← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بشعرهم فيما بعد. (١) وهذا الذي ذهب إليه أبو عمرو بن العلاء والأصمعي وجه صحيح، ورَدٌّ للأمرِ إلى نِصابِه؛ ذلك أن القرآن الكريم أنزل باللسان العربي على ما هو عليه وقت نزول القرآن لا على ما آل إليه بعد ذلك. ولذلك كان اعتماد المفسرين وأصحاب غريب القرآن ومعانيه على الشعر الجاهلي دليلًا على صحة منهجهم في الاستشهاد، وحرصهم على القرآن. وقد تَحرَّج العلماءُ من القول في غريب القرآن، خوفًا من الوقوع في الخطأ، فكان الواحدُ منهم يُسألُ فلا يُجيبُ مع سعة روايته للغة كالأصمعي (٢)، ولذلك قال الزركشي عند الحديث عن غريب القرآن: «وهذا البابُ عظيمُ الخَطَرِ، ومن هنا تَهيَّبَ كثيرٌ من السلف تفسير القرآن». (٣) وقال السيوطي: «وعلى الخائض في ذلك التثبت والرجوع إلى كتب أهل الفنِّ، وعدم الخوض بالظنِّ، فهذه الصحابةُ - وهم العَربُ العَرْباءُ، وأصحابُ اللغة الفصحى، ومَنْ نَزَلَ القرآن عليهم وبلغتهم - توقفوا في ألفاظ لم يعرفوا معناها، فلم يقولوا فيها شيئًا». (٤) ويُعَدُّ «غريبُ القرآن» من أسبق العلوم المتعلقة بالقرآن التي صنَّفَ فيها العلماءُ (٥)، فقد نُسِبَ كتابٌ في غريب القرآن لعبد الله بن عباس ﵄،

стр. 632

من رواية عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤) (١)، كما تقدمت الإشارة لمسائل نافع بن الأزرق التي سأل عنها ابن عباس في الباب الأول من هذا البحث. فيكون ابتداء التصنيف في غريب القرآن في النصف الثاني من القرن الهجري الأول، غير أن مؤرخي العلوم ذكروا أن ابتداء التصنيف في غريب القرآن كان في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري في عهد أتباع التابعين، وممن ذكر له تدوين في ذلك زيد بن علي (ت ١٢٠)، وأبان بن تغلب (ت ١٤١)، وقد طُبع كتابٌ منسوب لزيد بن علي (ت ١٢٠) مؤخرًا. (٢) المطبوع من كتب «غريب القرآن»: ما طُبِعَ مِنْ كُتبِ غريب القرآن أكثر مما طبع من معاني القرآن، ومنها: ١ - غريب القرآن لعبد الله بن عباس ﵄ (ت ٦٨). (٣) ٢ - تفسير غريب القرآن لزيد بن علي (ت ١٢٠). (٤) ٣ - مجاز القرآن لأبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى (ت ٢١٠). (٥)

стр. 633

٤ - غريب القرآن وتفسيره لليزيدي (ت ٢٣٧). (١) ٥ - تفسير غريب القرآن لابن قتيبة (ت ٢٧٦). (٢) ٦ - نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز لابن عزيز السجستاني (ت ٣٣٠). (٣) ٧ - مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (ت ٤٢٥). (٤) ٨ - تفسير غريب القرآن العظيم لمحمد بن أبي بكر الرازي (٦٦٦ هـ). (٥) ٩ - تُحفةُ الأريبِ بما في القرآن من الغريب لأبي حيان الغرناطي (٧٤٥). (٦) ١٠ - عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ للسمين الحلبي (ت ٧٥٦). (٧) ١١ - تفسير غريب القرآن لمحمد بن إسماعيل الصنعاني (ت ١١٨٢). (٨) فأما كتاب «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فهو من أقدمِ كتب غريب القرآن، وأوفرها من حيث الشواهد الشعرية، حيث بلغت شواهده ٩٥٢.

стр. 634

شاهدًا، ولذلك اخترته لدراسة منهجه في الاستشهاد بالشاهد الشعري. وتسمية كتاب أبي عبيدة بمجاز القرآن قد أوقعت بعض الباحثين في الوهم حين ظنَّه كتابًا في البلاغة، وأَنَّ المقصود به دراسةُ مصطلحِ المَجازِ المعروفِ عند أهل البلاغة (١)، في حين ذكر مُحقق المَجاز أنَّ أبا عبيدة قد نُسبت لَهُ كتبٌ في «معاني القرآن» و «غريب القرآن» و «مَجاز القرآن»، وأَنَّ المقصود بها جميعًا كتابه مَجاز القرآن المطبوع، لأن كل النقول التي نسبت لأبي عبيدة في معاني القرآن وغريبه توجد في هذا الكتاب. وربما يوافق المحقق على أن غريب القرآن ومجاز القرآن واحد للأدلة التي ذكرها. أما أن يكون «معاني القرآن» لأبي عبيدة هو نفسه «مجاز القرآن»، فقد يُضعفُ ذلك قولُ أبي حاتم: «أخذ الأخفش كتاب أبي عبيدة في المعاني، فأسقط منه شيئًا وزاد شيئًا، وأبدل شيئًا، قال: فقلت له: أي شيء هذا الذي تصنع من هذا؟ مَنْ أَعرَفُ بالعربية؟ أنت أو أبو عبيدة؟ فقال: الكتاب لمن أصلحه وليس لمن أفسده، قال: فلم يلتفت إلى كتابه وصار مطرحًا». (٢) والموازنة بين الكتابين تُبعِدُ أن يكون معاني الأخفش مختصرًا أو تَهذيبًا لمَجاز القرآن لاختلاف المنهج والمضمون. وقول أبي حاتمٍ يعضُدُ قولَ مَنْ ذهبَ إلى أنَّ لأبي عبيدة كتابًا في «المعاني» مؤلفًا قبل «المَجاز»، هو أصلُ «معاني القرآن» للأخفش الذي صنفه بطلب من الكسائيِ المتوفى سنة ١٨٩ هـ على الأرجح، و «المَجاز» مؤلَّف سنة ١٨٨ هـ (٣). علمًا أن الكسائي قد احتذى في تصنيفه لكتابه «معاني القرآن» كتاب الأخفش (٤)، مما يعني أَنَّ الأخفش قد صنَّف كتابه

стр. 635

قبل وفاة الكسائي بِمدةٍ تسبقُ عامَ وفاة الكسائيِّ، وتُمَكِّنُ الكسائيَّ من قراءتهِ والنَّظرِ فيه ثم الاحتذاء على منواله، وقبل تصنيف أبي عبيدة لمَجاز القرآن أيضًا. (١) وكذلك فإن نص المترجمين لأبي عبيدة على تصنيفه كتابًا باسم معاني القرآن يؤكد هذا القول، ولا سيما مع تكرار نسبة هذا الكتاب وتمييزه عن مجاز القرآن. (٢) والمَجاز عند أبي عبيدة هو ما يجوز في لغة العرب من تعبيرٍ عن الألفاظ والأساليب. (٣) وقد أراد أبو عبيدة من كتابه أن يفسر القرآن تفسيرًا قائمًا على اللغة، وقد ظهر هذا في اعتماده على الشواهد الشعرية في كتابه، مما دعا كثيرًا من معاصريه إلى انتقاده في منهجه هذا. فقد روي عن سلمة بن عاصم قوله: «سمعت الفراء يقول لرجلٍ: لو حُمِلَ إليَّ أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب المجاز». (٤) وقال التوزي: «بلغ أبا عبيدة أَنَّ الأصمعي يعيبُ عليه تأليفَه المَجاز في القرآن، وأنه قال: يفسر القرآن برأيه، قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم ومر بحلقة الأصمعي، فَنَزَل عن حِماره، وسَلَّم عليه، وجلس عنده، وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي تخبزه وتأكله، فقال له أبو عبيدة: فسَّرتَ كتاب الله برأيك، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ [يوسف: ٣٦] (٥)، فقال له الأصمعيُّ: هذا شيءٌ بانَ لي فقلتُه، ولم أُفسِّره برأيي، فقال له أبو عبيدة: وهذا الذي تعيبُه علينا كُلُّه شيءٌ بانَ لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا، ثُمَّ قامَ فركبَ حِمَاره وانصرف». (٦) ويمكن أن يستنتج من النقد الذي وجه لكتاب أبي عبيدة ما يلي: أولًا: صحة كونه أول من صنَّفَ في غريب القرآن بهذه الطريقة التي

стр. 636

تعتمد على اللغة، دون الرجوع إلى أقوال السلف، بدليل تعرضه للانتقاد من معاصريه، وقد خَفَّ هذا النقد بعد ذلك، واستفاد مَنْ بَعدَهُ من كتابه هذا استفادةً ظاهرةً. حتى إنَّ أحد تلاميذ أبي حاتم السجستاني - تلميذ أبي عبيدة - سأله عنهُ، كما ذكر الزبيدي: «قال مروان بن عبد الملك: سألت أبا حاتم عن غريب القرآن لأبي عبيدة الذي يُقال له المَجازُ، فقال: ما يَحلُّ لأحدٍ أن يكتبه». (١) وقال في موضعٍ آخر: «ما يحلُّ لأحدٍ أن يقرأهُ إلا على شرطِ إذا مَرَّ بالخطأ أن يُبينه ويُغيّرَه». (٢) ولكنه قرأه لتلاميذه بعد ذلك، وسمعوه منه. (٣) ثانيًا: أن كثيرًا من النقد يرجع إلى المنافسة الشخصية بين المعاصرين، لأنَّ أبا عبيدة لم يقل برأيه وإنما هو يروي عن العَربِ، وهو ثقةٌ فيما يرويهِ، فقد وثقه علي بن المديني وصححَ روايتَه. (٤) وربما يكون قد انفرد لسعة روايته بشيء من الغريب، غير أن هذا ليس بقادحٍ في الثقة به، فقد انفرد غيرُه بأشياء من اللغة. كما أنه قد يجتهد فيقول برأيه شيئًا مبنيًا على ما عرفه من العرب، وهذا ظاهر من قوله للأصمعي: «وهذا الذي تعيبُه علينا كُلُّه شيءٌ بانَ لنا فقلناه، ولم نفسره برأينا». وإن كان قد وقع في أخطاء بسبب اعتماده على اللغة دون الالتفات لتفسير السلف، إلا أنه قد رد العلماء عليه في ذلك وبينوا وجه الصواب فيها، كما انفرد ببعض الآراء الشاذة في النحو كقوله بالزيادة لبعض الأسماء، وقوله بحذف بعضها (٥)، مما لم يوافقه عليه أحد، غير أن هذا لا يقلل

стр. 637

من قيمة كتابه، واعتماد المفسرين عليه، وقد اعتمد عليه البخاري في صحيحه عند كلامه عن غريب القرآن. (١) ثالثًا: كل من جاء بعد أبي عبيدة اعتمد على كتابه، من المعاصرين له كالأخفش والفراء والكسائي، أو من جاء بعده كابن قتيبة والطبري وابن عطية والقرطبي وغيرهم. بل إن كتب الغريب والتفسير عِيالٌ عليه ولا سيما في شواهد غريب القرآن من الشعر، وهذا لثقتهم برواية أبي عبيدة. وأما كتابُ «غريب القرآن وتفسيره» لليزيدي (ت ٢٣٧) (٢)، فليس كما وصفه من رآه، فقد ذكره القفطي في ترجمته لمؤلفه فقال: «صنَّفَ كتابًا في غريب القرآن حَسَنًا في بابه، ورأيتهُ في ستةِ مُجلداتٍ، يستشهدُ على كُلِّ كلمةٍ من القرآن بأبياتٍ من الشِّعرِ، ملكته بخطه». (٣) في حين يقع المطبوع في مجلد واحدٍ صغير، وليس فيه إلا تسعة شواهد من الشعر (٤)، وهذا يعني أنه ليس كتاب اليزيدي الذي رآه القفطي، وإنما قد يكون مختصرًا منه، أو يكون ليزيدي آخر غير من نسب له الكتاب، فاليزيدون كثيرون، وصُنِّفَت في أخبارهم كُتبٌ. وأما غريب القرآن لابن قتيبة فقد كان له أثر بارز في الكتب المصنفة في الغريب بعده، ورُزق هذا الكتاب قبولًا عند العلماء منذ تأليفه حتى اليوم، وقد استشهد فيه بمائةٍ وواحدٍ وسبعينَ شاهدًا من الشِّعرِ، وقد درستُ منهجه في الاستشهاد ضمن كتب غريب القرآن لمكانته بين كتب الغريب.

стр. 638

ثم لم يزل العلماء يصنفون في غريب القرآن حتى جاء الراغب الأصفهاني فصنف كتابه «المفردات في غريب ألفاظ القرآن»، ورتبه ترتيبًا بديعًا، جعل كثيرًا من الباحثين يضعه على رأسِ كتبِ غريبِ القرآن، ومرحلة النضج لهذه المؤلفات. ثم جاء بعد السمين الحلبي فبنى كتابه عليه، واستدرك عليه بعض المفردات التي فاتته، واستبعد بعض المفردات التي أوردها وليست في القرآن، فجاء كتابًا حافلًا في غريب القرآن. ترتيب كتب الغريب: سار المصنفون في غريب القرآن في ترتيب كتبهم على طريقتين: الأولى: ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب السور في القرآن، مبتدأة بالفاتحة ومختتمة بالناس، وعلى هذا الترتيب سار أبو عبيدة في مجاز القرآن، وابن قتيبة في غريب القرآن، وغيرهما. وربما اختل ترتيب المفردات في السورة عند بعضهم فقدم بعض الآيات على بعض. الثانية: ترتيب الألفاظ القرآنية على الحروف الهجائية، وغالبها سار على الترتيب الألفبائي، مثل كتاب مفردات الراغب الأصفهاني، وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي، وغيرها. وانفرد ابن عزيز السجستاني بترتيب مواد كتابه ترتيبًا لم يسبق إليه، حيث رتب كتابه على الحروف غير معتدٍّ بأصل الكلمة، فبدأ بالمفتوح، ثم المضموم، ثم المكسور، ورتب الألفاظ بحسب ورودها في السور، وهذه الطريقة يصعب فيها الوصول إلى اللفظ، ولم يتبعه أحد في ترتيبه هذا. وأما الرازي - صاحب مختار الصحاح - في كتابه تفسير غريب القرآن فقد سار على نظام التقفية كما صنع أصحاب المعاجم اللغوية، وهو ترتيب المواد اللغوية على طريقة الباب والفصل، فرتبه بحسب الحرف الأخير من الكلمة، ثم ترتيب ما ورد فيها ألفبائيًا، هكذا (بدأ،

стр. 639

برأ، بطأ، بوأ ... الخ). (١) وأَمّا من حيثُ معالجةُ الألفاظِ في هذه المُصنفاتِ فمِن المؤلفينَ من أطال في الشرح والاستشهاد بالأثر والشعر مثلِ ابنِ قتيبة، ومنهم مَنْ مال إلى الاختصارِ حتى اكتفوا ببيان اللفظة بِمثلها، كالمتأخرين ولا سيما أبو حيان في «تُحفة الأريب»، ومنهم من كان يأخذُ من المُفسرينَ من السلف كابن قُتيبةَ، وسائرهم غلبت عليه النظرة اللغويةِ، فاختفت من كتبِهم أسماء مفسري السلف كمجاهد وعكرمة والحسن وغيرهم، كما اعتمدوا على الشاهد الشعري منذ أولهم أبان بن تغلب البكري، ثم اعتمد ابن قتيبة على الحديث أيضًا مع الشعر. (٢) وأمّا الفرق بين منهج كتب «معاني القرآن» وكتب «غريب القرآن»، فيظهر بالنظر في مضمون هذه المصنفات، وقد خُصص المبحث التالي لبيان هذا الفرق.

стр. 640

المبحث الثاني: الفرق بين كتب «معاني القرآن» وكتب «غريب القرآن» . عُنِيَتْ كتبُ «غريب القرآن» ببيان مفردات القرآن، وعنيت كتب «معاني القرآن» ببيان التراكيب، وهذا حُكْمٌ مُجملٌ ينطبق على غالب هذه المؤلفات، غير أنَّه يوجد في بعض كتب الغريب بيان للتراكيب والأساليب القرآنية كما في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، ويوجد في كتب المعاني بيان للمفردات الغريبة. ويُمكن بيانُ الفروق بين كتب «غريب القرآن» وكتب «معاني القرآن» بالموازنة بينها في الجوانب الآتية: أولًا: الترتيب . من حيث الترتيب لهذه المؤلفات، فإن جَميع كتبِ معاني القرآن المطبوعة سارتْ على ترتيبٍ واحدٍ، بحيثُ يبدأ المؤلف بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس، وينتخبُ من الآيات ما يرى أَنَّه في حاجةٍ إلى بيانِ معناهُ، أو توضيح غامضه، ولم يُخِلّ أيُّ كتابٍ منها بهذا المنهج، إلا ما كان من تقديم الأخفش بعض الآيات على بعضٍ أثناء كلامه عن إعرابها في بعض المواضع من معانيه، وقد غلب على كتابه الجانب الإعرابي النحوي. (١) أما كتب «غريب القرآن» فقد سارت على منهجين:

стр. 641

الأول: بحسب ترتيب القرآن في المصحف. فيأخذ المؤلف في بيان غريب القرآن مبتدأ بسورة الفاتحة، ومختتمًا بسورة الناس، ويتعرض للمفردات التي يراها غريبةً وفي حاجة إلى بيانٍ، وقد سار على هذا المنهج أبو عبيدة في كتابه «مجاز القرآن»، فبيَّن غريب القرآن بحسب ترتيب المصحف. وقدم بين يدي الكتاب بمقدمة مُهمّةٍ تكلم فيها عن معني لفظة القرآن والسورة والآية، ثم أعقبها بحديثٍ مختصرٍ عن أساليب القرآن اللغوية، ثم شرع في بيان غريب القرآن بعد ذلك مرتبًا. وسار ابن قتيبة في كتابه «غريب القرآن» على هذا المنهج فَبَيَّنَ غريبَ القرآن بحسب ترتيب السور، غير أنه قدم قبل ذلك بفصلين رأى أهميتهما، الأول بَيَّن فيه «اشتقاق أسماء الله وصفاته، وإظهار معانيها»، والثاني «باب تأويل حروف كثرت في الكتاب». (١) وهو يعني بالكتابِ القرآنَ، حيث قد تكررت هذه الألفاظ في القرآن، فأفرد ابن قتيبة هذا الفصل لبيان معانيها، حتى يغني ذلك عن تكرار بيانها، من أمثال لفظة: الجن، والإنس، والملائكة، والشيطان، والشرك، واللعن وغيرها. الثاني: الترتيب على الحروف. سار بعض كتب غريب القرآن بعد ذلك على ترتيبٍ مختلفٍ، وهو ترتيب ألفاظ القرآن على ترتيب الحروف الألفبائي أو على طريقة الجوهري في كتابه الصحاح وهو الترتيب بحسب الباب والفصل، دون النظر إلى السورة أو الآية من حيث الترتيب. وقد أصبحت هذه الطريقة في الترتيب هي السائدة في الكتب المتأخرة، وصنف عليها الراغب الأصفهاني كتابه «مفردات ألفاظ القرآن»، وبعده السمين الحلبي في «عمدة الحفاظ»، وقد تقدم بيان ذلك في المبحث السابق.

стр. 642

ثانيًا: منهج الشرح . عُنيَت كتبُ غريب القرآن في المقام الأول بالمفردة القرآنية دون التركيب، وإن كانت قد تتعرض للتركيب إذا كان له تأثير في معنى المفردة. وقد أكثر أبو عبيدة في كتابه «مجاز القرآن» من بيان معاني التركيب لتعلقه ببيان المفردة القرآنية الغريبة. في حين عُنيت كتب معاني القرآن بالتركيب في المقام الأول ويدخل فيه الإعراب، غير أنه لمعرفة معاني التركيب لا بد من التقديم ببيان معاني اللفظة الداخلة في التركيب ولا سيما إذا كانت لفظة غريبةً، فكان تعرض كتب معاني القرآن لبيان المفردات وسيلةً لبيان التركيب النحوي للآيات القرآنية. ولا سيما أن الذين صنفوا كتب المعاني جلهم من أهل النحو، الذين اتخذوا من النص القرآني وسيلةً لبيان مذاهبهم النحوية كما صنع الأخفش في «معاني القرآن»، والفراء في «معاني القرآن»، وغيرهم. - أمثلة من عناية أصحاب كتب غريب القرآن ببيان التركيب: ١ - ومن أمثلة عناية كتب غريب القرآن ببيان التركيب ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] (١) حيث قال أبو عبيدة: «﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ هذا بابُ تفهيمٍ، وليس باستفهامٍ عن جَهلٍ لِيَعْلَمَهُ، وهو يَخرُجُ مَخرَجَ الاستفهام، وإِنَّما يُرادُ به النهي عن ذلك، ويتهدد به، وقد عَلِمَ قائلُهُ أكان ذلك أَمْ لم يكن. ويقول الرجلُ لعبده: أفعلت كذا؟ وهو يعلم أَنَّه لم يفعلهُ، ولكنْ يُحذِّرُه، وقال جرير: أَلستُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المطايا ... وأَنْدى العالَمِين بُطُونَ راحِ (٢)

стр. 643

ولم يستفهم، ولو كان استفهامًا ما أعطاه عبد الملك مائة من الإبل برعاتها». (١) فقد وقف أبو عبيدة عند أسلوب الاستفهام في الآية وخروجه عن معنى الاستفهام إلى معنى النهي، واستشهد عليه بالشعر. ٢ - وقال أبو عبيدة في موضعٍ آخرَ وهو يُبَيّن الالتفاتَ في سورة الفاتحة: «ومَجازُ مَنْ جَرَّ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] (٢) أَنَّهُ حَدَّث عن مُخاطبةِ غائبٍ، ثُمَّ رَجَعَ فخ اطبَ شاهدًا فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا﴾ [الفاتحة: ٥، ٦]. قال عنترةُ بنُ شدادٍ العبسيِّ: شَطَّتْ مَزارُ العاشقينَ فَأَصْبَحَتْ ... عَسِرًا عليَّ طِلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ (٣) وقال أبو كبيرٍ الهذليُّ: يا لَهْفَ نفسيَ كانَ جِدَّةُ خالدٍ ... وبَياضُ وَجهكَ للترابِ الأَعْفَرِ (٤)». (٥) وهذا بيان لأسلوب الالتفات في الآيات الكريمة، وله أمثلة أخرى في القرآن الكريم (٦)، وهو أسلوب عربي له أمثلة كثيرة في الشعر العرببي، اكتفى أبو عبيدة بشاهدين منها. والالتفات عند البلاغيين هو «انصرافُ المتكلِّمِ عن المخاطبة إلى الإخبار، وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك». (٧) وله تعريفات أخرى غير أنَّ أَيَّ انتقالٍ من أسلوبٍ من أساليبِ الخطابِ إلى آخر يعد نوعًا من الالتفات، مأخوذ من التفات الرجل من جهةٍ إلى جهةٍ. ٣ - ومن الأمثلة أيضًا قول ابن قتيبة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 644

نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤]﴾ (١): «أي: ليس يَنْقِمون شيئًا، ولا يعرفون من الله إلا الصُنْعَ الجميلَ، وهذا كقول الشاعر (٢): ما نَقِمَ الناسُ مِنْ أُميَّةَ ... إِلَّا أَنَّهمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبوا وأَنَّهمْ سادةُ المُلوكِ فلا ... تصلحُ إِلَّا عليهمُ العَرَبُ (٣) وهذا ليس مِمّا يُنْقَمُ، وإِنَّما أراد أَنَّ الناس لا يَنقمون عليهم شيئًا. وكقول النابغة: ولا عَيْبَ فيهمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ (٤) أي: ليس فيهم عيبٌ». (٥) وابن قتيبة يشير إلى أسلوبٍ بلاغي عرف فيما بعد بأسلوب «المدح بما يشبه الذم»، وله أمثلة كثيرة في الشعر العربي. (٦) ويوجد في كتب غريب القرآن أيضًا حديث عن المسائل النحوية في مواضع منها، غير أنها ليست كثيرة كما هو الحال في كتب معاني القرآن. ومِنْ أمثلة المسائل النحوية التي تعرضت لها كتب غريب القرآن قول أبي عبيدة: «﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] (٧) ثم انقطع النصبُ، وجاء الاستئنافُ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨] (٨) قال النابغةُ: تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ... لِستَّةِ أعوامٍ وذا العامُ سَابِعُ (٩) ثم استأنفَ فَرَفَعَ فقال: رمادٌ ككُحْلِ العينِ لأيًا أُبِينُهُ ... ونُؤْيٌ كَجِذْمِ الحوضِ أَثْلَمُ خاشِعُ». (١٠) وأبو عبيدة قد حَمَلَ الرفعَ في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ على الاستئناف، وتُعْرَبُ خَبَرًا لمبتدأٍ محذوفٍ، تقديره: هم صُمٌّ بُكْمٌ عميٌ.

стр. 645

قال السمين الحلبي: «الجمهور على رفعها على أنها خَبَرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هُمْ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، ويَجيءُ فيه الخلافُ المشهورُ في تعدد الخَبَرِ، فمن أجازَ ذلك حَمَلَ الآيةَ عليه من غير تأويلٍ، ومَنْ مَنَعَ قال: هذه الأخبارُ وإن تعددت لفظًا فهي مُتحدةٌ معنى». (١) والأمثلة على عناية أصحاب كتب غريب القرآن ببيان التراكيب ليست كثيرة، وأغلبها عند أبي عبيدة في كتابه المجاز دون غيره. (٢) - أمثلة من عناية أصحاب كتب معاني القرآن ببيان المفردات: وأما عناية أصحاب كتب معاني القرآن ببيان المفردات فأكثر من عناية أصحاب غريب القرآن ببيان التركيب، ولا سيما الفراء في معانيه. وقد وقف كثيرًا أصحاب كتب المعاني عند بيان أصل اشتقاق المفردات، ودلالاتها اللغوية، توسلًا لبيان التركيب الذي تُعنى به كتب معاني القرآن. ١ - ومن أمثلة ذلك قول الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] (٣): «والفقرُ يُقال منهُ: عالَ يَعِيلُ عَيْلَةً، وقال الشاعر (٤): ولا يدري الفقيرُ متى غِناهُ ... ولا يدري الغنيُّ متى يَعيلُ (٥)». (٦) فقد أشار إلى أن من معاني العَيْلَةِ في قوله: ﴿تَعُولُوا﴾ الفَقْر، كما في شاهد الشعر الذي ذكره لأحيحة بن الجلاح، وهو شاعر جاهلي، فظاهر من الشاهد أن معنى يعيل: يفتقر، حيث جاءت في مقابلة الغني، وهذا من الشواهد الشعرية التي لا تحتاج إلى شرح لظهور المعنى المراد من خلال سياق البيت.

стр. 646

٢ - وقال الفراء أيضًا وهو يبين أحد معاني الظُّلْمِ في اللغة: «وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧] (١) يقول: وما نَقَصُونا شيئًا مِمّا فعلوا، ولكن نقصوا أنفسَهم. والعربُ تقول: ظلمتَ سقاءَك، إذا سَقيتَه قبلَ أَن يَمخضَ ويَخْرُجَ زَبَدُه. ويقال: ظَلَمَ الوادي إذا بلغَ الماءُ منهُ موضعًا لم يكن لِينالَه فيما خلا، أنشدني بعضهم: يكادُ يَطلعُ ظُلْمًا ثُمَّ يُمْسِكُهُ ... عن الشواهِقِ فالوادي بِهِ شَرِقُ (٢)». (٣) وهذا من الفراء استشهاد لغوي بالشعر على معنى الظلم، وأنه يأتي بمعنى النقص، وقد تقدم في الرسالة الإشارة إلى المعاني التي يدل عليها لفظ الظلم في القرآن الكريم، ومراعاة المفسرين لسياق الآيات في الاستشهاد بالشعر. (٤) وهناك عدد من الأمثلة في كتب معاني القرآن تعرضت لبيان معاني المفردات الغريبة؛ لتوقف بيان التركيب على بيانها (٥)، غير أن العناية بالتراكيب كانت أغلب على كتب المعاني كما تقدم. ثالثًا: الاستشهاد بالشعر . هذا الوجه من أوجه الموازنة بين كتب غريب القرآن وكتب معاني القرآن ذو علاقة ببحث الشاهد الشعري في التفسير، ولذلك تتبعت تعامل كل من الفريقين مع الشاهد الشعري، وظهر لي أَنَّهم جَميعًا يُعْنَون بالشاهد الشعري، ويحتل في كتبهم مكانة بارزة بين الأدلة التي يستدلون بها. ويزيد هذا أهميةً أن أبا عبيدة والأخفش والفراء من أصحاب هذه الكتب كانوا من رواة الشعر، ومِمَّن أخذ عن الأعراب وعن رواة الشعر الأوائل، ولذلك كان لشواهدهم الشعرية مكانةٌ خاصةٌ اعتمد عليها من جاء بعدهم من العلماء.

стр. 647

وقد تولَّى هذا الفصلُ من البحث - بِما فيه من مباحث سابقة على هذا المبحث ولاحقة - بيانَ منهج أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه في الاستشهاد والتوثيق والاعتماد على الشاهد الشعري بِما يُغني عن ذكره هنا، وأكتفي هنا ببيان الفرق بين المنهج الذي التزمه أصحاب كتب الغريب، وأصحاب كتب المعاني في استخدام الشاهد الشعري. ويمكن بيان ذلك في النقاط الآتية: أولًا: كانت عناية مؤلفي كتب «غريب القرآن» بالشاهد الشعري اللغوي أكثر من غيره، كما في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، و «غريب القرآن» لابن قتيبة، وغيرها من كتب الغريب. في حين كانت عناية أصحاب كتب معاني القرآن بالشاهد النحوي أكثر كما في «معاني القرآن» للأخفش والفراء. ١ - ومن أمثلة الشواهد اللغوية في كتب الغريب قول أبي عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] (١): «﴿وَرَابِطُوا﴾ أي: اثبتوا ودُوموا، قال الأخطل: ما زالَ فينا رِباطُ الخيلِ مُعْلَمةً ... وفي كُليبٍ رِباطُ اللؤمِ والعارِ (٢)». (٣) وهذا استشهاد لغوي لبيان معنى الرابط في الآية وأنه بمعنى الثبات والدوام والملازمة لطاعة الله حتى يأتي الأجل. وقد جاء الرابط بهذا المعنى في بيات الشعر الذي أورده للأخطل. وقد استشهد به أهل اللغة على ذلك. قال الأزهري: «وأصل الرباط من مرابطة الخيل، أي ارتباطها بإزاء العدو في بعض الثغور». (٤) وقال ابن منظوو: «والرباط والمرابطة: ملازمة ثغر العدوِّ، وأصلهُ أَن يربطَ كلُّ واحدٍ من الفريقين خيلَهُ، ثم صار لزوم الثغر رباطًا ... والرباط: المواظبة على الأمر». (٥)

стр. 648

٢ - وقال أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (١): «﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾: تستأصِلونَهم قَتلًا، يقالُ: حَسَسْناهُم مِنْ عند آخرِهِم، أي: استأصلناهم، قال رؤبة: إذا شَكَونا سَنَةً حَسُوسا ... تأَكلُ بعدَ الأخضرِ اليَبِيسا (٢)». (٣) ومثل ذلك قال أهل اللغة، فقال الأزهري: «الحَسُّ: القتلُ الذريع، وفي القرآن ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، أي: تقتلونهم قتلًا شديدًا كثيرًا». (٤) ٣ - وقال ابن قتيبة في غريب القرآن: «﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ [الإسراء: ٦٦] (٥) أي: يُسيّرها، قال الشاعر (٦): فتىً يُزجي المطيَّ على وَجاها (٧)». (٨) فقد استشهد بالشعر على أن التزجية في الآية بمعنى تسيير السحاب وسوقه، ومثل ذلك قال أهل اللغة، حيث ذكر الأزهري عن الليث قوله: «التزجية دفع الشيء كما تزجي البصرة ولدها، أي تسوقه ... والريح تزجي السحاب: أي تسوقه سوقًا رفيقًا». (٩) ٤ - وقال ابن قتيبة أيضًا: «﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور: ٢٣] (١٠) أي: يَتعاطَون، قال الأخطل: وشَاربٍ مُربحٍ بالكأسِ نازَعَنِي ... لا بِالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (١١) أي: عاطاني». (١٢) وهذا أيضًا استشهاد لغوي لبيان معنى المنازعة

стр. 649

في الآية، وأنها بمعنى المعاطاة باليد، كما في بيت الأخطل. وكما تقدم فالشاهد اللغوي هو الغالب على كتب غريب القرآن، وأمثلته كثيرة في كتب غريب القرآن. (١) أما كتب معاني القرآن فقد غلب على شواهدها الشعرية الشاهد النحوي، وخاصة في معاني القرآن للفراء والأخفش. وأمثلته كثيرة جدًا في كتاب الفراء والأخفش لغلبة النحو عليهما. ١ - ومن أمثلة هذه الشواهد النحوية عند الفراء، ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥] (٢) حيث قال: «إن شئت جعلت ﴿فَتَكُونَا﴾ جوابًا نصبًا، وإن شئت عطفته على أول الكلام فكان جزمًا، مثل قول امرئ القيس: فقلتُ لهُ: صَوِّبْ ولا تُجْهِدَنَّهُ ... فَيُذْرِكَ مِنْ أُخرى القَطاةِ فَتَزْلَقِ (٣) فَجَزَمَ». (٤) وقد بَيَّنَ الفراء وجهَ كُلٍّ من النصب والجزم بعد ذلك فقال: «ومعنى الجَزْمِ كأَنَّهُ تكريرُ النَّهي، كقول القائل: لا تَذْهَبْ ولا تَعَرَّضْ لأحدٍ. ومعنى الجوابِ والنَّصْبِ لا تفعل هذا فيُفْعَلْ بكَ مُجازاةً. فلما عطفَ حرف على غير ما يشاكله، وكان في أوله حادث لا يصلح في الثاني نصب». (٥) فيكون الجزم عطفًا على قوله: ﴿تَقْرَبَا﴾ كما في بيت امرئ القيس.

стр. 650

ويكون النصب على أنه جواب النهي. (١) ٢ - ومن الأمثلة عند الفراء قوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] (٢) بالرفع، يرده على قوله: ﴿أَبْلُغُ﴾. ومَنْ جَعَله جوابًا لـ «لعلَّ» نَصبَه، وقد قرأ به بعض القراء. (٣) قال: وأنشدني بعضُ العَربِ: عَلَّ صُروفَ الدَّهرِ أو دَولاتِها ... يُدِلْلَنا اللمَّةُ مِنْ لَمَّاتِها فتستريحَ النَّفسُ مِنْ زَفْراتِها (٤) فنصبَ على الجوابِ بِـ «لَعلَّ». (٥) فقد استشهد الفراء بالشعر على أنَّ مَنْ قرأ: ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالنَّصبِ فهو جوابٌ للترجي بـ «لعل». وهذا وجه من ثلاثة أوجه في إعرابها، وهي: الأول: أن ينتصب على جواب الترجي في «لعل» وهو مذهب كوفي ذكره الفراء، واستشهد أصحابه بهذه القراءة وبقراءة عاصم: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾ [عبس: ٣، ٤] (٦) بنصب: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ جوابًا لقوله: ﴿لَعَلَّهُ﴾. كما استشهد بالشاهد الشعري السابق. الثاني: أنه جواب الأمر في قوله: ﴿ابْنِ لِي﴾ [غافر: ٣٦]، فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين. الثالث: أنه منصوبٌ، عطفًا على التوهم، قال أبو حيان: «لأن خَبَرَ «لعل» جاء كثيرًا مقرونًا بأَنْ، كثيرًا في النظم، وقليلًا في النثر. فمَن نَصَبَ توهَّمَ أَنَّ الفعل المرفوع الواقع خَبَرًا منصوبٌ بأَنْ، والعطفُ على

стр. 651

التوهم كثيرٌ، وإن كان لا ينقاس». (١) وأمّا «معاني القرآن» للأخفش فقد أورد فيه سبعة عشر شاهدًا وثلاثمائة، معظمها شواهد نحوية متداولة عند النحويين. (٢) ثانيًا: من الفروق أيضًا أن أصحاب كتب غريب القرآن نسبوا معظم شواهدهم الشعرية لقائليها، كما فعل أبو عبيدة وابن قتيبة في كتابيهما. وأما أصحاب معاني القرآن ولا سيما الأخفش والفراء فإنهما لم يعنيا بذلك، ولم ينسبا من شواهدهما إلا القليل، وسيأتي مزيد بيان لهذا في المبحث الخامس من هذا الفصل. رابعًا: زمن التصنيف . بدأ التصنيف في «غريب القرآن» قبل «معاني القرآن» من حيث التاريخ، وكان التصنيف في غريب القرآن هو النواة الحقيقية لتأليف معاجم اللغة بعد ذلك. (٣) والترتيب المنطقي للمعجمية اللغوية هو البدءُ بِمعاني المفردات، وهو غريب اللغة، ثم الانتقال بعد ذلك للتراكيب وبيانها، وهو ما عُنيت به كتب المعاني. وقد تقدم ذكر أن أول كتاب في غريب القرآن ينسب لحبر الأمة عبد الله بن عباس، وأنه قد طبع مؤخرًا مع كون في صحة نسبة هذا الكتاب لابن عباس نظر. (٤) وأَمّا أولُ من نُسِبَ له كتابٌ في «معاني القرآن» فهو واصل بن عطاء (ت ١٣١)، وأبان بن تغلب البكري (ت ١٤١). (٥) وقد استمر التصنيف في غريب القرآن حتى الوقت الحاضر وما

стр. 652

تزال تصدر المعاجم المختصة ببيان غريب القرآن، بخلاف التصنيف تحت اسم معاني القرآن فقد توقف مبكرًا إلى حدٍّ ما حيث لم يُحفظ بعد كتاب النيسابوريِّ «إيجاز البيان» كتابٌ في معاني القرآن، واستمر التصنيف فيه تحت مسمى التفسير بعد ذلك في كتب التفسير المتداولة المشهورة التي عنيت من ضمن مباحثها بالمسائل اللغوية والنحوية كالبحر المحيط لأبي حيان وأمثاله. خامسًا: عدد المصنفات. يمكن الموازنة بين كتب غريب القرآن ومعاني القرآن من حيث عدد المصنفات التي صنفت تحت هذين الاسمين، فقد فاقت المصنفات في غريب القرآن الكريم المصنفات في معاني القرآن من حيث العدد، قديمًا وحديثًا. وقد نص الباحثون على أن المؤلفات في معاني القرآن لا تزيد عن أربعين مصنفًا (١)، بخلاف غريب القرآن الذي كتب فيه ما لا يحصى كثرة قديمًا وحديثًا، وقد أحصى أحد الباحثين من مصنفات غريب القرآن ما يزيد عن مائة وخمسة وثمانين مؤلفًا. (٢) هذه هي أهم الفروق التي ظهرت لي بين كتب غريب القرآن ومعاني القرآن، مع التركيز على ما يتعلق بالبحث وهو جانب عنايتهم بالشواهد الشعرية والفروق بينهم في هذه العناية.

стр. 653

المبحث الثالث: منهج أصحاب «معاني القرآن»، و «غريب القرآن» في إيراد الشاهد الشعري. الغَرَضُ من هذا المبحث هو بَيانُ المنهجِ الذي سار عليه المؤلفون لكتب «معاني القرآن» و «غريب القرآن» في إيرادهم للشواهد الشعرية، وعرضهم لها، ونسبتها لقائليها، وتعرضهم لمعاني هذه الشواهد الشعرية بالشرح والبيان. وليس هناك - من حيث العموم - فَرْقٌ كبير بَين منهج المفسرين ومنهج أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه في إيرادهم للشواهد الشعرية واستشهادهم بها. غير أن البحث يقتضي الوقوف بشيء من التفصيل عند منهج أصحاب الغريب والمعاني، وتلمس الفروق الدقيقة بين المنهجين على وجه الإيجاز إن وجدت. والمؤلفون في غريب القرآن ومعانيه يتفاوتون في معرفتهم بالشعر، وسعة روايتهم له، وموقفهم من الشاهد الشعري والاستدلال به في مؤلفاتهم وتفسيرهم للقرآن الكريم، وبيان معاني مفرداته وتركيبه، ولذلك يظهر الاختلاف بين هؤلاء المصنفين لهذه الأسباب مجتمعةً أو لأحدها. ويمكنُ الحديث عن منهج هؤلاء المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه على النحو الآتي: أولًا: مقدار ما يورد من الشاهد الشعري: وأعني بهذا بيان منهج أصحاب الغريب والمعاني في المقدار الذي يوردونه من الشاهد الشعري، أيوردون بيت الشعر كاملًا، أم يوردونه

стр. 654

ناقصًا؟ وإن أوردوه كاملًا أيكتفون ببيت الشاهد أم يزيدون عليه؟ ومنهج المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه كمنهج المفسرين في هذا الجانب. وهو على النحو الآتي: - إيراد البيتِ تامًا . وهو أكثر صور إيراد الشاهد الشعري في كتب الغريب والمعاني. ١ - ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال أبو الأسود الدؤلي: نظرتَ إلى عُنوانِهِ فَنَبَذْتَهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلًا أُخْلِقَتْ مِنْ نِعالِكا (١)». (٢) ٢ - وقول الفراء: «وأنشدني بعضُ بني فَقْعَس: أَبَعْدَ الذي بالسَّفْحِ سَفْحِ كُواكبٍ ... رهينة رمسٍ مِنْ تُرابٍ وجَنْدَلِ». (٣) ٣ - قال ابن قتيبة: «قال أوسُ بنُ حَجَرْ: وقدْ أُعْتِبُ ابنَ العَمِّ إِنْ كنتُ ظالِمًا ... وأَغْفِرُ عنهُ الجهْلَ إِنْ كانَ أَجْهلا (٤)». (٥) وهذا هو الغالب في إيراد الشاهد الشعري في كتب المعاني والغريب. (٦) - إيراد بيتين متتاليين من الشعر: وفي هذه الصورة قد يكون الشاهد في أحدهما، أو فيهما معًا، أو يكون المعنى مرتبطًا بالبيتين معًا. ومن أمثلة ذلك: ١ - قال أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] (٧): «مُخفَّفةٌ، وهي تَخفيفُ مَيّتة، ومعناهما واحدٌ، خُفِّفَت أو ثُقِّلَت. كقول ابن الرعلاء:

стр. 655

ليس مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّما المَيْتُ مَيّتُ الأَحياءِ إِنَّما المَيْتُ مَنْ يَعيشُ ذليلًا ... سَيّئًا بالُهُ، قليلُ الرَّجاءِ (١)». (٢) ٢ - وقال الفراء: «وأنشدني الكسائي: أَلا هَلَكَ الشهابُ المُستنيرُ ... ومِدْرَهُنا الكَمِيُّ إذا نُغِيْرُ وحَمَّالُ المِئِيْنِ إذا أَلَمَّتْ ... بنا الحَدَثانُ والأَنِفُ النَّصُورُ». (٣) ٣ - وقال ابن قتيبة: «قال المرَّار: عَفَتِ المَنازلُ غَيْرَ مِثْلِ الأَنْفُسِ ... بعدَ الزمانِ عَرفتَهُ بالقِرْطَسِ فَوقفتُ تعترفُ الصحيفةُ بعدما ... عَمَسَ الكتابُ وقد يُرَى لم يَعْمسِ». (٤) وهذا قليل في كتب الغريب والمعاني. (٥) - إيراد شطرٍ من البيت: وربما يكون هذا الشطر صدر البيت أو عجزه، غير أنه يكون هو محل الشاهد فيقتصر المؤلف عليه دون سائر البيت. ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال بشر بن أبي خازم: تعنّاكَ نَصْبٌ مِنْ أُمَيمَةَ مُنْصِبُ (٦)». (٧) وقال الفراء: «كما قال الشاعر (٨): هُزِّي إليكِ الجِذْعَ يَجْنِيكِ الجَنَى (٩)

стр. 656

ولم يقل: يَجْنِكِ الجَنى». (١) وقال ابن قتيبة: «وكما قال الآخر (٢): سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرأْنَ بالسُّوَرِ (٣)». (٤) - إيراد موضع الشاهد من البيت: وربما يكون هذا الجزء كلمة واحدة تكون موضع الشاهد أو كلمتين، ومن أمثلة ذلك: ١ - قول أبي عبيدة: «قال ساعدة بن جؤية الهذلي: وطَلَّ تَلِيلًا لِلجَبينِ ... ». (٥) ........................... وتمام البيت: وخَرَّتْ تَلِيلًا لليدينِ ونَعْلُها ... مِن الضَّرْبِ قَطعاءُ القِبالِ خَذِيْمُ (٦) ٢ - وكقول ابن قتيبة: «ونحوه قول الشاعر (٧) في وصف الظليم: ...................... ... جؤجؤه هواء .. ». (٨) وتَمامُ البيت: كأَنَّ الرَّحْلَ منها فَوقَ صَعْلٍ ... من الظِّلْمانِ جُؤْجُؤهُ هَواءُ ثانيًا: موضع إيرادهم للشاهد الشعري: والمقصود به: متى يوردون الشاهد وأين يوردونه عند الحاجة إليه؟ هل يكون بعد شرح المفردة أو التركيب؟ أم يكون قبلها؟ والجواب عن

стр. 657

ذلك أن يقال: غلب على كتب غريب القرآن ومعانيه إيرادهم للشاهد الشعري اللغوي، بعد بيان معنى اللفظة الغريبة بكلام من عندهم، ثم يستدلون على ذلك بالشعر. ويغلب على هذا البيان النثري الذي يشرحون به اللفظة الغريبة في القرآن الإيجاز والاختصار، وعلى هذا سارت كتب غريب القرآن التي اشتملت على شواهد الشعر، كمجاز القرآن لأبي عبيدة، وغريب القرآن لابن قتيبة، والمفردات للأصفهاني. وكذا كتب المعاني مثل كتاب الفراء والأخفش وغيرهما. ومن أمثلة ذلك ما يلي: ١ - قال أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] (١): «أي: وَسَطُ الطريق». ثم استشهد لبيانه هذا بقول حسان بن ثابت ﵁: يا وَيْحَ أَنْصارِ النَّبيِّ ونَسْلِهِ ... بعدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المَلْحَدِ (٢) ٢ - ومن الأمثلة أيضًا عند أبي عبيدة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] (٣): «أي: مَجاعة». ثُم استشهد بقول الأعشى: تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطونُكُمْ ... وجَاراتِكُمْ سُغْبٌ يَبِتْنَ خَمائِصا (٤) أي: جياعًا. (٥) فبيان أبي عبيدة لمعاني المفردات بيانٌ مختصرٌ موجزٌ مُركَّزٌ، يأتي بما يرادف اللفظة ويبين معناها، ثم يتبع ذلك بشاهد من الشعر العربي الفصيح ليؤكد صحة بيانه وشرحه للفظة. ٣ - وفعل مثل ذلك ابن قتيبة في كتابه الغريب. ومن أمثلة ذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٦) حيث فسرها فقال: «أي: بالعهود. يقال: عَقَدَ لي عَقْدًا، أي: جَعَلَ لي عَهْدًا». (٧)

стр. 658

ثم استشهد على قوله هذا بقول الحطيئة: قومٌ إذا عَقَدوا عَقْدًا لِجارِهمُ ... شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فوقَهُ الكَرَبا (١) وعند بيان معنى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] (٢) قال ابن قتيبة: «الغنائم، واحدُها نَفَلٌ». (٣) ثم استشهد على ذلك بقول لبيد: إِنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ ... وبِإذنِ اللهِ رَيثي وعَجَلْ (٤) والأمثلة على هذا المنهج في إيراد الشاهد الشعري كثيرة، وتكاد تكون هي الطريقة الغالبة في كتب غريب القرآن. (٥) وصَنَعَ مثلَ ذلك أصحابُ المعاني، فكانوا يوردون الشاهد الشعري بعد شرح اللفظة الغريبة، إذا كان شاهدًا لغويًا، أو بعد تقرير المسألة النحوية إن كان الشاهد نحويًا وهو الغالب على كتب المعاني وخاصة معاني القرآن للفراء والأخفش. ومن أمثلة ذلك عند الفراء قوله: «والعَنْوَةُ في قول العرب: أخذت هذا الشيء عَنْوةً يكون غَلَبَةً، ويكون عن تسليمٍ وطاعةٍ مِمَّن يُؤخذ منه الشيءُ، قال الشاعر (٦): فما أَخَذوها عَنْوَةً عَن مَودَّةٍ ... ولكنْ بِضَرْبِ المشرفيِّ استقالَها (٧) فهذا على معنى الطاعة والتسليم بلا قتال». (٨) ثالثًا: منهجهم في عزو الشاهد الشعري: عُنِيَ أبو عبيدة بعزو شواهده الشعرية، وتميز في هذا الجانب على

стр. 659

بقية المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه، ثم جاء بعده ابن قتيبة، وكان الفراءُ أقلَّ مَنْ عُنِيَ بِهذا الجانب، وتأثر به كثيرٌ مِمَّن جاء بعده في إغفال نسبة الشواهد الشعرية لقائليها. وللمؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبتهم للشواهد الشعرية طرق كثيرة، بعضها يُعَيّنُ القائلَ باسمهِ فقط، إن كان من المشهورين كلبيد وزهير وطَرَفَة، أو باسمه واسم أبيه إن كان هذا كافيًا في الدلالة عليه، أو باسمه واسم أبيه ونسبته لقبيلة من قبائل العرب زيادةً في البيان، وربما نُسِبَ الشعرُ لقائلهِ بلَقَبِهِ الذي اشتُهِرَ به بين الشعراء كالأعشى والحطيئة والفرزدق. وأحيانًا لا يُعَيّنُ المؤلفُ قائلَ الشاهد الشعري، وإنما ينسب الشعرَ نسبةً غير مُبيَّنةٍ بيانًا تامًا، كأن ينسبه لقبيلته، أو نحو ذلك. وفيما يلي أمثلة من كتب غريب القرآن ومعانيه على هذا البيان لقائل الشاهد الشعري قبل إيراده والاستشهاد به. - عزو الشاهد إلى قائله: ويكون ذلك بذكر اسم الشاعر الأول أو اسمه واسم أبيه، أو لقبه أو كنيته. من أمثلة الاكتفاء بنسبة الشاهد للشاعر باسمه الأول لشهرته قول أبي عبيدة: «قال رؤبة». (١) وهو رؤبة بن العجاج التميميُّ، ولا يشاركه غيره في هذا الاسم، وقد تقدمت ترجمته. وقال أبو عبيدة أيضًا: «قال طرفةُ». (٢) وهو طرفة بن العبد البكري، ولم يشتهر أحد من الشعراء بهذا الاسم غيره، وقد تقدمت ترجمته. ومن الأمثلة عند ابن قتيبة قوله: «قال لبيد». (٣) فقد اقتصر أبو

стр. 660

عبيدة وابن قتيبة على نسبة الشواهد للشاعر باسمه الأول الذي اشتهر به لعدم وجود من يشاركه في هذا الاسم من الشعراء المعروفين. وربما ذُكر الشاعرُ باسمه واسم أبيه كاملًا، وربما نسب فوق ذلك إلى قبيلته زيادةً في البيان. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال محمدُ بن نُميرٍ الثقفيُّ». (١) فذكر اسم الشاعر كاملًا باسمه واسم أبيه ونسبته لثقيف لعدم شهرته. وقال أبو عبيدة: «قال سحيم بن وثيل اليربوعي». (٢) وقال الفراء: «وقال حسان بن ثابت». (٣) ومن الأمثلة عند ابن قتيبة قوله: «قال أَوسُ بنُ حَجَر». (٤) وقد يزيد فيذكر اسم الشاعر واسم أبيه وجده، كقول أبي عبيدة: «قال عوف بن الأحوص بن جعفر». (٥) وقد يكون الشاعر مغمورًا، فيزيد المؤلف في الدلالة عليه، كما في قول أبي عبيدة: «وقال الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصي من بني فراص من باهلة: رماني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالدِي ... بَرِيئًا ومِنْ دُونِ الطَّويِّ رَماني». (٦) وربما كان الشاعر مشهورًا بلقب من الألقاب، عُرِفَ به بين الشعراء، فيكتفي أبو عبيدة وغيره بنسبة الشعر إليه بذكر لقبه. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة: «قال الأخطل ... وقال الفرزدق». (٧) فقد اكتفى أبو عبيدة بنسبة الشواهد للشاعرين بِذِكْرِ اللَّقَبِ الذي اشتُهِر بهِ كُلٌّ منهما. وقال ابن قتيبة: «قال الأعشى». (٨) والأعشى إذا أطلق - كما تقدم - هو الأعشى الكبير ميمون بن قيس أبو بصير. وقال ابن قتيبة: «قال

стр. 661

النابغة». (١) والنابغة إذا أطلق فهو لقب لزياد بن معاوية الذبياني الشاعر الجاهلي، وإذا أريد به غيره قُيِّدَ، كالنابغة الجعدي. (٢) وقد يكون لقب الشاعر غريبًا فيبين معناه ويطيل في بيانه قبل إيراده لشعره، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال الخِنَّوّتُ - وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وإنما سَمَّاهُ الخنوتَ الأحنفُ بن قيس؛ لأنَّ الأحنفَ كلَّمَهُ فلم يُكلِّمهُ احتقارًا له، فقال: إِنَّ صاحبَكم هذا لَخِنَّوت. والخِنَّوتُ: المُتَجَبِّرُ الذاهب بنفسه، المستصغرُ للناسِ، فيما أخبرني أبو عبيدة محمد بن حفص بن محبور الأسيدي: وأَهلُ خِباءٍ صَالحٍ ذات بينِهم ... قد احتَرَبوا في عاجِلٍ أَنا آَجِلُهْ». (٣) وقد يُنسبُ الشاهدُ لقائله بكنيته التي اشتهر بها، كأبي فلان أو ابن فلان. ومن ذلك قول أبي عبيدة: «كقول ابن الرعلاء». (٤) واستطرد فشرح معنى الرعلاء فقال: «واسم الرعلاء كوتي، والكؤتي والكوتي يهمز ولا يهمز، والكوتي من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدري أيكون في الناس أم لا، قال: ولا أدري الرعلاء أبوه أو أمه». (٥) وقول أبي عبيدة: «وقال ابن أحمر». (٦) وقوله: «وقال ابن هرمة». (٧) فيظهر من طريقة المؤلفين في غريب القرآن في ذكر اسم الشاعر قبل إيراد الشعر رغبتهم في الاختصار، فعندما يكون الشاعر مشهورًا باسمه الأول، اكتفوا به، وإلا زادوا في البيان فذكروا اسم الشاعر واسم أبيه، وقد يزيدون نسبته للقبيلة. وربما اكتفوا بلقب الشاعر إن كان له لقب مشهور يعرف به، أو كنيته إن كانت أشهر.

стр. 662

- إغفال عزو الشاهد: ربما أَبْهَمَ المؤلف اسم الشاعر، ولهذا الإبهام صور متعددة بعضها شديد الإبهام، وبعضها يعد إبهامًا يدل على قبيلة القائل أو زمنه أو جنسه. والفراء في أغلب شواهده يبهم اسم القائل، ولا يذكره. فمن صور الإبهام الاكتفاء بنسبة الشاعر لقبيلته، كقول أبي عبيدة: «قال رجل من عبيد القيس». (١) وقول ابن قتيبة: «قال الهذلي». (٢) وربما ذكروا الشاعر بقولهم: قال الشاعر (٣)، أو قال الراجز إن كان الشاهد من بحر الرجز (٤)، أو قال بعضهم. (٥) أو قال، أو وقوله. ونحو هذه العبارات المبهمة. (٦) ونسبة الشاعر إلى قبيلته يعين في معرفة لغة هذه القبيلة، وإن لم يكن دالًا على الشاعر، وكذلك تحديد زمن القائل كقول أبي عبيدة: «وقال رجل من بني عدي جاهلي». (٧) فإنه يطمئن القارئ أن الشعر قديم، وإن كان مجهول القائل، مما يجعل الاستشهاد به مقبولًا. رابعًا: بيان مناسبة الشاهد الشعري قبل إيراده: من أوجه العناية بالشاهد الشعري عند إيراده، حتى يتضح معناه بيان مناسبته وموضوعه الذي قيل فيه، فربما لا يفهم القارئ للشاهد معناه دون معرفته لموضوعه. ومن الأمثلة على ذلك: ١ - قال أبو عبيدة: «وقال رجلٌ من عبد القيس، جاهلي، يَمدحُ بعضَ الملوك:

стр. 663

ولَسْتَ لإِنْسِيٍّ ولكنْ لَمْلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السماءِ يَصُوبُ». (١) ٢ - وقال أبو عبيدة أيضًا: «وقال حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان: يا ويحَ أَنصارِ النَّبِيِّ ونَسلهِ ... بعدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ». (٢) ٣ - وقال الفراء: «وأنشدني بعض بني أسدٍ يَصِفُ فَرَسَهُ: عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بَارِدا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيناها». (٣) ٤ - وقال الفراء: «قال الشاعر وهو يذم امرأة له: عنجرد تَحْلِفُ حينَ أَحْلِفُ ... كَمِثْلِ شَيطانِ الحَماطِ أَعْرَفُ (٤)» (٥) ٥ - قال ابن قتيبة: «وقال حُميدُ بن ثور يصفُ إِبِلًا: رَعَيْنا المُرَارَ الجَوْنَ مِنْ كُلِّ مِذْنَبٍ ... شهورَ جُمادَى كُلَّها والمُحَرَّما (٦)» (٧) ٦ - وقال ابن قتيبة أيضًا: «قال الشاعر (٨) يذم رجلًا: يَرى الخَمْصَ تَعذِيبًا وإِنْ يَلْقَ شَبْعَةً ... يَبِتْ قَلْبُهُ مِنْ قِلَّةِ الهَمِّ مُبْهَما (٩)» (١٠)

стр. 664

فقد أَبْهَم ذكر الشاعر، وذكر موضوع الشاهد حيث قاله حاتم الطائي (يذمُّ رجَلًا)، وهو يصفُ الصعلوكَ، ويَمدحهُ ولا يَذمُّهُ، وظاهر الشاهد مقتطعًا من بقية القصيدة لا يدل على المدح، وإنما يظهر منه الذم، فاختصر ابن قتيبة الغرضَ لعنايته بِمَوضع الشاهد دون بقية القصة في هذا الموضع، وهذا من العيوب التي توقع في سوء فهم الشاهد الشعري في كتب التفسير، وقد سبق بيانه في الباب الأول. وهذه الإشارات الموجزة إلى موضوع الشعر ومناسبته، توضح معناه، وتعد جزءًا من شرح الشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبه وهي الفقرة التالية. خامسًا: شرحهم للشاهد الشعري: في مواضع كثيرة تكون ألفاظ الشاهد الشعري في حاجة إلى بيان وشرح، فلا يكتفي المؤلف بإيراد الشاهد الشعري وتجاوزه إلى ما بعده، وإنما يتوقف المؤلف عند معنى الشاهد ويشرح ما غمض فيه من الألفاظ أو المعنى الإجمالي للبيت. ومن أمثلة شرح أصحاب غريب القرآن للشاهد الشعري: ١ - قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] (١): «التأويل: التفسير، والمرجع: مصيره. قال الأعشى: على أَنَّها كانت تَأَوَّلُ حُبِّها ... تأَوُّلَ رِبْعيّ السِّقابِ فأَصْحَبا (٢) قوله: تَأوُّلُ حُبِّها: تفسيرهُ ومرجعهُ، أي إِنَّه كانَ صغيرًا في قلبه، فلم يَزَلْ يَنبُتُ، حتى أَصْحَبَ فصار قديمًا كهذا السقب الصغير، لم يزل يشب حتى أصحب فصار كبيرًا مثل أمه». (٣)

стр. 665

وأبو عبيدة ممن يعنى بأخبار الشعراء، وظهر ذلك في تعليقاته على بعض الشواهد الشعرية في كتابه المجاز، ومن ذلك قوله: «وقال عمرو بن معد يكرب: أَمِنْ رَيْحانةَ الدَّاعي السَّمِيعُ (١) ......................... يريد: المُسمع. ريحانة: أخت عمرو بن معد يكرب، كان الصمة أغار عليها وذهب بها، وقال أبو عبيدة: كانت ريحانة أخت عمرو فسباها الصمة، وهي أم دريد وخالد». (٢) فهنا يوضح أبو عبيدة بعض أخبار الشاهد الشعري مما يزيد معناه وضوحًا، وإن لم يكن متعلقًا بموضع الشاهد منه. ٢ - وقال ابن قتيبة: «﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٢] (٣) أي: لا يكسبنكم. يقال: فلان جارم أهله، أي: كاسبهم، وكذلك جريمتهم. وقال الهُذليُّ (٤) وَوصفَ عُقابًا: جَريِمَةُ ناهضٍ في رأسِ نِيقٍ ... ترى لِعِظامِ ما جَمَعتْ صَلِيبا (٥) والنَّاهضُ: فَرخُها، يقول: هي تَكْسِبُ لَهُ، وتأتيهِ بقُوتِه». (٦) ٣ - وقال ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (٧): «والتَّصْدِيَةُ: التصفيقُ. يقالُ: صَدَّى إذا صَفَّقَ بيدهِ، قال الراجز: ضَنَّتْ بِخَدٍّ وثَنَتْ بِخَدِّ ... وإِنِّيَ مِنْ غَرو الهَوى أُصَدِّي (٨)

стр. 666

الغَرْوُ: العَجَبُ. يقال: لا غَرو من كذا وكذا، أي: لا عَجَبَ منه». (١) وقد استفاد ابن قتيبة في كتبه من كتب أبي عبيدة وخاصة مجاز القرآن، فهو ينقل عنه تفسير الغريب، وينقل شواهده الشعرية أيضًا، وقد يشير إلى ذلك، وربما يُغفلُ الإشارةَ إلى أبي عبيدة. ومِنْ إشارته لأَبي عُبيدة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩]: «﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: الأَعنابَ والزيتَ. وقال أبو عبيدة: (٢) ﴿يَعْصِرُونَ﴾: يَنْجُون، والعُصْرَةُ النَّجاةُ. قال الشاعرُ (٣): ....................... ... وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (٤) أي: غِياثًا ومَنْجاةً للمَكْروب». (٥) ومن ذلك قول ابن قتيبة: «وقال أبو عبيدة: رسولٌ بِمعنى رِسالةٍ، وأنشد: لقد كَذَبَ الواشونَ ما بُحتُ عندَهمْ ... بِسِرٍّ، ولا أَرسلتُهُمْ بِرَسُولِ (٦) أي: برسالة». (٧) غير أن استفادة ابن قتيبة من أبي عبيدة لم تمنعه من تعقبه في بعض ما ذهب إليه، وقد اشتملت كتب غريب القرآن ومعانيه على الكثير من

стр. 667

التعقبات لبعضهم على بعض، في فهم وشرح بعض الشواهد الشعرية. وقد كان لابن قتيبة النصيب الأكبر من ذلك حيث تعقب أبا عبيدة في استشهاده ببعض الشواهد الشعرية، فخالفه في وجه الاستشهاد في بعضها، وخالفه في شرح بعضها. وسبقت الإشارة في الفصل السابق إلى تعقبات المفسرين وخاصةً الطبري وابن عطية لأبي عبيدة أيضًا. ومن أمثلة ذلك عند ابن قتيبة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] (١): «قال أبو عبيدة (٢): يتشاورون فيك ليقتلوك، واحتج بقول الشاعر (٣): أَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (٤) وهذا غَلَطٌ بَيّنٌ لِمَن تدبّر، ومضادةٌ للمعنى. كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمُشاورةُ بَرَكَةٌ وخَيْرٌ؟ وإنما أراد: يعدو عليهِ ما هَمَّ به للناس من الشرِّ. ومثله قولهم: مَنْ حَفَرَ حُفرةً وَقَعَ فيها. وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ﴾ أي: يَهُمُّونَ بك. يدلك على ذلك قول النمر بن تولب: اعْلَمَنْ أَنْ كُلّ مُؤْتَمِرٍ ... مُخطئٌ في الرأي أَحيانا فإِذا [ما] لَمْ يُصِبْ رَشَدًا ... كان بعضُ اللَّومِ ثُنْيانا (٥). يعني أَنَّ كُلَّ مَنْ ركبَ هواه، وفَعَلَ ما فَعَلَ بغير مُشاورةٍ، فلا بُدَّ من أن يُخطئَ أحيانًا، فإذا لم يُصِب رَشَدًا لامَهُ الناسُ مرتين: مرةً لركوبهِ الأمرَ بغير مشاورة، ومرةً لِغَلَطِهِ. ومِمَّا يدلك على ذلك أيضًا قوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] (٦) لم يُرِد: تشاوروا، وإنَّما أراد: هُمُّوا بهِ، واعتزموا عليه. وقالوا في تفسيره: هو أَنْ لا تضرَّ المرأةُ بزوجها، ولا الزوجُ بالمرأة. ولو أراد المعنى الذي ذهب إليه أبو عبيدة، لكان

стр. 668

أولى به أن يقول: «إن الملأ يتآمرون فيك». أي: يستأمرُ بعضهم بعضًا». (١) وهذا الذي ذهب إليه ابن قتيبة هو ما قاله أبو عبيدة أيضًا، وقد وافقه عليه غيره كالطبري مع كثرة تعقبه لأبي عبيدة (٢)، وقد اختصرَ ابنُ قتيبة كلامَ أبي عبيدة فلم يُفْهَم على وجههِ، وتَمامُ كلام أبي عبيدة: «﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] مَجازهُ: يَهُمُّون بكَ، ويوامرون فيك، ويتشاورون فيك ويرتئون، قال النَّمِرُ بن تَوْلَب: أَرى الناسَ قَدْ أَحْدثُوا شِيمةً ... وفي كُلِّ حادثةٍ يُؤْتَمَرْ (٣) وقال ربيعةُ بنُ جُشمَ النَّمَريُّ: أَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (٤) ما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك». (٥) فأبو عبيدة لم يقتصر على تفسير الموامرة بالمشاورة فحسب، ولكنه فسرها بالهَمِّ والمشاورة، واستشهد عليها ببيت للنمر بن تولب أيضًا. وشرح ابن قتيبة لمعنى بيت ربيعة بن جشم بقوله: «وكيف يعدو على المرء ما شاور فيه ... الخ فهم غير سديد للبيت، وفهم أبي عبيدة أجود وهو قوله: «ما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك».

стр. 669

والغالب على شرح الشواهد الشعرية في كتب غريب القرآن ومعانيه الاختصار والإيجاز، ولا يطيلون الشرح إلا للأبيات التي تكون موضع خلاف. ومن ذلك قول ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] (١): «أي نصيبًا. ويقال: شِبْهًا ومِثْلًا؛ إذ عبدوا الملائكةَ والجنَّ. وقال أبو إسحاق [الزجاجُ] (٢): إِنَّ معنى جُزءًا ههنا: بناتٌ. يُقال: لهُ جُزءٌ مِن عيالٍ، أَي: بنات. قال: وأنشدني بعضُ أهل اللغة بيتًا يدل على أَنَّ معنى (جُزء) معنى إِناث، قال: ولا أدري البيتُ قديمٌ أم مصنوع؟ : إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلا عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أَحيانا فمعنى: إن أجزأت، أي: آنثت، أي أتت بأنثى. وقال المفضل بن سلمة: حكى لي بعضُ أهلِ اللغةِ: أَجزأَ الرجلُ، إذا كان يُولَدُ لَه بناتٌ. وأجزأت المرأةُ: إذا ولدت البناتِ. وأنشد المفضَّلُ: زُوِّجتُها مِنْ بناتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً ... لِلعَوسَجِ اللَّدْنِ في أَبياتِها زَجَلُ». (٣) وقد كان أبو عبيدة في شرحه للغريب يعتمد كثيرًا في الاستدلال على الشعر، ولذلك كان ابن قتيبة يسلك المسلك نفسه في تعقب أبي عبيدة، فيصيب أحيانًا ويخالفه الصواب أحيانًا أخرى. ومن ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٩] (٤) قال في تفسير قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: مَجازهُ مَجازُ المَثَلِ، وموضعه موضع: كفوا عما أمروا بقوله من الحق، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، ويقال: رَدَّ يدَهُ في فَمِهِ، أي: أمسك إذا لم يُجِب». (٥) فقال ابن قتيبة متعقبًا له: «ولا

стр. 670

أعلم أحدًا قال: رَدَّ يَدَهُ في فيه إذا أمسك عن الشيء، والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم، أي: عَضُّوا عليها حنقًا وغيظًا. كما قال الشاعر: (١) يَرُدُّون في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ (٢) يعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر، ونحوه قول الهذلي: قَد افنَى أَنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عليَّ الوظِيفا يقول: قد أَكَلَ أصابِعَه حتى أَفناها بالعضِّ، فأضحى يَعَضُّ عليَّ وظيفَ الذِّراعِ. وهكذا فَسَّر هذا الحرفَ ابنُ مسعودٍ، واعتباره قولَهُ في موضعٍ آخر: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٣)». (٤) فابن قتيبة قد استشهد بالشعر لإثبات صواب ما ذهب إليه، وخطأ ما ذهب إليه أبو عبيدة في تفسيره لهذه الآية، مع إن أبا عبيدة قد فسر الآية تفسيرًا إجماليًا وهو تفسير قال به قتادة، حيث فسرها بقوله: «قومهم كذبوا رسلهم، وردوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردوا عليهم بأفواههم». (٥) وقد رد تفسير أبي عبيدة الإمام الطبري أيضًا، وذهب إلى أنه قول لا وجه له، ورجح القول الذي ذهب إليه ابن قتيبة، وهو تفسير عبد الله بن مسعود فقال: «وأشبه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله عَزَّوَجَلَّ به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم مِنْ رَدِّ اليدِ إلى الفم». (٦)
следующие страницы →