← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

تستعصي على فهم بعض العلماء الكبار كعيسى بن عمر. (١) ثانيًا: غرابة التركيب . ربما تكون غرابة معنى الشاهد، لتركيبه لا لألفاظه، فيحتاج المفسر إلى شرح الشاهد الشعري، وبيان معنى تركيبه ونظمه. ومن ذلك أن الطبري بعد إيراده قول امرئ القيس: ولو أَنَّ مَا أَسعى لأَدْنى مَعيشةٍ ... كَفَاني - ولم أَطْلُبْ - قَليلٌ مِن المالِ (٢) شرح تركيبه فقال: «يريد: كفاني قليلٌ من المالِ، ولم أطلب الكثير». (٣) لأنه قد يفهم البيت على غير هذا الفهم، وهو أن يقف على قوله: «كفاني»، ثم يستأنف «ولم أطلب قليلًا من المال»، بنصب قليلًا. غير أن الطبري قد شرح تركيب هذا البيت، وبَيَّنَ أنَّ قوله: «ولم أطلب» اعتراضٌ في الكلام. ومن أمثلة ذلك قول النابغة الذبياني: وقَدْ خِفْتُ حتى مَا تَزيدُ مَخَافَتِي ... عَلى وَعِلٍ في ذِي المَطَارةِ عَاقِلِ (٤) فهو غريب التركيب، وقد شرح الطبري معناه فقال: «والمعنى: حتى ما تزيد مخافة الوَعِل على مخافتي». (٥) وقد استشهد به على أن العرب قد تضع الحرفَ في غير موضعه إذا كان معروفًا، ولذلك نظائر. (٦)

стр. 457

ثالثًا: هناك أسبابٌ أخرى تدعو إلى شرح الشاهد الشعري في كتب التفسير وإن لم تكن كثيرة الأمثلة كالسببين السابقين، غير أنه يحسن الإشارة إليها. ومنها: - انفراد الشاهد الشعري عند الاستشهاد به عن بقية أبيات القصيدة . فإن من أبرز خصائص الشاهد الشعري في كتب التفسير وغيرها من كتب اللغة والنحو، أنه يأتي في سياق الاستشهاد به مفصولًا عن القصيدة التي هو منها، وهذا يعرضه لسوء الفهم، وتعدد التأويلات، ولذلك أشار عدد من العلماء الذين قاموا بشرح الشواهد الشعرية في مصنفات خاصة إلى ما في فصل الشاهد الشعري عن سوابقه ولواحقه من تعريضه لكثرة التأويلات في شرحه وفهمه. ومن ذلك قول البَطَلْيُوسيِّ في شرحه لأَبياتِ كتاب «أدب الكُتَّاب»: «وغرضي أن أَقْرِنَ بكل بيتٍ منها ما يتصلُ به من الشعر من قبلهِ ومن بعده، إلا أبياتًا يسيرةً لم أعلم قائلَها، ولم أحفظ الأشعار التي وقعت فيها، وفي معرفة ما يتصل بالشاهد ما يجلو معناه، ويعرب عن فحواه، فإنا رأينا كثيرًا من المفسرين للأبيات المستشهد بها، قد غلطوا في معانيها، حين لم يعلموا الأشعار التي وقعت فيها، لأن البيت إذا انفردَ احتملَ تأويلاتٍ كثيرةً». (١) ونَبَّهَ إلى أنه ينبغي على المتكلم في معاني الأبيات المنقطعة عن صواحبها أن لا يقطع على مراد قائلها؛ لاحتمال اختلاف التأويل إذا عُرِفَ السَّابقُ أو اللاحق من الأبيات. (٢) وفعل مثل ذلك شراح الشواهد كالسيرافي والبغدادي وغيرهم وإن لم ينصوا على

стр. 458

ذلك في مقدماتهم. (١) ولم يعتن بذلك الأعلم الشنتمري في شرحه لشواهد سيبويه. (٢) وقد ذكر المعري قصة تدل على أهمية معرفة ما قبل الشاهد ومابعده لفهم الشاهد فقال: «حدثني عبدالسلام البصري خازن دار العلم ببغداد - وكان لي صديقًا صدوقًا - قال: كنت في مجلس أبي سعيد السيرافي، وبعض أصحابه يقرأ عليه «إصلاح المنطق» لابن السكيت، فمضى بيت حميد بن ثور، وهو: ومَطويَّةُ الأَقرَابِ أَمَّا نَهَارُهَا ... فَسَبْتٌ، وأَمَّا لَيلُها فَذَمِيلُ فقال أبو سعيد: ومطويةِ، أَصلِحْهُ بالخفضِ، ثُمَّ التفتَ إلينا، فقال: هذه واو رُبَّ، فقلتُ: أطال الله بقاء القاضي، إِنَّ قبلَهُ ما يدلُّ على الرفعِ. فقال: وما هو؟ فقلت: أَتاكَ بيَ اللهُ الذي أَنزلَ الهُدَى ... ونُورٌ وإِسلامٌ عليكَ دَليلُ (٣) ومَطويَّةُ الأَقرابِ ..... فعاد وأصلحه». (٤) وإنما وقع السيرافي في هذا لعدم تنبهه لما قبل الشاهد من أبيات. ومن الأمثلة على ذلك مما جاء في كتب التفسير، قول الشاعر (٥): مَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا (٦) حيث ذكر الطبري أن قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] (٧) عطفٌ على موضعِ «أَنْ» المَحذوفة في ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]،

стр. 459

وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ٨٣] فكأن معنى الكلام: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبالوالدين إحسانًا، فرفع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لَمَّا حذفَ «أن»، ثم عطف: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ على موضعها. واستشهد بقول الشاعر: مَعَاويَ إِنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسنَا بِالجبالِ ولا الحَديدَا فنصبَ «الحديدَ» على العطف به على موضعِ «الجبال»؛ لأنَّها لو لم تكن فيها باء خافضة كانت نصبًا، فعطف بـ «الحديدِ» على معنى «الجبالِ» لا على لفظها، فكذلك قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. (١) وهذا الذي ذهب إليه الطبري في توجيه الشاهد الشعري أحد قولين للنحويين، وهو قول سيبويه. (٢) والقول الآخر أن رواية البيتِ بِجَرِّ «الحديد». قال العسكريُّ: «ومِمَّا غَلِطَ فيه النحويون من الشِّعْرِ ورووه موافقًا لما أرادوه، ما رُوِيَ عن سيبويه عندما احتج به في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، وقد غلط على الشاعر، لأن هذه القصيدة مشهورة، وهي مخفوضة كلها. وهذا البيت أولها، وبعده: فهبها مِدحةً ذهبتْ ضيَاعًا ... يزيدُ أَميرُها وأبو يَزيدِ أكلتُمْ أرضنَا فَجَرَدتُمُوها ... فهلْ مِنْ قائمٍ أو مِنْ حَصيدِ». (٣) وهذا مثال يدل على أهمية معرفة الأبيات التي منها هذا الشاهد من

стр. 460

الشعر، وإن كان قد رَدَّ هذا القولَ الزمخشريُّ وابنُ الأنباري وغيرهما، وقالوا إن هذا الشاهد روي مع أبيات منصوبة أيضًا، ومنها: أَديروهَا بَنِي حَرْبٍ عليكُمْ ... ولا تَرْمُوا بِهَا الغَرَضَ البَعيدا (١) والشاهد ما تقدم من أهمية معرفة أبيات القصيدة التي منها الشاهد، مع ما قد يكون في هذا المثال من خلاف، والغرض التمثيل. ومن الأمثلة كذلك ما ذكره ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] (٢) حيث قال: «وقالت فرقةٌ: سِجيّل معناه: شديد، وأنشد الطبري في ذلك لابن مقبل: .......................... ... ضربًا تواصَى بهِ الأبطالُ سجيلا (٣) والبيت في قصيدةٍ نونيةٍ سِجِّينَا». (٤) فمعرفة أبيات القصيدة التي تسبق بيت الشاهد وتلحقه تدل على صواب الاستشهاد وصحته، فلأن قافية الأبيات نونية فاللفظة إذا: «سجينا». وهي كذلك في الديوان، وذكروا أن أصلها «سجيلا»، غير أنها «أُبدلت اللامُ نونًا، كما قالوا في أُصَيلانَ، أُصَيلالَ». (٥) وقد أورد البطليوسي عددًا من الأمثلة على مثل هذه المسألة. (٦) - الجهل بِموضوع الشاهد ومناسبته . فقد يكون سببُ الحاجة للشرح الجهلَ بِمُناسبة الشاهد، وعدمَ معرفة الموضوع الذي يدور حوله، فيحتاج المفسر أن يبين ذلك قبل الشاهد أو بعده ليتضح معنى الشاهد، ووجه الاستشهاد.

стр. 461

ومن ذلك أن الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] (١)، وذكر أن بعض المفسرين قد فسَّر «العلمَ» بِمعنى «الرؤية» فقال: «وقال بعضهم: إنما قيل ذلك من أجل أنَّ العربَ تضعُ «العلمَ» مكان «الرؤية»، و «الرؤية» مكان «العلم» ... كما قال جرير بن عطية: كأَنَّكَ لم تشهدْ لَقِيطًا وحَاجِبًا ... وعَمرَو بنَ عمرٍو إذْ دعَا يالَ دَارِمِ (٢) بمعنى: كأنك لم تعلم لقيطًا؛ لأنَّ بين هُلكِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يخفى بُعْدُه من المُدةِ. وذلك أن الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية، وجرير كان بعد بُرهةٍ مضت من مَجيء الإسلام». (٣) ولعل الطبري يعني أن الفرزدق لم يشهد مهلك هؤلاء لأنه هو المخاطب بالبيت، وقد استعان الطبري بمعرفته التاريخية بموت هؤلاء من بني دارم في الجاهلية، ولا يمكن فهمه إلا بهذا البيان، ولو جهل هذا التاريخ لما صح تفسير الشهادة بالعلم في البيت، لاحتمال أن الفرزدق أدرك مهلك لقيط وحاجب. ومن أمثلة ذلك أن القرطبي عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠] (٤) ذكر أن من معاني التغريق القتل، فقال: «والتَّغْريقُ: القتلُ، قال الأعشى: ....................... ... أَلا ليتَ قَيسًا غَرَّقتهُ القَوابِلُ (٥) وذلك أَنَّ القابلةَ كانت تُغَرِّقُ المولودَ في ماء السَّلَى عام القَحْطِ،

стр. 462

ذَكَرًا كان أو أنثى حتى يَموت، ثم جُعِلَ كُلُّ قتلٍ تغريقًا». (١) فالقرطبي ذكر أن التغريق معناه القتل، وكان هذا كافيًا لفهم الشاهد، لكنه أتى بما وراء ألفاظ الشاهد وهي ما كان يفعله بعض العرب من تغريق المولود في زمن القحط في ماء السَّلَى، فزاد هذا الشاهدَ وضوحًا وجلاءً. وقد ذكر أهل اللغة مثل ذلك. (٢) - خفاء معنى كثير من لغة العرب لموت أهلها . وذكر ابن فارس أنَّ من أسباب الحاجة إلى شرح اللغة ذهاب كثير من لغة العرب، وذهاب من يحسنها، ويفهم معانيها، وأنه قد بقيت مفردات وتراكيب كثيرة خفي معناها على العلماء، ولم تفسر تفسيرًا يطمئنُّ إليه (٣)، ولكنني لم أعثر في كتب التفسير على مثال من هذه المفردات التي ذكرها ابن فارس. هذه أهم الأسباب - فيما يظهر - التي دعت المفسرين إلى شرح شواهد الشعر في كتب التفسير. منهج المفسرين في شرح الشاهد الشعري وبيان دلالته على المعنى: الشَّرحُ هو الكشفُ والتبيينُ والتوضيح (٤)، ويُعَدُّ الشاهدُ الشعري في كتب التفسير جزءًا من التفسير والبيان الذي يؤتى به لتوضيح معاني المفردات والتراكيب في القرآن الكريم، بل إن الشاهد الشعري يعد عند أهل اللغة شارحًا للمفردات، فقد سئل الأصمعي عن معنى الألمعي، فأنشد بين أوس بن حجر: الأَلمعيُّ الذي يَظُنُّ بكَ الظنَّ ... كأَنْ قد رأَى وقد سَمِعَا (٥)

стр. 463

ولم يزد على ذلك. (١) كما أَنَّ المفسرين لا يتوسعون في شرح الشواهد الشعرية إلا في مواطن الخلاف والردود على غيرهم في فهم الشاهد أو الاستشهاد به. ولذلك فإن المفسرين لم يقصدوا إلى تفسير الشعر على نحو ما يفعل شراح الدواوين، وإنما كانوا يقصدون إلى تفسير القرآن الكريم، والاستدلال على صحة هذا التفسير بالشعر، فشرح الشعر يأتي تبعًا في كتب التفسير، وليس على وجه الاستقلال، ويكون ذلك بقدر حاجة التفسير، وبيانه لمعاني القرآن الكريم. وقد مرَّ شرحُ الشعرِ بِمراحل منذ نشأته على يد شعراء الجاهلية أنفسهم، حتى استقر على يد أمثال أبي عبيدة والأصمعي ومن في طبقتهم، وأصبح له أعلامه المعروفون، ومنهجه الذي يسير عليه. ثم جاء أبو سعيد السكري فجمع دواوين القبائل والشعراء وشرحها، وليس له في هذا الباب نظير، وأما شرح شواهد الشعر فمن أبرز من تصدى لذلك أبو محمد يوسف السيرافي (ت ٣٨٥ هـ)، فقد صنف عدة كتب في شرح شواهد الشعر التي وردت في عدة كتب مشهورة بين الناس، فشرح أبيات كتاب سيبويه، وشرح أبيات «إصلاح المنطق»، وشرح أبيات «مَجاز القرآن» لأبي عبيدة، وأبيات «معاني القرآن» للزجاج، وشرح أبيات «الغريب المصنف» لأبي عبيدة القاسم بن سلام إلى غير ذلك. (٢) وقد قمتُ بِجمعِ كُلِّ الشواهد الشعرية التي شرحها المفسرون، لاستخلاص الأسس المنهجية العامة التي كان يعتمدها المفسرون في شرح الشاهد الشعري، ووازنت بين شرح المفسرين لها وشرح غيرهم لمعرفة حجم الحهد الذي قدمه المفسرون في هذا الباب، وقمت باختيار نماذج من تلك الشروح وعرضتها كأمثلة، وهي تعبر تعبيرًا صحيحًا عن

стр. 464

بقية المواضع، وقد تبين لي أن شرح المفسرين للشاهد الشعري لا يخلو من ثلاثة أحوال: - إما أن يشرحوا المفردات. - وإما أن يشرحوا التراكيب. - وإما أن يتناول شرحهم أمرًا حول الشاهد الشعري كالتعريف بقائله، والإبانة عمَّا يعرض فيها من أعلام الأماكن والشخوص، وسرد بعض الأحداث والوقائع التي يرد ذكرها. أولًا: شرح المفردات . تُعدُّ دلالة المفردات في اللغة أكثر العناصر اللغوية قابلية للتغير في اللغات الإنسانية (١)، ولذلك فقد كانت عناية المفسرين بشرح المفردات الغريبة في القرآن الكريم والشعر المستشهد به هي الغالبة على الجهد اللغوي في كتب التفسير؛ وذلك للتغير الذي طرأ على معاني المفردات باتساع رقعة الدولة الإسلامية، وتنوع أوجه الحضارة فيها، وغير ذلك من الأسباب التي باعدت بين الناس وبين اللغة العربية الفصيحة. كما إن معرفة معاني الألفاظ على جهة الإفراد هو مما يجب على المفسر البداءة به، وليس ذلك في التفسير فقط، بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع. (٢) ويشبه شرحُ المفسرين للمفردات شَرْحَ أصحاب شروح الشعر والشواهد، كما يشبهُ تناولَ أصحابِ المَعاجمِ اللغوية للمفردات في بعض المواضع. فالمفسر قد يتناول غريب الشاهد الشعري فيبين كل لفظة بمعناها ولا يزيد على ذلك، وقد يتوسع قليلًا في شرح المفردة فيبين

стр. 465

اشتقاقها، وقد تكون هذه اللفظة غير مألوفة فيستشهد على بيان معناها بشواهد شعرية أخرى. وهم في ذلك يعتمدون على العلماء الثقات من أهل اللغة فيما نقلوه عن العرب كأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وغيرهم. ١ - شرح المفردات الغامضة: يُعدُّ شرح المفردة الغريبة في الشاهد الشعري شرحًا لغويًا أكثر ما يعنى به المفسرون وأصحاب المعاني وغريب القرآن، حيث إن الشواهد اللغوية أكثر الشواهد دورانًا في كتب التفسير كما تقدم. وشرح المفردة الغريبة قد يكون ببيان معناها بلفظة مرادفة أوضح منها، أو ببيان أصل اشتقاقها والتوسع فيه قليلًا أو نحو ذلك. وربما جاء بيان المفسرين لمعنى المفردة أجودَ من بيان بعض أصحاب المعاجم. (١) وقد تنبه إلى ذلك بعض المستشرقين وأشار إلى أنَّ «ما اضطلع به الطبريًّ في تفسيره للقرآن مما يتصل بالناحية اللغوية لهو رِكَازٌ لا تُقدَّرُ نَفاسته في بَحثِ مفردات اللغة». (٢) وقد تفاوت شرح المفسرين وأصحاب المعاني للمفردات بحسب منهج كل منهم، غير أنه لم يكن هذا التفاوت كبيرًا عند المتقدمين، وإنما تفاوت عند المتأخرين كالزمخشري ومن بعده. فأما أبو عبيدة والطبري فقد عنيا عناية كبيرة بشرح مفردات الشاهد الشعري، وقدما في ذلك ما اعتمد عليه من بعدهما من المفسرين. فأما أبو عبيدة فقد عني عناية كبيرة بشرح مفردات الشاهد الشعري الذي يورده، والأمثلة على ذلك في كتابه كثيرة. ومن أمثلة قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (٣):

стр. 466

«أي: قصد المسجد الحرام، قال الهذلي (١): إِنَّ العَسيرَ بِهَا دَاءٌ مُخامِرُها ... فَشَطْرُها نَظَرَ العَيْنينِ مَحسورُ (٢) العَسِيْرُ: الناقة التي لم تُرْكَب، شطرُها: نَحوُها. وقال ابن أحمر: تَعدو بنَا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عَاقِدَةٌ ... قد كاربَ العقدُ من إِيفَادِها الحُقُبَا (٣) إيفادُها: سُرعتها». (٤) فقد بَيَّنَ معاني المفردات الغامضة، باختصار شديد، وقد نقل شرحه أصحاب المعاجم فقال في اللسان في شرح البيت: «العسير الناقة التي لم تُرَضْ، ونصب شطرها على الظرف أي نحوها». (٥) وشرح البغدادي بيت عمرو بن أحمر فقال: «وتعدو، أي: الناقة، من العدو، وهو ما قارب الهرولة، وهو دون الجري. وبنا، أي: بي وبغلامي؛ فإنه كان زميلي على الناقة. والشطر هنا بمعنى الجهة. وجمع: اسم المزدلفة. وسميت به إما لأن الناس يجتمعون بها، وإما لأن آدم اجتمع هناك بحواء. والعاقدة: الناقة التي قد أقرت باللقاح، لأنها تعقد بذنبها فيعلم أنها حملت. وقيل: العاقدة: التي تضع عنقها على عجزها. والإيفاد: الإسراع، مصدر أوفد بالفاء، أي: أسرع. والحقب، بفتح المهملة والقاف: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ثِيلَهُ، أي: ذكره، كي لا يجتذبه التصدير. تقول منه: أحقبت البعير». (٦) وهنا يلاحظ الفرق بين شرح أبي عبيدة وشرح البغدادي، فقد اكتفى أبو عبيدة بشرح مفردة واحدة في البيت وهي الإيفاد، في حين شرح البغدادي وهو من المتأخرين (ت ١٠٩٣ هـ) جميع مفردات الشاهد الشعري.

стр. 467

وأما الطبري في تفسيره فقد استفاد من شرح أبي عبيدة للشواهد، وتعقبه في شرح بعضها، وزاد عليه شواهد لم يذكرها أبو عبيدة، وهو في منهجه في شرح الشاهد الشعري لا يختلف عن أبي عبيدة كثيرًا، وإن كان قد يستطرد في شرح بعض الشواهد. ومن أمثلة شرح الطبري للشواهد قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٦] (١): «وأصلُ البَعْثِ: إِثَارةُ الشيء من مَحلّهِ، ومنه قيل: بَعَثَ فلانٌ راحلته، إذا أثارها من مَبْرَكِهَا للسَّيرِ. كما قال الشاعر: فَأَبْعَثُها وهِيَّ صَنيعُ حَولٍ ... كَرُكْنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبةً وَقَاحا (٢) والرَّعْنُ: منقطع أنف الجبل، والذِّعْلِبَةُ: الخفيفةُ، والوقاح: الشديدةُ الحافر أو الخُفِّ». (٣) فيُلحظ هنا أن الطبري شرح معنى البعث في الآية قبل إيراده للشاهد الشعري، ثم بعد إيراده للشاهد الذي اشتمل على مفردات غريبةٍ لِقلةِ من يستعمل هذه الألفاظ في زمنه شرح بعباراتٍ موجزةٍ معنى هذه المفردات، فشرح معنى «الرَّعْن» و «الذِّعْلِبَة» و «الوقاح»، وهذه المفردات وإن لم تكن محل الشاهد إلا أن معناه لا يفهم بدون بيانها، فشرحها الطبري من أجل ذلك. ومما يتميز به شرح الطبري لمفردات الشاهد الشعري، أنه يشير إلى تفسير أهل اللغة، وتفسير السلف من أهل التفسير، ويقدم تفسير السلف للفظة على تفسير اللغويين، ومن أمثلة ذلك قوله: «والشُّحُّ في كلام العرب: البُخلُ، ومنعُ الفضل من المال، ومنه قول عمرو بن كلثوم:

стр. 468

تَرى اللَّحِزَ الشَّحيحَ إذا أُمِرَّتْ ... عَليهِ لِمَالهِ فيها مُهِينا (١) يعني بالشحيح: البخيل، يقال: إِنَّه لَشَحِيحٌ بَيّنُ الشُّحِّ والشَّحِّ، وفيه شَحَّةٌ شَديدةٌ وشَحَاحَةٌ. وأما العلماء فإنهم يرون أن الشح في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حق». (٢) والعلماء الذين عناهم الطبري هم عبد الله بن مسعود ﵁ من الصحابة، وعبدالرحمن بن زيد من مفسري السلف. مما يعني أن المفردة اللغوية في القرآن قد تفسر على غير معهود اللغة في بعض الآيات. ومثل ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات: ٩١] (٣) حيث ذكر الطبري معنى: ﴿فَرَاغَ﴾ في اللغة وأنه بمعنى: حاد، واستشهد بقول عدي بن زيد: حينَ لا يَنفعُ الرَّوَاغُ ولا يَنفعُ إِلَّا المُصادقُ النِّحريرُ (٤) وقال في شرح الشاهد: «يعني بقوله: لا ينفع الرواغُ: الحيادُ». ثم ذكر تفسير المفسرين فقال: «أَمَّا أهلُ التأويلِ فإِنَّهم فسَّروهُ بِمعنى فَمَالَ». (٥) وهذا مما تميز به شرح الطبري للمفردات في الشاهد الشعري وفي غيره، حيث يقدم تفسير السلف، ولا يغفله حين يورد الأقوال في معنى المفردات. وقد يفيض الطبري في شرح المفردة في الشاهد الشعري بحيث يستقصي معانيها، ويوفيها حقها من الشرح والبيان، ومن ذلك ما أورده عند تفسيره لمعنى الرَّبِّ حيث قال: «وأما تأويل قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] (٦) فإن الرَّبَّ في كلام العرب منصرف على معانٍ ... ومن ذلك قيل: إِنَّ فلانَ يربُّ صنيعته عند فلان، إذا كان يُحَاولُ إصلاحَها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عبدة:

стр. 469

فَكُنتُ امرأً أفضتْ إليكَ رِبَابَتِي ... وقبلَك رَبَّتني - فَضِعْتُ - رُبُوبُ يعني بقوله: «أَفْضَتْ إليك» أي وصلت إليك ربابتي، فسرت أنت الذي تَرُبُّ أمري فتصلحه، لمَّا خَرجتُ من ربابةِ غيرك من الملوك، كانوا قبلك عليَّ فضيعوا أمري وتركوا تفقده، وهم الرُّبُوبُ، واحدهم رَبٌّ». (١) وشرح الطبري لهذا الشاهد أجود من شرح اللغويين في معاجِمهم (٢)، وقد شرحه الأعلم بقوله: «وقبلكَ ربَّتْنِي: ملكتني أربابٌ من الملوكِ حتى سرتُ إليك، والرُّبُوبُ جَمعُ رَبٍّ، وهو المالك». (٣) ومعاجم اللغة عند مادة «رَبب»، ذكروا المعاني التي فصلها الطبري، ولم يوردوا الشواهد التي أوردها وشرحها، وبعضهم أوردها ولم يشرحها كما شرحها الطبري. (٤) ويلاحظ أن لفظة الرب التي وردت في الشعر الجاهلي تفتقر إلى ما تحمله اللفظة في القرآن الكريم من معاني اللطف والتدبير والإحكام والرحمة لجلالة معاني القرآن الكريم، غير أن هذه اللفظة في الشعر الجاهلي تدل على أصل المعنى في اللغة فحسب. (٥) ومما يدل على حسن توظيف الشاهد الشعري عند الطبري أنه استشهد ببيت علقمة هذا في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] (٦) فقال في شرحه للفظة القرآنية: «وأولى الأقوال عندي بالصواب في (الربانيين) أنهم جَمعُ رَبَّاني، وأَنَّ الربَّانيَّ المنسوبُ إلى الرَّبَّانِ الذي يَرُبُّ الناسَ، وهو الذي

стр. 470

يصلح أمورهم، ويَرُبُّها ويقومُ بِهَا ... ومنه قول علقمة» ثم يورد الشاهد ويشرحه بقوله: «يعني بِقَولهِ رَبَّتنِي: وَلِيَ أمري والقيامَ به قَبلكَ مَنْ يَرُبُّه ويُصلحهُ، فلم يُصلحوه ولكنهم أضاعوني فَضِعْتُ». (١) وهذا الشرح يختلف من حيث التعبير عن شرحه الأول، مما يدل على حسن تصرفه وتوظيفه للشاهد الشعري بحسب اللفظة المشروحة وسياقها. (٢) وأما الزمخشري في تفسيره فلم يشرح الشواهد الشعرية إلا نادرًا، سواء مفرداتها الغامضة أو تراكيبها، مما دفع بعض العلماء إلى التصدي لشرح شواهد الكشاف الشعرية (٣)، ولم يتعرض لشرح الشاهد إلا في موضع الرد والمنازعة، ومن ذلك أنه فَسَّرَ القُروءَ في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٤) بِمعنى العِدَّةِ، ثم في معرضِ رَدِّهِ على الأقوال الأخرى قال: «فإن قلتَ: فما تقول في قول الأعشى: ........................... ... لِمَا ضَاعَ فيها مِنْ قُروءِ نِسَائِكَا (٥) قلتُ: أرادَ لِمَا ضاعَ فيها من عِدَّةِ نسائك؛ لِشهرة القُروءِ عندهم في الاعتداد بهنَّ، أي: من مدةٍ طويلةٍ كالمدةِ التي تعتد فيها النساءُ، استطال مدة غَيبته عن أهله كل عامٍ لاقتحامه في الحروب والغارات، وأنه تَمرُّ على نسائه مدةٌ كمدةِ العدةِ ضائعةً لا يضاجعن فيها. أو أرادَ: من أَوقاتِ نسائكَ؛ فإِنَّ القُرءَ والقارئَ جاءَ في معنى الوقت، ولم يُرِدْ لا حَيضًا ولا

стр. 471

طُهرًا». (١) فقد أطال الزمخشري هنا في شرح معنى البيت لما كان في معرض الرد، وأهمل شرحه في سائر التفسير، وقد أشار الطبري إلى أنه قد يكون القرء في الشاهد بِمَعنى الوقت (٢)، ومثله ابن عطية (٣)، والقرطبي (٤)، غير أن شرح الزمخشري لهذه اللفظة في الشاهد جاء مفصلًا دون بقية المفسرين. حيث جاء في معرض رده على مخالفيه. وأما ابن عطية فقد شرح المفردات في الشواهد شرحًا موجزًا كشرح الطبري وغيره، وله في شرحه للشواهد الشعرية نظرات دقيقة تدل على سعة علمه ومعرفته بالشعر ومعانيه. ومن أمثلته ما جاء في قوله: «وقولهم: سَنَنْت السِّكينَ، وسننت الحَجَرَ، إذا أحكمت تَمليسَهُ، ومن ذلك قول الشاعر (٥): ثُمَّ دافعتُها إِلى القُبَّةِ الخَضَرا ... وتَمشي في مَرمرٍ مَسنونِ (٦) أي: مُحْكَمُ الإملاسِ والسَّنِّ». (٧) والقرطبي كذلك عُنِيَ بشرح المفردات الغامضة في الشاهد الشعري، ومن أمثلة ذلك أنه أورد بيتًا للحطيئة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] (٨) وهو قوله يصف الخيل: عَوابس بالشُّعثِ الكُمَاةِ إذا ابتَغَوا عُلالَتَها بالمُحْصَداتِ أَصَرَّتِ (٩) ثم شرح معنى أصرتِ فقال: «أي: ثَبَتَت على عَدْوِها». (١٠)

стр. 472

ومن الأمثلة عند القرطبي أنه أورد بيت ذي الرمة: إذَا غَرِقَتْ أَرْبَاضُها ثَنْيَ بَكْرَةٍ ... بِتيهَاءَ لَم تُصْبِحْ رَءُومًا سَلُوبُها (١) ثم شرح مفرداته بعده فقال: «والأرْبَاضُ: الحِبَالُ، والبَكْرة: الناقة الفتيَّة، وثِنْيُها: بطنها الثاني، وإنما لم تعطف على ولدها لِمَا لَحِقَها من التعب». (٢) فالمفسرون وأصحاب الغريب، كانوا يشرحون المفردات الغامضة في الشواهد الشعرية بإيجاز، ويكون ذلك ببيانها بمرادفها المشهور أو نحو ذلك، من غير توسع، وإنما بقدر الحاجة. ٢ - بيان اشتقاق المفردة . ربما عرض المفسرون في شرحهم للشاهد من الشعر لبيان اشتقاق المفردة في الشاهد وهو قليل في كتب التفسير. ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وأَمَّا ثُبَةُ الحَوضِ وهي وسطهُ الذي يثوب الماءُ إليه، فالمَحذوف منها العينُ، وأَصلُها ثَوبَةٌ، وتصغيرها ثُوَيْبَةٌ، وهي من ثَابَ يَثُوبُ، وكذلك قال أبو علي الفارسي في بيت أبي ذؤيب: فلمَا جَلاها بالأَيَامِ تَحيَّزَتْ ... ثُباتٌ عليها ذُلُّهَا واكتئَابُها أنه اسم مفرد ليس بجمع، سيق على الأصل؛ لأن أصل ثبة ثبوة، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفًا، فساقها أبو ذؤيب في هذه الحال». (٣) ومن الأمثلة أن القرطبي بعد أن أورد قول الشاعر: أَقبلَ سيلٌ جاءَ مِن أمرِ الله ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجنَّةِ المُغلَّهْ ذكر رواية أخرى لَه أنشدها النحاس ثم نقل شرحًا اشتقاقيًا لمفردة

стр. 473

في الشاهد فقال: «قال المبرد: المُغِلَّةُ ذاتُ الغُلَّة. وقال غيره: المُغِلَّة التي يَجري الماءُ في غُلَلِها، أَي في أُصولهِا. ومنه تَغَلَّلْتُ بالغَالية، ومنه تَغَلَّيتُ، أَبدلَ من اللام ياءً، ومن قال: تَغَلَّفتُ فمعناه عنده جعلتها غلافًا». (١) فهذا كله بيان لاشتقاق مفردة في الشاهد الشعري يستطرد المفسر أحيانًا فيبينها ويشرحها، ويقلبها على وجوهها الاشتقاقية. ٣ - العناية باختلاف روايات الشاهد وشرح مفرداتها . ومن الأمثلة التي شرح فيها المفسرون الشاهد، وذكروا رواياته وفضلوا بعضها على بعض بحسب المعنى الذي تؤديه ما ذكره ابن عطية عند تفسيره لمعنى «الرهبان» في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢] (٢) حيث قال: «وأمَّا الرُّهبانُ فجَمْعُ رَاهِبٍ، وهذه تسميةٌ عربيةٌ، والرَّهَبُ الخوفُ، ومن الشواهد على أَنَّ الرُّهبانَ جَمعٌ قول الشاعر (٣): رُهبانُ مَديَنَ لَو رَأوكِ تَنَزَّلوا ... وَالعُصمُ مِن شَعَفِ العُقولِ الفادِرِ (٤) وقد قيل: الرُّهبانُ اسمٌ مُفردٌ، والدليل قول الشاعر: لو عَايَنَتْ رُهبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ ... تَحَدَّرَ الرّهبانُ يَمْشِي ونزلْ (٥) قال القاضي أبو محمد: ويُروى «ويَزِلّ» بالياء من الزلل، وهذه الرواية أبلغ في معنى غَلَبَةِ المرأة على ذِهنِ الراهب». (٦) وهذا نظر نقدي جيد من ابن عطية، حيث يبدي رأيه في أن الرواية بالياء أبلغ من حيث المعنى.

стр. 474

ومن أمثلة العناية بروايات الشاهد التي تختلف فيها معاني المفردات، ما ذكره ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣] (١) حيث قال: «وقال مجاهد: الجوابي جمع جوبة، وهي الحفرة العظيمة في الأرض. قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول الأعشى: نَفَى الذمَّ عن آَلِ المُحلَّقِ جَفْنَةٌ ... كَجَابيةِ الشيخِ العِراقيِّ تَفْهَقُ وأنشده الطبري: تَروحُ على آلِ المُحلَّقِ جَفنةٌ ويُروى: السَّيح، بالسين من غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضًا، وهو الماء الجاري على وجه الأرض. ويروى بالشين والخاء منقوطتين. فيقال: أراد كسرى، ويقال: أراد شيخًا من فلاحي سواد العراق غير مُعيَّنٍ، وذلك أنه لِضعفهِ يدَّخرُ الماء في جابيتهِ، فهي تَفْهَقُ أبدًا، فشُبِّهت الجَفنةُ بِها لِعِظَمِها». (٢) فقد ذكر ابن عطية الروايات المختلفة للبيت، وشرح معنى المفردات على كل رواية، ثم بين معنى البيت إجمالًا. ومن هذا الباب أو قريب منه ما يصنعه المفسرون من ضبط لموضع الشاهد بالعبارة حتى لا يفهم على غير وجهه، وهذا نوع من شرح البيت، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقرأ الجمهور: ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] (٣) بدال مشددة وخاء مكسورة، وهو تفتعلون من ذخرت، أصله تذخرون، استثقل النطق بالذال والتاء لتقاربهما في المخرج، فأبدلت التاء دالًا، وأدغمت الذال في الدال، كما صنع في مُدَّكِر، ومُطَّلِع، بِمعنى مُضطلع، وغير ذلك نحو قول الشاعر (٤): إِنَّ الكريمَ الذي يُعطيكَ نَائِلَهُ ... عَفوًا ويُظْلَمُ أحيانًا فَيَطَّلِمُ (٥)

стр. 475

بالطاء غير منقوطة». (١) وهذه إحدى روايات هذه اللفظة في البيت، وقد ذكرها الأَعْلَمُ وقال: يَظَّلِمُ: يحتملُ الظلم، وأصله يظطلم، وهو يفتعل من الظلم، فقلبت التاء طاء لمجاورتها الظاء، فإذا أدغم فمنهم من يقلب الظاء طاء ثم يدغم الطاء في الطاء على القياس فيصير يَطَّلِمُ بطاء غير معجمة، وهذه هي الأكثر والأقيس، ومنهم من يكره أن يدغم الأصلي في الزائد فيقول أظلم بظاء معجمة، والبيت يروى على الوجهين. (٢) وابن عطية قد ذهب مذهب الأعلم في هذه اللفظة وضبطها. ثانيًا: شرح التراكيب: المعنى الذي يفهمه المفسرون من الشواهد الشعرية إما أن يكون معنى حقيقيًا لا يحتمل الشاهد غيره، وإما أن يكون معنى مجازيًا يحمل عليه الشاهد بوجه من وجوه الدلالة. وللمفسرين في استخراج هذه المعاني طرق يأتي الحديث عنها، غير أني قبل ذلك أشير إلى طريقتين يسلكهما المفسرون في الاستشهاد بالشعر: الأولى: الاكتفاء بذكر الشاهد . لم يشرح المفسرون كل شاهدٍ يَمرُّ بِهم، وإن اشتمل على الغريب؛ وقد يكون ذلك خشيةَ إطالة الكتب، ولأنه لا يتكلف قراءة كتب التفسير المطولة إلا العلماء ومثل هؤلاء لا يستغلق عليهم فهمه، وقد ذكر الجاحظ شيئًا من الشواهد ولم يشرحها ثم اعتذر لصنيعه فقال: «وأنا أعلم أن عامة من يقرأ كتابي هذا وسائر كتبي، لا يعرف معاني هذه الأشعار، ولا تفسير هذا الغريب، ولكني إن تكلفت ذلك، ضُعِّفَ مقدارُ كُلِّ كتابٍ منه، وإذا طال جدًا ثقل، فقد صرت كأني إنما أكتبها للعلماء والله المعين». (٣) فكذلك المفسرون تركوا كثيرًا من شواهد الشعر التي

стр. 476

استشهدوا بها غُفْلًا من الشرح. وقد تتبعت هذه الشواهد التي لم يتعرض المفسرون لشرحها فوجدتها لا تَخلو من حالين: الأولى: أن يُعرفَ معناها، والمعنى المُسْتَشهدُ عليه من خلال ظاهر ألفاظها، وسياقها، أو بالقرائن الدالة على ذلك وهذه كثيرة. الثانية: أن لا يُعرفَ المقصودُ منها بِمُجردِ قراءتها، ولا بد من مراجعة شرحها لمعرفة المقصود. أولًا: ما يُعرفُ معناهُ من مبناه وسياقه . فأما ما يعرف معناه من ألفاظه الظاهرة، وتركيبه المفهوم فمن أمثلته قول الطبري: «والبُعُولةُ جَمعُ بَعْلٍ، وهو الزَّوجُ للمرأة، ومنه قول جرير: أَعِدُّوا مع الحُلِي الملابَ فإِنَّمَا ... جَريرُ لكمْ بَعْلٌ وأنتمْ حَلائِلُه». (١) والطبري لم يشرح هذا الشاهد، والشاهد ظاهر لأنه جاء البعل في مقابل الحلائل وهن الزوجات، فدل على أن البعل هو الزوج، ويعني هذا أنَّ العربيَّ لو قرأ البيت بمفرده لعرفَ المعنى دون حاجة إلى شرح. وقد نبَّهَ إلى مثل هذه الشواهد ابن جني فقال: «مَنْ قالَ إنَّ اللغةَ لا تُعرفُ إِلَّا نقلًا فقد أخطأَ؛ فإنها قد تُعلمُ بالقرائنِ أيضًا، فإنَّ الرجلَ إذا سَمِعَ قول الشاعر (٢): قَومٌ إذا الشرُّ أَبدى ناجِذَيهِ لَهمْ ... طاروا إليهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانا (٣) يعلمُ أنَّ الزَّرَافَاتِ بِمعنى الجماعات». (٤) وهو يعني بمعرفة اللغة، معرفة معاني المفردات خاصة، من خلال سياق الكلام كما في الشاهد السابق. ومن الأمثلة أيضًا على هذا قول الزمخشري وهي يشرح معنى

стр. 477

السُّورةِ واشتقاقها: «وإما أَنْ تُسمى بالسورةِ التي هي الرُّتبة، قال النابغة: ولِرَهطِ سَوَّارٍ وقَدٍّ سورةٌ ... في المَجْدِ ليسَ غُرابُها بِمُطارِ (١)». (٢) ولم يشرح الزمخشري البيت، لأنه يمكن معرفة المقصود من خلال إضافة الشاعر السورة إلى المَجد، مما يعني أنها مكانة عالية، بدليل وصفها بأنه «ليسَ غُرابُهَا بِمُطارِ» مِمَّا يعني ثبات هذه الرتبة، وبقائها للممدوح. وقد يشرح الشاعرُ المعنى في شعره فيكفي المفسرَ مؤونةَ شرح الشاهد، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الزمخشري في تفسيره لمعنى الختم في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] (٣) فقال: «وقد جعل بعضُ المازنييّن الحُبْسَةَ في اللسانِ والعِيَّ خَتْمًا عليه فقال: خَتَمَ الإلهُ على لسانِ عُذافرٍ ... خَتمًا فليسَ على الكَلامِ بِقَادرِ وإذا أَرادَ النُّطقَ خِلْتَ لِسَانَهُ ... لَحْمًا يُحَرِّكهُ لِصَقْرٍ نَاقِرِ». (٤) فالمعنى في البيتين ظاهر يدل على أَنَّ المقصودَ بالختمِ الحُبْسَةُ في اللسان كما ذكر الزمخشري، لقول الشاعر «فليسَ على الكلامِ بقَادِر». ومن الأمثلة عند ابن عطية أنه أورد شاهدًا من معلقة عنترة، وهو قوله: وشَكا إِليَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ ثم فسَّره ابنُ عطيةَ بِمَا قالَهُ عنترةُ بعده فقال: «وفُسِّرَ هذا المعنى بقوله:

стр. 478

لو كانَ يدري ما المُحَاورةُ اشتكى البيت ... ...................... ». البيت ...... (١) فتفسيرُ الشكوى في بيت عنترة أنه لو كان هذا الحصان يستطيعُ المُحاورةَ لشكى ما به، ولكنه لا يدري ما المُحاورة. وحَمَلَ عليه ابنُ عطية معنى قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (٢) وقرَّرَ أن «جَميعَ الأفعال التي حقُّها أن تكون للحي الناطق متى أُسندت إلى جَمادٍ أو بَهيمةٍ فإنما هي استعارةٌ، أَي لو كانَ مكانَ الجمادِ إنسانٌ لكانَ مُمتثلًا لذلكَ الفعلِ». (٣) وهذه المسألة بحثها العلماء تحت مُسمَّى «المَجاز»، واختلفوا في وقوعه في اللغة والقرآن. (٤) والأمثلة على مثل هذه الشواهد في كتب التفسير كثيرة. (٥) ثانيًا: ما لا يعرف معناه من ظاهر ألفاظه وتركيبه . وأمَّا الثانية وهي أن لا يعرف المقصود من الشواهد بِمجردِ قراءتها، فإنك تجد أمثلةً متفرقةً لها في كتب التفسير، بحيث لا يعرف المعنى المقصود إلا بشرح شارحٍ، وهذه الشواهد في كتب التفسير وكتب الأدب وغيرها، غير أن المفسرين لم يشرحوها، ومن أمثلة هذه الشواهد قول عامر بن الطفيل: فبِئسَ الفَتَى إِنْ كنتُ أَعورَ عَاقِرًا ... جَبانًا فمَا عُذري لدَى كُلِّ مَحْضَرِ؟ (٦) فقد استشهدَ به ابنُ عطيةَ على أن العاقرَ هو الإنسانُ الذي لا يلد، وأن ذلك يقالُ للمرأة والرجل. (٧) مع أنك لو قرأت البيت منفردًا لم

стр. 479

يظهر لك هذا المعنى منه، إلا إذا عرفت أن عامر بن الطفيل الشاعر كان عقيمًا لا يولد له، وأنه قد فُقِئَت عينُه في حَربٍ فأصبح أعورَ عَقيمًا، فحينئذٍ تفهم البيت على وجهه، وابن عطية لم يذكر ذلك، وإنما عُرِفَ هذا بالرجوع إلى شرح الديوان. (١) وهذا يعني أنه على من يقرأ في كتب التفسير أن يكون عارفًا بمعاني العرب، ومقاصدها وأحوالها، وأيامها، فإن ذلك معينٌ على فَهمِ القرآن الكريم وتفسيره. القانية: تحليل تركيب الشاهد وشرحه وبيان علاقة معناه بالآية. كان العلماء يذكرون وجه العلاقة بين المعنى في الآية القرآنية والشعر، ويكثرون منه في تفاسيرهم، حتى أن بعض اللغويين ممن لم يشتغل بالتفسير كان يخطر له الخاطر من ذلك كما قال ابن جني عن نفسه: «ومن طريف حديث هذا الخاطر أنني كنت منذ زمان طويل رأيتُ رأيًا جَمعتُ فيه بين معنى آيةٍ ومعنى قولِ الشاعر: وكنتُ أَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ مُعتدِلًا ... فَصِرْتُ أَمْشِي عَلى أُخْرى مِن الشَّجَرِ (٢) ولم أثبت حينذٍ شرح حال الجمع بينهما ثقة بحضوره متى استحضرته، ثم إني الآن - وقد مضى له سنون - أُعَانُّ الخاطرَ وأَستَثْمِدُه، وأُفَانيهِ وأَتَوددهُ، على أن يسمح لي بما كان أَرانيهِ من الجمع بين معنى الآية والبيت، وهو مُعتاصٌ مُتأَبٍّ، وضَنِينٌ به غير مُعطٍ». (٣) وقال الراغب الأصفهاني: «قوله تعالى: ﴿﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]﴾ (٤) أتبع تكذيبهم فيما قالوا: إن الله فقير، وتبكيتهم فيما فعلوه، وما وعدهم به من العذاب بما

стр. 480

أنبأ عن قدرته عَزَّوَجَلَّ وسعة ملكه، وأن لا سبيل لهم إلى النجاة وإلى الخروج عن ملكه وسلطانه. وهذا هو المعنى الذي تَحرَّاه النابغةُ بقوله: فإِنَّكَ كالليلِ الذي هُو مُدركي (١) ... ................................... لكنَّ على الآية رونق الإلهية، وتعميم الملك والقدرة بلا مثنوية، وإضافة الفعل إلى موجد الليل والنهار». (٢) فهذه موازنة بين المعنى في الآية، والمعنى في الشاهد الشعري، وبيان وجه تفضيل المعنى في الآية، حيث شبه النابغةُ سعةَ ملكِ النعمان بن المنذر بالليل الذي يدرك كل شيء، فجاءت الآية لتبلغ بسعة ملك الله أوسع مدى ، وتُبكِّتَ المنكرين. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] (٣): «هذا باب تفهيم، وليس باستفهام عن جهل ليعلم، وهو يخرج مخرج الاستفهام، وإنما يراد به النهي عن ذلك ويتهدد به، وقد علم قائله أكان ذلك أم لم يكن، ويقول الرجل لعبده: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أنه لم يفعله ولكن يحذره، وقال جرير: أَلَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايا ... وأَنْدَى العَالمَينَ بُطونَ رَاحِ (٤) ولم يستفهم، ولو كان استفهامًا ما أعطاه عبدالملك مائة من الإبل برعاتها». (٥) فقد استخرج أبو عبيدة معنى البيت من حال الشاعر وإكرام الخليفة له، واتخذها قرينة تعضد ما ذهب إليه في تفسير البيت، وأنه لا يقصد

стр. 481

منه الاستفهام، وكذلك الآية. وقد ورد في حاشية إحدى نسخ شرح ابن حبيب للديوان: «هذا أمدح بيت قالته العرب، ولما أنشد هذا البيت لعبدالملك قال له: من أراد أن يمدح فبمثل هذا البيت أو ليسكت» (١). ومثل ذلك قول ابن عطية: «تقول العرب: زعم فلان كذا، في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق، وتتقوى فيه شبهة الإبطال، فغاية درجة الزعم إذا قوي أن يكون مظنونًا ... وقد قال الأعشى: ونُبِّئتُ قَيسًا ولَمْ أَبْلُهُ ... كمَا زَعموا خَيْرَ أَهْلِ اليَمَنْ (٢) فقال الممدوح: وما هو إلا الزعم؟ ! وحَرَمَهُ». (٣) ومن الأمثلة عند المفسرين قول الطبري: «وقرأ آخرون (وَأَرْنَا مَناسِكَنَا) بتسكين الراء، وزعموا أن معنى ذلك: وعَلِّمْنَا ودُلَّنا عليها، لا أن معناه: أرناها بالأبصار. وزعموا أن ذلكَ نَظِيْرُ قول حطائط بن يَعْفُر أخي الأسود بن يَعْفُر: أَرِيْنِي جَوادًا مَاتَ هُزْلًا لأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرينَ أَو بَخيلًا مُخَلَّدا (٤) يعني بقوله: أريني، دُلِّيني عليهِ وعَرِّفيني مكانَهُ، ولم يَعْنِ رؤيةَ العين، وهذه قراءة رويت عن بعض المتقدمين». (٥)

стр. 482

فكانت دلالة (أَرِنَا) في الآيةِ ودلالة (أَرِينِي) في البيت بِمعنى الدلالة والتعريف، وقد عوَّلَ المفسرون على الشاهد في إثبات صحة المعنى واستعمال العرب إياها. ومن الأمثلة قول الطبري: «وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢] (١) يقول: وما يصلح لله أن يتخذ ولدًا، لأنه ليس كالخلق الذين تغلبهم الشهوات، وتضطرهم اللذات إلى جماع الإناث، ولا ولد يحدث إلا من أنثى، والله يتعالى عن أن يكون كخلقه، وذلك كقول ابن أَحْمَر: في رأسِ خَلْقَاءَ مِنْ عَنْقاءَ مُشرفةٍ ... ما يَنْبَغِي دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلُ (٢) يعني: لا يصلح ولا يكون». (٣) فدلالة الفعل (ينبغي) في الآية هي عينها دلالة الفعل في البيت، كلاهما بمعنى لا يصلح أن يكون، فإن الشاعر في قوله هذا «يصف جبلًا. يقول: لا ينبغي أن يكون فوقها سهلٌ ولا جبلٌ أحصن منها» (٤)، وهذا من الطبري من باب الموازنة بين المعنى في الآية والمعنى في الشاهد الشعري. وقال الزمخشري: «أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس، كقوله (٥): .......................... ... وتشقى الرماحُ بالضَياطرةِ الحُمْرِ (٦)

стр. 483

ومعناه: وتشقى الضياطرة بالرماح». (١) وقال أيضًا: «كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلفً». (٢) - أثر الإعراب في معنى الشاهد: ومن الأمثلة التي أشار فيها المفسرون للمعاني المختلفة للشاهد بحسب إعرابه، ما ذكره ابن عطية في قوله: «ويصح أن تكون من في موضع خفض، بتقدير محذوف كأنه قال: وحسب ... ومن نحو هذا كقول الشاعر (٣): إذا كانت الهيجاءُ وانشقتِ العصَا فَحسبُكَ والضحاكُ سيفٌ مهندُ (٤) يُروى: الضحاكُ مرفوعًا، والضحاكَ منصوبًا، والضحاكِ مَخفوضًا. فالرفع عطفٌ على قَولهِ: سَيف، بنية التأخير، كما قال الشاعر (٥): عليكَ ورَحْمةُ الله السلامُ (٦) ويكون الضحاك على هذا محسبًا للمخاطب. والنصب عطفًا على موضع الكاف من قوله: حسبك، والمهند على هذا محسب للمخاطب. والضحاك على تقدير محذوف، كأنه قال: فحسبك وحسب الضحاك». (٧) - ذكر الأبيات المرتبطة بالشاهد . تقدمت الإشارة إلى أن من الأسباب الداعية إلى شرح الشاهد الشعري اقتطاعه من سياقه في القصيدة، وفصله عما قبله وما بعده من الأبيات، مما يجعله مُحتِملًا للتأويلات المختلفة. ولذلك فقد قام

стр. 484

المفسرون في مثل هذه الشواهد بإيراد أبيات قبل الشاهد أو بعده مما يرتبط به من حيث المعنى، حتى لا يحصل الخلل في فهمه من هذه الجهة. ومن أمثلة ذلك ما ذكره أبو عبيدة حيث قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ [الأعراف: ٨٣] (١): «وقال من الغابرين، لأن صفة النساء مع صفة الرجال تذكر إذا أشرك بينهما ... وقال الأعشى: عَضَّ بِمَا أَبقى المَوَاسِي لَهُ ... مِنْ أُمِّهِ في الزَّمَنِ الغَابِرِ (٢) ولم يَخْتَن فيما مَضى، فبقي من الزمنِ الغابرِ، أي: البَاقي، أَلا ترى أَنَّه قد قال: وكُنَّ قدْ أَبقَيْنَ منها أَذًى ... عندَ المَلاقِي وافرَ الشَّافِرِ». (٣) ومن الأمثلة أن القرطبي عند تفسيره لمعنى «جابوا» في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ [الفجر: ٩] (٤) فسرها بأنها بمعنى: قطعوا، ومنه فلان يجوب البلاد أي يقطعها، ثم استشهد بأبيات لشاعر لم يذكر اسمه، وهي: راحَتْ رَواحًا قَلوصِي وهِيَ حَامدةٌ ... آلَ الزُّبَيْرِ ولَمْ تَعدِلْ بِهِمْ أَحَدًا راحَتْ بستينَ وِسْقًا في حَقِيْبَتِها ... ما حُمِّلت حِمْلَها الأدنى ولا السددا ما إِنْ رأيتُ قَلوصًا قبلها حَمَلَتْ ... سِتِّينَ وِسْقًا ولا جَابَتْ بِهِ بَلَدا أي: قَطَعَتْ». (٥) فقد ذكر القرطبي الأبيات المرتبطة ببيت الشاهد من حيث المعنى، وإن كان الشاهد في الشطر الثاني من البيت الأخير منها. تعيين موضع الشاهد من القصيدة . كأن يقول: هو أول قصيدة، أو آخر قصيدة، أو نحو ذلك. ومن

стр. 485

ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] (١) حيث نقل قول من قال أن جواب (لو) محذوف في الآية، وذلك: «استغناء بمعرفة السامعين المراد من الكلام عن ذكر جوابها، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، ومنه قول امرئ القيس: فلو أَنَّها نَفسٌ تَموتُ سَريحةً ... ولكنَّها نَفْسٌ تقَطَّعُ أَنفُسَا (٢) وهو آخر بيت في القصيدة، فترك الجواب اكتفاء بمعرفة سامعه مراده». (٣) ولعل الطبري يعني أنه من آخر أبيات القصيدة، فإن هذا البيت ليس آخر القصيدة في رواية الديوان (٤)، ولا في رواية السُّكريِّ (٥)، وإن كان ما بعده غير مرتبط به، وليس فيه جواب «لو» التي في هذا البيت، وربما يستفاد من قول الطبري هذا أنه قد يكون آخر أبيات القصيدة على رواية من أخذ عنه الطبري، ولذلك أشار محمود شاكر إلى أهمية ترتيب القصائد كما وردت في الروايات المختلفة للشعر الجاهلي فقال تعليقًا على كلام الطبري: «في دواوينه المنشورة ليس هو آخر القصيدة، ولو أحسن ناشرو الشعر، لأدوا إلينا الروايات المختلفة على ترتيبها، فإن ديوان امرئ القيس المطبوع حديثًا قد أغفل ترتيب الروايات إغفالًا تامًا، مع شدة حاجتنا إلى ذلك في فهم الشعر، وفي إعادة ترتيبه». (٦) وهذا الذي ذهب إليه الطبري هو رأي أبي عبيدة والفراء وغيرهما، وإن لم يستشهدا بهذا الشاهد، حيث قال أبو عبيدة عند تفسير هذه الآية: «فمجازه: لو سيرت به الجبال لسارت، أو قطعت به الأرض لتقطعت،

стр. 486

ولو كلم به الموتى لنشرت، والعرب قد تفعل مثل هذا لعلم المستمع به استغناءً عنه، واستخفافًا في كلامهم». (١) وقال الفراء: «وإن شئت كان جوابه متروكًا لأن أمره معلوم، والعرب تحذف جواب الشيء إذا كان معلومًا إرادة الإيجاز، كما قال الشاعر (٢): وأُقسمُ لو شَيءٌ أتانا رسُولُه ... سِواكَ ولكنْ لَم نَجِدْ لك مدفَعَا (٣)». (٤) وقد سبق أبو عبيدة إلى العناية بتحديد موضع البيت من القصيدة فقال بعد إيراده لقول الأخطل: خَلا أَنَّ حيًّا مِنْ قُريشٍ تفضلوا ... على النَّاسِ أو أَنَّ الأكارمَ نَهْشَلا (٥) : «وهو آخر قصيدة، ونصبه وكف عن خبره واختصره». (٦) وقال أبو عبيدة أيضًا بعد ذكره لبيت عبدمناف بن رِبْع الهذلي: حتى إذَا أَسلكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كمَا تَطردُ الجمَّالةُ الشُّرُدَا (٧) : «وهو آخر قصيدة، وكف عن خبره». (٨) وهذه العناية بتحديد موضع بيت الشاهد من القصيدة جزء من شرحه، وإيضاح وجه الاستشهاد منه، والغرض من الإشارة إلى أن هذا الشاهد هو آخر أبيات القصيدة التأكيد على أنه ليس بعده ما يكون جوابًا للشرط، وأن الجواب محذوف في كل هذه الأبيات كما حذف في الآية الكريمة. وقال أبو الطيب اللغوي عن أبي حاتم: «أملى علينا أبو عبيدة بيت عبد مناف بن ربعي الهذلي:

стр. 487

حتى إذَا أَسلكُوهُمْ في قُتَائِدَةٍ ... شَلًّا كمَا تَطردُ الجمَّالةُ الشُّرُدَا وقال: هذا كلام لم يجئ له خبر، وهذا البيت آخر قصيدة، ومثله قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] قال: فجئت إلى الأصمعي فأخبرته بذلك، فقال: أخطأ ابن الحائك، إنما الخبر في قوله شلًا كأنه قال: شلوهم شلًا. قال أبو حاتم: فجعلت أكتب ما يقول، ففكر ساعة، ثم قال لي: اصبر، فإني أظنه كما قال؛ لأن أبا الجودي الراجز أنشدني: لو قَدْ حَدَاهُنَّ أبو الجُودِيِّ ... بِرَجَزٍ مُسْحَنْفَر الرَّوِيِّ مُستوياتٍ كَنَوي البُرْنِيِّ فهذا كلام لم يجئ له خبر. ثم علق أبو حاتم على رجوع الأصمعي إلى الحق، واعترافه بصحة ما جاء عن أبي عبيدة قائلًا: فانظر إلى هذا الإنصاف بينهم مع شدة المنافسة، ثم لا يتهم أحدهم صاحبه بالكذب، ولا يقرفه بالتزيد، لأنهم يبعدون عن ذلك». (١) وقال ابن عطية وهو يبين المقصود بالحروف المقطعة في أوائل السور: «وأما الذين قالوا: ذلك فواتحُ يفتتح اللهُ بِها كلامَه، فإِنَّهم وجَّهوا ذلك إلى ... أَنَّهُ قال ذلكَ أدلةً على انقضاءِ سورةٍ وابتداءٍ في أخرى، وعلامةً لانقطاع ما بينهما، كما جُعلت «بل» في ابتداء قصيدةٍ دلالةً على ابتداءٍ فيها وانقضاءِ أخرى قبلها، كما ذكرنا عن العرب إذا أرادوا الابتداءَ في إنشاد قصيدةٍ قالوا: بَلْ. ما هاجَ أحزانًا وشَجوًا قد شَجَا (٢) و«بل» ليست من البيت ولا داخلةٌ في وَزنهِ، ولكنْ ليدلَّ بهِ على قَطعِ كلامٍ وابتداءِ آخر» (٣). فهذه إشارة إلى ما يصنعه الرواة قبل بدء

стр. 488

إنشاد القصيدة التالية، أن يفصلوا بينها وبين التي قبلها بقولهم: بل، وليست من القصيدة وإنما إشارة إلى الفصل والابتداء، فكذلك الحروف المقطعة في أوائل السور على هذا القول. ثالثًا: حول الشاهد . ومن أوجه شرح الشواهد الشعرية في كتب التفسير أن يتعرض المفسرون لما حول الشاهد مما يعد وجهًا من أوجه شرح الشاهد الشعري، وبيانه، ومن ذلك التعريف بقائل الشاهد، أو ذكر شيء من أخباره، أو نقد الشاهد الشعري، وفيما يلي بيان ذلك: - ذكر أخبار قائل الشاهد . قال ابن عطية مشيرًا إلى سبب تسمية الراعي النميري بهذا: «وتبوأ معناه كما قلنا: تَخَيَّرا واتخذا، وهي لفظة مستعملة في الأماكن وما يشبه بها. ومن ذلك قول الشاعر: لَهَا أَمرُها حتى إذَا مَا تَبوَّأَتْ ... لأنْحَامِها مَرعى تبَوأَ مَضجعَا (١) وهذا البيتُ للرَّاعي، وبه سُمِّي الراعي». (٢) فقد ذيل البيت بإشارة لاعلاقة لها بِمَحلِّ الشاهد منه، ولكنه خبر عن الشاعر الذي قال البيت، وهو عُبَيد بن حُصين، قيل: إِنَّما سُمِّي الراعي لقوله هذا البيت. (٣) وقيل بل سُمِّي الراعي لكثرة وصفه الإبل في شعره. (٤) قد يكون للتعريف بالشاعر دور في فهم البيت المستشهد به، ولذلك يحرص المفسرون في بعض الشواهد على ذكر بعض ما يتعلق بقائل الشاهد. ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بشر، وبشير، ومبشر. وكان بشير رجلًا منافقًا، وكان يقول

стр. 489

الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر، قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيثُ! فقال: أَوَ كُلَّما قالَ الرجالُ قصيدةً ... أَضِمُوا (١) وقَالوا: ابنُ الأُبَيْرقِ قَالَهَا». (٢) - تحديد موضوع الشاهد الشعري . تعد معرفة موضوع الشاهد الشعري، وسبب قوله جزءًا من شرحه، ولذلك عني المفسرون في بعض الشواهد التي لا تفهم إلا بمعرفة مناسبتها ببيان ذلك. ومن الأمثلة على ذلك في كتب التفسير قول الطبري: «واستشهدوا على ذلك بقول ذي الرمة في صفة نار نعتها». (٣) وقوله: «ومنه قول ذي الرمة في صِفَةِ السَّرَابِ .... ». (٤) وقوله: «ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي في صفةِ فَرَسٍ .... » (٥)، وقوله: «كما قال الأعشى في صفة امرأَةٍ انتسبت إلى قومٍ .... » (٦)، وقوله: «ومنه قول الأخطل في هجاء جرير ... » (٧)، وغير ذلك من الأمثلة التي يشير المفسر قبل إيراده للشاهد الشعري إلى موضوعه الذي قيل فيه، كالوصف والهجاء ونحو ذلك، ليكون ذلك بيانًا للشاهد، وشرحًا لجانب من جوانبه. وقد يُبَيّنُ المفسرُ زَمَنَ قول هذا الشاهد من الشعر ليستحضر القارئ المعنى في ضوء هذا الوقت الذي قيل فيه الشعر، وهذا جزء من شرح الشاهد، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقيل: الرعدُ اسمُ الصوت

стр. 490

المسموع، قاله علي بن أبي طالب ﵁، وهذا هو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته: فَجَّعَنِي الرَّعدُ والصواعقُ بالفـ ... ـارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجِدِ (١) (٢) فقد أشار إلى أن هذا القول من لبيد كان في الجاهلية قبل الإسلام، مما يدل على أن هذا المعنى للرعد معروف قبل الإسلام. ومثله قول القرطبي: «وقال الأضبط بن قريع السعدي في الجاهلية الجهلاء ... » (٣). فهو قد بَيَّنَ زمن قول هذا الشاهد وهذا جزء من شرح المفسرين للشاهد الشعري قبل إيراده. ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية: «والآلُ في اللغة: الأهلُ والقَرابةُ، ويُقالُ للأَتباعِ وأَهلِ الطاعةِ آلٌ، فمنهُ آلُ فِرعونَ، ومنه قولُ الشاعرِ وهو أَرَاكةُ الثقفيُّ في رثاءِ النبي ﵇ وهوَ يُعزِّي نفسَه في أخيه عمرو: فلا تَبْكِ مَيْتًا بعدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ ... عَليٌّ وعباسٌ وآلُ أَبي بَكْرِ (٤) أرادَ: جَميعَ المؤمنين» (٥). وقبل ذلك قال في شرحه: «يعني المؤمنين الذين قبروا رسول الله ﷺ » (٦). - ذكر الأخبار حول الشاهد . وقد يستطرد المفسر فيلم بشيء من الأخبار حول الشاهد الشعري، ليبين معناه، وممن اشتهر بذلك بين المفسرين وأصحاب المعاني والغريب أبو عبيدة معمر بن المثنى، فقد عني بالأخبار في تصانيفه، وشروحه للشعر. ومن ذلك قوله: «وقال عَنَز بن دجاجةَ المازنيُّ:

стр. 491

مَنْ كانَ أَسرعَ في تفَرُّقِ فَالِجٍ ... فَلبُونُهُ جَرِبَتْ مَعًا وأَغَدَّتِ إِلَّا كنَاشِرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ ... كالغُصنِ في غُلوائِهِ المُتَنَبِّتِ غُلوائه: سُرعةُ نباته، يريد: وناشرة الذي ضيعتم؛ لأن بني مازن يزعمون أن فالجًا الذي في بني سليم، وناشرة الذي في بني أسد، هما ابنا مازن» (١). وذلك أن عمرو بن معد يكرب ﵁ عندما قتل بنو مازن أخاه عبد الله، أكثر في بني مازن القتل ثأرًا لأخيه، فلما أكثر فيهم القتل، تفرقوا في البلاد، فلحقت بنو مازن بصاحبهم مازن بن تميم، ولحقت ناشرة ببني أسد، وهم رهط الصقعب بن الصحصح، ولحقت فالج بسليم ابن منصور. وفالج وناشرة: ابنا أنمار بن مازن بن ربيعة بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة. وأمهما هند بنت عدس بن يزيد بن عبد الله بن دارم فقال كابية بن حرقوص بن مازن: يا لَيْتَنِي يَا ليتني بالبَلْدَةِ ... رُدَّتْ عليَّ نُجومُها فَارتدَّتِ مَنْ كان أسرعَ في تَفرُّقِ فالجٍ ... فَلبونُهُ جَرِبَتْ معًا وأَغَدَّتِ هَلاَّ كَناشرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ ... كالغُصنِ في غُلُوائِهِ المُتَنَبِتِ (٢) ومن أمثلته قول ابن عطية بعد إيراده لقول الربيع بن زياد العبسي: مَنْ كانَ مَسْرورًا بِمَقتلِ مَالكٍ ... فَليأَتِ نِسوتَنَا بِوجهِ نَهَارِ يَجدِ النساءَ حَواسرًا يَندُبنَهُ ... قَد قُمْنَ قبلَ تَبلُّجِ الأَسْحَارِ (٣) حيث قال: «يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي، وكانوا قد أخذوا بثأره، وكان القتيل عندهم لا يُناحُ عليه ولا يُندبُ إلا بعد أَخذِ ثأرهِ، فالمعنى: من سَرَّهُ مصابُنا فيه، فلينظر إلى ما يدلهُ على أَنَّا

стр. 492

قد أدركنا ثأَرَه، فيكمدُ لذلك ويغتمّ». (١) وهذا الذي ذهب إليه ابن عطية في معنى البيت هو ما ذهب إليه بعض شراح الحماسة كالمرزوقي (٢). والذي يبدو من سياق الأبيات أنه قالها قبل الأخذ بالثأر، ولذلك قال المبرد في معنى البيت: «تأويل هذا البيت أَنَّهُ إذا رأى ما يُصنَعُ عليه من الجَزَعِ، عَلِمَ أَنَّ ثأَرَ مثلِه لا يُتركُ» (٣). أي أنه لم يؤخذ بثأره بعدُ، ولكنه لن يُترَك. وأشار التبريزي إلى ذلك فقال: «وفيه وجه آخر: أي من كان مسرورًا بمقتل مالك شماتةً فليشمت فإنه موضع الشماتة، لأنَّه قيل: إن الربيع بن زياد قال هذا الشعر قبل إدراك الثأر» (٤). وهذا من ابن عطية ﵀ بيان وشرح لمعنى البيت بذكر ما حوله من أخبار. سِماتُ شرح الشاهد الشعري عند المفسرين: أولًا: شرح الشاهد قبل إيراده . كثيرًا ما يذكر المفسر معنى البيت قبل أن يذكره، فيكتفي بذلك عن شرحه بعد ذكره، وغالبًا ما يكون هذا الشرح مختصرًا، أو مأخوذًا من اللفظة المستشهد لها في التفسير. ومن ذلك قول الطبري: «وأصلُ الكُفْرِ عند العَرَبِ: تغطيةُ الشيءِ، ولذلك سَمَّوا الليلَ كافرًا؛ لتغطيةِ ظُلمتهِ ما لَبِستْهُ، كما قال الشاعر (٥): فَتَذكَّرا ثِقْلًا وَئِيدًا بعدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَها في كَافِرِ (٦)» (٧).

стр. 493

فقدَّم الطبري شرح الشاهد في البيت، وهو كلمة «كافر»، وأَنَّ المقصودَ بِها الليلُ، أي أَنَّ الشمسَ غَرَبَتْ. ومن الأمثلة قول الفراء: «ويقالُ: ظَلَمَ الوادي إذا بَلغَ الماءُ منه موضعًا لم يكنْ نَالَهُ فيما خلا، أَنشدني بعضهم: يَكادُ يَطْلُعُ ظُلْمًا ثُمَّ يَمْنَعُهُ ... عَن الشَّواهِقِ فالوادي بهِ شَرِقُ (١)» (٢). فالشاعر يصف واديًا في البيت، وأَنَّ الماء فيه يصلُ إلى موضعٍ لم يكن يصلُ إليه عادةً، وأَنَّ هذا يُسمَّى عند العربِ ظُلمًا، فتقول: ظلم الوادي لهذا المعنى، وقد قدَّمَ الفراءُ شرح هذا المعنى قبلَ ذكر البيت، فلم يَحتجْ إلى شرحهُ بَعده. ثانيًا: شرح الشواهد الفرعية . أحيانًا ترد في الشاهد الشعري لفظة غريبة، فيلجأ المفسر إلى شرحها مستعينًا في ذلك بشاهد شعري آخر يفسر تلك اللفظة الغريبة في الشاهد الأول، وليس في الآية. ومن الأمثلة على ذلك أن القرطبي وهو يفسر معنى الحج في اللغة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (٣)، أشار إلى أَنَّ أصلَ معنى الحَجِّ: القَصدُ، واستشهد على ذلك بقول المخبل السَّعديِّ (٤): فأَشْهَدُ مِنْ عوفٍ حُلُولًا كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا (٥) ثمَّ خرج إلى شرح المقصود بالسِّبِّ في هذا الشاهد مع أنه ليس له

стр. 494

صلة بالآية فقال: «السِّبُّ لفظٌ مُشتركٌ. قال أبو عبيدة: السِّبُّ (بالكسرِ) الكثيرُ السِّبَابِ. وسِبُّكَ الذي يُسَابُّكَ، قال الشاعر (١): لا تَسُبَّنَّني فَلَستَ بِسَبّي ... إِنَّ سَبّي مِنَ الرِجالِ الكَريمُ (٢) والسِّبُّ أيضًا الخُمَارُ، وكذلك العِمَامةُ، قال المُخبَّلُ السعديُّ: ................................ ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا والسِّبُّ أيضًا الحَبْلُ في لغة هذيلٍ، قال أبو ذؤيب: تَدَلَّى عليها بينَ سِبٍّ وخَيطةٍ ... بِجرداءَ مثلِ الوَكْفِ يَكبُو غُرابُها (٣) والسُّبوبُ الحِبَالُ» (٤). فقد خرج القرطبي في شرحه للفظة الغريبة في الشاهد الشعري إلى الاستشهاد عليها بشواهد شعرية أخرى ليس لها صلة مباشرة بألفاظ الآية المفسرة، وإنما رغبة في شرح غريب الشاهد الشعري الأول. ثالثًا: شرح الشاهد الأول وإغفال ما بعده . ومن منهجهم في شرح الشاهد أن يورد شاهدًا على المسألة، ويشرحه، ثم يعقبه بشاهد آخر ويغفله من الشرح والتعليق اعتمادًا على فهم القارئ، ورغبة في أن يحاول القارئ استخراج وجه الشاهد في البيت، ومن ذلك قول الطبري: «وأما الصابرين فنصبٌ، وهو مِنْ نَعتِ «مَنْ» على وجه المدح؛ لأن من شأن العرب - إذا تطاولت صفة الواحد - الاعتراض بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، كما قال الشاعر:

стр. 495

إِلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيْبَةِ في المُزْدَحَمْ وذَا الرَّأيِ حِيْنَ تُغَمُّ الأُمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ فنَصَبَ «ليثَ الكتيبةِ» و «ذا الرأي» على المدحِ، والاسم قبلهما مَخفوضٌ؛ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر: فَليتَ التي فيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَتْ ... عَلى كُلِّ غَثٍّ مِنهمُ وسَمِيْنِ غُيْوثَ الوَرَى في كُلِّ مَحْلٍ وأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِيْنَ كُلَّ عَرِينِ» (١) ولم يذكر وجه الشاهد في الشاهد الثاني، ثقة بفطنة القارئ أن يقيس وجه الشاهد على ما شرحه الطبري في الشاهد الذي قبله، فهما مسوقان للاستشهاد على قضية واحدة. ومن الأمثلة قول الطبري: «وقد يحتمل نصبها على إتباعها موضع السمع، إذ كان موضعه نصبًا وإن لم يكن حسنًا إعادة العامل فيه على غشاوة، ولكن على إتباع الكلام بعضه بعضًا، كما قال تعالى ذكره: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ١٧ - ٢٢] (٢) فخفض اللحمَ والحُورَ على العطفِ بهِ على الفاكهةِ إِتباعًا لآخرِ الكلام أولَه. ومعلومٌ أَنَّ اللحمَ لا يُطافُ به ولا بالحُورِ العِيْنِ، ولكن كما قال الشاعرُ يصفُ فرسَه: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بَارِدًا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَينَاها ومعلوم أن الماءَ يُشربُ ولا يُعلَفُ به، ولكنه نَصَبَ ذلك على ما وصفت قبلُ. وكما قال الآخر: ورأَيتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحَا» (٣). فقد شرح الطبري الشاهد الأول منهما قبله بقوله: «يصف فرسه».
следующие страницы →