مَعَاذَ الإِلهِ أَنْ تكونَ كَظَبْيَةٍ (١) ... ...................................
ونَظِيرهُ «الناس»، أصله: الأُناس. قال (٢):
إِنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْـ ... ـنَ عَلى الأُنَاسِ الآَمِنِيْنَا (٣)
فحُذفت الهمزةُ، وعُوِّض منها حرفُ التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا الله بالقطع، كما يقال: يا إله» (٤).
ومن ذلك قوله وهو يفسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦] (٥): «وبَكَّةُ: موضعُ المسجد، وقيل: اشتقاقها مِنْ (بَكَّهُ) إذا زَحَمَهُ؛ لازدحامِ الناس فيها .... كأنَّها سُمّيت بِبَّكةَ، وهي الزَّحْمَةُ، قال (٦):
إِذا الشَّرِيبُ أَخَذتْهُ الأَكَّهْ ... فَخَلِّهِ حتى يُبَكَّ بَكَّهْ (٧)
فاعتمد في بيان اشتقاق اللفظة على الشاهد الشعري، وهناك جوانب أخرى لدى الزمخشري اعتمد فيها على الشاهد الشعري سيأتي تفصيلها عند الحديث عن أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين.
مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير المحرر الوجيز لابن عطية:
وأما ابن عطية، فقد سار على طريقة ابن جرير الطبري، فكانت عنايته بالشواهد الشعرية بارزة، وأكثر من التعرض لشرحها، والاعتراض على ما ذكره أبو عبيدة أو ابن جرير في فهم هذه الشواهد، وقد اشتمل
стр. 422
تفسيره «المُحرَّرُ الوجيز» على ألف وتسعمائة وواحد وثمانين شاهدًا شعريًا (١٩٨١)، اعتمد عليها في شرح المفردات والألفاظ الغريبة، وتوجيه التراكيب النحوية وغير ذلك، مع الوقوف عند بعضها وقفات نقدية تدل على مبلغ علمه بالشعر ونقده، وحسن بصره بالمعاني، ومن أمثلة ذلك:
أولًا: اعتماد الشاهد الشعري في النحو والإعراب .
كان ابن عطية على جانب كبير من علم العربية، وتفسيره حافل بكثير من مباحث العربية نحوها وصرفها ولغتها. ولذلك قال السيوطي في ترجمته: «وألف تفسير القرآن العظيم، وهو أصدق شاهد له بإمامته في العربية وغيرها» (١). وقد اشتمل التفسير على الكثير من مسائل النحو، والإعراب، ولا سيما عند الاختلاف في توجيه القراءات.
ومن أمثلة ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (٢) حيث ذكرَ أحد أوجهِ قراءةِ (عَبَدَ) فقال: «وقرأ ابنُ عباسٍ، وإبراهيمُ بن أبي عبلة: (وعَبَدَ الطاغوتِ) بفتح العين والباء وكسر التاء من (الطاغوتِ)، وذلك على أَنَّ المراد: عَبَدَةُ الطاغوتِ، وحُذفت الهاء تَخفيفًا، ومثلهُ قولُ الراجز (٣):
قَامَ وُلاهَا فَسَقَوهَا صَرْخَدَا (٤)
أراد: وُلاتُهَا، فحَذف تَخفيفًا» (٥).
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] (٦)، ذكر أنه: «قرأ يحيى بن وثاب والسلمي وأبو رجاء والأعرج (أَفَحُكْمُ) برفع
стр. 423
الميم. قال ابن مجاهد: وهي خطأ، قال أبو الفتح: ليس كذلك، ولكنه وجه غيره أقوى منه. وقد جاء في الشعر، قال أبو النجم:
قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تدَّعِي ... عَليَّ ذَنبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ (١)
برفع (كُلّ). قال القاضي أبو محمد - هو ابن عطية: وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنب، ولو نصب «كُلَّ» لكان ظاهر قوله أنه صنع بعضه». (٢)
ومما يدل على اختياره لبعض الأوجه النحوية في الآيات، أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] (٣) ذكر الأوجه الإعرابية لـ «ما» في قوله: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ ثم قال: «والذي يترجح أنَّ «ما» صلة مخصصة، كما تقول: جئتك في أَمرٍ مَا، فتفيد النكرة تخصيصًا وتقريبًا، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
سَلَعٌ مَا ومِثلُهُ عُشَرٌ مَا ... عَائِلٌ مَا وعَالتِ البَيْقُورا (٤)
وبعوضة على هذا مفعول ثان» (٥).
فابن عطية ذهب إلى أَنَّ إعرابَ (ما) أن تكون صلةً مُخصصةً، تفيدُ التخصيص والتقريب. و (بَعوضة) تكونُ مفعولًا ثانيًا للفعلِ (يَضرب)، وقد استند ابن عطية في إعرابه هذا على بيت أمية بن أبي الصلت، الذي وردت فيه (ما) صلةً مزيدةً ثلاثَ مرات. وهذا أحد الأعاريب التي قيلت
стр. 424
في (ما)، وقد استوفى ابن هشام الكلام على أوجهها الإعرابية (١).
ثانيًا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة القرآن .
لم يُطِلِ ابن عطية الوقوفَ عند الصور البلاغية في تفسيره كما فعل الزمخشري، ولكنه معه ذلك كانت له بعض الوقفات التي تدل على فقهه في البلاغة وأساليبها، وقد كان للشاهد الشعري حضور في هذا الجانب عند ابن عطية.
ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩] (٢): «وهذه الآيةُ من المَحاور البليغة الوجيزة .... ونظيرُ هذا الغرض - أي تأكيد المدح بما يشبه الذم - في الاستثناء قول النابغة:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (٣)» (٤).
فهو قد أشار إشارة مقتضبة إلى ما في الآية من أسلوب بلاغي سماه البلاغيون «تأكيد المدح بِما يُشبه الذم»، ولَفَتَ نظرَ القارئ إلى أن هذا الأسلوب قد ورد في الشعر، واستشهد بقول النابغة الذبياني، وهذا الشاهد من شواهد البلاغيين المعروفة، والشاهد فيه كأنه قال ولا عيب في هؤلاء القوم أصلًا إلا هذا العيب، وهو فلول أسيافهم من المقارعة والمضاربة، وهذا ليس بعيب، بل هو غاية المدح (٥).
ثالثًا: اعتماد الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل .
استعان ابنُ عطية بالشاهد الشعري في نسبة اللغات إلى القبائل، ومن ذلك قوله: «وهؤلاءِ لفظٌ مبنيٌّ على الكسرِ، والقَصْرُ فيه لغةُ تَميمٍ، وبعضِ قَيسٍ وأَسَدٍ، قال الأعشى:
стр. 425
هَؤُلا ثُمَّ هَؤلا كُلًا اعطيـ ... ـتَ نِعَالًا مَحذُوَّةً بِنِعَالِ (١)» (٢).
وقد ذكرَ ابنُ منظورٍ في (هؤلاءِ) ثلاثَ لغاتٍ:
(هؤلاءٍ): مَمدوة منوَّنة، ونُسبت لبني عُقَيل. (هؤلاءِ): مَمدودة مبنية على الكسر، ونُسبت إلى الحجاز. (هؤلا): مقصورة، ونسبت لتميم (٣). ونسبت لغة القصر - إضافة لما ذكره ابن عطية - إلى أهلِ نَجدٍ من بني تَميمٍ وقيسٍ وربيعةَ وأَسَد (٤). وقد استشهد اللغويون ببيت الأعشى كما صنع ابن عطية، على لغة القصر في هؤلاء (٥).
ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢] (٦) وهو يذكر القراءات في بعض ألفاظ الآية: «وقرأ ابنُ أبي إسحاق وعيسى والجحدريُ: (ومَحْيَىّ) (٧). وهذه لغة هذيل، ومنه قول أبي ذؤيب:
سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَواهمُ ... فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ (٨)» (٩).
رابعًا: اعتماد الشاهد الشعري في شرح الغريب .
يعتمد ابن عطية على الشاهد الشعري في تفسير الغريب، واختياره الوجه التفسيري بناء عليه، وهذا كثير في تفسيره.
ومن الأمثلة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] (١٠) قال: «وسجدًا قال ابن عباس ﵁: معناه: ركوعًا، وقيل:
стр. 426
متواضعين لا على هيئةٍ معينةٍ، والسجودُ يَعمُّ هذا كلَّه؛ لأنه التواضعُ، ومنه قول الشاعر (١):
........................ ... تَرَى الأُكْمَ فيها سُجَّدًا لِلحَوَافِرِ (٢)» (٣).
وقد يطيلُ ابنُ عطية النظرَ في اللفظةِ ويورد عَددًا من الشواهد الشعرية، ثُمَّ يَختارُ الوجه الذي يراه اعتمادًا على الشاهد الشعري، ومن ذلك أنه بعد أن ساق عبارات المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: ٢٣٥] (٤)، وأَنَّ منهم مَنْ فَسَّرَ السِّرَّ بالمواعدة على الخطبة بعد العدة على وجه الإسرار والإخفاء، ومنهم مَنْ فَسَّرَ السَّرَّ بالزنا، أي لا تواعدوهن زِنًا، قال تعقيبًا على هذه الأقوال: «هكذا جاءت عبارةُ هؤلاءِ في تفسير «السِّرِّ»، وفي ذلك عندي نظر.
وذلك أنَّ السرَّ في اللغة يقعُ على الوطءِ حَلالِهِ وحرامِهِ، لكنْ معنى الكلامِ وقَرينتُهُ تَردُّ إلى أحدِ الوجهينِ، فمن الشواهدِ قولُ الحطيئة:
ويَحْرُمُ سِرُّ جَارتِهِم عَليهِمْ ... ويأكلُ جَارُهُمْ أُنُفَ القِصَاعِ (٥)
فقرينة هذا البيت تُعطي أَنَّ السِّرَّ، أرادَ به الوَطء حَرامًا، وإلا فلو تزوجت الجارةُ كما يَحسُنُ لم يكن في ذلك عارٌ. ومن الشواهد قول الآخر (٦):
стр. 427
أَخَالَتُنَا سِرُّ النِّساءِ مُحرَّمٌ ... عَليَّ وتَشْهادُ النَّدَامَى معَ الخَمْرِ
لَئِنْ لَم أُصَبِّحْ دَاهِنًا ولفيفها ... وناعبها يومًا بِرَاغيةِ البَكْرِ (١)
فقرينةُ هذا الشعرِ تُعطي أَنهُ أرادَ تَحريم جِمَاعِ النساءِ عُمومًا في حَرامٍ وحَلالٍ حتى ينالَ ثأرَهُ، والآيةُ تعطي النهيَ عن أن يواعدَ الرجلُ المعتدةَ أن يطأها بعدَ العدةِ بوجهِ التزويجِ، وأما المواعدةُ في الزِّنا فمحرمٌ على المسلم مع معتدةٍ وغيرها» (٢).
فابن عطية قد اعتمد في اختياره لتفسير السر في الآية على الموازنة بين معاني السرِّ في الشواهد الشعرية التي ذكرها، وترجح لديه بعد النظر في معانيها في شواهد الشعر أن المقصود بالسر هو المواعدة سرًا، وأن تفسير السِّرَّ هنا بالزنا لا وجه له في الآية، وهذا نظرٌ جيدٌ من ابن عطية في شواهد التفسير، وقد خالفَ الطبريَّ في اختياره هذا، حيث ذهب الطبريُّ قبلَهُ إلى أَنَّ السرَّ هُنا بِمَعنى الزنا، وردَّ غيرَه من الأقوال، وَوَجَّهَ شاهدَ الحطيئةِ للمعنى الذي رَجَّحَه (٣). وأمثلة اعتماد ابن عطية على الشاهد الشعري في شرح اللفظة الغريبة متعددة (٤).
خامسًا: اعتماد الشاهد الشعري في مسائل الصرف .
تبدو مسائل الصرف في تفسير ابن عطية قليلة إذا ما وازنتها بمسائل النحو واللغة، غير أنك تجد بعض المسائل الصرفية التي استعان ابن عطية في شرحها وبيانها بشواهد الشعر، ومن ذلك قوله عند تفسيره لقوله
стр. 428
تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] (١): «و «بَديع» مَصروفٌ من مُبْدِعٍ، كبَصِيْرٍ من مُبْصِرٍ، ومثله قول عمرو بن معد يكرب:
أَمِنْ رَيْحَانةَ الدَّاعي السَّمِيعُ (٢)
يريد: المُسْمِع» (٣).
مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تفسير القرطبي:
أما القرطبي فقد أودع تفسيره جميع شواهد المفسرين الذين سبقوه، وأضاف إليها كثيرًا من شواهد اللغويين والنحويين، ولا سيما شواهد سيبويه، فجاء كتابه حافلًا بالشواهد الشعرية، حيث بلغت أَربعةَ ألافٍ وثَمانِمائةٍ وسبعةَ شواهدٍ شعريةٍ (٤٨٠٧)، وهو عدد كَبيرٌ لا يوجد في غيره من التفاسير المطبوعة مع عدم تمحضها كلها للاستشهاد اللغوي والنحوي، وهذا يدل على عناية القرطبي بهذا الدليل في تفسيره، وقد اعتمد القرطبي كثيرًا على الشاهد الشعري في تفسيره اللغوي للغريب، وفي توجيهه للقراءات توجيهًا نحويًا، وغير ذلك من جوانب التفسير، ومن أمثلة ذلك:
أولًا: اعتماد الشاهد الشعري في تفسير الغريب .
يعد جانب غريب القرآن في تفسير القرطبي من الجوانب المهمة التي عوَّلَ فيهَا على الشاهد الشعري، حيث لا تكادُ تَمرُّ لفظةٌ من غريبِ القرآنِ إِلَّا ويطيلُ الكلامَ حولها مُستشهدًا بشاهدٍ شعري أو أكثر على معناها في اللغة، وقد تجاوزت شواهده الشعرية لغريب القرآن ثلاثة وستين وخمسمائة وألف شاهد من الشعر (١٥٦٣) وهو عدد يصل إلى أكثر من نصف شواهد القرطبي اللغوية، إذا استثنيت الشواهد الأدبية
стр. 429
والتاريخية من مجموع شواهد التفسير التي بلغت أربعة الآف وثمانمائة وسبعة شواهد شعرية (٤٨٠٧).
١ - ومن الأمثلة على ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (١)، حيث قال: «والمَروةُ واحدةُ المَرْوِ، وهي الحجارةُ الصغارُ التي فيها لِيْنٌ، وقد قيل: إنها الصِّلابُ. والصحيحُ أنَّ «المَرْوَ» الحجارةُ، صَلِيبُها ورخوها، الذي يتشظى وترقُّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر (٢):
وتُولِّى الأرضَ خُفًّا ذابِلًا ... فإِذا مَا صَادفَ المَرْوَ رَضَخْ (٣)
وقال أبو ذؤيب:
حتى كَأَنِّي لِلحَوَادثِ مَرْوَةٌ ... بِصَفَا المُشَقَّرِ كُلَّ يَومٍ تُقْرَعُ (٤)» (٥).
فقد اعتمد القرطبي في اختياره لتفسير المروة عند العرب، وأنها الحجارة صليبها ورخوها، كل ذلك تسميه العرب مَرْوًا على شاهدين من الشعر، أحدهما للأَعشى البَكريِّ، والآخر لأبي ذؤيبٍ الهُذَلي، مِمَّا يعني أَنَّها لغةٌ عربيةٌ مشتركة بين عدة قبائل.
٢ - ومن الأمثلة كذلك على اعتماده على الشاهد في تفسير الغريب قوله: «قوله تعالى: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨] (٦) أي: زار، والعُمْرَةُ:
стр. 430
الزيارة، قال الشاعر (١):
لقَدْ سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَرْ ... مَغزًى بَعِيدًا مِن بَعيدٍ وضَبَرْ» (٢).
فاعتمد في تفسيره للعمرة في اللغة على بيت من الرجز للعجاج التميميِّ، وأنها بمعنى الزيارة، وهي كذلك عند غير تميم، كما في قول عمرو بن أحمر الباهلي عند بعضهم:
يُهِلُّ بِالفَرقَدِ رُكبانُها ... كَما يُهِلُّ الراكِبُ المُعتَمِر (٣)» (٤).
والأمثلة على اعتماد القرطبي على تفسير غريب القرآن بشواهد الشعر كثيرة (٥).
ثانيًا: اعتماد الشاهد الشعري في تأصيل القواعد النحوية .
من أكثر القضايا التي تعرض لها القرطبي، واستعان فيها بشواهد الشعر المسائل النحوية المرتبطة بالآيات. ومن ذلك ما ذكره عند حديثه عن إعمال البصريين «أَنْ» المخففة، حيث قال: «قال سيبويه: حدثنا مَنْ أَثقُ بهِ أَنَّه سَمع العربَ تقول: إِنْ زَيدًا لَمُنْطَلِقٌ، وأنشدَ قولَ الشاعرِ:
كأَنْ ظَبيةً تَعطُو إِلى وَارِقِ السَّلَمْ (٦)
أرادَ: كأَنَّها ظبيةٌ، فَخفَّفَ ونصبَ ما بعدها» (٧). وهو بهذا يتابع سيبويه في استعانته بالشاهد الشعري في تقعيد القواعد النحوية، وهذا البيت من شواهد سيبويه (٨).
стр. 431
ومن الأمثلة كذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤] (١) حيث قال القرطبي: «والصِّنْو: المِثْلُ ... ولا فرق فيها بين التثنية والجمع، ولا بالإعراب، فتعرب نون الجمع، وتكسر نون التثنية، قال الشاعر (٢):
العِلْمُ والحِلْمُ خَلَّتَا كَرَمٍ ... للمرءِ زَيْنٌ إذا هُمَا اجْتَمَعَا
صِنْوانِ لا يُسْتَتَمُّ حُسْنُهُمَا ... إِلَّا بَجمعِ ذَا وذَاكَ مَعَا» (٣).
فاستشهد الشعر على ما ذهب إليه من عدم الفرق بين التثنية والجمع ولا الإعراب في كلمةِ: «صِنْوَان».
ثالثًا: اعتماد الشاهد الشعري في مسائل الصرف .
يعتمد القرطبي في تفسيره على الشاهد الشعري في بعض قضايا الصرف، ومن ذلك حديثه عن الإبدال في كلمة «سِجِّيل» عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾ [الفيل: ٤] (٤) حيث ذكر الأقوال في تفسيرها بالطين، ثم حكى قولًا آخر فقال: «وقيلَ: من الجَحيمِ، وهي سِجِّيْنٌ، ثُمَّ أُبدلت اللامُ نونًا، كما قالوا في أُصَيلانَ، أُصَيلالَ، قال ابن مقبل:
...................... ... ضَرْبًا تَواصَتْ بهِ الأَبْطالُ سِجِّينَا (٥)
وإِنَّمَا هو سِجِّيلا» (٦).
ومن الأمثلة كذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (٧) حيث شرح معنى الهباء فقال: «أي لا ينتفع به،
стр. 432
أي: أبطلناه بالكفر. وليس الهباء من ذوات الهمز، وإنما همزت لالتقاء الساكنين، والتصغيرُ هُبَيٌّ في مَوضعِ الرفعِ. وفي النحويين من يقول: هُبَيٍّ في موضع الرفع، حكاه النحاس (١). وواحده هَبَاةٌ، والجَمع أَهْبَاءُ، قال الحارث بن حِلِّزَةَ يصف ناقةً:
فَتَرَى خِلْفَهَا مِن الرَّجْعِ والوَقْـ ... ـعِ مَنِينًا كأَنَّهُ أَهْبَاءُ (٢)» (٣).
والأمثلة على ذلك في التفسير متعددة، وإن لم تبلغ حد الكثرة.
رابعًا: اعتماد الشاهد الشعري في إعراب الآيات .
يستعين القرطبي في مواضع كثيرة بالشاهد الشعري في تأييد أو توجيه إعراب تركيب في الآية التي يفسرها، وعادة ما يكون هذا التوجيه مذكورًا في كتب النحاة السابقين، ولا يزيد القرطبي على أن يحكي هذا التوجيه.
ومن أمثلة ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] (٤) حيث ذكر اختلاف النحاة في ذلك، واختار إعراب الأخفش، ثم قال: «وأَجازَ الأخفشُ الرفعَ على لغةِ «أَكلُوني البَراغِيثُ»، وهو حَسَنٌ .... قال الشاعرُ (٥):
بِكَ نَالَ النِّضَالُ دُونَ المَسَاعِي ... فَاهْتَدَينَ النِّبَالُ للأَغْرَاضِ (٦)
وقال آخر (٧):
стр. 433
ولكنْ ديافيٌّ أَبوهُ وأُمُّهُ ... بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُه (١)» (٢).
فاستعان بالشاهد الشعري في تأييد حجة الأخفش في إعرابه «الذين» على أنه فاعل، واستحسن هذا الوجه، مع أنه قدم عليه حكاية بقية الأقوال في إعرابها (٣).
خامسًا: اعتماد الشاهد الشعري في بيان بلاغة الآيات .
استعان القرطبي في مواضع كثيرة من تفسيره بالشاهد الشعري لشرح الوجه البلاغي للآية المفسرة، وقد بلغت شواهده البلاغية أربعمائة وثمانية عشر شاهدًا بلاغيًا. ومن ذلك ما جاء عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] (٤) حيث قال: «مثل الله الغيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه .... واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة لأن عادة العرب بذلك جارية. قال الشاعر (٥):
فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ لُحُومَهُمْ ... وإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيتُ لَهُمْ مَجْدا (٦)» (٧).
ووَفْرُه لحومَهم يعني أَنَّه لا يُطلقُ لِسانَه بقِدحهم كما يصنعون به، وهذه الصورة البلاغية تُسمَّى عند البلاغيين «الاستعارة التمثيلية»، وبيان هذه الصورة في الآية أن الله كَنَّى عَن الغِيبةِ بأكلِ لحم إنسانٍ آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتًا، ثم جعل هذا الميت أخًا للآكل،
стр. 434
فهذا دليل على شدة تحريم الغيبة، وقبيح أثرها (١).
ومن الأمثلة أيضًا قول القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] (٢): «وإنما خص الأذقان بالذكر؛ لأن الذقن ها هنا عبارة عن الوجه، وقد يُعَبَّر بالشيءِ عمَّا جَاورَه، وبِبَعضهِ عن جَميعِهِ، فيقال: خَرَّ لوجههِ سَاجِدًا، وإن كان لم يسجد على خَدِّهِ ولا عَينهِ. ومن ذلك قول الشاعر (٣):
...................... ... فَخَرَّ صَريعًا لِليدينِ ولِلفَمِ (٤)
فهذه أمثلة مختصره عن أوجه اعتماد القرطبي وغيره من المفسرين على الشاهد الشعري في كتب التفسير، وسيأتي مزيد من الأمثلة.
- شعراء شواهد التفسير:
تفاوتت حظوظ الشعراء في الاستدلال بشعرهم في كتب التفسير تفاوتًا كبيرًا، فمنهم من أكثر المفسرون من الاستشهاد بشعره كالأعشى البكري، والنابغة الذبياني، وامرئ القيس الكِنديِّ من شُعراءِ الجاهليةِ، ولبيد بن ربيعة العامري، والعجاج، وجرير، والفرزدق ثلاثتهم من تميم، وذي الرُّمَّةِ العَدويِّ من شعراء الإسلام.
وقد قمتُ بِحَصر جَميع الشواهد في كتب التفسير التي درستها وقائليها، ونسبت كُلَّ شاعرٍ إلى قبيلته وعصرِه، ومقدار الشعر الذي استُشهِدَ به من شعره لدى كُلِّ مفسرٍ من المفسرين الذين شَملتهم هذه الدراسة، وقيدتُ ذلك في جدول، وقد رتبتُ أسماء الشعراء بحسبِ كثرةِ
стр. 435
شواهدهم في كتب التفسير، مبتدأً بأكثرهم، ومبينًا أمام كلِّ شاعرٍ قبيلتَهُ التي ينتسبُ إليها، وعصره الزمني الذي عاش فيه، والمفسر الذي استشهد بشعره، وقد استبعدت من الجدول من لم يكن له من الشعراء إلا شاهد واحد، أو شاهدان خشية إطالة الإحصاء بما لا غناء به على القارئ ولا على البحث:
• الشعراء الذين اعتمد عليهم المفسرون في الاستشهاد:
م ... الشاعر ... القبيلة ... العصر ... الطبري ... الزمخشري ... ابن عطية ... القرطبي
١ ... الأعشى ميمون بن قيس ... بكر ... جاهلي ... ١١٨ ... ٢٣ ... ١١٢ ... ١٣٠
٢ ... النابغة الذبياني ... غطفان ... جاهلي ... ٥٣ ... ٨ ... ٤٨ ... ٩٦
٣ ... لبيد بن ربيعة العامري ... هوازن ... مخضرم ... ٤٦ ... ١٤ ... ٤٥ ... ٨١
٤ ... العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٤٤ ... ٧ ... ١٦ ... ٤٩
٥ ... رؤبة بن العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٤٤ ... ١٥ ... ٢٠ ... ٤٥
٦ ... جرير بن عطية ... تميم ... إسلامي ... ٣٧ ... ١٤ ... ٥١ ... ٧٣
٧ ... ذو الرمة ... الرِّبَاب ... إسلامي ... ٣٤ ... ١٩ ... ٤٦ ... ٦١
٨ ... حسان بن ثابت ... الأزد ... مُخضرم ... ٣٠ ... ١٦ ... ٤٦ ... ١٠٢
٩ ... الفرزدق ... تَميم ... إسلامي ... ٣٠ ... ٢١ ... ٤٤ ... ٤٩
١٠ ... امرؤ القيس ... كندة ... جاهلي ... ٣٠ ... ١٧ ... ٧٦ ... ١٥٣
١١ ... زهير بن أبي سلمى ... مزينة ... جاهلي ... ٢٨ ... ١٤ ... ٤٧ ... ٨٩
١٢ ... أمية بن أبي الصلت ... ثقيف ... جاهلي ... ٢٦ ... ٢ ... ١٦ ... ٥٢
١٣ ... أبو ذؤيب الهذلي ... هذلي ... مخضرم ... ٢٤ ... ٤ ... ٢٢ ... ٣١
١٤ ... الأخطل ... تغلب ... إسلامي ... ٢٣ ... ٤ ... ١٥ ... ١٦
١٥ ... عنترة بن شداد ... عبس ... جاهلي ... ١٨ ... ٣ ... ١٤ ... ٥٥
١٦ ... النابغة الجعدي ... هوازن ... مخضرم ... ١٦ ... ٣ ... ٩ ... ٢٥
١٧ ... عدي بن زيد العبادي ... تَميم ... إسلامي ... ١٦ ... ٢ ... ٢٤ ... ٢٤
١٨ ... الطرماح بن حكيم ... طيء ... إسلامي ... ١٦ ... ١ ... ٩ ... ٧
وقد استبعدت الشعراءَ الذين ليس لهم في كتب التفسير وخاصة الطبري إلا شاهدٌ واحدٌ أو شاهدان، وعددهم مائتان واثنان وسبعون شاعرًا (٢٧٢) تقريبًا، وقد لخصت عصورهم مع غيرهم في الجدول الآتي:
عدد الشواهد ... عدد الشعراء
الجاهليين ... المخضرمين ... الإسلاميين ... المجهولين ... المَجموع
١٠ فأعلى ... ٩ ... ٨ ... ١٠ ... ٠ ... ٢٧
٥ - ٩ ... ٩ ... ٨ ... ٩ ... ٠ ... ٢٦
٣ - ٤ ... ٢٠ ... ٥ ... ٨ ... ١ ... ٣٩
٢ ... ١٨ ... ٧ ... ٦ ... ٣١ ... ٤٢
١ ... ٧٤ ... ٣٦ ... ٥٦ ... ١٦٦ ... ٢٦٥
المَجموع ... ١٣٠ ... ٦٤ ... ٨٩ ... ١٩٨
ومن خلال هذين الجدولين لأسماء الشعراء في كتب التفسير، وعدد شواهدهم، يتضح ما يلي:
أولًا: أن المفسرين قد اعتمدوا على شعراء الجاهلية اعتمادًا كبيرًا، وأنهم لم يكونوا يعدلون بشعرهم شعر غيرهم، والدليل على ذلك أن الطبري قد استشهد بشعر مائة واثنين وعشرين شاعرًا جاهليًا أمكن معرفتهم، وقد يكون من جُملة الأبيات المَجهولة من قالها من شعراء الجاهلية، من مجمل شعراء الشواهد الذين استشهد الطبري بشعرهم وعددهم يصل إلى ثلاثمائة وعشرة شعراء، وهي نسبة تُمثلُ ٣٩.٣ % من شعراء الطبري في تفسيره.
وقد استشهد لهم بِمَا يزيد عن خَمسمائةٍ وخَمسينَ شاهدًا شعريًا من مجموع شواهده المنسوبة التي بلغت ألفًا وثلاثمائة وأربعين شاهدًا شعريًا، وهو يمثل نسبة ٤١% من الشعر المنسوب في تفسير الطبري
стр. 440
لشعراء الجاهلية. يقول الأصمعي: جلست إلى أبي عمرو بن العلاء عَشْرَ حِجَجٍ، فلم أسمعهُ يَحتجُّ ببيتٍ إِسلاميٍّ (١). وقد تأثر المفسرون بمنهج أبي عمرو فقدموا شعراء الجاهلية، وأكثروا من الاستشهاد بشعرهم. ورغبة في موازنة منهج المفسرين بمنهج أهل اللغة عمدت إلى «لسان العرب» (٢) لابن منظور لأنظر نصيب شعراء الجاهلية من شواهده الشعرية، فوجدت أن ابن منظور قد استشهد بما يزيد عن اثنين وثلاثين ألف شاهد من الشعر، المنسوب منها لقائله بلغ واحدًا وعشرين ألفًا، وأغفل الباقي، وقد درس أحد الباحثين هذا فظهر له أن الشعراء الذين نسبت إليهم هذه الشواهد وأمكن معرفة عصورهم الأدبية بلغوا ثلاثمائة شاعر، جاءت نسبتهم لعصورهم كما يأتي:
٤٠ % ينتمون للعصر الجاهلي، و ١٠ % من طبقة الشعراء المخضرمين الذين أدركوا الإسلام، و ١٥ % من شعراء صدر الإسلام، و ٣٠ % من الشعراء الأمويين، ونسبة ضئيلة جدًا تقارب ٠.٥ % ينتمون للعصر العباسي (٣). وهذا يعني أن نسبة شعراء الجاهلية تقارب النصف، والنصف الآخر ينتمي للعصر الإسلامي والأموي، وهذه نتيجة مقاربة لما في كتب التفسير أيضًا.
ثانيًا: يأتي الشاعر الأعشى في مقدمة شعراء الجاهلية عند الطبري، فقد استشهد له الطبري بمائة وثمانية عشر شاهدًا، واستشهد له القرطبي بمائة وثلاثين شاهدًا شعريًا، ولعل هذا نتيجة عناية العلماء قديمًا بشعره،
стр. 441
فقد كان أبو عمرو بن العلاء يحث تلاميذه على العناية بشعر الأعشى للاستشهاد به، حيث يقول: «عليكم بشعر الأعشى» (١). وكان أهل الكوفة - وهم أهل رواية الشعر - يُقدِّمونَ الأعشى على غيره (٢)، وقد تضمنت كتب التفسير كثيرًا من شعره، بل تكاد تجد قصائد له استشهد المفسرون بغالب أَبياتِها، مثل قصيدته الرائية التي مدح بها عامر بن الطفيل في المنافرة بينه وبين عمرو بن علاثة، ومطلعها:
شَاقَتْكَ مِنْ قَتْلَةَ أَطْلالُهَا ... بِالشَّطِّ فَالوِتْرِ إلى حَاجِرِ (٣)
فقد استشهد المفسرون بأكثر أبياتها على مسائل لغوية، وصرفية وغيرها (٤)، كما ورد كثير من أبيات معلقته في كتب التفسير (٥).
ويأتي بعده النابغة الذبياني الذي استشهد له بثلاثةٍ وخَمسين شاهدًا شعريًا، أكثرُها من معلقته التي مطلعها:
يا دَارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ ... أَقْوَتْ وطَالَ عليها سَالفُ الأَبَدِ (٦)
ثم يأتي في المرتبة الثالثة بين شعراء الجاهلية عند الطبري امرؤ القيس بن حجر، فقد استشهد له الطبري بثلاثين شاهدًا شعريًا، معظمها من معلقته، وقصيدته اللامية التي لا تقل جودة عن معلقته، والتي مطلعها:
أَلا عِمْ صَبَاحًا أَيُّها الطَّلَلُ البَالي ... وَهَلْ يَعِمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالي (٧)
стр. 442
في حين جاء امرؤ القيس في مقدمة الشعراء جَميعًا عند القرطبي في تفسيره، فقد استشهد له القرطبيُّ بِمائةٍ وثلاثةٍ وخَمسين شاهدًا شعريًا، ثم يتسلسل الشعراء الجاهليون بعد ذلك فيأتي زهير، وعنترة، وطرفة الذين يبين الجدول مقدار شواهدهم الشعرية عند الطبري وعند غيره.
ثالثًا: أما الشعراء المخضرمون فقد استشهد الطبري بشعر سبعةٍ وستين شاعرًا مُخضرمًا، وهم يُمثلون ٢١.٦% من مجموع الشعراء لدى الطبري، وقد استشهد لهم بِمائتين وثلاثة وسبعين شاهدًا شعريًا، وأوفرهم حظًا في الاستشهاد بشعره عند الطبري هو لبيد بن ربيعة العامري ﵁ فقد استشهد له باثنين وأربعين بيتًا من الشعر، ثم يأتي بعده أمية بن أبي الصلت وله من الشواهد الشعرية أربعة وعشرون شاهدًا، ثم يأتي حسان بن ثابت ﵁ وله سبعة عشر بيتًا، وهكذا بقية الشعراء المخضرمين كما هو في الجدول.
رابعًا: أما الشعراء الإسلاميون فيقاربون المخضرمين من حيث النسبة، فقد استشهد الطبري بشعر أربعةٍ وستين شاعرًا أي ٢٠.٦ % من مجموع شعراء الطبري، وأورد لهم من الشواهد ثلاثمائة وتسعة وسبعين شاهدًا شعريًا.
ويأتي على رأس شعراء الإسلام عند الطبري من حيث عدد الشواهد الشعرية العَجَّاجُ الراجز حيث أورد له أربعة وأربعين شاهدًا شعريًا، ثم يأتي بعده جرير بن عطية وله سبعة وثلاثون شاهدًا شعريًا، ومثله الفرزدق وله ستة وثلاثون شاهدًا وهكذا كما هو مبين في الجدول. ويبقى بعد ذلك ما يقارب ١٩% من شعراء الطبري لم أستطع تحديد عصرهم الزمني، ولعل البحث يكشف مستقبلًا عن تحديد عصورهم الزمنية فتكون النتائج أكثر دقة.
خامسًا: تَبَيَّنَ من خلال الجدول التزام المفسرين بِما قرره العلماء
стр. 443
في الاحتجاج بشعر الشعراء، حيث لم يستشهد الطبري بشعر أحد من الشعراء المُحدثين، وتوقف في استشهاده عند ثلاثة شعراء كان العلماء يجعلونهم آخرَ الحُججِ، وهم إبراهيم بن هَرْمة (ت ١٧٦ هـ)، حيث استشهد له بثلاثة شواهد (١)، وابن ميادة الذبياني (ت ١٤٩ هـ) استشهد له بشاهد واحد (٢)، وأبو نخيلة الراجز (ت ١٤٥ هـ) استشهد له بثلاثة شواهد (٣)، وقد أدخلت هؤلاء الثلاثة في الإسلاميين لأنهم عاشوا أكثر حياتهم في الدولة الأموية في البادية، ولذلك يقول الأصمعي (٢١٦ هـ): «سَاقَةُ الشعراءِ ابنُ ميَّادةَ (ت ١٤٩ هـ)، وابنُ هَرْمَةَ (ت ١٧٦ هـ)، ورُؤبَةُ (ت ١٤٥ هـ)، وحَكَمُ الخُضَريُّ (١٥٠ هـ)، ومَكينُ العُذريُّ (١٦٠ هـ)، وقد رأيتُهم أجْمعين» (٤).
وأما الزمخشري فقد استشهد ببيت مفرد لأبي تمام ولم يقرنه بغيره وقد تقدم، ورأيته عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٥)، وذكر ما روي عن عدي بن حاتم ﵁ في فهمه للآية، وقول الرسول ﷺ له: «إِنَّكَ لَعَريضُ القَفَا». فأشار الزمخشري إلى أن هذا القول يشار به إلى قلة الفطنة، فقال: «قلتُ: غَفَلَ عن البَيَانِ، ولذلك عَرَّض رسولُ الله ﷺ قفاه؛ لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل، وقلة فطنته، وأنشدتني بعض البدويات لبدويِّ:
عَريضُ القَفَا مِيْزَانُهُ في شِمَالِهِ ... قَدِ انحَصَّ مِنْ حَسْبِ القَراريطِ شَارِبُه (٦)» (٧).
فقد يُفهم من هذا أن هذه البدوية أنشدته لشاعر متأخر، وربما
стр. 444
تكون أنشدته لشاعر بدوي متقدم يحتج بشعره، وعلى كلا الحالين فإن الزمخشري لم يستشهد بهذا الشاهد على لغة القرآن، وإنما أراد أن يوضح معنى الكناية في قول الرسول ﷺ لعدي بن حاتم ﵁ وهذا خارج عن المؤاخذة (١).
وأما ابن عطية فقد توقف عند شعراء الاحتجاج المجمع عليهم عند العلماء، ولم يستشهد للمولدين إلا نادرًا مع النص على ذلك، وعدم إفراد شواهدهم، بل يقرنها بشواهد لشعراء الاحتجاج. ومن ذلك قوله: «وقوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] (٢) هو أن العرب أجرت الرسول مجرى المصدر في أن وصفت به الجمع والواحد والمؤنث، ومن ذلك قول الهذلي (٣):
أَلِكْنِي إليها وخَيْرُ الرَّسولِ ... أَعلمُهمْ بنِوَاحي الخَبَرْ (٤)
وقولُ الشاعرِ وإن كان مولَّدًا:
إِنَّ الَّتي أَبصَرتَها ... سَحَرًا تُكَلِّمُني رَسولُ (٥)» (٦).
والشاعر المولد الذي يعنيه هو أبو نواس. كما استشهد ببيتٍ للشافعي، واعتذر بأَنَّ أبا عبيدةَ قد استشهد به (٧). كما استشهد ببيتين للمتنبي على المعنى (٨).
وأما القرطبي فقد استشهد بشعر عدد من الشعراء العباسيين يزيدون عن خَمسةَ عشر شاعرًا، كأبي نواس، وبشار، وأبي العتاهية، وأبي تَمَّام، والمتنبي، وغيرهم، إلا أنه لم يحتج بهم في مسائل اللغة ولا الغريب ولا النحو إلا في موضع واحد استشهد فيه ببيت لأبي تمام مع
стр. 445
بيت للفرزدق (١) فلم يفرده بالاستشهاد، وأمَّا الأصل في إيراده شواهد المحدثين من الشعراء أن يستشهد بها في مسائل البلاغة والأدب (٢).
ومن ذلك ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ [إبراهيم: ٤٩] (٣)، حيث ذكر أن الإصفاد يأتي في اللغة بِمعنى العطاء، ويأتي بمعنى القيد، فقال: «وقيل: صَفَدتُهُ وأَصْفَدتُهُ جاريانِ في القَيدِ والإعطاءِ جَميعًا، قال النابغة:
........................ ... فَلَمْ أُعَرِّضْ أَبيتَ اللَّعْنَ بالصَّفَدِ (٤)
فالصَّفَدُ العَطاءُ؛ لأَنَّهُ يُقَيّدُ ويُعْبِدُ، قال أبو الطيب:
وقَيّدْتُ نَفسي في ذَرَاكَ مَحبَّةً ... ومَنْ وَجَدَ الإحسانَ قَيدًا تَقيَّدَا (٥)» (٦).
فالقرطبي هنا لم يستشهد ببيت المتنبي لمعنى لغوي للكلمة، وإنما استشهد به استشهادًا معنويًا، وهو أَنَّ العطاءَ سُمِّي صَفَدًا لأَنَّه يُقيّدُ الآخذَ بِمعروفِ المُعطي قَيدًا مَعنويًا، لأنهُ يكون أسيرًا لمعروفه، إِنْ كان حُرًّا يَحفظُ المعروفَ، ولذلك قال المتنبي قبل هذا البيت:
ومَا قَتَلَ الأحرارَ كالعَفْوِ عنهمُ ... ومَنْ لكَ بِالحُرِّ الذي يَحفظُ اليَدَا
إذا أنتَ أَكْرمتَ الكريمَ مَلكتهُ ... وإِنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تَمرَّدا
فالقرطبي لم يستشهد بشعر المتنبي على أنه حجة في اللغة، ولا بغيره من الشعراء المُحدَثِين، وإنما كان يستأنس بشعرهم في مثل هذه المسائل (٧).
стр. 446
سادسًا: رغبةً في موازنةِ عملِ المفسرين بعملِ أهلِ اللغة، عمدتُ إلى «لسان العرب» لابن منظور؛ لأرى أبرز مَن احتجَّ بشعره من الشعراءِ، فكانوا على هذا النحو (١):
الشاعر ... عصره ... قبيلته ... عدد شواهده
ذو الرمة ... إسلامي ... الرباب ... ٩٧٥
الأعشى ... جاهلي ... قيس ... ٨٧٧
رؤبة بن العجاج ... إسلامي ... تَميم ... ٦٩٨
لبيد بن ربيعة ... جاهلي ... عامر ... ٦٦٠
أبو ذؤيب الهذلي ... إسلامي ... هذيل ... ٦٠٤
العجاج ... إسلامي ... تَميم ... ٥٦٣
الكميت بن زيد ... إسلامي ... أسد ... ٤٩٥
امرؤ القيس ... جاهلي ... كندة ... ٤٤٠
جرير ... إسلامي ... تَميم ... ٤٣٨
الراعي النميري ... إسلامي ... نُمَيْر ... ٤٣٤
الفرزدق ... إسلامي ... تَميم ... ٣٩٦
النابغة الذبياني ... جاهلي ... ذبيان ... ٣٧٤
تَميم بن مقبل ... مخضرم ... قيس ... ٣٤٧
عمرو بن أحمر ... مخضرم ... باهلة ... ٣١٨
الطرماح ... إسلامي ... طي ... ٣١٥
الأخطل ... إسلامي ... تغلب ... ٣٠٤
زهير ... جاهلي ... غطفان ... ٣٠٠
стр. 447
الشاعر ... عصره ... قبيلته ... عدد شواهده
كثير عزة ... إسلامي ... خزاعة ... ٣٠٠
النابغة الجعدي ... مخضرم ... جعدة ... ٢٩٧
ساعدة بن جؤية ... جاهلي ... هذيل ... ٢٤٤
طرفة ... جاهلي ... بكر ... ٢٤٣
أوس بن حجر ... جاهلي ... تَميم ... ٢٣٤
الشماخ بن ضرار ... مخضرم ... غطفان ... ٢٢٨
عدي بن زيد ... جاهلي ... عِباد ... ٢٠٠
أبو النجم العجلي ... إسلامي ... بكر ... ٢٠٠
المتنخل الهذلي ... جاهلي ... هذيل ... ١٩٧
حميد بن ثور ... مخضرم ... هلال ... ١٧٨
القطامي ... إسلامي ... تغلب ... ١٧٢
حسان بن ثابت ... مخضرم ... الأزد ... ١٦٥
بشر بن أبي خازم ... جاهلي ... أسد ... ١٤٥
كعب بن زهير ... مخضرم ... غطفان ... ١٤٤
عنترة ... جاهلي ... عبس ... ١٢٢
الحطيئة ... مخضرم ... عبس ... ١٢٠
أبو كبير ... جاهلي ... هذلي ... ١٠٦
وهذا الجدول يظهر بشكل عام أن أبرز الشعراء الذين احتج بهم اللغويون في إثبات اللغة، هم أبرز الشعراء الذين احتج بهم المفسرون أيضًا في كتب التفسير، كالأعشى، والنابغة الذبياني، والعجاج ورؤبة وجرير والفرزدق ولبيد، وإن كان هناك اختلاف طفيف في عدد الشواهد للشعراء هنا وهناك؛ مِمَّا يدل على وحدة المعايير والمصادر التي اعتمد عليها علماء اللغة والنحو والتفسير في دراسة لغة القرآن.
стр. 448
- قبائل شعراء الشواهد عند المفسرين:
تقدم أن المفسرين قد تقيدوا زمنيًا بشعراء عصور الاحتجاج، وقد أظهر إحصاءُ الشعراء وعدد شواهدهم وعصورهم الزمنية دِقَّةَ المفسرين في الالتزام بتلك الضوابط، وقد أضاف العلماء قيدًا ثالثًا للاستشهاد وهو القيد المكاني، وقد سبق الحديث عنه في الباب الأول على وجه التأصيل، وقد قمت بحصر جميع قبائل الشعراء الذين ورد ذكرهم في كتب التفسير، وقيدت ذلك في جدول رتبت فيه القبائل بحسب عدد الشعراء الذين استشهد المفسرون بشعرهم من تلك القبيلة، وعدد الشواهد لشعراء كل قبيلة:
م ... القبيلة ... الشعراء ... الشواهد
١ ... تَميم ... ٥٨ ... ٢٩٤
٢ ... كنانة ... ٢٦ ... ٧١
٣ ... بكر ... ٢٣ ... ١٨١
٤ ... الأزد ... ٢١ ... ٩٤
٥ ... هذيل ... ١٧ ... ٥٠
٦ ... أسد ... ١٥ ... ٣٤
٧ ... هوازن ... ١٣ ... ٥٦
٨ ... تغلب ... ٩ ... ٤٦
٩ ... غطفان ... ٨ ... ٦٦
١٠ ... طيء ... ٨ ... ٣٨
١١ ... عبس ... ٥ ... ٣٥
١٢ ... سليم ... ٥ ... ١٦
١٣ ... عبد القيس ... ٥ ... ٦
١٤ ... قضاعة ... ٤ ... ٨
١٥ ... مزينة ... ٣ ... ٣٩
١٧ ... الرِّباب ... ٣ ... ٣٤
١٨ ... كندة ... ٣ ... ٣١
١٩ ... عكل ... ٣٨ ..
٢٠ ... باهلة ... ٣ ... ١٠
٢١ ... مازن ... ٣ ... ٥
٢٢ ... غني ... ٣ ... ٣
٢٣ ... حمير ... ٢ ... ٧
٢٤ ... فزارة ... ٢ ... ٦
٢٥ ... خثعم ... ٢ ... ٤
٢٦ ... لخم ... ٢ ... ٣
٢٧ ... بلحارث ... ٢ ... ٢
٢٨ ... ضبة ... ٢ ... ٢
стр. 449
وقد استبعدت من هذا الجدول من القبائل ما لم يكن منها إلا شاعر أو شاعران لهم شاهد أو شاهدان، وعدد هذه القبائل ست وعشرون قبيلة.
ومن خلال هذا الإحصاء للقبائل، وعدد الشعراء المنتسبين لكل قبيلة وعدد شواهدهم، يمكن الخروج بالنتائج الآتية:
أولًا: أن المفسرين قد استشهدوا بأشعار شعراء ينتمون إلى أكثر من ثلاثين قبيلة من قبائل العرب، وهؤلاء الشعراء يمثلون مجموعة كبيرة من قبائل العرب التي احتج أهل اللغة بلغتهم، وهم من عصور الاحتجاج المتفق عليها.
ثانيًا: أَنَّ قبيلة تَميمٍ قد استحوذت على النصيب الأكبر من حيث عدد الشعراء وعدد الشواهد، فقد استشهد المفسرون بثمانية وخمسين شاعرًا من شعراء تميم في الجاهلية والإسلام، وبلغت شواهدهم مجتمعة مائتين وأربعة وتسعين شاهدًا شعريًا مختلفة في اللغة والنحو وغيرها، وأبرز شعراء تميم في الجاهلية أوس بن حجر، وأمَّا في الإسلام فقد اشتهر عدد من شعراء تميم مثل جرير، والفرزدق، والعجاج، ورؤبة بن العجاج وعن هؤلاء أخذ المفسرون معظم شواهد التفسير من تميم، وأما بقية شعراء تميم فيكون للواحد منهم البيت والبيتان والثلاثة، وليس فيهم من بلغ مرتبة هؤلاء في كثرة الشواهد.
يأتي بعد تميم قبائل كنانة، وقد أدخلت فيهم شعراء قريش، ثم يأتي بعد هاتين القبيلتين قبيلة بكر ببطونها المختلفة، ومنهم شعراء قيس، وغيرهم من بطون بكر، وأشهر شعرائهم الأعشى ميمون بن قيس الذي يعد أوفر شعراء الجاهلية حظًا لدى المفسرين كما تقدم، وطرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، ثم تأتي بقية القبائل كما هو ظاهر في الجدول السابق.
ثالثًا: أن القرآن الكريم نزل بلغات العرب، ولم يقتصر نزوله على لغة قريش خاصة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وفي صنيع المفسرين هذا في استشهادهم بشعر قبائل العرب إجماع منهم على أنه لم ينزل بلغة
стр. 450
قريش وحدها، ولو كان القرآن نزل بلغة قريش لما احتاج الناس إلى الشعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرجوع إلى شعر قريش ونثرها للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن وجود الغريب في القرآن والمشكل وحروف خفي معناها على بعض القرشيين كأبي بكر وعمر دليل على أنه لم ينزل بلسان قريش وحدها، وقد فصل العلماء هذه المسألة (١).
رابعًا: سبق الحديث عن كلام الفارابي في الباب الأول، وقوله: «والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد؛ فإن هؤلاء هم الذين عنهم أخذ أكثر ما أخذ ومعظمه. وعليهم اتكل في الغريب، وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم، وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكانِ البَراري مِمَّن كان يسكنُ أطرافَ بلادهم المُجاورةِ لسائر الأمم الذين حولهم» (٢).
غير أني أضيف هنا بعد هذا الحصر للقبائل والشعراء، أن الفارابي أصاب في معظم ما ذكره، حيث لم يكن حكمه فيما يبدو لي مبنيًا على استقراء دقيق، وإنما هو بطبيعته الفلسفية أراد أن يُنَظِّرَ لمثل هذا الأمر، وهو الاحتجاج، فرأى أن الأولى أن يكون أخذ اللغة عن هؤلاء دون غيرهم، ونظر في أكثر ما نقل فوجده عن قبائل تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبعض الطائيين، فقال هذا القول.
ويُمكن أَن يُستدركَ عليه عدم ذكره لشعراء الأزد، ولا شعراء كنانة،
стр. 451
ولا سيما شعراء قريش وهم أهل الحضر، فقد استشهد المفسرون بشعر أكثر من عشرين شاعرًا من قريش وحدها دون سائر كنانة، وببعض شعراء كنانة الذين بلغوا جميعًا خمسة وعشرين شاعرًا، وورد لهم واحد وستون شاهدًا في كتب التفسير غير ما جهلت نسبته.
كما ذكر الفارابي أن العلماء لم يأخذوا اللغة: «لا مِن لَخْمٍ، ولا من جُذام؛ فإنهم كانوا مُجاورينَ لأهلِ مصرَ والقِبْط، ولا من قُضاعةَ وغَسانَ، ولا من إِيادٍ؛ فإنهم كانوا مُجاورينَ لأهل الشامِ، وأكثرهم نصارى، يقرأون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلبَ ولا النَّمر؛ فإنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس، ولا من عبدالقيس؛ لأنهم كانوا سكان البحرين، مخالطين للهند والفرس، ولا من أزد عمان؛ لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلًا؛ لمخالطتهم للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم، وفسدت ألسنتهم» (١). وكل القبائل التي ذكر الفارابي أنه لم يؤخذ عنها وردت شواهد لشعرائها في كتب التفسير كما هو في جدول الشعراء. كقبيلة كنانة، وثقيف، والأزد وغيرهم.
رابعًا: كثيرًا ما يقول المفسرون قبل إيراد الشاهد الشعري «قالت العرب» أو «هكذا قالت العرب»، ونحو هذه العبارات، التي لا تعتد بقبيلة الشاعر، وإِنَّما تُسمِّي كل ما قاله شعراء القبائل المُحتج بشعرهم عربيةً، ولعل هذا لأن اللغة التي كان الشعراء ينظمون بها شعرهم لم يبق فيها فوارق تذكر بين اللهجات، وتضاءلت تلك الفوارق بين اللهجات بعد نزول القرآن الكريم.
стр. 452
المبحث الثالث: منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى .
كان علماءُ السلفِ شيوخَ لغةٍ وشعرٍ وروايةٍ، وكانوا يقدمون دراسة اللغة والشعر على غيرها، ويستقصون في تتبع شعر العرب؛ لأن الشعر كان أصلًا للعلمِ بالكتاب والسنة، ففهمُهُما مترتبٌ على فهمِ لُغتِهما، وفُهمُ اللغةِ أصلهُ فهمُ شعرِ العَربِ ونثرِها، حتى إذا بلغ أحدهم من العلم مبلغًا انصرف للتصنيف في التفسير وغيره بعد أن يكون قد استحكمت آلته، وقويت ملكته العلمية، ولذلك تجد للواحد منهم ترجمةً في طبقات اللغويين والمفسرين والفقهاء والأدباء وغيرهم لكثرة مصنفاته، وتنوع معارفه ومن هؤلاء الإمام الطبري (١)، والزمخشري (٢)، وابن عطية وغيرهم. ودليل ذلك أن بعض المفسرين تصدَّى لشرح دواوين الشعراء، كالطبري والواحدي (٣)،
فقد ذُكر عن الطبري أنه كان «يحفظُ من الشعر للجاهلية والإسلام ما لا يجهله إلا جاهل به» (٤)، وذُكرَ عن ثعلب أنه قال: «قرأ عليَّ أبو جعفر الطبري شعر الشعراء قبل أن يكثر الناس
стр. 453
عندي بمدة طويلة» (١)، وقد لقيه ابنُ سُريجٍ في مصر «فوجده فاضلًا في كل ما يذاكره به من العلم، ويجيب في كل ما يسأله عنه، حتى سأله عن الشعر فرآه فاضلًا بارعًا فيه، فسأله عن شعر الطرماح - وكان من يقوم به مفقودًا في البلد - فإذا هو يحفظه، فسئل أن يمليه حفظًا بغريبه» (٢).
وتفسير القرآن الكريم وتفسير الشعر لا يكادان في جانب اللغة يحتلفان وإن كان للقرآن الكريم خصوصيته، كما قال الطبري: «فالواجب أن تكون معاني كتاب الله المُنَزَّلِ على نبينا ﷺ لمعاني كلام العرب موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها مُلائِمًا، وإِنْ بَايَنَه كتابُ الله بالفضيلة التي فَضَلَ بِهَا سائرَ الكلام والبيان» (٣).
وقد كان من أهم دوافع شرح العلماء للشعر والعناية به هو الرغبة في خدمة معاني القرآن الكريم وتفسيره، مما جعل دراسة الشعر وتفهمه بابًا من أبواب حفظ لغة القرآن الكريم، وتقوية تفسيره، وقد تقدم شيء من أقوال العلماء في وجوب تعلم اللغة العربية قبل الكلام في تفسير القرآن الكريم، وحسبك بقول مجاهد تلميذ ابن عباس: «لا يَحِلُّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالمًا بلغات العرب» (٤)، وقول الإمام مالك: «لا أوتى برجلٍ غير عالمٍ بلغاتِ العَرَبِ يفسرُ كتابَ الله إلا جعلتُه نَكَالًا» (٥)، وهذا كلامٌ يُدْخِلُ المسألةَ بابَ الحِلِّ والحُرمةِ، ويُحرِّمُ على من لم يفهم اللغة والنحو أن يفسرَ القرآنَ.
وقد وظَّفَ المفسرون علمَهم بالشعر ومعانيه وأقوال العلماء فيه في تفاسيرهم، فجاءت مليئةً بأرائهم ونظراتهم في الشعر، ومعانيه، وإعرابه، ومناسباته، وذكر بعض أحوال الشعراء، وسأبين في هذا المبحث منهج
стр. 454
المفسرين وأصحاب كتب التفسير اللغوي وهي كتب المعاني والغريب في شرح الشعر؛ لأَنَّ كتبَ معاني القرآن وغريبه «هي الصورةُ الأولى لكتبِ التفسير» (١)، ولتشابه المنهج مِمَّا يجعل تكرارَ دراسته في مبحث آخر ضَربًا من التكرار.
أسباب الحاجة إلى شرح الشاهد الشعري:
هناك أسبابٌ تدفع المفسرين وغيرهم لشرح الشعر عندما يوردونه في كلامهم، ويمكن إرجاع الحاجة إلى شرح الشعر إلى الأسباب الآتية أو أحدها:
أولًا: غرابة الألفاظ .
الغريبُ في اللغة فهو الغامضُ من الكلام (٢). وعند المفسرين: ما غَمُضَ لَفظُهُ، وبَعُدَ معناهُ، أو أَشْكَلَ من ألفاظ القرآن (٣)، وألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى، قال أبو حيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين: قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت. وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن». (٤) وستأتي أمثلة للغريب الوارد في الشاهد الشعري، وأكتفي هنا بالإشارة إلى أن اللفظة في الشاهد الشعري قد تكون معروفة من حيث اللفظ عند العرب، غير أن الشاعر يستعملها في معنى لا تعرفه العرب، كالمعاني التي تتعلقُ بالغيبياتٍ واليوم الآخر، وهي أمرو لا يعرفها إلا من كان على اطلاعٍ
стр. 455
على الأديان السابقة، ويظهر ذلك في شعر أمية بن أبي الصلت كثيرًا، وقد كان هذا سببًا في ترك كثير من العلماء الاستشهاد بشعر أمية كما ذكر ابن قتيبة (١) ومن أمثلة ذلك قول أمية بن أبي الصلت:
رَجُلٌ وثَورٌ تَحتَ رِجْلِ يَمِينهِ ... والنّسْرُ للأخرى ولَيثٌ مُرْصَدُ (٢)
فألفاظ هذا البيت واضحة، ولكن المعنى الذي يتحدث عنه من المعاني الغيبية؛ لأنه يصف حَمَلَةَ العَرشِ الذين يحملون عرشَ الرحمن، ولذلك صَدَّقَهُ النبيُّ ﷺ في وصفه هذا، وقال: «صَدَقَ، هذه صفاتُ عرش الرحمن». (٣) وقد ذكر الطبري هذا البيت في معرض تفسيره لمعنى البرق في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] (٤)، وأنَّ من المعاني التي فُسِّرَ بها البَرْقُ أنه صوتُ حَمَلةِ العرش من الملائكة. (٥) وهذه معانٍ غيبية متعلقة بالآخرة، لم يكن يستوي العرب في معرفتها، بل لا يكاد يعرفها إلا القليل، وأكثر شواهد شعر أمية بن أبي الصلت من هذا القبيل، لاطلاعه على كتب أهل الكتاب. (٦) وقد ذكر ابنُ سلَّام أميةَ فقال: «وكان أمية بن أبي الصلت كثيرَ العجائب، يذكر في شعره خلقَ السموات والأرض، ويذكرُ الملائكةَ، ويذكرُ مالم يذكره أحدٌ من الشعراء، وكان قد شامَّ أهلَ الكتاب» (٧). وذكر الأصفهاني أنَّ «أمية بن أبي الصلت قد قرأ كتاب الله عَزَّوَجَلَّ الأول، فكان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب». (٨) ولذلك كانت بعض أبياته
стр. 456
تستعصي على فهم بعض العلماء الكبار كعيسى بن عمر. (١)
ثانيًا: غرابة التركيب .
ربما تكون غرابة معنى الشاهد، لتركيبه لا لألفاظه، فيحتاج المفسر إلى شرح الشاهد الشعري، وبيان معنى تركيبه ونظمه. ومن ذلك أن الطبري بعد إيراده قول امرئ القيس:
ولو أَنَّ مَا أَسعى لأَدْنى مَعيشةٍ ... كَفَاني - ولم أَطْلُبْ - قَليلٌ مِن المالِ (٢)
شرح تركيبه فقال: «يريد: كفاني قليلٌ من المالِ، ولم أطلب الكثير». (٣) لأنه قد يفهم البيت على غير هذا الفهم، وهو أن يقف على قوله: «كفاني»، ثم يستأنف «ولم أطلب قليلًا من المال»، بنصب قليلًا. غير أن الطبري قد شرح تركيب هذا البيت، وبَيَّنَ أنَّ قوله: «ولم أطلب» اعتراضٌ في الكلام.
ومن أمثلة ذلك قول النابغة الذبياني:
وقَدْ خِفْتُ حتى مَا تَزيدُ مَخَافَتِي ... عَلى وَعِلٍ في ذِي المَطَارةِ عَاقِلِ (٤)
فهو غريب التركيب، وقد شرح الطبري معناه فقال: «والمعنى: حتى ما تزيد مخافة الوَعِل على مخافتي». (٥) وقد استشهد به على أن العرب قد تضع الحرفَ في غير موضعه إذا كان معروفًا، ولذلك نظائر. (٦)
стр. 457
ثالثًا:
هناك أسبابٌ أخرى تدعو إلى شرح الشاهد الشعري في كتب التفسير وإن لم تكن كثيرة الأمثلة كالسببين السابقين، غير أنه يحسن الإشارة إليها. ومنها:
- انفراد الشاهد الشعري عند الاستشهاد به عن بقية أبيات القصيدة .
فإن من أبرز خصائص الشاهد الشعري في كتب التفسير وغيرها من كتب اللغة والنحو، أنه يأتي في سياق الاستشهاد به مفصولًا عن القصيدة التي هو منها، وهذا يعرضه لسوء الفهم، وتعدد التأويلات، ولذلك أشار عدد من العلماء الذين قاموا بشرح الشواهد الشعرية في مصنفات خاصة إلى ما في فصل الشاهد الشعري عن سوابقه ولواحقه من تعريضه لكثرة التأويلات في شرحه وفهمه.
ومن ذلك قول البَطَلْيُوسيِّ في شرحه لأَبياتِ كتاب «أدب الكُتَّاب»: «وغرضي أن أَقْرِنَ بكل بيتٍ منها ما يتصلُ به من الشعر من قبلهِ ومن بعده، إلا أبياتًا يسيرةً لم أعلم قائلَها، ولم أحفظ الأشعار التي وقعت فيها، وفي معرفة ما يتصل بالشاهد ما يجلو معناه، ويعرب عن فحواه، فإنا رأينا كثيرًا من المفسرين للأبيات المستشهد بها، قد غلطوا في معانيها، حين لم يعلموا الأشعار التي وقعت فيها، لأن البيت إذا انفردَ احتملَ تأويلاتٍ كثيرةً». (١) ونَبَّهَ إلى أنه ينبغي على المتكلم في معاني الأبيات المنقطعة عن صواحبها أن لا يقطع على مراد قائلها؛ لاحتمال اختلاف التأويل إذا عُرِفَ السَّابقُ أو اللاحق من الأبيات. (٢) وفعل مثل ذلك شراح الشواهد كالسيرافي والبغدادي وغيرهم وإن لم ينصوا على
стр. 458
ذلك في مقدماتهم. (١) ولم يعتن بذلك الأعلم الشنتمري في شرحه لشواهد سيبويه. (٢)
وقد ذكر المعري قصة تدل على أهمية معرفة ما قبل الشاهد ومابعده لفهم الشاهد فقال: «حدثني عبدالسلام البصري خازن دار العلم ببغداد - وكان لي صديقًا صدوقًا - قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي، وبعض أصحابه يقرأ عليه «إصلاح المنطق» لابن السكيت، فمضى بيت حميد بن ثور، وهو:
ومَطويَّةُ الأَقرَابِ أَمَّا نَهَارُهَا ... فَسَبْتٌ، وأَمَّا لَيلُها فَذَمِيلُ
فقال أبو سعيد: ومطويةِ، أَصلِحْهُ بالخفضِ، ثُمَّ التفتَ إلينا، فقال: هذه واو رُبَّ، فقلتُ: أطال الله بقاء القاضي، إِنَّ قبلَهُ ما يدلُّ على الرفعِ. فقال: وما هو؟ فقلت:
أَتاكَ بيَ اللهُ الذي أَنزلَ الهُدَى ... ونُورٌ وإِسلامٌ عليكَ دَليلُ (٣)
ومَطويَّةُ الأَقرابِ .....
فعاد وأصلحه». (٤) وإنما وقع السيرافي في هذا لعدم تنبهه لما قبل الشاهد من أبيات.
ومن الأمثلة على ذلك مما جاء في كتب التفسير، قول الشاعر (٥):
مَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا (٦)
حيث ذكر الطبري أن قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] (٧) عطفٌ على موضعِ «أَنْ» المَحذوفة في ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]،
стр. 459
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣] فكأن معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبالوالدين إحسانًا، فرفع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لَمَّا حذفَ «أن»، ثم عطف: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ على موضعها. واستشهد بقول الشاعر:
مَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا
فنصبَ «الحديدَ» على العطف به على موضعِ «الجبال»؛ لأنَّها لو لم تكن فيها باء خافضة كانت نصبًا، فعطف بـ «الحديدِ» على معنى «الجبالِ» لا على لفظها، فكذلك قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. (١) وهذا الذي ذهب إليه الطبري في توجيه الشاهد الشعري أحد قولين للنحويين، وهو قول سيبويه. (٢)
والقول الآخر أن رواية البيتِ بِجَرِّ «الحديد». قال العسكريُّ: «ومِمَّا غَلِطَ فيه النحويون من الشِّعْرِ ورووه موافقًا لما أرادوه، ما رُوِيَ عن سيبويه عندما احتج به في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، وقد غلط على الشاعر، لأن هذه القصيدة مشهورة، وهي مخفوضة كلها. وهذا البيت أولها، وبعده:
فهبها مِدحةً ذهبتْ ضيَاعًا ... يزيدُ أَميرُها وأبو يَزيدِ
أكلتُمْ أرضنَا فَجَرَدتُمُوها ... فهلْ مِنْ قائمٍ أو مِنْ حَصيدِ». (٣)
وهذا مثال يدل على أهمية معرفة الأبيات التي منها هذا الشاهد من
стр. 460
الشعر، وإن كان قد رَدَّ هذا القولَ الزمخشريُّ وابنُ الأنباري وغيرهما، وقالوا إن هذا الشاهد روي مع أبيات منصوبة أيضًا، ومنها:
أَديروهَا بَنِي حَرْبٍ عليكُمْ ... ولا تَرْمُوا بِهَا الغَرَضَ البَعيدا (١)
والشاهد ما تقدم من أهمية معرفة أبيات القصيدة التي منها الشاهد، مع ما قد يكون في هذا المثال من خلاف، والغرض التمثيل.
ومن الأمثلة كذلك ما ذكره ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] (٢) حيث قال: «وقالت فرقةٌ: سِجيّل معناه: شديد، وأنشد الطبري في ذلك لابن مقبل:
.......................... ... ضربًا تواصَى بهِ الأبطالُ سجيلا (٣)
والبيت في قصيدةٍ نونيةٍ سِجِّينَا». (٤)
فمعرفة أبيات القصيدة التي تسبق بيت الشاهد وتلحقه تدل على صواب الاستشهاد وصحته، فلأن قافية الأبيات نونية فاللفظة إذا: «سجينا». وهي كذلك في الديوان، وذكروا أن أصلها «سجيلا»، غير أنها «أُبدلت اللامُ نونًا، كما قالوا في أُصَيلانَ، أُصَيلالَ». (٥) وقد أورد البطليوسي عددًا من الأمثلة على مثل هذه المسألة. (٦)
- الجهل بِموضوع الشاهد ومناسبته .
فقد يكون سببُ الحاجة للشرح الجهلَ بِمُناسبة الشاهد، وعدمَ معرفة الموضوع الذي يدور حوله، فيحتاج المفسر أن يبين ذلك قبل الشاهد أو بعده ليتضح معنى الشاهد، ووجه الاستشهاد.