← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المبحث الرابع: منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري . التوثيقُ مصدرٌ للفعل وَثَّقَ بالتشديد، يقال: وثّقَه توْثيقًا فهو موَثَّقٌ: أحْكَمَه وإنه لموثَّق الخلْقِ، أي: مُحْكَمُه. ويقال: وَثِق به ثقةً، أي: ائْتَمَنَه (١). وأصل مادة «وَثِقَ» يدل على العَقْدِ والإِحكامِ (٢). والمراد بتوثيق الشاهدِ إحكامُ نسبتهِ، سواءً كانت هذه النسبةُ لقائلهِ، أو قَبيلتهِ أو راويهِ، أو من أنشده من المتقدمين، وتوثيقُ الشاهد لدى المعاصرينَ إِحكامُ ورودهِ عندَ المُتقدمين منسوبًا لشاعر أو قبيلة (٣). وقد عُنِي المتقدمون من المفسرين وعلماء اللغة بنسبة الشعر إلى قائليه عند الاستشهاد به على مسائل اللغة والتفسير؛ إذ البيت المجهول القائل تضعف مرتبته عن المنسوب إلى قائله، ومع هذا لا تخلو كتب اللغة والتفسير من الأبيات المجهولة القائل، وقد وقع كثير من المؤلفين في الوهم في نسبة الشواهد الشعرية، فنسبوها لغير قائليها، وممن رأيته شدد في ذلك الإمام الصَّغاني حيث أشار إلى وهم كبار علماء أهل اللغة في نسبة شواهد الشعر فقال عن الأزهري: «وهذا أبو منصور الأزهري شيخ عهده وزمانه، وإمام عصره وأوانه، والمشار إليه في كثرة النُّقَلِ، والمضروب إليه أكباد الإبل، أنشد في «كلل» (٤) للعجاج: حتى يَحُلُّونَ الرُّبى كلالا (٥)

стр. 527

وهو لرؤبة لا للعجاج، والرواية «قومًا يَحلون»، وأنشد في «رك ض» لرؤبة: والنسرُ قد يركضُ وهو هافِ (١) وهو للعجاج لا لرؤبة. وأنشد في «ك د س» (٢) لعبيد: وخيلٍ تكدَّسُ بالدَّراعين ... كمَشي الوُعولِ على الظاهرَة (٣) وهو لمهلهل لا لعبيد» (٤). وأخذ على الجوهري وهمه في نسبة شاهد من الشعر لابن مقبل أوقعه في الخطأ في تقرير المادة اللغوية فقال: «وأما أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، الذي تخر له جباه أهل الفضل، وحكم له بحيازة السبق والنصل، فإنه قال في تركيب (س ع ب) (٥)، قال ابن مقبل: يعلونَ بالمردقوشِ الوردِ ضاحيةً ... على سَعابيبِ ماءِ الضالةِ اللَّجزِ ثم قال: «أرادَ اللِّزِج فَقَلَبَه». وذكر في فصل اللام من باب الزاي: اللَّجِز قَلْب اللِّزج، وأنشد البيت (٦). فلو كان هذا المقبل اطلع على ديوان شعر ابن مقبل لعلم أنه ليست له قصيدة زائية وأنها نونية، وأول القصيدة: قد فرَّقَ الدهرُ بين الحيِّ بالظَّعَنِ ... وبينَ أهواءِ شرْبٍ يومَ ذي يَقنِ (٧) وقبل البيت الذي ذكره: يثنينَ أعناقَ أُدْمٍ يَختلينَ بِها ... حَبَّ الأَراكِ وحَبَّ الضَّالِ مِنْ دَنَنِ يعلون ...

стр. 528

فقد أخطأ في اللغة حيث قال: اللجز، وفي الإنشاد حيث جعل القافية النونية زائية». (١) ثم ذكر ما وهم في نسبته ابن السكيت في «إصلاح المنطق»، وأحمد بن فارس في كتابيه «المُجمل» و «الصاحبي». وقد اتبع المفسرون في نسبة الشاهد الشعري طرقًا متعددة، تهدف إلى التوثق من صحته، وصحة الاحتجاج به، وحتى لا يدخل الخلل في الاستشهاد بالشعر في كتب التفسير فقد نص المفسرون على شروط لا بد من توافرها في شواهد التفسير، حتى تكون محل ثقةٍ وقبول، وسُأبَيّنُ في هذا المبحثِ تلك الشروطَ، ثم أبين بعد ذلك المنهج الذي اتبعه المفسرون في توثيق الشاهد الشعري، موردًا على كل ذلك أمثلة متعددة من كتب التفسير مع إيثار الاختصار. شروط قبول الشاهد الشعري: تقدم في مبحث «الشاهد الشعري المحتج به» (٢) ذكرُ الشروط التي وضعها العلماء الذين جمعوا لغة العرب، وتبين أن المفسرين قد التزموا بهذه الشروط في كتب التفسير، ولم يخرجوا عنها خروجًا ظاهرًا يستحق أن يفرد بالدراسة والبحث، وذكرت هناك ما صنعه الزمخشري من خروجه على هذا المنهج في مواضع قليلة جدًا ومخالفة العلماء له وردهم عليه في الاستشهاد بأشعار المحدثين من الشعراء. غير أن المفسرين في كتب التفسير أشاروا في بعض المواضع إلى شروط خاصة يجب أن يتصف بها الشاهد الشعري المحتج به في تفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه. وسأشير هنا إلى هذه الشروط مع ذكر من قال بها من المفسرين، وبيان أثر كُلِّ شرطٍ على الاستشهاد بالشعر، وهذه الشروط هي:

стр. 529

١ - أن يكون القائل مِمَّن يُحتج بشعره . وهؤلاء هم شعراء الجاهلية والمخضرمون الذين أدركوا الإسلام، وشعراء الإسلام كجرير والفرزدق، والوقوف حيث وقف العلماء عند آخر من يُحتجُّ به من الشعراء وهو إبراهيم بن هرمة القرشي المتوفى سنة ١٤٥ هـ. على قول أكثر العلماء. ولا يحتجُّ بِمَن بعدهم من الشعراء المولَّدين كما تقدم تفصيل ذلك، وإن خالف في ذلك الزمخشري وغيره. وهذا من أهم شروط قبول الشاهد، فإذا ثبتت نسبته لشاعر يحتج بشعره، اطمأن المفسرون إليه، واعتمدوه في التفسير. وقد طبق المفسرون هذا الشرط في شواهدهم اللغوية والنحوية، ولم يستشهدوا بشاهد من الشعر على سبيل الاستقلال لغير من ينطبق عليه هذا الشرط، إلا الزمخشري كما تقدم في مسألة واحدة. ٢ - شهرة الشاهد وذيوعه بين العلماء . بأن يكون من الشواهد المعروفة عند أهل العلم بالشعر، ولذلك نص العلماء على أنهم لا يعتمدون إلا على شواهد أشعار العرب المعروفة لفصحاء شعرائها، التي احتج بها أهل المعرفة المؤتمنون عليها (١)، ولذلك فلا يُحتجُّ بالشاهدِ الشاذِّ الذي انفردَ به من لا يوثق بنقله. وقد كان أهل العلم يشترطون صحة الشواهد، في أقل من تفسير القرآن كمعرفة أحوال العرب قبل الإسلام ونحو ذلك، ولذلك عندما اختلف الجاحظ مع أحدهم حول بيت من الشعر لم يعرف قائله يثبت ما ينفيه الجاحظ من بعض عادات العرب فقال الجاحظ: «فإن اتَّهمت خَبَرَ أبي إسحاق - بأن البيت مصنوع - فسَمِّ الشاعرَ، وهات القصيدة؛ فإنه لا يقبل في مثل هذا إلا بيت صحيح الجوهر، من قصيدة صحيحة، لشاعر معروف، وإلا فإنَّ كلَّ مَن يقول الشعرَ يستطيعُ أن يقولَ خَمسينَ بيتًا، كُلُّ

стр. 530

بيتٍ منها أجودُ من هذا البيت». (١) - وقد رد المفسرون شواهد من هذا القبيل لعدم معرفة العلماء لها، ومن ذلك قول الشاعر: نأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا ... نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا (٢) فقد استدل به من يقول: إن معنى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] (٣)، أي: لما رأينَهُ حِضْنَ، غير أن المفسرين ردوا هذا الاستدلال، وطعنوا في الشاهد الشعري، قال الطبري: «وقد زعم بعضُ الرواة أن بعض الناس أنشده في أَكْبَرنَ بِمعنى حِضْنَ بيتًا لا أحسب أن له أصلًا؛ لأنه ليس بالمعروف عند الرواة وذلك: نأْتي النِّساءَ على أَطهارِهِنَّ ولا ... نأتي النِّساءَ إذا أَكْبَرنَ إِكبارَا وزعم أَنَّ معناهُ: إذا حِضْنَ» (٤). كما رده أيضًا ابن عطية وقال فيه: «والبيت مصنوع مختلق، كذلك قال الطبري وغيره من المحققين». (٥) كما ردَّهُ أَهلُ الشِّعرِ والأَدبِ (٦). وإن كان الزمخشري قد حكى هذا القول، ولم يرده. (٧) وقد سبق أن ردَّ هذا التفسير أبو عبيدة مع سعة معرفته بشعر العرب فقال: «﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أَجْلَلْنَهُ وأَعْظَمنَهُ، ومن زعم أَنَّ ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: حِضْنَ، فمن أينَ؟ وإنَّما وَقَعَ عليه الفعلُ ذلك لو قالَ: أَكْبَرْنَ، وليس في كلام العرب أكبرن: حِضْن». (٨) وقال ابن منظور عن هذا التفسير: «وهذا

стр. 531

القول ليس بمعروف في اللغة» (١). وقد حاول الأزهري توجيه هذا التفسير، فقال: «وأما قول الله جل وعز: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [يوسف: ٣١] فأكثر المفسرين يقولون: أعظمنه. وروى عن مجاهد أنه قال: أكبرنه: حضن، وليس ذلك بالمعروف في اللغة ... قلتُ: وإن صحت هذه اللفظةُ بِمعنى الحيض فلها مَخرجٌ حَسَنٌ، وذلك أن المرأة إذا حاضت أولَ ما تحيضُ فقد خرجت من حدِّ الصِّغر إلى حد الكبر. فقيل لها: أَكبَرتْ أي حاضت فدخلت في حدِّ الكبر الموجب عليها الأمر والنهي ... إلا أن هاء الكناية في قول الله: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ ينفي هذا المعنى، فالصحيحُ أَنَّهُنَّ لَمَّا رأينَ يوسفَ راعهنَّ جَمالُه فأَعظمنَهُ» (٢). - وردَّ الطبريُّ قولَ الشاعرِ (٣): فَزَجَجْتُهُ مُتَمَكِّنًا ... زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَادَهْ (٤) وقال فيه في معرض تضعيفه لقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] (٥) بضم الزاي من (زُيِّنَ)، ورفع (قَتْلُ)، ونصب (أولادَهُم) وخفض (شُركاءِهِم)، وهي قراءة ابن عامر من السبعة (٦)، قال: «ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه الاسم، وذلك في كلام العرب غيرُ

стр. 532

فصيحٍ، وقد روي عن أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام، ورأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه، وذلك قول قائلهم ... ». (١) ثم ذكره. ورد الطبري للشاهد الشعري لعدم معرفة أهل العلم به، جاء هنا تبعًا لتضعيف القراءة، وقد رد العلماء مسلك الطبري هذا في رد القراءة، والشاهدُ هنا رَدُّهُ الشاهدَ لا ردهُ القراءةَ. ولذلك أكَّدَ المفسرون على أن القرآن الكريم لا يُحملُ على شواذ الشواهد الشعرية، وأشار الطبري في غير موضعٍ من تفسيره إلى أن: «كتاب الله جل ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذ من لغاتها، وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم، ووجه معروف». (٢) كما بين أبو حيان أن كتاب الله: «ينبغي أن يُحملَ على أَحسنِ إعرابٍ، وأحسنِ تركيبٍ؛ إذ كلام الله تعالى أفصحُ الكلامِ، فلا يَجوزُ فيه ما يُجوِّزهُ النحاةُ في شعر الشمَّاخِ والطرمَّاحِ وغيرهما من سُلوكِ التقادير البعيدةِ، والمَجازاتِ المعقَّدةِ». (٣) ولذلك كان من شروط قبول الشاهد الشعري في التفسير أن يكون شائعًا ذائعًا، قال الطوسي: «ومتى كان التأويلُ يَحتاجُ إلى شاهدٍ من اللغة فلا يُقبلُ من الشاهد إلا ما كان معلومًا بين أهلِ اللغةِ، شائعًا بينهم، وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة، والألفاظ النادرة، فإنه لا يُقطعُ بذلك، ولا يُجعلُ شاهدًا على كتاب الله». (٤) وقد طبَّقَ المفسرونَ هذا الشرطَ في شواهدهم، فلا تكاد تظفر بشاهدٍ شاذٍّ في اللغة والنحو قَبِلَه المفسرون واعتمدوا عليه، وإن وجدته

стр. 533

وجدت معه رده ونقده، واستبعاد المفسرين له كما مر في الأمثلة. ٣ - ثقة رواة الشاهد الشعري: ومن شروط قبول الشاهد الشعري أن يكون مَن رواه ثقةً يُعتمدُ على نقله. فقد اعتمد العلماء على شواهد من الشعر لم يعرف قائلوها، ثقة في رواتها كأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، وسيبويه وأمثالهم ممن يوثق بروايتهم عن العرب، وقد اعتمد العلماء على أبيات سيبويه، مع إغفاله نسبة أكثرها، ثقةً بنقلهِ وأمانتهِ. ومما يدلك على ثقة الناس برواية سيبويه أن الزمخشري ذكر شاهدًا شعريًا ورد في بعض روايات كتاب سيبويه، فرده، وقال معتذرًا لسيبويه: «وما يقع في بعض نُسخِ «الكتاب» من قوله: فَزَجَجْتُهُ بِمِزَجَّةٍ ... زَجَّ القَلوصَ أَبي مَزَادَهْ فسيبويهِ بَريءٌ من عُهدتهِ». (١) وذلك لمكانة سيبويه وثقة العلماء بروايته، مع تضعيف القول بما دل عليه هذا الشاهد، فمال الزمخشري إلى تبرئة سيبويه من عهدة هذا الشاهد لثقته به، وقال السِّيْرافي عن هذا الشاهد: «لم يُثبتهُ أَحَدٌ من أهلِ الروايةِ، وهُو من زياداتِ أبي الحسن الأخفش في حواشي كتاب سيبويه، فأدخلهُ بعضُ النُّساخِ في بعض النُّسَخِ، حتى شرحه الأعلمُ وابنُ خَلَفٍ في جُملةِ أبياته» (٢). اعتماد رواية الثقة: والمفسرون قد اعتمدوا على أبيات كثيرة مجهولة القائل، إلا أن رواتها الذين رووها عن العرب من العلماء الثقات، فقبلها المفسرون لثقتهم في رواتها، وكتب التفسير مليئة بالشواهد المجهولة القائل التي لم

стр. 534

يعرف قائلوها، وكثير من الشواهد النحوية التي لم يعرف قائلوها في كتب التفسير من الأبيات التي ذكرها سيبويه في كتابه، أو ذكرها الفراء في معانيه، وتلقَّاها العلماءُ بالقبولِ من عهدِ سيبويهِ حتى اليوم، ولم يطعنوا في الكتاب بسببها. وأَمَّا الشواهد اللغويَّةُ فهي مِمَّا رواه أبو عُبيدةَ أو الكسائيُّ أو الأصمعيُّ من الرواة الثقات الذين رويت عنهم أشعار العرب. ومن أمثلة هذه الشواهد التي رواها الثقات في كتب التفسير مع الاختلاف في القائل، قول الشاعر: وَلستَ لإِنسيِّ ولكنْ لَمَلأَكٍ تَنَزَّلُ من جَوِّ السماءِ تَصُوبُ (١) فقد استشهد به الطبريُّ، والزمخشريُّ، وابنُ عطية، والقرطبيُّ (٢) اعتمادًا على رواية الثقات له كسيبويه (٣)، وأبي عبيدة (٤)، وابن السكيت. (٥) وأمثلة الشواهد المجهولة القائل في كتب التفسير كثيرة كما سيتضح في هذا المبحث، غير أن رواية الثقات لها جعلت المفسرين وغيرهم يعتمدون عليها، ويستشهدون بها. ٤ - ألا يَحتملَ الشاهدُ التأويلَ: وذلك بأن تكون دلالته على المراد صريحة، ولا يمكن تأويله بوجه

стр. 535

يبعده عن الاستشهاد في المسألة التي أورد شاهدًا لها، وقد رد المفسرون شواهد متعددة، ووصفوها بأنها ليست حجة على المراد؛ لإمكان تأويلها تأويلًا يسقط الاحتجاج بها على هذا الوجه أو ذاك. ومن أكثر المفسرين الذين ردوا الشواهد بهذه الحجة ابن عطية في تفسيره. ومن أمثلة ذلك قول ابن عطية وهو يشرح معاني الدين في اللغة: «ومن أنحاء اللفظة الدين: الداء، عن اللحياني، وأنشد: ما دِينُ قلبكَ مِن سَلمى وقَدْ دِينا (١) قال القاضي أبو محمد عبد الحق ﵁: أما هذا الشاهد فقد يتأول على غير هذا النحو، فلم يبق إلا قول اللحياني». (٢) ومن الأمثلة قوله أيضًا عند تفسير معنى الإثم في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] (٣): «والإثم أيضًا لفظٌ عامٌ لجميع الأفعال والأقوال التي يتعلق بمرتكبها إثم، هذا قول الجمهور. وقال بعضُ الناسِ: هي الخَمْرُ، واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر: شَرِبْتُ الإِثْمَ حتى طارَ عقلي (٤) قال القاضي أبو مُحمدٍ ﵀: وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن هذه السورة - أي الأعراف - مكية، ولم تُعْنَ الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحُدٍ؛ لأن جماعةً من الصحابة اصطحبوها يوم أُحُدٍ وماتوا شهداء، وهي في أجوافهم. وأيضًا فبيت الشعر يقالُ: إِنَّهُ مصنوعٌ

стр. 536

مُختَلَقٌ، وإن صحَّ فهو على حذفِ مُضافٍ». (١) فابن عطية يرد هذا الشاهد، ويرى مع التسليم بصحته أنه ينبغي تأويله على وجه آخر غير الوجه الذي استُشهِدَ به عليه. ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية وهو يستدل على أَنَّ الوصفَ بـ «أُخرَى» يُقالُ في المرة الثالثةِ أيضًا، وليس في الثانية فحسب، ثم أورد شاهدًا لا يدل على قوله هذا، فبحث له عن تخريج بقوله: «وأَمَّا قولُ الشاعر (٢): جَعَلَتْ لَهُ عُودَينِ مِنْ ... نَشَمٍ وآخرَ مِنْ ثُمامَه (٣) فيُحتملُ أن يُريدَ به ثانيًا وثالثًا، فلا حُجةَ فيه». (٤) فقد رده ابن عطية أيضًا لاحتمال دلالته على غير المعنى المستشهد عليه به، وهناك أمثلة أخرى على مثل هذا عند ابن عطية. (٥) ومن الأمثلة أيضًا قول ابن عطية عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [الفرقان: ٢١] (٦): «وقوله: ﴿يَرْجُونَ﴾ قال أبو عبيدة وقومٌ: معناه يخافون (٧)، والشاهد لذلك قول الهذلي (٨): إذا لَسَعَتْهُ النَّحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها ... وخَالفَها في بيتِ نُوبٍ عَواملِ (٩) قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر لي أن الرجاء في هذه الآية والبيت على بابهِ؛ لأَنَّ خوف لقاء الله تعالى مقترن أبدًا برجائه، فإذا نفي

стр. 537

الرجاء عن أحدٍ فإنّما أخبر عنه أنه مكذِّبٌ بالبعث لنفي الخوف والرجاء ... وأما بيتُ الشعرِ المذكورِ فمعناهُ عندي: لم يَرْجُ دَفعَها ولا الانفكاكَ عنها، فهو لذلكَ يوطَّنُ على الصَّبْرِ، ويَجدُّ في شُغلهِ». (١) واعتراضُ ابنِ عطية على شرح الشاهدِ قد يكون له وجهٌ، مع مخالفته لشرح الشراح، فقد شرحه أبو عبيدة كما نقل بغير ذلك، وشرحه السكري فقال: «لم يَرْجُ لسعَها: لم يَخَفْ، ولم يُبَالِها». (٢) ويقوي ما فهمه ابن عطية معنى البيت الذي بعده وهو قوله: فَحَطَّ عليهَا والضُّلوعُ كأَنَّها ... من الخَوفِ أَمثالُ السِّهامِ النَّوَاصلِ ففيه دلالة إلى أنَّ الخوف قد تَملَّك هذا الرجل، وأن البيت الذي قبله ليس نفيًا للخوف، وإنما نفي للرجاء مع بقاء الخوف، وقد يكون نفي الخوف في الأول من اللسع، وإثبات الخوف في الثاني من السقوط. (٣) ومعظم شراح البيت والمفسرين ذكروا أن الرجاء في البيت بِمعنى الخوف. (٤) والرجاء عند هذيل فيه خوف وخشية، بخلافه عند غيرهم ففيه اطمئنان، ولذلك فسروا الآيات التي وردت في الرجاء بمعنى الخوف (٥)، وبعض اللغويين يجعل هذه لغة هذيل وحدها (٦)، وبعضهم يجعلها لغة تهامية، ونسبت لخزاعة وغيرها (٧)، وبعضهم يذهب إلى أن الرجاء يكون بمعنى الخوف عند هذيل في حال النفي فحسب (٨)، ولعل

стр. 538

الذي حملهم على ذلك أن معظم ما ورد فيه ذلك من أساليب قرآنية أو شعرية إنما هي أساليب منفية. والأمثلة في تفسير ابن عطية كثيرة على اعتراضه على شواهد المتقدمين. (١) هذه هي أهم الشروط التي نص المفسرون على اشتراطها، أو استنبطت من منهجهم في الاستشهاد بالشعر في كتب التفسير. وقد التزم المفسرون بهذه الشروط التزامًا صارمًا، وظهر ذلك جليًا في كتبهم، ومما يزيد الأمر دلالة أن أكثر المفسرين التزامًا بهذه الشروط وهو الإمام الطبري في تفسيره، فلم يستشهد إلا بالشواهد الصحيحة السائرة الموثقة، التي أجمع العلماء على الاستشهاد بها، وتجده في تاريخه يستشهد بأشعار الشعراء المُحدثين وغيرهم، ويختلف منهجه في الاستشهاد في تاريخه عنه في تفسيره لاختلاف الغرضين، وقد حفل تاريخه بعدد كبير من الشواهد الشعرية، لأبي تمام، وأبي نواس، وبشار، وغيرهم. مما يدل على أنه في تفسيره كان يسير على منهج واضح لا لبس فيه ولا غموض. (٢) منهج المفسرين في توثيق الشاهد الشعري: يمكن تقسيم توثيق المفسرين للشاهد الشعري إلى قسمين: الأول: توثيق الشاهد من حيث الرواية، وهي التحقق من صحة نسبته إلى من يصح الاستشهاد بشعره.

стр. 539

والثاني: توثيق الشاهد من حيث الدراية، وهي التحقق من سلامته من التحريف والتصحيف، وسلامة ضبطه ومعناه، ودلالته على المعنى المراد. الأول: توثيق الشاهد من حيث الرواية . ويكون توثيق المفسرين لرواية الشاهد بنسبته إلى قائله، أو إلى قبيلة الشاعر، أو إلى راويه من الرواة والعلماء، أو إلى الكتب المعتمدة الصحيحة. وفيما يلي دراسة هذه الأوجه. ١ - نسبة الشاهد لقائله . يعد توثيق نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها من أهم ما يعنى به المحققون المعاصرون، وفي ذلك مشقة لا يعرفها إلا من عانى ذلك، فرب بيت فرد لا يهتدي المحقق إلى قائله إلا بعد جهد جهيد، والمتأمل لكتب التفسير يجد عناية عند بعضهم بنسبة الشواهد الشعرية لقائليها، وعدم عناية عند آخرين. وحتى يكون الحكم في هذه الدراسة دقيقًا فقد أحصيتُ ما نسبه كُلُّ مفسرٍ من المفسرين لقائله من شواهده في جدولٍ بينت فيه عدد الشواهد في التفسير، وما نسبه المفسر منها دون اعتبارِ ما نسبه مَنْ حقَّقَ الكتبَ من الباحثين؛ لأن القصد معرفة جهد المفسر في متن الكتاب، وكانت على هذا النحو: م ... اسم التفسير ... عدد شواهده ... المنسوب ... غير المنسوب ... نسبة المنسوب ١ ... تفسير الطبري ... ٢٢٦٠ ... ٩٦٢ ... ١٢٩٨ ... ٤٢.٥٧ % ٢ ... الكشاف للزمخشري ... ٩٠١ ... ٢٦٠ ... ٦٤١ ... ٢٨.٨٦ % ٣ ... المحرر الوجيز لابن عطية ... ١٩٨١ ... ٩٨١ ... ١٠٠٠ ... ٤٩.٥ % ٤ ... تفسير القرطبي ... ٤٨٠٧ ... ٢٤٧٠ ... ٢٣٣٧ ... ٥١.٣٨ % - ويُمكنُ من خلال هذا الجدول الخروج بالنتائج التالية: ١ - أَنَّ الطبريَّ كان له جُهدٌ ظاهر في نسبة الشواهد الشعرية

стр. 540

لقائليها، وقد فاق في ذلك جَميعَ المفسرين؛ لِتقدُّمهِ، وسعةِ معرفتهِ بشعرِ العرب، وانتفعَ بِجُهدهِ في ذلك من أتى بعده من المفسرين، وأبرز من انتفع به ابن عطية، والقرطبي في تفسيريهما. والشواهد التي نسبها أقل من حيث العدد من الشواهد التي أغفلها، غير أن كثيرًا من الشواهد التي أغفلها يبعد أن يكون للجهل بها لشهرتها، كأبيات المعلقات، فقد أغفل كثيرًا منها، وأمثلة ذلك كثيرة. منها أن الطبري أورد قول الحارث بن عباد: لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللهُ ... وإِنِّي بِحَرِّهَا اليومَ صَالِ (١) ولم ينسبه لقائله، وإنما اكتفى بقوله: قال الشاعر. (٢) وصنع مثل ذلك مع قول المثقب العبدي يخاطب ناقته: تَقولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِيْنِي: ... أَهَذا دِيْنُهُ أَبَدًا وَدِيْنِي (٣) فقد أغفل نسبته، مع استشهاده بأبيات متفرقة من هذه القصيدة، ونسبها للمثقَّب العبدي، مِما يدل على معرفته بها. (٤) وصنع مثل ذلك بقية المفسرين، فقد أغفلوا نسبة عدد من الشواهد السائرة (٥)، التي لا يخفى أمر قائلها على أمثالهم، مما يعني أن المفسرين لم يكونوا يعنون بنسبة الشاهد لقائله إذا تأكدوا من صحة الاحتجاج به. بل إن بعض المفسرين قد يورد الشاهد في مواضع فينسبه لقائله، في حين يُبْهمهُ في غيرها. (٦)

стр. 541

ومما يدل على أن الشواهد لم تكن مجهولة النسبة في زمنهم، اهتداء المحققين لأكثر الشواهد المجهولة القائل في كتب التفسير، وهم قد رجعوا فيها لكتب المتقدمين ممن عاصر أولئك المفسرين أو سبقهم. والمفسرون لم يكونوا بِدْعًا في هذا، فقد ألَّفَ سيبويه كتابَهُ في النحو، فأغفل أغلبَ شواهدِهِ ولم ينسبْ منها إلا القليل كما هو مشهور عند النحويين. (١) وفعل مثل ذلك الفراء في معاني القرآن، وسيأتي تفصيل ذلك عند الحديث عن كتب المعاني. ٢ - تبين من الإحصاء أن نسبة الشواهد المنسوبة في كتب التفسير تقارب الشواهد التي أغفلت نسبتها في كتب التفسير عدا تفسير الزمخشري الذي غلب إغفال نسبة الشواهد على منهجه، مما جعل بعض العلماء يتصدى لنسبة شواهد تفسيره وشرحها. ٣ - أن نسبة هذه الشواهد ليست كلها من جهد المفسرين، بل اعتمدوا في ذلك على علماء الرواية واللغة كأبي عبيدة والفراء والأصمعي وأبي تمام وغيرهم مِمَّن دونوا أشعار العرب، ونقلوها لمن بعدهم، ويندر أن تجد شاهدًا غير منسوب عند أهل اللغة والشعر، ثم تجد نسبته في كتب التفسير، لأنَّ المصادر التي استقى منها الجميعُ مادةَ الشعرِ واحدةٌ، وهم العلماء المتقدمون الذين جمعوا بين حفظ الشعر ورواية اللغة وتفسير القرآن. وأبرز المفسرين الذين شاركوا مشاركةً جيدةً في نسبة الشواهد الشعرية هو الإمام الطبري لتقدمهِ وسعةِ معرفته بشعر العرب، ثم جاء مَنْ بعده من المفسرين فاستفاد مما أورده من شواهد الشعر منسوبة إلى الشعراء الذين قالوها، أو إلى الطبري نفسه، وكثيرًا ما يردد ابن عطية والقرطبي عبارة «وأنشد الطبري» عند نقلهم للشواهد من تفسيره فهو عمدة

стр. 542

في باب شواهد التفسير ليس له نظير فيما طبع من كتب التفسير. ٤ - ما ورد في الجدول السابق هو ما نسبه المفسرون لقائله بعينه، وأغفلت ما نسبه المفسرون لقبيلة الشاعر، وهو يعد تقريبًا للنسبة، ويعد من البيان الناقص للقائل، والتحقق من نسبة الشاهد إلى العصر الذي يحتج بشعر شعرائه كان هو أهم ما يعنى به المفسرون بغض النظر عن القائل له في غالب الأحوال. وقد تقدم عند دراسة عرض المفسرين للشاهد الشعري تمهيدهم للشاهد الشعري بما يوضح قائله وزمنه، بحيث يطمئن المفسر أن هذا الشاهد قول لمن يحتج بقوله، ويحتكم إلى لغته. ومن أمثلة الاكتفاء بنسبة الشواهد إلى قبيلة الشاعر قول الطبري: «ومنه قول الهذلي» (١). وشعراء هذيل كثيرون، ولا يتميز الشاعر إلا بالتنقيب عن الشاهد في ديوان أشعار الهذليين لمعرفة قائله، إن كان في أشعار الهذليين المَجموعة، أو دواوين شعرائهم المرويَّة، وربما لا يعثر الباحث على القائل. ومن الأمثلة كذلك التي نسب فيها المفسرون الشاهد إلى قبيلة الشاعر قول الطبري: «وقال رجل من بني أسد» (٢)، وقوله: «قال رجل من بني عدي» (٣)، وقوله: «وقال بعض بني عقيل ... » (٤)، وقوله: «وقال بعض بني سُلَيْم». (٥) وأمثال هذه النسبة التي تقرب القائل، ولكنها لا تدل عليه دلالة واضحة. (٦) ولكنها تعد في جانب من جوانبها توثيقًا للغة المنسوبة لقبيلة الشاعر، فينتفع بها من يدرس لهجات القبائل واختلافها.

стр. 543

- نسبة الشاهد إلى القبيلة إذا تعلق الاستشهاد باللهجة: والمفسرون عندما تتعلق المسألة باللهجات ينصون على قبيلة الشاعر توثيقًا للاستشهاد، ومن ذلك قول ابن عطية وهو يذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] (١): «وقرأ جمهور الناس: ﴿وَبَدَأَ﴾، وقرأ الزهري: (وبَدا خَلقَ الإنسانِ) بألف دون همزٍ، وبنصب القاف، قال أبو الفتح (٢): ذاك على البدل لا على التخفيف. (٣) قال القاضي أبو محمد ﵀: كأنه أبدل الألف من الهمزة، وبَدِيَ لُغةُ الأنصارِ، قال ابن رواحة: باسمِ الإِلهِ وبهِ بَدِينَا ... ولو عَبَدْنا غَيْرَه شَقِينَا (٤)». (٥) والشاهد فيه قولهُ: (بَدِينا) بكسرِ الدالِ، وبعدها ياء، وهي لغة الأنصار في بدأ. وقد نسب ابن عطية الشاهد لشاعر من الأنصار لما كان الاستشهاد للغة القبيلة. غير أنه رُبَّما نسب المفسرُ الشاعرَ إلى قبيلته وهو معروف بنسبته تلك دون غيره من شعراء قبيلته، كقول الطبري: «ومنه قول الجعدي» (٦)، وهو النابغة الجعدي دون غيره من بني جعدة لشهرته. (٧) ٥ - هناك شواهد شعرية مختلفة النسبة، منذ عصر الرواية، فينسبه أحدهم لشاعر، وينسبه الآخر لغيره. ومن أوضح الأمثلة على ذلك في كتب التفسير الشاهد الشعري الذي ذُكِرَ أنه أنشده الهذلي جوابًا لسؤال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وهو قول الشاعر: تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّفَ عُوْدَ النبَّعْةِ السَّفِنُ (٨) فقد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت المفرد الذي لا يكاد يخلو

стр. 544

منه كتاب في التفسير، أو معجم من معاجم اللغة، فنسب لأبي كبير الهذلي، ولزهير، ولذي الرمة، ولابن مقبل، ولابن مزاحم الثمالي، ولقعنب بن أم صاحب، وقصة الهذلي مع عمر بن الخطاب ترجح نسبته لأحد شعراء هذيل وقد تقدم تفصيل ذلك. ولم يظهر لي من صنيع المفسرين عنايتهم بقطع الخلاف في نسبة شاهد مختلف فيه إلى قائله، لندرة هذه الشواهد، ولا يمكن إبراز هذا الجهد، ونسبته للمفسرين، وإنما محل مثل هذا كتب الشعر، وشروحه. وقد ذكر الدكتور خالد عبدالكريم جمعة أهم الأسباب التي يمكن بها تعليل اختلاف نسبة الشواهد الشعرية لأكثر من شاعر فقال: «الذي أرى أن الخلاف في نسبة الشواهد ترجع إلى أسباب أهمها: - أخذ الشعراء بعضهم من بعض. - الخلاف بين الرواة في نسبة القصائد. - كون الأب وابنه، أو الأخ وأخيه شاعرين، فيقع الخلط في نسبة الشاهد. - قول القصائد في الحوادث، فتتداخل أبياتها، ويلتبس الأمر على بعض الرواة. - كون الشاهد من الأبيات السائرة التي تتداولها الألسن، فيدخل لذلك في شعر أكثر من شاعر، دون أن يعرف قائله الأول. - اتحاد القصائد في الوزن والروي والموضع، مما يؤدي إلى دخول أبيات من قصيدة في قصيدة أخرى. - العَجَلَةُ والخطأ والسهو الذي وقع فيه بعض القدماء من العلماء والنساخ». (١)

стр. 545

وهذه أسباب مبنية على استعراض الشواهد الشعرية في كتب النحو واللغة، وما يقال فيها يقال في شواهد التفسير أيضًا. - الوهم في توثيق الشاهد: مع هذه العناية بنسبة الشواهد إلى قائليها، والحرص على توثيق الشواهد إلا أنه ربما وهم المفسر في نسبة شاهد إلى غير قائله، أو نسبته إلى قائله بغير ما اشتهر به مما يوقع القارئ في الوهم. ومن أمثلة ذلك: ١ - أورد الطبري قول الشاعر: ظَلَمَ البِطاحَ به انهلالُ حَريصةٍ ... فَصفا النِّطافُ بِها بُعَيدَ المُقْلَعِ فنسبه لعمرو بن قميئة في موضعين (١)، وانفرد بنسبته إلى ابن قميئة مع إنه لا يوجد لابن قميئة قصيدة على هذا الروي (٢)، ولم يجد محقق الديوان من نسب هذا البيت لابن قميئة غير الطبري، في حين إن هذا البيت ضمن قصيدة طويلة للحادرة الغطفاني، كما في ديوانه. (٣) ٢ - ومن الأمثلة أَنَّ ابن عطيةَ أوردَ قول الأخطل يهجو جريرًا: كنتَ القَذى في مَوجِ أخضرَ مُزبدٍ ... قَذَفَ الأَتيُّ بهِ فَضَلَّ ضَلالا (٤) ونسبه لجرير، وليس في ديوانه. (٥) كما نسب بيتًا لذي الرمة وهو لكعب بن زهير كما في ديوانه من قصيدته البُردة (٦). ومن أمثلة نسبة الشاهد إلى قائله بحيث يدخل الوهم على القارئ في نسبته، قول ابن عطية: «والزوج في كلام العرب: امرأة الرجل، ويقال زوجة، ومنه بيت أبي فراس:

стр. 546

وإِنَّ الذي يَسعَى ليُفسدَ زَوجَتي ... كَسَاعٍ إلى أُسدِ الشَّرى يَسْتَبيلُها (١)». (٢) وأبو فراس هو الفرزدق، وهذا من أبياته التي استشهد بها المفسرون واللغويون، غير أنه لم يشتهر عند العلماء بهذه الكنية، وإنما اشتهر بها الشاعر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني، وهو شاعر متأخر توفي سنة ٣٥٧ هـ. (٣) ولا يحتج بشعره في اللغة، فربما أوقع هذا في الوهم، ورُدَّ الشاهدُ لكون أبي فراس الحمداني من المتأخرين. ومِمَّا يؤخذ على المفسرين إيرادهم شاهدين من الشعر منسوبين لآدم ﵇، مع علمهم باختلاقهما، وضعفهما، وهما فيما قيل: تغيَّرتِ البلادُ ومَنْ عَليها ... فوجهُ الأرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ تغيَّر كُلُّ ذِي طَعمٍ ولَونٍ ... وقَلَّ بَشَاشةَ الوجهُ المليحُ وقد رواهما الطبري عن علي بن أبي طالب ﵁ (٤)، وابن عطية (٥)، ولم ينبها على وضعهما. وقال القرطبي بعد إيرادههما: «في أبياتٍ كثيرةٍ ذكرها الثعلبي وغيره ... قال القشيري وغيره: قال ابن عباس: ما قال آدمُ الشعرَ، وإِنَّ محمدًا والأنبياءَ كلهم في النهي عن الشعر سواءٌ، لكن لما قُتِلَ هابيلُ رثاه آدمُ وهو سرياني، فهي مرثية بلسان السريانيةِ أوصى بها إلى إبنهِ شِيث، وقال: إِنك وصِيي فاحفظ مني هذا الكلامَ ليُتوارث، فحُفظت منه إلى زمانِ يعرب بن قحطان، فترجم عنه يعربُ بالعربية وجعله شعرًا». (٦) وقال ابن كثير تعليقًا على هذه الأبيات: «وهذا الشعر فيه نظر، وقد يكون آدم ﵇ قال كلامًا يتحزن به بلغته، فألفه بعضهم إلى هذا،

стр. 547

وفيه إقواء، والله أعلم». (١) وما ذكره ابن كثير من الإقواء في البيت قد وجد له السيرافي مخرجًا حيث ذكر أنه يُمكن إنشاده على وجه لا يكون فيه إقواء، وذلك بأن تنصب «بشاشةً» على التمييز، وترفعُ «الوجهُ المليحُ» بِقَلَّ، ويكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين. (٢) وقد ذكر حمزة الأصفهاني أن خلف الأحمر هو الذي وضع هذا الشعر، ونسبه لآدم ﵇، وانتقده في صنيعه. (٣) ٢ - نسبة الشاهد إلى الرواة: لم يقتصر المفسرون في نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها، وإنما يوثقون الشواهد الشعرية بعزوها إلى من أنشدها من العلماء الثقات الذين سمعوا عنهم الشواهد، أو إلى كتبهم ومصنفاتهم المروية عنهم. ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: «وقال بعض نحويي الكوفة (٤): من العربِ من يضيفُ «لات» فيخفض بها، وذكرَ أَنَّهُ أُنْشِدَ: ................................. ... لاتَ ساعةِ مَنْدمِ (٥) بِخفضِ الساعةِ. قال: والكلام أن ينصب بها، لأنها في معنى «ليس»، وذكر أنه أُنشِدَ: تذكَّرَ حُبَّ ليلى لاتَ حِينا ... وأَضْحى الشَّيبُ قد قَطَعَ القَرينا (٦)». (٧)

стр. 548

والشاهد اكتفاء الطبري بنسبة الشاهد إلى من أنشده من العلماء من نحوي الكوفة وإن لم يصرح باسمه وهو الفراء كما اتضح بالرجوع لكتابه، والفراء قد سَمعه من المفضل الضبي. (١) ومن الأمثلة على ذلك قول الطبري: « ... كما قرأ بعضُ القَرأَةِ: (وَالبَغْي يَّعِظُكُمْ) (٢) تَخِفُّ الياءُ مع الياءِ، وذكر أن الكسائي أنشده: وَأَشْمَتَّ العِدَاةَ بِنَا فَأَصْخَوا ... لَدَى يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِيْنَا (٣)». (٤) فاكتفى بذكر من أنشد الشاهد وهو الإمام الكسائي. وقد يكون من أنشد الشاهد عدد من العلماء كأهل الكوفة أو البصرة، فينسبه المفسر إليهم جميعًا. ومن ذلك قول الطبري: «وحكى بعض البصريين (٥)، وبعضُ الكوفيين سَمَاعًا من العرب: «طَافَ يطيفُ»، وطِفْتُ أطِيفُ»، وأنشدوا في ذلك: أَنَّى أَلَمَّ بكَ الخَيَالُ يَطِيفُ ... وَمَطَافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُعُوفُ (٦)». (٧) ونسبة الشواهد إلى الرواة والعلماء جادة مطروقة عند المفسرين واللغويين، ولم يكن كثير من العلماء يُعنى بنسبة الشعر إلا إلى من أنشده من الرواة والعلماء ولا سيما شعر الجاهلية لبعد العهد بينهم وبين شعراءه. (٨)

стр. 549

٣ - نسبة الشاهد إلى الكتب والدواوين . وربما وثق المفسرون الشواهد بنسبتها إلى الكتب التي نقلوا منها، ولو كان شاهدًا مجهولًا، ولا سيما إذا كان الكتاب لمؤلف موثوق كسيبويه والمبرد. ومن ذلك أن «أبيات الكتاب» أصبحت في الثقة بها عند العلماء مضرب المثل، حتى أصبح يكتفى بالقول بأن هذا الشاهد من أبيات الكتاب للدلالة على اعتماد العلماء له. ومن ذلك قول الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] (١): «والمراد بالأيام، أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، كقوله - وهو من أبيات «الكتاب»: فيومًا علينَا ويومًا لنا ... ويومًا نُساءُ ويومًا نُسَرّ». (٢) فقد اكتفى الزمخشري بالإشارة إلى أنه من أبيات كتاب سيبويه مع جهالة قائله، وهذا عنده كاف في الثقة به، والاعتماد عليه. (٣) وقال الزمخشري في موضع آخر: «وعَبَرتُ الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات، ورأيتهم ينكرون عَبَّرتُ بالتشديد، والتعبير والمُعَبِّر. وقد عثرتُ على بيت أنشده المُبَرِّد في كتاب «الكامل» (٤) لبعض الأعراب: رَأيتُ رُؤيا ثُمَّ عَبَّرْتُهَا ... وكنتُ للأَحلامِ عَبَّارا». (٥) ومن الأمثلة أيضًا على ذلك قول ابن عطية بعد أن أورد تفسيرًا عن كتاب أبي عبيدة، وأورد شاهدًا من الشعر ليس في كتاب أبي عبيدة: «أنشده أبو بكر ابن الأنباري حاشيةً في كتابِ أبي عبيدة». (٦)

стр. 550

فقد خشي ابن عطية أن يطعن في نسبته إلى أبي عبيدة وهو ليس في كتابه «مَجاز القرآن»، فأشار إلى أن هذا الشاهد قد علقه أبو بكر بن الأنباري حاشية على كتاب أبي عبيدة. وهذه صورة من صور التوثيق للشاهد الشعري في كتب التفسير. وقد نقل ابن عطية كلام الفراء وشاهده الشعري ثم قال: «هذا قول الفراء في كتابه». (١) كما إن من صور توثيق رواية الشاهد عند المفسرين نسبة الشاهد الشعري إلى كتب المختارات الشعرية المتقدمة، والدواوين المعروفة للشعر، والتي عني المفسرون بها كثيرًا ولا سيما ابن عطية الذي روى المفضليات وديوان الحماسة عن شيوخه. - ومن أمثلة هذا التوثيق للشاهد من كتب الاختيارات قول ابن عطية: «وفي المُفضليَّات لبعض شعراء الجاهلية: وشَهرِ بَنِي أُميَّةَ والهَدايَا .... ....................................... البيت (٢) قال الأصمعيُّ: يُريدُ رَجَبًا». (٣) فقد وثَّقَ الشاهد بنسبته إلى «المُفضليَّات» وهي مجموعة من شعر الجاهلية والإسلام جَمعها المُفضَّلُ بن محمد الضبي. (٤)

стр. 551

وقد زاد ابن عطية هذا الشاهد إيضاحًا في موضع آخر من تفسيره، ونسبه إلى الشاعر فقال: «وشَهرُ مُضرَ وهو رَجَبُ الأصمُّ، سُمي بذلك لأنه كان لا يُسمعُ فيه صوتُ الحديد، وسَمَّوه مُنْصلَ الأَسنَّةِ؛ لأنهم كانوا يَنْزِعون فيه أسنَّةَ الرماح. وهو شهرُ قريشٍ، وله يقول عوفُ بن الأحوص ... ». (١) ثم ذكر الشاهد. وفي شرح الأنباري للمفضليات: «قال أبو عبيدة: هذا شهر كانت مشايخ قريش تعظمه، فنسبه إلى بني أمية ... وقال أحمد بن عبيد: شهر بني أمية: ذو الحجة، كانت تعظمه قريش؛ لأنهم كانوا إذا قضوا الحج تذاكروا آباءهم، فافتخروا بِهم، وخَصَّ بني أمية على سائر قريش». (٢) ولم أجد قول الأصمعي عند غير ابن عطية، وقد جمع بينه وبين قول النبي ﷺ في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنتا عشر شهرًا منها أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». (٣) وذكر أن قول النبي ﷺ : «ورجب مضر» للتفريق بينه وبين ما كانت تفعله قبائل ربيعة بأسرها، فإنها كانت تجعل رجبها رمضان وتحرمه ابتداعًا منها، وكانت قريش ومن تابعها في ذلك من قبائل مضر على الحق، فقرر النبي ذلك، ونسبه إلى مضر إذ كان حكمه وتحريمه إنما كان من قبل قريش. (٤) ومن أمثلة توثيق المفسرين للشاهد الشعري من كتب الاختيارات الشعرية المتقدمة، التي اعتمد عليها العلماء في استشهادهم قول

стр. 552

الزمخشري وهو يشرح معنى (الدِّينِ) في اللغة، وأنه بمعنى الجزاء: «ومنه ... بيت الحماسة: ولم يَبْقَ سِوى العُدوَ ... انِ دِنَّاهُمْ كمَا دانوا». (١) والبيت معروفُ القائلِ، وهو لشَهْلِ بن شيبان المعروف بالفِنْدِ الزِّمَّاني، غير أنه نسبه لديوان الحماسة لأَبي تَمَّام لشهرتهِ، أو لنسيانه اسم الشاعر وتذكره موضعه. (٢) بل إن الزمخشري عندما استشهد ببيت من شعر أبي تمام، وعلم أن العلماء سيعيبون عليه ذلك، اعتذر لصنيعه بقوله: «وهو وإن كان مُحدثًا لا يُستشهدُ بشعره في اللغةِ فهو من علماء بَيتُ الحَماسةِ العربيةِ، فاجعل ما يقولهُ بِمنزلةِ ما يرويه، ألا ترى إلى قول العلماءِ: الدليلُ عليه، فيقتنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه». (٣) وقد نسب الزمخشري كثيرًا من شواهده في التفسير لديوان الحماسة. (٤) وابن عطية يعتمد في كثير من شواهده على ديوان الحماسة لأبي تمام وإن لم يصرح باسمه، وقد وجدت هذا بموازنة شواهده بديوان الحماسة، وقد دلني على ذلك ما ذكره هو في فهرس شيوخه، من أنه أخذ هذا الديوان بشروحه عن شيوخه. (٥) هذه أهم صور توثيق رواية الشاهد الشعري عند المفسرين، وقد تقدم كثير من أمثلة ذلك في مبحث «منهج المفسرين في إيراد الشاهد الشعري» في هذا الفصل فيكتفى بما تقدم من الأمثلة هناك (٦).

стр. 553

الثاني: توثيق الشاهد من حيث الدراية . أما توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية عند المفسرين، فالمقصود به ما قام المفسرون به من خدمة للشاهد من حيث ضبطُه، وشرحهُ، وذكر رواياته وبيان معانيها، ونفي ما قد يعتريه من التصحيف والتحريف بضبطه بالعبارة بدلًا من الحركات، وكل هذا من صور التوثيق التي عني بها المفسرون في تعاملهم مع شواهد الشعر الكثيرة في كتب التفسير. وفيما يلي ذكر لأهم صور توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية مع إيراد الأمثلة من كتب المفسرين. ١ - ضبط رواية الشاهد . عُنِي المفسرون بضبط روايات الشاهد الشعري، وإن لم تكن موضع الشاهد في البيت لتوثيق الرواية، والحرص على تأدية متن الشاهد كما روي، وهذه من أهم أوجه ضبط معنى الشاهد لترتب فهم المعنى الصحيح على ضبط روايته، وتدقيقها. ومن أمثلة ذلك: - الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] (١) أورد قول ساعدة بن جُؤَّيَّةَ الهذلي شاهدًا على معنى «الرَّيب» وهو قوله: فقالوا: تَركنَا الحيَّ قَد حَصَرُوا بهِ ... فلا رَيْبَ أَنْ قد كانَ ثَمَّ لَحِيْمُ (٢) قال الطبري: «ويُروى «حَصَرُوا» و «حَصِرُوا»، والفتح أكثر، والكسر جائز. يعني بقوله: حَصَروا به: أطافوا به، ويعني بقولهِ: لا ريبَ فيهِ: لاشكَّ فيه، وبقوله: أن قد كان ثَمَّ لَحيمُ، يعني: قَتيلًا، يقال: قد لُحِمَ، إذا قُتِلَ» (٣). فقد حرص الطبري على ضبط رواية الشاهد، وشرحه حتى يتضح

стр. 554

المراد منه للقارئ، ويتبين وجه الاستشهاد منه، مع بيان الوجه الأكثر استعمالًا عند العرب، وجواز الوجه الآخر. - ومثل هذا قول الطبري: «وأما معنى التأويل في كلام العرب فإنه التفسيرُ والمرجعُ والمصيرُ. وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى: عَلى أَنَّها كَانتْ تَأَوُّلُ حُبِّها ... تأَوُّلَ رِبْعيِّ السِّقَابِ فَأَصحَبَا (١) وقد يُنشد هذا البيتُ: على أَنَّها كانتْ تَوابعُ حُبِّها ... تَواليَ ربعيّ السِّقَابِ فأَصْحَبَا». (٢) فقد نبَّه على أن للشاهد رواية أخرى لا شاهد فيها على المراد، توثيقًا للروايتين، وحتى لا يقع الباحث على الرواية الأخرى فيطعن في الرواية الأخرى، وهذا من حرص المفسر على أن يضع أمام القارئ ما يعينه على استجلاء معاني الشاهد الشعري الذي يورده. ورُبَّما ضَبطَ المفسرُ العبارةَ المُحتملةَ في الشاهد بعبارة مَشهورةِ الوزنِ، حتى يزول اللبسُ، ومن ذلك أن الزمخشري أورد قول أوس بن حَجَر: أَبَنِي لُبَينى إِنَّ أُمَّكُمُ ... أَمَةٌ وإِنَّ أَبَاكُمُ عُبَدُ (٣) قال الزمخشريُّ في ضبطه: «وعُبَدُ بوزن حُطَم». (٤) وهذا ضبط مزيل للإيهام، وهو مناسب لضبط قافية القصيدة، ومنها قبل الشاهد: أَبَني لُبَينى لَستُمُ بِيَدٍ ... إِلّا يَدًا لَيسَت لَها عَضُدُ أَبَني لُبَينى لا أُحِقُّكُمُ ... وَجَدَ الإِلَهُ بِكُم كَما أَجِدُ ٢ - رد الرواية المشكوك فيها: قد يتردد المفسر في قبول تفسير من التفاسير لآية من القرآن لعدم

стр. 555

قناعته بأدلة ذلك التفسير، وقد يكون هذا الدليل شاهدًا شعريًا لم يبلغه بالرواية التي يستشهد بها لذلك الوجه، فيرد هذا التفسير لعدم صحة هذه الرواية عنده، في حين تكون هذه الرواية قد صحت عند غيره فيستشهد بها. وقد لاحظت أن أبا عبيدة قد تعقبه المفسرون بعده في كثير من شواهده، وطعنوا في بعض روايات الشواهد التي أوردها، وردوا عليه بالوجه الذي يحتج به هو، وهو شواهد الشعر واللغة، والذي يبدو لي أنه ما دام ثقة في روايته، غير مدخولٍ من هذه الجهة، فإن شواهده التي يتفرد بها تبقى لها قيمتها ووزنها في ميزان العلم، وأنه لا ترد روايته مع الثقة به لمجرد ورود رواية تخالفها عمن هو في مثل درجته من الثقة وسعة الرواية. ولا سيما أن أبا عبيدة من مصادر الشواهد الشعرية عند المفسرين فقد أخذ المفسرون بعده شواهده واستشهدوا بها في تفاسيرهم من الطبري حتى الشنقيطي من المعاصرين، ولا سيما شواهده اللغوية وهي الغالبة على شواهده. ومن أمثلة رد المفسرين للشواهد التي ارتابوا في صحتها قول الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] (١): «والإصراخُ الإغاثةُ، وقُرئَ: «بِمُصرخيِّ» (٢) بكسرِ الياءِ وهي ضعيفةٌ، واستشهدوا لها ببيت مَجهولٍ: قالَ لَها: هلْ لكِ يَا تَا فيّ ... قالت لهُ: ما أنتَ بالمَرْضِيِّ». (٣) فقد شكَّكَ الزمخشري في الشاهد، وضعَّف القراءة، والشاهد منسوب للأغلب العجلي. (٤) وقد بالغ الزجاج في رد هذا الرجز فقال: «وهذا الشعر مما لا يتلفت إليه، وعمل مثل هذا سهل، وليس يعرف قائل

стр. 556

هذا الشعر من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله عَزَّوَجَلَّ». (١) ومن الأمثلة قول ابن عطية: «وحَكى الزجاجُ أنَّ العربَ تُعبِّرُ عمَّا يعقلُ وعمَّا لا يَعقلُ بـ «أولئك»، وأنشدَ هو والطبري: ذُمِّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلةِ اللِّوَى والعَيشَ بعدَ أولئكِ الأَيامِ (٢) فأَمَّا حكاية أبي إسحاقَ عن اللغةِ فأمرٌ يُوقفُ عنده، وأَما البيتُ فالروايةُ فيه «الأقوام». (٣) فرد ابن عطية هذه الرواية للشاهد. وقد استشهد بِها الطبري والزجاج عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] (٤) على أنَّ «أولئك» تأتي للجمع القليل للتذكير والتأنيث، حيث لم يقل الشاعر: بعد تلك الأيام، وكذلك الأمر في الآية؛ لأنَّ «تلك» يأتي للدمع والبلالة على الجمع الكثير. (٥) وقد ورد هذا البيت في الديوان بشرح ابن حبيب كما قال ابن عطية، وليس فيها شاهد لما ذهب إليه الطبري، وهي: ذُمِّ المنازلَ بعدَ مَنْزِلةِ اللِّوَى ... والعَيشَ بعدَ أولئكِ الأَقوامِ (٦) في حين قد رَوَى الشاهدَ كما رواه الطبري المُبَرِّدُ (٧)، والزمخشري (٨)، وابن هشام (٩)، وغيرهم. (١٠) ولا يكاد يخلو منه كتاب

стр. 557

من كتب النحو، فلعل اعتراض ابن عطية على رواية الزجاج والطبري لاطلاعه على رواية محمد بن حبيب في شرحه لديوان جرير، ولم يطلع على ما ذكره المبرد وغيره من المتقدمين. وصنيع ابن عطية في رده لهذه الرواية للشاهد يدل على عنايته بروايات الشواهد، ورده الرواية التي يشك في صحتها. وأمثلة التشكيك في روايات الشواهد عند المفسرين كثيرة. (١) ٣ - إيراد الروايات الأخرى إذا دعت الحاجة . وربما يورد المفسرون روايات أخرى للشاهد الشعري عند الحاجة إلى ذلك، وربما يوردونها لمزيد بيان الشاهد وإن لم يكن ثمة حاجة داعية لذكر الروايات الأخرى ولا سيما إذا كانت الرواية الأخرى لا تتعلق بمحل الشاهد من البيت. ومن أمثلة ذلك أن الطبري عند الحديث عن القراءتين الواردتين في قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: ٢٢] (٢)، حيث قرأها بعضهم: ﴿مِنْ سَبَإٍ﴾ بالتنوين على أنه رجلٌ اسمه سبأ (٣)، وقرأها بعضهم: ﴿سَبَأَ﴾ بِمَنعها من الصِّرفِ على أنه اسم امرأة أو قبيلةٍ (٤) قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، وقد قرأ بكل واحدةٍ منهما علماءُ من القراء، فبأيتهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، فالإجراء (٥) في سبأ، وغير الإجراء صوابٌ؛ لأن سبأ

стр. 558

إن كان رجلًا كما جاء به الأثر، فإنه إذا أريد به اسم الرجل أُجريَ، وإن أريدَ به اسمُ القبيلة لم يُجْرَ، كما قال الشاعر (١) في إجرائه: الوارِدُونَ وتَيمٌ في ذَرا سَبأٍ قد عَضَّ أَعناقَهُم جِلْدُ الجَوامِيسِ (٢) يروى: ذَرا، وذُرى. وقد حدثت عن الفراء عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن العلاء: كيف لم تُجْرِ سبأَ؟ قال: لست أدري ما هو». (٣) أي فترك صرفه كما تفعل العربُ بالأَسماءِ المَجهولةِ التي لا تعرفها. وقال الفراء في توجيه الروايتين: «من قال: «ذَرَى» (٤) جعل سبأَ جِيْلًا، ومن قال: «ذُرَى» أرادَ مَوضِعًا». (٥) في حين وجهها البغدادي فقال: «من قال: «ذُرا» بالضم جعلَ «سَبأَ» جَبلًا، ومن قال: «ذَرَا» بالفتح أراد مَوضعًا». (٦) وأظنُّ كلمةَ «جيلًا» تصحفت إلى «جبلًا» عند البغدادي، وإِلا فلا فرقَ بين كونه جبلًا أو موضعًا، فهو مصروف في الحالين، بخلاف ما إذا كان المقصود بالأول الجيل والقبيلة فإنه لا ينصرف. فقد حرص الطبري على إيراد الروايتين للشاهد لأنه بهما يتبين وجه الاستشهاد، ويفهم وجه القراءتين اللتين ذكرهما. ومن الأمثلة على إيراد المفسرين للروايات الأخرى للشاهد الشعري وإن لم تتعلق بِمحلِّ الشاهد قول الطبري عند تفسير قوله تعالى في أمر مريم ﵍: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] (٧): «فتأويل الكلام: وضَمَّها اللهُ إلى زكريا، من قول الشاعر:

стр. 559

فهو لضُلاَّلِ الهَوامِ كَافِلُ (١) يراد به: لِمَا ضَلَّ مِنْ مُتفرِّقِ النَّعَمِ، ومنتشرِهِ ضَامٌّ إلى نفسهِ وجامِعٌ. وقد روي: فهوَ لضُلاَّلِ الهَوافي كَافلُ بمعنى: أنه لِمَا نَدَّ فَهَربَ من النَّعمِ ضَامٌّ، من قولهم: هَفا الظَّليمُ، إذا أسرعَ الطيران». (٢) فقد أورد الطبري رواية أخرى للبيت، مع عدم تعلقها بمحل الشاهد فيه، دلالة على معرفته بهذه الرواية الأخرى، وتوثيقًا للرواية الأخرى للبيت. (٣) - انفراد المفسر برواية للشاهد . قد ينفرد المفسرون برواية للشاهد لم ترد عند غيرهم، والطبري هو الذي يكثر عنده ذلك لتقدمه، وأخذه للشعر عن رواته المتقدمين، ولا سيما ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة في زمنه. ومما لاحظته في تفسير الطبري أنه على الرغم من اشتهار تلمذة الطبري لثعلب إلا أنه لم يشر إليه في روايته للشعر، ولم يرو عنه في ذلك شيئًا مع تطابق شرحه للشعر مع شرح شيخه ثعلب في كثير من المواضع ولا سيما في شرح شواهد زهير بن أبي سُلمى حيث وازنتُ شرحه للشاهد بشرح ثعلب للديوان فوجدت تشابهًا كبيرًا بين الشرحين، ولا أعرف عِلَّةَ إغفال الطبريِّ الإشارةَ لشيخه ثعلب في تفسيره، مع إشارته لغيره من العلماء. ومن الشواهد التي انفرد الطبري برواية لها مخالفة لما رواه رواة الشعر، قول حميد بن ثور الهلالي: إذا كانتِ الخمسونَ أُمَّكَ لَمْ يَكُنْ ... لِدائِكَ إِلَّا أَنْ تَموتَ طَبيبُ وقد استشهد به الطبري على هذه الرواية على دلالة لفظة الأم،

стр. 560

وسبب تسمية سورة الفاتحة بأم الكتاب، وشرح رواية البيت بأن الخمسين سُميت أمًا لأنها جامعة ما دونها من العدد، فسماها أمًا للذي قد بلغها. (١) وهذه الرواية أبلغ في الدلالة على المراد. في حين رواها كلُّ رواة هذا البيت لأبي محمد عبد الله بن أيوب التيمي: إذا كانتِ الخمسونَ سِنَّكَ لَمْ يَكُنْ ... لِدائِكَ إِلَّا أَنْ تَموتَ طَبيبُ (٢) ولم ينسبها لحُميد بن ثور غير الطبري فيما اطلعت عليه، وليس هذا البيت في ديوان حُميد المطبوع، ولم يشر إليه جامع الديوان، مع وجود قصيدةٍ لهُ على وزن البيت وقافيته. (٣) ولم أجد من رواها قبل الطبري بهذه الرواية، ووردت في الحماسة البصرية كما رواها الطبري منسوبةً للتيمي. (٤) فقد يكون الطبري رواها عن شيوخه، وقد يكون وَهَمًا منه لمشابَهته قصيدةَ حُميدٍ البائية. - ومن الأمثلة أيضًا على انفراد الطبري بروايات للشاهد الشعري، أنه عند تفسيره لمعنى الآية في القرآن، وأنها تحتمل وجهين في كلام العرب، أولهما: العلامة، «والآخر منهما القصة، كما قال كعب بن زهير بن أبي سلمى: أَلا أَبْلغَا هذا المُعَرِّضَ آيةً ... أَيقظانَ قالَ القولَ إِذْ قالَ أَمْ حَلُمْ يعني بقوله: «آية». رسالة مني وخبرًا عني، فيكون معنى الآيات القصص التي تتلو قصة بفصول ووصول». (٥) وهذه الرواية مخالفة لرواية الديوان، حيث ورد في الديوان:

стр. 561

أَلا أَبْلغَا هذا المُعَرِّضَ أَنَّهُ ... أَيقظانَ قالَ القولَ إِذْ قالَ أَمْ حَلُمْ (١) وهي رواية ضعيفة، ورواية الطبري أقوى في الدلالة على المراد منها، لأن كعبًا يرد على مزرد بن ضرار الذبياني أخي الشماخ الذي غضب لما لم يذكره كعب في شعره حينما قال استجابة لطلب الحطيئة: فَمَنْ للقوافي شأنُها مَن يَحُوكُها ... إذا ما مضَى كعبٌ وفَوَّزَ جَرولُ فذكر الحطيئة، ولم يذكر مزرد، فغضب مزرد. (٢) وهناك فائدة جليلة في رواية الطبري لهذا البيت، وهي ورود الآية في اللغة بمعنى القصة، وهذا معنى لم تذكره كتب اللغة، مع كثرة شواهده من الشعر كما أشار إلى ذلك محمود شاكر ﵀. (٣) ومن المواضع التي انفرد فيها الطبري برواية شعرية أجود وأصح من غيرها، ما ورد في تفسيره لمعنى «التفجُّر» في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] (٤) قوله: «والتفجر: التفعل من تفجر الماء، وذلك إذا نزل خارجًا من منبعه، وكل سائل شخص خارجًا من موضعه ومكانه، فقد انفجر، ماءً كان ذلك أو صديدًا أو غير ذلك، ومنه قول عمر بن لجأ: ولَمَّا أَنْ قُرِنتُ إلى جَريرٍ ... أَبى ذُو بَطنهِ إِلَّا انفِجارا يعني: إلا خُروجًا وسيلانًا». (٥) والبيت ورد في المصادر الأخرى: «إلا انحدارا». (٦) ورواية الطبري أدل على المعنى، وأقرب إلى لغة الشعر. (٧) لأن دلالة الانفجار في البيت على الحال التي يقصدها الشاعر في هجاء جرير أبلغ من دلالة الانحدار، مع عدم استعمال الانحدار

стр. 562

التعبير عن الماء ونحوه. وأكتفي بهذه الأمثلة. (١) للدلالة على مكانة ابن جرير الطبري خاصة، وتفرده دون غيره بروايات أخرى للشواهد، ذات مضامين أجود من الروايات المشهورة في كتب الشعر، وهي ذات قيمة كبيرة لتقدم الطبري، وهو لاشك كان يتخير من الروايات التي يحفظها للشواهد ما يتناسب مع المفردات القرآنية التي يفسرها. ٤ - التنبيه على ما قد يعتريه من التصحيف: من العيوب التي تصيب الشعر، وتكون سببًا لكثير من الاختلاف فيه عيب التصحيف، وهو مصدر صَحَّفَ يُصَحِّفُ الكلمةَ: إذا أَخطأَ في قراءتِها ورِوايتِها في الصَّحيفةِ لاشتباهِ الحروفِ، وهي لفظةٌ مُولَّدة (٢)، وهو مأخوذ من الصُحُفِ، وقد عرفه الأصفهاني فقال: «هو أن يقرأ الشيء بخلاف ما أراده كاتبه، وعلى غير ما اصطلح عليه في تسميته». (٣) وقد صنف فيه العلماءُ كحمزة الأصفهاني (٤)، والحسن العسكريِّ (٥) وغيرهما، ولا يؤمنُ التصحيفُ إلا بالرواية عن الأثبات من العلماء مشافهة، وتوثيق ضبط الكلمةِ المُحتملةِ للتصحيفِ بالعبارةِ حتى لا يقع الناسخ في الخطأ والتصحيف. وقد نَبَّه المفسرون على بعض العبارات المحتملة للتصحيف في الشواهد الشعرية، ووثقوها بضبطهم لها بالعبارة خوفًا من تصحيفها.

стр. 563

ومن أمثلة ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] (١) وهو يبين القراءات في قوله: ﴿يَنْقَضَّ﴾: «وقرأ علي بن أبي طالب ﵁، وعكرمة: (أنْ ينقَاصَ) بالصاد غير منقوطة (٢)، بِمَعنى: ينشق طولًا، يقال: انقاصَ الجِدارُ، وطيُّ البئرِ، وانقاصَتْ السنُّ إذا انشقت طولًا، وقيل: إذا تصدعتْ كيف كانَ، ومنه قول أبي ذؤيب: فِراقٌ كَقيصِ السِّنِّ فالصبرَ إِنَّهُ ... لكلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ (٣) ويُروى البيتُ: عَبْرَةٌ وحُبُورُ بالباء والحاء». (٤) وقال الزمخشري: «انقاصَ البناءُ والبئرُ والرملُ وغيرُها، وتقيَّصتْ: انهارت» (٥). فقد حرص ابن عطية على ضبط الكلمة في الشاهد بالعبارة، وأنها بالباء والحاء المهملتين، حتى يتضح معنى الشاهد على الروايتين. ولم أجد من نبه على هذه الرواية للبيت غير ابن عطية (٦). ومن الأمثلة أيضًا على توثيق الشاهد بضبط عبارته قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] (٧) وهو يُبَيّنُ القراءات في قوله: ﴿تَنْقِمُ﴾ وأن الجمهور قرأ بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وغيره بفتحها: «وهما لغتان. قال أبو حاتم: الوجه في القراءةِ كسرُ القافِ، وكلُّ العُلماءِ أنشدَ بيت ابنِ الرُّقيَّات: ما نقَمُوا من بني أمية ... .......................... (٨)

стр. 564

بفتحِ القاف» (١). في حين ذكر الأزهري أن بيت ابن الرقيات «يُروى بالفتح والكسر نَقَموا ونَقِموا» (٢)، ونقلَ الأزهري عن الزجاج قوله: «يُقالُ: نَقَمْتُ على الرجل أَنْقِمُ، ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجودُ نَقَمْتُ أَنْقِمُ، وهو الأكثر في القراءة». (٣) فربما يكون ابن عطية لم يسمع برواية الكسر، وأنها لغة كما قال الكسائي: «نَقِمْتُ بالكسر لغة» (٤). وقد أورد ابن عطية الشاهد هنا لتقوية القراءة الشاذة، والذي يعنيني هنا هو حرص ابن عطية على ضبط الشاهد بالعبارة، حتى لا يدخل الوهم على القارئ، حيث ذكر أن جميع العلماء أنشد هذا البيت بفتح القاف، وهو كما قال (٥). والشواهد الشعرية المحتملة للتصحيف قليلة في كتب التفسير، ولم أصادف إلا القليل من الأمثلة.

стр. 565

المبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين . الأغراضُ جَمعُ غَرَضٍ، وهو الشيءُ يُنصبُ فيُرمى فيه، وهو الهدف (١). والمقصود بيان الأهداف التي أرادها المفسرون من إيرادهم شواهد الشعر في تفسير القرآن الكريم. وقد تعددت أغراض المفسرين الخاصة من إيراد شواهد الشعر، وسبقت الإشارة في الباب الأول من البحث إلى أنواع الشاهد الشعري في كتب التفسير مع ضرب الأمثلة لكل نوعٍ، وهذا المبحث يتعلق به من حيث إن الأغراض التي وردت لها الشواهد هي الأنواع التي صنفت تحتها الشواهد الشعرية من وجه آخر، مع شيء من الاختلاف في زاوية عرض المسألة. وقد تتبعتُ كتب التفسير مَحل الدراسة وحاولت تحديد الأغراض العامة والخاصة التي أورد المفسرون الشعر في كتبهم لتحقيقها، ورتبتها بحسب كثرة شواهدها في كتب التفسير، فوجدتُها لا تخرجُ في أغراضها العامة عن الاستشهاد، والتمثل، في حين كان لغرض الاستشهاد الذي عليه مدار الرسالة تفصيلات متنوعة، وسأفصل القول فيها في هذا المبحث، موردًا الأمثلة الدالة على ذلك من كتب التفسير، وسأكتفي في كل مسألة بمثالٍ واحدٍ لدى كل مفسرٍ متى وجدت لديه ما يصلح التمثيل به، والإحالة في الحاشية لمزيد من الأمثلة، إلا إن اقتضى المقام إضافة بعض الأمثلة لبيان مسألة من المسائل الداخلة في البحث.
следующие страницы →