ائتِ السُّوقَ أَنَّكَ تَشتري لَحْمًا». (٥) وقال امرؤ القيس: عُوجَا عَلى الطَّللِ المَحِيلِ لأَنَّنَا ... نَبكي الديارَ كمَا بَكى ابنُ حَذامِ (٦)». (٧) فقد قدَّمَ الزمخشريُّ القولَ الذي يُمثِّلُ به النحويونَ لهذه اللغة من كلام العرب على الشاهد الشعري في الترتيب، وموضع الشاهد في القولِ مُسْنَدٌ إلى مفردٍ «أَنَّكَ»، في حين أُسندَ في الشاهد الشعري إلى الجمع «لأَنَّنَا»، فقُدِّمَ المفردُ على الجمع. - ومن الأمثلة كذلك على هذه الصورة قول ابن عطية: « .... الدِّيْنُ بِمَعنى العَادةِ، فمنه قول العرب في الريح: «عَادَتْ هَيفٌ لأَدْيَانِهَا» (٨)، ومنه قول امرئ القيس:

стр. 351

كَدِيْنكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا (١)». (٢) والأمثلة على هذه الصورة في ترتيب الشواهد، بتقديم كلام العرب من غير الشعر على الشعر كثيرة، وفيما تقدم كفاية. (٣) إيراد الشواهد الشعرية على غير ترتيب . يورد المفسرون الشاهد الشعري مقرونًا بغيره من شواهد القرآن، والحديث النبوي، وكلام العرب دون التزام ترتيب مطرد في إيرادها، وإن كان قد يبدو لمن أطال التأمل في صنيعهم شيء من الحكمة في التزام ترتيب بعينه في موضع بعينه، غير أنني لم أستطع العثور على ما يمكن أن يسمى منهجًا في ذلك، وإنما هي اجتهادات محتملة، وللمفسرين في إيرادهم للشواهد الشعرية مع غيرها من الشواهد صور متعددة، يمكن إجمالها في الصور التالية: ١ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد القرآن: يورد المفسرون شواهد من الشعر، ويوردون معها شواهد من القرآن الكريم، دون التزام تقديم الشاهد من القرآن على الشاهد من الشعر في كل موضع، وإنما تورد على غير ترتيب. ومن أمثلة هذه الصورة قول الطبري: «وقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] (٤) يقول جل ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائمًا ثابتًا واجبًا، يقال منه: وَصَبَ الدِّيْنُ يَصِبُ وُصُوبًا وَوَصَبًا، كما قال الدَّيْليُّ: (٥)

стр. 352

لا أَبْتَغِي الحمدَ القَليلَ بَقَاؤُهُ ... يَومًا بِذَمِّ الدَّهرِ أَجْمعَ واصِبَا (١) ومنه قول الله: ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٩] (٢). وقول حسان: غَيَّرَتْهُ الريحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيْمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ (٣)». (٤) فموضع الشاهد في الآيتين، وشاهدي الشعر ورد بصيغة واحدة هي صيغة اسم الفاعل «واصب»، ولم يلتزم الطبري تقديم الشاهد من القرآن، وإنما قدم شاهدًا من الشعر، ثم أتبعه بشاهد من القرآن، ثم أتبعه بشاهد من الشعر، فمزج الشواهد دون ترتيب. ومن الملاحظ أيضًا هنا أنه قدم بيت الدؤلي على بيت حسان بن ثابت ﵁، مع تقدم حسان عليه، وهذا أمر لم يلق عناية من المفسرين في ترتيب الشواهد بحسب زمن الشعراء، وإنما يهمهم أن تكون الشواهد حجة ثم لا يضير بعد ذلك أن يتقدم بيت الشاعر المتأخر. وقد رأيت البغدادي في خزانته عاب على الرضي تقديمه لبيت من الشعر لأشجع السلمي على بيت موسى بن جابر الحنفي وهو متقدم فقال: «وأشجع ليس ممن يستشهد بكلامه، فكان ينبغي تأخيره عن البيت الذي بعده». (٥) - ومن الأمثلة على هذه الصورة قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٦): «والصيام في اللغة الإمساكُ، وتركُ التنقلِ مِنْ حَالٍ إلى حال، ومنه قول النابغة: خَيْلٌ صيامٌ وخَيلٌ غَيْرُ صائمةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وخَيلٌ تَعْلُكُ اللُّجُمَا (٧) أي: خيلٌ ثابتة مُمْسِكَةٌ. ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] (٨) أي: إمساكًا عن الكلام، ومنه قول امرئ القيس:

стр. 353

كَأَنَّ الثُّريَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا (١) أي: في موضع ثبُوتِها وامتسَاكِهَا، ومنه قوله: فَدَعْ ذَا وَسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وهَجَّرا (٢) أي: وقفت الشمسُ عن الانتقالِ وثَبَتَتْ». (٣) فقد مزج ابن عطية بين شواهد الشعر وشواهد القرآن دون التزام ترتيب بعينه، وقد اختلفت صِيَغُ اللفظة المفسَّرة «الصِّيَام» في الشواهد عنها في الآية المفسَّرة، فقد وردت في الآية المفسرة بصيغة المصدر «الصِّيام»، ووردت في الشواهد الشعرية بصيغة الصفةِ «خَيْلٌ صِيامٌ»، وبصيغة اسم المكان «مَصَامِها»، وبصيغة الفعل الماضي «صام»، كما وردت في الآية القرآنية بصيغة المصدر «صومًا»، غير أن اللفظة قد اتحدت في المعنى الأصلي وهو الإمساك في كل الشواهد. والظاهر من صنيع المفسرين عدم عنايتهم بأن تكون صيغة اللفظة المستشهد لها واللفظة في الشواهد من باب واحد، أو وزن واحد، وإنما العناية تنصب على الدلالة التي تحملها هذه اللفظة في الشاهد، فإن كانت تدل على المعنى المراد في الآية بأي صيغة فهي محل العناية من المفسرين وغيرهم من علماء اللغة. ٢ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من الحديث: هذه الصورة الثانية التي يورد فيها المفسرون الشواهد الشعرية مع غيرها دون ترتيب مطرد، وهي إيراد الشاواهد الشعرية مع شواهد الحديث النبوي، ومن أمثلة هذه الصورة في إيراد الشواهد قولُ ابن عطية عند

стр. 354

تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] (١) وهو يذكر أوجه القراءات: «وقرأ السبعةُ وجُمهورُ الناسِ: الحسنُ وابن أبي إسحاق وعيسى ﴿فَأَجْمِعُوا﴾، مِن: أَجْمَعَ الرجل على الشيء، إذا عزم عليه، ومنه قول الشاعر: هَلْ أَغْدُونْ يَومًا وأَمْري مُجْمَعُ (٢) ومنه قول الآخر: (٣) أَجْمَعوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ (٤) ومنه الحديث: «ما لم يُجْمِع مُكْثًا» (٥). ومنه قول أبي ذؤيب: ذَكَرَ الوُرُودَ بِهَا فَأَجْمَعَ أَمْرَهُ ... شَوقًا وأَقْبَلَ حَينهُ يَتَتَبَّعُ (٦)». (٧) فأورد ابن عطية شواهد الشعر، وقدم بعضها على الحديث النبوي، وأخر بعضها، دون أن تظهر لي عِلةٌ لهذا الترتيب، والشاهد فيها جَميعًا ورود الإجماعِ بِمَعنى العَزْمِ على الفِعْل. - وقال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] (٨): «ودائِرَةٌ، معناه: نَازِلَةٌ من الزمان، وحَادثةٌ من الحوادث، تُحْوجُنَا إلى مَوالينا من اليهود، وتُسمَّى هذه الأمورُ دوائرَ على قديم الزمان من حيث الليل والنهار في دَوَرانٍ، فكأَنَّ الحادثَ يدورُ بدورانِهَا حتى يَنْزِلَ فيمنْ نَزَل ... ومنه قولُ الشاعر: (٩)

стр. 355

والدَّهْرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ (١) وقول الآخر: ............................. ... وَيَعْلَمُ أَنَّ النَّائباتِ تَدُورُ (٢) وقول الآخر: يَرُدُّ عنكَ القَدَرَ المَقْدُورا ... ودَائراتِ الدَّهرِ أَنْ تَدُورَا (٣) ويعضده قول النبي ﷺ : «إِنَّ الزمانَ قد استدَارَ ... (٤)». (٥) فقد أورد ثلاثة من شواهد الشعر، ثم أتبعها بشاهد من الحديث النبوي، وقد تعددت صيغ موضع الشاهد في الآية «دائرة»، فوردت في الشواهد الشعرية بصيغة المبالغة «فَعَّال» وهي «دَوَّاريُّ»، وبصيغة الفعل المضارع «تَدُورُ»، وبصيغة الجمع «دائراتُ الدَّهرِ». كما وردت في الحديث النبوي بصيغة الفعل الماضي المزيد «استدار»، وكلها تتفق في المعنى الأصلي وهو تقلب الزمان، وكثرة حوادثه ونكباته. ٣ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من كلام العرب: الصورة الثالثة من صور إيراد الشواهد الشعرية مع غيرها من الشواهد، هي أن ترد مع شواهد من كلام العرب النثري، كالأمثال والعبارات السائرة بين الناس ونحو ذلك من شواهد النثر. - ومن أمثلة هذه الصورة في إيراد الشواهد عند المفسرين قول ابن عطية: «والقَسَمُ بـ «ـلَعَمْرُكَ» في القُرآنِ، وبـ «لَعَمْريَ»، ونَحوه في أَشعارِ العربِ، وفصيحِ كلامها في غَيْرِ موضعٍ، كقوله: (٦)
следующие страницы →