الغَرْوُ: العَجَبُ. يقال: لا غَرو من كذا وكذا، أي: لا عَجَبَ منه». (١)
وقد استفاد ابن قتيبة في كتبه من كتب أبي عبيدة وخاصة مجاز القرآن، فهو ينقل عنه تفسير الغريب، وينقل شواهده الشعرية أيضًا، وقد يشير إلى ذلك، وربما يُغفلُ الإشارةَ إلى أبي عبيدة.
ومِنْ إشارته لأَبي عُبيدة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩]: «﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: الأَعنابَ والزيتَ. وقال أبو عبيدة: (٢) ﴿يَعْصِرُونَ﴾: يَنْجُون، والعُصْرَةُ النَّجاةُ. قال الشاعرُ (٣):
....................... ... وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (٤)
أي: غِياثًا ومَنْجاةً للمَكْروب». (٥)
ومن ذلك قول ابن قتيبة: «وقال أبو عبيدة: رسولٌ بِمعنى رِسالةٍ، وأنشد:
لقد كَذَبَ الواشونَ ما بُحتُ عندَهمْ ... بِسِرٍّ، ولا أَرسلتُهُمْ بِرَسُولِ (٦)
أي: برسالة». (٧)
غير أن استفادة ابن قتيبة من أبي عبيدة لم تمنعه من تعقبه في بعض ما ذهب إليه، وقد اشتملت كتب غريب القرآن ومعانيه على الكثير من
стр. 667
التعقبات لبعضهم على بعض، في فهم وشرح بعض الشواهد الشعرية. وقد كان لابن قتيبة النصيب الأكبر من ذلك حيث تعقب أبا عبيدة في استشهاده ببعض الشواهد الشعرية، فخالفه في وجه الاستشهاد في بعضها، وخالفه في شرح بعضها. وسبقت الإشارة في الفصل السابق إلى تعقبات المفسرين وخاصةً الطبري وابن عطية لأبي عبيدة أيضًا.
ومن أمثلة ذلك عند ابن قتيبة قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] (١): «قال أبو عبيدة (٢): يتشاورون فيك ليقتلوك، واحتج بقول الشاعر (٣):
أَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (٤)
وهذا غَلَطٌ بَيّنٌ لِمَن تدبّر، ومضادةٌ للمعنى. كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمُشاورةُ بَرَكَةٌ وخَيْرٌ؟ وإنما أراد: يعدو عليهِ ما هَمَّ به للناس من الشرِّ. ومثله قولهم: مَنْ حَفَرَ حُفرةً وَقَعَ فيها. وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ﴾ أي: يَهُمُّونَ بك. يدلك على ذلك قول النمر بن تولب:
اعْلَمَنْ أَنْ كُلّ مُؤْتَمِرٍ ... مُخطئٌ في الرأي أَحيانا
فإِذا [ما] لَمْ يُصِبْ رَشَدًا ... كان بعضُ اللَّومِ ثُنْيانا (٥).
يعني أَنَّ كُلَّ مَنْ ركبَ هواه، وفَعَلَ ما فَعَلَ بغير مُشاورةٍ، فلا بُدَّ من أن يُخطئَ أحيانًا، فإذا لم يُصِب رَشَدًا لامَهُ الناسُ مرتين: مرةً لركوبهِ الأمرَ بغير مشاورة، ومرةً لِغَلَطِهِ. ومِمَّا يدلك على ذلك أيضًا قوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] (٦) لم يُرِد: تشاوروا، وإنَّما أراد: هُمُّوا بهِ، واعتزموا عليه. وقالوا في تفسيره: هو أَنْ لا تضرَّ المرأةُ بزوجها، ولا الزوجُ بالمرأة. ولو أراد المعنى الذي ذهب إليه أبو عبيدة، لكان
стр. 668
أولى به أن يقول: «إن الملأ يتآمرون فيك». أي: يستأمرُ بعضهم بعضًا». (١)
وهذا الذي ذهب إليه ابن قتيبة هو ما قاله أبو عبيدة أيضًا، وقد وافقه عليه غيره كالطبري مع كثرة تعقبه لأبي عبيدة (٢)، وقد اختصرَ ابنُ قتيبة كلامَ أبي عبيدة فلم يُفْهَم على وجههِ، وتَمامُ كلام أبي عبيدة: «﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠] مَجازهُ: يَهُمُّون بكَ، ويوامرون فيك، ويتشاورون فيك ويرتئون، قال النَّمِرُ بن تَوْلَب:
أَرى الناسَ قَدْ أَحْدثُوا شِيمةً ... وفي كُلِّ حادثةٍ يُؤْتَمَرْ (٣)
وقال ربيعةُ بنُ جُشمَ النَّمَريُّ:
أَحارِ بنِ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَعْدُو على المَرْءِ ما يَأْتِمِرْ (٤)
ما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك». (٥)
فأبو عبيدة لم يقتصر على تفسير الموامرة بالمشاورة فحسب، ولكنه فسرها بالهَمِّ والمشاورة، واستشهد عليها ببيت للنمر بن تولب أيضًا. وشرح ابن قتيبة لمعنى بيت ربيعة بن جشم بقوله: «وكيف يعدو على المرء ما شاور فيه ... الخ فهم غير سديد للبيت، وفهم أبي عبيدة أجود وهو قوله: «ما يأتِمر: ما يرى لنفسهِ، فَيَرى أَنَّه رُشْدٌ، فربَّما كان هلاكه من ذلك».
стр. 669
والغالب على شرح الشواهد الشعرية في كتب غريب القرآن ومعانيه الاختصار والإيجاز، ولا يطيلون الشرح إلا للأبيات التي تكون موضع خلاف.
ومن ذلك قول ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] (١): «أي نصيبًا. ويقال: شِبْهًا ومِثْلًا؛ إذ عبدوا الملائكةَ والجنَّ. وقال أبو إسحاق [الزجاجُ] (٢): إِنَّ معنى جُزءًا ههنا: بناتٌ. يُقال: لهُ جُزءٌ مِن عيالٍ، أَي: بنات. قال: وأنشدني بعضُ أهل اللغة بيتًا يدل على أَنَّ معنى (جُزء) معنى إِناث، قال: ولا أدري البيتُ قديمٌ أم مصنوع؟ :
إِنْ أَجْزَأَتْ حُرَّةٌ يومًا فلا عَجَبٌ ... قَدْ تُجْزئُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أَحيانا
فمعنى: إن أجزأت، أي: آنثت، أي أتت بأنثى. وقال المفضل بن سلمة: حكى لي بعضُ أهلِ اللغةِ: أَجزأَ الرجلُ، إذا كان يُولَدُ لَه بناتٌ. وأجزأت المرأةُ: إذا ولدت البناتِ. وأنشد المفضَّلُ:
زُوِّجتُها مِنْ بناتِ الأَوْسِ مُجْزِئَةً ... لِلعَوسَجِ اللَّدْنِ في أَبياتِها زَجَلُ». (٣)
وقد كان أبو عبيدة في شرحه للغريب يعتمد كثيرًا في الاستدلال على الشعر، ولذلك كان ابن قتيبة يسلك المسلك نفسه في تعقب أبي عبيدة، فيصيب أحيانًا ويخالفه الصواب أحيانًا أخرى. ومن ذلك أن أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٩] (٤) قال في تفسير قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: مَجازهُ مَجازُ المَثَلِ، وموضعه موضع: كفوا عما أمروا بقوله من الحق، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، ويقال: رَدَّ يدَهُ في فَمِهِ، أي: أمسك إذا لم يُجِب». (٥) فقال ابن قتيبة متعقبًا له: «ولا
стр. 670
أعلم أحدًا قال: رَدَّ يَدَهُ في فيه إذا أمسك عن الشيء، والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم، أي: عَضُّوا عليها حنقًا وغيظًا. كما قال الشاعر: (١)
يَرُدُّون في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ (٢)
يعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر، ونحوه قول الهذلي:
قَد افنَى أَنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عليَّ الوظِيفا
يقول: قد أَكَلَ أصابِعَه حتى أَفناها بالعضِّ، فأضحى يَعَضُّ عليَّ وظيفَ الذِّراعِ. وهكذا فَسَّر هذا الحرفَ ابنُ مسعودٍ، واعتباره قولَهُ في موضعٍ آخر: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٣)». (٤) فابن قتيبة قد استشهد بالشعر لإثبات صواب ما ذهب إليه، وخطأ ما ذهب إليه أبو عبيدة في تفسيره لهذه الآية، مع إن أبا عبيدة قد فسر الآية تفسيرًا إجماليًا وهو تفسير قال به قتادة، حيث فسرها بقوله: «قومهم كذبوا رسلهم، وردوا عليهم ما جاءوا به من البينات، وردوا عليهم بأفواههم». (٥) وقد رد تفسير أبي عبيدة الإمام الطبري أيضًا، وذهب إلى أنه قول لا وجه له، ورجح القول الذي ذهب إليه ابن قتيبة، وهو تفسير عبد الله بن مسعود فقال: «وأشبه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله عَزَّوَجَلَّ به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم مِنْ رَدِّ اليدِ إلى الفم». (٦)
стр. 671
المبحث الرابع: مدى الاعتماد على الشاهد الشعري عند مؤلفي كتب معاني القرآن وغريب القرآن
بعد بيان منهج أصحاب المعاني والغريب في إيراد الشواهد الشعرية، ودراسة طريقهم في عرضها عند الاستشهاد بها، من المناسب بيان مكانة الشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبة، ومَنْزلته بين الشواهد الأخرى، وهل اعتمدوا على الشاهد الشعري في بَحثهم في تفسير الآيات؟ أم أن ذلك لم يكن إلا اعتضادًا به مع غيره من الشواهد؟ وإن كانوا قد اعتمدوا على الشاهد الشعري فما مدى هذا الاعتماد؟ وكيف يمكن قياس مقدار هذا الاعتماد؟ وهذا ما يتناوله هذا المبحث.
أولًا: اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري .
يدخل في المعرفة بلغة العرب معرفةُ شواهدِهَا من الشعر الذي اعتمد عليه العلماء في تقعيد القواعد، وشرح الغريب من القرآن والحديث. ولذلك لم يكن رواة الشعر وعلماؤه يقبلون تفسيرًا لا دليل عليه، ولا حجة تؤيده ولا سيما من الشعر، حتى قال الجاحظ بعد أن ذكر شيئًا عن العرب: «ولا بد من أن يكون على ذلك دليلٌ، إمَّا شِعْرٌ وإمَّا حديث، وإما أن يقول ذلك العلماءُ، فإِنْ جاءوا مع ذلك بشاهدٍ فهو أَصحُّ للخَبَرِ، وإن لم يأتوا بشاهدٍ فليس قولهم حجةً». (١)
وللشاهد الشعري في كتب معاني القرآن وغريبه ظهور واضح،
стр. 672
ومكانة خاصة، فقد كان أصحاب هذه المصنفات من رواة الشعر الأوائل أو من طبقة تلاميذهم، ولذلك كان الشعر أهمَّ ما استشهد به أهلُ المعاني والغريب في بيان الدلالة اللغوية، والاحتجاج للأحكام النحوية، وقد كان لهم في ذلك منازعُ مختلفةٌ تبعًا لأسلوب كُلٍّ منهم وغايته، والمرحلة التي أَلَّفَ فيها كتابه، إذ كان بعضهم يعتمد عليه اعتمادًا كليًا حتى عيب به كأبي عبيدة في «مجاز القرآن»، وبعضهم يقتصد كالأخفش والفراء، وسيأتي تفصيل ذلك.
وقد تقدم بيان أنه لا يشترط وجود شواهد من الشعر لبيان كُلِّ لفظٍ في القرآن الكريم؛ لعدمِ الحاجة إلى ذلكَ، لأن أغلب ألفاظ القرآن ظاهرة لا تحتاج في بيانها إلى الاستشهاد بالشعر أو غيره. ولم يكن أهلُ اللغةِ يعتمدون في بيان المفردات في الغالب إلا على شعر العرب وكلامهم، دون الرجوع لتفسير الصحابة والتابعين للقرآن مع أنهم أعلم بالقرآن ولغته على حد سواء، وذلك «لأَنَّهم إمَّا عَرَبٌ تُنقلُ عن مثلهم اللغةُ، كالصحابةِ وكبار التابعين، الذين عاصرهم اللغويون الذين نقلوا اللغةَ ودونوها، وأَقلُّ حالِ مُفسري أتباعِ التابعين أنْ يكونوا بِمنْزِلةِ هؤلاء اللغويين في نقلِ اللغة». (١) والمفردات التي أخذها اللغويون عن المفسرين كثيرة، وقد أفردها بعض العلماء بالذكر. (٢)
أهل المعاني من اللغويين واستشهادهم بالشعر:
وقد كان اللغويون المتقدمون أهلَ عنايةٍ بحفظِ الشعر عامة، وشعر الشواهد خاصة، واشتهر من اللغويين وأهل المعاني بحفظ شواهد الشعر محمدُ بن القاسم الأنباريِّ (ت ٣٢٨ هـ) فذكر تلميذه أبو علي القاليِّ أنه
стр. 673
كان يَحفظُ ثَلاثَمائة ألف بيتٍ من الشعر شواهد في تفسير القرآن (١)، ولم يُسمع بأحفظ منه لشواهدِ القرآنِ من أهل اللغة والتفسير، وهذا يستحق الوقوف عنده، لمناسبة الحديث عن أصحاب معاني القرآن وغريبه وهو منهم، ولمعرفة حقيقة هذه الكثرة من الشواهد التي كان يحفظها، ومنهجه الذي كان يسلكه في الاستشهاد بها.
ومِمَّا يؤسَفُ عليه أَنَّ كتابيه في معاني القرآن، وغريب القرآن من المفقودات (٢)، وقد ذُكِرَ أنه يبلغ خمسًا وأربعين ألف ورقة، ولو عُثِرَ عليهِما لتبيَّنَ منهجهُ في الاستشهاد على غريب القرآن وبيان معانيه، غير أنَّ في مصنفاته التي طُبعت (٣) ما يدلُّ على شيء من ذلك، فقد تجاوز عدد شواهده في كتاب «المذكر والمؤنث» ألفَ شاهدٍ من الشعر، مع صغرِ حجمهِ، وهو في هذا الكتابِ رُبَّما استشهد على بعض المسائل بتسعة شواهد من الشعر، كاستشهاده على لفظة «المَنُونِ»، و «الكَبِدِ»، و «سرى وأسرى» وغيرها. (٤) وفاقت شواهد الشعر في كتاب «الأضداد» الثمانمائة شاهد (٥)، وأما شواهد «الزاهر» فقاربت الثلاثة الآف شاهد (٦)،
وبلغت شواهد «إيضاح الوقف والابتداء» ما يقارب الثلاثمائة شاهد من
стр. 674
الشعر (١)، بل إن مجلسًا من أماليه في ست ورقات، بلغت الشواهد فيه ثمانية عشر شاهدًا (٢)، وقد روى أبو علي القالي كثيرًا من شواهده الشعرية في تفسير القرآن (٣).
ومن سعة حفظه للشواهد كان يكثر من إيرادها في مصنفاته، ويرى الإخلال بها في مواضعها نقصًا ينبغي تداركهُ، ولذلك عندما رأى كتاب المفضل بن سلمة «الفاخر» خاليًا من شواهد الشعر، شرع في تصنيف كتابه «الزاهر»، وبناه عليه (٤)، وزاد فيه من الشعر ما زاد به حجم الكتاب، مع إيراده مسائل متفرقة من نحو الكوفيين. وقد دفع هذا الإكثارُ من الشواهد في الكتاب، وما في الكتاب من نصرة مذهب الكوفيين معاصره أبا إسحاق الزجاجي إلى اختصاره، وقال في بيان سبب اختصاره: «هذا كتاب جمعت فيه جمل الألفاظ التي ذكرها أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الموسوم بالزاهر، فشرحتها مختصرة موجزة، وحذفت عنها الشواهد وما تعلق بها من كلامه المطول، ليقرب حفظها على من أرادها». (٥)
وكان يُكثرُ تخطئةَ ابنِ قتيبة (ت ٢٧٦)، وشيخه أبي حاتمٍ السجستانيِ (ت ٢٥٥)، وصنَّفَ في ذلك كتبًا، وقد أشار إلى ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية فقال: «وابن الأنباري ... من أكثر الناس كلامًا في معاني الآي المتشابهات، يذكر فيها من الأقوال ما لم ينقل عن أحد من السلف، ويحتج لما يقوله في القرآن بالشاذ من اللغة، وقصده بذلك الإنكار على ابن قتيبة، وليس هو أعلم بمعاني القرآن والحديث، وأتبع
стр. 675
للسنة من ابن قتيبة، ولا أفقه في ذلك، وإن كان ابن الأنباري من أحفظ الناس للغة، لكن باب فقه النصوص غير باب حفظ ألفاظ اللغة». (١)
ولعل هذا يُفسِّرُ قلة احتفال العلماء بكتب التفسير التي ذكر أنها اشتملت على عدد كبير من شواهد الشعر، خرجت به عن المقصود كما ذكر الذهبيُّ عن تفسير عبد الوهاب بن مُحمدٍ الشيرازيّ (ت ٥٠٠ هـ)، الذي ضَمَّنَهُ مائةَ ألف بيتٍ من الشواهد الشعرية (٢)، وذكر السهيليُّ أنه رآه، وسَمِعَ ما فيه من الشواهد الشعرية المؤكِّدةِ لفصاحته. (٣) حيث إن في كثرة إيراد الشواهد الشعرية على الألفاظ ما يدعو للملل، ويزهد في القراءة، ولذلك كان المنهج الذي سار عليه الطبري وأمثاله من المفسرين، وأصحاب المعاني والغريب، من الاكتفاء بما يؤدي الغرض في الاستشهاد هو المنهج الأمثل في الاستشهاد في تفسير القرآن الكريم. وقد كتب لهذه المصنفات القبول، وحفظت للناس، وتناقلها العلماء جيلًا بعد جيل.
وأَمَّا أبو عبيدة فقد كان أكثر أصحاب المعاني والغريب اعتمادًا على الشعر في شرحه لغريب القرآن، ومن ذلك أنه عند قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] (٤) قال: «زعم المفسرون أَنَّه الموزُ، وأمَّا العربُ، الطَّلْحُ عندهم شجرٌ عظيمٌ، كثيرُ الشوكِ، وقال الحادي:
بشَّرَها دليلُها وقالا ... غدًا ترينَ الطَّلحَ والحبالا (٥)». (٦)
وهذا القول مُخالفٌ لتفسير أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين، ولذلك ردَّ تفسيرَهُ هذا الطبري فقال: «وأمَّا الطلحُ فإِنَّ مَعْمَرَ بنَ المثنَّى
стр. 676
كان يقول: هو عند العربِ شجرٌ عظامٌ، كثيرُ الشوكِ، وأنشد لبعض الحُداةِ:
بشَّرَها دليلُها وقالا ... غدًا ترينَ الطَّلحَ والحبالا
وأَمَّا أهلُ التأويل من الصحابة والتابعين فإنهم يقولون: إنه الموز». (١) وكان في تفسير علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃ له بالموز ما يكفي للقول بأنه قول العرب، والتفسير الصحيح للفظة، غير أن أبا عبيدة واللغويين لم يلتفتوا كثيرًا لتفسير السلف لألفاظ القرآن، فوقعوا في مثل هذا. (٢)
في حين كان الفراءُ مع كثرة سَماعه من العرب، وسعةِ محفوظهِ ينظرُ للشعرِ على أنَّه أقلُّ مرتبةً في الاستشهاد من القرآن الكريم، فإذا وجدَ الشاهدَ من القرآنِ قدَّمَهُ. ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢٢] (٣) مبينًا القراءة في الآية الأخيرة: «فخفض بعضُ القراء، ورفع بعضهمُ الحُورَ العِيْنَ. قال الذين رفعوا: الحورُ العينُ لا يُطافُ بِهنَّ، فرفعوا على معنى قولهم: وعندهم حورٌ عينٌ، أو مع ذلك حُورٌ عينٌ، فقيل: الفاكهةُ واللحمُ لا يُطافُ بِهما إنما يُطافُ بالخَمر وحدَها والله أعلم، ثم أُتبِعَ آخرُ الكلامِ أَوَّلَه، وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم، وأنشدني بعضُ بني أسدٍ يَصِفُ فَرَسَهُ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها (٤)
والكتابُ أَعرَبُ وأقوى في الحُجةِ من الشعر». (٥) وقال في موضع آخر: «ورُبَّما تركت العربُ جوابَ الشيء المعروفِ معناهُ، وإن تُرِكَ
стр. 677
الجوابُ، قال الشاعر (١):
فأُقسِمُ لو شيءٌ أتانا رسُولُهُ ... سِواك ولكنْ لَمْ نَجد لكَ مَدْفَعا (٢)
وقال اللهُ ﵎ وهو أصدقُ مِنْ قولِ الشاعر: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١] (٣) فلم يُؤتَ لَهُ بِجوابٍ، والله أعلمُ». (٤)
وفي هذا دلالة على اهتمام الفراء بشواهد القرآن اللغوية، واعتداده بها، ولعلَّ هذا كان سببًا في قلة الشواهد الشعرية عند الفراء موازنةً بالشواهدِ من القرآن الكريم، فقد بلغت شواهد القرآن في كتابه أكثر من ألف وخمسمائة وأربعة وستين شاهدًا من القرآن الكريم وهو عدد كبير، إذا وازنته بموقف النحويين في عصره من الشاهد القرآني (٥)، في حين بلغت شواهد الشعر (٧٨٥) شاهدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة في كتابه، وكأنه يرد بسلوكه هذا المنهج على من جعل الشعر هو الحجة والدليل، ولم يلتفت إلى شواهد القرآن ويتخذها أصلًا لبناء قواعده، وأحكامه في اللغة، كما فعل سيبويه في كتابه، وأبو عبيدة في مجاز القرآن.
وقد سار على هذا المنهج ابن الأنباري مع كثرة حفظه لشواهد الشعر، فقال وهو يحتج لقول الفراء: إن الفردوس هي البستان بالعربية أيضًا (٦): «والدليل على صحة قول الفراء أنَّ العربَ قد ذكرت الفردوس في أشعارها، قال حسان في التأنيث:
وإِنَّ ثوابَ اللهِ كُلَّ مُوحِّدٍ ... جِنانٌ من الفِرْدَوسِ فيها يُخَلَّدُ (٧)
стр. 678
وقال عبد الله بن رواحة:
ثُمَّ لا يُنْزَفُونَ عنها ولكنْ ... تُذهِبُ الهَمَّ عنهمُ والغَليلا
في جِنانِ الفِرْدوسِ ليس يَخافونَ ... خُروجًا منها ولا تَحويلا (١)
وقال الله تعالى - وهو أَصْدقُ قِيلًا: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١١] (٢)». (٣) وقال في رده على أبي حاتم السجستاني أن معنى الفارض: التي ليست بصغيرة جدًا، ولا كبيرة جدًا، يعني بينهما في السن: «وهذا خطأ منه؛ لأن الفارض عند العرب المسنة الهرمة، الدليل على هذا قول أبي ذؤيب:
لَعَمْرِي لقد أَعطيتَ ضيفَكَ فارِضًا ... تُساقُ إليهِ لا تقومُ على رِجْلِ
ولم تُعطهِ بِكْرًا - فَيَرضَى - سَمينةً ... فكيف تُجازَى بالعطيَّةِ والبذلِ (٤)
وقال الله جل وعلا - وهو أصدقُ قيلًا: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (٥) فالفارض: المسنة». (٦)
وهذا دليلٌ على عناية الكوفيين بالاستشهاد بالقرآن الكريم، والنص على ذلك، وتقديمه على الاستشهاد بالشعر، مع كثرة محفوظهم من شواهد الشعر، غير أنهم لم يرتضوا منهج أمثال أبي عبيدة في كثرة اعتداده بشاهد الشعر دون القرآن على وجه الخصوص. (٧) وقد أصبح هذا الأمر محل إجماع عند العلماء فيما بعد حتى قال ابن خالويه: «قد أجْمعَ الناسُ جَميعًا أن اللغة إذا وردت في القرآن فهي أفصح مما في غير
стр. 679
القرآن، لا خلاف في ذلك». (١) غير أن العلماء الذين صنفوا في معاني القرآن وغريبه وإعرابه ونحو ذلك، وكلهم من أهل النحو واللغة - على الرغم من هذا الإجماع - قد غلب الشاهد الشعري على مصنفاتهم بصفة عامة، وهذا ما وصل إليه بعض الباحثين من «أنَّ الظاهرةَ الواضحة في كتب النحو العربي هي الاعتمادُ الأساسيُّ على الشِّعرِ، إذ يكونُ وحدَه العنصرَ الغالبَ في دراسات النحويين المتقدمين والمتأخرين من بين مصادر الاستشهاد». (٢) والذين صنفوا في معاني القرآن ابتداء كالفراء والأخفش والزجاج وغيرهم قد قصدوا إظهار آرائهم النحوية سواء كانوا من البصريين أو الكوفيين، فجاءت كتبهم مشتملة على جل مسائل النحو، مما جعلها مصادر أساسية لدراسة النحو ونشأته، مما جعلها أقرب إلى كتب النحو منها إلى كتب الدراسات القرآنية. وقد كان كتاب معاني القرآن للأخفش أقرب كتب المعاني للدراسات النحوية الخالصة، وغلب على شواهده الشعرية الشواهد النحوية (٣)، ثم يليه الفراء في ذلك (٤)، ثم الزجاج.
ثانيًا: مدى اعتماد أصحاب المعاني والغريب على الشاهد الشعري .
تقدم أنَّ أصحابَ المعاني والغريب قد اعتمدوا على الشاهد الشعري في كتبهم، وكانوا أكثر اعتمادًا عليه من المفسرين، غير أن هناك حاجة لمعرفة مقدار اعتمادهم على الشاهد الشعري، ومكانته بين بقية شواهد المفسرين من القرآن والسنة ومنثور كلام العرب، ويمكن قياس هذا الاعتماد من خلال الصور الآتية:
стр. 680
١ - عدد الشواهد الشعرية في كتب معاني القرآن وغريبه .
معرفة عدد الشواهد الشعرية في كتب أصحاب المعاني والغريب، تبين مدى اعتمادهم عليه، وقد أحصيتُ الشواهدَ الشعريةَ في كتب الدراسة، وأضفت غيْرها مِمَّا تيسر لي ذكره من كتب الغريب والمعاني وتوجيه القراءات، ليتضح لك حجم الرواية الشعرية في هذه الكتب، فكانت على النحو الآتي:
م ... الكتاب ... المؤلف ... عدد الشواهد
١ ... مَجاز القرآن (مجلدان) ... أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت ٢١٠ هـ) ... ٩٥٢ (١)
٢ ... معاني القرآن (مجلدان) ... للأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت ٢١٥ هـ) ... ٣١٧ (٢)
٣ ... معاني القرآن (٣ مجلدات) ... يحيى بن زياد الفراء (٢٠٧ هـ) ... ٧٨٥ (٣)
٤ ... تأويل مشكل القرآن (مجلد) ... محمد بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) ... ٣٦١
٥ ... غريب القرآن (مجلد) ... محمد بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) ... ١٨٢
٦ ... معاني القرآن وإعرابه (٥ مجلدات) ... إبراهيم بن السَّرِيِّ الزجاج (ت ٣١١ هـ) ... ٥٩٦
٧ ... مفردات ألفاظ القرآن (مجلد) ... الراغب الأصفهاني (ت ٤٠٠ هـ) ... ٤٧٧ (٤)
٨ ... الدر المصون (١١ مجلد) ... أحمد بن يوسف السمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ) ... ٤٦٨٦ (٥)
٩ ... إعراب القرآن (٥ مجلدات) ... لأبي جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت ٣٣٨ هـ) ... ٤٦٤ (٦)
١٠ ... الموضح في وجوه القرءات (٣ مجلدات) ... نصر بن علي ابن أبي مريم (ت) ... ١٩٣ (٧)
стр. 681
تَدلُّ كثرة الشواهد الشعرية في هذه المصنفات على أهمية الشعر، وعناية أصحاب المعاني والغريب وإعراب القرآن به كشاهدٍ على معاني ألفاظ القرآن الكريم، ومُعِينٍ على فهمها كما كانت العرب زمنَ نزول الوحي تفهمُها.
وهذه الشواهد الشعرية لم تكن مقصودةً لذاتِها، وإِنَّمَا وسيلة ضمنَ وسائل يستعين بها المصنفون لإيضاح معاني القرآن الكريم وتقريبها، إلا أنها من أهم الوسائل، ولذلك جعل المصنفون في شروط المفسر وآدابه اللغةَ العربيةَ ومعرفتَها شَرطًا من شروط من يريد تفسير القرآن أو إعرابه؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب.
٢ - الاعتماد على شاهد شعري مفرد في كثير من المسائل .
في مواضع متفرقة، ومسائل متعددة في كتب معاني القرآن وغريبه يكتفى في الاستشهاد بالشاهد الشعري دون غيره من الشواهد، ويفسر به غريب القرآن، أو الوجه النحوي أو غير ذلك. وهذا الأمر يكثر عند أبي عبيدة في مجاز القرآن، وعند غيره بنسبة أقل، وهذا دليل اعتمادهم على الشاهد الشعري، وتعويلهم عليه في بيان الدلالة اللغوية وما يتصل بها، ومن أمثلة ذلك في كتب معاني القرآن ما يأتي:
١ - عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (١) فسرها الفراء، واكتفى بالاستشهاد ببيت من الشعر فقال: «المُبْلِسُ: اليائسُ، المنقطعُ رجاؤهُ، ولذلك قيل للذي يسكتُ عند انقطاع حجته، ولا يكون عنده جوابٌ: قد أَبلَسَ، وقد قال الراجز (٢):
يا صاحِ هَلْ تعرفُ رَسْمًا مُكْرَسا؟ ... قال: نَعمْ، أَعرِفُهُ، وأَبْلَسا (٣)
أي: لم يُحِرْ إلىَّ جوابًا». (٤)
стр. 682
وهذا وجه من وجوه تفسيرها، وقد فسَّرها مُجاهدُ بالاكتئاب، وفسرها السديُّ، وابن زيد بالهلاك. (١) وقول الفراء قريب من قول مجاهد لأن الاكتئاب أثر من انقطاع الحجة والسكوت، غير أن الطبري فصل القول في معناها بعد ذكره لتفاسير السلف فقال: «وأَصلُ الإِبلاسِ في كلام العربِ عند بعضهم الحُزْنُ على الشيءِ، والنَّدمُ عليه. (٢) وعند بعضهم انقطاعُ الحُجَّةِ، والسكوتُ عند انقطاع الحجةِ. وعند بعضهم الخُشوعُ، وقالوا: هو المخذولُ المتروكُ، ومنه قولُ العجَّاج ... ». ثم ذكر الشاهد، وفسَّره بقوله: «فتأويل قولهِ: وأَبْلَسَا، عند الذين زعموا أَنَّ الإبلاسَ انقطاعُ الحجةِ والسكوتُ عنده، بِمعنى أَنه لم يُحِر جَوابًا. (٣) وتأوله آخرون بِمعنى الخُشوعِ، وتركِ أهلهِ إياهُ مقيمًا بمكانهِ. والآخرون: بِمعنى الحزنِ والنَّدمِ. يقال منه: أَبْلَس الرجلُ إبلاسًا، ومنه قيل لإبليس: إبليس». (٤)
وذكر ابن فارس أن أصل دلالة الإبلاس على اليأس، وأن ما عداه من المعاني يعود إليه. (٥) فتكون بقية المعاني عائدةً لمعنى اليأس. فالخشوع، وانقطاع الحجة، والسكوت، والحُزنُ والاكتئاب تعودُ كلُّها لليأسِ. ولم يذكر الأزهري من معانيه إلا السكوت عند انقطاع الحجة، والقنوط. (٦) وقد زاد أبو عبيدة في تفسيره لهذه اللفظة شاهدًا آخر وفسَّره تفسيرًا موافقًا لقول مُجاهد وهو بيت رؤبة:
وحَضَرَتْ يومَ خَميسِ الأَخْماسْ ... وفي الوجوهِ صُفرةٌ وإِبْلاسْ (٧)
стр. 683
وقال في شرحه: «أي: اكتئابٍ، وكسوفٍ، وحُزنٍ» (١)، وهذا موافق لتفسير مجاهد المتقدم.
٢ - ومن أمثلة انفراد الشاهد الشعري بالاستشهاد عند الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] (٢) قال: «للعَرَبِ في أَكْنَنْتُ الشيءَ إذا سَتَرتَهُ لُغتانِ: كَنَنْتُهُ وأَكْنَنْتُهُ، قال: وأنشدوني قولَ الشاعر:
ثلاثٌ مِنْ ثلاثِ قُدامياتٍ ... من اللاتي تَكُنُّ من الصَّقيعِ (٣)
وبعضهم يرويه: تُكِنُّ، مِن أَكْنَنْتُ». (٤) وقد نقل مقالة الفراء هذه أهل اللغة عنه، فهو من ثِقاتِهم. (٥) وقال الطبري: «ولم يُسْمَع كَنَنْتُهُ في نَفْسي» (٦)، غير أنه روي عن أبي زيد: كَنَنْتُ الشيءَ وأَكْنَنْتُه في الكِنِّ، وفي النَّفسِ مثلُها. (٧) فدل على جوازها، وقد سُمِعتْ في قول الشاعر الإسلامي أبي قطيفة الأموي:
قد يكتمُ الناسُ أَسرارًا فأَعلمُها ... وما يَنالونَ حتى الموتِ مَكْنُوني (٨)
وما فسَّر به الفراء اللفظةَ لم يُخالف فيه أحدٌ من المفسرين. (٩)
وأما أمثلة انفراد الشاهد الشعري بالاستشهاد في كتب غريب القرآن
стр. 684
فكثيرة في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة، وغريب القرآن لابن قتيبة وغيرهما، وأكتفي ببعضها، فمن فمن أمثلة ذلك:
١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] (١) قال أبو عبيدة: «أي: غِطاءٌ، قال الحارثُ بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة (٢):
تَبِعْتُكَ إذ عيني عليها غِشاوَةٌ ... فلمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نفسي أَلومُها (٣)». (٤)
والغِشَاوةُ: الغطاءُ، في قول جميع المفسرين (٥)، وأهل اللغة. (٦)
وفي مثل هذه الألفاظ التي ليست محل خلاف بين اللغويين يكتفي أبو عبيدة وغيره بالشاهد الشعري الواحد للاستشهاد على اللفظة، وأما إذا كانت لفظةً شديدةَ الغرابة، أو أسلوبًا غير معتاد لبعض العرب، فإنه يزيد في شواهدها، كما في شواهده عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] (٧) فقد أورد لها ثلاثة شواهد (٨)، وقد تبعه في ذلك الزجاج وذكر السبب في إيراده عددًا من الشواهد فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾: «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (٩) - فـ «ألا» لابتداء الكلام
стр. 685
والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: ﴿أَلا يا سْجُدوا﴾ بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ:
أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا ... ولا زَالَ مُنهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (١)
وقال الأخطل:
أَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آَخِرَ الدَّهْرِ (٢)
وقال العجاج:
يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (٣)
وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ». (٤) في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (٥)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل. (٦)
٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] (٧) قال أبو عبيدة: «مُزجاةٌ: يسيرةٌ قليلةٌ، قال (٨):
........................ ... وحاجةٍ غَيْر مُزجاةٍ من الحاجِ (٩)». (١٠)
стр. 686
وهذا التفسير للفظة «مُزجاةٍ» بأنه اليسيرة القليلة هو قول بعض مفسري السلف كمجاهد، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي (١) وفسرها ابن عباس بأن معناها: «رديئة زُيُوفٌ، لا تَنْفُقُ حتى يوضع منها». (٢) ولم يزد أبو عبيدة في بيان دلالته على هذا الشطر من الشاهد الشعري، وقد نقل تفسيره لها أهل اللغة. (٣) وهذه التفسيرات متقاربة المعنى، وإن اختلفت الألفاظ، ولذلك قال الطبري: «وقد اختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة». (٤) وهناك أمثلة أخرى عند أبي عبيدة. (٥)
وعند ابن قتيبة في بيانه للغريب من ألفاظ القرآن، كان يكتفي في مواضع متفرقة من كتابه ببيان دلالة اللفظة بالاستشهاد عليها بشاهد من الشعر، ولا يزيد على ذلك. ومن أمثلة ذلك عنده:
١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] (٦) قال ابن قتيبة: «أي: أَصابكَ بِخَبْلٍ. يقالُ: عَراني كذا وكذا، واعتراني: إذا أَلَمَّ بي. ومنه قيل لمن أتاكَ يطلبُ نائِلَكَ: عَارٍ. ومنه قول النابغة:
أَتيتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابي ... على خَوفٍ تُظَنُّ بيَ الظُّنُونُ (٧)». (٨)
وهذا التفسير هو الذي فسر به اللفظةَ ابنُ عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد (٩)، وهذا دليل على حرص ابن قتيبة على تفسير السلف، وهو تفسير أهل اللغة. (١٠)
стр. 687
والشاهد الذي استشهد به من قول النابغة، من اللغويين من فسره كما فسره ابن قتيبة بأنه من التعرض للطلب (١)، ومنهم من فسره بأَنَّه مِنْ خَلَقِ الثيابِ كأنه عارٍ منها (٢)، وسياق البيت يدل على ذلك، فقوله: «خلقًا ثيابي» تفسير للعُرْي المراد والله أعلم.
٢ - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] (٣) قال ابن قتيبة: «يُقال: لا تَعي شيئًا من الخَيْرِ، ونَحوهُ قولُ الشاعر في وَصْفِ الظَّليمِ:
.......................... ... جُؤجؤهُ هَواءُ (٤)
أي: ليس لِعَظْمِهِ مُخٌّ، ولا فيه شيءٌ». (٥)
وهذا هو تفسير أكثر السلف للفظة «هواء»، كابن عباس وغيره، واختاره الطبري فقال بعد أن حكى تفسيرات السلف: «وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: معناهُ: أَنَّها خاليةٌ، ليس فيها شيء من الخير، ولا تعقل شيئًا. وذلك أن العرب تسمي كل أجوف خاوٍ هواءً» (٦)، واستشهد بشاهدين من الشعر. وهناك أمثلة أخرى في كتاب ابن قتيبة لانفراد الشاهد الشعري بالدلالة على المعننى الغريب للفظة (٧)، مما يعني الثقة بالشاهد الشعري، والاعتماد عليه في بيان الدلالة اللغوية للفظة الغريبة.
استيفاء جوانب الاستشهاد في الشاهد الشعري:
يَعُدُّ أصحابُ المعاني والغريب الشاهدَ الشعريَّ وثيقةً لغويةً، وحجةً
стр. 688
مقبولةً، ولذلك يُقلِّبُونَهُ على وجوهه، فيستقصون كل ما يُمكن أن يدل عليه هذا البيت من اللغة والنحو وغيرها، وهذه صورة من صور اعتمادهم على الشاهد الشعري، وحرصهم على استفياء جميع دلالاته. ومن ذلك تكرارُ الاستشهاد بالبيت على الوجه الواحد. وذلك إذا تكررت الحاجة إلى بحث الموضوع مرة أخرى، أو موضع مماثل.
١ - ومن أمثلة ذلك قول الشاعر كعب بن سعد الغنوي:
وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى ... فَلمْ يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مُجيبُ (١)
فقد استشهد به أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] (٢) فقال: «أي: يُجيبوني. قال كعبُ الغَنَويُّ ... » فذكر البيت، ثم قال: «أي: فلم يُجِبهُ عند ذاك مجيبُ». (٣) ثم كرَّر الاستشهاد به على الوجه نفسه، وهو أن الاستجابة والإجابة بمعنىً، في مواضع من كتابه. (٤) واستشهد به ابن قتيبة على الوجه نفسه نقلًا عن أبي عبيدة. (٥)
٢ - ومن الأمثلة كذلك قول الأعشى:
حتى يقولَ الناسُ مِمَّا رأوا ... يا عَجَبًا للميّتِ النّاشِرِ (٦)
فقد استشهد به أبو عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩] (٧) فقال: «مصدر الناشر، قال الأعشى ... ». (٨) فذكره. ثم كرره للوجه نفسه في مواضع أخرى. (٩)
- شعراء شواهد كتب معاني القرآن وغريبه:
تفاوت نصيب الشعراء في الاستدلال بشعرهم في كتب معاني
стр. 689
القرآن وكتب غريب القرآن ومُشْكِله، وقد قمتُ بِحَصر جَميع الشواهد في كتب معاني القرآن وغريبه ومشكله التي درستُها وقائليها، ونسبت كُلَّ شاعرٍ إلى قبيلته وعصرِه، ومقدار الشعر الذي استُشهِدَ به من شعره في كُلِّ كتاب من الكتب التي شَملتها الدراسة، وقيدتُ ذلك في جدول، وقد رتبتُ أسماء الشعراء بحسبِ كثرةِ شواهدهم، مبتدأً بأكثرهم، ومبينًا أمام كلِّ شاعرٍ قبيلتَهُ التي ينتسبُ إليها، وعصره الزمني الذي عاش فيه، والكتاب الذي استشهد بشعره، وقد استبعدت من لم يكن له إلا شاهد واحد من الشعراء خشية الإطالة:
• الشعراء الذين اعتمد عليهم أصحاب المعاني والغريب في الاستشهاد:
م ... الشاعر ... القبيلة ... العصر ... مجاز القرآن ... معاني القرآن ... تأويل المشكل ... غريب القرآن
١ ... الأعشى ميمون بن قيس ... بكر ... جاهلي ... ٦٧ ... ١٩ ... ١٢ ... ١١
٢ ... العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٦٧ ... ٩ ... ٦ ... ٥
٣ ... رؤبة بن العجاج ... تَميم ... إسلامي ... ٦٥ ... ٥ ... ١٢ ... -
٤ ... جرير بن عطية ... تميم ... إسلامي ... ٥٢ ... ١٩ ... ١٦ ... -
٥ ... لبيد بن ربيعة العامري ... هوازن ... مخضرم ... ٤١ ... ٨ ... ٦ ... ٤
٦ ... ذو الرمة ... الرِّبَاب ... إسلامي ... ٣١ ... ١٦ ... ١٧ ... ٦
٧ ... الكميت بن زيد ... أسد ... إسلامي ... ٣٠ ... - ... ٦ ... -
٨ ... النابغة الذبياني ... غطفان ... جاهلي ... ٢١ ... ٩ ... ٧ ... ٧
٩ ... الفرزدق ... تَميم ... إسلامي ... ٢٠ ... ٣١ ... ٤ ... -
١٠ ... أبو ذؤيب الهذلي ... هذلي ... مخضرم ... ١٧ ... ٨ ... ٩ ... ٨
١١ ... زهير بن أبي سلمى ... مزينة ... جاهلي ... ١٧ ... ٦ ... ٣ ... ٥
١٢ ... النابغة الجعدي ... هوازن ... مخضرم ... ١٧ ... ٦ ... ٦ ... ٩
١٣ ... طرفة بن العبد ... بكر ... جاهلي ... ١٦ ... ١ ... ٨ ... -
١٤ ... الأخطل ... تغلب ... إسلامي ... ١٥ ... ٦ ... ٤ ... -
١٥ ... حسان بن ثابت ... الأزد ... مُخضرم ... ١٥ ... ٧ ... - ... -
وقد جَمعتُ خلاصةَ الجدول السابق، في الجدول الآتي لتكون النتائج أكثر دقة:
عصور الشواهد ... أبو عبيدة ... الفراء ... ابن قتيبة
الشعراء ... الشواهد ... الشعراء ... الشواهد ... الشعراء ... الشواهد
الجاهلي ... ٦٥ ... ١٩٨ ... ٩ ... ٣٦ ... ٧٩ ... ١٥٠
المخضرم ... ٤١ ... ١٦٠ ... ٨ ... ١١ ... ٢٤ ... ١٠٣
الإسلامي ... ٥٣ ... ١٩٢ ... ١٢ ... ٢٥ ... ٢٢ ... ٩٣
المَجموع ... ١٥٩ ... ٥٥٠ ... ٢٩ ... ٧٢ ... ١٢٥ ... ٢٩٦
ومن خلال هذين الجدولين لأسماء الشعراء في كتب معاني القرآن وغريب القرآن ومُشْكِلِه، وعدد شواهدهم، يتضح ما يلي:
أولًا: اعتماد أصحاب معاني القرآن وغريبه على شعراء الجاهلية، وقد سبقوا المفسرين الذين تقدمت دراسة كتبهم في الفصل السابق في الاهتمام بشعر الجاهلية، وتقديمه على غيره، وقد روي عن أبي عمرو بن العلاء وأبي عبيدة والأصمعي روايات في ذلك تقدم ذكرُها. بل إن هذا كان ملحوظًا في غير كتب المعاني والغريب والتفسير، وهي كتب الاختيارات الشعرية التي صنفت قديمًا. فالمفضليات التي جمعها المفضل الضبي (ت ١٧٨) تضم مائة وثلاثين قصيدة ومقطوعة لستة وستين شاعرًا، أكثر من خمسة وأربعين منهم من شعراء الجاهلية، وأكثر ثلثي بقيتهم مخضرمون. والأصمعيات تحتوي على ثنتين وتسعين قصيدة ومقطوعة لواحد وسبعين شاعرًا، ما يزيد على أربعين منهم جاهليون، وأكثر من نصف من بقي مخضرمون.
أَما «جَمهرةُ أشعار العربِ» للقرشي، فاحتوت على تسع وأربعين قصيدة لتسعة وأربعين شاعرًا، جلهم من الجاهلين والمخضرمين. وهذا كله دليل على تقديم طبقات علماء اللغة والرواية والتفسير لشعراء الجاهلية، في
стр. 694
استشهاداتهم ومصنفاتهم في معاني القرآن وغريبه وتفسيره، وأن تدوين الشعر كان مراعى فيه منذ البدء بتدوينه خدمة القرآن الكريم، واللغة العربية، وقد أكد أصحاب هذه المجاميع الشعرية ذلك في مقدماتهم. (١) ولذلك قال محققا المفضليات أحمد شاكر وعبد السلام هارون عن شعراء هذه المختارات الشعرية: «كلهم ممن كان في الجاهلية أو صدر الإسلام، ومن شعرهم أكثر شواهد العربية في الغريب والبلاغة والنحو والصرف». (٢)
وقد بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بهم أصحاب المعاني والغريب من شعراء الجاهلية أكثر من ثمانين شاعرًا، ونُسبَ لهم من الشواهد أكثر من مائتين وخمسة وأربعين شاهدًا، وهذه الشواهد قد نقلها المفسرون واستشهدوا بها بعد ذلك في كتب التفسير.
ثانيًا: يأتي الشاعر الأعشى في مقدمة شعراء الجاهلية عند أصحاب المعاني والغريب، كما سبق أن جاء كذلك عند المفسرين، فقد استشهد له أبو عبيدة بسبعة وستين شاهدًا، واستشهد له الفراء بتسعة عشر شاهدًا، وابن قتيبة باثني عشر شاهدًا.
وقد كان أبو عمرو بن العلاء يحث تلاميذه على العناية بشعر الأعشى للاستشهاد به، حيث يقول: «عليكم بشعر الأعشى». (٣)
وجاء بعد الأعشى من الشعراء العجاج التميمي من الشعراء الإسلاميين، فقد استشهد له أبو عبيدة بسبعة وستين شاهدًا، والفراء بتسعة شواهد، وابن قتيبة بستة شواهد، وقد تقدم أنه جاء في تفسير الطبري في المرتبة الرابعة بعد الأعشى والنابغة ولبيد. مما يدل على وفرة شواهده، وعناية اللغويين والمفسرين بها.
стр. 695
وأكثر ما يستشهد أصحاب المعاني والغريب والمفسرون بشعر العجاج وابنه رؤبةَ على غريبِ القرآنِ واللغةِ (١)، وقد كان هذا مشهورًا عند العلماء المتقدمين حتى إِنَّهُ نَقَلَ العسكريُّ عن الأصمعي قوله: «تقولُ الرواةُ والعلماءُ: مَنْ أرادَ الغريبَ فعليهِ بشعرِ هُذيلٍ ورَجزِ رؤبةَ والعجّاجِ، وهؤلاء يجتمع في شعرهمُ الغريبُ والمعاني. ومَن أراد الغريبَ من شعرِ المُحدَثِ ففي أشعار ذي الرُّمَّةِ. ومَن أراد الغريب الشديد الثّقةِ ففي شعر ابن مقبلٍ، وابن أحمرَ، وحُميد بن ثورٍ الهلاليِّ، والراعي، ومزاحمٍ العقيليّ». (٢)
وهذا الذي ذكره الأصمعي ظاهر في تطبيق أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن والمفسرين في العناية بشعر هؤلاء الشعراء، وكثرة شواهدهم. فذو الرمة قد ورد من شواهده عند أبي عبيدة واحد وثلاثون شاهدًا، وعند الفراء - مع قلة نسبته للشواهد - ستة عشر شاهدًا، وعند ابن قتيبة سبعة عشر شاهدًا، وأكثر من ذلك من شواهد العجاج ورؤبة، وفي الجدول السابق، وما ذكرته في كتب التفسير ما يبين صحة هذا.
وبقية الشعراء يظهر تباين عدد شواهدهم في كتب أصحاب المعاني والغريب من خلال الجدول السابق.
ثالثًا: قد يكون هناك سبب خاص يقتضيه المقام للاعتماد على شعراء عَصرٍ بعينه دون آخر، وهو أن المعنى الذي يستشهد له هو المعروف عند أهل هذا العصر دون من قبلهم، مما يدل على أن اللفظة قد طرأ عليها تطور دلالي.
ومن أمثلة ذلك لفظة «الحَنيف»، فقد ذكر أبو عبيدة ما طرأ على
стр. 696
معناها من تطور فقال: «الحَنيفُ في الجاهليةِ مَنْ كان على دين إبراهيم، ثُمَّ سُمي مَن اختَتَن وحَجَّ البيت حنيفًا لَمَّا تناسخت السنون، وبقي من يعبد الأوثان من العرب، قالوا: نحن حنفاء على دين إبراهيم، ولم يتمسكوا منه إلا بِحجِّ البيت، والخِتان. والحَنيفُ اليومَ: المسلمُ. قال ذو الرمة:
إذا خَالفَ الظِلّ العَشيَّ رأَيتَهُ ... حَنيفًا، ومِنْ قَرْنِ الضُّحَى يَتنَصَّرُ (١)
يعني الحرباء». (٢) ومعنى البيت أن هذه الحرباء تستقبل القبلة بالعشي، وتستقبل المشرق بالغداة وهي قبلة النصارى (٣).
واستدلال أبي عبيدة بشعر ذي الرمة الشاعر الإسلامي (ت ١١٧) مقصود، فلم يكن يؤدي المعنى المقصود الاستشهاد بشعر الجاهليين، لأنه يريد الدلالة على معنى الحنيف في زمنه، وكيف تغير معناه مع الزمن، وهذا قد يكشف عِلَّةَ اختيار المفسرين وأصحاب المعاني للشواهد للدلالة على معنى اللفظة في زمن دلالة معين دون غيره.
وقد نقل الأزهري مثل هذا القول عن الأخفش في المقصود بالحنيف (٤) وهذه اللفظة من الألفاظ التي تطورت معانيها من الجاهلية إلى الإسلام، ثم استقرت في القرآن بمعنى تلك الفئة التي أخلصت عبادتها لله، ونبذت عبادة الأصنام والأوثان قبل الإسلام وبعده (٥).
خامسًا: تَبَيَّنَ من خلال الجدول التزام أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن بِما تقرر في الاحتجاج بشعر الشعراء، والوقوف عند شعراء بعينهم، وأبو عبيدة من العلماء الذين وضعوا هذه المقاييس،
стр. 697
وأخذها عن شيخه أبي عمرو بن العلاء هو والأصمعي، وقد ظهر هذا جليًا في كتبهم.
مدى اعتماد الشاهد الشعري في مجاز القرآن لأبي عبيدة:
فاقت شواهد الشعر عند أبي عبيدة غيرها من الشواهد، وكان حريصًا على الشعر في الاحتجاج لما يذهب إليه، وقد اعتمد أبو عبيدة عليه في الاستدلال اللغوي على غريب القرآن، وشرح المفردات، وشرح الأساليب. وربما فسر الآية مباشرة بالشاهد من الشعر، وكلامه مختصر جدًا، لا يتجاوز اللفظة واللفظتين في غالب المواضع.
وقد استشهد أبو عبيدة في كتابه مجاز القرآن بمائة وتسعة وخمسين شاعرًا عرفت أسماؤهم غير من جهل اسمه، وبلغت الشواهد التي نسبت لهؤلاء الشعراء المعروفين خمسمائة وخمسين شاهدًا. وقد كان نصيب شعراء الجاهلية كبيرًا، فخمسة وستون من هؤلاء الشعراء من العصر الجاهلي، وعدد شواهدهم تقارب المائتين حيث بلغت مائة وثمانية وتسعين شاهدًا.
وأما المخضرمون كلبيد وحسان فقد بلغ عددهم واحدًا وأربعين شاعرًا، وبلغت شواهدهم عند أبي عبيدة مائة وستين شاهدًا شعريًا.
وأما شعراء الإسلام فجاءوا في المرتبة الثانية بعد شعراء الجاهلية، وفي مقدمتهم العجاج، وابنه رؤبة، وجرير، وذو الرمة وقد بلغ عدد الشعراء الإسلاميين ثلاثة وخمسين شاعرًا، وبلغت شواهدهم مائة واثنين وتسعين شاهدًا. وقد شَملت هذه الشواهد الغريب والمعاني والنحو والتصريف.
مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في معاني القرآن للفراء:
وأما الفراء فقد كانت عنايته بالشواهد الشعرية، واعتماده عليها أقلَّ ظهورًا من أبي عبيدة، وإن كان استفاد منها في معانيه كذلك.
стр. 698
وقد اشتمل معاني القرآن للفراء على ما يقارب ثَمانِمائة شاهدٍ من الشعر، غير أن الفراء لم ينسب منها إلا اثنين وسبعين شاهدًا، وبقيت البقية دون نسبة، ولذلك لم يمكن التعرف على عصور الشعراء بدقة في كتابه. غير أنه استشهد بشعر تسعة وعشرين شاعرًا، وبلغت الشواهد التي نسبها لهم اثنين وسبعين شاهدًا.
فأما شعراء الجاهلية التسعة الذين استشهد بشعرهم فقد نسب لهم ستة وثلاثين شاهدًا شعريًا، وأما المخضرمون الذين بلغ عددهم ثمانية شعراء فقد استشهد لهم بأحد عشر شاهدًا، وأما الشعراء الإسلاميون الذين هم أكثر من استشهد بشعرهم وعددهم اثنا عشر شاعرًا، فقد استشهد لهم بخمسة وعشرين شاهدًا.
مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة .
صنَّف ابن قتيبة كتابه هذا ردًا لشبهات المعترضين على آيات من القرآن لم يتبين لهم وجه الصواب فيها، فأراد أن يذُبَّ عن كتاب الله، ويرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة، ويكشف للناس ما يلبسون، وذكر منهجه فيه فقال: «ألَّفتُ هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآنِ، مُستنبطًا ذلك من التفسير بزيادةٍ في الشرح والإيضاح، وحاملًا ما لم أعلم فيه مقالًا لإمام مطلعٍ على لغات العرب». (١) مما يعني أنه قد اعتمد على أقوال المفسرين من السلف، وما لم يجد فيه لهم قولًا اعتمد فيه على لغة العرب وشعرها.
وقد بدأ ابن قتيبة كتابه بمقدمة حول القرآن ولغته وجمعها لكثير المعاني بقليل اللفظ، وأسرار العربية التي نزل بها، والشعر الذي أقامه الله للعربية مقام الكتاب لغيرها، وسنن العرب في كلامهم ومذاهبهم في تعبيرهم وأن القرآن نزل بها جميعًا، ثم عقد بابًا لوجوه بلاغة القرآن، وطريقته في عرضها أن يذكر ما في كتاب الله منها، ثم يعقبه بذكر أمثاله من
стр. 699
الشعر ولغات العرب وما استعمله الناس في كلامهم. (١) ثم عقد لتأويل الحروف التي ادعى على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم وهي الحروف المقطعة في أوائل السور. ثم شرع في الكلام عن ما رآه مشكلًا من سور القرآن دون ترتيب، فينتقل من السورة إلى غيرها، ثم يعود إليها مرة أخرى، ولم يتناول سورة بتمامها إلا سورة الجن للغموض الذي وقع في بتكرار «أَنَّ»، واختلاف القراء في نصبها وكسرها، واشتباه ما فيها من قول الله تعالى بقول الجن، ثم عقد بابًا عنوانه: «باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة»، وهو جديد في معاني الغريب، حيث يذكر أصل المعنى للكلمة، ويعدد المعاني المتفرعة عنه، ويأتي على ذلك كله بكثير من شواهد الشعر.
وقد عالج ابن قتيبة في كتابه هذا مسألة الغموض في معاني الكلمة المفردة، والأساليب المشكلة، والمشكل يشمل ما غمض معناه لفظًا مفردًا أو تركيبًا.
وقد اشتمل كتابه هذا على ثلاثمائة وتسعة وخمسين شاهدًا شعريًا، منها شواهد لغوية، ونحوية، وبلاغية. وعدد الشعراء الذين استشهد بشعرهم في كتابه هذا بلغوا مائة وثلاثين شاعرًا، يُمثِّل الجاهليون غالبيتهم وهم تسعة وسبعون شاعرًا، ومن المخضرمين أربعة وعشرون شاعرًا، ومن الإسلاميين اثنان وعشرون شاعرًا، واستشهد بشعر ثلاثة من الشعراء الذين أدركوا الدولة العباسية واستشهد العلماء بشعرهم. وقد بلغ عدد الشواهد التي استشهد بها ثلاثمائة وواحد وستين شاهدًا.
مدى الاعتماد على الشاهد الشعري في غريب القرآن لابن قتيبة .
أما ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن، فقد سلك منهجًا وسطًا في الاستشهاد بالشعر، مع سعة معرفته بشعر الشعراء وطبقاتهم وتراجمهم، وله في ذلك مصنفات مستقلة مشهورة، إلا أنه قدم في تفسيره أقوال
стр. 700
السلف، وكلام المفسرين، وما لم يجد لهم قولًا في ذلك رجع فيه إلى الشعر، ثم إنه لم يستشهد على كل الألفاظ الواردة وإنما على ما يشكل فهمه، ويغمض معناه. ولذلك قال في مقدمة الغريب: «وغرضنا الذي امتثلناه في كتابنا هذا أن نَختصرَ ونُكْمِلَ، وأن نُوضِّحَ ونُجمِلَ؛ وأن لا نستشهد على اللفظ المُبتذَلِ، ولا نُكثرَ الدَّلالةِ على الحرف المستعمل». (١)
وقد اشتمل كتابه هذا على مائة واثنين وثمانين شاهدًا من الشعر، وهو رقم متوسط بالنسبة لحجم الكتاب، وشواهده كلها من الشواهد اللغوية لاختصاص كتابه ببيان الغريب من ألفاظ القرآن. وقد بلغ عدد الشعراء الذين استشهد بشعرهم في كتابه هذا واحدًا وثمانين شاعرًا، منهم واحد وأربعون من شعراء الجاهلية، وثمانية عشر شاعرًا مخضرمًا، وعشرون شاعرًا إسلاميًا، ولم يحتج بأي شاهد لشاعر أدرك الدولة العباسية، وبلغ عدد شواهده مائة واثنين وثمانين شاهدًا شعريًا.
ويلاحظ مما تقدم أن أبا عبيدة كان أكثر أصحاب الغريب والمعاني من حيث كثرة الشواهد، وعدد الشعراء، والعناية بنسبة الشواهد لقائليها، ثم يأتي بعد ذلك ابن قتيبة، ثم الفراء الذي لم ينسب من شواهده إلا القليل. وقد كان لهذه العناية التي أولاها أبو عبيدة لنسبة الشواهد الشعرية أثرها في كتب غريب القرآن ومعانيه وكتب التفسير بعد ذلك كالطبري، فقد نقل العلماء شواهد أبي عبيدة في كتبهم وتفاسيرهم، ونقلها عنه أصحاب المعاجم اللغوية معزوة روايتها لأبي عبيدة.
- قبائل شعراء شواهد كتب معاني القرآن وغريبه:
تقيَّد أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن زمنيًا بشعراء عصور الاحتجاج، وقد أظهر إحصاءُ الشعراء وعدد شواهدهم وعصورهم الزمنية دِقَّةَ الالتزام بتلك الضوابط، وقد أضاف العلماء قيدًا ثالثًا للاستشهاد وهو
стр. 701
القيد المكاني، وقد سبق الحديث عنه في الباب الأول على وجه التأصيل.
وقد قمت بحصر جميع قبائل الشعراء الذين ورد ذكرهم في كتب معاني القرآن وغريب القرآن التي درستها، وهي:
- مجاز القرآن لأبي عبيدة.
- معاني القرآن للفراء.
- غريب القرآن.
- تأويل مشكل القرآن كلاهما لابن قتيبة.
وقيدت ذلك في جدول رتبت فيه القبائل بحسب عدد الشعراء الذين استُشهدَ بشعرهم من تلك القبيلة، وعدد الشواهد لشعراء كل قبيلة مع ملاحظة أنني قد ألحقت البطون والأفخاذ المتفرعة عن بعض القبائل الكبيرة بأصولها فظهر العدد في الجدول أقل من عدد القبائل الحقيقي الذين استشهد أصحاب معاني القرآن وغريبه بشعرهم:
م ... القبيلة ... الشعراء ... الشواهد
١ ... تَميم ... ٣٠ ... ١٠٥
٢ ... أسد ... ١٤ ... ١٤
٣ ... الأزد ... ١١ ... ٢٤
٤ ... بكر ... ٩ ... ٢٨
٥ ... قريش ... ٩ ... ١٣
٦ ... غطفان ... ٧ ... ١٧
٧ ... بنو عامر ... ٧ ... ١٥
٨ ... عبس ... ٦ ... ٢٨
٩ ... هذيل ... ٥ ... ١٢
١٠ ... باهلة ... ٥ ... ١١
١١ ... تغلب ... ٥ ... ١٣
١٢ ... طيء ... ٥ ... ٧
١٣ ... كنانة ... ٤ ... ٨
١٤ ... قضاعة ... ٣ ... ٧
١٥ ... الرِّباب ... ٢ ... ٣٧
١٦ ... كندة ... ٢ ... ٢٠
١٧ ... مزينة ... ٢ ... ٩
١٨ ... عكل ... ٢ ... ٥
١٩ ... ثقيف ... ٢ ... ٤
стр. 702
وقد استبعدت من هذا الجدول من القبائل ما لم يكن منها إلا شاعر أو شاعران لهم شاهد أو شاهدان. ومن خلال هذا الإحصاء للقبائل، وعدد الشعراء المنتسبين لكل قبيلة وعدد شواهدهم، يمكن الخروج بالنتائج الآتية:
أولًا: أن أصحاب كتب المعاني والغريب قد استشهدوا بأشعار شعراء ينتمون إلى أكثر من ثلاثين قبيلة من قبائل العرب، وقد دَمَجتُ القبائلَ الصغيرة في قبائلها الأصلية في الإحصاء السابق، وهؤلاء الشعراء يمثلون مجموعة كبيرة من قبائل العرب التي احتج أهل اللغة بلغتهم، وهم من عصور الاحتجاج المتفق عليها.
ثانيًا: أَنَّ أكثر الشعراء ينتسبون لقبيلة تَميمٍ، فقد استشهد أصحاب المعاني والغريب بشعر ثلاثين شاعرًا من شعراء تميم في الجاهلية والإسلام، وبلغت شواهدهم مجتمعةً مائة وخمسة شواهد، وهي مختلفة في اللغة والنحو وغيرها، وأبرز شعراء تميم كانوا في الإسلام فقد اشتهر منهم جرير، والفرزدق، والعجاج، ورؤبة بن العجاج وعن هؤلاء أخذ أصحاب معاني القرآن وغريبه معظم شواهدهم، وأما بقية شعراء تميم فيكون للواحد منهم البيت والبيتان والثلاثة، وليس فيهم من بلغ مرتبة هؤلاء في كثرة الشواهد.
ثالثًا: أن القرآن الكريم نزل بلغات العرب، ولم يقتصر نزوله على لغة قريش خاصة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وفي صنيع أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن من استشهادهم بشعر قبائل العرب إجماع منهم على أنه لم ينزل بلغة قريش وحدها، ولو كان القرآن نزل بلغة قريش لما احتاج الناس إلى الشعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرجوع إلى قريش ونثرهم للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن وجود الغريب في القرآن والمشكل وحروف خفي معناها
стр. 703
على بعض القرشيين كأبي بكر وعمر دليل على أنه لم ينزل بلسان قريش وحدها. (١)
رابعًا: ذكر الفارابي أن العلماء لم يأخذوا اللغة من بعض القبائل، وقد سبق بيان ذلك، وهذا الإحصاء يبين أيضًا عدم صحة ذلك في كتب المعاني والغريب كما تقدم بيانه في كتب التفسير، حيث وردت شواهد لشعرائها في كتب معاني القرآن وغريبه. فقد أخذ العلماء عن شعراء الحضر كشعراء قريش، والأنصار في المدينة وهم من الأزد، وأخذت اللغة عن شعراء كنانة، فقد استشهد أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن بشعر أكثر من عشرين شاعرًا من قريش وحدها دون سائر كنانة، وببعض شعراء كنانة الذين بلغوا جَميعًا خَمسةً وعشرين شاعرًا، وورد لهم أكثر من واحد وستين شاهدًا.
* * *
стр. 704
المبحث الخامس: منهج أصحاب «معاني القرآن» و «غريب القرآن» في توثيق الشاهد الشعري
يُعَدُّ توثيقُ الشاهد الشعري، وصحةُ نسبتهِ إلى قائله جانبًا مهمًا في الاستشهاد بالشاهد الشعري، والوثوق بما يدل عليه من معنى لغوي، أو تركيب نحوي. وقد سبق الكلام عن شروط قبول الشاهد الشعري عند المفسرين، وحرصهم على الالتزام بها، كما سبق الكلام عن توثيق المفسرين لشواهدهم الشعرية، ومنهجهم الذي سلكوه في ذلك بشيء من التفصيل. (١)
ويأتي الكلام في هذا المبحث بإيجازٍ عن منهج أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه في توثيقهم للشاهد الشعري لمناسبة دراسة هذه المصنفات، وإن كانوا من حيثُ الترتيبُ الزمنيُّ أقدمَ من المفسرين الذين تعرَّض لهم البحث، غير أن اختصاص الدراسة بكتب التفسير جعلت من المناسب تقديم الكلام عن منهج المفسرين.
وقد كانت مصنفات غريب القرآن ومعانيه التي صنفها المتقدمون كأبي عبيدة، والفراء، والكسائي، والأخفش، وقطرب مصادرَ مهمةً عَوَّلَ عليها المفسرون في دراساتهم اللغوية للقرآن الكريم، وكانوا مصدرًا مهمًا على وجه الخصوص في الشواهد الشعرية، من حيث الشواهد نفسها، ومن حيث المنهج في الاستشهاد.
стр. 705
فالشواهد الشعرية التي استشهد بها أبو عبيدة، والفراء، والأخفش استشهد بها الطبري وابن عطية والقرطبي بعد ذلك، مع الإشارة إلى مصدرها أحيانًا، وإغفالها في أحيان كثيرة.
ويمكن الحديث عن توثيق أصحاب غريب القرآن ومعانيه للشاهد الشعري في كتبهم من جانبين:
الأول: توثيق الشواهد الشعرية من حيث الرواية. وهو العناية بصحة نسبة هذه الشواهد إلى قائليها، أو إلى قبائلهم، ومقدار ما نسبه أصحاب هذه الكتب من الشواهد، ومنهجهم في ذلك.
الثاني: توثيق الشواهد الشعرية من حيث الدراية. ويدخل فيه جهودهم في ضبط ألفاظ الشواهد، وشرح غامضها، ونقد رواياتها من حيث متونها.
القسم الأول: توثيق الرواية:
١ - نسبة الشاهد إلى قائله:
عُنِيَ بعضُ المصنفين في معاني القرآن وغريبه بتوثيق نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها، وأغفل بعضهم هذا التوثيق. وقد قمتُ بعمل جدول إحصائي للنظر في جهود هؤلاء العلماء في نسبة الشواهد الشعرية لقائليها، مع استبعاد ما نسبه المحققون لهذه الكتب من الشواهد، فكانت على النحو التالي:
م ... الكتاب ... عدد شواهده ... المنسوب ... غير المنسوب ... نسبة المنسوب
١ ... مَجاز القرآن لأبي عبيدة ... ٩٥٢ ... ٥٥١ ... ٤٠١ ... ٥٧.٨٨ %
٢ ... معاني القرآن للفراء ... ٧٨٥ ... ٧٢ ... ٧١٣ ... ٩.١٧ %
٣ ... تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ... ٣٦١ ... ٢٩٦ ... ٦٥ ... ٨١.٩٩ %
٤ ... غريب القرآن لابن قتيبة ... ١٨٢ ... ١٤٩ ... ٣٣ ... ٨١.٨٧ %
٥ ... معاني القرآن للأخفش ... ٣١٧ ... ٣٠ ... ٢٨٧ ... ٩.٤٦ %