← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

القيد المكاني، وقد سبق الحديث عنه في الباب الأول على وجه التأصيل. وقد قمت بحصر جميع قبائل الشعراء الذين ورد ذكرهم في كتب معاني القرآن وغريب القرآن التي درستها، وهي: - مجاز القرآن لأبي عبيدة. - معاني القرآن للفراء. - غريب القرآن. - تأويل مشكل القرآن كلاهما لابن قتيبة. وقيدت ذلك في جدول رتبت فيه القبائل بحسب عدد الشعراء الذين استُشهدَ بشعرهم من تلك القبيلة، وعدد الشواهد لشعراء كل قبيلة مع ملاحظة أنني قد ألحقت البطون والأفخاذ المتفرعة عن بعض القبائل الكبيرة بأصولها فظهر العدد في الجدول أقل من عدد القبائل الحقيقي الذين استشهد أصحاب معاني القرآن وغريبه بشعرهم: م ... القبيلة ... الشعراء ... الشواهد ١ ... تَميم ... ٣٠ ... ١٠٥ ٢ ... أسد ... ١٤ ... ١٤ ٣ ... الأزد ... ١١ ... ٢٤ ٤ ... بكر ... ٩ ... ٢٨ ٥ ... قريش ... ٩ ... ١٣ ٦ ... غطفان ... ٧ ... ١٧ ٧ ... بنو عامر ... ٧ ... ١٥ ٨ ... عبس ... ٦ ... ٢٨ ٩ ... هذيل ... ٥ ... ١٢ ١٠ ... باهلة ... ٥ ... ١١ ١١ ... تغلب ... ٥ ... ١٣ ١٢ ... طيء ... ٥ ... ٧ ١٣ ... كنانة ... ٤ ... ٨ ١٤ ... قضاعة ... ٣ ... ٧ ١٥ ... الرِّباب ... ٢ ... ٣٧ ١٦ ... كندة ... ٢ ... ٢٠ ١٧ ... مزينة ... ٢ ... ٩ ١٨ ... عكل ... ٢ ... ٥ ١٩ ... ثقيف ... ٢ ... ٤

стр. 702

وقد استبعدت من هذا الجدول من القبائل ما لم يكن منها إلا شاعر أو شاعران لهم شاهد أو شاهدان. ومن خلال هذا الإحصاء للقبائل، وعدد الشعراء المنتسبين لكل قبيلة وعدد شواهدهم، يمكن الخروج بالنتائج الآتية: أولًا: أن أصحاب كتب المعاني والغريب قد استشهدوا بأشعار شعراء ينتمون إلى أكثر من ثلاثين قبيلة من قبائل العرب، وقد دَمَجتُ القبائلَ الصغيرة في قبائلها الأصلية في الإحصاء السابق، وهؤلاء الشعراء يمثلون مجموعة كبيرة من قبائل العرب التي احتج أهل اللغة بلغتهم، وهم من عصور الاحتجاج المتفق عليها. ثانيًا: أَنَّ أكثر الشعراء ينتسبون لقبيلة تَميمٍ، فقد استشهد أصحاب المعاني والغريب بشعر ثلاثين شاعرًا من شعراء تميم في الجاهلية والإسلام، وبلغت شواهدهم مجتمعةً مائة وخمسة شواهد، وهي مختلفة في اللغة والنحو وغيرها، وأبرز شعراء تميم كانوا في الإسلام فقد اشتهر منهم جرير، والفرزدق، والعجاج، ورؤبة بن العجاج وعن هؤلاء أخذ أصحاب معاني القرآن وغريبه معظم شواهدهم، وأما بقية شعراء تميم فيكون للواحد منهم البيت والبيتان والثلاثة، وليس فيهم من بلغ مرتبة هؤلاء في كثرة الشواهد. ثالثًا: أن القرآن الكريم نزل بلغات العرب، ولم يقتصر نزوله على لغة قريش خاصة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وفي صنيع أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن من استشهادهم بشعر قبائل العرب إجماع منهم على أنه لم ينزل بلغة قريش وحدها، ولو كان القرآن نزل بلغة قريش لما احتاج الناس إلى الشعر للاستشهاد به على فهم المشكل والغريب، وكان عليهم الرجوع إلى قريش ونثرهم للاستشهاد به في توضيح ما فيه من مشكل وغريب، لا إلى شعر العرب وكلامهم من غير قريش، ثم إن وجود الغريب في القرآن والمشكل وحروف خفي معناها

стр. 703

على بعض القرشيين كأبي بكر وعمر دليل على أنه لم ينزل بلسان قريش وحدها. (١) رابعًا: ذكر الفارابي أن العلماء لم يأخذوا اللغة من بعض القبائل، وقد سبق بيان ذلك، وهذا الإحصاء يبين أيضًا عدم صحة ذلك في كتب المعاني والغريب كما تقدم بيانه في كتب التفسير، حيث وردت شواهد لشعرائها في كتب معاني القرآن وغريبه. فقد أخذ العلماء عن شعراء الحضر كشعراء قريش، والأنصار في المدينة وهم من الأزد، وأخذت اللغة عن شعراء كنانة، فقد استشهد أصحاب معاني القرآن وغريب القرآن بشعر أكثر من عشرين شاعرًا من قريش وحدها دون سائر كنانة، وببعض شعراء كنانة الذين بلغوا جَميعًا خَمسةً وعشرين شاعرًا، وورد لهم أكثر من واحد وستين شاهدًا. * * *

стр. 704

المبحث الخامس: منهج أصحاب «معاني القرآن» و «غريب القرآن» في توثيق الشاهد الشعري يُعَدُّ توثيقُ الشاهد الشعري، وصحةُ نسبتهِ إلى قائله جانبًا مهمًا في الاستشهاد بالشاهد الشعري، والوثوق بما يدل عليه من معنى لغوي، أو تركيب نحوي. وقد سبق الكلام عن شروط قبول الشاهد الشعري عند المفسرين، وحرصهم على الالتزام بها، كما سبق الكلام عن توثيق المفسرين لشواهدهم الشعرية، ومنهجهم الذي سلكوه في ذلك بشيء من التفصيل. (١) ويأتي الكلام في هذا المبحث بإيجازٍ عن منهج أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه في توثيقهم للشاهد الشعري لمناسبة دراسة هذه المصنفات، وإن كانوا من حيثُ الترتيبُ الزمنيُّ أقدمَ من المفسرين الذين تعرَّض لهم البحث، غير أن اختصاص الدراسة بكتب التفسير جعلت من المناسب تقديم الكلام عن منهج المفسرين. وقد كانت مصنفات غريب القرآن ومعانيه التي صنفها المتقدمون كأبي عبيدة، والفراء، والكسائي، والأخفش، وقطرب مصادرَ مهمةً عَوَّلَ عليها المفسرون في دراساتهم اللغوية للقرآن الكريم، وكانوا مصدرًا مهمًا على وجه الخصوص في الشواهد الشعرية، من حيث الشواهد نفسها، ومن حيث المنهج في الاستشهاد.

стр. 705

فالشواهد الشعرية التي استشهد بها أبو عبيدة، والفراء، والأخفش استشهد بها الطبري وابن عطية والقرطبي بعد ذلك، مع الإشارة إلى مصدرها أحيانًا، وإغفالها في أحيان كثيرة. ويمكن الحديث عن توثيق أصحاب غريب القرآن ومعانيه للشاهد الشعري في كتبهم من جانبين: الأول: توثيق الشواهد الشعرية من حيث الرواية. وهو العناية بصحة نسبة هذه الشواهد إلى قائليها، أو إلى قبائلهم، ومقدار ما نسبه أصحاب هذه الكتب من الشواهد، ومنهجهم في ذلك. الثاني: توثيق الشواهد الشعرية من حيث الدراية. ويدخل فيه جهودهم في ضبط ألفاظ الشواهد، وشرح غامضها، ونقد رواياتها من حيث متونها. القسم الأول: توثيق الرواية: ١ - نسبة الشاهد إلى قائله: عُنِيَ بعضُ المصنفين في معاني القرآن وغريبه بتوثيق نسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها، وأغفل بعضهم هذا التوثيق. وقد قمتُ بعمل جدول إحصائي للنظر في جهود هؤلاء العلماء في نسبة الشواهد الشعرية لقائليها، مع استبعاد ما نسبه المحققون لهذه الكتب من الشواهد، فكانت على النحو التالي: م ... الكتاب ... عدد شواهده ... المنسوب ... غير المنسوب ... نسبة المنسوب ١ ... مَجاز القرآن لأبي عبيدة ... ٩٥٢ ... ٥٥١ ... ٤٠١ ... ٥٧.٨٨ % ٢ ... معاني القرآن للفراء ... ٧٨٥ ... ٧٢ ... ٧١٣ ... ٩.١٧ % ٣ ... تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ... ٣٦١ ... ٢٩٦ ... ٦٥ ... ٨١.٩٩ % ٤ ... غريب القرآن لابن قتيبة ... ١٨٢ ... ١٤٩ ... ٣٣ ... ٨١.٨٧ % ٥ ... معاني القرآن للأخفش ... ٣١٧ ... ٣٠ ... ٢٨٧ ... ٩.٤٦ %

стр. 706

ومن هذا الجدول الإحصائي يمكن الخروج بالنتائج التالية: ١ - يُعَدُّ أبو عبيدة أكثر المصنفين حرصًا على نسبة الشواهد الشعرية للشعراء في كتبه، وخاصةً كتابه «مَجاز القرآن»، وقد كان للشواهد الشعرية التي اشتمل عليها هذا الكتاب أَهمية كبيرة في كتب غريب القرآن ومعانيه، وكتب التفسير التي صنفت بعده وغيرها من العلوم الأخرى مثل اعتماد البخاري عليه في غريب القرآن من كتاب التفسير من صحيحه. ولذلك فإن أبا عبيدة قد أرسى بما أورده في كتابه المجاز دعائم قوية للاستشهاد بالشاهد الشعري في التفسير، انتفع بها كُلُّ مَنْ سار على هذا المنهج اللغوي في تفسير القرآن، أو كان لهذا المنهج جانب من العناية فيه، كما في تفسير الطبري وابن عطية والقرطبي وغيرهم. وقد كثرت تعقبات الطبري وابن عطية وغيرهما لبعض تفسيرات أبي عبيدة اللغوية لمفردات القرآن الكريم، غير أن هذا لم يمنعهم من السير على المنهج اللغوي الذي سار عليه أبو عبيدة، والاستشهاد بالشعر في تفسير معاني الألفاظ القرآنية. ٢ - يأتي بعد أبي عبيدة في العناية بنسبة الشواهد الشعرية إلى قائليها ابن قتيبة في كتابيه «غريب القرآن» و «تأويل مشكل القرآن»، وهو وإن كانت شواهده أقل من حيث العدد من أبي عبيدة والفراء إلا أن نسبة الشواهد التي نسبها لقائليها كبيرة، فقد نسب من شواهده في غريب القرآن ما نسبته ٨١.٨٧ % من مجموع شواهده التي بلغت ١٨٢ شاهدًا. وفي تأويل مشكل القرآن بلغت شواهده ٣٦١ شاهدًا نسب منها ٨١.٩٩ %، وهي نسبة كبيرة تدل على عنايته بتوثيق شواهده الشعرية ونسبتها لقائليها. وليس ذلك غريبًا عليه، فقد كان واسع الرواية للشعر عن شيخه أبي حاتم السجستاني، وقد صنف تصانيف كثيرة في أخبار

стр. 707

الشعر والشعراء تدل على سعة روايته واطلاعه ومعرفته بالشعر. (١) ٣ - يأتي بعد ذلك الفراء في كتابه «معاني القرآن»، حيث جعل الشاهدَ الشعريَّ دليلًا قويًا يستند إليه في شرح غريب ألفاظ القرآن، وشرح تراكيبه، وإن كان الشعر عنده يأتي في مرتبةٍ متأخرةٍ بعد استشهاده بآيات القرآن والمنقول في التفسير عن السلف. غير أن الفراء قد أغفل نسبة معظم الشواهد الشعرية في كتابه المعاني، ولم يُعْنَ بتوثيق نسبتها لقائليها، فقد نسب الفراء ما نسبته ٩.١٧ % فقط من مجموع شواهده التي بلغت ٧٨٥ شاهدًا، وهي نسبة ضئيلة، مِمّا جعل بعضَ الباحثين يذهب إلى أنَّ الفراء كان هو رائدَ هذا المنهج الذي سار عليه كثير من المفسرين بعد ذلك، وهو عدم العناية بنسبة الشواهد الشعرية لقائليها كما عند الزمخشري في الكشاف، فقال: «ويبدو أن الفراء كان صاحب الأثر الأكبر في هذا الأمر؛ لأنه لم ينسب أكثر أبياته التي رواها وتوسع في الأخذ بها عن الأعراب، فظلَّ صنيعهُ في المُفسِّرينَ سنةً قائمةً، ومعظم شواهده التي رواها في التفسير غير منسوبة». (٢) ولكن بعد طباعة معاني القرآن للأخفش، وموازنته بكتاب الفراء يظهر أن الأخفش هو صاحب هذا المنهج في إغفال نسبة الشواهد الشعرية، فقد ظهر بإحصاء نسبة الشواهد المنسوبة في كتابه أنه لم ينسب من شواهده التي بلغت ٣١٧ شاهدًا إلا ثلاثين شاهدًا، وأغفل ٢٨٧ شاهدًا، ونسبة المنسوب لديه لا تمثل إلا ٩.٤٦ % من مجموع شواهده، وهي نسبة تكاد تتطابق مع نسبة ما نسبه الفراء بعده وهي ٩.١٧ % من مجموع شواهده. وذلك لأن الفراء قد بنى كتابه على كتاب الأخفش كما ذكر الأخفش نفسه، حيث سئل عن

стр. 708

ذلك، فذكر اتصاله بالكسائي وقال: «فلما اتصلت الأيام بالاجتماع سألني - أي الكسائي - أن أؤلف له كتابًا في معاني القرآن، فألفت كتابًا في المعاني، فجلعه أمامه، وعمل عليه كتابًا في المعاني، وعمل الفراء كتابًا في ذلك عليهما». (١) مِمَّا يعني سَبْقَ كتاب الأخفش على كتابي الكسائي والفراء، وتأثر الفراء بكتاب الأخفش في المنهجية، حتى في توثيقه للشاهد الشعري الوارد فيه، فقد سار على طريقتهِ في إغفالِ مُعظمِ شواهدهِ، وقد قَبِلَ العلماءُ ما رواه الفراء عن العربِ ثقةً بنقلهِ وعدالته. ٤ - يُعَدُّ أصحاب كتب غريب القرآن - أبو عبيدة، وابن قتيبة- أكثر عناية بنسبة الشاهد الشعري لقائله كما اتضح من الجدول، في حين لم يَنْسِب أصحابُ معاني القرآن - وهم الفراء، والأخفش - إلا عددًا قليلًا من شواهدهم الشعرية. فقد نسب الفراء ما نسبته ٩.١٧ % من مجموع شواهده التي بلغت ٧٨٥ شاهدًا، ولم ينسب الأخفش إلا ما نسبته ٩.٤٦ % من مجموع شواهده التي بلغت ٣١٧ شاهدًا، واختلف عنهم ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن فنسب ما نسبته ٨١.٩٩ % من شواهده التي بلغت ٣٦١ شاهدًا، فاختلف بذلك عن أصحاب كتب المعاني، وهو ليس من كتب المعاني على وجه الدقة، ولم يعده أحد منها، وإنما أضفته للدراسة لكونه مُكمِّلًا لكتابه الآخر غريب القرآن من جهة، ولكونه قد عُني بِجانب الدراسة البلاغية من جهةٍ أخرى بطريقةٍ سار عليها مَنْ بعده في دراسة أساليب القرآن الكريم كما فعل ابن فارس في كتابه «الصاحبي» (٢) مع اعتماده في ذلك على الشاهد الشعري.

стр. 709

وأَمّا الأخفشُ في كتابه «معاني القرآن» الذي سبق الفراء والكسائي بتأليفه، فقد ذكر المُحقِّقُ عدد شواهده الشعرية فقال: «يُمثِّلُ الشاهدُ من الشعر في «معاني القرآن» رُكنًا مُهمًّا من أركانه، ففي ثَمانٍ وثَمانين ومائة ورقة جرى الاستشهاد بالشعر في سبعة عشر وثلاثمائة موضع ... ومن هذا يتضح أن الاستشهاد كان بمعدل ستة عشر موضعًا في كل عشر ورقات. وإذا كان التكرار في الاستشهاد قد حدث ستًا وثلاثين مرة، يصبح مجموع الشواهد واحدًا وثمانين ومئتي شاهد وهو عدد ضخم». (١) ثُم أوضح المُحققُ منهجَ الأخفش في نسبة شواهده الشعرية فقال: «ولكن الأخفش أغفل عزو معظم هذه الشواهد، وقد أمكن والحمد لله تخريج سائرها، ولم يشذ عن هذا إلا القليل منها، أَمّا ما عزاه الأخفشُ فكان عدده ضئيلًا، ولم يتعد ذلك ثلاثين موضعًا». (٢) ٥ - كان اعتماد المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبة الشواهد الشعرية على روايتهم الخاصة عن العرب والرواة والشعراء، ويُعَدُّ أبوعبيدة مِمَّن كان له سبقٌ في نسبة كثيرٍ من شواهدِ الشعر، اعتمدَ عليه مَنْ جاء بعدَه في تلك النسبة. بل إِنَّه روى عن العرب الأساليب النثرية المشهورة واعتمد العلماء نقله لها، مثل قولهم: «أكلوني البراغيث». فقد سَمِعَه أبوعبيدة من العرب فقال: «العربُ تُجوِّزُ في كلامهم ... أن يقولوا: أكلوني البراغيثُ، قال أبوعبيدة: سَمعتها من أبي عمرو الهذلي في منطقهِ». (٣) وهذا الشاهد النثري دائر في كتب النحو من غير نسبةٍ لقائلٍ حتى تندَّرَ به بعضهم على النحوييْن وأمثلتهم، قال الطناحيُّ ﵀ تعليقًا على

стр. 710

هذا الشاهد: «ولم أجده منسوبًا لقائل، في واحدٍ من هذه الكتب التي أعرفها، وأولُ من رأيته نسبه إلى قائلٍ أبو عبيدة معمر بن المثنى ... وإِنَّ في وجود هذا الشاهد وعزوه، في كتاب أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى، المتوفى بين سنتي ٢٠٨ - ٢١٣ دليلًا على أَنَّ هذا الشاهد قديمٌ في كلام العرب، وأَنَّه ليس مِنْ صُنْعِ النحاةِ، حتى يُتَّخذَ مادةً للسخرية والإضحاك البارد! ». (١) وقد ذكره قبل أبي عبيدة وبعده عددٌ من النحويين دون عزوه إلى قائله. (٢) ومثل أبي عبيدة في الرواية عن العرب الفراءُ والأخفشُ، فمِمّا رواه الفراء عن العرب قول الشاعر: علفتُها تِبنًا وماءً باردا ... حتى شَتَتْ هَمّالةً عيناها وهذا الشاهدُ غيرُ منسوبٍ لقائلٍ، وقد استشهد به المفسرون في مواضع كثيرة، وذكره الفراء فقال: «وأنشدني بعض بني أسد يصف فَرَسَهُ: عَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً باردَا ... حَتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها». (٣) وهذا الشاهد من الشواهد السائرة في كتب النحو والتفسير، والشاهد فيه «وماءً» حيث نصبَ الماءَ بفعلٍ مقدرٍ هو «أَسْقَيْتُها»، ولم يذكره؛ لكون الماء لا يُعلفُ وإِنّما يُشرَبُ. وقد نقله واستشهد به معظم النحويين والمفسرين بعد ذلك. (٤)

стр. 711

والأخفش قد ذكر في كتابه سماعه للشواهد من العرب مباشرة دون واسطة، وبواسطة أحيانًا. ومن ذلك قوله: «وسمعت من العرب من ينشد هذا البيت بغير لام: فَيَبْكِ على المُنْجابِ أَضْيافُ قَفْرِهِ ... سَروا وأُسارَى لَمْ تُفَكَّ قُيودُها (١) يريد: فليبك، فحذف اللام». (٢) وأبو عبيدة والأخفش والفراء من بين أصحاب الغريب والمعاني قد انفردوا بإيراد شواهد شعرية أصبح لها قبول عند أهل اللغة والنحو، لتقدمهم ووصول كتبهم لمن بعدهم، بخلاف الكسائي والأصمعي اللذين فقدت أكثر كتبهما، ولم ينقل عنها العلماء إلا القليل. وقد قام بعض الباحثين بجمع النقول التي نقلت عن كتاب «معاني القرآن» للكسائي وطبعها في كتاب. (٣) منهج أصحاب كتب الغريب والمعاني في نسبة الشاهد الشعري لقائله: للمؤلفين في غريب القرآن ومعانيه في نسبتهم للشواهد الشعرية طرقٌ كثيرةٌ لا تختلف عن طريقة المفسرين في ذلك. ولذلك سأكتفي بالإشارة الموجزة في هذا المبحث اكتفاءً بما تقدم من الكلام عن منهج المفسرين في ذلك. فأمّا أبو عبيدة فقد حرص على نسبة أكثر شواهده الشعرية إلى قائليها، وقد نسب شواهده لشعراء كثيرين منهم طرفة بن العبد

стр. 712

البكري (١)، والأسود بن يعفر التميمي (٢)، وأخوه حطائط بن يعفر (٣)، والنابغة الذبياني (٤)، وزهير بن أبي سُلْمى (٥)، وعبدمناف بن ربع الهذلي (٦)، والأعشى (٧)، والعباس بن مرداس السلمي (٨)، وخُفاف بن نُدْبَة (٩)، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي (١٠)، وغيرهم. (١١) والفراءُ - كما تقدم- لا ينسب الشعرَ لقائله إِلاّ نادرًا، ومن هذا القليل نسبته شواهد شعرية لامرئ القيس (١٢)، والنابغة الذبياني (١٣)، وقيس بن زهير العبسي (١٤)، والأعشى البكري (١٥)، وحسان بن ثابت الخزرجي (١٦)، والكميت بن معروف الأسدي (١٧)، والفرزدق التميمي (١٨)، وذي الرمة (١٩). وابن قتيبة نَسَبَ أكثر شواهده لقائليها، ولكن شواهده قليلة موازنةً بعددِ شواهد أبي عبيدة والفراء، وكذلك تأخرهُ عنهما جَعَلَه يُفيدُ مِن كتبهما. وقد نسب شواهده للشعراء الذين وردوا في معاني القرآن للفراء، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة. ومنهم لبيد (٢٠)، والأعشى (٢١)، والطرمّاح (٢٢)، والنابغة (٢٣)، والخنساء (٢٤)، وغيرهم.

стр. 713

وربَّما اكتفى المؤلف بنسبة الشعر للشاعر باسمه الأول، وقد يشترك معه غيره في هذا الاسم، ولا يكون هو الأشهر بهذا الاسم فيقع شيء من الاضطراب في تحديد القائل، خاصةً مع اختلاف العصرين. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (١): «أي: عَدْلًا خِيارًا، ومنه قولهم: فلانٌ واسطٌ في عشيرتهِ، أي: في خِيارِ عشيرته. وقال غيلانُ: وقدْ وَسَطْتُ مالكًا وحَنْظلا (٢) أي: صرتُ من أوسطِهِم وخِيارِهم». (٣) وغيلانُ اسم مشترك لعدد من الشعراء، من أشهرهم به ذو الرُّمَّةِ واسمه غيلان بن عقبة (٤)، غير أنَّ أبا عبيدة هنا قد أطلقه والمقصود به غيلانُ بنُ حُريثٍ. وربما ذُكر الشاعرُ باسمه واسم أبيه كاملًا، وربما نسب فوق ذلك إلى قبيلته زيادةً في البيان. كقول أبي عبيدة: «قال مُحمدُ بن نُميرٍ الثقفيُّ». (٥)، فقد ذكر اسم الشاعر كاملًا؛ لعدم شهرته، وكذلك قوله: «وقال عَنْزُ بنُ دِجاجةَ المازنيُّ (٦)». (٧)، للسبب نفسه. وقد يزيد فيذكر اسم الشاعر واسم أبيه وجده، كقول أبي عبيدة: «قال عوف بن الأحوص بن جعفر». (٨)

стр. 714

وقد يكون لقب الشاعر غريبًا فيبين معناه ويطيل في بيانه قبل إيراده لشعره، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «قال الخِنَّوتُ - وهو توبة بن مضرس، أحد بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وإِنَّما سَمَّاه الخِنَّوتَ الأحنفُ بن قيس؛ لأَنَّ الأحنفَ كَلَّمَهُ فلم يُكلِّمهُ احتقارًا له، فقال: إِنَّ صاحبكم هذا لَخِنَّوتٌ. والخِنَّوتُ المُتجبِّرُ الذاهب بنفسه، المُستصغرُ للناس، فيما أَخْبَرني أبو عبيدة محمدُ بنُ حفصِ بن مَحبورٍ الأُسَيديُّ: وَأَهلِ خِباءٍ صالِحٍ ذاتُ بَينِهِم ... قَدِ اِحتَرَبوا في عاجِلٍ أَنا آجِلُه (١)». (٢) وقد يذكر الشاعر بكنيته التي اشتهر بها، كأبي فلان أو ابن فلان. ومن ذلك قول أبي عبيدة: «كقول ابن الرعلاء». (٣) واستطرد فشرح معنى الرعلاء فقال: «واسم الرعلاء كوتي، والكؤتي والكوتي يهمز ولا يهمز، والكوتي من الخيل والحمير: القصار. قال: فلا أدري أيكون في الناس أم لا، قال: ولا أدري الرعلاء أبوه أو أمه». (٤) وكذلك قول أبي عبيدة: «وقال ابن أحمر». (٥) وقوله: «وقال ابن هرمة». (٦) والشعراء الذين نسب لهم الأخفش الشواهد هم الشعراء الذين نسب لهم أبو عبيدة والفراء وابن قتيبة شواهدهم. مما يدل على وحدة مصادرهم في الرواية الشعرية. وقد تحدَّث المُحقق لكتابه عن صورٍ قليلةٍ من اضطرابِ الأخفش في رواية بعض الشواهد، أو عزوها مِمَّا يدل على أنه كان يُملي كتابه إملاءً. ومما ذكره قوله: «ومن أوضح أمثلة اضطرابه الدالة على اقتضابه اختلاط الأبيات وتداخلها في ذاكرته، كما حدث في الشاهدة الثامن والستين بعد المئتين، إذ لفقه من صدر بيت للحطئيئة هو:

стр. 715

متى تأْتِهِ تعشو إلى ضَوءِ نارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيْرُ مُوقِدِ وعجز بيت لعبد الله بن الحُرّ هو: متى تأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا». (١) والبيت صحيحًا هو: متى تأْتِهِ تعشو إلى ضَوءِ نارِهِ ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجا وقد وقع في هذا التلفيق الطبري من قبل. (٢) في حين استشهد أبو عبيدة عند تفسير هذه الآية بقول الحطيئة، دون بيت عبد الله بن الحُرّ. (٣) فيظهر من طريقة المؤلفين في غريب القرآن في ذكر اسم الشاعر قبل إيراد الشعر رغبتهم في الاختصار، فعندما يكون الشاعر مشهورًا باسمه الأول، اكتفوا به، وإلا زادوا في البيان فذكروا اسم الشاعر واسم أبيه، وقد يزيدون نسبته للقبيلة. وربما اكتفوا بلقب الشاعر إن كان له لقب مشهور يعرف به. ٢ - نسبة الشاهد إلى القبيلة: ربما أَبْهَمَ المؤلف اسم الشاعر فلم يذكره، غير أن هذا الإبهام له صور متعددة بعضها شديد الإبهام، وبعضها دون ذلك، فيكتفي المؤلف بنسبة الشاهد إلى قبيلة الشاعر، أو إلى زمنه كالجاهلية، أو إلى جنسه كقولهم: قال رجل، أو قالت امرأة. فمن صور الاكتفاء بنسبة الشاعر لقبيلته قول أبي عبيدة: «قال رجل من عبيد القيس» (٤)، وقول ابن قتيبة: «قال الهذلي». (٥) وربما ذكروا الشاعر بقولهم: قال الشاعر (٦)، أو قال الراجز إن

стр. 716

كان الشاهد من بحر الرجز (١)، أو «قال بعضهم». (٢) أو: قال، أو: وقوله. ونحو هذه العبارات المبهمة. (٣) ونسبة الشاعر إلى قبيلته يعين في معرفة لغة هذه القبيلة، وإن لم يكن دالًا على الشاعر، وكذلك تحديد زمن القائل كقول أبي عبيدة: «وقال رجل من بني عدي جاهلي». (٤) فإنه يطمئن القارئ أن الشعر قديم، وإن كان مجهول القائل، مما يجعل الاستشهاد به مقبولًا. وفي نسبة لغة من اللغات لقبيلة من قبائل العرب، ينبغي الاستشهاد بشعرٍ لشاعر من هذه القبيلة ليصح الاستدلال. غير أنك ربما وجدت استدلالًا على نسبة لغة من اللغات أو معنى من المعاني لقبيلة من القبائل، وعدم نسبة الشاهد لشاعر من شعراء القبيلة، وإنما تركه مبهمًا. مثل قول ابن قتيبة: «﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] (٥) أي: افعل بهم فعلًا من العقوبة والتنكيل يتفرق بهم من وراءهم من أعدائك. ويقالُ: شَرِّدْ بِهِم، سَمِّع بِهم بلغة قريش. قال الشاعر (٦): أُطوِّفُ في الأَباطِحِ كُلَّ يومٍ ... مَخافةَ أَنْ يُشَرِّدَ بي حَكِيْمُ». (٧) وهي فيما يبدو لشاعرٍ قرشي لذكره الأباطح وهي في مكة، غير أنه لم يبين ذلك. ومثل ذلك قول ابن قتيبة أيضًا: «﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٣١] (٨) أي: أفلم يعلم. ويُقال: هي لغةٌ للنَّخَعِ. وقال الشاعر (٩): أَقولُ لَهُم بالشِّعْبِ إِذْ يأْسِرونَني ... أَلَمْ تَيأَسوا أَنِّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ (١٠)

стр. 717

أي: ألم تعلموا». (١) ٣ - نسبة الشاهد لمن أنشده من العلماء والرواة: أدرك أبو عبيدة والفراء كثيرًا من الرواة من العلماء والأعراب الذين يروون شعر شعراء القبائل، ومن ذلك قول أبي عبيدة: «سَمعتُ مَنْ يُنشدُ بيتَ خِرْنِق بنت هفان من بني سعدِ بن ضُبيعةَ، رهطِ الأعشى: لا يَبْعَدَنْ قَومي الذين هُمُ ... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ النّازِلِيْنَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... والطَّيْبِينَ مَعاقِدَ الأُزْرِ (٢) فيخرجون البيت الثاني من الرفع إلى النصب، ومنهم من يرفعه على موالاة أوله في موضع الرفع». (٣) وهذا من أبي عبيدة استشهادٌ بلغة المُنشدِ للشاهدِ، لا بلغةِ الشاعر، فالشاعرة قيسيةٌ قالت هذا الشِّعرَ في رثاء زوجها بشر بن عمرو بن مرثد ومن قتل معه من بنيه وقومه، حين غزا بني أسد بن خزيمة. (٤) ورواية الشطر الثاني من البيت الثاني بالرفع، كما في المصادر الأخرى. (٥) وإن كان سيبويه قد أجاز الوجهين فقال: «ووإن شئت أجريت هذا كله على الاسم الأول، وإن شئت ابتدأته جميعًا فكان مرفوعًا على الابتداء، كل هذا جائز في ذين البيتين وما أشبههما». (٦) استفاد ابن قتيبة في كتبه من كتب أبي عبيدة وخاصة مجاز القرآن، فهو ينقل عنه تفسير الغريب، وينقل شواهده الشعرية أيضًا، وقد يشير إلى ذلك، وربما يغفل الإشارة إلى أبي عبيدة. ومِنْ إشارته لأَبي عُبيدة قوله

стр. 718

عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩]: «﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعني: الأَعنابَ والزيتَ. وقال أبو عبيدة: (١) ﴿يَعْصِرُونَ﴾: يَنْجُون، والعُصْرَةُ النَّجاةُ. قال الشاعرُ (٢): وَلَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ (٣) أي: غِياثًا ومَنْجاةً للمَكْروب». (٤) ومن ذلك قول ابن قتيبة: «وقال أبو عبيدة (٥): رسولٌ، بِمعنى: رسالة، وأنشد: لقد كَذَبَ الواشونَ ما بُحتُ عندَهمْ ... بِسِرٍّ، ولا أَرسلتُهُمْ بِرَسُولِ (٦) أي: برسالة». (٧) وقد تعقب ابن قتيبة أبا عبيدة في تفسيره لبعض المفردات أو الأساليب القرآنية. ومن ذلك أنَّ أبا عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٩] (٨) قال في تفسير قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: مَجازهُ مَجازُ المَثَلِ، وموضعه موضع: كفوا عما أمروا بقوله من الحق، ولم يؤمنوا به ولم يسلموا، ويقال: رَدَّ يدَهُ في فَمِهِ، أي: أمسك إذا لم يُجِب». (٩) فقال ابن قتيبة متعقبًا له: «ولا أعلم أحدًا قال: رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ إذا أَمسكَ عن الشيءِ. والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم، أي: عضوا عليها حنقًا وغيظًا. كما قال الشاعر: (١٠)

стр. 719

يَرُدُّون في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ (١) يعني: أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر، ونحوه قول الهذلي (٢): قَد افنَى أَنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عليَّ الوظِيفا (٣) يقول: قد أَكَلَ أصابِعَه حتى أَفناها بالعضِّ، فأضحى يَعَضُّ عليَّ وظيفَ الذِّراعِ. وهكذا فَسَّر هذا الحرفَ ابنُ مسعودٍ، واعتباره قولَهُ في موضعٍ آخر: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٤)». (٥) ٤ - نسبة الشاهد إلى الكتب والدواوين: لم يكن لهذا المصدر وهو الكتب أثر كبير في كتب المعاني والغريب المتقدمة نظرًا لكونها من أول المصنفات التي صنفت في بابها، ولقلة المصنفات حينها، وظهور الرواية بين العلماء حتى أنهم لم يكونوا يثقون في الكتب والمصنفات، ولا يعتدون بالرواية من الصحف والكتب. ولذلك قل الاعتماد على المصنفات في ذلك العصر. فلا تكاد تجد في كتاب أبي عبيدة عزوه للشواهد الشعرية إلى كتب متقدمة. القسم الثاني: توثيق الشاهد الشعري من حيث الدراية . والمقصود هو عنايتهم بضبط ألفاظ الشاهد الشعري، وشرح معناه شرحًا مزيلًا للغموض عنه. وقد عني بذلك أبو عبيدة في مجاز القرآن فشرح كثيرًا من الشواهد الشعرية شرحًا موجزًا، وربما أطال في شرح بعض الشواهد عند الحاجة إلى ذلك.

стр. 720

١ - عنايتهم برواية الشاهد الشعري والانفراد بالرواية: انفرد بعض أصحاب كتب المعاني والغريب ببعض الشواهد الشعرية، أو برواية مختلفة لبعضها. ولا غرابة في ذلك لتقدمهم، وعدم وصول كتب المتقدمين في التصنيف عليهم. ولذلك فإن انفرادهم بهذه الشواهد أمرٌ طبيعيٌ لهذه الأسباب. ومن أمثلة ذلك في كتب غريب القرآن ومعانيه: انفرد أبو عبيدة بروايةٍ لقول الشاعر: لِيُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لِخُصومَةٍ ... ومُختبطٌ مِمّا تُطيحُ الطوائحُ (١) فرواه هكذا: لِيُبْكَ يزيدُ بائسٌ لِضَراعةٍ ... وأَشعث مِمّا طَوَّحتهُ الطّوائحُ (٢) ونَسَبَ هذا الشاهدَ للشاعر نَهْشلِ بن حَرِّيِّ (٣) في رثاء أخيه. فأما اختلاف الرواية للبيت فهي كما هو ظاهر لم تتعرض لموضع الشاهد، وهو رفع (ضارعٌ) بفعل مضمر يدل عليه ما قبله، لأنه لما قال: «لِيُبْكَ» دلَّ على أَنَّ ثَمَّ باكيًا، يَجبُ عليه أن يبكي، فكأَنَّه قال: يَبْكيهِ ضارعٌ ومُختِبطٌ، وهو من بابِ: ضُرِبَ زيدٌ، عمروٌ، كأنه لما قال: ضُرِبَ زيدٌ، قيل له: مَنْ ضَرَبَهُ؟ فقال: ضربه عمرو. (٤) قال القيسي: «ومثله قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] (٥)

стр. 721

كأنه والله أعلم على تقدير: يُسبِّحُهُ فيها رجالٌ». (١) وأما نسبة الشاهد فقد اختُلِفَ في نسبته، فنُسِب لنهشلِ بن حَرّيّ كما ذكر أبو عبيدة، ونُسب للحارث بن نَهِيك النَّهشليِّ، ونُسب لمُزَرِّدِ بن ضرارٍ أخي الشمّاخ، ونُسب إلى مُرَّةَ النَّهشليِّ، ونُسب إلى لبيدٍ وهو في الشعر المنسوب إليه، ونُسِب إلى الحارث بن ضرار النَّهشليِّ، وإلى ضرار النهشلي، وإلى مهلهل. (٢) ومِمّا يؤيدُ صحةَ نسبته لنهشلِ بن حرّيّ كما قال أبو عبيدة، أَنَّ أكثر المصادر قد نسبه له، وتصحيح البغدادي لهذه النسبة، وصحح هذه النسبة من المحققين الأستاذان عبد السلام هارون ومحمد عبد الخالق عضيمة رحمهما الله. ٢ - ردُّهم للشواهد المصنوعة: يُعَدُّ عصرُ أبي عبيدة عصرَ الرواية والرواة، وقد كان أبو عمرو بن العلاء من شيوخه الكبار، وكان أبو عمرو بن العلاء طريقًا لرواية أكثر شعر العرب الموثوق به عند العلماء. وقد اعترف أبو عمرو بن العلاء في مرض موته ليونس بن حبيب أنه لم يكذب في شيء رواه عن العرب من الشعر. ولم يزد فيه شيئًا إلا بيتًا واحدًا، زاده في قصيدة الأعشى العينية، وهو قوله: فأَنْكرتْنِي وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادِثِ إِلَّا الشَّيبَ والصَّلَعا قال أبو عبيدة: «قال يونس: قال أبو عمرو: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب فأتوب إلى الله منه». (٣)

стр. 722

والغريبُ أَنَّ أبا عبيدة قد استشهد بهذا البيت في كتابه، على أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠] (١) بمعنى أنكرهم، وأَنَّ (نَكِرَهم) و (أَنكرَهم) سواء في المعنى بناءً على هذا الشاهد. ويُمكن تعليلُ ذلك بأحد أمرين: الأول: ثقته في لغة أبي عمرو بن العلاء، واعتبارها حُجةً. الثاني: أَنَّه يعلمُ من لغة العرب وشعرها ما يدلُّ على صحة هذا من غير هذا الشاهد، وإنَّما أورده استئناسًا به؛ لشهرته منسوبًا للأعشى، وصحته من حيث اللغة. وقد استشهد الطبريُّ على هذه اللفظة بالشاهد المنسوب للأعشى ومعه بيت أبي ذؤيب الهذلي من قصيدته العينية: فَنَكِرنَهُ فَنَفَرنَ وَاِمتَرَسَت بِهِ ... سَطعاءُ هادِيَةٌ وَهادٍ جُرشُعُ (٢) مِمّا يدل على معرفة الطبري بأن هذا البيت في نسبته للأعشى شك لاطلاعه على كلام أبي عبيدة، ولذلك جَمَع معه بيتَ أبي ذؤيب. وقد جاء هذا اللفظ في شِعْرِ الكميتِ بن زيدٍ الأَسَديِّ في قوله: لا هَؤلاءِ اجتَوَت ولا نَكِرت ... ولا عَلَى هؤُلاكَ تَنتَحِبُ (٣) ثُمَّ كَثُرَ هذا الاستعمالُ في شعرِ العباسيين المُحدثين، كأبي تَمّام، ومسلم بن الوليد، وابن المعتز، ودِعْبِل الخزاعي، ومهيار الديلمي وغيرهم (٤)، وهؤلاء لا يُحتجُّ بشعرهم في اللغة. وينفرد أبو عبيدة بسعة علمه بالشعر وأخبار الشعراء، ولذلك يتوقف كثيرًا عند أسماء الشعراء أو ألقابهم فيشرحها ويبين المقصود بها. ومن ذلك قوله: «قال الشمّاخُ وهو الرجل المُتَكَبِّر». (٥)

стр. 723

المبحث السادس: الفرق بين منهج أهل المعاني والغريب والمفسرين في توظيف الشاهد الشعري في التفسير . كان السابقُ من المفسرين للاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم هو حبْرُ الأمة عبد الله بن عباس ﵄، وقد تقدم تفصيل ذلك عند الحديث عن مسائل نافع بن الأزرق لابن عباس. ورغم ما قيل في تضعيف عدد من هذه المسائل إلا أنَّ أصل وقوعها ثابت، ومعرفة ابن عباس بالتفسير والشعر تؤيدُ قبول جزء من هذه المسائل، مِمّا يعني صحة المنهج الذي سار عليه دون إفراطٍ، ومِمّا يدل على ذلك أن تلاميذه كعكرمة وزيد بن أسلم وغيرهم من التابعين وأتباعهم كانوا يسيرون على المنهج ذاته، غير أنهم لم يكونوا في العلم بالشعر في مرتبة ابن عباس ﵄، ولذلك لم يظهر الشعر كثيرًا في تفسيراتهم كابن عباس. ثم لم تزل طبقات المفسرين تتابع بعد ذلك، حتى جاء أبو أبو عبيدة في نهاية القرن الثاني الهجري فصنف كتابه «مجاز القرآن» وهو في السبعين من عمره نحو سنة ١٨٨ هـ، واتخذ الاستشهاد بالشعر خاصة، ولغة العرب بصفة عامة منهجًا سار عليه في معظم كتابه، وإن لم يُخْلِهِ تَمامًا من الاستشهاد بالقرآن نفسه، أو بالسنة وأقوال السلف في بعض المواضع، فاستقبل العلماءُ في عهدهِ كتابَهُ بالرفضِ والإنكار، وكثرت النقولُ عنهم في ذلك وقد تقدم ذكرها في البحث، غير أنه لم يلبث العلماء أن ساروا على هذا المنهج، ودرسوا كتابه «مجاز القرآن»، ودَرَّسوه لتلاميذهم، ونقلوا شواهده وتفسيراته، وتعقبوه في كثير منها،

стр. 724

وأكثر الطبري من ذلك في تفسيره، وابن عطية الأندلسي، وكتب علي بن حَمزةَ البصري كتابًا في التنبيه على أغلاط أبي عبيدة في كتابه المَجاز. (١) وعلى الرغم من هذا النقد فإن أبا عبيدة: «قد أسس مدرسة في تفسير القرآن، عمدتها الأولى الفقه بالعربية وأساليبها». (٢) وقد اعتمد على كتاب أبي عبيدة «ابنُ قتيبة في كتابه المشكل والغريب، والبخاري في الصحيح، والطبري في تفسيره ... واستفاد منه أبو عبد الله اليزيدي (ت ٣١١ هـ) في كتابه غريب القرآن، والزجاج في معانيه، وابن دريد في الجمهرة، وابن النحاس في معاني القرآن، والأزهري في التهذيب، وأبو علي الفارسي في الحجة، والجوهري في الصحاح ... ومن أهم من استفاد من كتاب المجاز من المتأخرين ابن حجر العسقلاني في فتح الباري». (٣) وقد بدأ الاستشهاد بالشعر في التفسير على يد أبي عبيدة بدايةً قويةً، ثُمَّ رجعَ المفسرون بعد ذلك إلى التوسط في الاستشهاد بالشعر، واستفادوا منه في تجلية المعاني اللغوية للمفردات القرآنية وغير ذلك مما سيأتي الحديث عنه بالتفصيل في الفصل الأخير من هذا الباب. وكان للطبري جهدٌ متميز في ذلك سَبَقَ الحديثُ عنه، ودونه في ذلك ابن عطية والزمخشري والقرطبي وغيرهم. وعند العودة بمنهج الاستشهاد بالشعر إلى أصوله الأولى، يأتي أبو عمرو بن العلاء البصري على رأس أئمة اللغة والإقراء الذين حرصوا على منهج التأصيل لعلوم اللغة، وتوظيفها توظيفًا صحيحًا في فهم القرآن

стр. 725

الكريم، واستخدام الشعر كوسيلة علمية للتحقق من فصاحة اللغة وسلامة التراكيب، وتدريب طلابه على ذلك، وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أحذق طلابه، حيث صحبه أبو عبيدة ما يزيد عن الثلاثين عامًا، واستنفد علمه، وقرأ عليه شعر الشعراء، ومنه شعر الأعشى الذي كان يقدمه أبو عمرو ويحث طلابه على العناية بشعره. وقد أخذ عنه أبو عبيدة منهجه في الاحتجاج بالشاهد الشعري للقراءة وتوجيهها في اللغة. والأخبار التي نقلت عن أبي عمرو بن العلاء لم يحفظ منها إلا القليل وهي لا تكفي لسد حاجة الباحث عن تفاصيل منهجه في الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، غير أن هناك أمثلة يمكن القياس عليها. ومن أمثلة تأثر أبي عبيدة بشيخه أبي عمرو في منهجه في تفسير القرآن الكريم ما رواه المازني عن أبي عبيدة أنه قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأُ: ﴿لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] (١)، وأنه سأل أبا عمرو عن وجه هذه القراءة فقال: هي لغةٌ فصيحةٌ ... واستشهد لها بقول المُمَزَّقِ العبديِّ: وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيْفًا كَأُفْحُوصِ القَطَاةِ المُطَرَّقِ (٢) ومِنْ تأثِّرهِ بشيخهِ ما يرويه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] (٣) حيث قال: «قومٌ يكسرون النونَ، وكان أبو عمرو يَفتحها، ويقول: إنها إن أضيفت لم تكن إلا بنونين؛ لأنها في موضع رفع، فاحتج من أضافها بغير أن يلحق فيها نونًا أخرى بالحذف، حذف أحد الحرفين إذا كانا من لفظٍ واحدٍ، قال أبو حية النميري: أَبالمَوتِ الذي لا بُدَّ أَنَّي ... مُلاقٍ لا أَباكِ تُخوِّفِيْنِي (٤)

стр. 726

ولم يقل: تُخَوِّفينَنِي. لا أباك: أي لا أبا لك، فجاء بقول أهل المدينة. وقال عمرو بن معد يكرب: تراهُ كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكًا ... يسوءُ الفالياتِ إذا فَلَيْنِي (١) أرادَ: فَلَيْنَنِي، فحذف إحدى النونين». (٢) وهناك أمثلة أخرى تدل على تأثر أبي عبيدة بشيخه أبي عمرو بن العلاء (٣)، غير أن منهجه الذي سار عليه في «مجاز القرآن» من أوضح الأدلة على تأثره بهذا الإمام اللغوي الكبير، الذي يعد شيخ أبي عبيدة الأول. وهناك غير أبي عمرو بن العلاء من شيوخ أبي عبيدة الذين كانوا يستشهدون بالشعر في بيان معاني الآيات كيونس بن حبيب، وأبي سوار الغنوي الذي أخذ عنه أبو عبيدة الشعر، فقد ذكر المازني تلميذ أبي عبيدة أنه قرأ على أبيه وهو غلام قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] (٤) فقال أبو سوار ... (فَتَرى الوَدْقَ يَخرجُ مِنْ خَلَلِهِ)، فقال الأب: مِن خَلَلِهِ قراءة؟ فقال أبو سوار: أما سَمعتَ قولَ الشاعر (٥): بَنَيْنَ بِغَمْرةٍ فَخَرَجْنَ منها ... خُروجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ (٦) وبعد أبي عبيدة استمر هذا المنهج العلمي في الاستشهاد بالشعر ظاهرًا في كتب التفسير والغريب والمعاني حتى اليوم، وتفاوتت كتب التفسير في الاعتماد على شواهد الشعر في بيان معاني الألفاظ والتراكيب

стр. 727

بحسب منهج المفسر الذي سار عليها، ومدى علمه بالشعر واللغة. فكثر ذلك في بعضها، وقلَّ في بعضها الآخر. ونظرًا للتأثر المتبادل بَيْن العُلماءِ المشتغلين بعلم واحد أو علوم متقاربة كعلوم اللغة والتفسير، فإن المؤلفين في غريب القرآن ومعانيه الذين شملتهم هذه الدراسة وهم أبو عبيدة والفراء وابن قتيبة على وجه الخصوص كان لهم ريادة علمية في الجوانب التي صنَّفوا فيها مِمّا له صلة بالتفسير اللغوي للقرآن الكريم. وقد تأثر بهم المفسرون الذين جاءوا بعدهم، وكان لأسمائهم والنقول عنهم ظهور واضح في كتب التفسير. ولذا لا يُمكن الجزم بوجودِ فروقٍ بين منهج أصحاب كتب «معاني القرآن» و «غريب القرآن» من جهة، والمفسرين من جهة أخرى في الاستشهاد بالشعر وتوظيفه في التفسير، وإِنّما يُعَدُّ منهجُ المفسرين الذين شملهم البحث امتدادًا وتَهذيبًا لمنهج أصحاب معاني القرآن وغريبه. غير أنه يمكن الوقوف عند بعض السِّماتِ المميزة لتلك الكتب في الاستشهاد بالشعر، والتماس بعض الفروق من خلالها، ومن تلك السِّماتِ التي تَمكنتُ من ملاحظتِها ما يلي: أولًا: التقدم الزمني لكتب الغريب والمعاني . سبق المصنفون في غريب القرآن، ومعاني القرآن المفسرين من حيث الزمن والتصنيف، وطبيعة بداية التصنيف في أي علم من العلوم يعتريها النقص، وتكثر التعقبات والملحوظات عليها حتى تكتمل هذه المناهج، وتستوي على سوقها. ومن أوضح الأمثلة على هذا سَبْقُ أبي عبيدة في تصنيف كتابه «مجاز القرآن»، ثم تلاه الأَخفشُ فصنَّف كتابه «معاني القرآن»، وبعده الفراء في كتابه «معاني القرآن» ثم ابن قتيبة بعدهما. حيث بدأ هذا المنهج في الاستشهاد بالشعر في التفسير يتكامل، وتلقاه العلماء بالقبول،

стр. 728

فجاء المفسرون بعد ذلك وأبرزهم أبو جعفر الطبري ووجد أمامه عددًا من المصنفات في لغة القرآن ونحوه، وأهمها كتب أبي عبيدة، والأخفش، والفراء وابن قتيبة، فشرع في تصنيف تفسيره عام ٢٨٣ هـ، وفرغ منه عام ٢٩٠ هـ (١)، فاستطاع ابن جرير لسعة علمه بما قاله السلف في التفسير من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ثم معرفته الواسعة باللغة، وجَمعهِ ما قاله قبله هؤلاء العلماء في مصنفاتهم، أن يتخذ لنفسه منهجًا متكاملًا في التفسير، أصبح سِمَةً بارزةً بعده، جَمَعَ فيه بين أقوال السلف في التفسير، والاحتجاج لها بلغة العرب وشعرها، وإعماله لرأيه الخاص في هذه الثروة العلمية التفسيرية بطريقة منهجية منظمة، فاستحق بذلك أن يكون شيخ المفسرين، ولذلك وصف تفسيره بأنه أجل التفاسير وأعظمها (٢)، وقيل عنه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرًا. (٣) وتتبع السيوطي كتب التفسير حتى وصل إلى الطبري فجعله طبقةً وحده، ثم قال: «فإن قلت: فأي التفاسير ترشد إليه، وتأمر الناظر أن يُعوِّلَ عليه؟ قلت: تفسير الإمام أبي جعفر ابن جرير الطبري، الذي أجمع العلماء المُعتَبَرون أَنَّهُ لم يؤلف في التفسير مثله». (٤) وجاء بعده الزمخشري فبدأ في تفسيره عام ٥٢٦ هـ وفرغ منه عام ٥٢٨ هـ (٥)، وصنف ابن عطية تفسيره عام ٥٤٠ هـ، وصنف القرطبي تفسيره قبل عام ٦٧٠ هـ. وهذا السبق في التصنيف ليس منهجًا وإنما هو عُذْرٌ وربما سبب في المبالغة في التعويل على الشاهد الشعري عند المتقدمين كما فعل أبو

стр. 729

عبيدة وغيره، ولذلك ذكرته هنا لمعرفة طبيعة الاستشهاد عن هؤلاء العلماء، ومدى تأثر المفسرين بهم بعد ذلك. ثانيًا: رواية أصحاب الغريب والمعاني للشعر عن العرب . وهذا أيضًا يدخل تحت العنصر السابق، وهو تقدم زمن أصحاب الغريب والمعاني، حيث كان من أوجه تفرد هؤلاء المصنفين أنهم أدركوا كثيرًا من الأعراب الفصحاء الذين روى عنهم اللغويون لغة العرب، واستشهدوا بشعرهم الذي يروونه ويقولونه في اللغة، وتميز أبو عبيدة والأخفش والفراء بذلك. في حين لم يدرك المفسرون الذين شملتهم الدراسة منذ الطبري حتى القرطبي أحدًا مِمّن يُحتجُّ بقوله ويرجع إلى كلامه في اللغة. وهذا ما جعل للشواهد الشعرية التي رواها أصحاب الغريب والمعاني قيمةً احتجاجيةً كبيرةً استفاد منها المفسرون بعد ذلك، وهذا جانب يحسب لأصحاب المعاني والغريب حيث حفظوا للمفسرين ثروة كبيرة من الشواهد اللغوية من الشعر والنثر، تم توظيفها بعد ذلك من قبل المفسرين في كتبهم. ثالثًا: الشواهد الشعرية في كتب التفسير أكثر منها في كتب الغريب والمعاني . يعد هذا نتيجة لما تقدم من الحديث عن سبق أصحاب الغريب والمعاني للمفسرين زمنيًا، فجاء المفسرون بعد ذلك وأودعوا هذه الشواهد في تفاسيرهم مع زيادة الشرح والبيان، وإيراد معظم شواهد المتقدمين والإضافة عليها كما فعل الطبري في تفسيره. وأكثر من استشهد بالشواهد الشعرية من أصحاب الغريب والمعاني هو أبو عبيدة فقد بلغت شواهده ٩٥٢ شاهدًا، في حين كان الزمخشري أقل من استشهد بشواهد الشعر قد بلغت شواهده ما يقارب هذا العدد، أما أقل أصحاب الغريب فهو ابن قتيبة ١٨٢ شاهدًا، وأكثر المفسرين وهو القرطبي بلغت شواهده ٤٨٠٧ شواهد شعرية.

стр. 730

المبحث السابع: أغراض إيراد الشاهد الشعري عند أصحاب كتب معاني القرآن وغريب القرآن الغَرَضُ في اللغة هو الشيءُ الذي يُنصبُ فيُرمى فيه. (١) والمقصود به هنا بيانُ الأهداف التي أرادها أصحابُ كتبِ غَريبِ القرآن ومعاني القرآن من إيرادهم شواهد الشعر في كتبهم عند تفسيرهم للآيات القرآنية. وقد تقدم في الفصل الأول من هذا الباب الكلام عن أغراض المفسرين من إيراد الشاهد الشعري في كتب التفسير بشيءٍ من التفصيلِ، وهي الأغراض نفسها التي أورد أصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه الشاهد الشعري من أجلها في كتبهم. فلذلك سأكتفي بالإشارة الموجزة في هذا المبحث لتلك الأغراض تجنبًا للتكرار، مع إيراد الأمثلة من كتب الغريب والمعاني. الغرض الأول: الاستشهاد . وهو في اللغة استفعالٌ من الفِعلِ «شَهِدَ»، ومعناه طلب الشهادة على صحةِ لفظةٍ أو تركيبٍ بشواهدِ الشعر بشروطه التي سبق تفصيل القول فيها. (٢) وهذا الغرض هو أوسع الأغراض التي ورد الشاهد الشعري من أجلها في كتب غريب القرآن ومعانيه، نظرًا لطبيعة هذه الكتب والحاجة

стр. 731

الماسة للاحتجاج فيها سواء كان هذا الاحتجاج بالشعر أو بغيره. لأنها كتب تشرح المعاني اللغوية للألفاظ والتراكيب، والحاجة قائمة للرجوع في ذلك إلى ما يعتبره العلماء حجة تؤيد هذا القول أو ذاك. فحرص المصنِّفُ على أن يكون قوله الذي يقوله في معنى الآية أو اللفظة مقرونًا بالحجة المقبولة عند العلماء على مثل هذه المسألة. ويدخل تحت غرض الاستشهاد بالشعر في كتب الغريب والمعاني، الصور التالية: أولًا: الاستشهاد اللغوي . والمقصود به الشاهد الشعري الذي يستشهد به في إثبات الدلالة اللغوية. وشواهد الشعر في كتب غريب القرآن معظمها من هذا النوع، مثل غريب القرآن لابن قتيبة، فالشواهد الشعرية التي وردت فيه شواهد لغوية، وعددها ١٨٢ شاهدًا. وأَمّا شواهد الشعر في «مجاز القرآن» لأبي عبيدة فنسبة الشاهد اللغوي فيها أكثر من ٩٥ % من شواهده، وقد تقدم أن الشاهد الشعري اللغوي يُمثِّلُ أغلب شواهد المفسرين أيضًا كالطبري، وابن عطية، والقرطبي. ومن أمثلة الاستشهاد اللغوي في كتب غريب القرآن: ١ - عند بيان أبي عبيدة لمعنى قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] (١) قال شارحًا للمقصود بالبنان: «وهي أطرافُ الأصابعِ، واحدتُها بَنانَةٌ، قال عباس بن مرداس: أَلا لَيْتَني قَطَّعْتُ مِنِّي بَنانَةً ... ولا قيتُهُ في البيتِ يقظانَ حاذِرا يعني أَبا ضَبٍ رجلًا من هذيلٍ قتلَ هُريْم بنَ مِرْداسٍ وهو نائم، وكان جاورهم بالربيع». (٢) فقد شرح المقصود بالبنان، وأنه أطراف الأصابع، ثم استشهد بشاهد من الشعر يشهد لهذه الدلالة اللغوية، ويشهد أيضًا أن المفرد منها «بنانة».

стр. 732

٢ - وعند أبي عبيدة أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: ٥٨] (١) قال: «أي: يعيبون». ثم استشهد على صحة هذا التفسير بقول زياد الأعجم: إذا لَقيتُكَ تُبْدي لي مُكاشَرةً ... وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ العائبُ اللُّمَزَهْ (٢) ففَسَّر اللَّمْزَ بأَنَّه العيبُ، واستدلَّ بقولِ زياد الأعجم على صحة تفسيره، وقد استشهد أبو عبيدة مرة أخرى بهذا الشاهد مع تغيير طفيف في الرواية لا تَمَسُّ موضعَ الشاهد هنا، عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١] (٣)، حيث فَسَّرَ الهُمَزَةَ فقال: «الهُمَزَةُ: الذي يغتابُ الناسَ ويَغُضُّهُم. قال الأعجم: تُدْلي بُودِّي إذا لا قَيتَنِي كَذِبًا ... وإِنْ أُغَيَّبْ فأَنْتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ». (٤) فقد اختلف صدر الشاهد تمامًا، وأضاف في عجزه كلمة «الهامز» بدلًا من «العائب» ليستشهد على معنى الهُمَزَة. وأبو عبيدة وغيره يكررون الشواهد الشعرية بروايات متقاربة في مواضع من مصنفاتهم، مما يشير إلى أنهم كانوا يعتمدون على حفظهم في تصنيف هذه المؤلفات، ولا يرجعون فيها إلى دواوين مكتوبة إلا نادرًا. فالأخفش والفراء والطبري أملوا كتبهم على تلاميذهم كما ذكر الذين ترجموا لهم. ٣ - وأَمّا ابن قتيبة فمن أمثلة الشاهد اللغوي عنده أنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٥) قال: «أي بالعهود. يقال: عَقَدَ لي عَقْدًا، أي: جعلَ لي عَهْدًا؛ قال الحطيئة: قَومٌ إذا عَقَدوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ... شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوقَهُ الكَرَبا (٦)». (٧) وقد استشهد المفسرون واللغويون بهذا الشاهد الشعري للحطيئة

стр. 733

على أنَّ العَقْدَ في اللغةِ هو العَهْدُ والميثاق. فاستشهد به أبو عبيدة، والطبريُّ، وابن عطية، والزمخشري، والقرطبي، والأزهري، وابن منظور وغيرهم. (١) وهو من الشواهد التي تعاقب العلماء على الاستشهاد بها على هذا المعنى، وأمثلتة توارد العلماء على الاستشهاد بشاهد واحد على معنى كثيرة، فهم ينقلون الشاهد عن بعضهم، مما يدل على وحدة مصادر الاستشهاد بالشعر عن الرواة الأوائل كأبي عبيدة والأصمعي وغيرهما كما تقدم تفصيل ذلك في بيان مصادر الشاهد الشعري. ٤ - ومن الأمثلة أيضًا قول ابن قتيبة في بيان معنى ﴿الْمِحَالِ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] (٢): «أَي: الكيدُ والمَكْرُ. وأَصلُ المِحالِ: الحِيْلَةُ، والحَوْلُ: الحِيلةُ. قال ذو الرمة: وَلَبَّسَ بَيْنَ أَقوامٍ فَكلٌّ ... أَعَدَّ لَهُ الشَّغازِبَ والمِحالا (٣)». (٤) قال الباهلي شارح ديوان ذي الرمة في شرح هذا البيت: «اللَّبْسُ: الاختلاط ... والمِحالُ: الجِدالُ، قال الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، وأصلهُ المُكاظَّةُ والأَخذُ بالنَّفَسِ». (٥) فقد استشهد شارح الشاهد بالآية، واستشهد ابن قتيبة في شرح الآية بالشعر، وهذا دليل على ترابط العلوم اللغوية والتفسير، وحاجة كل منهما للآخر. والأمثلة كثيرة على الشاهد الشعري اللغوي عند ابن قتيبة في كتابه غريب القرآن.

стр. 734

- الاستشهاد لإيضاح غريب التفسير لا غريب القرآن: قد يُفسر المؤلفُ لفظةً قرآنية، ويرد في أثناء كلامه وشرحه لها لفظة غريبة، فيستطرد المؤلف يشرحها وإيراد شاهد من الشعر يؤيد شرحه. وقد صنع ذلك أبو عبيدة وغيره، فإنه يشرح اللفظةَ الغريبة بكلامٍ من عنده، غير أنه يرد في شرحه لفظةٌ غريبةٌ، فيشرحها مستشهدًا على ذلك بالشعر. ومن أمثلة ذلك قول أبي عبيدة في شرح قوله تعالى: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (١): «شديد الخصومة، ويقال للفاجر: أَبَلُّ وأَلَدُّ، ويقال: قد بلَلْتَ ولَدِدْت بعدي، مصدرهُ اللَّدَدُ، والجميع: قَومٌ لُدُّ، قال المُسيَّبُ بن عَلَس: أَلا تَتقونَ اللهَ يا آلَ عامرٍ ... وهلْ يَتَّقي اللهَ الأَبَلُّ المُصَمِّمُ (٢)». (٣) فهو قد شرح معنى (الأَلَدِّ) في الآية بأَنَّهُ شديد الخصومة. غير أَنَّهُ شرح قول العرب للفاجر: أبلّ ألدّ مستشهدًا على ذلك بالشعر. وأما أصحاب كتب معاني القرآن فقد ورد الشاهد الشعري اللغوي كثيرًا في كتبهم، ولكنه لم يكن غالبًا عليها، كما في معاني القرآن للفراء والأخفش والزجاج. ومن أمثلة الشاهد اللغوي في كتب المعاني ما يلي: ١ - في تفسير الإيفاض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ [المعارج: ٤٣] (٤) قال الفراء: «الإيفاض: الإسراع. وقال الشاعر (٥): لأَنْعَتَنْ نَعامَةً مِيْفاضا ... خَرْجاءَ ظَلَّتْ تَطلبُ الإِضاضا (٦) قال: الخَرْجاءُ في اللَّونِ، فإذا رُقِعَ القميصُ الأبيضُ برُقعةٍ حَمراءَ

стр. 735

فهو أَخْرَج، تطلبُ الإضاضا: أَي تطلبُ مَوضعًا تدخلُ فيه، وتلجأُ إليه». (١) ٢ - وقال الفراء في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥] في تفسير معنى النحاس: «الشُّواظُ: النارُ المَحضَةُ، والنُّحاسُ: الدُّخانُ. أنشدني بعضهم: يُضِيءُ كَضوءِ سِراجِ السَّليـ ... ـطِ لَمْ يَجْعلِ اللهُ منهُ نُحاسا (٢)». (٣) ٣ - ومن أمثلة الشاهد اللغوي في معاني القرآن للأخفش قوله: «قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ [الغاشية: ٢٥] (٤)، وهو الرجوع، قال الشاعر (٥): فأَلْقَتْ عصاها واستَقرَّتْ بِها النَّوَى ... كما قَرَّ عَيْنًا بالإِيابِ المُسافِرُ (٦)». (٧) وهناك غرض يدخل في هذا وهو الاستشهاد بالشعر لغرض تأكيد الفهم الصحيح لشاهد شعري آخر، يكون عرضة لاختلاف الرواية في بعض مفرداته، ويمكن التمثيل له بقول ابن قتيبة عندما روى عن أبي حاتم السجستاني قول أمية بن أبي الصلت: عَسَلٌ ما ومِثْلُهُ عُشَرٌ مَا عائِلٌ ما وعالتِ البَيْقُورا (٨) فعقَّب ابن قتيبة على رواية أبي حاتم بقوله: «هكذا رواهُ «عَسَلُ ما»، وإِنَّما هو «سَلَعٌ ما» ... والدليلُ على أَنَّ الروايةَ «سَلَعٌ ما»، قولُ الآخرِ (٩): أَجاعِلٌ أنتَ بَيقُورًا مُسَلَّعَةً ... ذَريعةً لكَ بَيْن اللهِ والمَطَرِ (١٠)». (١١)

стр. 736

فاستدل بشاهد شعري على صحة رواية شاهدٍ آخر، ومثل هذا المثال ليس بالكثير في كتب المعاني. ومثله قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] (١) حيث فسر الطائف بأَنَّهُ اللَّمَمُ، واستشهد بقول الأعشى: وتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وكأَنَّما ... أَلَمَّ بِها مِنْ طائفِ الجِنِّ أَولَقُ (٢) ثم بين أن اسم الفاعل طائف مأخوذ من الفعل طاف يطيف، لا من طاف يطوف، فقال: «وهو من طفت أطيف طيفًا، قال (٣): أَنَّى أَلَمَّ بكَ الخيالُ يَطِيفُ ... ومَطافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُغُوفُ (٤)». (٥) فقد استشهد أبو عبيدة بشاهد شعري آخر ليبين أصل اشتقاق كلمة في شاهد شعري آخر، وهذا غرض من أغراض إيراد الشواهد الشعرية لإيضاح بعضها. - كثرة إيراد الشاهد الشعري: من المواطن التي يكثر فيها أهل المعاني والغريب الاستشهاد بالشعر: ١ - مواطن الخلاف أو المناظرة العلمية، أو الردود. ومن ذلك قول الأخفش: «وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧] (٦) لأَنَّ الجماعةَ منْ غَيْرِ الإنس مؤنثةٌ، وقال بعضهم: للذي خلق الآيات، ولا أراه قال ذلك إلا لجهله بالعربية. قال الشاعر (٧): إِذْ أَشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعو بعضَ أُسْرَتِهِ ... إلى الصِّياحِ وهُمْ قومٌ مَعازِيلُ (٨)

стр. 737

فجعل الدجاج قومًا في جواز اللغة، وقال الآخر وهو يعني الذئب: وأَنْتَ امرؤٌ تَعْدو على كُلِّ غِرَّةٍ ... فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصيبُ (١) وقال الآخر (٢): فَصَبَّحَتْ والطَّيْرُ لَمْ تَكَلَّمِ ... جابيةً طُمَّتْ بِسَيْلٍ مُفْعَمِ (٣)». (٤) ٢ - ومن مواطن إكثار الاستشهاد بالشعر غرابة اللفظة، وقد بَيَّنَ الزجاجُ في كتابه «معاني القرآن وإعرابه» عِلَّةَ الإِكثارِ من الشواهد في بعض المسائل دون بعض فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] (٥): «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (٦) - فـ «ألا» لابتداء الكلام والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: ﴿أَلا يا سْجُدوا﴾ بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ: أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا ... ولا زَالَ مُنهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (٧) وقال الأخطل: أَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آخِرَ الدَّهْرِ (٨) وقال العجاج:

стр. 738

يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (١) وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ». (٢) وهو يعني بقوله: «وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا» أبا عبيدة مَعْمَرَ بنَ المُثَنَّى، فقد أورد الشواهد الثلاثة عند هذا الحرف (٣)، في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (٤)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل (٥)، وتابعه في ذلك الطبري فلم يزد على ما عنده. (٦) غير أَنَّ الشواهد اللغوية في كتب «معاني القرآن» ليست كثيرة، ولا سيما في معاني القرآن للأخفش، فيغلب عليها الشاهد النحوي كما سيأتي. ثانيًا: الاستشهاد النحوي . وهو الاستشهاد بالشعر لإثبات قاعدة نحوية، أو بيان ما خرج عنها أو غير ذلك. وهي الشواهد الغالبة في معاني القرآن للفراء، والأخفش. ومعظم شواهد الكوفيين النحوية هي التي أوردها الفراء في معاني القرآن، وعنه نقلت تلك الشواهد في كتب التفسير وكتب النحو. وقد نقل الطبري في تفسيره شواهد الكوفيين عن الفراء، ونقل أكثر شواهد البصريين عن الأخفش. والفراء كان من أعلم الكوفيين بعد الكسائي بالنحو، وأبرعهم في علمهم (٧)، وقد ذكر له ابن النديم كثيرًا من الكتب التي صنفها في النحو

стр. 739

مثل كتاب الحدود، والمقصود والممدود، والمذكر والمؤنث، والكافي في النحو، ومختصر في النحو، ومعاني القرآن، وغيرها. (١) ولذلك فإنه يعد زعيم المدرسة الكوفية في النحو بعد الكسائي، وقد جمع الفراء إلى علم الكوفيين علم البصريين، فأخذ عن الكسائي الكوفي، وعن يونس بن حبيب البصري، حتى لقب بأمير المؤمنين في النحو. ويُعَدُّ كتابه «معاني القرآن» أوفى كتبه وأكبرها، وأجمعها لآرائه النحوية «فهو يُعْتَبَرُ - بِحَقٍّ - المرجعَ الأوفى لنحو الكوفيين ومذهبهم، وهو المرجع الباقي لهذا المذهب، ومسائل الخلاف بينهم وبين البصريين». (٢) وهو ليس كتاب نحو مقسمًا على أبواب النحو ككتب النحو المتأخرة، ولكن القارئ لا يكاد يَمُرُّ بصفحةٍ منه لا يَجدُ فيها حديثًا عن النحو، وذِكْرِ قاعدةٍ من قواعدهِ، أو توجيهٍ من توجيهاتهِ، أو شاهدٍ شعريٍّ من شواهدهِ، وأصلٍ من أصوله. (٣) وقد عُنِي الفراءُ في كتابه بالقرآن الكريم كدليلٍ نحويٍّ في تأصيله للقواعد النحوية، فهو يحرص على أن يكون استشهاده بها تعبيرًا عن القيمة العظيمة التي يمثلها القرآن الكريم في فصاحته، ولغته. ومع ذلك فقد استشهد بالشعر في أكثر من أربعمائةٍ وخَمسين موضعًا، وبلغت شواهده ٧٨٥ شاهدًا شعريًا. وقد استشهد بالشواهد النحوية للقواعد العامة التي أَجْمَعَ عليها النحويون، واستشهد بها لتأييد آرائه النحوية الخاصة، كما استشهد بها للاستدلال لأقوال المخالفين، وذكر بعض الشواهد الشعرية للضرورات الشعرية التي اختص بها الشعر دون النثر، واستشهد بالشعر أيضًا لبيان بعض لغات القبائل العربية ولهجاتها، والتي سمع الكثير منها بنفسه.

стр. 740

وصَنَعَ مثلَهُ الأخفشُ في كتابه «معاني القرآن» فأورد الكثير من شواهد النحو الشعرية التي نقلها النحويون عنه بعد ذلك، وكانت هي وشواهد سيبويه عُمدةً لدى النحويين حتى اليوم. ومن أمثلة شواهد النحو في كتب معاني القرآن ما يلي: ١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] (١) أجاز الفراء في قراءة: (وجَاعِلُ اللَّيلِ سَكَنًا) نصب "اللَّيلِ" في المعنى، فقال: «الليل في موضع نصب في المعنى. فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما بقوله: فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض. وقد يجوز أن ينصب وإن لم يُحَلْ بينهما بشيء، أنشد بعضهم: وبَيْنا نَحنُ نَنْظُرُهُ أَتانا ... مُعَلِّقَ شَكْوةٍ وزِنادَ راعِ (٢)». (٣) والشاهد في قوله: «زِنادَ رَاعِ»، حيث عطفه على موضع قوله: «شَكْوةٍ»؛ لأن معناه: يُعَلِّقُ شكوةً وزِنادَ راعِ. (٤) ٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] (٥) تكلم الفراء عن تعدية الفعل شكر بحرف الجر فقال: «العرب لا تكاد تقول: شكرتك، إنما تقول شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون نصحتك، وربما قيلتا». ثم استشهد على تعدي الفعل (شَكَرَ) بقول عمرو بن لجأ التميمي: هُمُ جَمَعوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَليكُمُ ... فَهلاَّ شَكَرْتَ القَومَ إِذْ لَمْ تُقاتِلِ (٦)
следующие страницы →