← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مَنْ كانَ أَسرعَ في تفَرُّقِ فَالِجٍ ... فَلبُونُهُ جَرِبَتْ مَعًا وأَغَدَّتِ إِلَّا كنَاشِرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ ... كالغُصنِ في غُلوائِهِ المُتَنَبِّتِ غُلوائه: سُرعةُ نباته، يريد: وناشرة الذي ضيعتم؛ لأن بني مازن يزعمون أن فالجًا الذي في بني سليم، وناشرة الذي في بني أسد، هما ابنا مازن» (١). وذلك أن عمرو بن معد يكرب ﵁ عندما قتل بنو مازن أخاه عبد الله، أكثر في بني مازن القتل ثأرًا لأخيه، فلما أكثر فيهم القتل، تفرقوا في البلاد، فلحقت بنو مازن بصاحبهم مازن بن تميم، ولحقت ناشرة ببني أسد، وهم رهط الصقعب بن الصحصح، ولحقت فالج بسليم ابن منصور. وفالج وناشرة: ابنا أنمار بن مازن بن ربيعة بن منبه بن صعب بن سعد العشيرة. وأمهما هند بنت عدس بن يزيد بن عبد الله بن دارم فقال كابية بن حرقوص بن مازن: يا لَيْتَنِي يَا ليتني بالبَلْدَةِ ... رُدَّتْ عليَّ نُجومُها فَارتدَّتِ مَنْ كان أسرعَ في تَفرُّقِ فالجٍ ... فَلبونُهُ جَرِبَتْ معًا وأَغَدَّتِ هَلاَّ كَناشرةَ الذي ضَيَّعْتُمُ ... كالغُصنِ في غُلُوائِهِ المُتَنَبِتِ (٢) ومن أمثلته قول ابن عطية بعد إيراده لقول الربيع بن زياد العبسي: مَنْ كانَ مَسْرورًا بِمَقتلِ مَالكٍ ... فَليأَتِ نِسوتَنَا بِوجهِ نَهَارِ يَجدِ النساءَ حَواسرًا يَندُبنَهُ ... قَد قُمْنَ قبلَ تَبلُّجِ الأَسْحَارِ (٣) حيث قال: «يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي، وكانوا قد أخذوا بثأره، وكان القتيل عندهم لا يُناحُ عليه ولا يُندبُ إلا بعد أَخذِ ثأرهِ، فالمعنى: من سَرَّهُ مصابُنا فيه، فلينظر إلى ما يدلهُ على أَنَّا

стр. 492

قد أدركنا ثأَرَه، فيكمدُ لذلك ويغتمّ». (١) وهذا الذي ذهب إليه ابن عطية في معنى البيت هو ما ذهب إليه بعض شراح الحماسة كالمرزوقي (٢). والذي يبدو من سياق الأبيات أنه قالها قبل الأخذ بالثأر، ولذلك قال المبرد في معنى البيت: «تأويل هذا البيت أَنَّهُ إذا رأى ما يُصنَعُ عليه من الجَزَعِ، عَلِمَ أَنَّ ثأَرَ مثلِه لا يُتركُ» (٣). أي أنه لم يؤخذ بثأره بعدُ، ولكنه لن يُترَك. وأشار التبريزي إلى ذلك فقال: «وفيه وجه آخر: أي من كان مسرورًا بمقتل مالك شماتةً فليشمت فإنه موضع الشماتة، لأنَّه قيل: إن الربيع بن زياد قال هذا الشعر قبل إدراك الثأر» (٤). وهذا من ابن عطية ﵀ بيان وشرح لمعنى البيت بذكر ما حوله من أخبار. سِماتُ شرح الشاهد الشعري عند المفسرين: أولًا: شرح الشاهد قبل إيراده . كثيرًا ما يذكر المفسر معنى البيت قبل أن يذكره، فيكتفي بذلك عن شرحه بعد ذكره، وغالبًا ما يكون هذا الشرح مختصرًا، أو مأخوذًا من اللفظة المستشهد لها في التفسير. ومن ذلك قول الطبري: «وأصلُ الكُفْرِ عند العَرَبِ: تغطيةُ الشيءِ، ولذلك سَمَّوا الليلَ كافرًا؛ لتغطيةِ ظُلمتهِ ما لَبِستْهُ، كما قال الشاعر (٥): فَتَذكَّرا ثِقْلًا وَئِيدًا بعدَما ... أَلْقَتْ ذُكاءُ يَمِينَها في كَافِرِ (٦)» (٧).

стр. 493

فقدَّم الطبري شرح الشاهد في البيت، وهو كلمة «كافر»، وأَنَّ المقصودَ بِها الليلُ، أي أَنَّ الشمسَ غَرَبَتْ. ومن الأمثلة قول الفراء: «ويقالُ: ظَلَمَ الوادي إذا بَلغَ الماءُ منه موضعًا لم يكنْ نَالَهُ فيما خلا، أَنشدني بعضهم: يَكادُ يَطْلُعُ ظُلْمًا ثُمَّ يَمْنَعُهُ ... عَن الشَّواهِقِ فالوادي بهِ شَرِقُ (١)» (٢). فالشاعر يصف واديًا في البيت، وأَنَّ الماء فيه يصلُ إلى موضعٍ لم يكن يصلُ إليه عادةً، وأَنَّ هذا يُسمَّى عند العربِ ظُلمًا، فتقول: ظلم الوادي لهذا المعنى، وقد قدَّمَ الفراءُ شرح هذا المعنى قبلَ ذكر البيت، فلم يَحتجْ إلى شرحهُ بَعده. ثانيًا: شرح الشواهد الفرعية . أحيانًا ترد في الشاهد الشعري لفظة غريبة، فيلجأ المفسر إلى شرحها مستعينًا في ذلك بشاهد شعري آخر يفسر تلك اللفظة الغريبة في الشاهد الأول، وليس في الآية. ومن الأمثلة على ذلك أن القرطبي وهو يفسر معنى الحج في اللغة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (٣)، أشار إلى أَنَّ أصلَ معنى الحَجِّ: القَصدُ، واستشهد على ذلك بقول المخبل السَّعديِّ (٤): فأَشْهَدُ مِنْ عوفٍ حُلُولًا كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا (٥) ثمَّ خرج إلى شرح المقصود بالسِّبِّ في هذا الشاهد مع أنه ليس له

стр. 494

صلة بالآية فقال: «السِّبُّ لفظٌ مُشتركٌ. قال أبو عبيدة: السِّبُّ (بالكسرِ) الكثيرُ السِّبَابِ. وسِبُّكَ الذي يُسَابُّكَ، قال الشاعر (١): لا تَسُبَّنَّني فَلَستَ بِسَبّي ... إِنَّ سَبّي مِنَ الرِجالِ الكَريمُ (٢) والسِّبُّ أيضًا الخُمَارُ، وكذلك العِمَامةُ، قال المُخبَّلُ السعديُّ: ................................ ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرا والسِّبُّ أيضًا الحَبْلُ في لغة هذيلٍ، قال أبو ذؤيب: تَدَلَّى عليها بينَ سِبٍّ وخَيطةٍ ... بِجرداءَ مثلِ الوَكْفِ يَكبُو غُرابُها (٣) والسُّبوبُ الحِبَالُ» (٤). فقد خرج القرطبي في شرحه للفظة الغريبة في الشاهد الشعري إلى الاستشهاد عليها بشواهد شعرية أخرى ليس لها صلة مباشرة بألفاظ الآية المفسرة، وإنما رغبة في شرح غريب الشاهد الشعري الأول. ثالثًا: شرح الشاهد الأول وإغفال ما بعده . ومن منهجهم في شرح الشاهد أن يورد شاهدًا على المسألة، ويشرحه، ثم يعقبه بشاهد آخر ويغفله من الشرح والتعليق اعتمادًا على فهم القارئ، ورغبة في أن يحاول القارئ استخراج وجه الشاهد في البيت، ومن ذلك قول الطبري: «وأما الصابرين فنصبٌ، وهو مِنْ نَعتِ «مَنْ» على وجه المدح؛ لأن من شأن العرب - إذا تطاولت صفة الواحد - الاعتراض بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، كما قال الشاعر:

стр. 495

إِلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيْبَةِ في المُزْدَحَمْ وذَا الرَّأيِ حِيْنَ تُغَمُّ الأُمُورُ ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ فنَصَبَ «ليثَ الكتيبةِ» و «ذا الرأي» على المدحِ، والاسم قبلهما مَخفوضٌ؛ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر: فَليتَ التي فيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَتْ ... عَلى كُلِّ غَثٍّ مِنهمُ وسَمِيْنِ غُيْوثَ الوَرَى في كُلِّ مَحْلٍ وأَزْمَةٍ ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِيْنَ كُلَّ عَرِينِ» (١) ولم يذكر وجه الشاهد في الشاهد الثاني، ثقة بفطنة القارئ أن يقيس وجه الشاهد على ما شرحه الطبري في الشاهد الذي قبله، فهما مسوقان للاستشهاد على قضية واحدة. ومن الأمثلة قول الطبري: «وقد يحتمل نصبها على إتباعها موضع السمع، إذ كان موضعه نصبًا وإن لم يكن حسنًا إعادة العامل فيه على غشاوة، ولكن على إتباع الكلام بعضه بعضًا، كما قال تعالى ذكره: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ١٧ - ٢٢] (٢) فخفض اللحمَ والحُورَ على العطفِ بهِ على الفاكهةِ إِتباعًا لآخرِ الكلام أولَه. ومعلومٌ أَنَّ اللحمَ لا يُطافُ به ولا بالحُورِ العِيْنِ، ولكن كما قال الشاعرُ يصفُ فرسَه: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بَارِدًا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَينَاها ومعلوم أن الماءَ يُشربُ ولا يُعلَفُ به، ولكنه نَصَبَ ذلك على ما وصفت قبلُ. وكما قال الآخر: ورأَيتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحَا» (٣). فقد شرح الطبري الشاهد الأول منهما قبله بقوله: «يصف فرسه».

стр. 496

وبعده بقوله: ومعلوم أن الماءَ يُشربُ ولا يُعلَفُ به، ولكنه نَصَبَ ذلك على ما وصفت قبلُ. وأغفل الشاهد الثاني لأنه يدل على الوجه الذي شرحه في الشاهد الأول. رابعًا - التكرار للشرح . يتكرر عند المفسرين الاستشهاد بالشاهد الشعري الواحد في عدة مواضع، منها ما يتكرر فيه موضع الشاهد، ومنها ما يختلف فيه موضع الشاهد وهذا ما سبقت الإشارة إليه في أنواع الشواهد الشعرية وسميتها «الشواهد المشتركة». فعندما يتكرر إيراد المفسر للشاهد يتكرر شرحه له، ويختلف الشرح في المواضع طولًا وقصرًا، بحسب حاجة المقام، فقد يطيل في الموضع الأول دون الثاني، وقد يكون العكس، وقد يختصر الشرح في الموضعين كليهما. وأما إن اختلف موضع الشاهد في البيت فإنه يتناول بالشرح الشاهد من وجه آخر، فيكون هذا زيادة في إيضاح معنى بيت الشعر لمن يطلب شرحه، فلو جمع الباحث الشواهد الشعرية المكررة التي شرحها المفسرون لتبين له ما قدمه المفسرون في هذا الجانب. وسأضرب لذلك أمثلة تبين المقصود. فمن أمثلة تكرر الشاهد الشعري مع اتفاق موضع الشاهد استشهاد الطبري على أن العرب تحذف من الكلام ما دل عليه الظاهر طلبًا للاختصار بقول ذي الرمة في نعت حَمِيْرٍ: فلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أَو حِيْنَ نَصَّبَتْ ... له مِنْ خَذَا آذَانِهَا وهُو جَانِحُ (١) ثم شرح موضع الشاهد بعده فقال: «يعني: أو حين أقبل الليل». (٢) وقد كرر ذكر الشاهد مرة أخرى للاستشهاد على الوجه نفسه

стр. 497

فقال في شرحه: «أو حين أقبل، ثم حذف اكتفاء بدلالة الكلام عليه» (١). وهذا استشهاد نحوي بالشاهد الشعري على أسلوب الحذف عند العرب. وأما في الموضع الثالث فقد كرره للاستشهاد به استشهادًا لغويًا على معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠] (٢) فقال: «يعني بقوله لَبِسْنَ الليلَ: أُدخِلْنَ في سَواده فاستَتَرْنَ به» (٣). وقد كرر المفسرون الاستشهاد بقول عبد الله بن الزبعرى: ورَأَيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحَا (٤) فقد استشهد به الطبري سبعَ مراتٍ على الوجه نفسه، وأطال في شرحه في الموضع الأول فقال: «قد دللنا فيما مضى على أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة، ولم تَشَكَّكْ أن سامعها يعرف بما أظهرت من منطقها ما حذفت - حذفُ ما كفى منه الظاهر من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التي حذفت قولًا أو بتأويل قول ... وكذلك قول الآخر: ورَأَيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحَا وقد عَلِمَ أَنَّ الرمحَ لا يُتقَلَّدُ، وأنَّه إنَّما أراد: وحاملًا رمحًا، ولكن لما كان معلومًا معناه اكتفى بما قد ظهر من كلامه عن إظهار ما حذف منه». (٥) ثم أخذ يكرره دون شرح (٦)، حتى إذا طال الفصل عن الموضع الأول شرحه مرة أخرى فقال بعده: «فالرمح لا يتقلد ولكن لما كان فيما أظهر من الكلام دليل على ما حذف، فاكتفى بذكر ما ذكر منه مِمَّا

стр. 498

حذف» (١). ثُمَّ لم يشرحه بعد ذلك (٢). ومثله قول ذي الخِرَقِ الطُّهَويّ يصف ذئبًا أراد أن يثب على ناقته: حَسبتَ بُغَامَ راحلتي عَنَاقًا ... وما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ (٣) فقد استشهد به الطبري في خَمسةِ مواضعٍ على أن العرب تحذف ما كان معلومًا، والمعنى في البيت: حَسبتَ بُغَامَ - أي صوت - راحلتي صَوتَ عَنَاقٍ، فشرحه في بعضها دون بعض (٤). ومن الأمثلة كذلك عند الطبري أنه فسَّر قولَ جرير: أَعطوا هُنيدةَ يَحدُوها ثَمانيةٌ ... ما في عَطائهمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ (٥) قال في شرحه في الموضع الأول: «يعني بقوله: ولا سَرَفُ: لا خطأَ فيه، يراد به أنَّهم يصيبون مواضع العَطاءِ فلا يُخطِئونَها» (٦). وقال في شرحه في الموضع الثاني: «يعني بالسَّرِفِ: الخَطأَ في العَطيَّةِ» (٧). ومثله في الموضع الثالث قال: «يعني أنه ليس فيه نقص ولا خطأ» (٨). وقد شرحه محمد بن حبيب شارح ديوان جرير بمثل شرح ابن جرير الطبري فقال: «السَّرَفُ: الخطأُ والإعطاءُ في غير وجهه، يقال: أردتُ بني فلانٍ فَسَرِفْتُهُم، أي: أَخطأَتُهُم» (٩). ومن أمثلة ذلك عند ابن عطية عما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] (١٠) قال: «والبصائر: جمع بصيرة، وهي ما يتفق عن تحصيل العقل للأشياء المنظور فيها بالاعتبار ...

стр. 499

والبصيرة أيضًا هي المعتَقَدُ المُحصَّلُ في قول الشاعر (١): راحوا بَصائِرُهُم عَلى أَكتافِهِم ... وَبَصيرَتي يَعدو بِها عَتَدٌ وَأى (٢) وقال الطبري في شرح البيت: «يعني بالبصيرة: الحجة البينة الظاهرة» (٣). وقال بعض الناس في هذا البيت: البصيرةُ طَريقةُ الدم، والشاعر إِنَّما يصفُ جَماعةً مشوا به في طلبِ دمٍ ففتروا، فجعلوا الأمرَ وراءَ ظهورهم» (٤). وفي موضع لاحق في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ [الجاثية: ٢٠] (٥) قال: «والبصيرة في كلام العرب: الطريقة من الدم، ومنه قول الشاعر يَصِفُ جِدَّهُ في طلبِ الثأر، وتواني غيره: راحوا بَصائِرُهُم عَلى أَكتافِهِم ... وَبَصيرَتي يَعدو بِها عَتَدٌ وَأى وفسَّر الناس هذا البيتَ بطريقة الدم إذ كانت عادة طالب الدم عندهم أن يجعل طريقةً من دمٍ خلفَ ظهرهِ ليُعلمَ بذلك أنه لم يدركْ ثأرَه وأَنَّه يطلبه، ويظهر فيه أنَّه يريد بصيرةَ القلبِ، أَي: قد اطَّرحَ هؤلاء بصائرَهُم وراء ظهورهم» (٦). فقد أطال في شرح البيت في الموضع الثاني، وقد شرحه ابن قتيبة (ت ٢٧٦) فقال: «البصيرةُ: الدفعةُ من الدم، أي: دماؤُهم قد خَرجتْ فصارت على أكتافهم، وبصيرتي في جَوفي يعدو بِها فَرسي، يريد أَنَّهم جُرحوا، ويقالُ: بل أرادَ أنَّ الذي طلبوه من الذحولِ - أي الثأر - على

стр. 500

أكتافهم لم يدركوه بعدُ فهو ثِقلٌ عليهم، وبصيرتي أَي ذحلى قد أدركتُ به» (١). وقوله: إِنَّ البَصيْرَةَ طريقةُ الدمِ، يعني بِها ما استدارَ من الدمِ مِقدارَ الدرهمِ (٢). الاختلاف في شرح الشاهد الشعري: يرجع الاختلاف في شرح المفسرين للشاهد الشعري إلى عدة عوامل، منها الاختلاف في رواية البيت في موضعٍ يتغير بتغيره المعنى، أو يكون راجعًا إلى وقوع التصحيف في الشاهد، أو يكون الاختلاف راجعًا إلى الاختلاف في تفسير الآية وحَملِ الشاهد عليها، أو نحو ذلك، وسيأتي أمثلة ذلك. وقد تعقب المفسرون بعضًا في شرح الشواهد الشعرية، وأكثرُ مَن رأيته عُنِيَ بذلك الإمامُ الطبري، وابن عطية في تفسيريهما. فأما الطبري فقد أكثر من تعقب أبي عبيدة في فهمه للشواهد، كما تعقب الفراء في مواضع قليلة، وأما ابن عطية فقد تعقب أبا عبيدة، وابن قتيبة، والأخفش والطبري، وأكثر من ذلك في تفسيره مع بيان وجه الاختلاف أحيانًا، وعدم بيانه في مواضع. أولًا: الاختلاف في معنى الشاهد . من أمثلة الاختلاف في معنى الشاهد بسبب الاختلاف في رواية البيت أن أبا عبيدة روى شاهدًا شعريًا نسبه لعمرو بن حني التغلبي وهو قوله: وَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّما وشرح غريبه فقال: «والصَّعَرُ داءٌ يأخذُ البعيرَ في عُنقهِ أو رأسه

стр. 501

فيُشبَّهُ به الرجلُ الذي يتكبَّرُ على الناس» (١)، ورواه الطبري كذلك (٢)، غير أنَّ ابن عطية استشهدَ به فقال: «والصَّعَرُ الميلُ ... ومنه قول عمرو بن حني التغلبي: وَكُنّا إِذا الجَبّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمنا لَهُ مِن مَيلِهِ فَتَقَوَّمِ أَيْ: فتقوَّمْ أنتَ، قالهُ أبو عبيدةَ (٣)، وأنشدَ الطبريُّ «فتقوَّمَا»، وهو خطأٌ؛ لأن قافية الشعرِ مَخفوضةٌ» (٤). فيتغير المعنى من الغائب للحاضر. وقد روى المرزبانيُّ هذا البيت مع عدة أبياتٍ مخفوضةٍ كما ذكر ابن عطية وهي: نُعاطي المُلوكَ الحقَّ ما قَصَدُوا بِنَا ... وليسَ عَلينا قَتْلُهُمْ بِمُحرَّمِ أَنِفتُ لَهُمْ مِنْ عَقلِ عَمرِو بنِ مَرْثَدٍ ... إذا وَردوا ماءً ورُمْحِ ابنِ هَرْثَمِ وكُنَّا إذا الجبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمِ قال: يريدُ فتقوَّمْ أنتَ» (٥). ثم عقَّبَ على ذلك المرزباني مشيرًا إلى أن هذا البيت يروى لغيره فقال: «وهذا البيت يروى من قصيدة المتلمس التي أولها: يُعَيّرني أُمِّي رِجَالٌ ولَنْ تَرى ... أَخَا كَرَمٍ إِلَّا بِأَنْ يَتَكَرَّما (٦) وبعده البيت، وآخره: .......................... ... أَقمنَا لَه من مَيلهِ فتقوَّمَا وأبو عبيدة وغيره يروون هذه الأبيات لجابر بن حُنَيِّ التغلبيِّ» (٧). وهذا الذي ذكره المرزباني يعني به رواية أبي عبيدة في «مجاز

стр. 502

القرآن»، وأما في ديوان المتلمس فقد رواه أبو عبيدة له بالفتح. (١) وتعقب ابن عطية لرواية الطبري مبني على الخلاف في رواية الشاهد وهي قد تتعدد كما في كثير من روايات الشعر، وإن كان موضع الشاهد لم يتأثَّر بِهذا الاختلاف وهو لفظة: «صَعَّرَ»، حيث ساق المفسرون الشاهد من أجلها. ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] (٢): «وحكى الطبريُّ أنَّ «لا» زائدة، وقال: هي هنا على نحو ما هي عليه في قول الراجز (٣): فَمَا أَلُومُ البِيضَ أَلاَّ تَسْخَرا (٤) أرادَ: أَنْ تسخَر. وفي قول الأحوص: ويَلْحِيْنَنِي في اللَّهوِ أَنْ لا أُحِبَّه ... ولِلَّهوِ داعٍ دَائبٌ غَيْرُ غَافِلِ (٥) وقال الطبري: يُريدُ ويَلْحَيْنَنِي في اللَّهوِ أَنْ أُحبَّه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: وبيتُ الأحوص إِنَّما معناه: إرادةَ أَنْ لا أُحبَّهُ، فـ «لا» فيه متمكنة» (٦). فقد اعترض على شرح الشاهد بما شرحه به الطبري، وذهب به مذهب ثانيًا: الاختلاف في دلالة الشاهد . قد يكون معنى الشاهد متفقًا على صحة روايته عند المفسرين، غير أَنَّهم يَختلفونَ في معناه، ودلالته على الآية، فيكون الخلاف في معنى الشاهد، لا في تفسير الآية. ومن ذلك أن أبا عبيدة أنشد قول ابن مقبل:

стр. 503

أَفسدَ النَّاسَ خُلوفٌ خَلفُوا ... قَطعوا الإِلَّ وإِعرَاقَ الرَّحِمْ (١) وفسَّرَ الإِلَّ فيه بأَنَّها القَرابة (٢). واعترض ابن عطية على ذلك فقال: «أنشده أبو عبيدة على القرابة وظاهره أنه في العهود». (٣) فالخلاف هنا في دلالة اللفظة في الشاهد على المعنى، واعتراض ابن عطية مبني على فهمه للمفردةِ من خلال سياق البيت، وإن كان بيتُ ابنِ مقبل يَحتملُ الأمرين، وفهم أبي عبيدة غير بعيد، ومعرفته بالشعر أوسع، ولم أجد البيتَ في ديوان الشاعر لأتبيَّنَ ما قبلَهُ وما بعده. ومثله قول ابن عطية أيضًا: «وقال الطبري: ﴿يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] ٤) معناه: يُهلكونَكم، واستشهدَ ببيت جرير (٥): كُنتَ القَذى في مَوجِ أَخضرَ مُزبدٍ ... قَذَفَ الأَتيُّ بهِ فضلَّ ضلالا (٦) وقول النابغة: فآبَ مُضلوهُ بِعَينٍ جَليَّةٍ ... البيت (٧) وهذا تفسيرٌ غيرُ خاصٍ باللفظةِ، وإنَّما اطَّردَ له هذا الضلالُ في الآية، وفي البيتين اقترنَ به هلاكٌ، وأَمَّا أَن تُفسَّرَ لفظةُ الضلالِ بالهلاكِ فَغَيْرُ قَويمٍ» (٨). واعتراضُ ابنِ عطيَّةَ هنا على تفسير الطبري للضلال بمعنى الهلاك مطلقًا، ولم يعترض على تفسير الضلال في الآية والشاهدين بالهلاك لتوفر القرينة على ذلك. قال في اللسان: «قال أَبو عمرو: وأَصلُ الضَّلالِ

стр. 504

الغَيْبوبة، يقال ضَلَّ الماءُ في اللبن إذا غاب، وضَلَّ الكافرُ إذا غاب عن الحُجَّة، وضَلَّ الناسي إذا غابَ عنه حِفْظه، وأَضْلَلْت بَعيري وغيرَه إذا ذهَب منك ... وضَلَّ الشيءُ يَضِلُّ ضَلالًا أَي ضاع» (١). فالهلاك أحد معاني الضلال إذا اقترنت به قرينة، وأما أصل معنى الضلال فكما قال ابن فارس: «الضاد واللام أصلٌ صحيحٌ يدل على معنى واحد، وهو ضياع الشيء وذهابه في غير حقه» (٢). ثالثًا: الاختلاف في وجه الاستشهاد: قد يكون الاختلاف والاعتراض متجهًا إلى وجه الاستشهاد لا إلى الشاهد، ومن ذلك قول ابن عطية: «وقال أبو عبيدة: الرَّفَثُ اللغا من الكلام، وأنشد: ورُبَّ أَسرَابِ حَجيجٍ كُظَّمِ ... عَن اللَّغَا ورَفَثِ التكَلُّمِ (٣) قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذا البيت». (٤) ولم يبين ابن عطية سبب عدم الحجية في الشاهد، وأن الرفث فيه يعني اللغو من الكلام، والظاهر أن وجه اعتراض ابن عطية على الاستشهاد بالبيت أن الشاعر قد عطف اللغا على رفث الكلام، والعطف يعني المغايرة بين المعنيين. وقال ابن عطية: «وقال أبو عبيدة: البعض في هذه الآية بمعنى الكل، وخطأه الناس في هذه المقالة، وأنشد أبو عبيدة شاهدًا على قوله بيت لبيد: ترَّاكُ أَمكنةٍ إذا لم أَرْضَهَا ... أَو يَخْتَرِمْ بعضَ النفوسِ حِمَامُها وليست في البيت له حجة؛ لأن لبيدًا أراد نفسه فهو تبعيض صحيح» (٥).

стр. 505

وقد يكون سبب الخلاف هو الخلاف في تفسير الآية، لا في معنى البيت أو حجيته، ومن ذلك قول الطبري: «وقد زعم بعضُ أهل العربية أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (١): إلا الذين يتصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق. من قولهم: اتَّصَلَ الرجلُ، بِمعنى: انتمَى وانتسَب. كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قومٍ: إذا اتصلَتْ قَالت: أَبَكْرَ بنَ وَائلٍ ... وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَوَاغِمُ (٢) يريدُ بقوله: اتصلتْ انتَسَبت» (٣). ثُمَّ اعترض الطبري على هذا التفسير الذي ذهب إليه أبو عبيدة فقال: «ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع؛ لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة والعهد، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم مالهم ... لما كان رسول الله ﷺ ليقاتل قريشًا وهم أنسباء السابقين الأولين، ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم أكثر مما لأهل العهد بعهدهم. وفي قتال رسول الله ﷺ مشركي قريش ... الدليل الواضح أن انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم لم يكن موجبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه» (٤). ولَخَّص ابنُ عطية رأي الطبري واختاره (٥). ومن أمثلة تعقب الطبري للفراء في فهمه للشواهد وشرحه لها قول الطبري: «واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب «الباء» في قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] (٦) فقال بعض نحويي الكوفة: الذي جلب «الباء» في قوله: ﴿بِحَبْلٍ﴾ فعل مضمر قد ترك ذكره. قال: ومعنى الكلام: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا أن يعتصموا

стр. 506

بحبل من الله فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر (١): رأَتْنِي بِحَبْلَيها فَصَدَّتْ مَخَافةً ... وفي الحَبْلِ رَوعاءُ الفُؤادِ فَروقُ (٢) وقال: أرادَ: أَقبلَت بِحَبلَيها. وبقول الآخر (٣): حَنَتْنِي حَانياتُ الدهرِ حتى ... كأَنِّي خَاتِلٌ أَدنُو لِصَيدِ قريبُ الخَطْوِ يَحسبُ مَن رآني ... ولستُ مُقيَّدًا أَنِّي بِقَيدِ (٤) يريد: مقيَّدًا، فأوجبَ إعمالَ فعلٍ مَحذوفٍ، وإظهارَ صلته وهو متروك» (٥). ثم أخذ الطبري في رده لفهم الفراء للشواهد، وشرحه لها، فقال: «وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دال على صحة دعواه؛ لأن في قول الشاعر: «رأتني بِحَبليها» دلالةً بينةً في أنها رأتهُ بالحبل مُمسكًا، ففي إخباره عنها أَنّها رأتهُ بِحبليها، إخبارٌ منه أنها رأته مُمسكًا بالحبلين، فكان فيما ظهر من الكلام مستغنى عن ذكر الإمساك، وكانت الباء صلة لقوله رأتني» (٦). وقد يكون التعقب لفهم الشاهد ودلالته على الآية، وليس لشرحه، ومن ذلك قول الطبري في رده على أبي عبيدة: «وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة أن الذي في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] (٧) بمعنى: الذين، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ

стр. 507

وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣] (١). وكما قال الشاعر (٢): فإِنَّ الذي حانَتْ بِفَلجٍ دماؤُهُم ... هُمُ القومُ كُلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ (٣) قال أبو جعفر: والقول الأول هو القول لما وصفنا من العلة، وقد أغفل قائل ذلك فرقَ ما بين (الذي) في الآيتين وفي البيت؛ لأن الذي في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قد جاءت الدلالة على أن معناها الجمع، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، وكذلك (الذي) في البيت، وهو قوله (دماؤهم)، وليست هذه الدلالة في قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] فذلك فرق ما بين الذي في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وسائر شواهده التي استشهد بها على أن معنى (الذي) في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بِمعنى الجماعة. وغيرُ جائزٍ لأحد نقلَ الكلمة التي هي الأغلب في استعمال العرب على معنى إلى غيره إلا بحجةٍ يجبُ التسليم لها» (٤). وقد كانت ردود الطبري على أبي عبيدة في فهمه لمعاني القرآن بسبب عدم عناية أبي عبيدة بتفسير السلف، واعتماده فيما يفسر على اللغة والشعر، ومن ذلك قول الطبري: «وقد زعم أيضًا بعض من ضعفت معرفته بتأويل أهل التأويل، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير، أنَّ الرحمنَ مَجازهُ: ذو الرَّحمةِ، والرحيمَ مَجازهُ الرَّاحمُ، ثم قال: قد يقدرون اللفظين من لفظٍ، والمعنى واحد، وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا: نَدْمَانُ ونَدِيْمُ، ثم استشهد ببيت برج بن مسهر الطائي: ونَدمانٍ يزيدُ الكأسَ طيبًا ... سَقَيتُ إذا تغوَّرَتِ النُّجومُ (٥)

стр. 508

واستشهد بأبيات نظائر له في النديم والندمان ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله الرحمن ذو الرحمة والرحيم الراحم وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيهما على صحته ... ». إلى أن قال منتقدًا لمسلك أبي عيدة: «ولكن القول إذا كان على غير أصلٍ معتمدٍ عليه كان واضحًا عَوَارهُ» (١). فهو يرد قول أبي عبيدة لمخالفته لتفسير السلف. وقال في موضع آخر بعد ترجيحه لقول مفسري السلف على تفسير أهل اللغة وهو يشير إلى أبي عبيدة: «وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقته أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئًا يقطع العذرَ. فأما الذين قالوا في ذلك غير ما قلنا مِمَّن قال فيه على وجه الانتزاع من كلام العرب، من غير أن يعزوه إلى إمامٍ من الصحابة أو التابعين، وعلى وجه تَحميلِ الكلام غير وجهه المعروف فإنهم اختلفوا في معناه بينهم ... » (٢). فظهر أن الطبري يعيب تفسير أهل اللغة بأنهم لا يتلفتون إلى تفسير الصحابة والتابعين، ويقولون في معاني القرآن بما ورد في اللغة والشعر، دون نظر إلى خصوصية القرآن الكريم، وتقدم الصحابة والتابعين في معرفة معانيه على غيرهم. ومن الأمثلة على اختلاف المفسرين في معاني الشاهد الشعري اختلافهم في قول عمرو بن كلثوم في معلقته: وأَيَّامٍ لنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينَا (٣) فقال الطبري: «وقال آخرون منهم: قد وجدنا لتسمية النعم بالأيام شاهدًا في كلامهم، ثم استشهد لذلك بقول عمرو بن كلثوم: وأَيَّامٍ لنَا غُرٍّ طِوَالٍ ... عَصينا المَلْكَ فيها أَنْ نَدِينَا

стр. 509

وقال: فقد يكون إنما جعلها غرًا طوالًا، لإنعامهم على الناس فيها. قال: فهذا شاهد لمن قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] (١) بنعم الله، ثم قال: وقد يكون تسميتها غُرًّا لعلوهم على المَلِكِ وامتناعهم منه، فأيامهم غُرٌّ لهم، وطِوَالٌ على أعدائهم. قال أبو جعفر: وليس للذي قال هذا القائل من أن في هذا البيت دليلًا على أن الأيام معناها النعم وجهٌ؛ لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف من الأيام بأنها غرٌّ لعز عشيرته فيها، وامتناعهم على الملك من الإذعان له بالطاعة، وذلك كقول بعض الناس: ما كان لفلان قط يوم أبيض، يعنون بذلك أنه لم يكن له يوم مذكور بخير، وأما وصفه إياها بالطول، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدة، كما قال النابغة: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُميمةُ نَاصِبِ ... ولَيلٍ أُقاسيهِ بِطيءِ الكَواكِبِ (٢) فإنما وصفها عمرو بالطول لشدة مكروهها على أعداء قومه، ولا وجه لذلك غير ما قلتُ» (٣). ومن الأمثلة ما ذكره ابن عطية كذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] (٤) حيث قال: «الخطابُ للنبيِّ، والمرادُ أمته. وامترى في الشَّيءِ إذا شكَّ فيه، ومنه المراء؛ لأنَّ هذا يشكُّ في قولِ هذا. وأنشدَ الطَّبريُّ (٥) شاهدًا على أنَّ الممترينَ شاكُّونَ قولَ الأعشى: تَدُرُّ عَلَى أسْؤُقِ المُمْتَرِيـ ... ـنَ رَكْضًا إذا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ (٦) ووهِم في ذلك؛ لأنَّ أبا عبيدةَ وغيره قالوا: الممترين في البيت:

стр. 510

هم الذينَ يَمْرُونَ الخيلَ بأرجلِهم هَمْزًا لتجري (١)؛ كأنهم يحتلبون الجريَ منها، فليس في البيت معنًى من الشَّكِّ كما قال الطبريُّ» (٢). وقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية، فقال: «معنى الشَّكِّ فيه موجودٌ؛ لأنه يحتملُ أن يختبِرَ الفرسَ صاحبُه، هل هو على ما عهده منه من الجري، أم لا؛ لئلا يكون أصابه شيء، أو يكون هذا عند أول شرائه، فيُجريه، ليعلم مقدار جريه ... » (٣). والأمثلة على تعقبات المفسرين بعضهم في فهم الشواهد الشعري أو شرحها، أو إعرابها كثيرة (٤). تغليط المفسرين للشعراء: وهناك من المفسرين من يرد بعض ما ورد من اللغة في الشواهد الشعرية، وهذا من باب تغليط الشاعر، ومن الأمثلة ما ما ذكره ابن عطية في تفسيرِ السَّلوى في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] (٥)، حيث قال: «والسَّلوى طيرٌ، بإجماعٍ من المفسِّرينَ ... وقد غلطَ الهذليُّ (٦)، فقال: وَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْدًا لأنْتُم ... ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا (٧) ظنَّ السَّلوى العسلَ» (٨). ولأَنَّ الشَّورَ لا يكونُ إلا للعسلِ، غلَّطَه

стр. 511

ابنُ عطية في ذهابه بالسَّلوى إلى العَسَلِ، وهذا من تخطئة العلماء للشعراء، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وقد صنَّفَ فيه المرزباني كتابه «الموشَّحُ في مآخذ العلماء على الشعراء»، وذكر أمثلة كثيرة لتعقبات العلماء للشعراء. وقال الزجاج: «أخطأ خالدٌ، إِنَّما السَّلوى طائرٌ، وقال الفارسيُّ يردُّ على الزجاجِ: السَّلوى كُلُّ ما سلاَّكَ، وقيلَ للعسلِ: سَلوى لأَنَّه يُسلِّيكَ بِحلاوتهِ، وتأتيه عن غَيْرِه مِمَّا تَلحقُكَ فيه مَؤنةُ الطبخِ وغَيرهِ من أنواع الصناعة» (١). وقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية في تخطئته للشاعر فقال: «ما ادَّعاهُ من الإجماعِ لايصح، وقد قال المؤَرِّجُ (٢) أحد علماء اللغة والتفسير إنه العَسَلُ، واستدل ببيت الهذلي وذكر أنه كذلكَ بلغة كنانة، سُمِّي به لأَنه يُسَلَّى بهِ، ومنه عَيْنُ السُّلوانِ، وأنشد: لو أشربُ السُّلوانَ ما سَلَيْتُ ... ما بِيْ غِنًى عنكِ وإنْ غَنِيْتُ (٣) وقال الجوهري: والسَّلوى العَسَلُ (٤)، وذكر بيت الهذلي: .............................. ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشورها ولم يذكر غَلَطًا» (٥). وربما رد ابن عطية تخطئة بعض العلماء للشعراء، ومن الأمثلة على ذلك قوله: «وأيضًا فإن البحر الفرات كله ينصب في البحر الأجاج، فيجيء الإخراج منهما جميعًا. قال القاضي أبو محمد: وقد خطئ أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر:

стр. 512

فَجاءَ بِها ما شِئتَ مِن لَطَمِيَّةٍ ... يَدومُ الفُراتُ فَوقَها وَيَموجُ (١) وليس ذلك بخطأ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة» (٢). ثانيًا: الاضطراب في شرح الشاهد الشعري عند المفسر الواحد . قد يَختلف شرحُ المفسر للشاهدِ الشعري في موضعين مُختلفين. ومن أمثلة ذلك أن الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] (٣) قال في تفسير الغرام: «إن عذاب جهنم كان غرامًا ملحًا دائمًا ملازمًا غير مفارق من عذب به من الكفار، ومهلكًا له، ومنه قولهم: رجل مغرم، من الغرم والدين، ومنه قيل للرجل المولع بالنساء إنه لمغرم بالنساء، وفلان مغرم بفلان إذا لم يصبر عنه، ومنه قول الأعشى: إِنْ يُعَاقِبْ يَكن غَرامًا وإِنْ ... يُعْطِ جَزيلًا فإِنَّهُ لا يُبَالي (٤) يقول: إن يعاقب يكن عقابه عقابًا لازمًا، لا يفارقه صاحبه، مهلكًا له» (٥). في حين قال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)﴾ [الواقعة: ٦٦] (٦) في تفسير الغرام أيضًا: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إنا لمعذبون، وذلك أن الغرام عند العرب: العذاب، ومنه قول الأعشى: إِنْ يُعَاقِبْ يَكن غَرامًا ... وإِنْ يُعْطِ جَزيلًا فإِنَّهُ لا يُبَالي يعني بقوله: يكن غرامًا: يكن عذابًا» (٧). ففسَّر الغرامَ في البيت في المرة الأولى بالمُلازمةِ، وفي الثانية

стр. 513

بالعذابِ. وليس بين التفسيرين تعارض، فالغرام هو العذاب الملازم، وقد اقتصر الطبري في الموضع الثاني على تفسيره بالعذاب دون تقييده بالملازم، فكان ظاهر هذا ما يشبه أن يكون اختلافًا في شرح الشاهد. وقد فُسِّرَ الغرامُ في اللغة بأنه العذاب الملازم، وأنَّ مادة «غَرِمَ» أصل صحيح يدل على مُلازمةٍ ومُلازَّةٍ (١). وقد سبق أبو عبيدة إلى الاستشهاد بهذا الشاهد وشرحه بأنه بمعنى الهلاك (٢). والعذاب سبب للهلاك. أنواع شروح الشاهد الشعري: يعتمد شرح المفسر للشاهد الشعري على نوع المسألة التي ورد فيها الشاهد الشعري، فإن كانت مسألة لغوية معجمية فإنه يشرح الشاهد الشعري شرحًا معجميًا، وإن كانت مسألأة نحوية فإنه يشرح الشاهد شرحًا نحويًا، وهكذا. وبناء على قسمت أنواع الشروح للشاهد الشعري إلى الأقسام الآتية: أولًا: الشرح اللغوي . ومن الأمثلة قول الطبري: «وهو مصدرٌ من قول القائلِ: رابني الشيءُ يُريبني رَيْبًا. ومن ذلك قولُ ساعدةَ بن جؤية الهُذليّ: فقالوا: تَركنَا القَومَ قَدْ حَصِرُوا بِهِ ... فَلا رَيْبَ أَنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ (٣) ويُروى: حَصَرُوا وحَصِرُوا والفتحُ أكثرُ، والكسرُ جائزٌ. يعني بقوله: «حَصَروا بهِ» أطافوا به، ويعني بقوله: «لا ريب فيه» لا شكَّ فيه. وبقوله: «أنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ» يعني قتيلًا، يقال: قد لَحِمَ إذا قُتِلَ» (٤). وقال الزمخشري: «وقرأ الأشهب العقيلي (بعد إمةٍ) بكسر الهمزة، والإمة النعمة. قال عدي:

стр. 514

ثُمَّ بعدَ الفَلاحِ والمُلكِ ... والإِمَّةِ وارتْهُمُ هُناكَ القُبورُ (١) أي: بعد ما أنعم عليه بالنجاة» (٢). والأمثلة على ذلك كثيرة (٣). ثانيًا: الشرح النحوي . ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «وإذ كان ذلك معنى الكلام، فمعلوم أن قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] (٤) يأتيه الرفع من وجهين، والنصب من وجهين: فأما أحد وجهي الرفع، فعلى الاستئناف، لما فيه من الذم. وقد تفعل العرب ذلك في المدح والذم، فتنصب وترفع، وإن كان خبرًا عن معرفة، كما قال الشاعر: لا يَبْعُدَنْ قَومي الذينَ هُمُ ... سُمُّ العُدَاةِ وآَفَةُ الجُزْرِ النَّازِلينَ بِكُلِّ مُعتَرَكٍ ... والطَّيبينَ مَعَاقدَ الأُزُر فيُروى: النازلون، والنازلين، وكذلك الطيبون والطيبين على ما وصفت من المدح» (٥). ومن الأمثلة كذلك قول الطبري: « ... فقال بعضهم: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] (٦) الإبهامَ على مَنْ خَاطبهُ، فهو عالمٌ أَيَّ ذلك كانَ ... كما قال أبو الأسود الدؤلي: أُحِبُّ مُحمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا ... وعبَّاسًا وحَمْزةَ والوصِيَّا فإِنْ يَكُ حُبُّهُم رُشْدًا أُصِبْهُ ... ولستُ بِمُخطيءٍ إِنْ كانَ غَيَّا (٧) قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًا في أن حب من سمى رشدٌ، ولكنه أبهم على من خاطبه به. وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما

стр. 515

قال هذه الأبيات قيل له: شككتَ؟ فقال: كلاَّ والله! ثُمَّ انتزَعَ بقول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (١) فقال: أَوَ كانَ شاكًّا مَنْ أخبرَ بِهذا في الهَادي من الضلال؟ » (٢). وقال الطبري: «وأما على قراءة من قرأه: بل ادارك، بكسر اللام وتشديد الدال، فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يكون معنى بل: أم، والعرب تضع أم موضع بل، وموضع بل أم، إذا كان في أول الكلام استفهام، كما قال الشاعر: فواللهِ ما أدري أَسلمى تَغوَّلَتْ ... أَمِ النومُ أمْ كُلٌّ إليَّ حبيبُ يعني بذلك: بل كُلٌّ إليَّ حبيب» (٣). ومن الأمثلة عند ابن عطية قوله تعقيبًا على رواية ابن جني لقول أبي النجم: قد أَصْبحتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي ... عَليَّ ذَنبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ (٤) برفع «كُلّ». قال: «وهكذا الرواية، وبها يتم المعنى الصحيح؛ لأنه أراد التبرؤ من جميع الذنوب، ولو نصبَ «كُلَّ» لكان ظاهرُ قوله أَنَّه صَنَعَ بعضَه. وهذا هو حذف الضمير من الخبر وهو قبيح. التقدير: يبغونَهُ ولم أَصنعه، وإنما يحذف الضمير كثيرًا من الصلة ... ويحذف أقل من ذلك من الصفة، وحذفه من الخبر قبيح كما جاء في بيت أبي النجم، ويتجه بيته بوجهين: أحدهما: أنه ليس في صدر قوله ألف استفهام يطلب الفعل كما هي في قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ﴾ [المائدة: ٥٠]. والثاني: أن في البيت عوضًا من الهاء المحذوفة، وذلك حرف

стр. 516

الإطلاق، أعني الياء في أصنعِ» (١). ثالثًا: الشرح الأدبي . وأعني به النظر إلى الشاهد الشعري نظرة أدبية نقدية، يبدي فيها المفسر رأيه في جمال البيت من حيث المعنى، أو من حيث اللفظ، على عادة نقاد الشعر. وتجد لذلك أمثلة في كتب التفسير، على أن المفسرين لم ينظروا إلى الشاهد الشعري نظرة فنية في كتب التفسير، ولم يكن ذلك من أغراضهم، وإنما نظروا للشاهد الشعري على أنه حجة يحتج بها في اللغة ونحوها، ووسيلة ضرورية لغاية أسمى وهي فهم معاني القرآن وتفسيرها. بل إن أكثر علماء اللغة كانت اهتمامهم بالشعر للمحافظة على ثبات اللغة، والاستعانة به في فهم القرآن، والاحجاج له. فكانت الغاية دينية في حركة جمع الشعر وشرحه (٢). ومن ذلك قول ابن عطية: «قول الشاعرِ (٣): ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّما المَيْتُ مَيّتُ الأَحياءِ (٤) استراحَ من الراحةِ، وقيل: من الرائحةِ ... وأمَّا قولُ الشاعرِ (٥): إذا مَا مَاتَ مَيْتٌ مِنْ تَميمٍ ... فَسَرَّكَ أن يعيشَ فَجِئْ بِزَادِ (٦) فالأبلغُ في الهجاءِ أَنْ يريدَ الميتَ حقيقةً، وقد ذهب بعضُ الناس إلى أَنَّه أرادَ مَنْ شارفَ الموتَ، والأولُ أَشعرُ». (٧) وأضاف في موضع آخر شرحًا لهذا الشاهد فقال: «وقد تأول قومٌ «استراحَ» في هذا البيت

стр. 517

بِمعنى: اكتسبَ رائحةً؛ إذ قائلُهُ جاهليٌّ، لا يرى في الموت راحةً» (١). وفي هذا توظيف لمعرفته بعصر قائل الشعر ودينه في فهم الشاهد الشعري وترجيح بعض معانيه على بعض، كما إن فيه دلالة على حسن تذوقه للأدب، وبراعته في ترجيح العبارات بحسب معانيها، وهذا جزء من عمل الناقد الأدبي. ومن الأمثلة قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] (٢): «وجعل الله تعالى الجوعَ في هذه الآية مع العُري، والظمأَ مع الضحاءِ، وكان عُرْفُ الكلامِ أن يكون الجوعُ مع الظمأِ المتناسب، والعريُ مع الضحاءِ؛ لأنها تتضادُ إذ العُريُ يَمسُّ بسببه البردُ، والحَرُّ يفعل ذلك بالضاحي، وهذه الطريقة مهيعٌ في كلام العرب، أَن تُفرقَ النِّسَبَ، ومنه قول امرئ القيس: كأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِلذَّةٍ ... ولَمْ أَتَبَطَّنْ كَاعِبًا ذاتَ خَلْخَالِ ولم أَسْبَأِ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أَقُلْ ... لِخَيليَ كُرِّيْ كَرَّةً بعدَ إِجْفَالِ (٣) وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس حافظةٌ لنسبٍ، وأنَّ ركوبَ الخيل للصيدِ وغَيره من الملاذِ يُناسبُ تبطنَ الكاعب» (٤). وقد ذكر المرزباني هذا التوجيه لأبيات امرئ القيس (٥). ومن الأمثلة كذلك لإشارات المفسرين للجوانب الأدبية في شرح الشاهد الشعري أن ابن عطية ذكر قول حسان بن ثابت ﵁: لنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلْمَعنَ بالضُّحى ... وأَسيَافُنَا يَقْطُرنَ مِنْ نَجْدةٍ دَما (٦) واستدل به على أن الجفنات هنا أتت للتكثير لا للتقليل فقال: «فلم

стр. 518

يرد إلا كثرة الجفان» ثم علق تعليقًا أدبيًا على البيت فقال: «وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت» (١). وهو يقصد نقد النابغة الذبياني لا الأعشى، فقد رُويَ عن أبي عمرو بن العلاءِ قال: «كان النابغةُ الذبيانيّ تُضربُ له قُبَّةٌ من أَدَمٍ بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها، فأتاه الأعشى فأنشدهُ أَوَّل من أنشدَ، ثُمَّ أنشدهُ حسّانُ: لنا الجَفَناتُ الغُرًّ يلمعن بالضُّحى ... وأسيافُنا يقطرن من نجدة دَما ولدنا بَنِى العنقاءِ وابنَىْ محرِّقٍ ... فأكرِمْ بنا خَالًا وأكرمْ بِنَا ابنَمَا قال النابغةُ: أنت شاعرٌ، ولكنَّك أَقلَلْتَ جِفَانَكَ وسُيوفَك، وفَخَرتَ بِمَن ولدتَ ولم تفخرْ بِمَن وَلَدك» (٢). وهذه القصة يذكرها كثير من المفسرين والنقاد على أنها من أوائل النظرات النقدية للشعر عند العرب، وقد رَدَّ هذه النقدات التي ذكرها النابغة عدد من العلماء، منهم ابنُ الأثير فقد ذكر كلامًا طويلًا في تصويب قول حسان (٣)، وأشار ابن أبي الإصبع (٤) إلى أَنَّ «النابغةَ إِنَّما عاب على حسانَ تركَ المبالغة، والقصةُ مشهورة، والصوابُ مع حسان، وإِنْ رُويَ عنهُ انقطاعهُ في يد النابغةِ». (٥) وأطال البغدادي في شرح هذا البيت، وجمع أقوال النقاد فيه بما لا مزيد عليه، وخلاصته تصويب قول حسان ورد كلام النابغة في نقده للبيت، لأن العبرة بالجمع دون كونه كثرة أو قلة، ولأنه قد ورد وزن جموع القلة في القرآن والشعر مرادًا به الكثرة، فسقط الاعتراض (٦).

стр. 519

ويؤيدُ قولَ ابن عطية في فهمه لبيت حسان قولُ ابن الأنباري (ت ٣٢٨) في معنى بيت حسان: «فالجَفَناتُ ههنا معناها الكثرةُ؛ لأنه لم يُرِدْ أنَّ لنا جفناتٍ قليلةً، لأنه لو أراد ذلك لم يكن مبالغًا في المدح» (١). رابعًا: الشرح البلاغي . من أنواع شروح الشاهد الشعري عند المفسرين الشرح البلاغي للشعر، وذلك إذا ورد في سياق بيان بلاغة الآيات المفسرة، وتضمنها لصورة بلاغية. فيأتي المفسر بشواهد من الشعر تؤيد ما ذهب إليه في تفسير الآية، ويشرحها شرحًا يوضح بلاغتها. وقد تعرض المفسرون لكثير من الفنون البلاغية في شروحهم للشواهد الشعرية كالاستعارة والتشبيه والكناية ونحوها مما هو مشروح في كتب البلاغة. وقد تفاوت المفسرون في هذا الجانب، فالطبري قد ورد في تفسيره كثير من الشروح البلاغية، غير أنه في التعبير عن الفنون البلاغية لم يلتزم بتسميتها بمسمياتها التي استقر عليها الاصطلاح بعده لتقدمه، وأما الزمخشري فقد غلبت شواهد البلاغة في تفسيره على غيرها لعنايته بالبلاغة في تفسيره، وابن عطية له عناية بذلك مع إقلاله منها، وأما القرطبي فقد نقل معظم شواهد البلاغة وشرح الكثير منها بمثل ما شرحه المتقدمون من أهل التفسير والبلاغة على حد سواء. وفيما يلي بعض الأمثلة التي تدل على ما تقدمت الإشارة إليه. ١ - من الأمثلة ما أورده الطبري من الشواهد عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] (٢) حيث فسرها أولًا بقوله: «يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من الحجارة لما يهبط، أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح، من خوف الله وخشيته». (٣) ثم ذكر

стр. 520

قول من ذهب إلى أن الهبوط في الآية ليس على حقيقته، وإنما هو ضَرْبٌ من المَجاز، فقال: «وقال آخرون: يهبط من خشية الله كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (١) ولا إِرادةَ له. قالوا: وإنما أريد بذلك أَنَّه مِن عِظَمِ أمر الله، يُرَى كأَنَّهُ هابطٌ خاشعٌ من ذُلِّ خشية الله، كما قال زيد الخيل: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حجراتهِ ... ترى الأُكْمَ منه سُجَّدًا للحَوافرِ (٢) وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوًا له: ساجدَ المِنْخَرِ لا يرفعهُ ... خاشعَ الطَّرْفِ أَصمَّ المُستَمَعْ (٣) يريد أنه ذليل، وكما قال جرير بن عطية: لَمَّا أَتَى خَبَرُ الرسولِ تَضَعْضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ (٤)» (٥). ثم يعرض رأي بعض المفسرين الذين حَملوا الآيةَ على المَجازِ العقليِّ، فيقول: «وقال آخرون: معنى قوله: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل: : ناقة تاجرة، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها كما قال جرير بن عطية: وأَعورُ مِنْ نبهانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فأَعمى وأَمَّا لَيلهُ فَبَصيرُ (٦) فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه من أجل أَنَّه فيه كانَ ما وصفه به» (٧). ثم يعقب الطبري على هذه

стр. 521

الأقوال فيقول: «وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مِمَّا تَحتمله الآية من التأويل، فإِنَّ تأويل أهل التأويل من علماء السلف بِخلافها، فلم نستجز صرفَ تأويل الآية إلى معنى منها» (١). فالطبري لا يستبعد التفسير الذي حُمِلَت عليه الآية من المَجاز، لكنه لا يرى القول به لمخالفته لقول السلف، وقد نقل شواهد الشعر التي استدل بها المفسرون وشرح بعضها شرحًا موجزًا. ٢ - ومن الأمثلة على شرح المفسرين للشواهد الشعرية شرحًا بلاغيًا ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] (٢) حيث أشار إلى أنَّ «العرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلًا، بالقابض على الماء، قال بعضهم (٣): فإِنِّي وإِيَّاكُمْ وشَوقًا إليكمُ ... كَقابضِ مَاءٍ لم تسقه أَنامِلُه (٤) يعني بذلك أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده» (٥). وهذا أحد أنواع التشبيه. ٣ - ومن الأمثلة ما ذكره الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (٦) حيث قال: «وهذا مثل، يقال للرجل إذا كان مقبلًا عليه ما يحبه ويسر به: الريح مقبلة عليه، يعني بذلك ما يحبه، ومن ذلك قول عَبِيْدِ بنِ الأبرص: كمَا حَمَيناكَ يومَ النَّعْفِ مِن شَطِبٍ ... والفضلُ للقوم مِن ريحٍ ومن عددِ (٧)

стр. 522

يعني من البأس والكثرة» (١). وقد ذهب المفسرون في تفسير هذه الآية مذهب الطبري مع الاختلاف في التعبير، فقال الزمخشري: «الريح: الدولة، شبهت في نفوذ أمرها وتمشيه بالريح وهبوبها» (٢). وقال ابن عطية: «والجمهور على أن الريح هنا مستعارة، والمراد بها النصر والقوة» (٣). وهذا يعود إلى عدم استقرار مصطلحات البلاغة على عهد الطبري فسمى الاستعارة مَثَلًا، بخلافها عند المتأخرين. ومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [النساء: ٩٠] (٤): «والسَّلَمُ هو الاستسلام، وإنما هذا مَثَلٌ، كما يقول الرجلُ للرجلِ: أعطيتُكَ قِيادي، وألقيتُ إليك خِطَامي، إذا استسلم له وانقاد لأمره، وكذلك قوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ إنما هو ألقوا إليكم قيادهم واستسلموا لكم صلحًا منهم لكم وسلمًا، ومن السَّلَمِ قولُ الطرمَّاحِ: وذاكَ أَنَّ تَميمًا غَادَرَتْ سَلَمًا ... للأُسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وعثةِ اللَّبدِ (٥) يعني بقوله: سَلَمًا، استسلامًا» (٦). ٤ - ومن أمثلة ذلك قول الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسيرُ والمرجعُ والمصيرُ. وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى: عَلى أَنَّها كَانتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تأَوُّلَ رِبْعيِّ السِّقَابِ فَأَصحَبَا (٧)

стр. 523

وأصله من آَلَ الشيءُ إلى كذا إذا صَار إليه ورجعَ، يَؤُولُ أَوْلًا، وأَوَّلْتُه أنا صَيَّرْتُه إليه ... ويعني بقوله: تأَوُّلُ حُبِّهَا: تَفسيرُ حُبِّها ومرجِعِه. وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرًا في قلبه، فآل من الصِّغَرِ إلى العِظَمِ، فلم يزل ينبت حتى أَصْحَبَ، فصار قديمًا، كالسَّقْبِ الصَّغيرِ الذي لم يزل يَشِبُّ حتى أَصحبَ فصار كبيرًا مثلَ أُمِّهِ. وقد يُنشد هذا البيتُ: على أَنَّها كانتْ تَوابعُ حُبِّها ... تَواليَ ربعيّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا» (١). التأثير المتبادل بين المفسرين وشراح الشعر: حرصًا على الحجة والدليل اللغوي، فإن المفسرين قد عنوا بالشعر كما تكرر في أكثر من موضع في هذا البحث، ومثلهم شراح الشعر، فقد كانوا من حرصهم على الحجة والدليل يستشهدون في شرحهم للشعر وبيانهم لمعانيه بالقرآن الكريم في كل لفظة أو تركيب يكون له في القرآن الكريم شاهد، ولو رجعت إلى فهارس شروح الشعر كشرح المفضليات والحماسة ونحوها لوجدت عددًا كبيرًا من الآيات ساقها شراح الشعر للاستشهاد على تفسيرهم للشعر، وهذا كله من الحرص على الحجة والدليل. ولذلك فإن هناك تأثيرًا متبادلًا بين المفسرين وشراح الشعر في المادة والمنهج، وإن كان لكل منهما غايته، مع أن شراح الشعر قد أشاروا في مقدمات شروحهم إلى أنهم لم يتكلفوا شرح الشعر إلا بغية الاستعانة به في فهم كتاب الله ومعانيه (٢)، وسأضرب لذلك مثالًا. استشهد المفسرون عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢] (٣) بقول زهير:

стр. 524

بِها العَينُ وَالأَرآمُ يَمشينَ خِلفَةً ... وَأَطلاؤُها يَنهَضنَ مِن كُلِّ مَجثِمِ فاستشهد به أبو عبيدة ولم يشرحه (١)، واستشهد به ابن قتيبة فقال في شرحه: «الآرام: الظباء البيض، والآرام: الأعلام، واحده: أرم، أي إذا ذهب فوج الوحش جاء فوج» (٢). واستشهد به الطبري فقال في شرحه: «يعني بقوله: يَمشينَ خِلْفةً: تذهب منها طائفةٌ، وتَخلُفُ مكانَها طائفةٌ أخرى، وقد يُحتملُ أنْ يكون زُهير أراد بقوله: خِلفةً، مختلفاتِ الألوان، وأَنَّها ضروبٌ في أَلوانِها وهيئاتِها، ويُحتملُ أن يكون أرادَ أنَّها تذهب في مَشيها كذا، وتَجيءُ كذا» (٣). وأما شراح الشعر، فقال ثعلب في شرح هذا البيت: «وقوله: خلفة إذا مضى فوج جاء آخر، وأصله إذا ذهب شيء خلف مكانه شيء آخر، وإنما أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]، والخلفة: اختلاف الألوان، والخلفة: أن ينبت الرطب في أصل اليابس» (٤). وقال ابن الأنباري في شرح البيت: «قال يعقوب في قوله: خلفة: معناه إذا مضى فوج جاء فوج آخر، واصله إذا ذهب شيء خلفه مكانه شيء آخر، وإنما أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش. قال ابن الأنباري: الدليل على صحة هذا عندي قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ معناه أن أحدهما يخلف الآخر، من فاتته صلاة الليل صلاها بالنهار .... وحكى يعقوب عن بعض أهل اللغة أنه قال: خلفة معناه مختلفة، يريد أنها تردد في كل وجه، وقال أبو جعفر: معناه في أمن وخصب» (٥).

стр. 525

وقال أبو جعفر النحاس: «ومعنى خلفة: فوج بعد فوج، هذا قول الأصمعي، وقال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، وقال غير الأصمعي: معنى خلفة: أن هذه مقبلة وهذه مدبرة، وهذه صاعدة، وهذه نازلة، وخلفة: في موضع الحال بمعنى مختلفات» (١). وبِمثل ذلك شرحها التبريزي (٢). فالذين شرحوا البيت من المفسرين ومن شراح الشعر كانوا يأخذون عن بعضهم، وكُلُّهم يعول على الأصمعي وطبقته كما صرح النحاس. والطبري مُتأثرٌ بِمَا شرح به ثعلبُ اللفظةُ لأنه شيخه الذي أخذ عنه الشعرَ، ومثله ابن الأنباري. فالمفسرون يستشهدون ببيت زهير، وشراح بيت زهير يستشهدون بالآية الكريمة، فكلهم يدور في ميدان واحد، ويبحثون في حقل متقارب لخدمة القرآن والتفسير واللغة. ولو تصفحت صنيع شراح الشعر لوجدت مصداق ذلك (٣).

стр. 526

المبحث الرابع: منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري . التوثيقُ مصدرٌ للفعل وَثَّقَ بالتشديد، يقال: وثّقَه توْثيقًا فهو موَثَّقٌ: أحْكَمَه وإنه لموثَّق الخلْقِ، أي: مُحْكَمُه. ويقال: وَثِق به ثقةً، أي: ائْتَمَنَه (١). وأصل مادة «وَثِقَ» يدل على العَقْدِ والإِحكامِ (٢). والمراد بتوثيق الشاهدِ إحكامُ نسبتهِ، سواءً كانت هذه النسبةُ لقائلهِ، أو قَبيلتهِ أو راويهِ، أو من أنشده من المتقدمين، وتوثيقُ الشاهد لدى المعاصرينَ إِحكامُ ورودهِ عندَ المُتقدمين منسوبًا لشاعر أو قبيلة (٣). وقد عُنِي المتقدمون من المفسرين وعلماء اللغة بنسبة الشعر إلى قائليه عند الاستشهاد به على مسائل اللغة والتفسير؛ إذ البيت المجهول القائل تضعف مرتبته عن المنسوب إلى قائله، ومع هذا لا تخلو كتب اللغة والتفسير من الأبيات المجهولة القائل، وقد وقع كثير من المؤلفين في الوهم في نسبة الشواهد الشعرية، فنسبوها لغير قائليها، وممن رأيته شدد في ذلك الإمام الصَّغاني حيث أشار إلى وهم كبار علماء أهل اللغة في نسبة شواهد الشعر فقال عن الأزهري: «وهذا أبو منصور الأزهري شيخ عهده وزمانه، وإمام عصره وأوانه، والمشار إليه في كثرة النُّقَلِ، والمضروب إليه أكباد الإبل، أنشد في «كلل» (٤) للعجاج: حتى يَحُلُّونَ الرُّبى كلالا (٥)

стр. 527

وهو لرؤبة لا للعجاج، والرواية «قومًا يَحلون»، وأنشد في «رك ض» لرؤبة: والنسرُ قد يركضُ وهو هافِ (١) وهو للعجاج لا لرؤبة. وأنشد في «ك د س» (٢) لعبيد: وخيلٍ تكدَّسُ بالدَّراعين ... كمَشي الوُعولِ على الظاهرَة (٣) وهو لمهلهل لا لعبيد» (٤). وأخذ على الجوهري وهمه في نسبة شاهد من الشعر لابن مقبل أوقعه في الخطأ في تقرير المادة اللغوية فقال: «وأما أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، الذي تخر له جباه أهل الفضل، وحكم له بحيازة السبق والنصل، فإنه قال في تركيب (س ع ب) (٥)، قال ابن مقبل: يعلونَ بالمردقوشِ الوردِ ضاحيةً ... على سَعابيبِ ماءِ الضالةِ اللَّجزِ ثم قال: «أرادَ اللِّزِج فَقَلَبَه». وذكر في فصل اللام من باب الزاي: اللَّجِز قَلْب اللِّزج، وأنشد البيت (٦). فلو كان هذا المقبل اطلع على ديوان شعر ابن مقبل لعلم أنه ليست له قصيدة زائية وأنها نونية، وأول القصيدة: قد فرَّقَ الدهرُ بين الحيِّ بالظَّعَنِ ... وبينَ أهواءِ شرْبٍ يومَ ذي يَقنِ (٧) وقبل البيت الذي ذكره: يثنينَ أعناقَ أُدْمٍ يَختلينَ بِها ... حَبَّ الأَراكِ وحَبَّ الضَّالِ مِنْ دَنَنِ يعلون ...

стр. 528

فقد أخطأ في اللغة حيث قال: اللجز، وفي الإنشاد حيث جعل القافية النونية زائية». (١) ثم ذكر ما وهم في نسبته ابن السكيت في «إصلاح المنطق»، وأحمد بن فارس في كتابيه «المُجمل» و «الصاحبي». وقد اتبع المفسرون في نسبة الشاهد الشعري طرقًا متعددة، تهدف إلى التوثق من صحته، وصحة الاحتجاج به، وحتى لا يدخل الخلل في الاستشهاد بالشعر في كتب التفسير فقد نص المفسرون على شروط لا بد من توافرها في شواهد التفسير، حتى تكون محل ثقةٍ وقبول، وسُأبَيّنُ في هذا المبحثِ تلك الشروطَ، ثم أبين بعد ذلك المنهج الذي اتبعه المفسرون في توثيق الشاهد الشعري، موردًا على كل ذلك أمثلة متعددة من كتب التفسير مع إيثار الاختصار. شروط قبول الشاهد الشعري: تقدم في مبحث «الشاهد الشعري المحتج به» (٢) ذكرُ الشروط التي وضعها العلماء الذين جمعوا لغة العرب، وتبين أن المفسرين قد التزموا بهذه الشروط في كتب التفسير، ولم يخرجوا عنها خروجًا ظاهرًا يستحق أن يفرد بالدراسة والبحث، وذكرت هناك ما صنعه الزمخشري من خروجه على هذا المنهج في مواضع قليلة جدًا ومخالفة العلماء له وردهم عليه في الاستشهاد بأشعار المحدثين من الشعراء. غير أن المفسرين في كتب التفسير أشاروا في بعض المواضع إلى شروط خاصة يجب أن يتصف بها الشاهد الشعري المحتج به في تفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه. وسأشير هنا إلى هذه الشروط مع ذكر من قال بها من المفسرين، وبيان أثر كُلِّ شرطٍ على الاستشهاد بالشعر، وهذه الشروط هي:

стр. 529

١ - أن يكون القائل مِمَّن يُحتج بشعره . وهؤلاء هم شعراء الجاهلية والمخضرمون الذين أدركوا الإسلام، وشعراء الإسلام كجرير والفرزدق، والوقوف حيث وقف العلماء عند آخر من يُحتجُّ به من الشعراء وهو إبراهيم بن هرمة القرشي المتوفى سنة ١٤٥ هـ. على قول أكثر العلماء. ولا يحتجُّ بِمَن بعدهم من الشعراء المولَّدين كما تقدم تفصيل ذلك، وإن خالف في ذلك الزمخشري وغيره. وهذا من أهم شروط قبول الشاهد، فإذا ثبتت نسبته لشاعر يحتج بشعره، اطمأن المفسرون إليه، واعتمدوه في التفسير. وقد طبق المفسرون هذا الشرط في شواهدهم اللغوية والنحوية، ولم يستشهدوا بشاهد من الشعر على سبيل الاستقلال لغير من ينطبق عليه هذا الشرط، إلا الزمخشري كما تقدم في مسألة واحدة. ٢ - شهرة الشاهد وذيوعه بين العلماء . بأن يكون من الشواهد المعروفة عند أهل العلم بالشعر، ولذلك نص العلماء على أنهم لا يعتمدون إلا على شواهد أشعار العرب المعروفة لفصحاء شعرائها، التي احتج بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها (١)، ولذلك فلا يُحتجُّ بالشاهدِ الشاذِّ الذي انفردَ به من لا يوثق بنقله. وقد كان أهل العلم يشترطون صحة الشواهد، في أقل من تفسير القرآن كمعرفة أحوال العرب قبل الإسلام ونحو ذلك، ولذلك عندما اختلف الجاحظ مع أحدهم حول بيت من الشعر لم يعرف قائله يثبت ما ينفيه الجاحظ من بعض عادات العرب فقال الجاحظ: «فإن اتَّهمت خَبَرَ أبي إسحاق - بأن البيت مصنوع - فسَمِّ الشاعرَ، وهات القصيدة؛ فإنه لا يقبل في مثل هذا إلا بيت صحيح الجوهر، من قصيدة صحيحة، لشاعر معروف، وإلا فإنَّ كلَّ مَن يقول الشعرَ يستطيعُ أن يقولَ خَمسينَ بيتًا، كُلُّ

стр. 530

بيتٍ منها أجودُ من هذا البيت». (١) - وقد رد المفسرون شواهد من هذا القبيل لعدم معرفة العلماء لها، ومن ذلك قول الشاعر: نأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا ... نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا (٢) فقد استدل به من يقول: إن معنى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] (٣)، أي: لما رأينَهُ حِضْنَ، غير أن المفسرين ردوا هذا الاستدلال، وطعنوا في الشاهد الشعري، قال الطبري: «وقد زعم بعضُ الرواة أن بعض الناس أنشده في أَكْبَرنَ بِمعنى حِضْنَ بيتًا لا أحسب أن له أصلًا؛ لأنه ليس بالمعروف عند الرواة وذلك: نأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا ... نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا وزعم أَنَّ معناهُ: إذا حِضْنَ» (٤). كما رده أيضًا ابن عطية وقال فيه: «والبيت مصنوع مختلق، كذلك قال الطبري وغيره من المحققين». (٥) كما ردَّهُ أَهلُ الشِّعرِ والأَدبِ (٦). وإن كان الزمخشري قد حكى هذا القول، ولم يرده. (٧) وقد سبق أن ردَّ هذا التفسير أبو عبيدة مع سعة معرفته بشعر العرب فقال: «﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أَجْلَلْنَهُ وأَعْظَمنَهُ، ومن زعم أَنَّ ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: حِضْنَ، فمن أينَ؟ وإنَّما وَقَعَ عليه الفعلُ ذلك لو قالَ: أَكْبَرْنَ، وليس في كلام العرب أكبرن: حِضْن». (٨) وقال ابن منظور عن هذا التفسير: «وهذا
следующие страницы →