← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المغضوب عليهم والضالين وإن كان لفظهما عامًا، إلا أن المقصود بهما اليهود والنصارى بدليل الحديث (١)، فَعَقَّبَ النحاسُ على ذلك بقوله: «فعلى هذا يكون عامًّا يُرادُ به الخاصُّ، وذلك كثير في كلام العرب، مُستغنٍ عن الشواهد لشهرته» (٢). - القواعد المشتهرة، بحيث تكون من مُسَلَّمَاتِ اللغة، كرفع الفاعل، ونصب المفعول ونحو ذلك، فهذا لا يطلب له المفسرون شواهد من الشعر لظهوره واشتهاره. ولذلك أمسك النحاة عن الاستشهاد على الفاعل بأنه اسم، أو أنه مرفوع، وأن المبتدأ يكون اسمًا، معرفةً ونحو ذلك من المسائل الظاهرة. ومن قواعدهم «أَنَّ مَن تَمسَّكَ بالأَصلِ خَرجَ عن عهدة المطالبة بالدليل، ومَنْ عَدَلَ عن الأصلِ افتقرَ إلى إقامةِ الدليل؛ لعدوله عن الأصل، واستصحابُ الحال أحد الأدلة المعتبرة» (٣). - مِمَّا أجْمعَ السلفُ على تفسيره فلا حاجة إلى الاستشهاد عليه لوجود الإجماع، ومن ذلك قول الطبري: «مع أن إجماع الأمة من منع التسمي به - أي الرحمن- جميع الناس ما يغني عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بقول الحسن وغيره» (٤). فوجود الإجماع على التفسير يلغي الحاجة إلى الاستشهاد بالشواهد الشعرية، لتقديم تفسير السلف وإجْماعهم. ولو تعارض تفسير الصحابي مع تفسير علماء اللغة فإن المفسرين يقدمون قول الصحابي، لكونه أعلم بالتفسير واللغة من المتأخرين، ولذلك يقول الطبري عند كلامه عن قولهم عن الشمس:

стр. 387

«دَلَكَتْ بِرَاحٍ» بكسر الباء: «فَمَن روى ذلك بكسر الباءِ فإنه يعني أَنه يضعُ الناظرُ كفَّه على حاجبهِ من شُعَاعها لينظرَ ما بَقي من غيابها، وهذا تفسيرُ أهلِ الغريبِ: أَبي عُبيدة، والأصمعيِّ، وأبي عمرو الشيباني، وغيرهم. وقد ذكرتُ في الخَبَر الذي رويتُ عن عبد الله بن مسعودٍ أنه قال حين غَربت الشمسُ: دَلكتْ بِرَاحٍ، يعني بِرَاحٍ مَكَانًا. ولستُ أدري هذا التفسير - أَعني قولَه: بِرَاحٍ مَكانًا - مِن كلامِ مَن هو مِمَّن في الإسنادِ، أو مِنْ كلام عبد الله؟ فإن يكنْ من كلام عبد الله فلا شكَّ أنه كان أعلمَ بذلك من أهل الغريب الذين ذكرتُ قولَهم، وأن الصواب في ذلك قولُه دون قولهم. وإن لم يكن من كلام عبد الله، فإن أهل العربية كانوا أعلم بذلك» (١). فهو يذهب إلى تقديم قول ابن مسعود وطبقة الصحابة والتابعين على علماء اللغة في أمور اللغة أيضًا، لسبقهم وعلمهم. والعرب ليسوا في فهم القرآن، والعلم به على درجة واحدةٍ، كما أنهم في معرفة لغتهم متفاوتون، فبعضهم أعلم بها من بعض، ومِنْ ثَمَّ احتيجَ إلى التفسير، ولذلك عندما سُئِل ابن قتيبة عن ذلك أجاب بأَنَّ «العربَ لا تستوي في المعرفة بِجَميع ما في القرآن من الغريب، والمتشابه، بل لبعضها الفضلُ في ذلك على بعضٍ .... ليس كلها تستوي في العلم به، ولا كلامها كله واضحًا عندها، بل منه المبتذل، ومنه الغريب الوحشي الذي إنما يعرفه العالم منهم» (٢). - عناية المفسرين بالشعر وحفظه للاستشهاد . كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم من علماء السلف أهل عناية بلغة العرب وشعرها، بل كانت عائشة ﵂، وابن عباس ﵄ من أحفظ الصحابة للشعر، وأكثرهم روايةً له، وقد استمر هذا النهج العلمي بعد ذلك، غير أنه قد أخذ في الاتجاه إلى التخصص، فَبَرزَ من بين العلماء

стр. 388

من عُنِيَ بالشعر الذي يشتمل على شواهد اللغة، وشواهد القرآن، وشواهد النحو وغيرها، حتى قال الجاحظ: «لم أَرَ غايةَ النحويين إِلا كُلُّ شِعْرٍ فيه إعرابٌ، ولم أر غايةَ رواة الأشعارِ إِلَّا كل شعرٍ فيه غريبٌ أو معنى صعبٌ يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعرٍ فيه الشاهد والمثل» (١). مما يشير إلى ظهور التخصص في حفظ الشواهد وطلبها مبكرًا، وقد حرصوا على هذه الشواهد، وتنافسوا في تدوينها، وسافروا في طلبها إلى البوادي، كل ذلك خدمةً للغة القرآن الكريم، ورغبة في تقعيد قواعدها خوفًا عليها من الاختلال. وقد ذكر أصحاب التراجم شيئًا من أخبارهم في ذلك، فقد ذُكِرَ أنَّ أَبانَ بن تغلب (ت ١٤١ هـ) كان لغويًا قارئًا، لقي العربَ وسَمِعَ منهم، وصنَّفَ كتابَ الغريب في القرآن وذكر شواهدَه من الشِّعر (٢)، وذكر الأزهريُّ أَنَّ عليَّ بن المباركِ الأَحْمر (ت ١٩٤ هـ) كان يحفظُ ثلاثين ألفَ بيتٍ من الشعر من المعاني والشواهد (٣)، وقد أخذها عنه ورواها أبو مسحل الأعرابي، وكان العلماء يأخذونها عنه، وقد ندم ثعلب أن لم يكن أخذها عن أبي مسحل (٤). وذكر أبو علي القالي أَنَّ محمدَ بن القاسم الأنباريِّ (ت ٣٢٨ هـ) كان يَحفظُ ثَلاثَمائة ألف بيتٍ شاهدًا في القرآن (٥)، ولم يُسمع بأحفظ منه لشواهدِ القرآنِ. وفي ترجَمة عبد الله بن عطية الدمشقي (ت ٣٨٣ هـ) أنه كان يَحفظ خَمسين ألف بيتِ شِعْرٍ في الاستشهاد على معاني القرآن (٦). وذَكَرَ مُحمدُ بن أحمدَ الشَّنَّبوذِيُّ (ت ٣٨٨ هـ) عن نفسهِ أنه يَحفظُ

стр. 389

خَمسينَ ألف بيتٍ من الشِّعرِ شواهد للقرآن (١)، وذكر الذهبيُّ أنَّ عبد الوهاب بنَ مُحمدٍ الشيرازيَّ (ت ٥٠٠ هـ) صنَّفَ تفسيرًا للقرآن، ضَمَّنَهُ مائةَ ألف بيتٍ من الشواهد الشعرية (٢)، وذكر السهيلي أنه رآه، وسمع ما فيه من الشواهد الشعرية المؤكدة لفصاحته (٣). ومع ما قد يكون في هذه الأخبار من المبالغة، إلا أنها تدل على عناية المفسرين، واحتفالهم بشواهد الشعر، لتكون عونًا لهم في تفسير القرآن، وشرح غريبه، والاحتجاج لقواعد اللغة ونحوها وصرفها. وقد أَكَّدَ المفسرون في كتبهم - ولا سيما في مقدمات التفاسير - على أهمية العناية بشعر العرب المُحتج به، في فهم القرآن الكريم، ومعرفة معاني ألفاظه من حيث العربية، ووجوب العناية به وفهمه للتمكن من فهم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا، ومن ذلك قول الطبري في معرض حديثه عن أولى المفسرين بإصابة الحق في تفسيره: «فأحق المفسرين بإصابة الحق .... أوضحهم حجة فيما تأول وفسر .... وأصحُّهم برهانًا - فيما ترجم وبَيَّنَ مِن ذلك - مِمَّا كان مُدركًا علمهُ مِنْ جِهَةِ اللسانِ إِمَّا بالشواهدِ مِن أَشعارِهم السائرة، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة» (٤). فبَيَّنَ الطبريُّ أهمية اعتضاد المفسر بالشواهد التي تصحح تفسيره، وتُبَرْهِنُ على صحة قوله، وقد سار الطبري على هذا النهج وسيأتي لذلك مزيد بيان. وقد ذكر الإمام الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) المُفَسِّرُ أنه درس اللغة ودواوين الشعراء على شيخه العروضي ثم قال: «وقرأت عليه الكثير من

стр. 390

الدواوين، وكتب اللغة، حتى عاتبني شيخي ﵀ يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تُبْقِ ديوانًا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداءُ من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار، يعني الأستاذ الإمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ﵀. فقلتُ: يا أبتِ إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أُحْكِمِ الأدب بِجِدٍّ وتَعَب، لم أَرْمِ في غَرضِ التفسيرِ عَنْ كَثَب ... » (١). وقد ظهر أثر إجادة الواحدي للغة، وعنايته بدواوين الشعر في مصنفاته في التفسير، ولا سيما كتابه «البسيط» فقد أورد فيه عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية يستشهد بها في تفسير القرآن (٢). ويقول مَجْدُ الدين الرُّوذْرَاوَرِيُّ (٣): «ومَنْ ظَنَّ أَنَّ القرآنَ يُفهمُ كما ينبغي من غير تحقيق كلام العرب، وتتبع أشعارهم، وتدبرها كما يجب فهو مُخطِئٌ. كان ابن عباس ﵄ حَبْرَ هذه الأمة، ومفتيها، ومفسِّرَ القرآن، وقد قال تلميذه عكرمة: أنه كان إذا سئل عن مشكل في القرآن يفسره ويستدل عليه ببيت من شعر العرب، ثم يقول: الشعر ديوان العرب» (٤). وليس المفسرون فحسب مَن اعتمدَ على الشعر في فَهمِ القرآن الكريم، بل شاركهم في ذلك غيرهم من أهل الحديث،

стр. 391

والسيرة (١)، واللغة، وقد جعل السيوطيُّ من آداب طالبِ اللغةِ العنايةَ بِحفظِ أشعارِ العرب، مبينًا قيمة هذا الحفظ في التفسير فقال: «وَلْيَعْتَنِ بِحفظِ أشعارِ العَربِ؛ فإن فيه حِكَمًا ومواعظ وآدابًا، وبه يُستعانُ على تفسير القرآن والحديث» (٢). - عدم الالتفات إلى موضوع الشواهد: لم يعتن المفسرون بموضوعات الشواهد ومضامينها، بقدر ما كانت عنايتهم بلغتها ونَظْمِها، ومن مظاهر اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري تجوزهم في الاستشهاد بكثير من الشواهد الشعرية التي تتضمن معنى لا يليق ذكره، وقد فسر العلماء ألفاظ القرآن الكريم، ووضحوا معانيه بأبيات بعض الشعراء التي فيها ذكرُ الفُحشِ والفِعْلِ السيء، ولم تكن غايتهم من هذا الاستشهاد أن ينصروا باطلًا، أو يظهروا قبحًا، وإنما كان غرضهم من ذلك لغويًا، وهو تفسير غريب القرآن بالشعر، وقد سبق قول الجرجاني: «وقد استشهد العلماء لغريب القرآن وإعرابه بالأبيات التي فيها الفحش، وفيها ذكر الفعل القبيح، ثم لم يُعِبْهُم ذلك؛ إذ كانوا لم يقصدوا إلى ذلك الفحش ولم يريدوه، ولم يرووا الشعر من أجله» (٣). وقال الشنقيطي (ت ١٣٩٣) بعد استدلاله بشاهد فيه معنى قبيح على تفسير آية قرآنية: «وقصدنا بهذا الكلام الخبيث بيان لغة العرب، لا المعاني الخسيسة التافهة؛ لأن معاني لغة العرب يستفاد منها ما يعين على فهم كتاب الله وسنة رسوله، وإن كان مفرغًا في معاني خسيسة تافهة، فنحن نقصد مطلق اللغة، لا المعاني التافهة التي هي تابعة لها» (٤).

стр. 392

وقد دافع الجرجاني عن رأيه هذا، بأن الشعراء وإن ذُمُّوا في القرآن فإن ذلك لا يكون سببًا في ذم الشعر وعدم الاستشهاد به في تفسير غريب القرآن؛ لأنه يبعد عن الغرض الذي له روي الشعر، ومن أجله أُرِيدَ وله دُوِّنَ، وأن ذاك يلزم منه أن يعيبَ العلماءَ في استشهادهم بشعر امرئ القيس، وأشعار أهل الجاهلية في تفسير القرآن، وفي غريبة وغريب الحديث (١). ويقول الألوسي: «وقد ذم العلماء جريرًا والفرزدق في تهاجيهما، ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم اللسان» (٢)، ولذلك لم يبال الرواة - في الغالب- بما اشتملت عليه الأشعار من سفاهات في معانيها، إذا كانت من حيث اللغة حجةً، ولذلك يقول الرافعي: «ولا يبالي الرواة في هذه الشواهد إلا باللفظ، فيستشهدون بكثير من كلام سفهاء الأعراب وأجلافهم، ولا يأنفون أن يعدوا من ذلك أشعارهم التي فيها الخنا والفحش؛ لأنهم يريدون منها الألفاظ وهي حروف طاهرة» (٣). وهناك فريق من العلماء لم يكن يرى التساهل برواية مثل هذه الشواهد، فقد كان أبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) وهو إِمامُ العلماء الرواة لا يرى رواية شعر أبي نواس، ويعزو سبب ذلك إلى مضمون شعره لا إلى لغته، حيث يقول: «لولا ما أخذَ فيه أبو نواس من الإِرفاثِ لاحتَجَجْنَا بِشعرهِ» (٤)، وقال أبو عمرو الشيباني: «لولا أَنَّ أبا نواس أَفسد شعره بهذه الأقذار لاحتججنا به، لأَنَّهُ مُحكمُ القَول لا يُخطئ» (٥)، غير أن شعرهم روي لقيمة شواهده، ولم يغلب هذا الرأي المخالف في رواية

стр. 393

شعرهم على العلماء من بعدُ، وقد اعتذر الجاحظ للشعراء بأنهم إنما يتكلمون بمثل هذا الشعر مع الغضب، وضيق الصدر، طلبًا للتشفي، وإدخال الغيظ على المقصود بالشعر، ولم يقدروا فيه أن الناس يجعلون قوله ذلك شاهدًا يستشهدون به (١)، وهذا اعتذار لطيف، وإذا تأملت الشواهد التي على هذه الشاكلة وجدتها لا تخرج عن باب الهجاء أو النسيب الفاحش الذي هو إلى الهجاء أقرب منه إلى النسيب. وتظهر أهمية مثل هذا المنهج في أن كثيرًا من شعر أهلِ الجاهليةِ خاصة وبعض شعر الإسلام لا يَخلو من بعضِ الألفاظِ المستقبحةِ، فمَن استبعدها من شواهده فَرَّطَ في كثير من الحروف والشواهد التي يستدلُّ بِها على لغة القرآن وتفسيرها. والأمثلة على تجوز المفسرين في الاستشهاد بمثل هذا الشعر مبثوثة في كتب التفسير (٢)، وإن كان بعض الرواة والعلماء قد يغيّر تلك اللفظة القبيحة بِمَا يَحفظ للبيت وزنه، وقد يذهب بِمَحلِّ الشاهد منه، تحرجًا من ذكر هذه الألفاظ (٣). وقد حاول العسكريُّ ومن قبله ابنُ قتيبة والجاحظ تَسويغ عَملِ العلماءِ هذا، وروايتهم لمثلِ هذا الشعر فقال: «على أَنَّ العلماء لو تركوا روايةَ سخيفِ الشعرِ لَسقطتْ عنهم فوائدُ كثيرةٍ، ومَحاسنُ جَمَّةٌ موفورةٌ في مثل شعرِ الفرزدقِ، وجرير، والبُعيث، والأخطلِ وغيرهم» (٤). وقد ظهر لي من تتبع صنيع المفسرين في التعامل مع الشواهد التي

стр. 394

اشتملت على ما لا يليق ذكره في تفسير القرآن، أن من المفسرين الأئمة الكبار من يذكرها ولا يتحرج من إيرادها، حيث تفوق رغبته في البيان والإيضاح، تحرجه من إيراد مثل هذه الشواهد في التفسير، ومنهم من يعرض عنها مع علمه بها من باب فعل ما يراه أولى وأليق بتفسير القرآن. وأضرب لذلك مثالًا بِمَا فعله ابن جرير عند تفسيره (١) لقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] (٢) حيثُ استشهدَ ببيتٍ ليزيدَ بنِ مُفرِّغٍ الحِميريِّ (٣) فيه لفظٌ لَمْ تَجْرِ عادةُ أهلِ المروءاتِ بالتصريح به، وقد نقل المفسرون بعد الطبري عن تفسيره كثيرًا من شواهده الشعرية مع الإشارة إلى ذلك في أحيان كثيرة، وعدم الإشارة في أحيان كثيرة أيضًا، إلا أنهم قد أعرضوا عن ذكر هذا الشاهد، ولم يوردوه. فأعرض عنه الزجاج (٤)، وأبو جعفر النَّحاس (٥)، والزمخشري (٦)، وابن عطية (٧)، والرازي (٨)، والقرطبي (٩)، وأبو حيان (١٠)، والسَّمينُ الحلبيُّ (١١)، وكلهم من أهل العناية بشواهد الشعر في شرح غريب القرآن.

стр. 395

ولم يذكره أصحاب كتب ألفاظ القرآن ومفرداته مع عنايتهم بالشواهد (١). ومِنْ قَبْلِ الطبري لم يذكره أبو عبيدة (٢)، ولا ابن قتيبة (٣)، ولا ابن الأنباري (٤)، مع عنايتهم بالشواهد الشعرية. ومِمَّا يؤكد منهج ابن جرير في مثل هذه الشواهد أنه كرر الاستشهاد بهذا الشاهد على معنى التبذير في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] (٥)، مما يعني عدم تحرجه من ذكرها، وأن الهدف التعليمي أولى بالعناية، وأهم من هذا التحرج (٦). وإن كان المفسرون ربما تجوزوا في نقل الشاهد فيه اللفظة يستحيا منها، إذا لم يكن بُدٌّ من ذكره، كما نقلوا مثل ذلك عن ابن عباس ﵄ (٧). ثانيًا: مدى اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري في التفسير . تبين أن المفسرين قد اعتمدوا على الشاهد الشعري في تفاسيرهم، غير أن هناك حاجة لمعرفة مقدار اعتمادهم على الشاهد الشعري، ومكانته بين بقية شواهد المفسرين من القرآن والسنة ومنثور كلام العرب، ويمكن قياس هذا الاعتماد من خلال الصور الآتية: - عدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير . من المقاييس التي يمكن بها قياس مدى اعتماد المفسرين على

стр. 396

الشاهد الشعري معرفة عدد الشواهد الشعرية في كتب التفسير وتنوعها، وقد أحصيتُ الشواهدَ الشعريةَ في كتب التفسير التي درستها في هذه الرسالة، وأضفت إليها ما وجدته من غيرها من التفاسير المشهورة المعتمدة ليتضح لك حجم الرواية الشعرية في كتب التفسير، وعدد الشواهد فيها، فكانت على النحو الآتي: م ... الكتاب ... المؤلف ... عدد الشواهد ١ ... جامع البيان في تأويل آي القرآن ... أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ... ٢٢٦٠ ٢ ... الكشاف ... جار الله بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) ... ٩٠١ ٣ ... المُحرر الوجيز ... عبدالحق بن غالب بن عطية (ت ٥٤١ هـ) ... ١٩٨١ ٤ ... زاد المسير في التفسير ... عبدالرحمن بن علي بن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) ... ٧٣٤ ٥ ... الجامع لأحكام القرآن ... أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (ت ٦٧١ هـ) ... ٤٨٠٧ ٦ ... البحر المُحيط ... أبو حيان الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ) ... ٧٢٣ (١) ٧ ... الدر المصون ... أحمد بن يوسف السمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ) ... ٤٦٨٦ (٢) ٨ ... أنوار التنْزِيل وأسرار التأويل ... البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) ... ٢٦٦ تَدلُّ كثرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير على أهميته، وعناية المفسرين به كشاهدٍ على معاني ألفاظ القرآن الكريم، ومُعِينٍ على فهمها

стр. 397

كما كانت العرب زمنَ نزول الوحي تفهمُها، وقد تقدم ما صنفه العلماء من تفاسير اشتملت على أكثر مما اشتملت عليه التفاسير المطبوعة التي بين أيدي الناس اليوم من شواهد الشعر. غير أن هذه الكثرة للشواهد الشعرية لا تعني أَنَّهَا كانت مقصودةً لذاتِها في التفسير، وإِنَّمَا هي وسيلة ضمنَ وسائل يستعين بها المفسر على إيضاح معاني القرآن الكريم وتقريبها، إلا أَنَّها من أهم الوسائل، ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط المفسر؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ونص على ذلك عدد من العلماء (١)، وقد عني بذلك المفسرون في كتب التفسير. وليست مسائل اللغة والنحو دخيلة على كتب التفسير، غير أنها ليست من صميم مسائله، ولذلك أشار بعض المفسرين في مواضع إلى أنهم عندما يطيلون في المناقشات اللغوية في بعض الآيات فإنَّما يكون ذلك لخدمة معنى الآيات القرآنية وتوضيحها، وليس قصدًا إلى هذه العلوم وشرحها، مع حرصهم على الاختصار وعدم الاسترسال في ذلك، ومن ذلك قول الطبري عندما رأى أنه قد أطال في نقاشاته النحوية في مسألة من تفسيره: «وإِنَّما اعترضنا بِما اعترضنا في ذلك من بَيانِ وجوهِ إعرابه - وإن كان قصدُنا في هذا الكتاب الكشفَ عن تأويلِ آي القرآن - لِمَا في اختلاف وجوهِ إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويله، فاضطرتنا الحاجةُ إلى كشفِ وجوه إعرابه، لنكشفَ لطالب تأويلهِ وجوهَ تأويله، على قَدْرِ اختلافِ المُختلفةِ في تأويله وقراءته» (٢). وهذا يعني أنه لم يتعرض للمسائل النحوية واللغوية إلا بمقدار ما يخدمُ بيانَ وإيضاحَ معاني الآيات المفسَّرة.

стр. 398

وهناك من المفسرين من يقتصد في التعرض لبعض المسائل النحوية ذات العلاقة بالتفسير، ويحيل القارئ إلى الكتب الموسعة في ذلك، كما قال الرازي: «لفظة «كان» قد تكون تامةً، وناقصةً، وزائدةً، على ما هو مشروح في النحو» (١). وقول أبي حيان -وهو من المكثرين من النقاشات النحوية في تفسيره - وهو يتحدث عن معنى «إِلَّا»: «إلا حرفٌ، وهو أَصلٌ لأدوات الاستثناء، وقد يكونُ ما بعده وصفًا، وشرطُ الوصف به جوازُ صلاحية الموضع للاستثناء، وأحكام «إِلَّا» مُستوفاةٌ في علم النحو» (٢)، ونحو ذلك من العبارات، مِما يدل على أن المفسرين - على تعدد مناهجهم - كانوا يحرصون على البقاء في دائرة التفسير، وعدم الخروج بالتفسير عن إطاره إلى الاستطراد في مسائل خارجة عن صلب التفسير. - كثرة الاعتماد على شاهد شعري مفرد في كثير من المسائل . في مواضع متفرقة، ومسائل متعددة في كتب التفسير يكتفي المفسرون بالشاهد الشعري دون غيره من الشواهد، ويبنون عليه تفسيرهم ولا سيما تفسير الغريب، أو الوجه النحوي أو غير ذلك. وهذا يدل على اعتمادهم للشاهد الشعري، وأنه يستقل بالدلالة اللغوية وما يتصل بها. ولا سيما إذا لم يرد في القرآن الكريم ما يفسر الآية، أو لم يرد عن النبي ﷺ أو الصحابة أو التابعين في ذلك تفسير، فيكون الأولى عند عدم وجود تفسير لهم المصيرَ إلى ما وردَ في لغة العرب التي يُعَدُّ الشاهدُ الشعريُّ من أهم صُورها، ولذلك يقول الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣] (٣)، بعد إيراده لأقوال المفسرين فيها: «والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد كحَديدةِ الرَّحى،

стр. 399

وكما ذكر عن الحسنِ كطاحونة الرحى، وجائزٌ أن يكونَ مَوجًا مَكفُوفًا، وأن يكونَ قُطبَ السماءِ؛ وذلك أَنَّ الفَلَكَ في كلامِ العربِ هو كُلُّ شيءٍ دائرٍ، فجمعه أفلاك. وقد ذكرتُ قولَ الرَّاجزِ (١): بَاتَتْ تُنَاصِي الفَلَكَ الدَّوَّارَا (٢) وإذا كان كلُّ ما دار في كلامها فَلَكًا، ولم يكن في كتاب اللهِ، ولا في خَبَرٍ عن رسول الله ﷺ ، ولا عمَّنْ يقطعُ قولهُ العُذرَ، دليلٌ يدل على أَيِّ ذلكَ هو مِن أَيٍّ، كان الجوابُ أَن نقولَ فيه ما قالَ، ونسكتَ عمَّا لا علمَ لنا به» (٣). فقد بَيَّنَ الطبري أنه عند عدم وجود التفسير من القرآن أو السنة الصحيحة، أو الصحابي الحجة أو نحوه من التابعين، فإنه يصار إلى ما في اللغة الصحيحة بشواهدها الموثوقة، ويكتفى بذلك. ويؤكد الطبري على هذا المعنى من وجه آخر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ٢] (٤) فيقول: «الصَّمَدُ عندَ العربِ هو السَّيدُ الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحدَ فَوقهُ، وكذلك تُسمِّي أشرافَها، ومنه قولُ الشاعر (٥): أَلا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيْريْ بَنِي أَسَدْ ... بِعَمروِ بنِ مَسعودٍ وبِالسَّيّدِ الصَّمَدْ (٦) وقال الزِّبْرِقَانُ: ولا رهينةَ إِلَّا سَيّدٌ صَمَدُ (٧) فإن كان ذلكَ كذلك، فالذي هو أَولى بتأويل الكلمةِ، المعنى

стр. 400

المعروفُ مِنْ كلام مَنْ نزل القرآنُ بلسانه، ولو كان حديثُ ابن بريدةَ عن أبيه (١) صحيحًا كانَ أولى الأقوال بالصحةِ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ أعلمُ بِما عَنى اللهُ جلَّ ثناؤه، وبِما أُنزلَ عليه» (٢). فأشار الطبري إلى أن الأولى بتأويل الآية عند عدم ثبوت تفسير لها عن السلف، هو ما ورد في لسان العرب من معناها. وأَمَّا إذا وافق الشاهد الشعري مأثورًا عن السلف في تفسير الآية فيكون ذلك أولى بِحَمل معنى الآية عليه ولا خلاف في ذلك بين المفسرين، ومن ذلك قول الطبري وهو يفسر معنى قوله تعالى: ﴿طه﴾ وذلك بعد أن ساق الأقوال المروية في تفسيرها: «والذي هو أولى بالصواب عندي من الأقوال فيه قول من قال: معناه: يا رَجُلُ؛ لأَنّها كلمة معروفة في عَكٍّ (٣) فيما بلغني، وأَنَّ معناها فيهم: يا رَجلُ، وأُنشدَ لِمُتمِّمِ بن نُويرة: هَتَفْتُ بِطَهَ في القِتَالِ فلمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَليهِ أَنْ يكونَ مُوائِلا (٤) وقال آخر (٥): إِنَّ السَّفَاهةَ طَهَ في خَلائِقِكُمْ ... لا بَاركَ اللهُ في القَومِ المَلاعِينِ (٦) فإذا كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكرنا، فالواجب أن يُوجهَ

стр. 401

تأويلهُ إلى المعروف فيهم من معناه، ولا سيَّمَا إذا وافقَ ذلك تأويلَ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتابعين» (١). فقد وضع الطبري بهذا قاعدة في الاعتماد على الشاهد الشعري، والاكتفاء به في الاستشهاد، وهو إذا لم يَرِدْ عن السلف من الصحابة والتابعين تفسير للآية أو اللفظة، فيصار حينئذٍ إلى الشاهد الشعري أو غيره من الشواهد المعتبرة عند المفسرين، وأما إذا ورد عن الصحابة أو التابعين تفسير للآية فلا حاجة عند ذلك لتفسير أهل اللغة، ولا لشواهد الشعر، وفي ذلك يقول ابن تيمية: «ومِمَّا ينبغي أَنْ يُعلمَ أَنَّ القرآن والحديث إذا عُرفَ تفسيرهُ مِنْ جهةِ النَّبي ﷺ لم يُحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة» (٢). - الأمثلة على انفراد الشعر بالدلالة: من أمثلة انفراد الشاهد الشعري في الدلالة، واكتفاء المفسرين به في الاستشهاد ما فعله الطبريُّ عند تفسيره لِمَعنى «لعَلَّ» في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] (٣) حيث أورد سؤالًا جدليًا: كيفَ قال جلَّ ثناؤهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؟ أَوَ لَمْ يكن عالمًا بِما يصير إليه أمرُهُم إذا هم عَبدُوه وأَطاعوه حتى قال لهمْ لَعَلَّكم إذا فعلتم ذلك أَن تَتْقوا، فأَخرجَ الخَبَرَ عن عاقبةِ عِبادَتِهِم إِيَّاهُ مَخرجَ الشكِّ؟ ثم أجاب بقوله: «ذلكَ على غَير المعنى الذي توهمتَ، وإِنَّما معنى ذلكَ، اعبدوا ربَّكمُ الذي خلقكم والذين مِنْ قبلِكم لِتتقوهُ بِطاعتهِ، وتوحيدهِ، وإفرادهِ بالربوبيةِ والعبادةِ، كما قال الشاعر (٤): وقُلْتُمْ لَنَا: كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ، وَوثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ

стр. 402

فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرابٍ في الفَلا مُتَأَلِّقِ (١) يريدُ بذلكَ: قلتم لنَا: كُفُّوا لِنَكُفَّ. وذلك أنَّ «لعلَّ» في هذا الموضعِ لو كان شَكًّا لم يكونوا وَثَّقُوا لَهُم كلَّ مَوثِق» (٢). واكتفى الطبري بهذا الشاهد الشعري دليلًا على ما اختاره في معنى «لعل» في الآية، مِمَّا أَبَانَ عن منهجه في اعتماد الشاهد الشعري دليلًا منفردًا. - وفي موضع آخر عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] (٣) قال: «وقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾، فأدخلت الواو في الجواب، كما قال امرؤ القيس: فَلمَّا أَجَزْنَا سَاحةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنَا بَطْنَ خَبْتٍ ذِي قِفَافٍ عَقَنْقَلِ (٤) فأَدخلَ «الواو» في جَواب «لَمَّا»، وإنَّما الكلامُ: فلمَّا أجزنا ساحةَ الحيّ، انتحى بنا. وكذلكَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ لأن قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ هو الجواب» (٥). وقد سار المفسرون على هذا المنوال في اعتمادهم على الشاهد الشعري منفردًا في كثير من المسائل، وهذا ظاهر للناظر في كتبهم (٦). - الاعتماد على الشاهد الشعري بتقديمه على غيره من الشواهد . لم يتبين لي تعليل مقبولٌ في ترتيب الشواهد عند المفسرين، وإنما يستشهد المفسر على مسألته بما يرد على ذهنه أول وهلة، وبما يحضره حين تأليفه للكتاب، ومن ذلك قول أبي جعفر النَّحاس وهو يبين منهجه

стр. 403

في إيراد مسائل اللغة وشواهدها في كتابه: «وأَذكرُ مِن قولِ الجِلَّةِ من العلماءِ باللغةِ، وأَهلِ النَّظَرِ ما حَضَرني» (١)، ثم لا يزال يكثر الأدلة حتى يستوفي. ويقول أبو حيان وهو يذكر صورَ «مَنْ» في اللغة وجوازُ أن يُحملَ الكلام على لفظها أو على معناها، فلما ذكرَ «مَنْ» الموصوفة قال: «ليس مِنْ مَحفوظي مِنْ كلامِ العَرب مراعاةُ المَعْنَى، يعنِي تقولُ: مررتُ بِمَن مُحْسِنونَ لكَ» (٢). فدل على أنه يستشهد بما يحضره حال إملائه لتأليفه، أو تأليفه، بل إن بعض المفسرين قد يَحتاجُ إلى تنقيبٍ وبَحثٍ عن الشواهدِ، فلا تَقَعُ له إلا بعدَ طولِ تتبعٍ ومراجعة، ومن ذلك أَنَّ ابنَ قتيبةَ على سَعةِ مَحفوظهِ من الشِّعرِ، سُئِلَ عن لفظةِ «جهنَّمَ»، وهل ذُكرت في الشعر القديم فقال: «هذا يحتاج إلى تتبعٍ وطَلَبٍ، وقد تذكرتُ، فلم أذكر إلا شيئًا وجدته في شعر أمية بن أبي الصلت قال ... » (٣). ثُمَّ ذَكَرَ أبياتًا. ومثله الجاحظ على سعة عارضته وحفظه للشاعر يقول بعد أن ذكر بيتًا للنمر بن تولب: «وما أحسن ما قال النمر بن تولب، ولقد جهدت أن أصيب بيت شعر مثل هذا للعرب فما قدرت عليه» (٤). غَيرَ أَنَّ تقديم المفسر في استشهاده للشاهد الشعري على غيرهِ يوحي بنوعِ مَزيَّةٍ له، وقد تقدم الإشارة إلى منهج المفسرين في ترتيب الشواهد الشعرية، وأنهم كثيرًا ما يصدرون الأدلة بالشاهد الشعري، ومن أمثلة تقديم الشاهد الشعري، مما يوحي باعتماده، والاعتضاد بِمَا بعده، ومن ذلك قولُ الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (٥): «يقال منه: نَظَرْتُ الرَّجُلَ أَنْظُرُهُ نَظرةً، بِمَعنى: انتظَرْتُهُ وَرَقَبْتُه، ومنه قول الحطيئة:

стр. 404

وَقَدْ نَظَرْتُكُمُ أَعشاءَ صَادرةٍ ... للخَمسِ طالَ بِهَا حَوزي وتَنْسَاسي (١) ومنه قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] (٢) يعني به: انتظرونا» (٣). فقدم الشاهد الشعري على الشاهد من القرآن في استشهاده، وفعل مثل ذلك في كثير من المواضع في تفسيره، ومثله بقية المفسرين. استيفاء جوانب الاستشهاد في الشاهد الشعري: يعد المفسرون الشاهد الشعري وثيقة لغوية، وحجة مقبولة، ولذلك يُقلِّبُونَهُ على وجوهه، فيستقصون كل ما يُمكن أن يدل عليه هذا البيت من اللغة والنحو والبلاغة، وقد تقدمت الإشارة إلى طرف من هذا عند الحديث عن أنواع الشاهد الشعري، وسَمَّيتُ هذا النوعَ بـ «الشواهدِ المشتركة». لكن أكتفي هنا بالإشارة إلى هذه المسألة لكونها صورة من صور اعتماد المفسرين على الشاهد الشعري، وحرصهم على استفياء جميع دلالاته. وأكتفي بِمِثالٍ واحد للدلالة على هذا الجانب، مع ما تقدم في البحث. وردَ في كتبِ التفسير قولُ الشاعرِ: أقبلَ سيلٌ جاءَ من عندِ اللهْ ... يَحْردُ حَرْدَ الجِنَّةِ المُغِلَّةْ (٤) وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا الشاهدَ موضوعٌ، ومع ذلك استشهدَ به المفسرونَ بكافةِ وجُوههِ، فاستشهدوا بِجَانبه اللغويِّ على معنى قولهِ: ﴿حَرْدٍ﴾، في قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ [القلم: ٢٥] (٥).

стр. 405

فقال الطبري: «فإذا كان ... غيرُ جائزٍ عندنا أن يتعدى ما أجْمعت عليه الحجةُ، فما صح من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم. وإذا كان ذلك كذلك، وكان المعروفُ من معنى الحَرْدِ في كلام العرب القَصْدَ، من قولهم: قد حَرِدَ فلانٌ حَرْدَ فُلانٍ: إذا قَصَدَ قَصْدَهُ، ومنه قولُ الراجزِ: وجَاءَ سيلٌ كانَ مِنْ أمرِ اللهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجِنةِ المُغلةْ يعني: يقصدُ قصدَها، صحَّ أن الذي هو أولى بتأويل الآية قول من قال: معنى قوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾ وغدوا على أمرٍ قد قصدوهُ واعتمدوهُ واستسروهُ بينهم قادرين عليه في أنفسهم» (١). واستشهدوا به على حذف اللام الأخيرة من لفظ الجلالة (الله) من باب التخفيف، وهي لغة لبعض العرب، قال ابن عطية: «وحذفت الألف الأخيرة من «الله» لئلا يُشكلَ بِخطِّ اللاتِ، وقيل: طرحت تَخفيفًا، وقيل: هي لغةٌ فاستعملت في الخط، ومنها قول الشاعر ابن الأعرابي: أَقبلَ سيلٌ جاءَ مِن أمرِ الله ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغلَّهْ» (٢). كما استشهدوا به على التخفيف في اللغة فقال القرطبي: «وحكى المهدوي عن النخعي وإبن وثاب ثلاث وربع بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع إستخفافا كما قال: أَقبلَ سيلٌ جاءَ مِن عندِ الله ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغلَّهْ» (٣). فهذه ثلاثة أوجه استُشهدَ عليها بشاهد شعري واحد، بحيث استوفى المفسرون ما فيه من أوجه الاستشهاد، وربما زادت أوجه الاستشهاد في بعض الأبيات عن هذا، وربما لم يكن في البيت إلا وجه واحد، وكل

стр. 406

هذا دليل على عناية المفسرين بما بين أيديهم من الشواهد الشعرية، والحرص على حسن تصريفها، والاستفادة منها في تفسيرهم للقرآن (١). مدى اعتماد الشاهد الشعري في تفسير الطبري: أخذ الإمامُ الطبريُّ الشواهدَ الشعريةَ عن السابقين من العلماء والرواة والمؤلفات، وأضاف إليها، حتى فاقت عنده غيرها من الشواهد، وقد كان حريصًا على الشعر في الاحتجاج لما يذهب إليه (٢)، وكان يورده عقب الشواهد القرآنية مرة، وبعد النص المفسر مرة أخرى، فيشرحه، ويبين حكمه، ويوازن ما دل عليه الشاهد الشعري بما في الآية المفسرة تَمهيدًا لاختيار الراجح عنده في تفسير الآية بناء على ما تبين له من الأوجه والأدلة، بأسلوب واضح، وبيانٍ سديد. والطبري قد تميز في تفسيره بالعناية الكبيرة بالشاهد، وله عنده معنى أوسع من معنى الشاهد الشعري، فكل ما يشهد لصحة التفسير من القرآن أو الحديث أو لغة العرب فهو يعد شاهدًا عند الطبري، ومن ذلك قوله: «وقد بَيَّنَّا معنى الطاغوت فيما مضى بشواهد من الروايات وغيرها» (٣). ويردد كثيرًا عبارات تؤدي هذا المعنى مثل قوله: «وقد بينا ذلك بشواهده بما أغنى عن إعادته»، وقوله: «وقد ذكرنا بعض الشواهد في ذلك من شعرهم فيما مضى» (٤). ويتردد مصطلح الشاهد كثيرًا في تفسير الطبري بشكل يفوق غيره من المفسرين، بل ويزيد على أصحاب

стр. 407

كتب المعاني الذين كان لهم سبق في العناية بالشواهد الشعرية في التفسير. ويُعَبِّر الطبري بتعبيراتٍ أخرى في معنى الشاهد، قد تكون قريبة المعنى مع الفرق الدقيق في الدلالة، كمصطلح الاحتجاج (١)، والتمثيل (٢)، والدليل (٣)، والاعتلال (٤)، والانتزاع (٥)، وكلها تعبيرات يقصد بها الطبري ما يقصده بالشاهد في تفسيره، لأن الشاهد عند الطبري له مفهومٌ مشتقٌّ من الأصل العام الذي اعتمده في تفسيره، وهو التأكيد على الحجة، والنقل الصحيح المستفيض المستند إلى الدليل. وقد قمت بِحَصر مَا ورد في الجزء الأول من تفسيره الذي تضمن تفسير سورة الفاتحة وثلاثًا وأربعين آية من سورة البقرة، فوجدته استشهد بِمائتين وأربعين آية قرآنية تقريبًا، وثَمانِمائةٍ وتسعةٍ وثلاثين حديثًا وأثرًا، ومائة وثلاثة وستين شاهدًا شعريًا، وتحتلف بقية الأجزاء، فتزيد الآثار أحيانًا على شواهد الشعر، وتزيد الشواهد الشعرية على الآثار في بعض، مع ملاحظة أن الروايات والآثار التي يستشهد بها تتكرر كثيرًا، بخلاف الشواهد الشعرية التي يندر تكررها. وقد اعتمد الطبري على الشاهد الشعري في الاستدلال اللغوي على غريب القرآن، وشرح المفردات، وشرح الأساليب النحوية والبلاغية، وغير ذلك، ومن أمثلة ذلك: أولًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في تفسير اللفظة الغريبة . يعتمد الطبري كثيرًا في تفسيره لغريب القرآن على شواهد الشعر،

стр. 408

وقد أورد عددًا كبيرًا من الشواهد الشعرية لغريب القرآن، وفاقت شواهد الغريب في تفسيره جميع الشواهد الشعرية فبلغت أكثر من النصف من شواهده، ولو جَمَع باحثٌ مفرداتِ غريبِ القرآن من تفسير الطبري مع شواهدها من الشعر، لخرج في كتاب لطيفٍ يُنتفع به (١). وقد أضاف الطبري كثيرًا من شواهد غريب القرآن لم يستعملها من قبله، وجانب الغريب قد لقي عناية من المفسرين، ولذلك يقول أبو حاتم الرازي بعد أن نقل عن أبي عبيدة استدلاله بالشعر على تفسير القرآن: «يَجوزُ هذا عندي فيما كان من الغريب والإعراب، فأما ما كان من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والناسخ والمنسوخ، فليس لبشر أن يتكلم فيه برأيه، إلا ما فسرته سنة رسول الله ﷺ وقاله الصحابة والتابعون» (٢). وهذا هو الذي يحتج العلماءُ - من المفسرين وغيرهم - عليه بشعر العرب، ولم يكن أحدٌ منهم يحتج بشعر العرب إِلَّا في لغة القرآن وتركيبه، دون حلاله وحرامه، فلا مدخل له فيها، ولذلك قال ابن فارس: «لغة العرب -ومنها الشِّعْر- يُحتجُّ بها فيما اختلف فيه، إذا كان التنازع في اسم أو صفة أو شيء مما تستعمله العرب من سننها في حقيقة ومجاز، أو ما أشبه ذلك، فأما الذي سبيله الاستنباط، أو ما فيه لدلائل العقل مجال، فإن العرب وغيرهم فيه سواء؛ لأن سائلًا لو سأل عن دلالة من دلائل التوحيد، أو حجةٍ في أصل فقهٍ أو فرعه، لم يكن الاحتجاج فيه بشيء من لغة العرب، إذ كان موضوع ذلك غير اللغات» (٣). - ومن أمثلة اعتماد الطبري على الشعر في تفسير غريب القرآن ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] (٤) حيث ذهب إلى

стр. 409

أن معناها: «لك اللهمَّ نَخشعُ ونَذِلُّ ونَستكينُ إقرارًا لك يا ربَّنا بالربوبيةِ لا لغيرك» (١). وقد كان اختيارُه هذا التفسيرَ بناءً على ما روي عن العَربِ في أَشعارِها، وتسميتها الخشوعَ والذلةَ والاستكانةَ عبادةً، وتسميتها الطريق المُذلَّلَ الذي وطئتهُ الأقدامُ مُعبَّدًا، فقال في ذلك: «وإنما اخترنا البيانَ عن تأويله بأنه بِمعنى نَخشعُ ونذلُّ ونستكينُ، دون البيانِ عنه بأَنَّه بِمعنى نَرجو ونَخافُ - وإن كان الرجاءُ والخَوفُ لا يكونان إِلَّا مع ذلةٍ - لأَنَّ العبوديةَ، عند جَميع العربِ، أصلها الذلةُ، وأَنَّها تُسمِّى الطريقَ المذلل الذي قد وطئته الأقدام، وذللتهُ السابلةُ: مُعبَّدًا، ومن ذلك قولُ طَرفةَ بن العَبْدِ: تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ، وأَتْبَعَتْ ... وَظِيْفًا وَظِيْفًا فوقَ مَورٍ مُعَبَّدِ (٢) يعني بالمَوْرِ: الطريقَ، وبالمُعبَّدِ: المُذلَّلَ الموطوءَ» (٣). وهذا النقل يغني عن التدليل على اعتماد الطبري على الشاهد الشعري المذكور وغيره مِمَّا لم يذكره. - وهذا مثالٌ آخر يدلُّ على مدى اعتماد الطبري على الشاهد الشعري، وثقته به في تَمثيلهِ للغةِ العربِ أصدقَ تَمثيلٍ، حيث جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ [الأنفال: ٥٨] (٤)، فذكر أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، وهي ثلاثة أقوال: الأول: بمعنى فانبذ إليهم على عَدْلٍ، حتى يعتدل علمك وعلمهم

стр. 410

بما عليه بعضكم لبعضٍ من المُحاربة، والثاني: أن السواء بمعنى الوسَط، والثالث: أن السواء بمعنى المَهَل. فأما القول الأول فاستشهد له بقول الراجز: واضرِبْ وُجوهَ الغُدُرِ الأَعْداءِ ... حتى يُجيبوكَ إلى السَّواءِ (١) يعني: إلى العدل. وأما القول الثاني، وهو أن السواء بمعنى الوسط، فاستشهد له بقول حسان: يَا وَيْحَ أَنْصارِ النَّبِيِّ وَرهطهِ ... بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ (٢) بِمعنى: في وَسطِ اللَّحْدِ. ثم علق الطبري على ذلك تعليقًا ينبي عن اعتداده بالشاهد الشعري في التفسير فقال: «وكذلك هذه المعاني متقاربة؛ لأنَّ «العَدْلَ» وسَطٌ لا يعلو فوق الحق، ولا يقصر عنه. وكذلك «الوَسَطُ» عَدْلٌ. واستواءُ عِلْمِ الفريقين فيما عليه بعضهم لبعضٍ بعد المهادنةِ عَدْلٌ من الفِعْلِ وَوسَطٌ. وأَمَّا الذي قاله الوليدُ بن مسلمٍ (٣) من أَنَّ معناهُ: المَهَلُ، فَما لا أعلمُ لَه وَجهًا في كلامِ العرب» (٤). فانظر كيف احتملَ الطبريُّ وقَبِلَ ما جاءت به الشواهد من معاني اللفظة ما لم تتعارض معانيها، ورده ما لم تؤيده الشواهد أنه من لغة العرب. وأمثلة هذا كثيرة في تفسيره (٥). وربما تجاوز الطبري شرح اللفظة الغريبة، إلى بيان اللفظة الفصيحة من غيرها معتمدًا على الشاهد الشعري في ذلك، وبَيانِ أَنَّ الآية قد

стр. 411

جاءت على الأفصحِ من لغةِ العَربِ، وإن كان غيرهُ فصيحًا جائزًا. - ومن ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] (١) حيث قال: «والعرب تقول: نصحتُ لكَ، وشكرتُ لكَ، ولا تكاد تقول: نصحتُكَ. وربَّما قالتْ: شَكرتُكَ، ونَصحتُكَ، من ذلك قول الشاعر (٢): هُمُ جَمَعُوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَليكُمُ ... فَهَلاَّ شَكرْتَ القَومَ إِذْ لَمْ تُقَاتِلِ (٣) وقال النابغةُ في «نصحتُك»: نَصحتُ بَنِي عَوفٍ فَلَمْ يَتَقبَّلُوا ... رسُولي ولَم تَنْجَحْ لَديهمْ وَسَائِلي (٤)» (٥). فالطبري قد اعتمد على الشاهد الشعري في إثبات الأوجه اللغوية الأخرى، التي تقولها العرب، مع أن الذي ورد في القرآن الكريم هو الأفصح. ثانيًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في المسائل النحوية . تعرض الطبري في تفسيره لكثير من القضايا النحوية، ومن ذلك توجيه الآيات من حيث الإعراب، وقد كان للشاهد الشعري حضور ظاهر في مثل هذه المسائل، وقد بلغت شواهد النحو الشعرية في تفسير الطبري مائتان وثلاثين شاهدًا شعريًا (٢٣٠)، وكلها لشعراء الاحتجاج، وقد تابع الكوفيين في شواهده، فهو يذكر معظم إن لم يكن كل شواهد الكوفيين النحوية، ويذهب في توجيهها مذهبهم، ولا سيما الفراء، فهو أكثر النحويين الذين تكرر ذكرهم في تفسيره، ولذلك فقد عده بعض الباحثين كوفي المذهب في النحو (٦).

стр. 412

- ومن أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] (١)، وهو يُبَيّنُ سَببَ نَصْبِ ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ في هذه القراءة، حيث يقولُ: «وأَمَّا (الصَّابرين) فَنَصْبٌ، وهو مِنْ نَعْتِ «مَنْ» على وجه المدح؛ لأَنَّ من شأن العَرَب - إذا تطاولت صفةُ الواحد - الاعتراضُ بالمدحِ والذمِّ بالنصب أَحيانًا، وبالرَّفع أحيانًا، كما قال الشاعرُ (٢): إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتيبةِ في المُزْدَحَمْ وذَا الرأَي حِينَ تُغَمُّ الأُمُورُ ... بذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ (٣) فَنَصَبَ «ليثَ الكتيبةِ» و «ذَا الرأي» عَلى المدحِ، والاسمُ قبلَهُما مَخفوضٌ؛ لأَنَّه من صفةِ واحدٍ، ومنه قول الآخر: فليتَ التي فيها النُّجومُ تَواضَعَتْ ... عَلى كُلِّ غَثٍّ مِنهمُ وسَمَينِ غُيُوثَ الوَرَى في كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمينَ كُلَّ عَرِينِ» (٤). فقد اعتمد الطبري في هذه المسألة النحوية، وهي وجه نصب «الصَّابرينَ» في هذه الآية، على شاهدين من شواهد الشعرِ المُحتج به، مع بيان وجه الاستشهاد فيهما، وحكى القول الآخر في توجيه النصب بصيغةٍ تدل على تضعيف هذا القول فقال: «وقد زعم بعضهم (٥) أن قوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ نُصِبَ عَطفًا على ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]» (٦). ولم يزد على ذلك، مما يدل على اعتماده التوجيه الذي تشهد له شواهد الشعر، والتي أورد شاهدين منها.

стр. 413

ثالثًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في شرحه لنظمِ الآية . يَحتكمُ الطبري في تفسيره لأسلوب العرب في خطابها وكلامها، ومن أمثل ما يمكن الموازنة به من لغتها شِعْرُها المحفوظ الموثوق بروايته، وقد كان الطبري يوازن بين الأسلوب في الآية القرآنية والشاهد الشعري. - ومن أمثلة ذلك قوله: «وأما معنى قوله: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٨] (١) فإنه بِمَعنى: هلاَّ يكلمنا الله، كما قال الأشهبُ بنُ رُمَيلة (٢): تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيْبِ أَفضلَ مَجدِكُمْ ... بَنِي ضَوْطَرى لَولا الكَمِيَّ المُقَنَّعا! (٣) بِمعنى: فَهلاَّ تَعُدُّون الكميَّ المُقنَّعا» (٤). فاعتمدَ الطبريُّ على هذا الشاهدِ الشعريِّ في أَنَّ «لولا» في الآيةِ بِمعنى: هَلَّا. وأنَّ معنى البيت: لولا تعُدونَ الكميَّ، أو لولا تبارزون الكميَّ، وهو الفارس الشجاع (٥). وتابعه ابن عطية في ذلك (٦). وقد يكون إيراده للشاهد الشعري من باب الاعتضاد به، وليس من باب الاعتماد عليه اعتمادًا كليًا، ومثال ذلك قوله وهو يُبَيّنُ أنَّ العرب تُعدِّي فعلَ «هَدَى» بنفسهِ وبالحرفِ: «والعرب تقول: هديت فلانًا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق، إذا أرشدته إليه، وسدَّدته له. وبكل ذلك جاء القرآن، قال الله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] (٧)، وقال في موضع آخر: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] (٨)، وقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] (٩).

стр. 414

وكلُّ ذلك فَاشٍ في منطقها، موجودٌ في كلامها، من ذلك قول الشاعر: أَسْتغفرُ اللهَ ذَنْبًا لَستُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبَادِ، إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (١) يريد: أستغفر الله لذنبٍ، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] (٢)، ومنه قول نابغة بني ذبيان: فَيَصِيْدُنَا العَيْرَ المُدِلَّ بِحُضْرِهِ ... قبلَ الوَنَى والأَشْعَبَ النَّباحَا (٣) يريدُ: فيصيدُ لَنَا، وذلكَ كثيرٌ في أَشعارِهم وكلامهم، وفيما ذكرنا منه كفاية» (٤). وفي هذا المثال كان يكفي ما ذكره الطبري من الآيات القرآنية الدالة على ما أراد من تعدية الفعلِ «هَدَى» بنفسه، وباللامِ، وبـ «إلى»، غير أَنه عَضَدَ ما ذكره من الآيات، بِمَا وردَ في شعر العربِ على وجه الاختصارِ، والإشارة إلى كثرة ذلك في كلامهم وشعرهم على حد سواء، ولا شك أن هذا أدعى لاطمئنان القارئ وتسليمه بِحُجةِ المفسر، والاقتناع برأيه (٥). رابعًا: اعتماد الطبري الشاهد الشعري في إيضاح بلاغة الآيات . لم يكن الطبري يغلب جانب البلاغة في تفسيره، وإنما كان أحيانًا يقف مع بلاغة بعض الآيات، ويكشف عن وجه البلاغة فيها، ويستعين في ذلك بما بين يديه من شواهد الشعر. - من أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى

стр. 415

مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣] (١)، فقد بَيَّنَ أنَّ معنى الآيةِ: بَادروا إلى ما يسترُ عليكم ذنوبَكم مِن رَحْمةِ الله، وما يُغطِّيها عليكم مِنْ عَفوِهِ، وبادروا أيضًا إلى جنةٍ عَرضُها كعرضِ السمواتِ السبعِ، والأَرضينَ السبعِ إذا ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ، ثم قال: «وإِنَّمَا قيل: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فوصفَ عرضَها بالسمواتِ والأَرَضِين، والمعنى ما وصفْنَا، من وصفِ عرضِها بعرض السموات والأرض تَشبيهًا به في السَّعَةِ والعِظَمِ، كما قيل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] (٢)، يعني: إِلَّا كَبعثِ نَفسٍ واحدةٍ، وكما قال الشاعر (٣): كَأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوبِ سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ في بَلَدٍ قِفَارِ (٤) أي: عذيرُ نَعَامٍ، وكما قالَ الآخرُ (٥): حَسِبْتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا! ... وما هيَ - ويبَ غَيْرِكَ - بِالعَنَاقِ (٦) يريد: صَوتَ عَنَاقٍ» (٧). وهذا الذي أشار إليه الطبري - معتمدًا على شواهد الشعر - هو من باب حذفِ المضافِ دون المضاف إليه، وقد حُذفَ لدلالةِ ما تقدم عليه من جهةٍ، ولإفادة معنىً لم يكن ليحصلَ للسامعِ لو لم يُحذفِ المضاف (٨). وهو باب من أبواب البلاغة. هذا شيء من صور اعتماد الإمام الطبري على الشاهد الشعري في تفسيره «جامع البيان»، والذي يُعَدُّ بِحَقٍّ أقدرَ المفسرين على الاستفادة من

стр. 416

الشاهد الشعري، وأبصرهم بِمواطنهِ اللائقةِ به للاعتمادِ عليهِ، أو الاعتضاد به في تفسير القرآن الكريم، وقل من جاء بعده من المفسرين إلا وانتفع بما كتبه وسار عليه في تفسيره مما يتعلق بالشاهد الشعري على وجه الخصوص. مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير الزمخشري: وأما الزمخشريُّ فقد كانت عنايته بالشواهد الشعرية، واعتماده عليها أقلَّ ظهورًا من الطبريِّ، وإن كان استفاد منها في تفسيره، غير أنه لم يكثر منها، ومن أمثلة اعتماد الزمخشري على الشاهد الشعري في تفسيره ما يلي: أولًا: اعتماد الشاهد الشعري في الاستشهاد للمعنى . يعتمد الزمخشري على الشاهد الشعري في الاستشهاد لمعنى اللفظة التي يشرحها، ومن ذلك استشهاد للدلالة على أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح بخلاف الحمد، قوله: «وأما الشكر فعلى النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح، قال (١): أَفادَتْكُمُ النَّعماءُ مِنِّي ثَلاثةً ... يَدِي وَلِسَاني والضَّميرَ المُحَجَّبَا (٢) والحمدُ باللسان وحده، فهو إحدى شُعَبِ الشُّكر» (٣). وهذا استشهاد معنويٌّ من الزمخشري على أنَّ الشُّكْرَ يُطلق على أفعالِ المواردِ الثلاثة: اليدِ، واللسان، والقلب. وقد وجدتُ استشهادَ الزمخشريِّ للمعنى يكثرُ بأَشعارِ المتأخرينِ من الشعراء كأَبي تَمَّامٍ والمتنبي، غير أنه لا يَحتجُّ بِهم للفظ الغريب، إِلا في موضعٍ واحدٍ من تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] (٤)، حيث استشهد ببيت لأبي تمام

стр. 417

حبيب بن أوس فقال: «وأظلمَ: يُحتملُ أن يكون غير متعدٍ وهو الظاهر، وأن يكون متعديًا منقولًا من ظلم الليل، وتشهد له قراءةُ يزيد بن قطيب: (أُظْلِمَ) على ما لم يُسَمَّ فاعله (١). وجاء في شعر حبيب بن أوس: هُما أظلما حاليَّ ثُمَّتَ أَجليَا ... ظلاميهما عن وجهِ أمردَ أشيبِ (٢) وهو وإن كان مُحْدَثًا لا يُستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه» (٣). فهو هنا أورد البيت بعد القراءة الشاذة، فهو لم يورده بمفرده مع أنه احتج لما ذهب إليه باعتماد العلماء لروايته، فقاس لغته على روايته مع الفارق. وقد اشتهر قول الزمخشري هذا، غير أنه لم يوافقه عليه أحد، وفرقوا بين ثقته فيما ينقل، والاحتجاج بلغته، وقد تقدم. ومن ذلك أنه استشهد بقول أبي تمام للمعنى في قوله: «فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجهًا إلى المؤمنين والكافرين جميعًا، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روى عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم، فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟ وهل هو إلا كقول القائل:

стр. 418

فَلَو أَنّي فَعَلتُ كُنتُ كَمَن تَسـ ... ـأَلُهُ وَهوَ قائِمٌ أَن يَقوما (١)؟ » (٢). ثانيًا: اعتماد الشاهد الشعري في تفسير اللفظة الغريبة . ومن أمثلة ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] (٣) وهو يفسر المقصود بالحنيف في اللغة: «والحنف: الميل في القدمين، وتَحَنَّفَ إذا مَالَ، وأنشد: وَلكنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلقنَا ... حَنيفًا دِينُنا عَنْ كُلِّ دِينِ (٤)» (٥). فاستشهد على معنى الحنيف في اللغة وأنه بمعنى المائل، بشاهد من الشعر. وربما يورد الشاهد الشعري بعد غيره من الشواهد اعتضادًا به، وتقوية للتفسير كما في قوله عند تفسير معنى الدين في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٦): «ويوم الدين يوم الجزاء، ومنه قولهم: كمَا تَدينُ تُدانُ، وبيتُ الحَمَاسةِ: وَلَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوَانِ ... دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا (٧)» (٨). فقد أتى بالشاهد الشعري تأييدًا لما تقدمه في شرح معنى الدين في هذه الآية، وأمثلة ذلك عند الزمخشري كثيرة (٩).

стр. 419

ثالثًا: اعتماد الشاهد الشعري في توجيه الآية نَحويًا . تقدم أن المفسرين في توجيهاتهم الإعرابية لبعض الآيات يعتمدون كثيرًا على شواهد الشعر كعادة أهل النحو، ومن ذلك عند الزمخشري ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] (١) حيث ذكر قراءةَ أُبَيِّ بن كعبٍ، والأعمشِ بالرفع فقال: «وقرأ أُبِيُّ والأعمشُ: (إلاَّ قَليلٌ) (٢) بالرفع، وهذا من ميلهم مع المعنى، والإعراض عن اللفظ جانبًا، وهو باب جليل من علم العربية، فلما كان معنى ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ في معنى: فلم يُطيعوه، حَمَل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليلٌ منهم، ونحوه قول الفرزدق: ....................... لَمْ يَدَعْ ... مِنَ المَالِ إِلَّا مُسْحَتًا أَو مُجَلَّفُ (٣) كأَنَّه قال: لم يَبْقَ من المالِ إِلَّا مُسْحَتٌ أو مُجلَّفُ» (٤). فالزمخشري اعتمد في توضيح وجه القراءة بالرفع على بيت الفرزدق، وهو بيت مختلف في توجيهه بين النحويين، وفي توجيه هذا البيت وجهان آخران ذكرهما النحويون (٥). رابعًا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة القرآن . عُنِيَ الزمخشريُّ في تفسيره بالجانب البلاغي، حتى إنه أقام تفسيره عليه، وقد اعتمد على الشاهد الشعري في مواضع متعددة لتوضيح الوجه

стр. 420

البلاغي في الآية المفسرة. ومن ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] (١) حيث قال: «فإن قلت: لِمَ عَدَلَ عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان، قد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة .... وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات في ثلاثة أبيات: تطاولَ ليلُكَ بالإِثْمِدِ ... ونَامَ الخَليُّ ولَم تَرْقُدِ وباتَ وباتَتْ لهُ ليلةٌ ... كليلةِ ذِي العَائِرِ الأَرْمَدِ وذلكَ مِنْ نَبأٍ جَاءني ... وخُبِّرتُهُ عن أَبي الأسودِ» (٢). فاستشهد بشعر امرئ القيس على هذا الأسلوب العربي الوارد في القرآن في مواضع متعددة، وهو الالتفات. وقد أكثر الزمخشري من الاستشهاد بالشاهد الشعري على الأساليب البلاغية في تفسيره، حتى شهر بذلك. ومن ذلك أيضًا قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [يونس: ١] (٣) وهو يشير إلى المجاز الحكمي، وهو وصف الشيء بوصف محدثه فقال: «ذو الحكمة لاشتماله عليها، ونطقه بها، أو وصف بصفة محدثة، قال الأعشى: وغَرِيبةٍ تَأتي المُلوكَ حَكيمةٍ ... قَدْ قُلتُهَا لِيُقَالَ: مَنْ ذَا قَالَهَا (٤)» (٥). والأمثلة على ذلك عند الزمخشري كثيرة (٦). خامسًا: اعتماد الشاهد الشعري في توضيح اشتقاق الألفاظ . ومن أمثلة ذلك قوله عند تفسير البسملة: «و «الله» أصله: الإله. قال (٧):

стр. 421

مَعَاذَ الإِلهِ أَنْ تكونَ كَظَبْيَةٍ (١) ... ................................... ونَظِيرهُ «الناس»، أصله: الأُناس. قال (٢): إِنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْـ ... ـنَ عَلى الأُنَاسِ الآَمِنِيْنَا (٣) فحُذفت الهمزةُ، وعُوِّض منها حرفُ التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا الله بالقطع، كما يقال: يا إله» (٤). ومن ذلك قوله وهو يفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] (٥): «وبَكَّةُ: موضعُ المسجد، وقيل: اشتقاقها مِنْ (بَكَّهُ) إذا زَحَمَهُ؛ لازدحامِ الناس فيها .... كأنَّها سُمّيت بِبَّكةَ، وهي الزَّحْمَةُ، قال (٦): إِذا الشَّرِيبُ أَخَذتْهُ الأَكَّهْ ... فَخَلِّهِ حتى يُبَكَّ بَكَّهْ (٧) فاعتمد في بيان اشتقاق اللفظة على الشاهد الشعري، وهناك جوانب أخرى لدى الزمخشري اعتمد فيها على الشاهد الشعري سيأتي تفصيلها عند الحديث عن أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين. مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير المحرر الوجيز لابن عطية: وأما ابن عطية، فقد سار على طريقة ابن جرير الطبري، فكانت عنايته بالشواهد الشعرية بارزة، وأكثر من التعرض لشرحها، والاعتراض على ما ذكره أبو عبيدة أو ابن جرير في فهم هذه الشواهد، وقد اشتمل

стр. 422

تفسيره «المُحرَّرُ الوجيز» على ألف وتسعمائة وواحد وثمانين شاهدًا شعريًا (١٩٨١)، اعتمد عليها في شرح المفردات والألفاظ الغريبة، وتوجيه التراكيب النحوية وغير ذلك، مع الوقوف عند بعضها وقفات نقدية تدل على مبلغ علمه بالشعر ونقده، وحسن بصره بالمعاني، ومن أمثلة ذلك: أولًا: اعتماد الشاهد الشعري في النحو والإعراب . كان ابن عطية على جانب كبير من علم العربية، وتفسيره حافل بكثير من مباحث العربية نحوها وصرفها ولغتها. ولذلك قال السيوطي في ترجمته: «وألف تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها» (١). وقد اشتمل التفسير على الكثير من مسائل النحو، والإعراب، ولا سيما عند الاختلاف في توجيه القراءات. ومن أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (٢) حيث ذكرَ أحد أوجهِ قراءةِ (عَبَدَ) فقال: «وقرأ ابنُ عباسٍ، وإبراهيمُ بن أبي عبلة: (وعَبَدَ الطاغوتِ) بفتح العين والباء وكسر التاء من (الطاغوتِ)، وذلك على أَنَّ المراد: عَبَدَةُ الطاغوتِ، وحُذفت الهاء تَخفيفًا، ومثلهُ قولُ الراجز (٣): قَامَ وُلاهَا فَسَقَوهَا صَرْخَدَا (٤) أراد: وُلاتُهَا، فحَذف تَخفيفًا» (٥). وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] (٦)، ذكر أنه: «قرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج (أَفَحُكْمُ) برفع

стр. 423

الميم. قال ابن مجاهد: وهي خطأ، قال أبو الفتح: ليس كذلك، ولكنه وجه غيره أقوى منه. وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم: قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تدَّعِي ... عَليَّ ذَنبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ (١) برفع (كُلّ). قال القاضي أبو محمد - هو ابن عطية: وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب «كُلَّ» لكان ظاهر قوله أنه صنع بعضه». (٢) ومما يدل على اختياره لبعض الأوجه النحوية في الآيات، أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] (٣) ذكر الأوجه الإعرابية لـ «ما» في قوله: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ ثم قال: «والذي يترجح أنَّ «ما» صلة مخصصة، كما تقول: جئتك في أَمرٍ مَا، فتفيد النكرة تخصيصًا وتقريبًا، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: سَلَعٌ مَا ومِثلُهُ عُشَرٌ مَا ... عَائِلٌ مَا وعَالتِ البَيْقُورا (٤) وبعوضة على هذا مفعول ثان» (٥). فابن عطية ذهب إلى أَنَّ إعرابَ (ما) أن تكون صلةً مُخصصةً، تفيدُ التخصيص والتقريب. و (بَعوضة) تكونُ مفعولًا ثانيًا للفعلِ (يَضرب)، وقد استند ابن عطية في إعرابه هذا على بيت أمية بن أبي الصلت، الذي وردت فيه (ما) صلةً مزيدةً ثلاثَ مرات. وهذا أحد الأعاريب التي قيلت

стр. 424

في (ما)، وقد استوفى ابن هشام الكلام على أوجهها الإعرابية (١). ثانيًا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة القرآن . لم يُطِلِ ابن عطية الوقوفَ عند الصور البلاغية في تفسيره كما فعل الزمخشري، ولكنه معه ذلك كانت له بعض الوقفات التي تدل على فقهه في البلاغة وأساليبها، وقد كان للشاهد الشعري حضور في هذا الجانب عند ابن عطية. ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩] (٢): «وهذه الآيةُ من المَحاور البليغة الوجيزة .... ونظيرُ هذا الغرض - أي تأكيد المدح بما يشبه الذم - في الاستثناء قول النابغة: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (٣)» (٤). فهو قد أشار إشارة مقتضبة إلى ما في الآية من أسلوب بلاغي سماه البلاغيون «تأكيد المدح بِما يُشبه الذم»، ولَفَتَ نظرَ القارئ إلى أن هذا الأسلوب قد ورد في الشعر، واستشهد بقول النابغة الذبياني، وهذا الشاهد من شواهد البلاغيين المعروفة، والشاهد فيه كأنه قال ولا عيب في هؤلاء القوم أصلًا إلا هذا العيب، وهو فلول أسيافهم من المقارعة والمضاربة، وهذا ليس بعيب، بل هو غاية المدح (٥). ثالثًا: اعتماد الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل . استعان ابنُ عطية بالشاهد الشعري في نسبة اللغات إلى القبائل، ومن ذلك قوله: «وهؤلاءِ لفظٌ مبنيٌّ على الكسرِ، والقَصْرُ فيه لغةُ تَميمٍ، وبعضِ قَيسٍ وأَسَدٍ، قال الأعشى:

стр. 425

هَؤُلا ثُمَّ هَؤلا كُلًا اعطيـ ... ـتَ نِعَالًا مَحذُوَّةً بِنِعَالِ (١)» (٢). وقد ذكرَ ابنُ منظورٍ في (هؤلاءِ) ثلاثَ لغاتٍ: (هؤلاءٍ): مَمدوة منوَّنة، ونُسبت لبني عُقَيل. (هؤلاءِ): مَمدودة مبنية على الكسر، ونُسبت إلى الحجاز. (هؤلا): مقصورة، ونسبت لتميم (٣). ونسبت لغة القصر - إضافة لما ذكره ابن عطية - إلى أهلِ نَجدٍ من بني تَميمٍ وقيسٍ وربيعةَ وأَسَد (٤). وقد استشهد اللغويون ببيت الأعشى كما صنع ابن عطية، على لغة القصر في هؤلاء (٥). ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢] (٦) وهو يذكر القراءات في بعض ألفاظ الآية: «وقرأ ابنُ أبي إسحاق وعيسى والجحدريُ: (ومَحْيَىّ) (٧). وهذه لغة هذيل، ومنه قول أبي ذؤيب: سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَواهمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ (٨)» (٩). رابعًا: اعتماد الشاهد الشعري في شرح الغريب . يعتمد ابن عطية على الشاهد الشعري في تفسير الغريب، واختياره الوجه التفسيري بناء عليه، وهذا كثير في تفسيره. ومن الأمثلة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] (١٠) قال: «وسجدًا قال ابن عباس ﵁: معناه: ركوعًا، وقيل:
следующие страницы →