← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

كَدِيْنكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا (١)». (٢) والأمثلة على هذه الصورة في ترتيب الشواهد، بتقديم كلام العرب من غير الشعر على الشعر كثيرة، وفيما تقدم كفاية. (٣) إيراد الشواهد الشعرية على غير ترتيب . يورد المفسرون الشاهد الشعري مقرونًا بغيره من شواهد القرآن، والحديث النبوي، وكلام العرب دون التزام ترتيب مطرد في إيرادها، وإن كان قد يبدو لمن أطال التأمل في صنيعهم شيء من الحكمة في التزام ترتيب بعينه في موضع بعينه، غير أنني لم أستطع العثور على ما يمكن أن يسمى منهجًا في ذلك، وإنما هي اجتهادات محتملة، وللمفسرين في إيرادهم للشواهد الشعرية مع غيرها من الشواهد صور متعددة، يمكن إجمالها في الصور التالية: ١ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد القرآن: يورد المفسرون شواهد من الشعر، ويوردون معها شواهد من القرآن الكريم، دون التزام تقديم الشاهد من القرآن على الشاهد من الشعر في كل موضع، وإنما تورد على غير ترتيب. ومن أمثلة هذه الصورة قول الطبري: «وقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] (٤) يقول جل ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائمًا ثابتًا واجبًا، يقال منه: وَصَبَ الدِّيْنُ يَصِبُ وُصُوبًا وَوَصَبًا، كما قال الدَّيْليُّ: (٥)

стр. 352

لا أَبْتَغِي الحمدَ القَليلَ بَقَاؤُهُ ... يَومًا بِذَمِّ الدَّهرِ أَجْمعَ واصِبَا (١) ومنه قول الله: ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ [الصافات: ٩] (٢). وقول حسان: غَيَّرَتْهُ الريحُ تَسْفِي بِهِ ... وهَزِيْمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ (٣)». (٤) فموضع الشاهد في الآيتين، وشاهدي الشعر ورد بصيغة واحدة هي صيغة اسم الفاعل «واصب»، ولم يلتزم الطبري تقديم الشاهد من القرآن، وإنما قدم شاهدًا من الشعر، ثم أتبعه بشاهد من القرآن، ثم أتبعه بشاهد من الشعر، فمزج الشواهد دون ترتيب. ومن الملاحظ أيضًا هنا أنه قدم بيت الدؤلي على بيت حسان بن ثابت ﵁، مع تقدم حسان عليه، وهذا أمر لم يلق عناية من المفسرين في ترتيب الشواهد بحسب زمن الشعراء، وإنما يهمهم أن تكون الشواهد حجة ثم لا يضير بعد ذلك أن يتقدم بيت الشاعر المتأخر. وقد رأيت البغدادي في خزانته عاب على الرضي تقديمه لبيت من الشعر لأشجع السلمي على بيت موسى بن جابر الحنفي وهو متقدم فقال: «وأشجع ليس ممن يستشهد بكلامه، فكان ينبغي تأخيره عن البيت الذي بعده». (٥) - ومن الأمثلة على هذه الصورة قول ابن عطية عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٦): «والصيام في اللغة الإمساكُ، وتركُ التنقلِ مِنْ حَالٍ إلى حال، ومنه قول النابغة: خَيْلٌ صيامٌ وخَيلٌ غَيْرُ صائمةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وخَيلٌ تَعْلُكُ اللُّجُمَا (٧) أي: خيلٌ ثابتة مُمْسِكَةٌ. ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] (٨) أي: إمساكًا عن الكلام، ومنه قول امرئ القيس:

стр. 353

كَأَنَّ الثُّريَّا عُلِّقَتْ في مَصَامِهَا (١) أي: في موضع ثبُوتِها وامتسَاكِهَا، ومنه قوله: فَدَعْ ذَا وَسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرةٍ ... ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وهَجَّرا (٢) أي: وقفت الشمسُ عن الانتقالِ وثَبَتَتْ». (٣) فقد مزج ابن عطية بين شواهد الشعر وشواهد القرآن دون التزام ترتيب بعينه، وقد اختلفت صِيَغُ اللفظة المفسَّرة «الصِّيَام» في الشواهد عنها في الآية المفسَّرة، فقد وردت في الآية المفسرة بصيغة المصدر «الصِّيام»، ووردت في الشواهد الشعرية بصيغة الصفةِ «خَيْلٌ صِيامٌ»، وبصيغة اسم المكان «مَصَامِها»، وبصيغة الفعل الماضي «صام»، كما وردت في الآية القرآنية بصيغة المصدر «صومًا»، غير أن اللفظة قد اتحدت في المعنى الأصلي وهو الإمساك في كل الشواهد. والظاهر من صنيع المفسرين عدم عنايتهم بأن تكون صيغة اللفظة المستشهد لها واللفظة في الشواهد من باب واحد، أو وزن واحد، وإنما العناية تنصب على الدلالة التي تحملها هذه اللفظة في الشاهد، فإن كانت تدل على المعنى المراد في الآية بأي صيغة فهي محل العناية من المفسرين وغيرهم من علماء اللغة. ٢ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من الحديث: هذه الصورة الثانية التي يورد فيها المفسرون الشواهد الشعرية مع غيرها دون ترتيب مطرد، وهي إيراد الشاواهد الشعرية مع شواهد الحديث النبوي، ومن أمثلة هذه الصورة في إيراد الشواهد قولُ ابن عطية عند

стр. 354

تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] (١) وهو يذكر أوجه القراءات: «وقرأ السبعةُ وجُمهورُ الناسِ: الحسنُ وابن أبي إسحاق وعيسى ﴿فَأَجْمِعُوا﴾، مِن: أَجْمَعَ الرجل على الشيء، إذا عزم عليه، ومنه قول الشاعر: هَلْ أَغْدُونْ يَومًا وأَمْري مُجْمَعُ (٢) ومنه قول الآخر: (٣) أَجْمَعوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا ... أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ (٤) ومنه الحديث: «ما لم يُجْمِع مُكْثًا» (٥). ومنه قول أبي ذؤيب: ذَكَرَ الوُرُودَ بِهَا فَأَجْمَعَ أَمْرَهُ ... شَوقًا وأَقْبَلَ حَينهُ يَتَتَبَّعُ (٦)». (٧) فأورد ابن عطية شواهد الشعر، وقدم بعضها على الحديث النبوي، وأخر بعضها، دون أن تظهر لي عِلةٌ لهذا الترتيب، والشاهد فيها جَميعًا ورود الإجماعِ بِمَعنى العَزْمِ على الفِعْل. - وقال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] (٨): «ودائِرَةٌ، معناه: نَازِلَةٌ من الزمان، وحَادثةٌ من الحوادث، تُحْوجُنَا إلى مَوالينا من اليهود، وتُسمَّى هذه الأمورُ دوائرَ على قديم الزمان من حيث الليل والنهار في دَوَرانٍ، فكأَنَّ الحادثَ يدورُ بدورانِهَا حتى يَنْزِلَ فيمنْ نَزَل ... ومنه قولُ الشاعر: (٩)

стр. 355

والدَّهْرُ بالإِنسانِ دَوَّارِيُّ (١) وقول الآخر: ............................. ... وَيَعْلَمُ أَنَّ النَّائباتِ تَدُورُ (٢) وقول الآخر: يَرُدُّ عنكَ القَدَرَ المَقْدُورا ... ودَائراتِ الدَّهرِ أَنْ تَدُورَا (٣) ويعضده قول النبي ﷺ : «إِنَّ الزمانَ قد استدَارَ ... (٤)». (٥) فقد أورد ثلاثة من شواهد الشعر، ثم أتبعها بشاهد من الحديث النبوي، وقد تعددت صيغ موضع الشاهد في الآية «دائرة»، فوردت في الشواهد الشعرية بصيغة المبالغة «فَعَّال» وهي «دَوَّاريُّ»، وبصيغة الفعل المضارع «تَدُورُ»، وبصيغة الجمع «دائراتُ الدَّهرِ». كما وردت في الحديث النبوي بصيغة الفعل الماضي المزيد «استدار»، وكلها تتفق في المعنى الأصلي وهو تقلب الزمان، وكثرة حوادثه ونكباته. ٣ - إيراد الشواهد الشعرية مع شواهد من كلام العرب: الصورة الثالثة من صور إيراد الشواهد الشعرية مع غيرها من الشواهد، هي أن ترد مع شواهد من كلام العرب النثري، كالأمثال والعبارات السائرة بين الناس ونحو ذلك من شواهد النثر. - ومن أمثلة هذه الصورة في إيراد الشواهد عند المفسرين قول ابن عطية: «والقَسَمُ بـ «ـلَعَمْرُكَ» في القُرآنِ، وبـ «لَعَمْريَ»، ونَحوه في أَشعارِ العربِ، وفصيحِ كلامها في غَيْرِ موضعٍ، كقوله: (٦)

стр. 356

لَعَمْرِي - ومَا عَمْرِيْ عَليَّ بِهَيّنٍ ... .............................. (١) وقول الآخر: (٢) لَعَمْرُ أَبيكَ ما نُسِبَ المُعَلَّى ... ............................. (٣) وكقول الآخر: (٤) لعمرُكَ إِنَّ الموتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى ... لَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وُثُنْيَاهُ باليَدِ (٥) والعَرَبُ تقولُ: «لَعَمْرُ اللهِ»، ومنه قول الشاعر: (٦) إذا رَضِيَتْ عَليَّ بنو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاها (٧) وقال الأعشى: ولَعَمْرُ مَنْ جَعَلَ الشُّهورَ عَلامةً ... فيها فَبَيَّنَ نِصفَهَا وَكَمَالَهَا (٨) ويروى: وهِلالَهَا». (٩) وقد حرص ابن عطية هنا في إيراده للشواهد أن يأتي بالصيغ التي تضاف إليها لفظة «لَعَمْر» في كلام العرب، فأورد منها الإضافة لكاف المخاطَب «لعمرك»، وبهذه الصيغة وردت في القرآن مقصودًا بها النبي ﷺ ، وأورد منها إضافتها إلى ياء المتكلم «لَعَمْرِي»، وإضافتها إلى

стр. 357

لفظة الأب «لَعَمْرُ أَبيكَ»، وإضافتها إلى لفظ الجلالة «لَعَمْرُ اللهِ»، وإضافتها إلى الله دون لفظ الجلالة «لَعَمْرُ مَنْ جَعَلَ الشهورَ عَلامةً»، فتعدد الشواهد الشعرية لا يعني التكرار الذي يَخلو من فائدة، بل اشتمل كل شاهد على فائدة ليست في الآخر. - ومن الأمثلة كذلك قول ابن عطية عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] (١)، مِنْ أنَّ العرب قد تسْتعِيْرُ البُنُوَّةَ للمُناسبةِ والملازمة بين الأشياء إذا لم يُشْكِلِ ذلك على السامع، وكان أمرُ النَّسْلِ مستحيلًا في حقها: «من ذلك قول عبدالملك بن مروان: «وقد زَبَنَتْنَا الحربُ وَزَبَنَّاهَا، فنحنُ بَنُوهَا وهِيَ أُمُّنَا» (٢)، يريدُ المُلازمةَ، ومن ذلك قول حُرَيثِ بن مُحَفِّض (٣): بَنُو المَجْدِ لَمْ تَقْعُد بِهِم أُمَّهَاتُهُمْ ... وآباؤُهُم أَبناءُ صِدْقٍ فَأَنْجَبوا (٤) ومن ذلك «ابنُ نَعْشٍ»، و «ابنُ مَاءِ السَّبيلِ»، ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر: والأَرضُ تَحْمِلُنَا وَكانتْ أُمَّنَا (٥)». (٦) فقد مزج ابن عطية في استشهاده هنا بين شواهد الشعر، وكلام العرب النثري الذي حفظ عنهم، دون التزام بترتيب مطرد، والبُنُوَّةُ في هذه الشواهد يقصدُ بِها الملازمةُ للحربِ، وللمَجدِ، وللصِّدقِ؛ لأنَّ التناسلَ فيها مستحيل، ولا يشكل على السامع.

стр. 358

* رابعًا: إيراد جزء من الشاهد الشعري: الأصل في الاستشهاد بالشاهد الشعري أن يكون بالبيت كاملًا، ويشار إلى موضع الشاهد منه، وهذه هي الطريقة الغالبة في ذكر الشواهد الشعرية، وأمثلتها كثيرة كما هي الأمثلة في صفحات هذه الرسالة، غير أني أضرب مثالًا من قول الطبري وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] (١): «وقال بعضهمُ: «المَنُّ»، هو الذي يَسقطُ على الثمامِ والعُشَر، وهو حُلوٌ كالعَسَلِ، وإِيَّاهُ عَنَى الأَعشى - ميمون بن قيس - بقوله: لَو أُطْعِمُوا المَنَّ والسَّلْوَى مَكَانَهُمُ ... مَا أَبْصَرَ النَّاسُ طُعْمًا فِيهمُ نَجَعَا (٢)». (٣) ومثلهُ جميع المفسرين واللغويين، فهذا هو الأصل في الاستشهاد بالشاهد الشعري أن يذكر بيت الشعر كاملًا. غير أن المفسرين عند إيرادهم للشواهد الشعرية قد يكتفون بإيراد موضع الشاهد من البيت دون باقيه. وقد يكون موضعُ الشاهد شَطْرَ بيتٍ أو أقل؛ اكتفاءً بدلالته على المقصود، أو لشهرة الشاهد عند العلماء. وهذه الطريقة في الاستشهاد بالشاهد الشعري مشتركة بين المفسرين واللغويين والنحويين، وقد تتبعت كتب التفسير لمعرفة صور إيراد جزء من بيت الشعر عند الاستشهاد به، فكانت الصور الآتية: ١ - إيراد شطر البيت: كثيرًا ما يكتفي المفسر في استشهاده بالشاهد الشعري بنصف البيت، إما بصدر البيت، أو عجزه. فقد يكتفي المفسر بصدر البيت، كما فعل القرطبي وهو يعدد اللغاتِ في «جِبْريل» فقال: «الأولى: جِبْرِيلُ، وهي لغة أهل الحجاز، قال حسان بن ثابت:

стр. 359

............................ ... وجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا». (١) وهذا صدر بيت لحسان من قصيدته الهمزية، وتمامه: وجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا ... ورُوحُ القُدْسِ ليسَ لهُ كِفَاءُ (٢) وقد يكتفي المفسر بعجز البيت كما اكتفى به الزمخشري في قوله: «ولما كان من يتكلم بلسان غير لسانهم لا يفقهون كلامه، قالوا له: أَعْجَمُ، وأَعْجَمِيٌّ، شبَّهوهُ بِمَن لا يُفْصِحُ ولا يُبِيْنُ، وقالوا لكل ذي صوتٍ من البهائمِ والطيورِ وغيرها: أَعْجَم، قال حُمَيد: (٣) ............................... ... وَلا عَربيًّا شَاقَهُ صَوتُ أَعْجَما». (٤) فذكر الزمخشريُّ هنا عَجزَ البيت، واكتفى به لشهرته، والبيت بتمامه كما في الديوان، وهو يصف حَمامةً: فَلَمْ أَرَ مَحْزُونًا لَهُ مثلُ صَوتِهَا ... وَلا عَربيًّا شَاقَهُ صَوتُ أَعْجَما (٥) ٢ - إيراد ما يزيد على الشطر: أحيانًا يكون موضع الشاهد في بيت الشعر يزيد على شطر البيت بكلمة أو نحوها، فيكتفي المفسر بهذا الجزء من بيت الشعر، ويهمل بقية كلمات البيت، ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] (٦) والآرائِكُ هي الحِجَالُ (٧) فيها السُّرُرُ والفُرُش، واحدتُهَا أَريكَةٌ. وكان بعضهم يزعم أَنَّ كلَّ فِرَاشٍ أَريكةٌ، ويستشهد لقوله ذلك بقول ذي الرمة: ......................... كأَنَّمَا ... يُبَاشِرنَ بِالمعزاءِ مَسَّ الآرائكِ». (٨)

стр. 360

فقد اكتفى بما يؤدي معنىً مستقلًا، ويشتمل على موضع الشاهد من البيت، فأورد عجز البيت وكلمة من صدره، وتَمامُ البيت: خُدُودًا جَفَتْ في السَّيْرِ حتى كأَنَّمَا ... يُبَاشِرنَ بِالمعزاءِ مَسَّ الآرائكِ (١) ٣ - إيراد جزء من شطر البيت: قد يكون جزء من شطر البيت الشعري كافيًا في الاستشهاد، قائمًا بمعناه، فربُّما اقتصر المفسر من البيت على هذا الجزء اليسير منه في استشهاده، ومن أمثلة ذلك قول الطبري وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] (٢): «وأدخلت الألف واللام في «الألواح» بدلًا من الإضافة، كما قال الشاعر (٣): ...................... ... والأَحْلامُ غَيْرُ عَوازبِ». (٤) وهذا الجزء الذي أورده الطبري هو جزء من عجز البيت، وتمام البيت: لَهُمْ شِيْمَةٌ لَمْ يُعْطَهَا الدَّهْرَ غَيْرُهُمْ ... من النَّاسِ، والأَحْلامُ غَيْرُ عَوَازِبِ (٥) غير أنه قد اكتفى به لشهرة البيت عند العلماء من جهة، ولأدائه للمعنى المراد من الاستشهاد من جهة أخرى. ومن الأمثلة كذلك على اكتفاء المفسرين بجزء من شطر البيت الشعري قول ابن عطية عند شرحه لمعنى الكتاب في اللغة: «وأَمَّا لكتاب فهو مصدرٌ من «كَتَبَ» إذا جَمَع، ومنه قيل: كَتِيبةٌ؛ لاجتماعها، ومنه قول الشاعر (٦): .................... ... وَاكتُبْهَا بِأَسْيَارِ (٧)

стр. 361

أي: اجْمَعها». (١) فقد اكتفى بجزء من عجز البيت، وهو موضع الشاهد فيه، وربَّما يكونُ ذلك لاشتهارِ هذا البيت بين لعلماءِ، وتَمامُ البيت: لا تَأْمَنَنَّ فَزَاريَّا حَلَلْتَ بهِ ... على قَلوصِكَ واكتُبْهَا بأَسيَارِ (٢) ومِمَّن أكثر من الاقتصار على جزء من شطر البيت الزمخشريُّ في «الكشَّاف»، ومن أمثلة ذلك قوله: «﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (٣) ... فإن قلتَ: ما موقع هذه الجملة؟ قلتُ: هي جُملةٌ اعتراضيةٌ لا مَحلَّ لها من الإعراب، نحوِ ما يَجِيءُ في الشعر مِنْ قولِهم: والحوادثُ جَمَّةٌ ... .............................. فائدتُها تأكيدُ وجوبِ اتباع ملته». (٤) فالزمخشري قد اكتفى بذكر موضع الشاهد، وهو جزء من شطر البيت الشعري، وهو يشير إلى جُمْلةٍ اعتراضيةٍ ترد كثيرًا في أشعار الشعراء، ومن ذلك قول هند بنت النعمان بن المنذر: ما كُنت أَحسبُ وَالحوادثُ جَمّةٌ ... أنّي أَموتُ وَلم يَعُدني العوّدُ (٥) وقولُ عَمْرَةَ بنتِ الحُبابِ التغلبيَّةِ: ما كُنتُ أَحسَبُ وَالحَوادِثُ جَمَّةٌ ... أَنا عَبِيدُ الحَيِّ مِن غَسَّانِ (٦) وقول القُطاميِّ: وإذا أصابَكَ والحوادثُ جَمّةٌ ... حَدَثٌ حَداكَ الى أخيكَ الأوثَقِ (٧)

стр. 362

وغيرها من أبيات الشعر، التي يذكر فيها الشعراء هذه الجملة الاعتراضية. (١) وقال الزمخشري كذلك مكتفيًا بجزء من شاهد مشهور عند النحويين: «فلما كان معنى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٢) في معنى: فلم يطيعوه، حُمِلَ عليه، كأَنَّهُ قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم، ونحوه قول الفرزدق: .......................... لَمْ يَدَعْ ... مِن المَالِ إِلَّا مُسحِتٌ أَو مُجَلِّفُ كأنه قال: لم يبق من المال إلا مُسْحِتٌ أو مُجَلِّفُ». (٣) وهو قد اكتفى بعجز البيت، وجزء من صدره، وتَمامُ البيت: وعَضُّ زَمَانٍ يا ابنَ مروانَ لَمْ يَدَعْ ... مِن المَالِ إِلَّا مُسْحِتٌ أَو مُجَلِّفُ (٤) وهذا الشاهد من أشهر الشواهد النحوية التي دار حولها خلافُ أهلِ الإِعرابِ، فاكتفى بِمَوضع الشاهد منه لشهرته. - ومن الأمثلة كذلك عند الزمخشري قوله: «﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾ [الدخان: ٧] (٥). فإن قلت: كيف قيل: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ على التثنية، والمرجوع إليه مجموع؟ قلتُ: أريد وما بين الجنسين، فَعَلَ بالمضمر مَا فَعَلَ بالظاهر مَنْ قَالَ: (٦) .......................... ... في الهَيْجَا جِمَالَيْنِ». (٧) فقد اكتفى الزمخشري بجزء من عجز البيت، وتمامه: لأَصبحَ القومُ أَوبَادًا فَلَمْ يَجِدُوا ... عندَ التفرُّقِ في الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ (٨)

стр. 363

٤ - إيراد جزء من صدر البيت وجزء من عجزه: قد يكتفي المفسر بجزء من بيت الشعر، يشتمل على جزء من صدر البيت، وجزء من عجز البيت، ويكون ذلك هو موضع الشاهد من البيت. ومن ذلك قول الزمخشري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦] (١): «فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿وَشَهِدُوا﴾؟ قلت: فيه وجهان: أن يعطف على ما في إيمانِهم مِنْ معنى الفعل؛ لأَنَّ معناه: بعدَ أن آمنوا، كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ .... ﴾ [المنافقون: ١٠] (٢) وقول الشاعر: (٣) .......... لَيسُوا مُصلحينَ عَشيرةً ... ولا نَاعبٍ .......... ». (٤) وتَمام هذا البيت هو: مَشَائِيمُ لَيسوا مُصْلِحينَ عَشِيْرةً ... ولا نَاعِبٍ إِلَّا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا (٥) فقد حذف كلمة (مشائيم) من أول البيت، و (إِلَّا بِبَيْنٍ غُرابُها) من آخره، واكتفى بموضع الشاهد منه وهو ما ذكره. ومن الأمثلة كذلك قول الزمخشري: «﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] (٦) جواب قسم محذوف. فإن قلتَ: مَا لَهُم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع «قد»، وقَلَّ عنهم نَحوُ قوله: (٧) حَلفتُ لَهَا باللهِ حَلْفةَ فَاجرٍ ... لَنَاموا ...................... قلتُ: إِنَّمَا كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدًا للجملة المقسم عليها. التي هي جوابها فكانت مَظِنَّةً لِمَعنى التوقع، الذي هو معنى (قد) عند استماع المخاطب كلمة القسم». (٨)

стр. 364

فقد اكتفى الزمخشري بصدر البيت وكلمة من عجزه، وكمل موضع الشاهد منه بهذا، وهو بيت شهير لامرئ القيس، وتمامه: حَلَفْتُ لَهَا باللهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَديثٍ ولا صَالِ (١) ٥ - إيراد جزء من بيت وما يرتبط به من بيت آخر: ومن عناية المفسرين بالشاهد أنهم قد يوردون جُزءًا من بيتٍ، وجُزءًا مِن البيت التالي له؛ لِكَونِهِ موضعَ الشاهدِ، كما قال الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] (٢) وهو يذكر حجةَ مَنْ ذَهبَ إلى أنَّ «مَنْ» في الآية في موضع نَصبٍ: «وأَمَّا النَّصبُ فَعَلى أن تَجعلَ «النَّجْوَى» فِعلًا (٣)، فيكونُ نصبًا؛ لأَنه حينئذٍ يكون استثناءً منقطعًا؛ لأَنَّ «مَنْ» خلافُ «النَّجْوى»، فيكون ذلك نظير قول الشاعر: (٤): ......................... ... ومَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا أَواريَّ لأيًا ما أُبَيِّنُها ... ................. ». (٥) فقد اكتفى الطبري بموضع الشاهد من البيتين، وهو جزء من عجز الأول، وصدر الثاني، وذلك لا رتباطهما من حيث المعنى، وتمام البيتين: وَقفتُ فيهَا أُصَيلانًا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا الأَواريَّ لأَيًا مَا أُبَيَّنُهَا ... والنُّؤيُ كَالحَوضِ بِالمَظلومةِ الجَلَدِ (٦) ٦ - الاستشهاد بجزء من قصيدة: وهذه الصورة نادرة، وألحقتها بهذه المسألة تجوزًا، ونادرًا ما يورد المفسر عددًا من الأبيات من القصيدة الواحدة متتالية، وإن حصل ذلك

стр. 365

فيكون الاستشهاد بها على الأسلوب من حيث النحو أو البلاغة لا على الألفاظ. ومن ذلك استشهاد الطبري لأسلوب الالتفات في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧] (١) بأبيات للكميت بن زيد، حيث قال الطبري: « .... وذلك من كلام العرب مستفيضٌ بينهم، فصيح أَنْ يُخْرِجَ المتكلمُ كلامَه على وجه الخطاب منه لبعض الناس، وهو قاصدٌ به غَيْرَه وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو يقصد به جَماعةً غَيرَه، أو جَماعةً والمخاطبُ به أَحدُهُم، وعلى هذا الخطاب للجماعة والمقصود به أحدهم من ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ [الأحزاب: ١ - ٢] فرَجعَ إلى خطاب الجماعة وقد ابتدأ الكلام بخطاب النبي، ونظير ذلك قول الكميت بن زيد في مدح رسول الله ﷺ : إلى السِّرَاجِ المُنِيرِ أَحْمدَ لا ... يَعْدِلُنِي رَغبةٌ ولا رَهَبُ عنهُ إلى غَيرهِ ولو رَفَعَ ... الناسُ إليَّ العيونَ وارتقبُوا وقِيْلَ: أَفْرطتَ، بَلْ قَصَدْتُ وَلَو ... عَنَّفَنِي القَائلونَ أَو ثَلَبُوا لَجَّ بِتَفضيلكَ اللسانُ ولَو ... أُكْثِرَ فيكَ الضِّجَاجُ واللَّجَبُ أَنْتَ المُصَفَّي المَحْضُ المُهَذَّبُ في ... النِّسْبةِ إِنْ نَصَّ قَومَكَ النَّسَبُ (٢) فأخرج كلامه على وجه الخطاب للنبي ﷺ وهو قاصد بذلك أهل بيته فكني عن وصفهم ومدحهم بذكر النبي ﷺ ، وعَنَى بني أمية بالقائلين المُعَنِّفيْن؛ لأنه معلوم أنه لا أحد يوصف بتعنيف مادح النبي ﷺ وتفضيله، ولا بإكثار الضجاج واللجب في إطناب القيل بفضله». (٣) وهذه صورة قليلة الورود في كتب التفسير.

стр. 366

* خامسًا: العناية بالروايات المختلفة للشاهد الشعري . قد يورد المفسرُ روايةً أخرى أو روايات للشاهد، وقد يكون هذا الاختلاف في الرواية له مِسَاسٌ بِموضع الاستشهاد في الشاهد الشعري، فينبه المفسر إلى ذلك. ومن ذلك قول الطبري: «وقيل: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] [الأعراف: ١٩٣] (١) فعطف بقوله: ﴿صَامِتُونَ﴾ وهو اسمٌ، على قوله: ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ وهو فعل ماضٍ، ولم يقل: أَم صَمَتم، كما قال الشاعر: سَوَاءٌ عليكَ النَّفْرُ أَمْ بِتَّ ليلةً ... بِأَهْلِ القِبَابِ مِنْ نُمَيرِ بنِ عَامِرِ (٢) وقد يُنشدُ: أَمْ أنتَ بائتٌ». (٣) وعلى الرواية الثانية لا شاهد فيه؛ ويسقط الاستدلال به لأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط الاستدلال به. وقد ناقش النحويون هذا الشاهد فقال أبو حيان: «وليس من عطف الاسم على الفعل، إنما هو من عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وأما البيت فليس من عطف الاسم على الفعل، بل من عطف الجملة الفعلية على الاسم المقدر بالجملة الفعلية. إذ أصل التركيب: سواء عليك أنفرت أم بت ليلة، فأوقع النفر موقع أنفرت». (٤) وربَّما لا يَمسُّ الاختلاف في الرواية موضع الشاهد، فيكون ذكر الاختلاف من باب العلم فَحَسْب، ومن ذلك قول الطبري: «ويقال للبخيل: حَصُورٌ وحَصِرٌ؛ لمنعه ما لديه من المال عن أهل الحاجة، وحبسه إياه عن النفقة، كما قال الأخطل:

стр. 367

وشَاربٍ مُرْبِحٍ بِالكأسِ نَادَمَنِي ... لا بِالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (١) ويُروى: بِسَآّرِ ... ». (٢) وهذا الوجه من الرواية لا علاقة له بموضع الشاهد في البيت، وهو أَنَّ الحَصُورَ يأتي بِمعنى البخيل، وإِنَّمَا ذَكرهُ الطبريُّ ليعلم القارئ أن هناك رواية أخرى لهذا البيت. وقال الطبريُّ أيضًا: «و «الغُزَّى» جَمعُ «غَازٍ»، جُمِعَ على «فُعَّلٍ»، كما يُجمعُ «شَاهِدٌ» على «شُهَّد»، و «قَائِلٌ» على «قُوَّلٍ»، وقد يُنشَدُ بيتُ رؤبة: فاليومَ قدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي ... وَأَوْلُ حِلْمٍ لَيسَ بِالمُسَفَّهِ وقُوَّلٌ: إِلَّا دَهٍ فَلا دَهِ (٣) ويُنشدُ أيضًا: ... وقَولِهِم: إِلَّا دَهٍ فلا دَهِ». (٤) وهو على الرواية الثانية ليس فيه شاهد على المقصود، وهو أن (قَائِل) يُجمعُ على (قُوَّلٍ)، فيكون الاستشهاد بالرواية الأولى فقط. وقد يكتفي المفسر بذكر الرواية المتضمنة للشاهد دون غيرها، مع الإشارة إلى ذلك. ومن ذلك قول ابن عطية: «وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] (٥) نَصَبَتْ لَنْ، ومن العرب مَنْ تَجْزمُ بِهَا، ذكره أبو عبيدة (٦)، ومنه بيت النابغة على بعض الروايات:

стр. 368

................... فَلَنْ أُعَرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (٧)». (١) فقد نَبَّهَ إلى أنَّ للبيت روايات أخرى يعرفُها، غير أنه اختارَ هذه الرواية للاستشهادِ بِها على أَنَّ «لن» قد تَجزمُ الفعل المضارع أيضًا. - وربَّما يذكر المفسرُ الشاهدَ الشعريَّ بروايتينِ مُختلفتين، في موضعين من التفسير دون الإشارة إلى هذا الاختلاف في الرواية، ودون أن يكون لهذا الاختلاف أثر في موضع الاستشهاد من البيت، ومن ذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] (٣): «وقالَ آخرونَ مِمَّن قرأ قولَهُ: ﴿كُذِّبُوا﴾ بِضَمِّ الكافِ وتشديدِ الذالِ: مَعنى ذلكَ: حتى إِذَا استيأَسَ الرُّسلُ مِنْ قَومِهم أَنْ يُؤمِنُوا بِهِم ويُصدِّقُوهم، وظنَّتِ الرسلُ بِمعنى: واستيقنت أَنَّهُم قَد كَذَّبَهم أُمَمُهُم، جَاءتِ الرسلَ نُصْرَتُنَا. وقَالوا: «الظنُّ» في هذا بِمعنى: العلم، مِن قول الشاعر: فَظُنُّوا بِأَلفَي فَارسٍ مُتَلبِّبٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ». (٤) مع أنه قد سبق أن استشهد بهذا البيت على المعنى نفسه، برواية أخرى فقال: «إِنَّ العربَ قد تسمي اليقين ظنًا، والشك ظنًا .... ومِمَّا يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دُرَيْد بن الصِّمَّةِ: فقلتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بِأَلفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارسيِّ المُسَرَّدِ (٥)

стр. 369

يعني بذلك: تَيقنوا ألفي مدجج تأتيكم». (١) فالطبري لم ينسب الشاهد لقائله في الموضع الأول، ونسبه له في الثاني، ومع اختلاف الرواية، إلا أن الشاهد في الروايتين واحد، وهو ورودُ «الظنِّ» في لغة العرب بِمَعنى اليقين. * سادسًا: نَقْلُ الشاهد الشعري عن المتقدمين: المفسرون يتعرضون لأقوال العلماء السابقين من المفسرين وغيرهم، وفي معرض نقلهم ومناقشتهم ينقلون الشواهد الشعرية المستشهد بها، وربما جرى خلاف حول فهم هذه الشواهد، أو توجيهها. - ومن أمثلة ذلك قول الطبري عند حديثه عن القراءات في كلمة: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ [الأنفال: ٩] (٢): «واختلفَ أهلُ العلم بكلام العرب في معنى ذلكَ إذا قُرئَ بفتح الدَّالِ أَو بِكَسرِهَا. فقال بعض البصريين والكوفيين: معنى ذلك إذا قُرئَ بالكسرِ، أَنَّ الملائكةَ جاءت يتبعُ بعضُهُم بعضًا، على لغةِ مَن قالَ: «أَرْدَفْتُهُ». وقالوا: العَربُ تقولُ: «أَرْدَفْتُهُ» وَ «رَدِفْتُهُ»، بِمَعنى: «تَبِعْتُهُ» و «أَتْبَعْتُهُ»، واستشهدَ لصحة قولهم ذلك بِمَا قال الشاعر: (٣) إذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ... ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطمةَ الظُّنُونَا (٤) قالوا: فقال الشاعرُ: «أَرْدَفَتْ»، وإِنَّمَا أرادَ «رَدِفَتْ»، جاءت بعدها لأَنَّ الجوزاءَ تَجِيءُ بعد الثريا». (٥)

стр. 370

فقد نقل أقوالَ مَنْ وَجَّهَ قِراءَة الفَتحِ، ونقل الشاهد الشعري الذي استشهدوا به، ووجهَ الاستشهاد، وقد رجَّحَ الطبريُّ قراءةَ الكسرِ، وقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءةُ مَنْ قرأ ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بكسرِ الدَّالِ؛ لإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم». (١) - ومن الأمثلة كذلك قول الطبري: «فإن قال قائل: وكيف قيل لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٩١] (٢) فابتدأ الخبر على لفظ المستقبل، ثم أخبر أنه قد مضى؟ قيل: إن أهل العربية مختلفون في تأويل ذلك. فقال بعضُ البصريين (٣): معنى ذلك: فلم قتلتم أنبياء الله من قبلُ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] (٤) أَيْ: مَا تَلَتْ. وكما قال الشاعر: (٥) ولقدْ أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّنِي ... فَمضيتُ عنهُ، وقُلتُ: لا يَعنيني (٦) يريد بقوله: «ولقد أَمُرُّ»، ولقد مَررتُ، واستدلَّ على أنَّ ذلك كذلك، بقوله: «فمضيتُ عنه»، ولم يقلْ: فأمضي عنه. وزعم أن «فَعَلَ» و «يَفْعَلُ» قد تشترك في معنى واحد، واستشهد على ذلك بقول الشاعر (٧):

стр. 371

وإِنِّي لآَتيِكمْ تَشُكَّرَ مَا مضى ... مِن الأَمْرِ واستيجَابَ مَا كانَ في غَدِ (١) يعني بذلك: ما يكونُ في غَدٍ. وبقول الحطيئة: شَهِدَ الحُطيئةُ يومَ يلقى ربَّهُ ... أَنَّ الوليدَ أَحقُّ بالعُذرِ (٢) يعني: يَشْهَدُ. وكما قال الآخر (٣): فَمَا أُضْحِي ولا أَمْسيتُ إِلَّا ... أَرَانِي مِنكُمُ في كَوّفَانِ (٤) فقال: «أُضحي»، ثُمَّ قال: «ولا أمسيتُ». (٥) وهذه الشواهد منقولة، نقلها الطبري عن المتقدمين أو المعاصرين من العلماء، مقرونة ببيان موضع الشاهد منها. - وقال ابن عطية وهو يفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] (٦): « .... يقالُ: خَالَ الرجلُ، يَخُولُ خَوْلًا (٧)، إذا تَكَبَّرَ، وأُعْجِبَ بنفسهِ، وأنشد الطبري: (٨) فَإِنْ كُنتَ سَيّدَنَا سُدْتَنَا ... وإِنْ كُنتَ لِلخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ (٩)». (١٠) فقد صرح ابن عطية هنا بأنه نقل الشاهد عن الطبري، والشاهد مذكور في تفسير الطبري عند تفسيره لهذه الآية، وكثيرًا ما ينقل ابن عطية الشواهد الشعرية عن الطبري مع الإشارة إلى ذلك، أو عدم الإشارة في

стр. 372

بعض الأحيان. (١) والأمثلة كثيرة على نقل المفسرين للشواهد الشعرية عن غيرهم من العلماء مفسرين ولغويين وغيرهم (٢)، وقد كان لذلك التعاقب على إيراد الشواهد الشعرية، وإعمال الذهن في فهمها، واستنباط الشواهد منها فائدة كبيرة في إغناء كتب التفسير، وقد كان هناك خلافات وتعقبات كثيرة للمتأخرين منهم على فهم المتقدمين للشواهد الشعرية، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري. * سابعًا: عدم تكرار الشواهد الشعرية: يحرص المفسرون على عدم التكرار في المسائل التي بحثوها، فإذا عَرَضَ لهم موضعُ بَحْثٍ سَبَقَ لهم في موضعٍ متقدمٍ من التفسير أحالوا القارئ عليه رغبةً في الإيجاز وعدم تسويد الورق بالإعادة، ومن ذلك المسائل التي اشتمل بحثهم لها على استشهادهم بشواهد الشعر، فيُحِيلونَ في المواضع اللاحقة إلى المواضع السابقةِ بِمَا يدلُّ على أنه قد مَرَّ كذا بشواهده. كما إنهم يؤجلون بحث المسائل التي سيأتي موضعها الأليق ببحثها، ومن ذلك قول القرطبي في كثير من المواضع من تفسيره: وستأتي في موضع كذا. (٣) والطبري مِمَّن يُكثرُ ذكرَ مثلَ هذه العبارات في تفسيره، ومن ذلك قوله: «وقد بَيَّنَّا معنى «المَخْمَصَةِ»، وأَنَّها المَجَاعةُ بِشَواهدهِ .... في مَوضعٍ غَيرِ هذا، فأَغْنَى عن إِعَادتهِ ههنا». (٤) وكان قد شرح معنى «المَخْمَصَةِ» في موضع سابق من تفسيره (٥)، واستشهد له

стр. 373

بشواهد من الشعر، وذكرَ وجهَ الاستشهاد في كُل شاهد، فآثر في الموضع الثاني الإحالة لهذا الموضع، رغبة في عدم التكرار، والإثقال على القارئ. ومثل ذلك قوله أيضًا: «وقد بَيَّنَّا معنى «الكافَّة» بشواهده، وأقوال أهل التأويل فيه، فأَغْنَى عن إعادته في هذا الموضع». (١) وقوله أيضًا وهو يتحدث عن معنى الحصير، وأَنَّه يأتي على وزن فَعِيْلٍ من الحَصْرِ الذي هو الحَبْسُ: «وقد بينت ذلك بشواهده في سورة البقرة». (٢) وقوله: «ومعنى الحكيم في هذا الموضعِ المُحْكِمُ، صُرِفَ مُفْعِل إلى فَعَيلٍ، كما قيل: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠] (٣) بِمَعنى: مُؤْلِم، وكما قال الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانةَ الدَّاعي السَّميعُ (٤) وقد بيَّنَّا ذلك في غير موضع من الكتاب». (٥) وقوله كذلك: «وقد بينا فيما مضى أَنَّ النِّدَّ العِدْلُ، بِما يدلُّ على ذلك من الشواهد، فكرهنا إعادته». (٦) وكل هذه العبارات تبين عن منهجه في أنه يحرص ألاَّ يكرر ما سبق من الشواهد الشعرية إلا بقدر الحاجة، وأما الأصل فهو أن يُحيلَ إلى ما سبقَ بَيَانُهُ بشواهده. (٧) وكثيرًا ما يورد الطبري عبارة: «ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى». (٨) وعبارة: «والشواهد على ذلك - من أشعار العرب وكلامها - أكثر من أن تحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه إن شاء الله تعالى». (٩) وقوله بعد أن يورد عددًا من

стр. 374

الشواهد الشعرية: «وذلك كثير في كلام العرب وأشعارها». (١) هذا هو الأصل ففي منهج الطبري في عدم تكرار الشواهد الشعرية، غير أنه ربَّما كرر في بعض المواضع، مع إشارته إلى شواهده السابقة، ومن ذلك قوله: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ [الأعراف: ١٦٧] (٢) واذكر يا محمد إذ أَذِنَ ربكَ وأَعْلَمَ، وهو تَفَعُّلٌ من الإِيْذَانِ، كما قال الأعشى ميمون بن قيس: أَذِنَ اليومَ جِيْرَتِي بِخُفُوفِ ... صَرمُوا حَبْلَ آلِفٍ مَألوفِ (٣) يعني بقوله: «أَذِنَ»، أعلم. وقد بيَّنَّا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع». (٤) وعند مراجعة المواضع السابقة يتبين لك أنه قد ذكر معاني الإذن، غير أنه لم يكرر الشاهد الشعري السابق، وإنما أورد شاهدًا جديدًا. ومثل الطبري في هذا المنهج بقية المفسرين كالقرطبي حيث قال: «والإسراف في اللغة الإفراط ومُجاوزةُ الحد، وقد تقدم في آل عمران». (٥) وقال أيضًا: «وقال القفال: يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية، قلت: وهذا المعنى موجود في أشعارهم، وقد قال حسان: ونَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا (٦) وقد أشبعنا هذا المعنى في البقرة». (٧)

стр. 375

* ثامنًا: مراعاة السياق في إيراد الشاهد الشعري: مراعاةُ السِّيَاقِ العام للآيات عند تناول معانيها وتفسيرها أمرٌ لا بد منه لفهمها على وجهها الصحيح، وبِخاصةٍ عند الوقوفِ موقفَ الترجيح بين أقوالٍ شتَّى ذكرها المفسرون، ومن منهج المفسرين السديد مراعاةُ سياق الآياتِ عند الاستشهاد بالشواهد الشعرية، وذلك بأَنْ تكونَ مناسبةً للسياقِ الذي وردت فيه اللفظة في الآية، فيُستشهدُ في كل موضعٍ ترد فيه اللفظة القرآنية للمعاني المناسبة للسياق التي تدل عليها هذه اللفظة، ولا سيما إذا كانت اللفظة من باب المشترك اللفظي الذي يحمل دلالات متعددة، لا تتضح إلا من خلال سياق الكلام. - ومن أمثلة ذلك قول الطبري وهو يفسر معنى الظلم: «وأصلُ الظُّلمِ في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعهِ (١)، ومنه قول نابغة بني ذبيان: إِلَّا أَوَارِيَّ لأَيًا مَا أُبيّنُها ... والنُّؤيُ كَالحَوضِ بِالمَظْلُومةِ الجَلَدِ (٢) فجعل الأرض مظلومةً؛ لأن الذي حفرَ فيها النؤيَ حفرَ في غير موضعِ الحَفْرِ، فجعلها مَظلومةً؛ لِمَوضعِ الحُفْرةِ منها في غيرِ مَوضعِها. ومن ذلك قولُ ابن قُميئةَ في صفةِ غَيْثٍ: ظَلَمَ البِطَاحَ بِهَا انْهِلالُ حَريصةٍ ... فصَفَا النِّطَافُ له بُعَيدَ المُقْلَعِ (٣) وظُلْمُهُ إِيَّاهُ مَجيئهُ في غَيْرِ أَوَانِهِ، وانصبابهُ في غير مَصبَّهِ .... وقد يتفرعُ الظلمُ من معانٍ يطول بإحصائها الكتابُ، وسنبينها في أماكنِهَا إذا

стр. 376

أتينا عليها إن شاء الله تعالى، وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشيء في غير موضعه». (١) ثم أخذ الطبريُّ في كل المواضع التي ورد فيها ذِكْرُ الظلمِ بِمَعنى: وضع الشيء في غير موضعه يُحيلُ فيه إلى هذا الموضع بقوله: «وقد دللنا فيما مضى على معنى «الظلم» وأَصلهِ بشواهدهِ الدالة على معناه، فكرهنا إعادته في هذا الموضع». (٢) حتى إذا جاء إلى معنى جديدٍ من معاني الظلم وهو «النَّقْصُ»، في قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] (٣) قال: «يقول: ولم تَنْقُص مِن الأُكُلِ شيئًا، بل آتت ذلك تامًا كاملًا، ومنه قولهم: ظَلَمَ فلانٌ فلانًا حَقَّهُ، إذا بَخَسَهُ ونَقَصَهُ، كما قالَ الشاعرُ (٤): تَظَلَّمَنِي مَالي كَذَا وَلَوَى يَدِي ... لَوَى يَدَهُ اللهُ الذي هُوَ غَالِبُهْ (٥)» (٦). فراعى الطبريُّ سياقَ الآيات، والمعاني التي تُفهمُ بناءً على السياق، وأورد الشاهد الشعريَّ المناسبَ لِمَعنى اللفظةِ في سياق الآيات التي يفسرها، فعندما ورد الظلم في الآية بِمعنى وضع الشيء في غير موضعه أورد من الشواهد الشعرية ما يشهد لهذا المعنى في لغة العرب، وكلما وردت آية، وذُكرَ فيها الظلمُ بِمعنى وضع الشيء في غير موضعهِ أحال إلى الموضع الأولِ الذي فَسَّرَ فيه معنى الظلمِ بشواهده من الشعر، فلما وردت كلمة الظلم بمعنى النقص، أورد لها من الشواهد الشعرية ما يدل على ورود الظلم في لغة العرب بِمعنى النَّقْصِ، وهذا من مراعاة السياق في التفسير والاستشهاد بالشواهد المناسبة للسياق من الشعر.

стр. 377

- ومن الأمثلة كذلك على مراعاة المفسرين للسياق عند إيرادهم للشاهد الشعري قول الطبري: «إن العرب قد تسمي اليقينَ ظنًا، والشك ظنًا، نظير تسميتهم الظلمة سُدْفةً، والضياءَ سُدفةً، والمغيثَ صارخًا، والمستغيث صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي تُسَمِّي بها الشيء وضده. ومما يدل على أنه يُسمَّى به اليقينُ، قولُ دُريدِ بن الصِّمَّةِ: فقلتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بِأَلفَي مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارسيِّ المُسَرَّدِ (١) يعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم. وقول عميرة بن طارق: بِأَنْ تغتروا قَومِي وأَقْعُدُ فيكمُ ... وأَجْعَلُ مِنِّي الظنَّ غَيبًا مُرَجَّمَا (٢) يعني: وأجعلُ مِنِّي اليقينَ غَيبًا مُرجَّمَا. والشواهد من أشعارِ العرب وكلامها على أَنَّ الظنَّ في معنى اليقينِ أكثرُ مِن أن تُحصى، وفيما ذكرنا لِمَن وُفِّقَ لفهمهِ كفايةٌ» (٣). ثم أحال في موضعٍ لاحقٍ وردَ فيه ذكرُ الظنِّ فقال: «وقد أتينا على البيان عن وجوه الظنِّ، وأَنَّ أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بِمَا يدلُّ على صحة ذلك فيما مضى، فكرهنا إعادته» (٤). وفي المواضع التي يأتي فيها الظن بِمَعنى الشكِّ لم يورد شواهد من الشعر لأنه يرى أن شواهده من الشعر لا تُحصى، حيث يقول: «فأَمَّا الظنُّ بِمَعنى الشكِّ، فأكثرُ مِنْ أَن تُحصى شواهدُه». وقال في موضع آخر: «والظنُّ في هذا الموضع الشك» (٥). فهو قد استشهد لمعنى الظن إذا ورد بمعنى اليقين وأحال في المواضع التالية إلى الموضع الأول الذي فسر فيه هذه اللفظة، فلما جاء

стр. 378

الظن بمعنى الشك لم يورد عليه شاهدًا من الشعر لشهرته بهذا المعنى، وقناعته بأن ورود الظن بمعنى الشك أشهر وأظهر من أن يستشهد عليه بشواهد من الشعر. وفعل الطبري هذا دليل على استحضاره ومراعاته الدقيقة للسيق العام للألفاظ القرآنية، ومراعاة ذلك بدقة في الاستشهاد بالشواهد الشعرية. - ومن الأمثلة كذلك على مراعاة المفسرين لسياق الآيات في إيراد الشواهد الشعرية قول ابن عطية وهو يشرح معنى الدِّيْنِ في اللغة وأنه يأتي لعدة معانٍ منها: الجزاء: «ومِنْ أَنْحاءِ اللفظةِ الدين: الجزاء، فمن ذلك قول الفِنْدِ الزِّمَّاني: ولم يبقَ سِوَى العُدوانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (١) أي: جازيناهم. ومنه قول كعب بن جعيل: إذَا مَا رَمَونَا رَمينَاهُمُ ... ودِنَّاهُمُ مثلَ ما يُقْرِضُونَا (٢) ومنه قول الآخر (٣): واعلَمْ يَقِينًا أَنَّ مُلككَ زَائِلٌ ... واعلَمْ بِأَنَّ كمَا تَدِينُ تُدَانُ» (٤). ثم عقَّبَ ابنُ عطية على هذه الشواهد فقال: «وهذا النحو من المعنى هو الذي يصلح لتفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٥) أي: يوم الجزاء على الأعمال والحساب بِهَا» (٦). وهذا مِن الاحتكامِ لِسِيَاقِ الآيات في اختيار المعنى المناسب في تفسير الآية الكريمة، وإيراد الشواهد الشعرية المناسبة للدلالة على هذا المعنى

стр. 379

بعينه (١). والأمثلة على مراعاة السياق في الاستشهاد بالشاهد الشعري كثيرة (٢). هذه هي المناهج والطرق التي سار عليها المفسرون في كتب التفسير في عرضهم وإيرادهم للشاهد الشعري، وأرجو أن لا يكون قد فاتني من هذه المناهج والطرقُ شيء ذو بال.

стр. 380

المبحث الثاني: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير . بعد الحديث عن منهج المفسرين في إيراد الشواهد الشعرية وطريقتهم في عرضها عند الاستشهاد بها في التفسير، يصل البحث إلى مكانة الشاهد الشعري بين غيره من الشواهد عند المفسرين، وهل اعتمد المفسرون اعتمادًا كليًا على الشاهد الشعري في التفسير؟ أم أن ذلك لم يكن إلا اعتضادًا به مع غيره من الشواهد؟ وإن كان المفسرون قد اعتمدوا على الشاهد الشعري فما مدى هذا الاعتماد؟ وكيف يمكن معرفة مقدار هذا الاعتماد؟ هذا ما سوف أعرض له في هذا المبحث. أولًا: اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري . - أهمية الشاهد: رُوي عن الإمام مالك أنه قال: «لا أوتى برجلٍ غير عالمٍ بلغاتِ العَرَبِ يفسرُ كتابَ الله إلا جعلتُه نَكَالًا» (١)، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الزناد عن أبيه قال: «ما تزندقَ مَنْ تزندقَ بالمشرقِ إِلَّا جهلًا بكلامِ العَربِ» (٢). ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط المفسر؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ونص على ذلك عدد من العلماء (٣)، وقد عني بذلك المفسرون

стр. 381

في كتب التفسير. ويدخل في المعرفة بلغة العرب معرفةُ شواهدِهَا من الشعر الذي اعتمد عليه العلماء في تقعيد القواعد، وشرح الغريب من القرآن والحديث. وقد ذُكِرَ أنَّ عمرو بن عبيد (١) أتى أبا عمرو بن العلاء فقال: «أفرأيت من وعده الله على عمله عقابًا يخلف وعده فيه؟ فقال أبو عمرو: أَمِنْ العُجْمَةِ أُتيتَ أَبَا عُثمان؟ إن الوعدَ غيرُ الوعيدِ ... والله إذا وَعَدَ وفَّى، وإذا أوعدَ ثُمَّ لم يفعلْ كان ذلك كَرَمًا وتفضلًا، وإنَّما الخُلْفُ أنْ تَعِدَ خيرًا ثم لا تفعله، قال: وأَجِدُ هذا في كلامِ العَربِ؟ قال: نعم، أما سَمعتَ قولَ الأولِ (٢): وَلا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ مَا عِشْتُ صَولَتِي ... ولا أَخْتَفِي مِنْ صَوْلَةِ المُتَهدِّدِ وإِنِّي وإِنْ أَوعَدُتُه أُو وَعَدتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعَادِي، ومُنْجِزُ مَوعِدِي (٣)» (٤) فأَرجعَ أبو عمرو بن العلاء عَدَمَ فهمِ عمرو بن عُبيدٍ إلى جَهلهِ بلغةِ العرب وعُجمتهِ، ولم يكن أبو عمرو بن العلاء يُجيبُ جوابًا إلا ويقرنه بِحُجةٍ وشَاهدٍ من الشعرِ، كما قال الأصمعي: «سألتُ أبا عمروٍ عن أَلفِ مسألةٍ، فأَجابني فيها بألفِ حُجِّةٍ» (٥). ومن ذلك قول الأصمعي: «سألت أبا عمرو عن قوله ﵎: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ [يس: ١٤] (٦) مُثقَّلةً، فقال: شددنا، وأنشد: أُجُدٌ إذا ضَمَرَتْ تَعَزَّزَ لَحْمُهَا ... وإذا تُشَدُّ بِنِسْعِهَا لا تَنْبِسُ (٧)» (٨).

стр. 382

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله ﷺ بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإن عامة ضلال أهل البدع كان بهذا السبب، فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله ﷺ على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (١). والشاهد له أهمية في جميع شؤون الحياة لأن الله رتب على الشاهدِ الأحكامَ الشرعية كما في آية المداينة (٢)، وآيات اللعان (٣)، وكذلك النبي ﷺ كما في إثبات دخول شهر رمضان ونحوه (٤). وأصبح من يأتي بالشاهد خارجًا عن المؤاخذة، يثق الناس بعلمه كما قال الجاحظ: «ونحن - حفظك الله - إذا استنطقنا الشاهدَ، وأَحَلْنَا على المَثَلِ، فالخصومة حينئذٍ إِنَّما هي بينهم وبينها» (٥). وكما قال ابن جني: «وإذا قام الشاهدُ والدليلُ، وضَحَ المنهجُ والسبيلُ» (٦). ولذلك لم يكن رواة الشعر وعلماؤه يقبلون تفسيرًا لا دليل عليه، ولا حجة تؤيده ولا سيما من الشعر، حتى قال الجاحظ بعد أن ذكر شيئًا عن العرب: «ولا بد من أن يكون على ذلك دليلٌ، إمَّا شِعْرٌ وإمَّا حديث، وإما أن يقول ذلك العلماءُ، فإِنْ جاءوا مع ذلك بشاهدٍ فهو أَصحُّ للخَبَرِ، وإن لم يأتوا بشاهدٍ فليس قولهم حجةً» (٧). وكان يرجح قولًا على آخر لوجود الشاهد من الشعر على أحدهما دون الآخر كما قال: «والقول الآخر أحق بالصواب لمكان الشاهد» (٨). والجاحظ

стр. 383

ممن عني بشواهد الشعر، والتأكيد على العناية بها في كتبه. وإذا كان هذا في جانب الأخبار والرواية فإن للشاهد في كتب المفسرين شأن آخر، فإن المتناول لكلام الله بالتفسير والبيان يكون في غاية الاحتياط والحذر، وقد بالغ المفسرون في الاحتياط والحذر لفهم معاني القرآن الكريم، فاستشهدوا بالقرآن وقراءاته، والحديث النبوي، والأخبار وكلام العرب شعرًا ونثرًا، غير أنَّ اعتمادهم على هذه الأساليب كان متفاوتًا من مُفسرٍ إلى آخر، كما يختلف في طبيعته، إذ يمكن التمييز فيه بين اتجاهين: اتجاهِ الاحتجاجِ والتقعيد عند المفسرين القدماء والعناية بتقوية أوجه الاستدلال، واتِّجاه توضيحيّ عند المتأخرين من المفسرين، يرى أنه قد فَرغَ القدماءُ من الاحتجاج، وأنَّهُ يُكتفى بالتوضيح لشواهدِ القُدماء (١). والشعر مِن أهمِّ ما استشهد به أهل العربية والمفسرونَ في بيان الدلالة اللغوية والاحتجاج للأحكام النحوية، وقد احتلَّ في كتب التفسير مَنْزِلةً هامةً، زادت من حيثُ الكمُّ عن غيرها، حيث بدا الشعرُ لديهم مادة غنيةً، وموئلًا واسعًا، يُعتمدُ عليه في الاحتجاج، والتوضيح، والتدليل، والترجيح. وقد كان لهم في ذلك منازعُ مختلفةٌ تبعًا لأسلوب كُلٍّ منهم وغايته، والمرحلة التي أَلَّفَ فيها تفسيره، إذ كان بعضهم يكثر الاعتماد عليه، وبعضهم يقتصد، وآخر يستأنس به استئناسًا. - حاجة المفسر إلى الشاهد الشعري: ليس هناك شواهد شعرية في كتب التفسير لكل لفظ في القرآن

стр. 384

الكريم لعدم الحاجة إلى ذلك، فهناك مسائل كثيرة ظاهرة لم يكن بالمفسرين حاجة للاستشهاد لها بالشاهد الشعري أو غيره، فلم يكونوا يستشهدون إلا فيما يَحتاجُ إلى شاهدٍ، من لفظٍ غريبٍ، أو تركيبٍ مُشكلٍ أو نحو ذلك. كما أن هناك ألفاظٌ لم ترد إلا في القرآن الكريم، وأخذ أهل اللغة معناها عن المفسرين، كلفظةِ «التَّفَثِ» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] (١) فليس لها شاهد من الشعر مع غرابتها، قال ابن دريد: «قال أبو عبيدة (٢): هو قصُّ الأظافر، وأَخذُ الشاربِ، وكُلُّ ما يَحرمُ على المُحْرِمِ إِلَّا النكاح، ولم يَجئْ فيه شِعْرٌ يُحتج به» (٣)، ويقول الزجاج: «والتَّفَثُ في التفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللغةِ لا يعرفونَهُ إِلَّا من التفسير» (٤). فقول ابن دريد: ولم يَجئ فيهِ شعرٌ يُحتجُّ بهِ، مِمَّا يدل على بَحثهِ وتطلبه للشاهدِ من الشِّعرِ، ولكنَّه لم يَجد. وقال ابن العربي أيضًا: «وهذه اللفظةُ لم يَجدْ أهلُ العربيةِ فيها شِعرًا، ولا أَحاطوا بِها خُبْرًا» (٥)، وعدم وجود شاهد لهذه اللفظة منقول عن أبي عبيدة، وقد وجد غيره شواهد لهذه اللفظة من شعر أمية بن أبي الصلت وغيره، وستأتي. وأما ما لا حاجة إلى الاستشهاد عليه لظهوره وبيانه، فإنهم لا يطلبون له الشواهد، وهو لا يَخرج عن إحدى الصور الآتية: - ألفاظ ظاهرة المعنى، لا لبس فيها ولا غموض، فلا يرى المفسر حاجةً إلى أن يأتي بشواهد من شعر العرب يوضح بها معنى هذه اللفظة. ومن ذلك قول الطبري بعد أن استشهد لمِجَيء الظنِّ بِمَعنى اليقين: «فأَمَّا الظنُّ بِمَعنى الشكِّ، فأكثرُ مِنْ أَن تُحصى شواهدُه» (٦). فلم يَرَ حاجةً إلى أن يورد شواهدَ من الشعرِ على أنَّ الظنَّ يأتي بمعنى الشك، لأنه هو

стр. 385

الأكثر في معناه (١). - أساليب ظاهرة من أساليب العرب، اشتهرت في كلامهم، ووردت في أشعارهم، وفي القرآن والسنة، حتى أصبحت معروفة واضحةً، والسامع لا يلتبس عليه المقصود، فلا يطلب المفسر لها شواهد من الشعر أو غيره. وقد ذكر ابن جني أسلوب حذف المضاف في اللغة، وذكر أن في القرآن منه ما يزيد على ألف موضع، ثم قال: «والأمر في هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له، أو شاهد عليه» (٢). ومن ذلك قول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] (٣) وهو يتحدث عن دخول «أن» في هذه الآية، وعدم دخولها في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [الحديد: ٨] (٤): «هما لغتان فصيحتان للعرب، تحذفُ «أَنْ» مرةً مع قولِهَا: مَالَكَ .... وهذا هو الكلام الذي لا حاجةَ بالمتكلمِ إلى الاستشهاد على صحتهِ، لفشو ذلك على أَلْسُنِ العربِ» (٥). ثم ذكر الوجه الآخر. فهو لا يرى حاجةً للشاهد إذا كان هذا الأسلوب شائع الاستعمال. ومن ذلك قول أبي جعفر النحاس وهو يوجِّه القول بأَنَّ مَجيء قولهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣] (٦) مِن بابِ التوكيد: «وهو كثيرٌ في كلام العرب، يستغني عن الاستشهاد» (٧). وهو يعني أن مثل هذا التوكيد أسلوب معروف عند العرب، مستغنٍ عن الاستشهاد له بشواهد من كلامهم شعرًا أو نثرًا. ومن ذلك قول أبي جعفر النحاس أيضًا وهو يفسر معنى قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] (٨)، وأن

стр. 386

المغضوب عليهم والضالين وإن كان لفظهما عامًا، إلا أن المقصود بهما اليهود والنصارى بدليل الحديث (١)، فَعَقَّبَ النحاسُ على ذلك بقوله: «فعلى هذا يكون عامًّا يُرادُ به الخاصُّ، وذلك كثير في كلام العرب، مُستغنٍ عن الشواهد لشهرته» (٢). - القواعد المشتهرة، بحيث تكون من مُسَلَّمَاتِ اللغة، كرفع الفاعل، ونصب المفعول ونحو ذلك، فهذا لا يطلب له المفسرون شواهد من الشعر لظهوره واشتهاره. ولذلك أمسك النحاة عن الاستشهاد على الفاعل بأنه اسم، أو أنه مرفوع، وأن المبتدأ يكون اسمًا، معرفةً ونحو ذلك من المسائل الظاهرة. ومن قواعدهم «أَنَّ مَن تَمسَّكَ بالأَصلِ خَرجَ عن عهدة المطالبة بالدليل، ومَنْ عَدَلَ عن الأصلِ افتقرَ إلى إقامةِ الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحد الأدلة المعتبرة» (٣). - مِمَّا أجْمعَ السلفُ على تفسيره فلا حاجة إلى الاستشهاد عليه لوجود الإجماع، ومن ذلك قول الطبري: «مع أن إجماع الأمة من منع التسمي به - أي الرحمن- جميع الناس ما يغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره» (٤). فوجود الإجماع على التفسير يلغي الحاجة إلى الاستشهاد بالشواهد الشعرية، لتقديم تفسير السلف وإجْماعهم. ولو تعارض تفسير الصحابي مع تفسير علماء اللغة فإن المفسرين يقدمون قول الصحابي، لكونه أعلم بالتفسير واللغة من المتأخرين، ولذلك يقول الطبري عند كلامه عن قولهم عن الشمس:

стр. 387

«دَلَكَتْ بِرَاحٍ» بكسر الباء: «فَمَن روى ذلك بكسر الباءِ فإنه يعني أَنه يضعُ الناظرُ كفَّه على حاجبهِ من شُعَاعها لينظرَ ما بَقي من غيابها، وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ: أَبي عُبيدة، والأصمعيِّ، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم. وقد ذكرتُ في الخَبَر الذي رويتُ عن عبد الله بن مسعودٍ أنه قال حين غَربت الشمسُ: دَلكتْ بِرَاحٍ، يعني بِرَاحٍ مَكَانًا. ولستُ أدري هذا التفسير - أَعني قولَه: بِرَاحٍ مَكانًا - مِن كلامِ مَن هو مِمَّن في الإسنادِ، أو مِنْ كلام عبد الله؟ فإن يكنْ من كلام عبد الله فلا شكَّ أنه كان أعلمَ بذلك من أهل الغريب الذين ذكرتُ قولَهم، وأن الصواب في ذلك قولُه دون قولهم. وإن لم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربية كانوا أعلم بذلك» (١). فهو يذهب إلى تقديم قول ابن مسعود وطبقة الصحابة والتابعين على علماء اللغة في أمور اللغة أيضًا، لسبقهم وعلمهم. والعرب ليسوا في فهم القرآن، والعلم به على درجة واحدةٍ، كما أنهم في معرفة لغتهم متفاوتون، فبعضهم أعلم بها من بعض، ومِنْ ثَمَّ احتيجَ إلى التفسير، ولذلك عندما سُئِل ابن قتيبة عن ذلك أجاب بأَنَّ «العربَ لا تستوي في المعرفة بِجَميع ما في القرآن من الغريب، والمتشابه، بل لبعضها الفضلُ في ذلك على بعضٍ .... ليس كلها تستوي في العلم به، ولا كلامها كله واضحًا عندها، بل منه المبتذل، ومنه الغريب الوحشي الذي إنما يعرفه العالم منهم» (٢). - عناية المفسرين بالشعر وحفظه للاستشهاد . كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من علماء السلف أهل عناية بلغة العرب وشعرها، بل كانت عائشة ﵂، وابن عباس ﵄ من أحفظ الصحابة للشعر، وأكثرهم روايةً له، وقد استمر هذا النهج العلمي بعد ذلك، غير أنه قد أخذ في الاتجاه إلى التخصص، فَبَرزَ من بين العلماء

стр. 388

من عُنِيَ بالشعر الذي يشتمل على شواهد اللغة، وشواهد القرآن، وشواهد النحو وغيرها، حتى قال الجاحظ: «لم أَرَ غايةَ النحويين إِلا كُلُّ شِعْرٍ فيه إعرابٌ، ولم أر غايةَ رواة الأشعارِ إِلَّا كل شعرٍ فيه غريبٌ أو معنى صعبٌ يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعرٍ فيه الشاهد والمثل» (١). مما يشير إلى ظهور التخصص في حفظ الشواهد وطلبها مبكرًا، وقد حرصوا على هذه الشواهد، وتنافسوا في تدوينها، وسافروا في طلبها إلى البوادي، كل ذلك خدمةً للغة القرآن الكريم، ورغبة في تقعيد قواعدها خوفًا عليها من الاختلال. وقد ذكر أصحاب التراجم شيئًا من أخبارهم في ذلك، فقد ذُكِرَ أنَّ أَبانَ بن تغلب (ت ١٤١ هـ) كان لغويًا قارئًا، لقي العربَ وسَمِعَ منهم، وصنَّفَ كتابَ الغريب في القرآن وذكر شواهدَه من الشِّعر (٢)، وذكر الأزهريُّ أَنَّ عليَّ بن المباركِ الأَحْمر (ت ١٩٤ هـ) كان يحفظُ ثلاثين ألفَ بيتٍ من الشعر من المعاني والشواهد (٣)، وقد أخذها عنه ورواها أبو مسحل الأعرابي، وكان العلماء يأخذونها عنه، وقد ندم ثعلب أن لم يكن أخذها عن أبي مسحل (٤). وذكر أبو علي القالي أَنَّ محمدَ بن القاسم الأنباريِّ (ت ٣٢٨ هـ) كان يَحفظُ ثَلاثَمائة ألف بيتٍ شاهدًا في القرآن (٥)، ولم يُسمع بأحفظ منه لشواهدِ القرآنِ. وفي ترجَمة عبد الله بن عطية الدمشقي (ت ٣٨٣ هـ) أنه كان يَحفظ خَمسين ألف بيتِ شِعْرٍ في الاستشهاد على معاني القرآن (٦). وذَكَرَ مُحمدُ بن أحمدَ الشَّنَّبوذِيُّ (ت ٣٨٨ هـ) عن نفسهِ أنه يَحفظُ

стр. 389

خَمسينَ ألف بيتٍ من الشِّعرِ شواهد للقرآن (١)، وذكر الذهبيُّ أنَّ عبد الوهاب بنَ مُحمدٍ الشيرازيَّ (ت ٥٠٠ هـ) صنَّفَ تفسيرًا للقرآن، ضَمَّنَهُ مائةَ ألف بيتٍ من الشواهد الشعرية (٢)، وذكر السهيلي أنه رآه، وسمع ما فيه من الشواهد الشعرية المؤكدة لفصاحته (٣). ومع ما قد يكون في هذه الأخبار من المبالغة، إلا أنها تدل على عناية المفسرين، واحتفالهم بشواهد الشعر، لتكون عونًا لهم في تفسير القرآن، وشرح غريبه، والاحتجاج لقواعد اللغة ونحوها وصرفها. وقد أَكَّدَ المفسرون في كتبهم - ولا سيما في مقدمات التفاسير - على أهمية العناية بشعر العرب المُحتج به، في فهم القرآن الكريم، ومعرفة معاني ألفاظه من حيث العربية، ووجوب العناية به وفهمه للتمكن من فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا، ومن ذلك قول الطبري في معرض حديثه عن أولى المفسرين بإصابة الحق في تفسيره: «فأحق المفسرين بإصابة الحق .... أوضحهم حجة فيما تأول وفسر .... وأصحُّهم برهانًا - فيما ترجم وبَيَّنَ مِن ذلك - مِمَّا كان مُدركًا علمهُ مِنْ جِهَةِ اللسانِ إِمَّا بالشواهدِ مِن أَشعارِهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة» (٤). فبَيَّنَ الطبريُّ أهمية اعتضاد المفسر بالشواهد التي تصحح تفسيره، وتُبَرْهِنُ على صحة قوله، وقد سار الطبري على هذا النهج وسيأتي لذلك مزيد بيان. وقد ذكر الإمام الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) المُفَسِّرُ أنه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي ثم قال: «وقرأت عليه الكثير من

стр. 390

الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي ﵀ يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تُبْقِ ديوانًا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداءُ من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ﵀. فقلتُ: يا أبتِ إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أُحْكِمِ الأدب بِجِدٍّ وتَعَب، لم أَرْمِ في غَرضِ التفسيرِ عَنْ كَثَب ... » (١). وقد ظهر أثر إجادة الواحدي للغة، وعنايته بدواوين الشعر في مصنفاته في التفسير، ولا سيما كتابه «البسيط» فقد أورد فيه عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية يستشهد بها في تفسير القرآن (٢). ويقول مَجْدُ الدين الرُّوذْرَاوَرِيُّ (٣): «ومَنْ ظَنَّ أَنَّ القرآنَ يُفهمُ كما ينبغي من غير تحقيق كلام العرب، وتتبع أشعارهم، وتدبرها كما يجب فهو مُخطِئٌ. كان ابن عباس ﵄ حَبْرَ هذه الأمة، ومفتيها، ومفسِّرَ القرآن، وقد قال تلميذه عكرمة: أنه كان إذا سئل عن مشكل في القرآن يفسره ويستدل عليه ببيت من شعر العرب، ثم يقول: الشعر ديوان العرب» (٤). وليس المفسرون فحسب مَن اعتمدَ على الشعر في فَهمِ القرآن الكريم، بل شاركهم في ذلك غيرهم من أهل الحديث،
следующие страницы →