← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أَنْ، والرفع على حذفها». (١) وقد بحثت في كتاب سيبويه فلم أجده روى هذا الشاهد إلا بالرفع فحسب (٢)، وهو مذهب البصريين الذين ينكرون عملَ أَنْ مضمرةً من غَير بَدَلٍ، ويُنكرونَ أو يؤولون روايتَه بالنصب، وهي مسألة خلافية بين المذهبين. قال ابن الأنباري: «فالرواية عندنا - أي البصريين- على الرفع وهي الرواية الصحيحة، وأما من رواه بالنصب فلعله رواه على ما يقتضيه القياس عنده من إعمال (أن) مع الحذف فلا يكون فيه حجة، ولئن صحت الرواية بالنصب فهو محمول على أنه توهم أنه أتى بأَنْ فنصب على طريق الغلط». (٣) فقد وَهِمَ القرطبيُّ في نسبتهِ وجهَ النَّصبِ في الشاهد لسيبويه. ٣ - وربما يورد المفسرون الشاهد الشعري لتوضيح ما خرج عن القاعدة من الشواهد الشاذة المشهورة. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] (٤): «ويصحُّ أن تكونَ «ماذا» اسْمًا واحدًا مُركَّبًا في موضع نصبٍ بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾، فيعْرَى من الضميرِ، ومتى كانت اسمًا مركبًا فهي في موضع نصبٍ، إِلَّا ما جاء من قول الشاعر (٥): وماذا عَسى الواشُونَ أَنْ يتحدثوا ... سِوى أَنْ يقولوا: إِنَّنِي لكِ عَاشقُ (٦) فإنَّ «عسى» لا تعملُ فيما قبلَها (٧)، فـ «ماذا» في موضع رفعٍ، وهو

стр. 597

مُركَّبٌ؛ إذ لا صلةَ لـ «ذا». (١) ومعنى أنَّ «ماذا» في مَحلِّ رفعٍ على أَنَّها مبتدأ، والمعنى: أيُّ حديثٍ عسى الواشونَ أَنْ يتحدثوا به؟ فلا يقدرون في وشايتهم على أكثر من أن يقولوا: إِنني لكِ مُحِبُّ وعاشق. ومعنى قول ابن عطية: لا صلة لذا، أي لا تكون بمعنى الذي؛ لأن عسى لا تكون صلة للموصول الاسمي. (٢) وتعقبه أبو حيان فقال: «وما ذكره ابن عطية من أنه إذا كانت اسمًا مركبة فهي في موضع نصبٍ إلا في ذلك البيت لا نعرفهُ. بل يجوز أن نقول: مَاذا مَحبوبٌ لك، ومَنْ ذا قائم، على تقدير التركيب، فكأنك قلتَ: ما مَحبوبٌ، ومَنْ قائِمٌ، ولا فرقَ بين هذا وبين مَنْ ذا تضر به، على تقديره: مَن تضرُّ بهِ، وجَعْلِ «مَنْ» مبتدأ». (٣) وقال السمين الحلبي وهو يعدد أحوال «ماذا»: «الثالثُ: أَن يُغَلَّبَ حكمُ «ما» على «ذا» فيُتركا ويصيرا بِمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، فيكونَ في مَحلِّ نصبٍ بالفعلِ بعدَهُ، والأجودُ حينئذٍ أَن يُنْصَبَ جوابُه والمبدلُ منه». (٤) وهذا الكلام موافق لما ذهب إليه ابن عطية في الآية، وزاد ابن عطية باستثناء إعراب بيت الشعر على هذا الوجه، وذكر أبو حيان أنه لا يعرف هذا الإعراب في البيت. والشاهد من إيراد المثال أن ابن عطية قد أورده ليبين استثناءه من إعرابه كما في الآية. الاستشهاد للتوجيه الإعرابي . أكثر ما يحتج المفسرون للتوجيه الإعرابي عند توجيههم للقراءات

стр. 598

المختلفة نحويًا، وأكثر ما يكونُ ذلك في كتبِ الاحتجاج للقراءات، وكتب إعراب القرآن، وهي حافلة بالشواهد النحوية. (١) ومن أمثلة هذه الشواهد في كتب التفسير: ١ - في تفسير الطبري عند قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨] (٢) ذهب الطبري إلى أنَّ «ما» في الآية اسمٌ موصولٌ منصوبٌ بالفعل (يَختار)، وأنها بمعنى (الذي)، ثم يتساءل عن خبر كان فيقول: «فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أَنَّ ﴿مَا﴾ اسمٌ منصوب بوقوع (يَختار) عليها فأين خَبَرُ ﴿كَانَ﴾؟ فقد علمت أن ذلك إذا كان كذلك كما قلت، أن في ﴿كَانَ﴾ ذكرًا من ﴿مَا﴾، ولا بد لكان إذا كان كذلك من تمام، وأين التمام؟ قيل: إن العرب تجعل لحروف الصفات (٣) إذا جاءت الأخبار بعدها أحيانًا أخبارًا كفعلها بالأسماء إذا جاءت بعدها أخبارها. ذكر الفراء أن القاسم بن معن أنشده قول عنترة: أَمِنْ سُميَّةَ دَمعُ العينِ تَذريفُ ... لو كانَ ذا منكَ قبلَ اليومِ مَعروفُ (٤) فرفع «معروفًا» بحرف الصفةِ - وهو مِنْ -، وهو لا شكَّ خَبَرٌ لـ (ذا)، وذكر أنَّ المفضلَ أنشده ذلك: لو أَنَّ ذا منكَ قبلَ اليوم معروفُ». (٥) وتقدير الآية على ما ذهب إليه الطبري: «ما كان لهم الخيرة فيه».

стр. 599

وقد تعقب ابن عطية الطبريَّ، وذكر أنه لا يتجه قوله في البيت إلا على رواية القاسم بن معن، ويكون في (كان) ضمير الشأن، فأما في الآية فلا، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها مجرور محذوف. (١) فهذا من الاستشهاد للمسائل النحوية عند الطبري وهو كثير. (٢) ٢ - وقال الطبري وهو يناقش قراءة حمزة لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٣): حيث قرأها: ﴿إِلَّا أَنْ يُخَافا﴾ اعتبارًا بقراءة ابن مسعود لها، فقال الطبري: «وقراءة ذلك كذلك اعتبارًا بقراءة ابن مسعود التي ذكرت عنه خطأ، وذلك أن ابن مسعود إن كان قرأه كما ذكر عنه، فإنما أَعملَ الخوفَ في أَنْ وحدَها، وذلك غيرُ مدفوعٍ صحتُهُ، كما قال الشاعر (٤): إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ ... تُروِّي عِظامي بعدَ موتي عُروقُها ولا تَدفِنَّنِي بالفلاةِ فإِنَّني ... أَخافُ إذا مَا مِتُّ أَلاَّ أَذُوقَها (٥) فأمَّا قارئهُ (إِلَّا أَنْ يُخَافا) بذلك المعنى، فقد أعمل في متروكةٍ تسميتُهُ، وفي «أَنْ» فأعمله في ثلاثة أشياء: المتروك الذي هو اسمُ ما لم يُسمَّ فاعله، وفي «أن» التي تنوب عن شيئين، ولا تقول العرب في كلامها: ظَنَّا أَنْ يقُوما. ولكن قراءة ذلك كذلك صحيحة، على غير الوجه الذي قرأه من ذكرنا قراءته كذلك، اعتبارًا بقراءة عبد الله الذي وصفنا، ولكن على أن يكون مرادًا به إذا قرئ كذكل: إلا أن يخافا بأن لا يقيما حدود الله، أو: على أن لا يقيما حدود الله، فيكون العامل في «أَنْ» غير الخوف، ويكون الخوف عاملًا

стр. 600

فيما لم يسم فاعله، وذلك هو الصواب عندنا من القراءة». (١) ٣ - أورد القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] (٢) ثم ذكر أقوال النحويين في إعراب: ﴿الَّذِينَ﴾ واستحسن قول الفراء (٣) والأخفش (٤) في كونها فاعلًا للفعل «أَسرَّ»، حيث دلَّلَ على صحة ذلك بورود ما يشبهه في القرآن الكريم، والشعر فقال: «وهو حَسَنٌ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] (٥) وقال الشاعر (٦): بِكَ نالَ النِّضالُ دونَ المساعِي ... فاهتدينَ النِّبالُ للأغراضِ (٧) وقال آخرُ (٨): ولكنْ دِيافِيٌّ أَبوهُ وأُمُّهُ ... بِحَورانَ يَعْصِرنَ السَّليطَ أَقَارِبُهْ». (٩) والبيت الأول لأبي تمام، وهو شاعرٌ مُحدَثٌ لا يستشهدُ بشعره في مثل هذه المسألة، ولكن القرطبي قرنه بالذي بعده وهو للفرزدق. والشاهد في البيت قوله: فاهتدينَ النِّبَالُ، قال التبريزي في شرحه: «قد مر القول في أَنَّهُ يُرَدِّدُ مثلَ هذا الفعلَ الذي يتقدمُ فيه الضميرُ قبلَ الذكرِ، وهو عَربيُّ إلا أَنَّه قليلٌ» (١٠). وأما الشاهد في البيت الثاني فقوله: يعصرن السليط أقاربُه. وهو من شواهد سيبويه (١١)، وشرحه البغدادي فقال: «فأقاربه فاعلُ يَعْصِرُ،

стр. 601

والنون علامةٌ لكونِ الفاعل جَمعًا، كتاء التأنيث». (١) وهذا الذي ذهب إليه البغدادي أحد الأوجه في إعراب هذه الجملة. وقد اشتهرت هذه المسألة عند النحويين بمسألة «أكلوني البراغيث». وقد ذكر السيرافي في شرح كتاب سيبويه: في قولهم: «أكلوني البراغيث». ثلاثة أوجه: أحدها: ما قاله سيبويه، وهو أنهم جعلوا الواو علامةً تؤذنُ بالجماعةِ وليست ضميرًا، ويكون الاسم الظاهر بعدها فاعلًا، وهذا الذي اختاره البغدادي كما تقدم. والثاني: أن تكون البَراغيثُ مبتدأً، وأكلوني خَبَرًا مُقدَّمًا، فالتقدير: البراغيثُ أكلوني. والثالث: أن تكون الواو ضميرًا على شَرطِ التفسيرِ، والبَراغيثُ بَدلًا من الضمير. (٢) الاستشهاد للوجه المرجوح . قد يورد المفسرون الشواهد من الشعر لبيان شاهد الوجه المرجوح ودليله الذي استدل به، إما نقلًا عن القائل به، أو نيابة عنه في ذلك لاستكمال أوجه المسألة. ومن أمثلة ذلك: ١ - ذكر الطبري أوجه القراءة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣) فذكرَ أَنَّ عامةَ قرأَةِ الحِجازِ والعراقِ قرأوا بالرفعِ ﴿إِلَّا أَنْ تكونَ تَجارةٌ حاضرةٌ﴾ وقرأها عاصمُ وحدَهُ بالنَّصْبِ (٤)،

стр. 602

فقال الطبري: «وانفرد بعضُ قرأة الكوفيين بقراءته بالنصب ... وذلك وإن كان جائزًا في العربية إذ كانت العرب تنصب النكرات المنعوتات مع «كان» وتضمر معها في «كان» مجهولًا، فتقولُ: إن كان طعامًا طيِّبًا فأتِنا بهِ. وترفعُها فتقولُ: إِنْ كانَ طعامٌ طيبٌ فأتِنا بهِ، فتُتْبِعُ النكرةَ خَبَرَها بِمثلِ إعرابِها- فإن الذي أختار من القراءة، ثم لا أستجيز القراءة بغيره، الرفع في «التجارة الحاضرة»؛ لإجماع القرأة على ذلك، وشذوذ من قرأ ذلك نصبًا عنهم، ولا يُعترضُ بالشاذِّ على الحُجَّةِ. ومِمَّا جاء نصبًا قول الشاعر (١): أَعَيْنَيَّ هَلاَّ تَبكيانِ عِفَاقا ... إذا كانَ طعنًا بينهمْ وعِنَاقا (٢) وقول الآخر (٣): وللهِ قَومي أَيُّ قَومٍ لِحُرَّةٍ ... إذا كان يومًا ذا كواكبَ أَشْنَعا (٤)». (٥) وهذانِ الشاهدان أوردهما الطبري لوجه النصب الذي ردَّ القراءة به، وعدَّ القراءةَ به شاذةً، مع أَنَّها قراءةٌ متواترةٌ وهي إحدى القراءات السبع. وقد انفرد الطبري برده هذه القراءاة، دون غيره من العلماء. (٦) والشاهد من المثال أنَّ الغرض من ذكر الطبري للشاهدين هو الاحتجاج لقراءةِ النَّصبِ، مع رده القراءة بها. وردُّه للقراءةِ غَيْرُ صحيحٍ، والقراءة متواترة السند، ولها وجهٌ صحيحٌ في العربية، كما في شواهد الشعر التي ذكرها وغيرها، وليس هذا موضع بسط ذلك.

стр. 603

٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] (١) ذهب الطبري إلى أَنَّ الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على الأشهر الأربعة، فيكون معنى الآية: فلا تظلموا في الأشهر الأربعة أنفسكم باستحلال حرامها. واستدل على صحة تفسيره هذا بأَنَّ الله قال: ﴿فِيهِنَّ﴾ وهذا الضمير يدل على جَمعِ القِلَّةِ ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولو كان المقصود فلا تظلموا في الاثني عشر شهرًا أنفسكم، لقالَ: فلا تظلموا فيها أنفسكم. (٢) غير أن الطبري ذكر أن الوجه الذي ردَّه جاء في لغة العرب على قلةٍ، فقال: «فإن قال قائل: فما أنكرت أن يكون ذلك كنايةً عن الاثني عشر، وإن كان الذي ذكرتَ هو المعروفُ في كلام العرب؟ فقد علمتَ أَنَّ من المعروف من كلامها إخراجُ كناية ما بين الثلاث إلى العشر بالهاء دون النون، وقد قال الشاعر (٣): أَصْبَحْنَ في قُرْحٍ وفي داراتِها ... سَبْعَ ليالٍ غَيْرَ مَعْلُوفاتِها (٤) ولم يقل: مَعْلوفاتهنَّ، وذلك كناية عن السَّبْعِ؟ قيل: إِنَّ ذلك وإِنْ كان جائزًا، فليس الأَفْصحَ الأعرفَ في كلامها، وتوجيهُ كلامِ الله إلى الأفصحِ الأَعرفِ، أولى من توجيههِ إلى الأَنكرِ». (٥) فقد أورد الطبري الشاهد للوجه المرجوح الذي ورد على قلةٍ في

стр. 604

اللغة العربية، ورجَّحَ الوجهَ الوارد في القُرآنِ؛ لأَنَّهُ هو الأعرفُ في العربيةِ. وهذا غرض من أغراض إيراد الشاهد النحوي عند المفسرين. وشواهد النحو كثيرة في كتب التفسير. (١) ثالثًا - الاستشهاد البلاغي . والمقصود بشواهد البلاغة، ما ورد من الشعر للاستشهاد على مسائل البلاغة، وإن كان ذلك من باب التمثيل لا الاستشهاد، ولكن تسميته بالشواهد من باب التجوز لما تقدم من أن البلاغة يستشهد لها بشعر الشعراء المتقدمين والمتأخرين لتعلق الأمر بالمعاني لا بالألفاظ، والمعاني مشاعة بين الجميع. (٢) وترد شواهد البلاغة في كتب التفسير لبيان جَمال التعبير في القرآن الكريم، وإبراز صوره البيانية، وأساليبه العالية. وقد حفلت كتب التفسير بكثير من الشواهد الشعرية ذات الصبغة البلاغية، وهي من الأغراض الأساسيةِ للشواهد الشعرية في كتب التفسير بصفة عامة، وتتفاوت كتب التفسير محل الدراسة في العناية بها وإبرازها، فأما الإمام الطبري فقد تعرض لكثير من مسائل البلاغة في تفسيره، وأورد في أثناء كلامه كثيرًا من شواهد البلاغة، غير أنه لم يدخل في تفسيره شاهدًا شعريًا لشاعرٍ متأخرٍ عن عصور الاحتجاج، ولذلك كانت شواهده البلاغية من الشواهد المتقدمة للجاهليين والإسلاميين. وأما الزمخشري فقد فاقت الشواهد البلاغية في تفسيره غيرها من

стр. 605

الشواهد، وقد عُنِيَ ببيانِ أوجه شواهده البلاغية، وقد أخذ كثيرًا من شواهد سيبويه النحوية واستخدمها في مسائل بلاغية في تفسيره، ومن أمثلة ذلك، قول النابغة الذبياني: ولا عيبَ فيهِمْ غيرَ أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائِبِ (١) فقد قاس عليه الزمخشري أكثر من آية في الاستثناء من الشيء بما يشبه نقيضه. ومن ذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢] (٢) حيث قال: «أي: إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوًا فلا يسمعون لغوًا إلا ذلك، فهو من وادي قوله ... ». (٣) وذكر الشاهد. وقال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ [الأعراف: ١٢٦] (٤) قال الزمخشري: «أرادوا وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها وهو الإيمان ومنه قوله ... » (٥) وذكره. وكرر الاستشهاد به على هذا الوجه، في مواضع من تفسيره. (٦) في حين أورده سيبويه في الكتاب شاهدًا على الاستثناء المنقطع، بنصب غير على الاستثناء، ومعناه: أي ولكن سيوفهم بهن فلولٌ. (٧) ومن أمثلة الاستشهاد البلاغي في كتب التفسير ما يأتي: ١ - ذكر الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] (٨) أنَّ «العرب تضربُ لِمَن سعى فيما لا يدركه مَثَلًا، بالقابض على الماء، قال بعضهم (٩):

стр. 606

فإِنِّي وإِيَّاكُمْ وشَوقًا إليكمُ ... كَقابضِ مَاءٍ لم تسقه أَنامِلُه (١) يعني بذلك أنه ليس في يده من ذلك إلا كما في يد القابض على الماء؛ لأن القابض على الماء لا شيء في يده، وقال الآخر (٢): فأَصْبحتُ مِمَّا كانَ بَيْنِي وبَيْنها ... مِن الوُدِّ مثلَ القَابضِ الماءَ باليَدِ». (٣) ففي هذين الشاهدين البلاغيين دلالة التشبيه، وقد شرح الطبري الأول منهما، وهذا منهج عند الطبري أن يشرح الشاهد الأول ويترك ما بعده استغناء بشرح الأول، وثقةً بفطنةِ القارئ. ٢ - وعند قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٢] (٤) فَسَّر ابن عطية السماءَ بأنَّها بِمعنى السَّحاب، وأنه: «سُمِّي بذلكَ تَجوُّزًا، لَمَّا كان يَلي السماءَ ويُقاربُها، وقد سَمُّوا المطرَ سَماءً للمُجاورةِ، ومنه قول الشاعر (٥): إذا نَزَلَ السماءُ بأَرض قَومٍ ... رَعيناهُ وإنْ كانوا غِضابا (٦) فتجوزٌ أيضًا في «رعيناهُ»، فبتوسط المطرِ جَعلَ السماءَ عُشبًا». (٧) وابن عطية يشير إلى ما يسميه البلاغيون المَجازُ المرسل وإن لم ينص عليه بالاسم، ومعنى البيت: إذا سقط المطرُ بأرض قومٍ فأخصبت بلادُهم، وأجدبتْ بِلادُنا، سِرْنا إليهم ورعينا نباتَهم، وإن غضب أهلها لم نُبالِ بذلك لِعزِّنا. والضمير في قوله: «رعيناه». كأَنَّه عائدٌ إلى السماء التي بِمعنى المطرِ، سُمِّي النباتُ به لأنهُ سببُ حُدُوثه بأمر الله.

стр. 607

وربما ورد الشعر في أثناء القصص والحوادث التاريخية ونحوها، مما لا يعد غرضًا قائمًا برأسه، أو يدخل تحت الشواهد التاريخية، وقد سبقت الإشارة إليها في أنواع الشواهد الشعرية، وليست من مقصود البحث. الغرض الثاني: التمثل بالشعر . التَّمَثُّلُ تَفَعُّلٌ من تَمَثَّلَ إذا أَنشدَ بيتًا من الشعر ثم آخر. (١) والتمثل بالشعر باب واسع، أوسعُ من المَجازاتِ والكِنايات، وهو بابُ الإشارات التي قد تكون قريبةً، وقد تكون بعيدةً، ويقوم هذا البابُ على انتزاع الشعر من دوائر السياق، ونفض بعض دلالاته، وإصباغِ دلالات جديدة عليه، والخروج بالمعاني إلى مساحاتٍ أوسع، وفضاءاتٍ أَشْمل. وقد ذكر عبد القاهر الجرجاني وهو يدافع عن الشعر أنَّ الحسن البصري ﵀ كان يتمثل في مواعظه بالأبيات من الشعر، وكان من أوجعها عنده: اليومَ عندَكَ دَلُّها وحَديثُها وغدًا لِغَيْرِكَ كَفُّها والمِعْصَمُ (٢) وهذا البيت قيل في مَذمَّةِ النساء، ولكنَّ الحسن البصريَّ كان ينقله إلى معانٍ أُخرى في الحث على الزهد في الدنيا، وتراهُ أَهملَ الدَّلَّ والدلالَ في البيت، وجعل ذلك كلَّهُ إشاراتٍ إلى ما يَملكُ على المرء قلبَهُ، من دُنيا، أو جاهٍ، أو مالٍ، أو ولدٍ أو نحو ذلك. وهذا هو المقصود بالتمثلِ بالشعرِ. وليس هو من ضرب الأمثال وإرسالها فذاك باب آخر غير هذا. وذكر الزمخشري بيتين للمأمون كان يتمثل بهما في أخيه الأمين هُما:

стр. 608

يا صاحبَ البَغْي إِنَّ البَغيَ مَصْرَعةٌ ... فارْبَعْ فخيرُ فِعالِ المرءِ أَعدلُهُ فلو بَغَى جَبَلٌ يومًا على جَبَلٍ ... لانْدَكَّ منه أَعاليهِ وأَسفلُهُ (١) ولا يُشترطُ في التمثُّلِ بالشعرِ أن يكون بالشعر المحتج به في اللغة والنحو، وإنما يُتمثَّلُ بكل بيتٍ من الشعرِ حَمَل معنىً شريفًا، أو كان له مناسبةٌ تَعرِضُ في كتب التفسير، ولذلك يتمثل الزمخشريُّ والقرطبي وغيرهما بشعر المُحدثين والمعاصرين. والتمثل بالشعر في كتب التفسير يكثر عند الزمخشري والقرطبي، ويقل عند ابن عطية، وينعدم عند الطبري. وليس هذا الغرض من أغراض الشاهد الشعري الأصلية التي يدرسها هذا البحث، فليس له ضابط متفق عليه عند العلماء، وإنما هو من الخواطر التي ترد على ذهن المفسر، وتعتمد على سعة محفوظه من الشعر، بخلاف الاستشهاد الذي قيده العلماء وضبطوه بضوابط وشروط لقبوله وصحته. ومن أمثلة التمثل بالشعر في كتب التفسير ما يلي: ١ - قال الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ [يس: ٤٤] (٢): «إلى أَجَلٍ تَموتون فيه لا بُدَّ لهم منه بعدَ النجاةِ من مَوْتِ الغَرَقِ. ولقد أحسن من قال (٣): ولم أَسْلَمْ لكي أَبْقَى ولكنْ ... سَلِمْتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ (٤)». (٥) فقد تمثل الزمخشري ببيت المتنبي لمناسبته لمعنى الآية، فكما أن الآية تدل على أن من ينجو من عذاب الله بالغرق لن ينجو من الموت إذا

стр. 609

حان الأجل، فكذلك بيت المتنبي يحمل المعنى نفسه، وهو أن الذي ينجو من المرض بالشفاء، فإنما هي نجاة مرهونة بحلول الأجل والموت. ٢ - ومن الأمثلة قول القرطبي وهو يفسر معنى وصف الله للنبي ﷺ بالعبد، فقال: «وقال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال، والتسمي بها أشرف الخطط، سَمَّى نبيَّه ﷺ عبدًا، وأنشدوا: يا قومُ قَلبي عندَ زهراءِ ... يعرفهُ السامعُ والرَّائي لا تدْعُنِي إِلا بيَا عَبدَها ... فإِنَّهُ أشرفُ أَسْمائي (١)» (٢). وهذا من القرطبي تَمثلٌ بهذين البيتين لا استشهاد به، وأكثر من يستشهد بها أهل التصوف (٣). ويكثر عند المفسرين من أهل التصوف أيراد الشعر لأغراض خاصة بأهل التصوف، ولهم في ذلك اصطلاحات خاصة بهم، ويكثر هذا عند أهل التفسير الإشاري، ومعظم هذه الأشعار تشتمل على معاني الحب والشوق والغرام، وغرضهم من إيرادها ليس المعاني الظاهرة من الشعر، وإنما معاني أخرى، هي معاني التعلق بالله، والشوق إليه، وهذا دأب أهل التصوف فإنهم يُكثرونَ من الاستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني العلمية والعملية، ويجري ذلك في كتبهم، وفي بيان مقاماتهم، «فينتزعون معاني الأشعار، ويضعونها للتخلق بمقتضاها، وهو في الحقيقة من المُلَحِ؛ لما في الأشعار الرقيقة من إمالة الطباع، وتحريك النفوس إلى الغرض المطلوب، ولذلك اتخذه الوعاظ ديدنًا، وأدخلوه في أثناء وعظهم» (٤).

стр. 610

ومن هذه التفاسير تفسير «لطائف الإشارات» للقشيري (ت ٤٦٥) الذي لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من التمثل بالشعر. ومن أمثلة ذلك في تفسير القشيري عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] (١) قال القشيري: «إِنَّما يُحمَلُ جَميلُ المِنَّةِ من الحق سبحانه، فأمَّا من الخلق فليس لأحدٍ على غيره مِنَّةً، فإِنَّ تَحمُّلَ المِنَنِ من المخلوقين أَعظمُ مِحْنةً، وشهودَ المِنَّةِ من الله أعظمُ نعمةٍ، قال قائلهم (٢): ليسَ إجلالُكَ الكبارَ بِذُلٍّ ... إِنَّما الذُّلُّ أَنْ تُجِلَّ الصغارا (٣)» (٤). والأمثلة على ذلك عند القشيري كثيرة (٥)، وقد بلغ عدد الشواهد الشعرية في تفسير القشيري (٦٨٣) شاهدًا شعريًا ساقها كلها مساقًا إشاريًا، غير المعنى الظاهر منها.

стр. 611

الفصل الثاني: مناهج أصحاب كتب المعاني والغريب . المبحث الأول: المقصود بأصحاب كتب المعاني وأصحاب كتب الغريب. المبحث الثاني: الفرق بين كتب المعاني وكتب الغريب. المبحث الثالث: منهج أصحاب المعاني والغريب في إيراد الشاهد الشعري. المبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عند أصحاب المعاني والغريب. المبحث الخامس: منهج أصحاب المعاني والغريب في توثيق الشاهد الشعري. المبحث السادس: الفرق بين مناهج أصحاب هذه الكتب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري. المبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند أصحاب المعاني والغريب.

стр. 612

المبحث الأول: المقصود بأصحاب كتب «معاني القرآن» و «غريب القرآن» . صنَّفَ المتقدمون من عُلماءِ اللغة كتبًا في تفسير القرآن الكريم وبيان معانيه، وكانت هذه المصنفات إجابةً لحاجة المتأدبين، وما يدور في مجالس العلم والأدب، ومجالس الخلفاء والأمراء (١)، عن مسائل تتصل بالقرآن الكريم ومعانيه وإعرابه، فتصدى العلماء حينها لوضع هذه المصنفات، وتعددت أسماءُ هذه المصنفات في القرن الثاني للهجرة، فسَمّاها بعضهم «معاني القرآن» وقد ذُكِرَت مصنفاتٌ بهذا العنوان لأبي عبيدة والفراء والأخفش والكسائي والرؤاسي وغيرهم، وقد أحصاها بعض الباحثين فبلغت أربعة وثلاثين مصنفًا (٢)، ومنهم من صنف تحت اسم «غريب القرآن»، وهم كثير، وقليل منهم من خرج عن هذه التسمية وإن كان المضمون متشابهًا. (٣) وقد تعرض البحثُ لدراسة مناهج مؤلفي عدد من كتب معاني القرآن وغريبه في الاستشهاد بالشاهد الشعري، وأثر الشاهد الشاهد الشعري في هذه الكتب، لكونِها تُمثِّلُ النواةَ الأُولى لكتب التفسير المطولة (٤)، وهي

стр. 613

أهم مصادر التفسير اللغوي للقرآن الكريم. (١) وقبل الشروع في تناول المباحث المتعلقة بمناهجهم أُبَيِّنُ المقصودَ بـ «معاني القرآن» و «غريب القرآن» في اللغة والاصطلاح. أولًا: كتب معاني القرآن . أ - التعريف اللغوي: ترجع دلالة كلمة «معنى» في اللغة إلى ثلاثة أصول، منها ظُهورُ شَيءٍ وبُروزُه (٢)، ولا يَحصلُ إِلا بعد البحثِ والتفتيشِ عنهُ، ولذلك يقول ابن فارس: «والذي يدل عليه قياسُ اللغة أَنَّ المعنى هو القصدُ الذي يَبْرُزُ ويظهرُ في الشيء إذا بُحِثَ عنه. يقال: هذا معنى الكلامِ، ومَعنى الشِّعْرِ، أي: الذي يَبْرُزُ من مَكنونِ ما تضمَّنَه اللفظُ». (٣) والمعنى في اللغة هو إظهار ما تضمنه اللفظ بعد البحث وبيان المراد منه. (٤) وقد رُوي عن ثعلب أنَّ المَعنى، والتفسير، والتأويلَ واحدٌ (٥)، في حين فرَّق بينها آخرون منهم السمينُ الحلبي بقوله: «والفرق أن التفسير هو الكشف والإيضاح ... وقد يطلق المعنى على مدلول الألفاظ، وبه يُقابلُ اللفظُ، فيقالُ: معنى كذا وكذا. وقد يراد به التقدير، كقولهم: واسأل القرية، أي أهل القرية». (٦) ولعلَّ ابنَ فارسٍ (ت ٣٩٥) كان أقربَ إلى الصواب حين قال: «معاني العبارات التي يُعبَّرُ بِها عن الأشياءِ، ومرجعُها إلى ثلاثةٍ، وهي

стр. 614

المعنى، والتفسير، والتأويل، وهي وإِنْ اختلفت، فالمقاصدُ بها متقاربة». (١) فهي ليست مترادفة لاختلافها من حيث الدلالة الدقيقة، وإنما متقاربة في دلالتها العامة. ب - التعريف الاصطلاحي: لم أجد للمتقدمين تعريفًا لمعاني القرآن على أنه اصطلاح، غير أنَّ النحاس الذي صنَّفَ كتابَه بعد أن اتضحَ المقصودُ بِمعاني القرآن في القرن الرابع الهجري، قد بَيَّن غايته مِنْ تصنيفِ كتابه «معاني القرآن» فقال في مقدمته: «قصدتُ في هذا الكتابِ تفسيرَ المعاني، والغريبَ، وأحكامَ القرآنِ، والنَّاسخ والمنسوخ عن المتقدمين من الأئمة، وأذكرُ من قول الجِلَّةِ من العلماء باللغةِ، وأهلِ النَّظَرِ ما حضرني، وأُبَيّنُ تصريفَ الكلمة واشتقاقها - إن علمتُ ذلك - وآتي من القراءات بِما يُحتاجُ إلى تفسير معناه، وما احتاجَ إليه المعنى من الإعراب، وبما احتجَّ به العلماءُ في مسائلَ سألَ عنها المُجادلونَ، وأُبَيِّنُ ما فيه حذفٌ، أو اختصارٌ، أو إطالةٌ لإفهامه، وما كان فيه تقديمٌ أو تأخيرٌ، وأشرحُ ذلك حتى يتبينه المتعلمُ، وينتفع به، كما ينتفعُ به العالِمُ». (٢) فقد أدخل النحاسُ في كتابه المعاني: التفسيرَ، وشرحَ الغريبِ، وبيان أحكام القرآن الفقهية باختصار، وذكر الناسخ والمنسوخ من الآيات، وبَيَّنَ اشتقاقَ المفردات، وذكر مسائل من مسائل البلاغة كالحذف والاختصار، والتقديم والتأخير، وغير ذلك من المسائل التي

стр. 615

هي ما اشتملت عليه كتب التفسير في زمنه كتفسير الطبري الذي يعد من مصادره التي اعتمد عليها. وقد عرَّفَه بعضُ الباحثين بأَنَّه «علمٌ يُعْنَى بشرحِ اللفظ القرآني، والاستدلال عليه، وفَهْمِ تركيبه اللغويِّ، وما لَهُ من مَعانٍ واستعمالاتٍ في اللسان العربي، وبخاصةٍ ما أشكلَ منه، واحتاجَ إلى فهمهِ بعض العناء، كما يُعنَى ببيانِ غريبِ إعرابِ القرآن، وإبرازِ ما فيه من نُكَاتٍ وفوائد واستنباطات». (١) وعرَّفه باحثٌ آخر بأَنَّه «البيانُ اللغويُّ لألفاظِ وأساليبِ العربيةِ الواردة في القرآن» (٢) والتعريف الأول يصف مضمون الكتب التي صنفت باسم معاني القرآن، وفي إطلاقه عليه صفة «علم» شيءٌ من التجوزِ في العبارةِ، إذ إنه ليس علمًا بالمعنى الاصطلاحي لَهُ حدٌّ وثَمَرةٌ وموضوع يختص بها دونَ غيره، فلا تنطبق عليه شروط ما يُسمَّى عِلْمًا، كما في علم الفقه والنحو وغيرها (٣)، ومسائله مشتركة بين علم اللغة والنحو والتفسير، وإن كان إفراد العلماء لذكر المصنفات التي صنفت باسم معاني القرآن يوحي باستقلاله، إلا أَنه لم يحظ بالتفرد كعلم له سماته وحدوده حتى اليوم، وإنما صنفت بعض المصنفات تحت هذا الاسم ثم توقفت عام ٥٥٣ هـ بوفاة النيسابوري صاحب «إيجاز البيان». (٤) في حين استمر التصنيف في معاني القرآن بمعناها الواسع حتى اليوم في التفسير وغيره. ويؤخذ على التعريف الثاني قصره تعريف «معاني القرآن» على بيان

стр. 616

الدلالة اللغوية للقرآن الكريم دون غيرها، وربَّما يصحُّ هذا في مصنفات الطور الأول دون ما بعده، حيث صُنِّفَتْ كتبٌ في معاني القرآن اشتملت على الروايات المأثورة عن السلف في التفسير كما صنع أبو عبيد القاسم بن سلَّام (ت ٢٢٤) عندما شرع في عمل كتابه «معاني القرآن» وبلغ إلى سورة الحج أو الأنبياء، حيث إِنَّه جَمَع إلى ما في كتب «معاني القرآن» السابقة عليه ذكر الآثار وتفاسير الصحابة والتابعين والفقهاء بأسانيدها. (١) ويُعدُّ كتابُ «معاني القرآن» لأبي عُبيدٍ مرحلةً فارقةً بين مصنفات معاني القرآن في طورها الأول على يد أبي عبيدة والفراء وطبقتهما، ومن بعدهم، حيث اقتصر الأوائل على جانب اللغة والنحو في بيان دلالة ألفاظ القرآن وتراكيبه، فجاء فأضاف روايات السلف وتفاسيرهم، وحاول بذلك تجاوزَ المآخذِ التي أُخذت على أَبي عبيدةَ والفراء في كتبهم. ثم جاء بعد ذلك الزجاج (ت ٣١١)، والنحاس (ت ٣٣٨) في «معاني القرآن» فسارا على منهج أبي عبيد، في ذكر روايات السلف، غير أن عناية النحاس بها أكثر، حيث نصَّ على ذلك في مقدمته. وقد سُئِلَ أبو عمرو بن الصلاح (ت ٦٤٣) عن هذا المصطلح الذي يتكرر في بعض كتب التفسير فقال: «وحيث رأيتَ في كتب التفسيرِ «قال أهلُ المعاني» فالمرادُ به مُصنفو الكُتبِ في معاني القرآنِ، كالزجَّاجِ ومَنْ قَبله ... وفي بعض كلام الواحدي: أَكثرُ أهلِ المعاني: الفراءُ والزجاجُ وابن الأنباري قالوا كذا». (٢) وهذا الذي ذكره ابن الصلاح بيانٌ للمقصودِ

стр. 617

بأهل المعاني عند ذكر بعض المفسرين المتقدمين لهم، وليس تعريفًا اصطلاحيًا للمقصود بِمعاني القرآني. أكثر المفسرين ذكرًا لعبارة «أهل المعاني»: اشتهر عددٌ من الصحابة والتابعين بِمعرفتهم للتفسير، وفهمهم للقرآن كعلي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما ﵃، وبهم بدأ علم التفسير يَبْرُزُ ويظهر، وصار لعلم التفسير حلقاتهُ وشيوخهُ وصُحُفُه المكتوبة منذ وقتٍ مُبَكرٍ، وكانوا يسمونهم «أهل التفسير»، ولَمّا صنَّفَ اللغويون من أهل القرن الثاني ومن بعدهم في بيان معاني القرآن الكريم لم يسموا كتبهم بتفسير القرآن، وإنما أطلقوا عليها أسماء أخرى أشهرها معاني القرآن. فعرفوا بأصحاب المعاني في كتب التفسير بعد ذلك. وقد تتبعتُ كتب التفسير المطبوعة المتقدمة على ابن الصلاح (ت ٦٤٣)، فوجدت أكثر من يكرر عبارة «قال أهل المعاني» من المفسرين (١) أبا المظفر السمعاني (ت ٤٨٩) (٢)، ثم جاء بعده الإمام البغوي (ت ٥١٠) (٣) فكرر

стр. 618

مثل هذه العبارة، وبعده الإمام ابن الجوزي (ت ٥٩٧) (١)، ثم الرازي (ت ٦٠٦). (٢) وبعد ابن الصلاح كان القرطبيَّ (ت ٦٧١) (٣)، من أكثر من يكرر هذه العبارة في تفسيره، ويذكرها غيرهم من المفسرين على قلةٍ. (٤) ولم أجد الطبري ذكر أهلَ المعاني في تفسيره، مع كثرة تكراره لكلمة المعاني جَمع مَعنى، ومثله ابن عطية فلم يذكرها إلا مرة واحدة نقلًا عن مكي بن أبي طالب. وأما الزمخشري فقد استعمل كلمة المعاني جمعًا للمعنى، واستعمل كلمة أصحاب المعاني ويعني بها العِلْمَ المعروف في البلاغة، وهو «عِلْمٌ يُعرفُ به أحوالُ اللفظ العربي التي بِها يُطابقُ مقتضى الحال». (٥) وقد أشار في مقدمة تفسيره إلى أهميته للمفسر وبالغ في ذلك. المقصود بأهل المعاني عند المفسرين: يظهر من تتبع إطلاق المفسرين المتقدمين لهذه العبارة أن المراد بها أوسعُ مِن المُصنِّفينَ تَحتَ اسم «معاني القرآن»، وإنما يعنون بها مَنْ تكلَّمَ في المعاني الدقيقة لآيات القرآن الكريم، والتي تَحتاجُ إلى دقةٍ في الاستنباط. فكأَنَّ المقصود بأهلِ المعاني أَهلُ التحقيق والنظر الدقيق دون

стр. 619

غيرهم مِمَّنْ تكلم في تفسير القرآن. سواء كان طريق الوصول لهذه المعاني الدقيقة هو اللغة، أو الجمع بين آيات القرآن، أو الاستدلال بدليلٍ خارجٍ عن ذلك على معنى من المعاني. وقد تنبه مُحققو كتاب «معاني القرآن» للفراء لهذا عندما أشاروا إلى أَنَّ «هذا التركيبَ يُعْنَى بهِ ما يُشْكِلُ في القرآنِ، ويَحتاجُ إلى بعضِ العناءِ في فَهمهِ، وكان هذا بإزاءِ معاني الآثارِ، ومعاني الشِّعْرِ، أو أبيات المعاني». (١) وقد تتبعت إطلاقات المفسرين لعبارة أهل لمعاني، فوجدت المقصود بها لا يخرج عن الأصناف التالية: ١ - المصنفين لكتب «معاني القرآن». وهذا يصدق عليه قول ابن الصلاح السابق، ومن ذلك قول السمعاني الذي يُعَدُّ من أول من أكثر من ذكر هذه العبارة، فقد وردت عنده في ثلاثةٍ وخَمسينَ موضعًا، منها مواضع ذكر فيها صراحةً المقصودَ بأهل المعاني وأنهم المصنفون لكتب المعاني، مثل قوله: «وهذا قول الفراء والزجاج وأكثر أهل المعاني». (٢) ٢ - المفسرين. وقد يطلق المفسرون هذه العبارة، ويقصدون بها المفسرين على وجه العموم، سواء كانوا من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم. ومن ذلك قول الرازي: «أما قوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)﴾ [الانشقاق: ١٨] (٣) فاعلم أن أصل الكلمة من الاجتماع، يقال: وَسَقْتُه فاتَّسَقَ، كما يقالُ: وصلتُه فاتَّصلَ، أي جَمعتُه فاجتمع ... وأما أهلُ المعاني فقال ابن عباس: ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ أي: استوى واجتمعَ، وتكاملَ، وتَمَّ واستدارَ،

стр. 620

وذلك ليلة ثلاثة عشر إلى ستة عشر». (١) فأدخل ابنَ عباسٍ مع أهل المعاني، وهو من الصحابة ولم ينسبه أحد إلى أهل المعاني ممن ترجم له، ولكن لأَنَّه ممن تكلم في معاني الآيات وتفسيرها، صح إطلاق ذلك عليه باعتبار ما نقل عنه من التفسير والنظر الدقيق. وربما أطلقوها على مفسري التابعين، كما في قول القرطبي: «وقال جَماعةٌ من أهلِ المعاني منهم الضحاكُ والفراء في قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] (٢) على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجب الرتبة. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تَنْزِل من السماء». (٣) والضحاك (ت ١٠٥) متقدمُ الوفاةِ، ويُعدُّ في طبقة مفسري التابعين (٤) ولكن لكلامه عن معاني الآيات أدخله مع أهل المعاني كالفراء. وربما قصدوا بها عموم أهل التفسير، كما في قول السمعاني: «وذكر الفراء عن بعض أهل المعاني أن معنى الآية يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يستمعونَ، وسائرُ النحاةِ أنكروا تقدير الباء ها هنا». (٥) وعندما رجعت لقول الفراء إذا هو يقول: «وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] (٦) على وجهين: فَسَّرهُ بعضُ المفسرين: يُضاعفُ لهم العذابُ بما كانوا يستطيعونَ السمع ولا يفعلون». (٧) وكثيرًا ما ينسب السمعاني قولًا لأهل المعاني، وهو قول المفسرين، ومن ذلك قوله: «قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] (٨) قال أبو عبيدة: معناه إِلَّا الذينَ ينتسبونَ إلى

стр. 621

قومٍ، وأنشد فيه قول الشاعر (١): إذا اتصلَتْ قَالت: أَبَكْرَ بنَ وَائلٍ ... وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَوَاغِمُ (٢) يعنى إذا انتسبت تلك القبيلة. وأنكرَ أهلُ المعاني هذا على أبى عبيدةَ، وقالوا هذا لا يستقيم في معنى هذا الاستثناء المنعُ من القتلِ، وما كان المنعُ لأجلِ النسبةِ فإِنَّ النبيَّ ﷺ كان يقاتل المشركين من قريش وإن كانوا من نسبه بل معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ [النساء: ٩٠] أَي: يُخالطونَ ويتصلونَ بقومٍ كان بينهم وبين النبي ﷺ موادعةٌ وعهدٌ». (٣) والذين أنكروا هذا على أبي عبيدة هم المفسرون كالطبري. (٤) ٣ - اللغويين والنحويين. رُبَّما يعبر المفسرون كالسمعاني بأهل المعاني بما يوحي أنه يعني به النحويين خاصة في مثل قوله: «قال أهل المعاني من أرباب النحو» (٥) ومثل ذلك قول ابن جُزَيٍّ الكلبي: «وصنف في معاني القرآن جماعة من النحويين كأبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي جعفر النحاس». (٦) وقال الرازي: «وهذا قولُ جَميعِ أهل المعاني والعربية». (٧) ولذلك عَرَّفت مُحققةُ «معاني القرآن» للأخفش معانيَ القرآنِ بأَنَّهُ: «التفسير النحوي للقرآن». (٨) ٤ - البلاغيين. وربما عنى المفسرون بأهل المعاني أهل العناية بالبحث في بلاغة القرآن خاصة، ولا سيما ما سُمِّي بعلم المعاني منه، وكثيرًا ما ينقل

стр. 622

المفسرون عن أهل المعاني استنباطات بلاغية من تعبير القرآن تدل على إعجاز القرآن البلاغي، ومن أدلة ذلك قول الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (١): «اتفق المفسرون على أن كلمة «عسى» من الله واجبٌ، قال أهلُ المعاني: لأَنَّ لفظة «عسى» تفيدُ الإطماعَ، ومن أطمعَ إنسانًا في شيءٍ ثم حَرَمَهُ كان عارًا، والله تعالى أكرمُ مِنْ أَنْ يُطمعَ أحدًا في شيء ثم لا يعطيه ذلك». (٢) وأما المفسرون المتأخرون فمِمَّن كرَّر هذه العبارة الإمام الشوكاني (ت ١٢٥٠)، في سبعة مواضع من تفسيره، وهو ناقل لأكثرها من عبارات المتقدمين، وفيها مواضع عَنَى بِها أهلَ «علم المعاني» أحدِ علومِ البلاغة الثلاثة كما تقدم. (٣) ثم جاء الألوسي (ت ١٢٧٠) في تفسيره، فكرر هذه العبارة ستًا وعشرين مرةً وهو يريدُ بِها أهلَ عِلمِ المعاني أحدِ عُلومِ البلاغةِ دون غيرهم. (٤) ٥ - أهل الاستنباط. من خلال التأمل في المقصود بعبارة «أهل المعاني» في كتب التفسير المكثرة من استعمالها، ما يؤكد أن المقصود بها أهل الاستنباط للمعاني الدقيقة من الآيات القرآنية من أهل اللغة والنحو وأهل التفسير على حد سواء. (٥) وأغلب من ينصرف له إطلاق الرازي لهذا المصطلح

стр. 623

هو من تنسب له أقوال في استخراج المعاني الدقيقة من الآيات سواء عن طريق اللغة أو غيرها، ويدخل أصحاب كتب المعاني في ذلك دخولًا أوليًا لعنايتهم بذلك. وفي تعبير مكي بن أبي طالب ما يدل على ما تقدمَ مِنْ أنَّ أهلَ المعاني ليس مُختصًا بأهلِ اللغةِ خاصةً، وإنما يشمل مَنْ تكلَّم في لغة القرآن وإعراب الآيات ومعانيها وأحكامها حيث قال ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] (١) الآية: «قال مكيُّ بنُ أبي طالب ﵁: هذه الآياتُ عند أهل المعاني مِنْ أَشكَلِ ما في القرآن إعرابًا ومعنىً وحكمًا». (٢) وقد أدخل المصنفون في معاني القرآن إعراب القرآن في مصنفاتهم، وبعضهم نص على ذلك في عنوانه كالزجاج، وبعضهم لم يشر إلى ذلك كأبي عبيدة، والأخفش. مما يعني دخول إعراب القرآن في معاني القرآن. (٣) أما النَّحاسُ فقد أفرد لكلٍّ منهما كتابًا مختصًا به، ولعله أول من فعل ذلك بشكل ظاهر، فقد خصص كتابه «معاني القرآن» لبيان المعاني وقد سبق نقلُ كلامهِ في تقديم الكتاب، وخصَّ «إعراب القرآن» بإعرابِ القُرآنِ ومسائلِ النحو فيه، فقال في مقدمته: «هذا كتابٌ أذكرُ فيه - إن شاء الله- إعرابَ القرآن، والقراءات التي تَحتاجُ أن أُبيّنَ إعرابَها والعِللَ فيها، ولا أُخليه من اختلاف النحويين، وما يُحتاجُ إليه من المعاني، وما أجازه بعضهم ومنعه بعضُهم وزيادات في المعاني وشرح لها، ومن

стр. 624

الجموع واللغات، وسَوقِ كلِّ لغةٍ إلى أصحابها». (١) ومِمّا يؤكدُ تفريقه بين إعراب القرآن ومعانيه إشارته إلى أنه ذكر في إعراب القرآن «ما يُحتاجُ إليه من المعاني» دون الاستطراد فيها، وقوله بعد ذلك: «ولعلَّه يَمرُّ الشيءُ غَيْرَ مُشْبَعٍ، فيتوهمُ متصفحهُ أنَّ ذلك لإغفالٍ، وإنما هو لأَنَّ له موضعًا غير ذلك، ومذهبُنا الإيجازُ، والمَجيءُ بالنُّكتةِ في موضعها من غير إطالةٍ، وقصدنا في هذا الكتابِ الإعراب وما شاكلَه». (٢) وهذا تفريق واضح بين إعراب القرآن ومعاني القرآن، وكأنه يعني بالمواضع اللائقة التي ترك التفصيل فيها في كتابه هذا ما فَصَّلَه في كتابه الآخر «معاني القرآن»، حيث قد صنف «معاني القرآن» قبل «إعراب القرآن»، بدليل أنه قد وردت إحالات كثيرة في «إعراب القرآن» إلى «معاني القرآن». (٣) - المطبوع من كتب «معاني القرآن»: أفرد المؤلفون في أسماء الكتب معاني القرآن بالذكر، وذكروا عددًا من المصنفات فيه طُبع منها عددٌ قليلٌ، وفُقِد أكثرُها. فمِمّا طبع منها الكتب التالية: - معاني القرآن للفراء (ت ٢٠٧ هـ). (٤). - معاني القرآن للأخفش (ت ٢١٥ هـ) (٥). - معاني القرآن وإعرابه للزجاج (ت ٣١١ هـ) (٦).

стр. 625

- معاني القرآن للنحاس (ت ٣٣٨ هـ) (١). - إيجاز البيان في معاني القرآن للنيسابوري (ت ٥٥٣). (٢) وأما المفقودة فكثيرة أولُها لواصلِ بن عطاء المعتزلي (ت ١٣١)، وأبان بن تغلب (ت ١٤١)، وغيرهم. (٣) ويُعدُّ كتاب «معاني القرآن» ليحيى بن زياد الفراء (ت ٢٠٧) من أهم كتب المعاني التي طُبعت، وهو أقدمُ كتابٍ مطبوعٍ يُمثِّلُ المذهبَ الكوفيَّ في النحو، وقد اعتمد عليه الدارسون للمدارس النحوية لتبين معالم منهج المدرسة الكوفية (٤)، ونظرًا لمكانة مؤلفه، وكثرة شواهده الشعرية التي بلغت (٧٨٥) شاهدًا، فقد خصصته بدراسة منهجه في الاستشهاد بالشاهد الشعري، ومدى اعتماده على شواهد الشعر، وأغراض الاستشهاد بالشعر فيه، وبيان أثره في كتب التفسير التي صُنِّفتْ بعدَه فيما يخص الاستشهاد بالشعر في بيان معاني القرآن. وهناك كتاب آخر قريب الصلة بكتب معاني القرآن، وهو كتاب «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة، وهو حافلٌ بالشواهد الشعرية، حيث بلغت شواهده (٣٣٩) شاهدًا شعريًا، مِمّا جعلني أضيفه للكتب التي درستها في هذا البحث، لعلاقته بها من حيث بيان معاني الآيات المشكلة على وجه الخصوص، وكثرة الاستشهاد على ذلك بالشعر. ومُشْكِلُ القرآن ما أَشْكَلَ فهمُه والتبَسَ لدخولهِ في شَكْلِ غَيْرِه، وهو

стр. 626

مأخوذ من الشَّكْلِ الذي هو المِثْلُ والشِّبْهُ. (١) ثم يقال لما غمض وإن لم يكن غموضه لإشكاله مُشكِلًا. وقد صنفت كتب مشكل القرآن للرد على الطاعنين في القرآن لسوء فهمهم لبعض آياته التي قد يلتبس فهمها على من لا علم عنده، ولذلك صنف أبن قتيبة وغيره من العلماء كتبًا في بيان مشكل القرآن. وقد اخترت كتاب ابن قتيبة لوفرة شواهده، وتقدمه، واعتماد العلماء عليه في مصنفاتهم وتفاسيرهم. (٢) ثانيًا: كتب غريب القرآن . من أول الدراسات القرآنية التي صنف فيها العلماء غريب القرآن الكريم، وهو يُعنى ببيان مُفردات القرآن، وفيما يلي بيان للمقصود بالغريب في اللغة ثم بيان المقصود باصطلاح غريب القرآن، وإشارة إلى أهم المصنفات فيه. أ - التعريف اللغوي: الغريبُ في اللغة هو الرجلُ البعيدُ عن وطَنِهِ (٣)، ومن الكلامِ الغامضُ المُعمَّى لبُعْدِه عن الفَهْمِ والإدراك. (٤) قال الأزهريُّ: «الغريبُ من الكلامِ: العُقْمِيُّ الغامض». (٥) وذكر أهلُ اللغة أنَّ الكلامَ العُقْميَّ هو غَريبُ الغريبِ (٦) لشدةِ غُموضهِ، وفي هذا إشارة أنَّ للغرابة والخفاء درجات متفاوتة، وأن منه ما غاب المراد منه، وانقطع استعماله. وقال الخطَّابيُّ في تعريفه: «الغريبُ من الكلام إنما هو الغامضُ البعيدُ من الفهم، كالغريب من الناسِ إِنَّما هو البعيدُ عن الوطنِ، المنقطعُ

стр. 627

عن الأهلِ، ومنه قولك للرجلِ إذا نَحَّيتَهُ وأقصيتَه: اغْرُب عَنّي، أَي: ابعد، ومن هذا قولهم: نَوىً غَرْبَةٌ، أي بعيدةٌ ... وكل هذا مأخوذ بعضه من بعض، وإنما يختلف في المصادر». (١) وليس للفظةِ «غَرَبَ» قياسٌ واحدٌ تدلُّ عليهِ مشتقاتها، وإنما هي عبارات متفاوتة المعنى، ولذلك قال ابن فارس فيه: «الغَين والراء والباء أصلٌ صحيحٌ، وكلمُهُ غيرُ مُنقاسةٍ، لكنَّها مُتجانسةٌ، فلذلك كتبناه على جهته مِنْ غير طلبٍ لِقياسِهِ». (٢) غير أن المعاجم لا تكاد تختلف في المقصود بالغريب من الكلام كما تقدم. (٣) ب- دلالة الغريب: ألفاظ القرآن الكريم ليست على درجة واحدة من حيث وضوح المعنى وغموضه، قال أبوحيان: «لغاتُ القرآن العزيز على قسمين: - قسمٍ يكادُ يشترك في فَهْمِ معناهُ عامَّةُ المستعربة وخاصتهم، كمدلول السماء والأرض، وفوق وتحت. - وقسمٍ يَختصُّ بمعرفته مَنْ له اطلاعٌ وتبحرٌ في اللغة العربية، وهو الذي صنَّفَ أكثرُ الناس فيه، وسَمَّوهُ غريبَ القرآن». (٤) والتعريف المختار لغريب القرآن هو الألفاظِ الغامضة في القرآن لقلةِ استعمالِها عند قومٍ مُعينين في حقبةٍ مُحددةٍ من الزَّمنِ. (٥) وكتب غريب القرآن لم تقتصر على اللفظة الغامضة البعيدة عن الفهم، وإنما تجاوزتها فذكرت مُعظَم الألفاظ التي وردت في القرآن،

стр. 628

وربما ذكر بعضُهم ألفاظًا لم ترد في القرآن. (١) ولعل إطلاق مصطلح الغريب على هذه الألفاظ التي يختلف سبب غرابتها كان بسبب بدء تدوين العلوم، والتفنن فيه، وخاصة في اللغة وعلوم القرآن، فكلما ظهرت لفظة لا يستعملها عامة الناس في آية أو حديث لأي سبب من الأسباب كأن يقتصر استعمال هذه اللفظة على جماعة من العرب لم يكن هذا المؤلف منهم فإنه يطلق عليه كلمة غريب، وبمواصلته البحث يجد له مثالًا في الشعر يؤكد عروبته، وكثرة شواهد الشعر التي تدل على معنى الغريب تدل على عدم الغرابة. وهكذا حتى تكونت هذه المصنفات المتعددة في غريب القرآن والحديث (٢). وذكر الزركشيُّ أن معرفة غريب القرآن هي معرفةُ المَدلولِ (٣) أي مدلول الألفاظ دون تخصيصِ الغامضِ منها، وهذا ما صنعهُ المتأخرونَ في تصانيفهم، فلم تقتصر كتب غريب القرآن على اللفظة الغريبة دون غَيْرِها، بل توسع المؤلفون في بيان المفردات التي ليست من الغَريبِ، مستشهدين على ذلك بشواهد الشعر والنثر، وربما توسعوا فتكلموا عن أساليب القرآن، وأكثر هذه الأساليب في كتب الغريب أسلوب التقديم والتأخير. (٤) وللغرابةِ سببٌ لا بُدَّ من مراعاتهِ عند تعريف غريب القرآنِ، وقد أشارَ إلى ذلك الخطابيُّ عندما ذكر أَنَّ الغريب من الكلام تكون غرابته لأحد سببين:

стр. 629

أحدهما: أن يكون بعيدًا عن الفهم، لغموض معناه، فلا يتناوله الفهم إلا عن بُعْدٍ ومُعاناة فِكْرٍ، فيكون شبيهًا بالإلغاز. والآخرُ: قلةُ الاستعمال، فيكونُ خاصًا بِمَن بَعُدت دارُه من قبائل العرب، ونأى به المَحلُّ منهم، فإذا وقعت الكلمة من كلامهم لغيرهم من العرب في الحواضر استُغرِبت، وإنما هي كلام القوم وبيانهم. (١) ولذلك فاختلاف اللهجات سبب من أسباب الغرابة، وكذلك التغير الدلالي للفظة، وغير ذلك من الأسباب التي يمكن استخراجها بتتبع كتب الغريب، ومعرفة السمات المشتركة بين ألفاظ الغريب. (٢) والغموض في ألفاظ القرآن يزداد بمرور الوقت، فالغريب في وقت نزول الوحي كان قليلًا جدًا، حتى إنه لم يُحفظ من أسئلة الصحابة عن معاني ألفاظ القرآن إلا القليل، ثم لم تزل الحاجة إلى معرفة ألفاظ القرآن تزداد شيئًا فشيئًا، فكانت المصنفات الأولى صغيرة الحجم، وجيزة العبارة، ثم توسعت حتى أطالت الشرح والبيان في الكتب المتأخرة منها كالمفردات للأصبهاني، وعمدة الحفاظ للحلبي، مِمّا يعني أنَّ الزمنَ له تأثيرٌ في الحكم بغرابة الألفاظ، وشيوعها. والتنبه للزمنِ والمكانِ في تعريف غريب القرآن يُفسرُ قلةَ المُفرداتِ التي رُويت عن مفسري السلف كابن عباس (ت ٦٨) وعكرمة (ت ١٠٥) ثم زيادتها عند زيد بن علي (ت ١٢٠) في كتابه المنسوب إليه، ثم زيادتها عند أبي عبيدة (ت ٢١٠) وابن قتيبة (ت ٢٧٦) وغيرهم، واستمرت في الزيادة حتى شَملت جُلَّ ألفاظ القرآن عند الأصفهاني، بل إن السمين الحلبيَّ أَخَذَ على الراغب الأصفهاني إغفاله بعض المفردات التي وردت في القرآن الكريم، مما يعني أنه كان عليه الاستقصاء.

стр. 630

ومراعاةُ الزمنِ والمكانِ يُشكِّكُ فيما نَسبهُ الفيروزأبادي لابن عباس في كتابه «تنوير المقباس»، من تفسير ألفاظ لم تكن غريبةً في زمن ابن عباس وبيئته التي عاشها. مع ملاحظة ثبات المعنى للفظة الغريبة، فالعبرة بمعناها الذي دلت عليه وقت نزول الوحي لا بعده، وقد ذكر أحد الباحثين أنَّ اللفظة الغريبة «يَختلفُ مدلولهُا مِنْ جيلٍ إلى جيلٍ، ومن بيئة إلى بيئة» (١)، ورُبَّما صح لَهُ ذلك في غير ألفاظ القرآن كما ينبغي أن تفهم وتُفسَّر (٢)، أما ألفاظ القرآن فلا تفهم إلا على معناها وقت نزوله، ولا تحمل على المعاني الحادثة بعد ذلك، وهذا هو سبب وقوف العلماء في قبولهم للشواهد اللغوية من الشعر وغيره على عصر متقدم دون الاستمرار في الاستشهاد بكلام المتأخرين عنه من العرب، حرصًا منهم على الاستشهاد بمن سلمت لغته وسليقته حفظًا لمعاني لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وهذا يفسر تشدد أبي عمرو بن العلاء والأصمعي في الاحتجاج بأشعار شعراء الإسلام كجرير والكميت ونحوهم كما تقدم، وإن كان العلماء خالفوهم في ذلك، واستشهدوا

стр. 631

بشعرهم فيما بعد. (١) وهذا الذي ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وجه صحيح، ورَدٌّ للأمرِ إلى نِصابِه؛ ذلك أن القرآن الكريم أنزل باللسان العربي على ما هو عليه وقت نزول القرآن لا على ما آل إليه بعد ذلك. ولذلك كان اعتماد المفسرين وأصحاب غريب القرآن ومعانيه على الشعر الجاهلي دليلًا على صحة منهجهم في الاستشهاد، وحرصهم على القرآن. وقد تَحرَّج العلماءُ من القول في غريب القرآن، خوفًا من الوقوع في الخطأ، فكان الواحدُ منهم يُسألُ فلا يُجيبُ مع سعة روايته للغة كالأصمعي (٢)، ولذلك قال الزركشي عند الحديث عن غريب القرآن: «وهذا البابُ عظيمُ الخَطَرِ، ومن هنا تَهيَّبَ كثيرٌ من السلف تفسير القرآن». (٣) وقال السيوطي: «وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفنِّ، وعدم الخوض بالظنِّ، فهذه الصحابةُ - وهم العَربُ العَرْباءُ، وأصحابُ اللغة الفصحى، ومَنْ نَزَلَ القرآن عليهم وبلغتهم - توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا فيها شيئًا». (٤) ويُعَدُّ «غريبُ القرآن» من أسبق العلوم المتعلقة بالقرآن التي صنَّفَ فيها العلماءُ (٥)، فقد نُسِبَ كتابٌ في غريب القرآن لعبد الله بن عباس ﵄،

стр. 632

من رواية عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤) (١)، كما تقدمت الإشارة لمسائل نافع بن الأزرق التي سأل عنها ابن عباس في الباب الأول من هذا البحث. فيكون ابتداء التصنيف في غريب القرآن في النصف الثاني من القرن الهجري الأول، غير أن مؤرخي العلوم ذكروا أن ابتداء التصنيف في غريب القرآن كان في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري في عهد أتباع التابعين، وممن ذكر له تدوين في ذلك زيد بن علي (ت ١٢٠)، وأبان بن تغلب (ت ١٤١)، وقد طُبع كتابٌ منسوب لزيد بن علي (ت ١٢٠) مؤخرًا. (٢) المطبوع من كتب «غريب القرآن»: ما طُبِعَ مِنْ كُتبِ غريب القرآن أكثر مما طبع من معاني القرآن، ومنها: ١ - غريب القرآن لعبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨). (٣) ٢ - تفسير غريب القرآن لزيد بن علي (ت ١٢٠). (٤) ٣ - مجاز القرآن لأبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى (ت ٢١٠). (٥)

стр. 633

٤ - غريب القرآن وتفسيره لليزيدي (ت ٢٣٧). (١) ٥ - تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (ت ٢٧٦). (٢) ٦ - نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز لابن عزيز السجستاني (ت ٣٣٠). (٣) ٧ - مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (ت ٤٢٥). (٤) ٨ - تفسير غريب القرآن العظيم لمحمد بن أبي بكر الرازي (٦٦٦ هـ). (٥) ٩ - تُحفةُ الأريبِ بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الغرناطي (٧٤٥). (٦) ١٠ - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي (ت ٧٥٦). (٧) ١١ - تفسير غريب القرآن لمحمد بن إسماعيل الصنعاني (ت ١١٨٢). (٨) فأما كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فهو من أقدمِ كتب غريب القرآن، وأوفرها من حيث الشواهد الشعرية، حيث بلغت شواهده ٩٥٢.

стр. 634

شاهدًا، ولذلك اخترته لدراسة منهجه في الاستشهاد بالشاهد الشعري. وتسمية كتاب أبي عبيدة بمجاز القرآن قد أوقعت بعض الباحثين في الوهم حين ظنَّه كتابًا في البلاغة، وأَنَّ المقصود به دراسةُ مصطلحِ المَجازِ المعروفِ عند أهل البلاغة (١)، في حين ذكر مُحقق المَجاز أنَّ أبا عبيدة قد نُسبت لَهُ كتبٌ في «معاني القرآن» و «غريب القرآن» و «مَجاز القرآن»، وأَنَّ المقصود بها جميعًا كتابه مَجاز القرآن المطبوع، لأن كل النقول التي نسبت لأبي عبيدة في معاني القرآن وغريبه توجد في هذا الكتاب. وربما يوافق المحقق على أن غريب القرآن ومجاز القرآن واحد للأدلة التي ذكرها. أما أن يكون «معاني القرآن» لأبي عبيدة هو نفسه «مجاز القرآن»، فقد يُضعفُ ذلك قولُ أبي حاتم: «أخذ الأخفش كتاب أبي عبيدة في المعاني، فأسقط منه شيئًا وزاد شيئًا، وأبدل شيئًا، قال: فقلت له: أي شيء هذا الذي تصنع من هذا؟ مَنْ أَعرَفُ بالعربية؟ أنت أو أبو عبيدة؟ فقال: الكتاب لمن أصلحه وليس لمن أفسده، قال: فلم يلتفت إلى كتابه وصار مطرحًا». (٢) والموازنة بين الكتابين تُبعِدُ أن يكون معاني الأخفش مختصرًا أو تَهذيبًا لمَجاز القرآن لاختلاف المنهج والمضمون. وقول أبي حاتمٍ يعضُدُ قولَ مَنْ ذهبَ إلى أنَّ لأبي عبيدة كتابًا في «المعاني» مؤلفًا قبل «المَجاز»، هو أصلُ «معاني القرآن» للأخفش الذي صنفه بطلب من الكسائيِ المتوفى سنة ١٨٩ هـ على الأرجح، و «المَجاز» مؤلَّف سنة ١٨٨ هـ (٣). علمًا أن الكسائي قد احتذى في تصنيفه لكتابه «معاني القرآن» كتاب الأخفش (٤)، مما يعني أَنَّ الأخفش قد صنَّف كتابه

стр. 635

قبل وفاة الكسائي بِمدةٍ تسبقُ عامَ وفاة الكسائيِّ، وتُمَكِّنُ الكسائيَّ من قراءتهِ والنَّظرِ فيه ثم الاحتذاء على منواله، وقبل تصنيف أبي عبيدة لمَجاز القرآن أيضًا. (١) وكذلك فإن نص المترجمين لأبي عبيدة على تصنيفه كتابًا باسم معاني القرآن يؤكد هذا القول، ولا سيما مع تكرار نسبة هذا الكتاب وتمييزه عن مجاز القرآن. (٢) والمَجاز عند أبي عبيدة هو ما يجوز في لغة العرب من تعبيرٍ عن الألفاظ والأساليب. (٣) وقد أراد أبو عبيدة من كتابه أن يفسر القرآن تفسيرًا قائمًا على اللغة، وقد ظهر هذا في اعتماده على الشواهد الشعرية في كتابه، مما دعا كثيرًا من معاصريه إلى انتقاده في منهجه هذا. فقد روي عن سلمة بن عاصم قوله: «سمعت الفراء يقول لرجلٍ: لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب المجاز». (٤) وقال التوزي: «بلغ أبا عبيدة أَنَّ الأصمعي يعيبُ عليه تأليفَه المَجاز في القرآن، وأنه قال: يفسر القرآن برأيه، قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقة الأصمعي، فَنَزَل عن حِماره، وسَلَّم عليه، وجلس عنده، وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله، فقال له أبو عبيدة: فسَّرتَ كتاب الله برأيك، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ [يوسف: ٣٦] (٥)، فقال له الأصمعيُّ: هذا شيءٌ بانَ لي فقلتُه، ولم أُفسِّره برأيي، فقال له أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبُه علينا كُلُّه شيءٌ بانَ لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا، ثُمَّ قامَ فركبَ حِمَاره وانصرف». (٦) ويمكن أن يستنتج من النقد الذي وجه لكتاب أبي عبيدة ما يلي: أولًا: صحة كونه أول من صنَّفَ في غريب القرآن بهذه الطريقة التي
следующие страницы →