← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أَلا أَبْلغَا هذا المُعَرِّضَ أَنَّهُ ... أَيقظانَ قالَ القولَ إِذْ قالَ أَمْ حَلُمْ (١) وهي رواية ضعيفة، ورواية الطبري أقوى في الدلالة على المراد منها، لأن كعبًا يرد على مزرد بن ضرار الذبياني أخي الشماخ الذي غضب لما لم يذكره كعب في شعره حينما قال استجابة لطلب الحطيئة: فَمَنْ للقوافي شأنُها مَن يَحُوكُها ... إذا ما مضَى كعبٌ وفَوَّزَ جَرولُ فذكر الحطيئة، ولم يذكر مزرد، فغضب مزرد. (٢) وهناك فائدة جليلة في رواية الطبري لهذا البيت، وهي ورود الآية في اللغة بمعنى القصة، وهذا معنى لم تذكره كتب اللغة، مع كثرة شواهده من الشعر كما أشار إلى ذلك محمود شاكر ﵀. (٣) ومن المواضع التي انفرد فيها الطبري برواية شعرية أجود وأصح من غيرها، ما ورد في تفسيره لمعنى «التفجُّر» في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٧٤] (٤) قوله: «والتفجر: التفعل من تفجر الماء، وذلك إذا نزل خارجًا من منبعه، وكل سائل شخص خارجًا من موضعه ومكانه، فقد انفجر، ماءً كان ذلك أو صديدًا أو غير ذلك، ومنه قول عمر بن لجأ: ولَمَّا أَنْ قُرِنتُ إلى جَريرٍ ... أَبى ذُو بَطنهِ إِلَّا انفِجارا يعني: إلا خُروجًا وسيلانًا». (٥) والبيت ورد في المصادر الأخرى: «إلا انحدارا». (٦) ورواية الطبري أدل على المعنى، وأقرب إلى لغة الشعر. (٧) لأن دلالة الانفجار في البيت على الحال التي يقصدها الشاعر في هجاء جرير أبلغ من دلالة الانحدار، مع عدم استعمال الانحدار

стр. 562

التعبير عن الماء ونحوه. وأكتفي بهذه الأمثلة. (١) للدلالة على مكانة ابن جرير الطبري خاصة، وتفرده دون غيره بروايات أخرى للشواهد، ذات مضامين أجود من الروايات المشهورة في كتب الشعر، وهي ذات قيمة كبيرة لتقدم الطبري، وهو لاشك كان يتخير من الروايات التي يحفظها للشواهد ما يتناسب مع المفردات القرآنية التي يفسرها. ٤ - التنبيه على ما قد يعتريه من التصحيف: من العيوب التي تصيب الشعر، وتكون سببًا لكثير من الاختلاف فيه عيب التصحيف، وهو مصدر صَحَّفَ يُصَحِّفُ الكلمةَ: إذا أَخطأَ في قراءتِها ورِوايتِها في الصَّحيفةِ لاشتباهِ الحروفِ، وهي لفظةٌ مُولَّدة (٢)، وهو مأخوذ من الصُحُفِ، وقد عرفه الأصفهاني فقال: «هو أن يقرأ الشيء بخلاف ما أراده كاتبه، وعلى غير ما اصطلح عليه في تسميته». (٣) وقد صنف فيه العلماءُ كحمزة الأصفهاني (٤)، والحسن العسكريِّ (٥) وغيرهما، ولا يؤمنُ التصحيفُ إلا بالرواية عن الأثبات من العلماء مشافهة، وتوثيق ضبط الكلمةِ المُحتملةِ للتصحيفِ بالعبارةِ حتى لا يقع الناسخ في الخطأ والتصحيف. وقد نَبَّه المفسرون على بعض العبارات المحتملة للتصحيف في الشواهد الشعرية، ووثقوها بضبطهم لها بالعبارة خوفًا من تصحيفها.

стр. 563

ومن أمثلة ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] (١) وهو يبين القراءات في قوله: ﴿يَنْقَضَّ﴾: «وقرأ علي بن أبي طالب ﵁، وعكرمة: (أنْ ينقَاصَ) بالصاد غير منقوطة (٢)، بِمَعنى: ينشق طولًا، يقال: انقاصَ الجِدارُ، وطيُّ البئرِ، وانقاصَتْ السنُّ إذا انشقت طولًا، وقيل: إذا تصدعتْ كيف كانَ، ومنه قول أبي ذؤيب: فِراقٌ كَقيصِ السِّنِّ فالصبرَ إِنَّهُ ... لكلِّ أُناسٍ عَثْرَةٌ وجُبُورُ (٣) ويُروى البيتُ: عَبْرَةٌ وحُبُورُ بالباء والحاء». (٤) وقال الزمخشري: «انقاصَ البناءُ والبئرُ والرملُ وغيرُها، وتقيَّصتْ: انهارت» (٥). فقد حرص ابن عطية على ضبط الكلمة في الشاهد بالعبارة، وأنها بالباء والحاء المهملتين، حتى يتضح معنى الشاهد على الروايتين. ولم أجد من نبه على هذه الرواية للبيت غير ابن عطية (٦). ومن الأمثلة أيضًا على توثيق الشاهد بضبط عبارته قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] (٧) وهو يُبَيّنُ القراءات في قوله: ﴿تَنْقِمُ﴾ وأن الجمهور قرأ بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وغيره بفتحها: «وهما لغتان. قال أبو حاتم: الوجه في القراءةِ كسرُ القافِ، وكلُّ العُلماءِ أنشدَ بيت ابنِ الرُّقيَّات: ما نقَمُوا من بني أمية ... .......................... (٨)

стр. 564

بفتحِ القاف» (١). في حين ذكر الأزهري أن بيت ابن الرقيات «يُروى بالفتح والكسر نَقَموا ونَقِموا» (٢)، ونقلَ الأزهري عن الزجاج قوله: «يُقالُ: نَقَمْتُ على الرجل أَنْقِمُ، ونَقِمْتُ عليه أَنْقَمُ، والأجودُ نَقَمْتُ أَنْقِمُ، وهو الأكثر في القراءة». (٣) فربما يكون ابن عطية لم يسمع برواية الكسر، وأنها لغة كما قال الكسائي: «نَقِمْتُ بالكسر لغة» (٤). وقد أورد ابن عطية الشاهد هنا لتقوية القراءة الشاذة، والذي يعنيني هنا هو حرص ابن عطية على ضبط الشاهد بالعبارة، حتى لا يدخل الوهم على القارئ، حيث ذكر أن جميع العلماء أنشد هذا البيت بفتح القاف، وهو كما قال (٥). والشواهد الشعرية المحتملة للتصحيف قليلة في كتب التفسير، ولم أصادف إلا القليل من الأمثلة.

стр. 565

المبحث الخامس: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند المفسرين . الأغراضُ جَمعُ غَرَضٍ، وهو الشيءُ يُنصبُ فيُرمى فيه، وهو الهدف (١). والمقصود بيان الأهداف التي أرادها المفسرون من إيرادهم شواهد الشعر في تفسير القرآن الكريم. وقد تعددت أغراض المفسرين الخاصة من إيراد شواهد الشعر، وسبقت الإشارة في الباب الأول من البحث إلى أنواع الشاهد الشعري في كتب التفسير مع ضرب الأمثلة لكل نوعٍ، وهذا المبحث يتعلق به من حيث إن الأغراض التي وردت لها الشواهد هي الأنواع التي صنفت تحتها الشواهد الشعرية من وجه آخر، مع شيء من الاختلاف في زاوية عرض المسألة. وقد تتبعتُ كتب التفسير مَحل الدراسة وحاولت تحديد الأغراض العامة والخاصة التي أورد المفسرون الشعر في كتبهم لتحقيقها، ورتبتها بحسب كثرة شواهدها في كتب التفسير، فوجدتُها لا تخرجُ في أغراضها العامة عن الاستشهاد، والتمثل، في حين كان لغرض الاستشهاد الذي عليه مدار الرسالة تفصيلات متنوعة، وسأفصل القول فيها في هذا المبحث، موردًا الأمثلة الدالة على ذلك من كتب التفسير، وسأكتفي في كل مسألة بمثالٍ واحدٍ لدى كل مفسرٍ متى وجدت لديه ما يصلح التمثيل به، والإحالة في الحاشية لمزيد من الأمثلة، إلا إن اقتضى المقام إضافة بعض الأمثلة لبيان مسألة من المسائل الداخلة في البحث.

стр. 566

الغرض الأول: الاستشهاد . هذا أوسع أغراض ورود الشاهد الشعري في كتب التفسير. وهو في اللغة استفعالٌ من الفِعلِ «شَهِدَ»، ومعناه طلب الشهادة على صحةِ لفظةٍ أو تركيبٍ بشواهدِ الشعر بشروطه التي سبق تفصيل القول فيها (١). وهذا الغرض ينتظم تحته صورًا كثيرة، وجزئيات متناثرة، وتسهيلًا لعرضه ودراسته يُمكنُ تقسيمه إلى الأقسام التالية: أولًا - الاستشهاد اللغوي . وهو الاستشهاد بالشعر في إثبات الدلالة اللغوية، وهذا يتعلق ببيان معاني الألفاظ في القرآن الكريم بصفة عامة، ومنه شواهد غريب القرآن وهي أكثر الشواهد الشعرية ورودًا في تفسير الطبري وابن عطية والقرطبي، ومنه بيان أصول اشتقاق المفردات اللغوية، وكذلك بيان درجة فصاحة بعض اللغات وأصالتها، وما يتعلق بمسائل الصرف ونحو ذلك من قضايا اللغة في كتب التفسير. وشواهد المفسرين في باب اللغة لا تَخرجُ عن شواهد الشعر المنقولة عن شيوخ اللغة المتقدمين كالخليل وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عمرو الشيباني، وأصحاب كتب المعاني وغريب القرآن كأبي عُبيدة، والأصمعي، وأبي حاتم السجستاني، وابن قتيبة وغيرهم ﵏ أجْمعين. ويتميز الإمام الطبري دون غيره من المفسرين بإضافته شواهد كثيرة في باب اللغة، لم ترد في كتب المعاني والغريب، بل زاد عليها من مروياته ما يساوي النصف تقريبًا، وقد تقدم بيان عدد الشواهد في كتب المفسرين، فأغنى عن إعادته. وقد انفرد المفسرون بشواهد لم يستشهد بها من سبقهم في كتبهم المطبوعة، كما انفردوا ببعض الروايات لشواهد

стр. 567

معروفة، وقد سبقت الإشارة إلى بعض الشواهد التي انفرد بها الإمام الطبري. ومن الأمثلة القليلة التي عثرت عليها لتفرد ابن عطية في تفسيره استشهاده بقول علوان بن قيس (١): ولَيلٍ دَجِيٍّ قد تَنَفَّسَ فَجرهُ ... لَهم بعدْ أَنْ خالوهُ لنْ يتنَفَّسَا (٢) وقد استشهد به على معنى قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير: ١٨] (٣) وأن معنى تنفس الصبح أي استطار واتسع ضوءه. (٤) والاستشهاد اللغوي في كتب التفسير له صور كثيرة، رأيت تقسيمها وإيراد الأمثلة على كل صورة منها من كتب التفسير؛ ليتضح الغرض الدقيق من الشاهد الشعري، والمعنى الذي ساق المفسر له هذا الشاهد. وأهم صور الاستشهاد اللغوي في كتب التفسير ما يلي: - الاستشهاد لبيان معاني المفردات . وهذه الصورة هي أكثر صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، وقد سار المفسرون في هذا على منهج أصحاب غريب القرآن، ومعاني القرآن، الذين استخدموا الشعر في بيان معاني المفردات، وتأصيلها في اللغة أكثر من أي غرض آخر. وأمثلة هذه الصورة كثيرة، ولا تكاد تمر بك صفحة أو أكثر إلا وتعثر على شاهد شعري يستشهد به المفسر لبيان معنى لفظة من ألفاظ القرآن الكريم. وشواهد أصحاب غريب القرآن، ومفرداته من هذا الباب. وسأقتصر على الأمثلة التالية: ١ - استشهد الطبري لبيان معنى كلمة «أواب» في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾ [ص: ١٧] (٥) وأَنَّه بِمعنى التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه، بقول عبيد بن الأبرص:

стр. 568

وكُلُّ ذِي غَيبةٍ يَئُوبُ ... وغَائبُ الموتِ لا يَئُوبُ (١) وهذا استشهاد للمعنى اللغوي، وأن العرب تعني بهذه اللفظة هذا المعنى، ومنه شاهد عَبيد، وقد استشهد بهذا الشاهد غيره من المفسرين لهذا المعنى (٢)، ولغيره. (٣) ولم أر أصحاب غريب القرآن استشهدوا به مع كثرة ورود مادة «أوب» في القرآن. (٤) ٢ - استشهد ابن عطية بقول الأعشى: فبَانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفُؤادِ ... صَدْعًا على نأَيِها مُستطِيرا (٥) على أَنَّ السؤرَ هو البقيةُ من الشيء (٦)، والقطعة منه تسمى سؤرًا أيضًا، فمعنى البيت: أن صاحبته قد تركته وأبقت في فؤاده صَدْعًا بسبب فراقها، واستدل ابن عطية بهذا الشاهد على أَنَّ مَن هَمَز لفظَ السورةِ فقال «سؤرة»، فإنه يعني بها القطعة من الشيء، فكذلك السورة من القرآن، سميت بذلك لأنها قطعة منه. (٧) ٣ - أراد القرطبي أن يبين معنى قوله: ﴿الْخَاشِعِينَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] (٨)، فذكر أن الخاشعين جَمعُ خاشعٍ، وهو المتواضع، ثم نقلَ قول الزجاج: «الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه، كخشوع الدار بعد الإقواء. هذا هو الأصل». (٩) ثم استشهد لهذا المعنى بقول النابغة:

стр. 569

رَمَادٌ كَكُحلِ العينِ لأَيًا أُبِينُه ... ونُؤيٌ كَجِذْمِ الحوضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (١) وهذا شاهد لغوي على أَنَّ النؤيَ - وهو الحاجز من التراب الذي يقام حولَ الخِبَاءِ حتى لا يدخله الماء (٢) - إذا درست معالمُه يُوصفُ بالخُشوعِ. قال الأزهري: «وجدارٌ خاشعٌ إذا تدَاعى واستوى مع الأرض». (٣) فكذلك المؤمن الخاشع في صلاته وُصِفَ بذلك لأنه يرمي ببصره إلى الأرض وتسكن جوارحه، قال الليثُ (٤): «خَشَعَ الرجلُ يَخشَعُ خُشُوعًا إذا رَمَى ببصره إلى الأرض». (٥) وهو قريب المعنى من الخضوع (٦)، إلا أنَّ الخضوعَ في البدن، والخشوع في البدن والصوت والبصر. (٧) ٤ - وقد يستعين المفسر بالشعر ليتعرف على عُرفِ العَربِ في استعمال لفظةٍ وردت في القرآن الكريم، لتحديد مدلولها الدقيق في الاستعمال القرآني، نظرًا لعمومية تفسير المفسرين للفظة في القرآن. وهذا منهج يتخذه بعض المفسرين عند البحث في معاني بعض المفردات التي كان تعبير المفسرين عن معناها غير دقيق. وأكتفي بمثالٍ في تفسير ابن عطية. ذكر ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ

стр. 570

يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢] ﴿(١) أنَّ معنى «يَغْنَوا فيها»، أي: يقيموا ويسكنوا. وذكر ذلك غيره من المفسرين (٢)، غير أن ابن عطية أضاف تفصيلًا جيدًا لمعنى هذه اللفظة بعد أن استقرى شِعْرَ العرب فقال: «وغَنِيْتُ في المكانِ إنَّما يُقال في الإقامة التي هي مُقترنةٌ بتنعُّمٍ وعيشٍ مُرْضٍ، هذا الذي استقريتُ من الأشعارِ التي ذكرت العربُ فيها هذه اللفظةَ. فمِن ذلك قولُ الشاعرِ (٣): وقد نَغْنَى بِها ونَرى عُصُورًا ... بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِدالا (٤) ومنه قول الآخر (٥): ولقد يَغْنَى بِها جِيْرانُكِ الْـ ... ـمُمْسِكو مِنكِ بعهدٍ وَوِصالِ (٦) أنشده الطبري (٧). ومنه قول الآخر (٨): أَلا حَيِّ مِنْ أجلِ الحبيبِ المَغَانِيا (٩) ... .............................. ومنه قول مُهَلْهِلٍ:

стр. 571

غَنِيَتْ دارُنا تِهامَةَ في الدَّهْـ ... ـرِ وفيها بَنُو مَعَدٍّ حُلُولا (١) ويُشبهُ أن تكونَ اللفظةُ من الاستغناءِ. وأَمَّا قولهُ: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] (٢) ففيه هذا المعنى؛ لأَنَّ المراد: كأَنْ لَم تكن ناعمةً نضرةً مستقلةً، ولا توجدُ - فيما علمتُ - إلا مقترنةً بهذا المعنى، وأما قول الشاعر (٣): غَنِينا زَمانًا بالتصعلكِ والغِنَى ... وكُلًا سَقانَاهُ بِكأسيهِما الدَّهرُ (٤) فمعناهُ: استغنينا بذلكَ، ورضيناه، مع أَنَّ هذه اللفظة ليست مقترنةً بمكانٍ». (٥) فقد تتبع ابنُ عطية معنى هذه اللفظة الدقيقَ في أشعار العرب، واستخرج المعنى الدقيق الملازم للفظة، وأنه لا يقال: «غَنِيَ بالمكان» إلا في الإقامة المُقترنة بتنعُّمٍ وعيشٍ مُرْضٍ، وأَنَّ العرب لا تقول لمن أقام بعيشٍ مُضْنٍ أنه غَنِيَ بالمكان. وهذا التتبع لمعنى هذه اللفظة لم أجده في معاجم اللغة، كما وجدته هنا، مما يدل على جهد المفسرين في بيان عدد من الألفاظ اللغوية، بيانًا معجميًا أغنوا به المادة المعجمية العربية. (٦) وهذا يعطي اللفظة في القرآن معنى إضافيًا فوق مجرد الإقامة، وهو أن هؤلاء الأقوام الذين كذبوا الرسل جاءهم العذاب الذي استأصلهم من أرضهم التي كانوا يتنعمون فيها، ويتقلبونَ في نعيمِها فكان هذا أبلغ في عذابهم، ولم يبق من الحياة الناعمة، والعيش الرغد أثر، ولم يُغْنِ عنهم من الله شيئًا.

стр. 572

٥ - ربَّما يورد المفسرون شاهدًا من الشعر، لا للاستشهاد به على معنى المفردة، وإنما لنفي توهم دلالته على معنى بعينه. ومن ذلك أَنَّ ابنَ عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] (١) ذكر اختلاف العلماء في معنى الآية، وأن منهم من ذهب إلى أنها ثلاث نَفْخاتٍ بدليل حديثِ أبي هريرة أَنَّ للمَلكِ في الصور ثلاثُ نفْخاتٍ: نفخةُ الفَزَعِ وهو فَزعُ الحياة الدنيا، وليس بالفَزِع الأكبرِ، ونفخةُ الصَّعْقِ، ونفخةُ القيامِ من القبور. (٢) ومنهم مَنْ ذكرَ أَنَّهما نفختانِ، واستدلوا بأدلة منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ وقالوا: إن «أخرى» لا تُقالُ إلا في الثانيةِ. فقال ابن عطية: «والقول الأول أصحُّ، وأُخرى يُقالُ في الثالثةِ، ومنه قولُ ربيعةَ بن مُكدّم: ولقد شَفَعْتُهُما بآخرَ ثَالِثٍ (٣) ... ............................. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ٢٠] (٤)». (٥) غير أَنَّ هناك شاهدًا من الشعر قد يدل على غير ما ذهب إليه ابن عطية فأورده للتنبيه على أنه لا يُعارِضُ ما ذهب إليه فقال: «وأَمَّا قولُ الشاعر: جَعَلَتْ لَهُ عُودَينِ مِنْ ... نَشَمٍ وآخرَ مِنْ ثُمامَه (٦) فيُحتملُ أن يُريدَ به ثانيًا وثالثًا، فلا حُجةَ فيه». (٧) فقد أورده ابن عطية لغرض التنبيه على أنه لا يعارض ما ذهب إليه

стр. 573

في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨]، وليصرفه عن الدلالة على خلاف قوله الذي ذهب إليه. الاستشهاد للتفريق بين المعاني المشتركة . قد يورد المفسر الشاهد الشعري للتفريق بين معاني مشتركة ورد بعضها في القرآن الكريم. ١ - من ذلك قول الطبري: «ولا نعرفُ «انظرنا» في كلام العرب إلا بمعنى: انتظرنا، وانظر إلينا. - فأَمَّا «أَنظِرنا» بِمعنى: انتظرنا، فمنه قول الحطيئة: وقد نَظَرْتُكُمُ لو أَنَّ دِرَّتَكُم ... يومًا يَجيءُ بِها مَسْحِي وإِبْساسِي (١) - وأَمَّا «انظُرنا»، بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات: ظَاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنظُرْ ... نَ كما يَنظرُ الأَرَاكَ الظِّباءُ (٢) بمعنى: كما ينظرُ إلى الأَراك الظباءُ». (٣)

стр. 574

فالطبريُّ قد أَوردَ شاهدين من الشعر للتفريق بين معنى انظرنا من الإنظار، وانظرنا من النظر بالعين الباصرة، وأَنَّ هذين المعنيين هما المعروفان من معاني هذه اللفظة في العربية، وهذا غرض من أغراض الشاهد الشعري اللغوي في الاستدلال به على المعاني الدقيقة، واستعمال العرب لها. ٢ - ومن أمثلة ذلك عند الطبري في تفسيره لمعنى ﴿الْهُونِ﴾ في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] (١) حيث فَرَّقَ بين الهُونِ بضم الهاء وفتحها فقال: «العرب إذا أرادت بالهُونِ معنى الهَوان، ضَمَّت الهاء، وإذا أرادت به الرِّفقَ والدَّعةَ وخِفةَ المؤونةِ، فتحت الهاء». (٢) ثم استدل بقول جندل بن المثنى الطهوي (٣): ونَقْضَ أَيَّامٍ نقَضنَ أَسْرَهُ ... هَونًا وأَلْقَى كُلُّ شيخٍ فَخْرَهُ (٤) على فتح الهاء، وبقول ذي الجدنِ الحميريّ: هَوْنَكُما لا يَرُدُّ الدهرُ ما فاتا ... لا تَهْلِكا أَسفًا في إِثْرِ مَنْ ماتا (٥) واستدرك الطبري فقال: «وقد حُكِيَ فتحُ الهاء في ذلك بِمعنى الهوانِ، واستشهدوا على ذلك ببيت عامر بن جوين: يُهينُ النُّفوسَ وهَوْنُ النُّفُوسِ عند الكريهةِ أَغْلى لَها (٦) والمعروفُ من كلامهم، ضمُّ الهاء منه، إذا كان بمعنى الهَوانِ والذُّلِّ، كما قال ذو الإصبع العدواني:

стр. 575

اذهبْ إليكَ فما أُمِّي بِراعيةٍ ... ترعى المَخاضَ ولا أُغْضِي على الهُونِ (١) يعني: على الهَوانِ، وإذا كان بمعنى الرِّفْقِ، فَفَتْحُها». (٢) فقد أورد الطبري أربعة شواهد من الشعر للتفريق بين معنى الهَونِ بفتح الهاء وهو الرِّفقُ والسكينة، وبضمِّها بمعنى الهوان، وأن هذا هو المعروف المشهور من كلام العرب، وأنه قد يأتي الهَوْنُ بفتح الهاء بِمعنى الهَوَانِ كما في البيت الذي نسبه الطبري لعامر بن جوين ولكنَّ هذا قليلٌ في كلامهم. وهذه صورة من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، ولكنها قليلة، وأكثر من يعنى بها الطبري وابن عطية في تفسيريهما. وما ذكره الطبري في التفريق بين المعنيين أجودُ مِمَّا ذكره أهل الغريب، من حيث كثرة الشواهد، ووضوح الدلالة، ومعرفة القائل (٣)، والمعاجم اللغوية في التفريق بين المعنيين. (٤) ٣ - عند تفسير ابن عطية لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٥)، فسَّرَ الرفثَ بأنه كنايةٌ عن الجِماع؛ لأنَّ الله تعالى كريمٌ يُكنِّي، ثم قال تفريقًا بين معناه في الآية، ومعناه في سياقٍ آخر: «والرَّفَثُ في غير هذا ما فَحُشَ من القول، ومنه قولُ الشاعر (٦):

стр. 576

عن اللَّغا ورَفَثِ التكلُّمِ». (١) فأورد الشاهد استشهادًا على معنى آخر غير المعنى الذي ورد في الآية الكريمة، للتفريق بين المعنيين. الاستشهاد لبيان اشتقاق المفردات . من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر، الاستشهاد به لبيان اشتقاق لفظة، أو الدلالة على لفظة مشتقة من لفظة أخرى وردت بمعنى آخر في الشِّعرِ، وهذا يعين المفسر على تتبع الدلالة الدقيقة للفظة القرآنية التي يفسرها. ومن أمثلة هذه الصورة في كتب التفسير ما يأتي: ١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] (٢) أراد الطبري تفسير معنى (الشِّيَةِ)، وبيانَ أصلِ اشتقاقِها فقال: «يعني بقوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا﴾ لا لونَ فيها يُخالفُ لونَ جَلدِها، وأَصلُه مِن وَشْي الثوبِ، وهو تَحسينُ عُيوبِه التي تكون فيه، بضروبٍ مختلفةٍ من ألوان سُداهُ ولُحْمَتِه ... ومنه قيل للساعي بالرَّجُلِ إلى السلطانِ أو غيره: واشٍ؛ لِكَذِبِه عليه عنده، وتَحسينِه كَذِبَهُ بالأباطيلِ. يقال منه: وَشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً، ومنه قول كعب بن زهير: تَسعى الوُشاةُ جَنَابَيها وقَولهُمُ: ... إِنَّكَ يا ابنَ أبي سُلْمى لَمَقْتولُ (٣) والوشاةُ جَمعُ واشٍ، يعني أنَّهم يتقولون بالأباطيلِ، ويُخبِرونَهُ أنه إِنْ لحقَ بالنبي ﷺ قَتَلَه». (٤) فقد أبان عن أصل اشتقاق كلمة ﴿شِيَةَ﴾ في الآية، وأن كلمة (الواشي) مشتقة من هذا الأصل اللغوي، الذي هو أحد أصلين لهذه

стр. 577

اللفظة، التي يقول عنها ابنُ فارس: «الواو والشين والحرف المعتل: أصلان. أحدُهما يدل على تحسينِ شيء وتزيينه، والآخرُ على نَماءٍ وزِيادة. الأول: وَشَيتُ الثوبَ، أَشِيهِ وَشْيًا، ويقولون للذي يكذبُ ويَنِمُّ ويُزخرفُ كلامَه: قد وَشَى، وهو واشٍ. والأصل الآخر: المرأةُ الواشيةُ: الكثيرةُ الوَلَدِ ... والوَشْيُ: الكثرةُ». (١) ٢ - وقال الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] (٢) مبينًا القراءات في قوله ﴿بَئِيسٍ﴾ والوزن الصرفي لها: «وقرأهُ بعضُ الكوفيين (بَيْئِس) (٣) بفتح الباء، وتسكين الياء، وهمزة بعدها مكسورة على مثال «فَيْعِل»، وذلك شاذٌّ عند أهل العربية؛ لأنَّ «فَيْعِل» إذا لم يكن من ذواتِ الياء والواو فالفَتحُ في عَينهِ الفَصيحُ في كلام العربِ، وذلك مثلُ قولهم في نَظيرهِ من السَّالمِ: «صَيْقَل» و «نَيْرَب»، وإنَّما تُكْسَرُ العينُ من ذلك في ذوات الياء والواو، كقولهم: سَيِّد، ومَيِّت. وقد أنشد بعضُهم قولَ امرئ القيسِ بن عابسٍ الكِنْديِّ: كِلاهُما كانَ رَئِيْسًا بَيْئِسا ... يَضْرِبُ في يومِ الهِياجِ القَوْنَسا (٤) بكسرِ العينِ مِنْ «فَيْعِل» وهي الهمزة من «بَيْئِس»، فلعل الذي قرأَ ذلك كذلكَ قرأَهُ على هذه». (٥) وهذا فيه مع بيان الوزن الصرفي للفظة القرآنية، غرض آخر هو

стр. 578

توجيه القراءات من حيث بيان وزن اللفظة المختلف في قراءتها بين القراء، وهو غرض سيأتي الحديث عنه على حدة. وهذه القراءة التي ذكرها الطبري عدها العلماء من شواذ القراءات (١)، لأن هذا البناء مختص بالمعتل كسَيِّدٍ ومَيِّتٍ، قال مكي بن أبي طالب: «وقد روي عن عاصم كسر الهمزة بيئس على فيعل، [و] هو بعيد؛ لأن هذا البناء إنما يكون فيما اعتلت عينه، مثل سيّد، وميّت». (٢) الاستشهاد للصيغة لا للمعنى . من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير، الاستشهاد من أجل توضيح صيغة بعض المفردات وتقريب نطقها وتعدد أبنيتها لتعدد لغات العرب فيها، دون أن يكون لذلك أثره في معنى اللفظة. وليست هذه الصورة بكثيرة الأمثلة في كتب التفسير. ومن أمثلة هذه الصورة قول الطبري: «وقولهُ: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] (٣) يقول: وكانت الجبالُ رَمْلًا سائلًا مُتناثرًا. والمَهِيْلُ مَفعولٌ من قول القائلِ: هِلْتُ الرملَ، فأَنا أَهِيْلُه، إذا حُرِّكَ أَسفَلُهُ، فانْهالَ عليهِ مِنْ أعلاهُ، وللعرب في ذلك لغتانِ، تقول: مَهِيْلٌ، ومَهْيُولٌ، ومَكِيْلٌ ومَكْيُولٌ، ومنه قولُ الشاعر (٤): قد كان قَومُكَ يَحسَبُونَكَ سَيِّدًا ... وإِخالُ أَنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ (٥)». (٦) وهذا شاهد لغوي على أن للعرب في مهيل وأمثالها لغتان، وقد أورد الشاهد للاستشهاد به على أَنَّ «مَعِيْن» يأتي على «مَعْيُون»، فكذلك

стр. 579

«مَهِيل» يأتي على «مَهْيُول»، وهاتان لغتان لقبيلتين من قبائل العرب، في اسم المفعول من ذوات الياء، ومجيئه صحيحًا، مثل مَبِيع يأتي مَبْيُوع، ومخيط يأتي مخيوط، وقد أَتموا ذوات الياء خاصة لِخفَّتِها (١)، وعَدَّهُ بعضهم خطأً. (٢) الاستشهاد لبيان اللغة الفصيحة في اللفظة . من صور الاستشهاد اللغوي بالشعر الاستشهاد به لبيان اللغة الفصيحة في لفظة من الألفاظ التي وردت في القرآن، أو عرضت في أثناء التفسير. ومن أمثلة ذلك: ١ - ناقش الطبري عند قوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] (٣) القراءات في قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ فقال: «واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾، فقرأ ذلك عامةُ قَرَأَةِ المدينة وبعض أهل البصرة: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ بفتح الميم، من الأَمِّ. (٤) وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ﴿أُمِّ﴾ بكسر الميم (٥) من الأُمِّ». (٦) ثم ذكر اختلاف النحويين في توجيه النصب والكسر مع إجماعهم على أنهما لغتان مستعملتان في العرب، وأنَّ مَنْ قرأ بفتح الميم فمرادٌ به النُّدبةُ (٧)، أي: يا ابن أُمَّاه. ومَن قرأ بكسرها فمرادٌ به الإضافة، ثم

стр. 580

حُذفت الياء التي هي كناية اسمُ المخبرِ عن نفسه. ثم قال: «قالوا: أمَّا اللغةُ الجيدة، والقياس الصحيح فلغة من قال: «يا ابن أمي» بإثبات الياء، كما قال أبو زبيد: يا ابنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفسِي ... أنتَ خَلَّفتني لِدهرٍ شَديدِ (١) وكما قال الآخر (٢): يا ابنَ أُمِّي ولو شَهِدتُكَ إِذ تَد ... عو تَميمًا وأَنتَ غَيْرَ مُجابِ (٣) وإنما أثبت هؤلاء الياءَ في الأُمِّ؛ لأنها غير مناداة، وإنما المنادى هو الابنُ دونَها، وإنما تُسقط العربُ الياءَ من المنادى إذا أضافته إلى نفسها، لا إذا أضافته إلى غير نفسها كما قد بَينَّا». (٤) وللنحويين في توجيه قراءة الفتح مذهبان اقتصر الطبري على أحدهما: الأول: مذهب البصريين، أنهما اسمان بُنيا على الفتح كاسمٍ واحدٍ كخمسَةَ عَشَر ونحوه، فعلى هذا ليس «ابن» مضافًا إلى «أُمّ» بل مُركَّبٌ معها، فتكونُ الحركةُ حركةَ بناءٍ. الثاني: مذهب الكوفيين وهو ما ذهب إليه الطبري، أنَّ «ابن» مضافٌ إلى «أُمّ» و «أُمّ» مضافة لياء المتكلم، وياء المتكلم قلبت ألفًا كما تقلب في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم. وأصله ابنَ أماه، حذفت الألف تخفيفًا، وسقطت هاء السكت لأنه دَرْجٌ. (٥) وأَمَّا قراءة الكسر فعلى رأي البصريين هو كَسْرُ بناءٍ لأجلِ ياء المتكلم، بِمعنى إضافةِ هذا الاسم المُركَّبِ لياء المتكلمِ فكُسِرَ آخرُهُ، ثُمَّ

стр. 581

اجتزئ عن الياءِ بالكسرة. وعلى رأي الكوفيين يكون الكسرُ كسرَ إعرابٍ، وحذفت الياءُ مُجتزأً عنها بالكسرة كما اجتزئ عن ألفها بالفتحة (١). وقد قرأ بالوجه الذي عَدَّهُ أهلُ اللغةِ فصيحًا ابنُ السميفع (٢)، قال الأخفش: «وهو القياس، ولكنَّ الكتابَ ليست فيه ياءٌ، فلذلك كُرِهَ هذا». (٣) في حين قال أبو حيان: «وأجود اللغات الاجتزاء بالكسرةِ عن ياء الإضافة». (٤) والغرض من الشاهد الشعري في كلام الطبري الاستشهاد على اللغة الفصيحة في قولهم: «يا ابن أمي» وهو إثبات الياء كما في شواهد الشعر، غير أن في ورودها في القرآن الكريم ما يُضعِّفُ هذا القول، وإن كان قد يُقالُ: إِنَّ القُرآنَ ترد فيه صيغٌ متعددةٌ كلها مستعملٌ معروفٌ عند العرب، وربما وردت اللغةُ القليلةُ، وتُركت الشائعةُ لحكمةٍ. ٢ - في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] (٥) ذكر الطبري أن هذه هي اللغة الفصيحة في التعبير، وأنَّ «العرب تقولُ: نَصَحتُ لك، وشكرتُ لكَ، ولا تكاد تقول: نصحتكَ، ورُبَّما قالت: شكرتُكَ ونصحتُكَ، من ذلك قول الشاعر (٦): هُمُ جَمعوا بُؤسَى ونُعْمَى عَليكمُ ... فَهلاَّ شَكَرْتَ القومَ إِذْ لَمْ تُقاتِلِ (٧) وقال النابغةُ في «نَصحتُكَ»:

стр. 582

نَصَحْتُ بني عَوفٍ فلم يَتقبَّلوا ... رَسُولي ولم تَنْجَحْ لديهمْ وَسائِلي (١)». (٢) فقد أشار الطبري إلى أن اللغة التي ورد بها القرآن هي اللغة الفصحى، وهي تَعْدِيَةُ فعلِ «نَصَحَ» و «شَكَرَ» باللام، كما قال تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] (٣) وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] (٤). غير أن الطبري أراد من إيراد الشاهد الشعري الاستشهاد على أن اللغة الأخرى عربية فصيحة أيضًا (٥). وقد قال الجوهري تعقيبًا على بيت النابغة السابق: «وهو باللام أفصح». (٦) وهذا يؤيد ما ذهب إليه الطبري. الاستشهاد لتوجيه القراءة من حيث اللغة . ومن صور الاستشهاد اللغوي بالشعر في كتب التفسير الاستشهاد به على توجيه القراءات القرآنية بالأوجه اللغوية، وهذه من الصور المتكررة بكثرة في تفسير الطبري وابن عطية والقرطبي. ومن أمثلتها ما يأتي: ١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] (٧) ذكر الطبري اختلاف القراء في قراءة: ﴿السِّلْمِ﴾ (٨) ثم تكلم عن توجيه قراءة من قرأ بكسر السين من حيث المعنى فقال: «وأما الذين قرأوا ذلك بالكسر من السين، فإنهم مختلفون في تأويله، فمنهم من يوجهه إلى الإسلام، بمعنى: ادخلوا في الإسلام كافة. ومنهم من يوجهه إلى الصُّلْحِ بِمعنى: ادخلوا في الصلح. ويستشهد على أَنَّ السِّينَ تُكسرُ وهي بِمعنى الصُّلحِ، بقول زهير بن أبي سُلْمى:

стр. 583

وقد قُلتُما إِنْ نُدركِ السِّلْمَ واسِعًا ... بِمالٍ ومَعروفٍ من الأَمرِ نَسْلَمِ (١)». (٢) ثم اختار الطبريُّ قراءةَ كسرِ السينِ فقال: «وأَمَّا الذي هو أولى القراءتين بالصواب في قراءة ذلك، فقراءةُ مَنْ قرأَ بكسرِ السين؛ لأنَّ ذلك إذا قُرئَ كذلك وإن كان قد يَحتملُ معنى الصُّلحِ، فإِنَّ معنى الإسلامِ، ودوامِ الأمر الصالحِ عند العرب أغلبُ عليه من الصُّلْحِ والمُسالمةِ، ويُنشَدُ بيتُ أخي كندة (٣): دَعَوتُ عَشيرتي للسِّلْمِ لَمَّا ... رأَيتُهُمُ تولّوا مُدبرينا (٤) بكسرِ السين، بِمعنى: دعوتُهُم للإسلام لَمَّا ارتدوا، وكان ذلك حين ارتدت كندةُ مع الأشعث بعد وفاة رسول الله ﷺ ». (٥) فقد أورد الطبري شاهدًا لِمَن قرأَ بالكسرِ، وأَنَّهُ يكون بِمعنى الصُّلْحِ، غير أَنَّهُ اختار تفسيره بِمَعنى الإسلام، لأَنَّه أولى بِمَقصدِ القرآن، واستشهد لاختيارهِ بشاهدٍ من الشعر لشاعرٍ مُسلمٍ يذكر دعوته لقومه إلى الثبات على الإسلام حين ارتد الناس بعد وفاة النبي ﷺ . والطبري لحظ التطور الدلالي للفظة «السِّلْم»، وما طرأ عليها فيما بين عصر زهير بن أبي سلمى وعصر امرئ القيس بن عابس في الإسلام، واختار حَمْلَ لفظةِ القُرآنِ على ما وردت به في شعر من أدرك الإسلام. وقد بين الطبري وجًا آخر لاختياره فقال: «وإِنَّما اخترنا ما اخترنا من التأويل في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وصرفنا معناه إلى الإسلام؛ لأَنَّ الآيةَ مُخاطَبٌ بِها المؤمنون». (٦)

стр. 584

وفسَّرها بالإسلام محمد بنُ القاسم الأنباري معاصرُ الطبري فقال: «والسِّلْمُ - بكسر السين - الإسلامُ، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، ويقالُ: رجلٌ قديمُ السِّلْمِ، أي: الإسلام». (١) ويدلك على قول الطبري واختياره هذا أن أبا عمرو بن العلاء قرأ لفظة «السِّلْم» في القرآن كله بفتح السين، سوى هذه التي في سورة البقرة، فإنه كان يخصها بكسر سينها، توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها. (٢) وهذا من مباحث التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن الكريم. (٣) وقد نقل هذا التفسيرَ القرطبيُّ عن الطبريِّ مع شاهده. (٤) أَمَّا الكسائيُّ فقد ذهب إلى أَنَّ السِّلْمَ والسَّلْمَ بِمعنًى واحدٍ، وهذا هو رأيُ أكثر البصريين، وهُما جَميعًا يأتيانِ بِمعنى الإسلامِ والمُسالمةِ. (٥) وقد يكون ما ذهب إليه هؤلاء صحيحًا من حيث اللغة، ولكن لم يأت في القرآنِ أمرٌ للمسلمينَ بالصلحِ والمسالمة مع الأعداء ابتداءً، وإنما قيل للنبي ﷺ أن يجنح للسِّلْمِ إذا جنحوا لها، وأَمَّا أَنْ يبتدئ بها فلا، وليس كلُّ ما صحَّ في اللغةِ صحَّ حَمْلُ معاني القرآن عليه. (٦) ٢ - عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] (٧) ذكر ابن عطية قراءة الأعمش وابن مسعود فقال: «وقرأ الأعمش وابن مسعود (مَجْراها ومَرْساها) بفتح الميمين، وذلك من الجَرْي والرُّسُوِّ، وهذه ظرفيةُ مكانٍ. ومن ذلك قول عنترة:

стр. 585

فَصَبَرْتُ نَفْسًا عندَ ذلكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إذا نفسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ (١)». (٢) فاستشهد بالشعر لتوجيه معنى القراءة. ٣ - وربما اعتمد المفسر على الشعر في ترجيحه قراءةً على أُخرى، وأكثرَ من ذلك الطبري في تفسيره، وتعقبه العلماءُ في رده بعضَ القراءات التي استقر الرأيُ بعدهُ على تواترها وصحتها واتصال أسانيدها، وقد كتبت في ذلك دراسات. (٣) ومن ذلك أن الطبري بعد أن ذكر القراءات في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] كما تقدم شيء من ذلك في مثال سابق قال أبو جعفر: «وأولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءة من قرأه: ﴿بَئِيسٍ﴾ بفتح الباء، وكسر الهمزة ومدها، على مثال «فَعِيل»، كما قال ذو الإصبع العدواني: حَنَقًا عَلَيَّ، وما تَرى ... لي فيهمُ أَثَرًا بَئيِسا (٤) لأَنَّ هذا التأويلَ أَجْمعوا على أَنَّ معناه: شديدٌ، فدلَّ ذلك على صحة ما اخترنا». (٥) فقد اختار هذه القراءة دون غيرها مع كون القراءات الأخرى التي تركها صحيحة متواترة. الاستشهاد لما يصح لغة لا قراءةً . يوجد في القرآن الكريم بعض الألفاظ التي لها عدة أوجه صحيحة تكلمت بها العرب، غير أن القرآن الكريم اقتصر على إحداهما، ومن ثم لا يجوز القراءة إلا بما ورد. ومن أمثلة هذه الصورة من صور الاستشهاد اللغوي ما يلي:

стр. 586

١ - قال الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] (١) وهو يذكر القراءات في الآية: «وقرأ بعضهم: (إنَّ الباقر) (٢)، وذلك - وإن كان في الكلام جائزًا، لِمَجيئهِ في كلام العربِ وأَشعارِها، كما قال ميمون بن قيس: وما ذَنْبُهُ أَنْ عافَتِ الماءَ باقِرٌ ... وما إِنْ تَعافُ الماءَ إِلَّا لِيُضرَبا (٣) وكما قال أمية: ويسُوقُونَ باقِرَ السَّهْلِ لِلطَّـ ... ـودِ مَهازِيلَ خَشيةً أَنْ تبورا (٤) - فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به، لِمُخالفتهِ القراءةَ الجائيةَ مَجيءَ الحُجَّةِ، بنقلِ مَنْ لا يَجوزُ عليه - فيما نقلوه مُجمعينَ عليه - الخطأُ والسَّهوُ والكذبُ». (٥) فقد بَيَّنَ الطبري أن العرب قد تسمي البقرةَ «باقرًا»، بدليل ورود ذلك في شعر مَنْ يُحتج بقوله منهم. قال الليث: «الباقرُ: جَماعةُ البَقَرِ مع راعيِها». (٦) غير أن هذا وإن صح لغةً إلا أنه لا يصح القراءة به، لعدم وروده بنقل صحيحٍ عن النبي ﷺ ، وهذه قاعدة مُطَّردةٌ في القراءة، فهي سنة متبعةٌ، ولا مدخلَ للقياسِ فيها. (٧) ٢ - قال الطبري وهو يبين القراءات في اسم «اليَسَع» في قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾ [الأنعام: ٨٦] (٨): «قرأته عامةُ قَرَأَةِ

стр. 587

الحجازِ والعراقِ: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ بلامٍ واحدةٍ مُخففةٍ. (١) وقد زعم قومٌ أنه «يَفعلُ» من قولِ القائلِ: وَسِعَ، يَسَعُ. ولا تكاد العربُ تُدخِلُ الألفَ واللامَ على اسمٍ يكونُ على هذه الصورةِ - أعني على «يَفْعلُ» - لا يقولونَ: رأيتُ اليزيدَ، ولا أَتاني اليَحْيَى، ولا مَررتُ باليَشْكُر، إِلا في ضَرورة الشِّعرِ، وذلك أيضًا إذا تُحُرِّىَ به المدحُ (٢)، كما قال بعضهم (٣): وجَدْنا الوليدَ بنَ اليَزِيد مُبارَكًا ... شَدِيدًا بأَحْناءِ الخِلافةِ كاهِلُهْ (٤) فأدخل في اليزيد الألف واللام، وذلك لإدخاله إياهما في الوليد، فأتبعه اليزيد بِمثلِ لفظه». (٥) وعلى رأي الطبري تكون دخلت الألف واللام في «اليزيد» للمدح. ثم ذكر القراءة الثانية للاسم وهي «اللَّيسَع» بلامين وبالتشديد. (٦) ثم رجح القراءة الأولى لإجماع القُراء عليها. والطبري قد أورد الشاهد الشعري للاستشهاد به على أن زيادة الألف واللام في «اليزيد» تكونُ في الشعرِ خاصةً دون النثر، ويُرادُ بها المدحُ، وأن الألف واللام في «اليَسَع» جُزءٌ من اسمٍ أعجميٍّ، فليست داخلةً على فعلِ «يَسَع» كما ذكر بعضهم، فاسم «اليَسَع» عند الطبري أعجميٌّ يُنطقُ على ما هو، ولا يُعلمُ دخولُ الألف واللام إِلَّا فيما جاء من أسماءِ العرب على «يَفْعَل»، وأمَّا الاسم الأعجمي فإِنَّما يُنطقُ به على ما سَمُّوا به، فإن غُيِّر منه شيءٌ إذا تكلمت العرب به، فإِنَّما يُغَيَّرُ بتقويم

стр. 588

حرفٍ منهُ مِنْ غَيْرِ حذفٍ ولا زيادةٍ ولا نُقصانٍ. (١) وللعلماء في قراءة الجمهور «اليَسَع» تأويلان: الأول: أَنَّهُ منقولٌ من فعلٍ مضارعٍ، والأصلُ: يَوْسَع كيَوْعِد، فوقعت الواو بين ياءٍ وكسرةٍ تقديرية؛ لأنَّ الفتحة إنَّما جيءَ بِها لأجل حرف الحلق فحذفت لحذفها في يَضَعُ، ويَدَعُ، ويَهَبُ وبابه، ثم سُمِّي به مُجرَّدًا عن ضميرٍ، وزيدت فيه الألف واللام، ويكون ذلك كزيادتها في «اليزيد» كما في بيت الشعر، أو تكون الألف واللام للتعريف بعد تنكير الاسم قبل دخولها. الثاني: أنَّ «اليَسَع» اسمٌ أعجميٌّ لا اشتقاق له، وهو نبيٌّ بُعِثَ بعد إِلياس ﵉، وكان تلميذًا له. (٢) وقيل: هو يوشع بن نون فتى موسى. واختاره القرطبي فقال: «والحق في هذا أنه اسم أعجمي، والعجمة لا تؤخذ بالقياس، إنما تؤخذ سماعًا، والعرب تغيرها كثيرًا، فلا ينكر أن يأتي الاسم بلغتين» (٣). والطبري يرى أن «اليسع» كُلَّهُ اسمٌ أعجميٌّ، وغيره يرى أنَّ الألفَ واللام زائدتان أو معرفتان دخلتا على «يَسَع» الذي هو الاسمُ الأعجميُّ. (٤) وما ذهب إليه الطبري أولى لأَنَّ الألفَ واللام من أصل الكلمة، إذ أصلها بالعِبْريَّةِ «أِلِيشَاع». . . . . بمعنى «الله هو الخلاص»، فعُرِّبت بصورة «اليَسَع»، وعوملت لامُها مُعاملةَ لام التعريف، وهذا يوافق سُنَنَ التعريب، فقد عوملت «ال» في بعض الكلمات المُعرَّبة المبدوءة

стр. 589

بهما هذه المعاملة. (١) والذين قالوا بزيادة الألف واللام، منهم من يرى أن زيادتها لازمة شذوذًا كلزومها في «الآن». وقال ابن مالك: «ما قارنت الأداة نقله كالنضر والنعمان، أو ارتجاله اليسع والسموءل فإن الأغلب ثبوت «أل» فيه، وقد تحذف». (٢) ٣ - ذكر الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] (٣) قول قتادة: وفي حرف ابن مسعودٍ (بِعِيسٍ عِيْن)، وقراءة ابن مسعودٍ هذه تنبئُ عن أَنَّ معنى الحُورِ غَيْرُ الذي ذهب إليه مجاهد - وهو أنهنَّ سُمُّوا بذلك لأَنَّ الطَّرْفَ يَحارُ فيهنَّ (٤) - لأنَّ العيسَ عند العرب جَمعُ عَيْسَاء، وهي البيضاء من الإبل، كما قال الأعشى: ومَهْمهٍ نازحٍ تعوي الذئابُ بهِ ... كَلَّفْتُ أَعيسَ تَحتَ الرَّحْلِ نَعَّابا (٥) يعني بالأَعيسِ: جَمَلًا أبيض» (٦). وما ذكره الطبري موافق لما ذكره اللغويون من معنى الأعيس، قال الليث: «العَيَسُ والعِيسَةُ لونٌ أبيضُ مشربٌ صفاءً في ظُلمةٍ خفيَّةٍ، يقال: جَمَلٌ أعيسُ». (٧) وقال أبو عبيدة: «رَجلٌ أَعْيَسُ الشَّعَرِ: أبيضهُ» (٨). فيكون تسميةُ الحُورِ العِيْنِ بذلك من البياضِ لا من حَيْرَةِ الطَّرْفِ فيهنَّ كما قال مجاهد، استئناسًا بقراءة ابن مسعود التي يدل معناها على

стр. 590

ما تدلُّ عليهِ كلمةِ الحُورِ من معنى البياض في اللغة. قال الطبري: «وهذا الذي قاله مجاهدٌ من أَنَّ الحُوْرَ إِنَّما معناها أَنَّه يَحارُ فيها الطَّرْفُ، قولٌ لا معنى له في كلامِ العرب؛ لأَنَّ الحُورَ إِنَّما هو جَمعُ حَوراء ... والحَوراءُ إنما هي فَعْلاءُ من الحَوَرِ، وهو نَقاءُ البَياضِ، كما قيلَ للنقيِّ البياضِ من الطعامِ: الحَواريُّ» (١). وذكر مثل ذلك أهل اللغة (٢). الاستشهاد بالشواهد على المعاني الغريبة . وقد يكون الاستشهاد بالشعر لغرابة المعنى الذي فسرت به الآية، فيكون ورودها في شواهد الشعر كاشفًا للمراد بها في القرآن، ومؤيدًا لتفسير من فسرها بهذا المعنى الغريب، ومن أمثلة ذلك: ١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] (٣) اختلف المفسرون في المقصود بقوله: ﴿مَوْبِقًا﴾، فمنهم مَنْ فَسَّرهُ بالعداوةِ، ومنهم من ذكر أنه وادٍ في جهنم، ومنهم مَنْ فسَّرَه بالمَهْلِك. قال ابن عطية: «واختلف المتأولون في قوله: ﴿مَوْبِقًا﴾، قال عبد الله بن عمرو وأنس بن مالك ومجاهد: هو وادٍ في جهنم يَجري بدمٍ وصديدٍ، وقال الحسنُ: ﴿مَوْبِقًا﴾ معناهُ: عداوةً، و ﴿بَيْنَهُمْ﴾ على هذا ظَرفٌ ... وقال ابن عباس: ﴿مَوْبِقًا﴾ معناهُ: مَهْلِكًا، بِمنْزِلةِ موضع، وهو من قولكِ: وَبَقَ الرجلُ، وأَوبَقَهُ غيرهُ إذا أهلكهُ، و ﴿بَيْنَهُمْ﴾ على هذا التأويلِ يصحُّ أن يكونَ ظَرفًا، والأظهرُ فيه أن يكون اسْمًا، بِمعنى: تواصلهم أمرًا مهلكًا لهم، ويكون ﴿بَيْنَهُمْ﴾ مفعولًا أولًا لِجَعَلْنا». (٤)

стр. 591

غير أنَّ أبا عُبيدة ذهب إلى أَنَّ ﴿مَوْبِقًا﴾ بِمعنى: المَوعِد (١)، وقد حكاه الطبري على وجه التضعيف له فقال: «وكان بعضُ أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: المَوبِقُ: المَوعِدُ، ويستشهدُ لقيلهِ ذلك بقول الشاعر (٢): وحادَ شَرورَى فالسِّتَارَ فلَمْ يَدَعْ ... تِعارًا لَهُ والوادِيَيْنِ بِمَوبِقِ (٣) ويتأَولهُ: بِموعد» (٤). وقال ابن عطية عن قول أبي عبيدة: «وعَبَّرَ بعضهم عن المَوبِقِ بالمَوعِدِ، وهذا ضعيف» (٥). فقد ورد تفسير المفسرين للفظةِ بِخلافِ ما ذهبَ إليهِ أبو عُبيدةَ، فلعل أبا عبيدة قد جاء بشاهدٍ من الشعرِ ليستشهدَ بهِ على هذا المعنى، لعلمهِ بغرابته، غير أن أبا عبيدة قد انفرد بهذه الرواية للبيت، كما انفرد بهذا التفسير للآية فلم يقبل المفسرون قوله. ٢ - ورد في قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] (٦) قراءات، فقرأ أبو جعفر من العشرة: ﴿لَنَحْرُقَنَّهُ﴾ (٧)، وقيل في تفسيرها: إِنَّها مِن البَرْدِ بالمَبَارِد. قال الطبري: «لنَحْرُقَنَّهُ بفتح النونِ وضمِّ الراء بمعنى لَنَبْرُدَنَّهُ بالمَبَارِدِ، مِنْ حَرَقْتُهُ أَحْرُقُهُ وأَحْرِقُهُ، كما قال الشاعر (٨):

стр. 592

بِذِي فِرْقَيْنِ يومَ بنو حَبيبٍ ... نُيُوبَهُمُ علينا يَحْرُقُونا (١)». (٢) قال الفراء: «و (لَنَحْرُقَنَّهُ) لنَبْرُدَنَّهُ بالحديد بَرْدًا، مِن حَرَقْتُ أُحْرِقُه وأَحْرِقُهُ لُغتان، وأنشدني المفضل ... ». (٣)، ثم ذكر الشاهد، وعنه نقل الطبري، والزجاج وغيرهما. (٤) ومعنى الحَرْقِ في الشاهد الشعري ليس كما ذهب إليه الطبري من أنهُ البَرْدُ بالمِبْرَدِ، وإِنَّما معناهُ مِنْ حَرَقَ البَعيْرُ نابَهُ وبنِابِهِ، إذا حَكَّهُ بغيره، قال أبو عبيد: «الحَرْقُ: حَرْقُ النَّابيْنِ أحدِهِما بالآخر، وأنشد: أبى الضَّيمَ والنُّعمانُ يَحْرِقُ نَابَهُ ... عليهِ فأَفْضَى والسيوفُ مَعاقِلُهُ (٥) قال: وحَريقُ النَّابِ صَريفُهُ». (٦) وحَرَقَ من بابِ نَصَرَ وضَرَبَ، إذا صَرفَ بنابهِ وصَوَّتَ مِنْ غيظٍ وغضبٍ كما يصرفُ الفحلُ عند غضبه. وقد ذكر الراغب أن حَرْقَ البعيرِ بِنابهِ، استُعير مِن الحَرْقِ بِمعنى البَرْدِ بالمِبْرَد. (٧) فيكون استشهاد الفراء والطبري بالشاهد استشهادًا للمعنى الأصلي بالمعنى المَجازي المأخوذ منه. وقد أورد هذه اللفظة في كتب الغريب عدد من العلماء (٨). الاستشهاد لبيان ورود اللفظة في اللغة . ربما أورد المفسرون الشاهد من الشعر للاستدلال به على مُجرَّدِ

стр. 593

ورود اللفظ في لغة العرب، دون أن يتعرضوا لشرح هذه الشواهد، أو الإشارة إلى وجه الاستدلال منه، مما يدل على أن غرضهم من إيرادها هو مجرد التأكيد على ورودها في لغة العرب كما وردت في القرآن الكريم. ومن أمثلة ذلك: ١ - ذكر ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾ [الحجر: ٧٨] (١) أَنَّ الأيكةَ شجرةٌ، وأنَّ هذه اللفظة قد وردت في لغة العربِ وشعرها. ثم قال: «ومن الشاهدِ على اللفظةِ قولُ أميةَ بن أبي الصلت: كبُكا الحَمامِ على غُصو ... نِ الأَيكِ في الطيرِ الجَوانِحْ (٢) ومنه قولُ جرير: وقفتُ بِهَا فهاجَ الشوقَ منِّي ... حَمَامُ الأَيكِ يُسعدُها حَمَامُ (٣) ومنه قول الآخرِ (٤): ألا إِنَّما الدنيا غَضارةُ أَيكةٍ ... إذا اخضرَّ منها جَانبٌ جَفَّ جانِبُ (٥) ومنه قول الهذلي: مُوَلَّعَةٌ بِالطُرَّتَينِ دَنا لَها ... جَنى أَيكَةٍ يَضفو عَلَيها قِصارُها (٦) وأنشدَ الأصمعي: وما خَليجٌ من المرَّوتِ ذُو حَدبٍ ... يرمي الصعيدَ بِخُشْبِ الأَيكِ والضَّالِ (٧)». (٨) والشاهد من كل هذه الشواهد التي ساقها ابن عطية هو مُجرَّدُ ورودِ لفظةِ الأيكةِ، والأَيكِ، بصيغتي المفرد والجمع في اللغة. وهي كما قال

стр. 594

أهل اللغة تدل على اجتماع شجرٍ، قال الخليل: الأيكة غيظة تنبت السدر والأراك. (١) وقال الأزهري: «الأَيكةُ والأيْكُ: الشجرُ الملتفُّ». (٢) ثانيًا - الاستشهاد النحوي . وهو الاستشهاد بالشاهد الشعري على مسائل النحو التي يوردها المفسرون، وشواهد المفسرين النحوية لا تخرج عن شواهد متقدمي النحويين كالخليل ويونس والكسائي، وسيبويه، والأخفش، والفراء. وقد اشتمل تفسير الطبري على مائتين وثلاثين شاهدًا شعريًا من الشواهد النحوية، وقد أورد الروايات الكوفية لهذه الشواهد، وهي مروية عند البصريين برواية مختلفة، أو يعدونها نادرة أو شاذة. (٣) وأما شواهد ابن عطية النحوية فقد تابع فيها سيبويه وانتصر له في كثير من المواضع من تفسيره. (٤) كما نقل عن المقتضب للمبرد. (٥) والقرطبي استوعب شواهد النحويين التي تقدمت من كتبهم مباشرة، ومن تفسير الطبري وابن عطية كذلك، ولم يخل تفسيره من بعض الآراء النحوية الخاصة. (٦) وللاستشهاد النحوي بالشعر صور متعددة، من أهمها في كتب التفسير ما يلي:

стр. 595

الاستشهاد للقاعدة النحوية أو لما خرج عنها . ١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] (١) ذكر ابن عطية أنَّ «الميثاق» اسمٌ في موضع المصدر فقال: «مِيْثاق مِفْعال من الوثاقة، وهي الشدُّ في العَقْدِ والربطُ ونحوه، وهو في هذه الآية اسمٌ في مَوضعِ المصدرِ، كما قال عمرو بن شبيم (٢): أكُفرًا بعدَ رَدِّ الموتِ عَنِّي ... وبعدَ عَطَائِكَ المائةَ الرِّتاعا؟ (٣) أراد: بعد إعطائك». (٤) فعطاء اسم في موضع المصدر إعطاء، وقد عَمِلَ عَمَل المصدر، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: بعد إعطائك المائة الرتاعَ إِيَّايَ. فكذلك «مِيثاق» اسمٌ يراد به المصدر «إيثاق» (٥)، فيكون معنى الآية: الذين ينقضون عهد الله بعد إيثاقه. وهذا الشاهد أورده شراح ألفية ابن مالك على أن العطاء اسمُ مصدرٍ عَمِلَ عَمَلَ المصدر. (٦) ٢ - ذكر القرطبي اختلاف النحويين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] (٧)، فقد اختلفوا في موضع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ ووجهِ تعلُّقِها بِمَا قبلها، وكان مِمَّا ذَكَرَ تَخطئَتَه المُبَرِّدَ لقول من قال: إن أصله (بأن لا تعبدوا)، ثم حُذفت (أَنْ) والباء فارتفع؛ لأَنَّ المبردَ لا يرى هذا التقدير، فقال القرطبي لرد هذا: «قلتُ: ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحانِ، وعليهما أنشد سيبويه: أَلا أَيُّهذا الزَّاجري أَحضُرُ الوَغَى ... وأَنْ أَشهَدَ اللذاتِ هل أَنتَ مُخْلِدي (٨)

стр. 596

بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أَنْ، والرفع على حذفها». (١) وقد بحثت في كتاب سيبويه فلم أجده روى هذا الشاهد إلا بالرفع فحسب (٢)، وهو مذهب البصريين الذين ينكرون عملَ أَنْ مضمرةً من غَير بَدَلٍ، ويُنكرونَ أو يؤولون روايتَه بالنصب، وهي مسألة خلافية بين المذهبين. قال ابن الأنباري: «فالرواية عندنا - أي البصريين- على الرفع وهي الرواية الصحيحة، وأما من رواه بالنصب فلعله رواه على ما يقتضيه القياس عنده من إعمال (أن) مع الحذف فلا يكون فيه حجة، ولئن صحت الرواية بالنصب فهو محمول على أنه توهم أنه أتى بأَنْ فنصب على طريق الغلط». (٣) فقد وَهِمَ القرطبيُّ في نسبتهِ وجهَ النَّصبِ في الشاهد لسيبويه. ٣ - وربما يورد المفسرون الشاهد الشعري لتوضيح ما خرج عن القاعدة من الشواهد الشاذة المشهورة. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] (٤): «ويصحُّ أن تكونَ «ماذا» اسْمًا واحدًا مُركَّبًا في موضع نصبٍ بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾، فيعْرَى من الضميرِ، ومتى كانت اسمًا مركبًا فهي في موضع نصبٍ، إِلَّا ما جاء من قول الشاعر (٥): وماذا عَسى الواشُونَ أَنْ يتحدثوا ... سِوى أَنْ يقولوا: إِنَّنِي لكِ عَاشقُ (٦) فإنَّ «عسى» لا تعملُ فيما قبلَها (٧)، فـ «ماذا» في موضع رفعٍ، وهو

стр. 597

مُركَّبٌ؛ إذ لا صلةَ لـ «ذا». (١) ومعنى أنَّ «ماذا» في مَحلِّ رفعٍ على أَنَّها مبتدأ، والمعنى: أيُّ حديثٍ عسى الواشونَ أَنْ يتحدثوا به؟ فلا يقدرون في وشايتهم على أكثر من أن يقولوا: إِنني لكِ مُحِبُّ وعاشق. ومعنى قول ابن عطية: لا صلة لذا، أي لا تكون بمعنى الذي؛ لأن عسى لا تكون صلة للموصول الاسمي. (٢) وتعقبه أبو حيان فقال: «وما ذكره ابن عطية من أنه إذا كانت اسمًا مركبة فهي في موضع نصبٍ إلا في ذلك البيت لا نعرفهُ. بل يجوز أن نقول: مَاذا مَحبوبٌ لك، ومَنْ ذا قائم، على تقدير التركيب، فكأنك قلتَ: ما مَحبوبٌ، ومَنْ قائِمٌ، ولا فرقَ بين هذا وبين مَنْ ذا تضر به، على تقديره: مَن تضرُّ بهِ، وجَعْلِ «مَنْ» مبتدأ». (٣) وقال السمين الحلبي وهو يعدد أحوال «ماذا»: «الثالثُ: أَن يُغَلَّبَ حكمُ «ما» على «ذا» فيُتركا ويصيرا بِمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، فيكونَ في مَحلِّ نصبٍ بالفعلِ بعدَهُ، والأجودُ حينئذٍ أَن يُنْصَبَ جوابُه والمبدلُ منه». (٤) وهذا الكلام موافق لما ذهب إليه ابن عطية في الآية، وزاد ابن عطية باستثناء إعراب بيت الشعر على هذا الوجه، وذكر أبو حيان أنه لا يعرف هذا الإعراب في البيت. والشاهد من إيراد المثال أن ابن عطية قد أورده ليبين استثناءه من إعرابه كما في الآية. الاستشهاد للتوجيه الإعرابي . أكثر ما يحتج المفسرون للتوجيه الإعرابي عند توجيههم للقراءات

стр. 598

المختلفة نحويًا، وأكثر ما يكونُ ذلك في كتبِ الاحتجاج للقراءات، وكتب إعراب القرآن، وهي حافلة بالشواهد النحوية. (١) ومن أمثلة هذه الشواهد في كتب التفسير: ١ - في تفسير الطبري عند قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] (٢) ذهب الطبري إلى أنَّ «ما» في الآية اسمٌ موصولٌ منصوبٌ بالفعل (يَختار)، وأنها بمعنى (الذي)، ثم يتساءل عن خبر كان فيقول: «فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أَنَّ ﴿مَا﴾ اسمٌ منصوب بوقوع (يَختار) عليها فأين خَبَرُ ﴿كَانَ﴾؟ فقد علمت أن ذلك إذا كان كذلك كما قلت، أن في ﴿كَانَ﴾ ذكرًا من ﴿مَا﴾، ولا بد لكان إذا كان كذلك من تمام، وأين التمام؟ قيل: إن العرب تجعل لحروف الصفات (٣) إذا جاءت الأخبار بعدها أحيانًا أخبارًا كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها. ذكر الفراء أن القاسم بن معن أنشده قول عنترة: أَمِنْ سُميَّةَ دَمعُ العينِ تَذريفُ ... لو كانَ ذا منكَ قبلَ اليومِ مَعروفُ (٤) فرفع «معروفًا» بحرف الصفةِ - وهو مِنْ -، وهو لا شكَّ خَبَرٌ لـ (ذا)، وذكر أنَّ المفضلَ أنشده ذلك: لو أَنَّ ذا منكَ قبلَ اليوم معروفُ». (٥) وتقدير الآية على ما ذهب إليه الطبري: «ما كان لهم الخيرة فيه».

стр. 599

وقد تعقب ابن عطية الطبريَّ، وذكر أنه لا يتجه قوله في البيت إلا على رواية القاسم بن معن، ويكون في (كان) ضمير الشأن، فأما في الآية فلا، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها مجرور محذوف. (١) فهذا من الاستشهاد للمسائل النحوية عند الطبري وهو كثير. (٢) ٢ - وقال الطبري وهو يناقش قراءة حمزة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٣): حيث قرأها: ﴿إِلَّا أَنْ يُخَافا﴾ اعتبارًا بقراءة ابن مسعود لها، فقال الطبري: «وقراءة ذلك كذلك اعتبارًا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه خطأ، وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه، فإنما أَعملَ الخوفَ في أَنْ وحدَها، وذلك غيرُ مدفوعٍ صحتُهُ، كما قال الشاعر (٤): إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُروِّي عِظامي بعدَ موتي عُروقُها ولا تَدفِنَّنِي بالفلاةِ فإِنَّني ... أَخافُ إذا مَا مِتُّ أَلاَّ أَذُوقَها (٥) فأمَّا قارئهُ (إِلَّا أَنْ يُخَافا) بذلك المعنى، فقد أعمل في متروكةٍ تسميتُهُ، وفي «أَنْ» فأعمله في ثلاثة أشياء: المتروك الذي هو اسمُ ما لم يُسمَّ فاعله، وفي «أن» التي تنوب عن شيئين، ولا تقول العرب في كلامها: ظَنَّا أَنْ يقُوما. ولكن قراءة ذلك كذلك صحيحة، على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك، اعتبارًا بقراءة عبد الله الذي وصفنا، ولكن على أن يكون مرادًا به إذا قرئ كذكل: إلا أن يخافا بأن لا يقيما حدود الله، أو: على أن لا يقيما حدود الله، فيكون العامل في «أَنْ» غير الخوف، ويكون الخوف عاملًا

стр. 600

فيما لم يسم فاعله، وذلك هو الصواب عندنا من القراءة». (١) ٣ - أورد القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] (٢) ثم ذكر أقوال النحويين في إعراب: ﴿الَّذِينَ﴾ واستحسن قول الفراء (٣) والأخفش (٤) في كونها فاعلًا للفعل «أَسرَّ»، حيث دلَّلَ على صحة ذلك بورود ما يشبهه في القرآن الكريم، والشعر فقال: «وهو حَسَنٌ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] (٥) وقال الشاعر (٦): بِكَ نالَ النِّضالُ دونَ المساعِي ... فاهتدينَ النِّبالُ للأغراضِ (٧) وقال آخرُ (٨): ولكنْ دِيافِيٌّ أَبوهُ وأُمُّهُ ... بِحَورانَ يَعْصِرنَ السَّليطَ أَقَارِبُهْ». (٩) والبيت الأول لأبي تمام، وهو شاعرٌ مُحدَثٌ لا يستشهدُ بشعره في مثل هذه المسألة، ولكن القرطبي قرنه بالذي بعده وهو للفرزدق. والشاهد في البيت قوله: فاهتدينَ النِّبَالُ، قال التبريزي في شرحه: «قد مر القول في أَنَّهُ يُرَدِّدُ مثلَ هذا الفعلَ الذي يتقدمُ فيه الضميرُ قبلَ الذكرِ، وهو عَربيُّ إلا أَنَّه قليلٌ» (١٠). وأما الشاهد في البيت الثاني فقوله: يعصرن السليط أقاربُه. وهو من شواهد سيبويه (١١)، وشرحه البغدادي فقال: «فأقاربه فاعلُ يَعْصِرُ،
следующие страницы →