← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فاستدل بشاهد شعري على صحة رواية شاهدٍ آخر، ومثل هذا المثال ليس بالكثير في كتب المعاني. ومثله قول أبي عبيدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١] (١) حيث فسر الطائف بأَنَّهُ اللَّمَمُ، واستشهد بقول الأعشى: وتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرَى وكأَنَّما ... أَلَمَّ بِها مِنْ طائفِ الجِنِّ أَولَقُ (٢) ثم بين أن اسم الفاعل طائف مأخوذ من الفعل طاف يطيف، لا من طاف يطوف، فقال: «وهو من طفت أطيف طيفًا، قال (٣): أَنَّى أَلَمَّ بكَ الخيالُ يَطِيفُ ... ومَطافُهُ لكَ ذِكْرَةٌ وشُغُوفُ (٤)». (٥) فقد استشهد أبو عبيدة بشاهد شعري آخر ليبين أصل اشتقاق كلمة في شاهد شعري آخر، وهذا غرض من أغراض إيراد الشواهد الشعرية لإيضاح بعضها. - كثرة إيراد الشاهد الشعري: من المواطن التي يكثر فيها أهل المعاني والغريب الاستشهاد بالشعر: ١ - مواطن الخلاف أو المناظرة العلمية، أو الردود. ومن ذلك قول الأخفش: «وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧] (٦) لأَنَّ الجماعةَ منْ غَيْرِ الإنس مؤنثةٌ، وقال بعضهم: للذي خلق الآيات، ولا أراه قال ذلك إلا لجهله بالعربية. قال الشاعر (٧): إِذْ أَشْرَفَ الدِّيكُ يَدْعو بعضَ أُسْرَتِهِ ... إلى الصِّياحِ وهُمْ قومٌ مَعازِيلُ (٨)

стр. 737

فجعل الدجاج قومًا في جواز اللغة، وقال الآخر وهو يعني الذئب: وأَنْتَ امرؤٌ تَعْدو على كُلِّ غِرَّةٍ ... فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصيبُ (١) وقال الآخر (٢): فَصَبَّحَتْ والطَّيْرُ لَمْ تَكَلَّمِ ... جابيةً طُمَّتْ بِسَيْلٍ مُفْعَمِ (٣)». (٤) ٢ - ومن مواطن إكثار الاستشهاد بالشعر غرابة اللفظة، وقد بَيَّنَ الزجاجُ في كتابه «معاني القرآن وإعرابه» عِلَّةَ الإِكثارِ من الشواهد في بعض المسائل دون بعض فقال عند توجيهه لقراءة التخفيف في قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] (٥): «ومَنْ قرأَ بالتخفيف - أَلا يَسْجدو (٦) - فـ «ألا» لابتداء الكلام والتنبيه، والوقوف عليه أَلايَا - ثم يستأنفُ فيقول: اسجدوا لله .... ومثل قوله: ﴿أَلا يا سْجُدوا﴾ بالتخفيفِ قولُ ذي الرمَّةِ: أَلا يَا اسْلَمِي يا دَارَ مَيَّ عَلى البِلا ... ولا زَالَ مُنهَلاًّ بِجَرْعَائِكِ القَطْرُ (٧) وقال الأخطل: أَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ... وإِنْ كَانَ حَيَّانَا عِدًى آخِرَ الدَّهْرِ (٨) وقال العجاج:

стр. 738

يا دارَ سَلْمَى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ... عَنْ سَمْسَمٍ وَعَنْ يَمِيْنِ سَمْسَمِ (١) وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا، وإِنَّمَا فعلوا ذلك لقلةِ اعتيادِ العامَّةِ لدخول «يا» إِلَّا في النداء، لا تكاد العامة تقول: يَا قَدْ قَدِمَ زَيدٌ، ولا: يَا اذْهَبْ بِسَلامٍ». (٢) وهو يعني بقوله: «وإِنَّمَا أكثرنا الشاهدَ في هذا الحرف كما فَعَلَ مَن قبلَنَا» أبا عبيدة مَعْمَرَ بنَ المُثَنَّى، فقد أورد الشواهد الثلاثة عند هذا الحرف (٣)، في حين لم يورد الأخفشُ سوى شطرٍ من بيت ذي الرمة (٤)، والفراء لم يورد إلا بيتَ الأخطل (٥)، وتابعه في ذلك الطبري فلم يزد على ما عنده. (٦) غير أَنَّ الشواهد اللغوية في كتب «معاني القرآن» ليست كثيرة، ولا سيما في معاني القرآن للأخفش، فيغلب عليها الشاهد النحوي كما سيأتي. ثانيًا: الاستشهاد النحوي . وهو الاستشهاد بالشعر لإثبات قاعدة نحوية، أو بيان ما خرج عنها أو غير ذلك. وهي الشواهد الغالبة في معاني القرآن للفراء، والأخفش. ومعظم شواهد الكوفيين النحوية هي التي أوردها الفراء في معاني القرآن، وعنه نقلت تلك الشواهد في كتب التفسير وكتب النحو. وقد نقل الطبري في تفسيره شواهد الكوفيين عن الفراء، ونقل أكثر شواهد البصريين عن الأخفش. والفراء كان من أعلم الكوفيين بعد الكسائي بالنحو، وأبرعهم في علمهم (٧)، وقد ذكر له ابن النديم كثيرًا من الكتب التي صنفها في النحو

стр. 739

مثل كتاب الحدود، والمقصود والممدود، والمذكر والمؤنث، والكافي في النحو، ومختصر في النحو، ومعاني القرآن، وغيرها. (١) ولذلك فإنه يعد زعيم المدرسة الكوفية في النحو بعد الكسائي، وقد جمع الفراء إلى علم الكوفيين علم البصريين، فأخذ عن الكسائي الكوفي، وعن يونس بن حبيب البصري، حتى لقب بأمير المؤمنين في النحو. ويُعَدُّ كتابه «معاني القرآن» أوفى كتبه وأكبرها، وأجمعها لآرائه النحوية «فهو يُعْتَبَرُ - بِحَقٍّ - المرجعَ الأوفى لنحو الكوفيين ومذهبهم، وهو المرجع الباقي لهذا المذهب، ومسائل الخلاف بينهم وبين البصريين». (٢) وهو ليس كتاب نحو مقسمًا على أبواب النحو ككتب النحو المتأخرة، ولكن القارئ لا يكاد يَمُرُّ بصفحةٍ منه لا يَجدُ فيها حديثًا عن النحو، وذِكْرِ قاعدةٍ من قواعدهِ، أو توجيهٍ من توجيهاتهِ، أو شاهدٍ شعريٍّ من شواهدهِ، وأصلٍ من أصوله. (٣) وقد عُنِي الفراءُ في كتابه بالقرآن الكريم كدليلٍ نحويٍّ في تأصيله للقواعد النحوية، فهو يحرص على أن يكون استشهاده بها تعبيرًا عن القيمة العظيمة التي يمثلها القرآن الكريم في فصاحته، ولغته. ومع ذلك فقد استشهد بالشعر في أكثر من أربعمائةٍ وخَمسين موضعًا، وبلغت شواهده ٧٨٥ شاهدًا شعريًا. وقد استشهد بالشواهد النحوية للقواعد العامة التي أَجْمَعَ عليها النحويون، واستشهد بها لتأييد آرائه النحوية الخاصة، كما استشهد بها للاستدلال لأقوال المخالفين، وذكر بعض الشواهد الشعرية للضرورات الشعرية التي اختص بها الشعر دون النثر، واستشهد بالشعر أيضًا لبيان بعض لغات القبائل العربية ولهجاتها، والتي سمع الكثير منها بنفسه.

стр. 740

وصَنَعَ مثلَهُ الأخفشُ في كتابه «معاني القرآن» فأورد الكثير من شواهد النحو الشعرية التي نقلها النحويون عنه بعد ذلك، وكانت هي وشواهد سيبويه عُمدةً لدى النحويين حتى اليوم. ومن أمثلة شواهد النحو في كتب معاني القرآن ما يلي: ١ - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦] (١) أجاز الفراء في قراءة: (وجَاعِلُ اللَّيلِ سَكَنًا) نصب "اللَّيلِ" في المعنى، فقال: «الليل في موضع نصب في المعنى. فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما بقوله: فإذا لم تفرق بينهما بشيء آثروا الخفض. وقد يجوز أن ينصب وإن لم يُحَلْ بينهما بشيء، أنشد بعضهم: وبَيْنا نَحنُ نَنْظُرُهُ أَتانا ... مُعَلِّقَ شَكْوةٍ وزِنادَ راعِ (٢)». (٣) والشاهد في قوله: «زِنادَ رَاعِ»، حيث عطفه على موضع قوله: «شَكْوةٍ»؛ لأن معناه: يُعَلِّقُ شكوةً وزِنادَ راعِ. (٤) ٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] (٥) تكلم الفراء عن تعدية الفعل شكر بحرف الجر فقال: «العرب لا تكاد تقول: شكرتك، إنما تقول شكرت لك، ونصحت لك، ولا يقولون نصحتك، وربما قيلتا». ثم استشهد على تعدي الفعل (شَكَرَ) بقول عمرو بن لجأ التميمي: هُمُ جَمَعوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَليكُمُ ... فَهلاَّ شَكَرْتَ القَومَ إِذْ لَمْ تُقاتِلِ (٦)

стр. 741

والشاهد في البيت قوله: «شكرت القوم»، حيث تعدى الفعل شكر بنفسه، والأفصح تعديته باللام. قال أبو حيان: «الفعلُ (شَكَرَ) من الأفعال التي ذُكِرَ أَنَّها تارةً تتعدى بحرف جَرٍّ، وتارةً تتعدَّى بنفسها». (١) ثم استشهد أبو حيان ببيت عمرو بن لجأ الذي استشهد به الفراء، علمًا أن الفراء لم ينسبه لقائله. واستشهد الفراء على تعدية الفعل (نصح) بقول النابغة الذبياني: نَصَحْتُ بَنِي عَوفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلوا ... رَسُولي ولَمْ تَنْجَحْ لَديهمْ وَسائِلي (٢) والشاهد فيه قوله: «نصحتُ بَنِي عوفٍ»، حيث تَعدَّى الفعلُ (نَصَحَ) بنفسه على لغةٍ، والأفصح تَعدِّيهِ باللام. وقد تَحدَّثَ النحويون عن هذه المسألةِ في باب تعديةِ الفِعْلِ بِحرفِ الجَرِّ، وتعديتهِ بِنفسهِ «قالوا: وحَذفُ اللامِ مع (كالَ) و (وَزَنَ) أفصحُ، وإثباتُها مع (شَكَرَ) و (نَصَحَ) أفصحُ، وبذلك جاء التنْزِيلُ العزيز». (٣) ٣ - وأَمّا الأمثلة في كتاب «معاني القرآن» للأخفش فهي غالب شواهده الشعرية، فنادرًا ما تَجِدُ في كتابه شاهدًا لغويًا. ومن أمثلة هذه الشواهد النحوية في معاني القرآن له قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] (٤) قال الأخفش: «هذا بِمعنى: لَكِنْ ... نَحو قولِ الشاعر (٥): وأَرَى لَها دَارًا بِأَغْدِرَةِ السِّيـ ... ـدانِ لَمْ يَدْرُسْ لَها رَسْمُ إِلاّ رَمادًا هَامِدًا دَفَعَتْ ... عَنْهُ الرِّياحَ خَوالِدٌ سُحْمُ (٦) أراد: أرى لها دارًا ورمادًا». (٧)

стр. 742

وللعلماء في بيان نوع الاستثناء في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: أنه استثناء متصلٌ، وهذا اختيار الطبري (١)، وبدأ به ابن عطية، ولم يذكر الزمخشري غيره. قال الزمخشري: «ومعناه: لئلا يكون حجةٌ لأَحدٍ من اليهود إلا للمُعاندين منهم، القائلين: ما ترك قِبْلتَنا إلى الكعبة إِلاّ مَيلًا لِدِين قومه، وحُبًّا لهم. وأطلقَ على قولهِم (حُجَّةً)؛ لأَنَّهم ساقوه مَساقَ الحُجَّةِ». (٢) وقال ابن عطية: «المعنى أنه لا حُجَّةَ لأَحدٍ عليكم إِلاّ الحجةُ الداحضةُ للذين ظلموا من اليهودِ وغَيرِهم الذين تكلموا في النازلة، وسَمّاها حُجَّةً، وحَكَمَ بفسادها حين كانت مِنْ ظالمٍ». (٣) الثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، فيُقدَّرُ بـ (لكنْ) عند البصريين، وبـ (بل) عند الكوفيين؛ لأَنه استثناءٌ مِن غَير جِنْسِ المستثنى منهُ. والتقديرُ: لكنْ الذين ظَلَموا فإِنَّهم يتعلَّقونَ عليكمْ بالشُّبْهَةِ يَضعونَها مَوضعَ الحُجَّةِ. وسببُ الخلاف في هذه الآيةِ هو كما قال السمين الحلبي: «هَل الحجةُ هو الدليل الصحيحُ، أو الاحتجاجُ صحيحًا كان أو فاسدًا؟ فعلى الأول يكون مُنقطعًا، وعلى الثاني يكونُ مُتَّصِلًا». (٤) الثالث: أَنَّ (إِلاّ) بمعنى الواو العاطفة. وهذا القول قد انفرد به أبو عبيدة في مجاز القرآن (٥)، وهو من أمثلة المسائل التي استشهد عليها أبو عبيدة بشاهدٍ نَحويٍّ، وهو من المواضع القليلة في كتب غريب القرآن التي وردت فيها شواهد نحوية. وقد استشهد أبو عبيدة على صحةِ قوله هذا بشاهدين من الشعر، أولهما قول عمرو بن معد يكرب: وكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أَخوهُ ... لَعَمْرُ أَبيكَ إِلاّ الفَرْقَدانِ (٦) والآخر قول الفرزدق:

стр. 743

ما بِالمدينةِ دارٌ غَيْرُ واحدَةٍ ... دارُ الخليفةِ إِلاّ دَارُ مروانا (١) وتقدير ذلك عنده: ولا الذين ظلموا - والفرقدان - ودار مروان. وقد تعقبه النحويون وخطأوه في ذلك. وقد رد الفراء قول أبي عبيدة بقوله: «فهذا صواب في التفسير، خطأ في العربية، إِنَّما تكونُ إِلاّ بِمَنْزِلة الواو إذا عطفتها على استثناءٍ قبلَها، فهنالك تصيرُ بِمَنْزِلةِ الواو». (٢) وقد استشهد الفراء بشاهد أبي عبيدة الثاني وهو قول الفرزدق، وقال في تأويله: «كأنه أراد: ما بالمدينة دارٌ إلا دار الخليفة ودار مروان». (٣) وزاد الطبري قول الفراء أيضاحًا فقال: «فَبَيّنٌ خطأُ قولِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]: ولا الذين ظلموا منهم، وأَنَّ (إِلا) بِمعنى الواو؛ لأَنَّ ذلك لو كان معناه، لكان النفي الأولُ عَن جَميع الناسِ أَنْ يكونَ لهم حجةٌ على رسول الله ﷺ وأصحابه في تحولهم نحو الكعبة بوجوههم مبينًا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إِلَّا التلبيسَ الذي يتعالى عن أن يضاف إليه أو يوصف به». (٤) ثالثًا: الاستشهاد البلاغي . وهو إيراد الشعر للاستشهاد على المسائل البلاغية في القرآن. وأساليب البلاغة يُستشَهدُ لَها بشعر المتقدمين والمتأخرين على حَدٍّ سواء لتعلُّقِ الأمر بالمعاني لا بالألفاظ، والمعاني مشاعةٌ بين الجميع. (٥) والشواهد البلاغية في كتب معاني القرآن وغريبه قليلةٌ، موازنة بالشواهد اللغوية والنحوية. وذلك أن البلاغة لم تكن قد اتضحت

стр. 744

معالمها، وفصلت مسائلها كما حدث للنحو. ولكن المؤلفين في معاني القرآن وغريب القرآن من النحويين واللغويين قد ذكروا في تضاعيف كلامهم وشروحهم للشعر وآي القرآن الكريم ملاحظات مختلفة في بلاغة الكلام، وصوره البيانية والتعبيرية، بحيث يمكن أن يقال: إنهم قدموا خدمة جليلة لعلم البلاغة حتى أوائل القرن الثالث الهجري. وكتاب أبي عبيدة في غريب القرآن الذي سَمَّاه «مجاز القرآن» ما يوهم أنه في فنُّ المَجاز بمعناه البلاغي، وحقيقةُ الأمر أَنَّ كلمةَ المَجازِ عنده تَعني الدلالةَ الدقيقةَ لِصيغِ التعبيرِ القرآنيةِ المختلفة، وقد تنبَّه لذلك القدماء، فقال ابن تيمية: «أولُ مَن عُرِفَ أَنَّهُ تكلَّم بلفظِ المَجازِ أبو عبيدة مَعْمَرُ بنُ المُثنى في كتابه، ولكن لم يَعْنِ بالمَجازِ ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عَنَى بِمجازِ الآية ما يُعَبَّرُ به عن الآية». (١) أو بعبارةٍ أخرى، عَنَى بهِ تفسيْرَها وتأويلها. وقد تعرض أبو عبيدة إلى ما في الآيات من استعارةٍ وتشبيهٍ وكنايةٍ وتقديمٍ وتأخيرٍ وحذفٍ وتكرارٍ وإضمارٍ، وتوسعَ في تصوير الخصائص التعبيرية كالدلالةِ بلفظِ الخصوصِ على معنى العموم، وبلفظ العموم على معنى الخصوص، وكمخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، والعكس وغير ذلك من مسائل البلاغة. (٢) وعاصره الفراء، وصنف كتابه معاني القرآن الذي تغلبُ عليه المسائل النحوية، والشواهد النحوية، ولكنه لم يُخْلِ كتابَهُ من التعرض لعددٍ من مسائلِ البلاغة ذات الصلة بالآيات القرآنية التي يفسرها. فقد تحدث عن التقديم والتأخير في الألفاظ، وتكلم عن الإيجاز والإطناب والمعاني التي تخرج إليها بعض الأدوات كأداة الاستفهام، كما أشار إلى بعض الصور البيانية مثل التشبيه والكناية والاستعارة، وفي أكثر ذلك يستشهد بالشواهد الشعرية البلاغية، حتى عَدَّهُ بعضُ الدارسين رائدًا في

стр. 745

مبحث الاستعارة. (١) ويُعَدُّ كتابُ «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة أحفل الكتب - التي شملتها هذه الدراسة - بالشواهد البلاغية، وقد صنف كتابه هذا للرد على الملاحدة وأشباههم الذين يطعنون على القرآن الكريم، فيقولون: إن به تناقضًا وفسادًا في النظم، واضطرابًا في الإعراب، وهو طعن مرده إلى جهلهم بأساليب العربية، ومن ثَمَّ ألف كتابه، ليحق الحق ويبطل الباطل، عارضًا فيه بعض آيات القرآن، مستشهدًا لتفسيرها بالشواهد الشعرية الكثيرة التي بلغت ثلاثمائة وواحد وستين شاهدًا شعريًا، غالبها شواهد بلاغية اعتمدها البلاغيون في كتب البلاغة بعد ابن قتيبة، وستأتي أمثلة لهذه الشواهد. وقد تعرض ابن قتيبة في كتابه هذا لموضوعات بلاغية مثل المجاز والاستعارة والكناية والتعريض والمقلوب، وتكرار الكلام والزيادة فيه، والحذف والاختصار، ومخالفة ظاهر اللفظ معناه. وفيما يلي أمثلة للشواهد البلاغية في كتب غريب القرآن، ومعاني القرآن، ثم أختم بذكر أمثلة للشواهد البلاغية في كتاب ابن قتيبة تأويل مشكل القرآن. أولًا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب الغريب . ١ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ٢] (٢) فسره بأن معناه: هذا القرآن، ثم قال: «وقد تخاطب العرب الشاهد فتظهر له مخاطبة الغائب، قال خفاف بن ندبة السلمي، وهي أمه، كانت سوداء حبشية، وكان من غربان العرب في الجاهلية: فإِنْ تَكُ خَيْلي قَدْ أُصِيْبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيمَّمْتُ مالِكا

стр. 746

أَقولُ لَهُ والرُّمحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ ... تَأَمَّلْ خُفافًا إِنَّنَي أَنا ذَلكا يعني مالك بن حَمّاد الشَمْخِيَّ. وصميمُ خَيلِه معاويةُ أخو خنساء، قتله دُريد وهاشم ابنا حَرْملة المُرِيَّان». (١) وهذا شاهدٌ بلاغيُّ على أَنَّ العربَ تُخاطبُ الشاهدَ بِخطابِ الغائبِ البعيدِ، لِتفخيمهِ، وقد جاء الخطاب في الآية بصيغة الغائب لتفخيم أمر القرآن الكريم، وعلو قدره، وجاء الخطاب بصيغة الغائب في الشاهد لتفخيم الشاعر لأمر نفسه. ٢ - وقال أبو عبيدة عند تفسيره للتشبيه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: ١٤] (٢): «مجازه: إن الذي يبسط كفه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه لا يتم له ذلك، ولا تَسِقْهُ أَناملهُ، أي: تَجمعهُ». (٣) ثُمَّ استشهدَ بشاهدٍ بلاغي فيه معنى الآية من حيث التشبيه، وهو قول ضابئ بن الحارث البُرْجُمي: فَإِنِّي وإِيَّاكمْ وشَوقًا إِليكمُ ... كقابضِ ماءٍ لَم تَسِقْهُ أَنامِلُهْ (٤) ثم شرحه فقال: «يقول: ليس في يدي من ذلك شيءٌ، كما أَنَّه ليسَ في يدِ القابض على الماء شيءٌ». (٥) وهذا مَثَلٌ تَضربهُ العربُ لِمَن سعى فيما لا يدركه. (٦) ٣ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾ [آل عمران: ١٢٧] (٧) ذكر أنَّ أبا عبيدة فسر قوله تعالى: ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ بأنه من الكبت وهو الإهلاك. وقال غير أبي عبيدة أَنَّ معناهُ من

стр. 747

الغيظِ والحُزْنِ. ثم ذكر أن أهل النظر من العلماء - ولعله يعني الفراء - يرون أن التاء في قوله: ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾ منقلبة عن دال، وأن الأصل فيه: يكبدهم، أي يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة. ومنه قول العرب: فلان أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده. وهذه كناية عن شدة عداوته. واستشهد بشاهد بلاغي وهو قول الأعشى: فما أُجْشِمْتِ مِن إِتيانِ قَومٍ ... هُمُ الأعداءُ والأَكْبادُ سُودُ (١) قال ابن قتيبة تعقيبًا على بيت الأعشى: «كأَنَّ الأكبادَ لَمّا احترقت بشدةِ العداوةِ اسودَّت». (٢) والشواهد البلاغية في كتب غريب القرآن قليلة. ثانيًا: أمثلة الشواهد البلاغية في كتب المعاني . ١ - أشار الفراء إلى ما يُسمَّى عند البلاغيين بالمَجازِ المُرسَلِ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ [الصافات: ٢٨] (٣) فقال في تفسيرها: «كنتم تأتوننا من قبل الدين، أي تأتوننا تخدعوننا بأقوى الوجوه. واليمين: القدرة والقوة. وكذلك قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩٣] (٤) أي بالقوة والقدرة». (٥) ثم استشهد على صحة تفسيره هذا بقول الشمَّاخِ: إذا ما رايَةٌ رُفعَتْ لِمَجْدٍ ... تلقَّاها عَرابَةُ باليَمِيْنِ (٦) وقال في شرحه: «أي بالقدرة والقوة». (٧) وقد اختلف العلماء في تفسير اليمين في الآيات التي ذكرها الفراء على قولين: الأول القول الذي ذكره الفراء وهو القوة والقدرة، وقال به عدد من العلماء. (٨)

стр. 748

والقول الثاني أنها بمعنى اليد اليمنى، وقال به عدد من العلماء أيضًا. (١) وجَمَعَ بعضُهم بين القولين. (٢) وقد أطال عبد القاهر الجرجاني الوقوف عند هذا الشاهد، وأن قول الشمَّاخ جاء على المَثَلِ، أي لما كانت المكارم تنقاد له، وهو يحوزها، وأنها تحصل له، ولا تمتنع عليه، كأَنَّ المجدَ مَثلُ الشيءِ في قبضةِ الآخذِ لَهُ، والجامعِ يَدَهُ عليه، وخَصَّ اليمينَ لأَنَّها تكونُ أفخمَ للمَثَلِ. وهو لا يُقِرُّ ما ذهبوا إليه مِنْ أَنَّ المراد بِها القوةُ؛ لأَنَّ المقام مقامُ مدحٍ بالجودِ والسخاء، ويرى أَنَّ المَجْدَ الذي تطاولَ لَهُ عَرابَةُ ومَدَّ إليه يدهُ مِن المَجدِ الذي أَرادهُ أبو تَمَّام بقوله: تَوَجَّعُ أَنْ رَأَتْ جِسْمي نَحيلًا ... كأَنَّ المَجْدَ يُدركُ بالصِّرَاعِ (٣) فالمقامُ ليسَ مقامَ بأسٍ وشدةٍ، ولو كان كذلك لكانَ حَمْلُ اليمين على صريح القوة أشبه. (٤) ٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٥)، فسَّر ابنُ قتيبة الأغلالَ بأَنَّها ما حَرَّمَهُ اللهُ على بني إسرائيل، وأَحَلَّهُ لأُمَّةِ محمدٍ، وسُمِّي التحريمُ غُلًا «لأنَّ التحريمَ يَمنعُ كما يقبضُ الغُلُّ اليدَ فاستُعِيْرَ». (٦) ثم أورد شاهدًا شعريًا بلاغيًا يؤكد أن العرب تفعل ذلك في كلامها، وهو قول أبي خراش الهذلي: فليسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أُمَّ مالكٍ ... ولكنْ أَحاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ وعادَ الفتى كالكَهْلِ ليسَ بِقائِلٍ ... سِوى العَدْلِ شيئًا فاستراحَ العَواذِلُ (٧) ثم شرح ابن قتيبة الاستعارة في هذا الشعر فقال: «يقول: ليس الأمرُ كعهدكِ، إذ كُنّا في الدار ونَحنُ نَتَبسَّطُ في كلِّ شيءٍ ولا نَتَوَقَّى،

стр. 749

ولكنْ أَسْلَمنا فَصِرْنا مِن موانِع الإسلامِ في مثلِ الأَغلالِ المُحيطةِ بالرقابِ، القابضةِ للأَيدي». (١) ٣ - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ١٧ - ٢٢] (٢) ذكرَ أَنَّ الفاكهةَ واللحمَ والحُورَ العِيْنَ لا يُطافُ بِها، وإِنَّما يُطافُ بالأكوابِ والأباريقِ. وأَنَّ المراد: يؤتونَ بلحمِ طَيْرٍ وبِفاكهةٍ، ويُزوجونَ بِحُورٍ عِيْنٍ. وأن هذا أسلوب بلاغي عند العرب، وهو إيقاع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، ويضمر للآخر فعله المناسب له. ومثل هذه الآيات أيضًا - كما ذكر ابن قتيبة - قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] (٣) حيث إنَّ معناها: أَجْمِعوا أمرَكم، وادعوا شركاءَكم، وهي كذلك في مصحف عبد الله بن مسعود. (٤) ثم استشهد ابن قتيبة بشواهد من الشعر على هذا الأسلوب البلاغي عند العرب، فذكر قول الشاعر (٥): تَراهُ كأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ ... وعَيْنَيهِ إِنْ مولاهُ ثابَ لَهُ وَفْرُ (٦) قال ابن قتيبة: «أي: يَجدعُ أَنفَهُ، ويفقأُ عَينَيه». (٧) وهذا الشاهد يستشهد به النحويون (٨) والبلاغيون (٩) على إضمار الفعل بعد حرف العطف، ويذهبون في تقديره مذهب ابن قتيبة. وذكر بعد ذلك ثلاثة شواهد من الشعر تدل على أن هذا الأسلوب شائع عند العرب قبل نزول القرآن.

стр. 750

هذه هي أهم الأغراض التي أورد أصحاب غريب القرآن ومعانيه الشواهد الشعرية من أجلها، ولم أجد أمثلة للتمثل بالشعر في كتب غريب القرآن ومعانيه، لإيجازها الشديد، وعدم الاستطراد في قضايا تستدعي التمثل بالشعر كما مر في أغراض المفسرين من إيراد الشواهد الشعرية. * * *

стр. 751

الفصل الثالث: أثر الشاهد الشعري في التفسير . المبحث الأول: أثره في إيضاح المعنى. المبحث الثاني: أثره في توجيه القراءات. المبحث الثالث: أثره في الجانب العقدي عند المفسرين. المبحث الرابع: أثره في الجانب الفقهي. المبحث الخامس: أثره في الترجيح بين الأقوال. المبحث السادس: أثره في بيان الأساليب القرآنية. المبحث السابع: أثره في نسبة اللغات للقبائل. المبحث الثامن: أثره في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها. المبحث التاسع: أثره في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات. المبحث العاشر: أثره في معرفة الأماكن. المبحث الحادي عشر: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن الكريم.

стр. 752

المبحث الأول: أثر الشاهد الشعري في إيضاح وبيان المعنى في التفسير . الغرض من تصنيف كتب التفسير هو بيان معاني القرآن الكريم وإيضاحها، وبَيانُ أحكامِها وحِكَمِها (١)، وقد استعانَ المفسرون بوسائلَ كثيرةٍ، من أَهَمِّها اللغةُ العربية التي نزل القرآن بها، ولم تنشأ علوم اللغة في بدايتها إلا من أجل هذا الغرض النبيل، وهو بيان القرآن، والحفاظ على لغته نقيةً من العُجْمةِ التي طرأَتْ على أَلسنةِ العرب في ذلك الوقت. (٢) ونظرًا لأن الشعر كان ديوانًا جامعًا لعلم العرب وبيان لغتها، فقد اتَّخذهُ العلماءُ شاهدًا لهم على كثيرٍ من معاني القرآن الكريم من حيثُ الدلالةُ اللغوية، لإيضاح تلك المعاني وتَجليتها؛ لأنَّ الشعر كان أقرب إلى فهمهم لتعودهم عليه وعلى حفظهِ وسَماعهِ، ومعرفتهم بأساليب الشعراء في الكلام. ويصح في هذا المبحث إيراد الشواهد الشعرية التي وردت في كتب التفسير، حيث يصدقُ عليها أَنَّها كانت في سياقِ إيضاحِ المعاني وبيانِها، فشواهد اللغة من أَهمِّ أغراضها بيانُ معاني الألفاظ التي وردت في القرآن أو التفسير، وكذلك الشواهد النحويةُ وردت لأغراض متعددة من أَهمِّها بيانُ معاني التراكيب، وقُلْ مثلَ ذلك في بقيَّةِ الشواهد الشعرية، غير أَني سأقتصرُ على صورتينِ ظاهرتين في استشهاد المفسرين بالشعر لتوضيح

стр. 753

معاني الآيات القرآنية، وإرجاءُ بقيَّةِ الصّورِ للمباحث التالية، وهاتان الصورتان هما: أولًا: بيان معاني المفردات القرآنية . يدخلُ تَحت هذه الصورة جَميعُ الشواهد اللغوية في كتب التفسير، وكتب غريب القرآن وهي الغالبة عليها، وكتب معاني القرآن وهي قليلة فيها كما تقدم. وأثر الشاهد اللغوي ظاهر في إيضاح معاني المفردات الغريبة التي وردت في القرآن الكريم أو التفسير أو بعض الشواهد الشعرية التي يستشهد بها المفسرون في التفسير، وتكون محتاجة إلى شرح بعض مفرداتها. وقد بلغت الشواهد اللغوية في كتب التفسير أكثر من النصف باستثناء تفسير الزمخشري الذي غلبت عليه الشواهد البلاغية والنحوية، بل إن الزمخشري قد وظف بعض الشواهد النحوية المشهورة توظيفًا بلاغيًا. وأما كتب غريب القرآن فقد كانت معظم شواهدها شواهد لغوية وردت لإيضاح معاني المفردات في الدرجة الأولى، وأثر هذه الشواهد في إيضاح المعاني لا يستغنى عنه. ثانيًا: بيان معاني التراكيب القرآنية . يدخلُ تَحتَ هذه الصورة الشواهدُ النحويةُ، والشواهد التاريخية في بعض المواضع لبيانها مناسبات بعض الحوادث ذات العلاقة بالقرآن الكريم وتفسيره. وقد اشتملت كتب التفسير على عدد كبيرٍ من الشواهد النحوية والبلاغية سَبَقَ بيانُها، مع تفاوت نسبة تلك الشواهد بين المصنَّفات، وقد تقدَّم بيانُ نسبة هذه الشواهد بين شواهد المفسرين في المباحث السابقة في هذه الدراسة، وأذكر هنا بعض الأمثلة التي تدل على أثر الشاهد الشعري المباشر في إيضاح معاني التراكيب النحوية في كتب التفسير، والعناية التي أولاها المفسرون لهذه الشواهد في تفسيرهم للقرآن، حتى إن بعض المفسرين كالقرطبي وأبي حيان الأندلسي والسمين

стр. 754

الحلبي قد أودعوا تفاسيرهم معظم شواهد النحو المشهورة المتداولة عند النحويين في مصنفاتهم. للمفسرين في إيضاح المعاني التي وردت في القرآن الكريم بالشاهد الشعري طرق متنوعة ، من أهمها طريقتان: الأولى: موازنة المعنى الذي تدل عليه الآيات القرآنية بالمعنى الذي يدل عليه الشاهد الشعري. والشعر يعرفه العرب جيدًا لإلفهم للشعر، وخبرتهم به. ١ - ومن أمثلة ذلك ما ذكره الطبري محاولًا إيضاح معنى قول القائلين بأَنَّ الحروف المقطعة في أوائل السور تدل على أسماء الله جل وعلا وصفاته، بقوله: «وأما الذين قالوا: ذلك حروفٌ مُقطَّعةٌ بعضها مِنْ أسماءِ الله ، وبعضها من صفاته، ولكُلِّ حرفٍ من ذلك معنى غير معنى الحرف الآخر. فإِنَّهم نَحَو بتأويلِهم ذلك نَحوَ قولِ الشاعرِ (١): قُلنا لَها: قِفي لَنا، قالتْ: قافْ لا تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينا الإِيْجَافْ (٢) يعني بقولهِ: «قالتْ قاف»، قالت: قد وقفتُ. فدلَّت بإظهارِ القافِ مِنْ وَقفتُ على مُرادِها مِنْ تَمامِ الكلمةِ التي هي «وَقَفْتُ»، فَصرفوا قولَهُ ﴿الم (١)﴾ [البقرة: ١] (٣) وما أشبه ذلك إلى نحو هذا المعنى». (٤) فقد استعان الطبري بالشعر لتوضيح معنى قول القائلين بأن الحروف المقطعة في أوائل السور مأخوذة من أسماء الله وصفاته للدلالة عليها، كما دل قول الشاعر: «قاف». على كلمة: «وقفت». وهذه الموازنة تكون ذات قيمة دلالية إذا عرفت أن الشعر عند العرب علم مألوف مشهور،

стр. 755

يعرفون دلالاته واختصاراته، ويفهمون ما تعنيه، وإذا أحيل العربي إليه فهمه دون عناء. ٢ - ومن الأمثلة كذلك قول الطبري عند تفسيره لمعنى «السِّنَةِ» في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (١): «والوَسَنُ: خُثُورةُ النَّومِ، ومنه قول عَدِيِّ بن الرِّقاعِ: وَسْنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ (٢) ثُمَّ استطرد الطبريُّ لإيضاحِ معنى الوَسَنِ في البيت، والاحتجاج لصحة تفسيره للآية، بشاهدين آخرين من الشعر (٣)، وتتبع معنى السِّنَةِ والوَسَنِ حتى جَلاَّهُ وبَيَّنَهُ أحسنَ بيانٍ، بتتبعه للشواهد الشعرية التي يعضد بعضها بعضًا في إيضاح هذا المعنى، وقد أحسن الطبري التعبيَر عن معنى السِّنَةِ بالخُثُورةِ، وهيَ كلمةٌ تدلُّ على الثِّقَلِ والتجمُّعِ، تطلقُ في الأَصلِ على اللَّبَنِ والعَسلِ إذا ثقلَ وتَجمَّع بعضهُ على بعض. (٤) قال محمود شاكر تعليقًا على قول الطبري هذا: «والمَجازُ منه قولُهم: فلانٌ خاثِرُ النَّفْسِ، أي: ثقيلُها، غَيْرُ طيبٍ ولا نشيطٍ، قد فَتَرَ فُتُورًا. واستعمله الطبريُّ استعمالًا بارِعًا، فجَعلَ للنَّومِ خُثُورةً، وهي شدةُ الفُتُورِ، كأَنَّهُ زالت رِقَّتُهُ واستغلظَ فَثَقُلَ، وهذا تعبيرٌ لَمْ أَجِدْهُ قبلَه». (٥) وقد فَسَّر الأصفهانيُّ معنى قولِ عديِّ بن الرقاعِ: «وسَنانُ أقصده النعاسُ» فقال: «والوَسْنانُ: النّائِمُ، والوَسَنُ: النَّومُ، الواحدةُ منهُ سِنَةٌ». (٦) وتفسير الطبري للسِّنَةِ أَدَقُّ، فليست السِّنَةُ النومَ، وإِنَّما هي مُقدمتهُ من الخُثُورَةِ والثِّقَلِ كما عَبَّرَ الطبريُّ. ويؤيده الشاهد الثاني وهو

стр. 756

قول الأعشى: «بُعَيدَ النُّعاسِ وقبلَ الوَسَنْ». ورواية الديوان للبيت: «وعندَ الوَسَنْ». (١) بل إِنَّ تفسير الطبري للبيت أدق من تفسير شيخه ثعلب حيث قال في شرحه: «الوَسْنانُ: النَّاعس». (٢) والشاهد أن الطبري أخذ يتتبع المعنى ليتضح للقارئ بإيراده الشواهد الشعرية التي تدل على المعنى بدقة حتى اكتمل المعنى بتظافر هذه الشواهد الشعرية. ٣ - ومن الأمثلة التي يوازن فيها المفسرون بين أسلوب الآية وأسلوب الشاهد الشعري لتوضيح المعنى المراد ما ذكره أبو عبيدة شارحًا معنى قوله تعالى على لسان الملائكة: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] (٣): «جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة لم تستفهم ربها، وقد قال ﵎: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (٤) ولكنَّ معناها معنى الإيجاب، أي أَنَّكَ ستفعلُ. وقال جريرُ فأوجبَ ولم يستفهمْ لعبد الملكِ بن مروان: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأَنْدَى العالَمِيْنَ بُطُونَ رَاحِ (٥)». (٦) فقد تولى الشاهد الشعري إيضاح المعنى، وقد أضاف أبو عبيدة دليلًا آخر من واقع صنيع الممدوح بالشاعر حيث وهب عبد الملك بن مروان لجرير مائة من الإبل مكافأة له على مديحه، ولو كان استفهامًا فقط لم يعطه شيئًا. (٧) الثانية: إيضاح الآية بذكر الشاهد مباشرة . في هذه الطريقة يشرح المفسر الآية أو المفردة بذكره للشاهد

стр. 757

الشعري مباشرة، دون ربطٍ بينهما، أو شرح للشاهد بما يوضح المراد من الآية. وهذا يدل على أن الشاهد في نظر المفسر أوضح من الآية، فيُحيل القارئَ إلى الشاهد لوضوحه، دون أن يتدخل بين القارئ وبين فهمه للشاهد الشعري. وأكثر من رأيته يفعل ذلك الزمخشري في الكشاف، فإنه صنف كتابه للمتقدمين الذين شدوا شيئًا من علم اللغة والتفسير والبلاغة يؤهلهم للربط بين الآية القرآنية والشاهد الشعري واستخراج المعنى المراد من خلال ذلك. وقد كانت هذه الطريقة في الاستشهاد شائعة عند علماء اللغة المتقدمين، فقد ذكر أبو عُمَر الجَرميُّ أن سائلًا جاء إلى يونس بن حبيب النحوي وهو في حلقته في المسجد، فسأله عن معنى (التَّناوش) في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ [سبأ: ٥٢] (١) قال: «فقال بيدهِ: التَّناولُ، وأنشدَ: وهيَ تَنُوشُ الحَوضَ نَوْشًا مِنْ عَلا ... نَوْشًا بهِ تَقطعُ أَجْوازَ الفلا (٢)». (٣) فقد اكتفى يونس بعد بيانه للمفردة الغريبة في الآية، بذكر شاهدٍ شعري فهمه السائل دون شرح من يونس. - ومن الأمثلة على ذلك عند الزمخشري قوله: «فإن قلت: لِمَ وَحَّدَ الراجعَ في قوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٣٦] (٤) وقد ذُكِرَ شيئان؟ قلتُ: نَحو قولهِ: فإِنِّي وقَيَّارٌ بِها لَغَرِيبُ». (٥) وهو يعني الضمير في ﴿بِهِ﴾، حيث يعود على قوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ وهما اثنان، فكان يقال: «ليفتدوا بهما». غير

стр. 758

أنه وحد الضمير فقال: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾. ولم يشرح الزمخشريُّ العِلَّةَ، وإنما أحالَ بيانَها إلى شطرِ شاهدٍ شِعريٍّ نَحويٍّ مشهورٍ، وهو قولُ ضابئ البُرْجُميِّ: فَمَنْ يَكُ أَمْسى بالمدينةِ رَحْلُهُ ... فإِنِّي وقَيَّارٌ بِها لَغَرِيْبُ (١) والشاهدُ فيه عند الزمخشري قوله: «لغَريبُ»، وكان المتوقع أن يقول: «لَغريبان»، كما قال أبو زيد: «ولو قال: «لغريبان» لكان أجود». (٢) غير أن الزمخشري اكتفى في إيضاح سببِ توحيد الضمير في قوله تعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مع تعدد ما يعود عليه هذا الضمير بإيراده للشاهد الشعري، وعدم التعليق عليه بشيء، ثقةً في فهم القارئ بأن ذلك من أساليب العرب في كلامها، ودليلًا على أَنَّ الزمخشريَّ صنَّفَ كتابَه «الكشاف» لطلبة العلم المتقدمين. وقد تقدمت في أثناء البحث أمثلة متعددة أخرى للشواهد اللغوية والنحوية التي استعان بها المفسرون وأصحاب كتب غريب القرآن ومعانيه لإيضاح الدلالات اللغوية للمفردات والتراكيب في القرآن الكريم، وكان لهذه الشواهد أثر واضح في تقريب المعاني وتوضيحها. ويتفاوت ظهور هذا الأثر للشواهد الشعرية في كتب التفسير، بحسب منهج المفسر الذي سار عليه، غير أن هذا الأثر كان جليًا في كتب التفسير والمعاني والغريب التي شملتها الدراسة، حيث وقع عليها الاختيار في بداية العمل لأسباب من أهمها عنايتها بالشاهد الشعري في مناهجها، وهناك من كتب التفاسير المختصرة من ظهر فيها أثر الشاهد الشعري ظهورًا متوسطًا كتفسير البيضاوي حيث كان مختصرًا من تفسير الزمخشري، وقد استبعد كثيرًا من شواهده، وأبقى منها ٢٦٦ شاهدًا فقط، لم ير الاستغناء عنها

стр. 759

في مختصره لأهميتها في إيضاح المعاني. (١) وهناك كتب مختصرة مثل اختصار ابن صُمادِح التُّجَيْبِي لتفسير الطبري، حيث أَخلاهُ من الشواهد الشعرية، وأبقى على المعاني التي اعتمدها الطبري بناءً على شواهد الشعر التي استشهد بها. (٢) وفَعَلَ مثلَ ذلك الثعالبيُّ الجزائري في اختصاره لتفسير ابن عطية حيث «وضع لنفسه - وهو يَختصرُ تفسير ابن عطية - منهجًا يقوم في أغلب الأحيان على حذفِ الشواهدِ الشعريةِ، والوجوه النحوية». (٣) وفَعَلَ مثلَ ذلك مَنْ اختصرَ تفسيرَ القرطبي. (٤) فتبقى قيمة هذه المختصرات في ارتباطها بالأصول، التي اعتمد أصحابها فيها على شواهد الشعر في تحقيق الدلالات اللغوية لمفردات القرآن الكريم وتراكيبه. * * *

стр. 760

المبحث الثاني: أَثَرُ الشاهدِ الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها في كتب التفسير . التوجيه مصدرٌ مأخوذٌ مِنْ وَجَّهَ يُوجِّهُ. ومنه قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: ٧٦] (١). ومنه: وجَّهْتُ الشيءَ إذا جعلتهُ على جِهَةٍ. (٢) قال ابن منظور: «وقال بعضهم: وجِّهِ الحَجَرَ وِجْهَةً وَجِهَةً مَّا له (٣) ... يريد: وجِّهِ الأمرَ وجْهَهَ، يُضربُ مَثَلًا للأَمرِ إذا لم يستقم مِن جهةٍ أن يُوجِّهَ له تدبيرًا من جهةٍ أُخرى، وأَصلُ هذا في الحَجَرِ يُوضعُ في البناء، فلا يستقيمُ، فيُقلَبُ على وجهٍ آخر فيستقيم». (٤) وتوجيهُ القراءاتِ يدخلُ تَحتَ عِلمِ القراءاتِ بِمعناه الواسع، غير أن الذي قام به هم النحويون وأهل اللغة غالبًا، وقد أفرده الزركشي بالذكر في «البرهان» تحت النوع الثالث والعشرين فقال: «معرفةُ توجيهِ القراءاتِ وتبْيِيْنُ وجهِ ما ذهب إليه كلُّ قارئٍ» وأَشارَ إلى أَنَّه «فَنٌّ جليلٌ، وبه تُعرفُ جلالةُ المعاني وجزالتُها، وقد اعتنى الأئمةُ بهِ، وأَفردوا فيهِ كُتُبًا» (٥). وقد عُرِّفَ توجيهُ القراءات بأَنَّهُ «عِلْمٌ يُبحثُ فيه عن معاني القراءاتِ والكشفِ عن وجوهِها في العربية، أو الذهاب بالقراءة إلى الجهة التي

стр. 761

يتبيَّنُ فيها وجهُها ومعناها». (١) و«توجيه القراءات» يُسمَّى بِهذا (٢)، وله أسماءُ أُخرى المقصودُ بِها واحدٌ أو متقارب، ومنها «الاحتجاج للقراءات» (٣)، و «وجوه القراءات» (٤)، و «عِللُ القراءات» (٥)، و «إعراب القراءات» (٦)، و «معاني القراءات» (٧) وبكلِّ اسمٍ من هذهِ الأسماءِ صُنِّفَتْ مُصنَّفاتٌ، غير أَنَّ الذي استقر عليه الاصطلاح في الوقت الراهن تسميته بتوجيه القراءات. وقد عُنِيَ المفسرون بتوجيه القراءات من حيث اللغة والنحو في كتب التفسير، وظلَّ توجيه القراءات والاحتجاج لها منثورًا في كتب معاني القرآن والتفسير مدةً طويلةً من الزمن، ثُمَّ أَخَذَ يستقلُّ وينفصلُ شيئًا فشيئًا حتى نضجَ، واستقلَّ بأُصولهِ ومؤلفاته بعد تصنيف ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) (٨) لكتابه في القراءات السبع، واقتصاره على الطرق الصحيحة لتلك القراءات.

стр. 762

وقد بدأ الاحتجاج بالشِّعْرِ لتوجيه القراءاتِ مُبكرًا في عهد أئمة القراء الأوائل، فقد كان أبو عمرو بن العلاء البصري (ت ١٥٤ هـ) يَحتجُّ لقراءته بالشعر، كما في قراءته لقوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] (١) بتخفيف اللام في ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مِن أَبْلَغَ يُبْلِغُ (٢)، فقد احتج بالقرآن وبالشعر. فأَمَّا القرآن فقد احتجَّ بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٧٩] (٣). وأما احتجاجه بالشعر فقد احتجَّ بشاهدين، الأول قول عَدِيِّ بن زيدٍ: أَبْلِغِ النُّعمانَ عَنِّي مأْلكًا ... أَنَّهُ قد طالَ حَبْسي وانتِظاري (٤) والثاني قول أبي القَمقام الأسديِّ (٥): أَبْلِغْ أَبا مالكٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ... وفي العتابِ حَياةٌ بَيْنَ أَقوامِ (٦) وأبو عمرو بن العلاء (ت ١٥٤ هـ) يُمثِّلُ باحتجاجهِ للقراءات وتوجيهها، واستشهاده بالشعر على ذلك، مرحلةً متقدمةً؛ لأَنَّهُ إمامُ علماء اللغةِ ورواة الشعر الذين دارت عليهم روايةُ الشِّعرِ باعتبارهِ شيخًا لأَبي

стр. 763

عُبيدةَ، والأَصمعيِّ، وطبقتهم، ولكونه أحد القراء السبعة، وإمام قراء البصرة، وقراءته هي القراءة التي يقرأ بها أهلُ البصرة، وقد رواها عنه تلاميذه، فهو أبو العلماءِ وكهفُهُم - كما وصفه ابن جني (١) -، وأعلم الناس بالقرآن والعربية - كما يقول ابن الجزري (٢)، فهو قارئٌ لغويٌّ إمامٌ في فُنونٍ متعددةٍ. وقد ذكر أبو عبيدة أَنَّهُ سأل شيخه أبا عمرو بن العلاء عن توجيه قراءته لقوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] (٣) حيث قرأها أبو عمرو بن العلاء ﴿لَتَخِذْتَ﴾ (٤) مِنْ (تَخِذَ) لا من (اتَّخَذَ)، فقال أبو عمرو: هي لغةٌ فصيحةٌ، واستشهدَ لَهَا بِقولِ المُمَزَّقِ العبديِّ: وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي إِلى جَنْبِ غَرْزِها ... نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطَرِّقِ (٥) وهذا احتجاجٌ لصحة استعمال (تَخِذَ)، وأنه ورد عند العرب في الشعر الفصيح، فقرأ به، وقد اكتفى العلماء بشواهد مفردة للاستشهاد على بعض الأوجه المقروءِ بِها استدلالًا منهم على صحتها، وإن كان المتتبع لدواوين الشعراء سيجد غير تلك الشواهد. ومنذ زمن أبي عمرو بن العلاء والقراء وعلماء القراءات يتتبعون شواهد الشعر التي تعينهم على توجيه القراءت من حيث اللغة والإعراب

стр. 764

لتكونَ حجةً لهم أَنَّ الوجه الذي رَوَوهُ من القراءةِ صحيحٌ موافقٌ للغةِ العَرَبِ، وأَنَّهُ ليس خطأً لم تستعمله العرب. وهذا شاهد للركن الذي استقر عند علماء القراءات اعتباره للقراءة الصحيحة وهو موافقة لغة العرب ولو بوجهٍ مِنْ وُجُوهِها. (١) بل إنه يؤثر عن بعض القراء شواهد شعرية خاصة، يستشهد بها لتصحيح قراءته، فقد ذكرَ ابنُ الجَزَريِّ في ترجمةِ أَحْمد بن مُحمدٍ بن عَلْقَمةَ بن نافع النبَّال المتوفى سنة ٢٤٠ هـ، أنه قرأ عليه قُنْبُلُ والبّزِّيُّ. ثم قال: «وروينا عنه أنَّهُ كان يُنْشِدُ شاهدًا على قراءةِ تشديدِ الياء من ﴿حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] (٢)، وهي قراءته التي رواها قُنْبلُ عنهُ: سَأَلتَنِي جارَتي عَن مَعْشَرٍ ... وَإِذا ما عَيَّ ذُو اللُّبِ سَأَلْ سَأَلَتني عَن أُنَاسٍ ذَهَبُوا ... شَرِبَ الدَهرُ عَليهِم وَأَكَلْ (٣)». (٤) وربَّما خَصَّ ابنُ الجزري هذا الشاهدَ بالذكر لكونه حُفِظَ عن النَّبَّالِ دون غيره، وإِلاَّ فإِنَّ المفسرينَ وغيرَهم قد احتجوا لهذه القراءة بشواهد أخرى. (٥) كقول عبيد بن الأبرص: عَيَّوا بِأَمْرِهِمُ كما ... عَيَّتْ بِبَيْضتِها الحَمامَه (٦)

стр. 765

وبقول المتلَمِّسِ: فهذا أَوانُ العِرْضِ حيَّ ذُبابُهُ ... زَنابِيْرُهُ والأزرقُ المُتَلَمِّسُ (١) وقال أبو عثمان المازني: «قرأتُ على أَبي وأنا غُلامٌ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣] (٢) قال: فقال أبو سوار (٣) - وكان فصيحًا أخذ عنه أبو عبيدة فمن دونه - (خَلَلَهِ)، فقال أبي: ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾ قراءةٌ. فقال: أما سَمِعتَ قولَ الشاعر: بَنَيْنَ بِغَمْرَةٍ فَخَرَجْنَ منها ... خُروجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحابِ (٤) قال أبو عثمان: خَلَلُ وخِلالُ واحدٌ، وهما مصدران». (٥) ومع أَنَّ القراءة التي قرأَ بها الجمهورُ هي القراءةُ التي قرأَ بِها المازنيُّ، إِلَّا أَنَّهُ عندما سَمِعَ احتجاجَ أبي سوار بالشاهد الشعري الصحيحِ سَلَّمَ لَهُ، وفَسَّرَ الخَلَلَ والخِلالَ بأَنَّهما بِمعنًى واحد، وأَنَّهما مصدران. وهذه أمثلة متقدمة على وجود الاحتجاج للقراءات بالشعر، والاعتماد على الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها. وأوجه الاحتجاج للقراءات بالشعر وغيره كثيرة، فتارة يكون توجيهًا نَحويًا من حيث الإعراب، وتارة يكون توجيهًا صرفيًا يتعلق بوزن الكلمة أو اشتقاقها، أو لُغويًا يتعلق بعلم الأصوات، ولغات العرب (لهجاتها)، وأمثالهم، وأقوالهم، وأشعارهم، وقد يكون هذا التوجيه معنويًا تتوقف

стр. 766

معرفته على معرفة سبب النُّزُول، أو معرفة التفسير. وقد مَرَّ توجيهُ القراءاتِ واحتجاجُ العلماءِ لها بمرحلتين أساسيتين: الأولى: مرحلة الاحتجاج الفردية لبعض القراءات دون تدوين. وقد بدأت هذه المرحلة مبكرًا في عهد الصحابة ﵃ (١) ويدخلُ في هذه المرحلة احتجاج القراء أنفسهم لقراءاتهم كما كان يصنع أبو عمرو العلاء (ت ١٥٤ هـ) والكسائي (ت ١٨٩ هـ)، وتلاميذهما من بَعْدُ. (٢) واحتجاج النحويين الأوائل الذين حفظت أقوالهم دون مؤلفاتهم كالخليل بن أحمد (ت ١٧٠ هـ). الثانية: مرحلة التدوين والبَدءُ في جَمعِ أوجه القراءات وتتبعها. وهذه المرحلة قد تشارك الأولى من حيث الزَّمَنِ مع الاختلاف في المنهج والغاية، ويُمكنُ التمييز في هذه المرحلة بين نوعين من التدوين، هما: ١ - التدوين المختلط في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو. ويدخلُ تَحتَ هذه المرحلة ما دَوَّنَهُ المفسرون من أهل اللغة في كتب التفسير ومعاني القرآن والنحو من الاحتجاج للقراءات المتفرقة، حيث يذكرونَها عند بيانِ قراءةٍ من القراءات التي تَعرضُ لَهم أثناء التفسير، أو يكون فيها حجة نَحويةٌ لَهم، ومن أوائل الكتب التي ظَهَر فيها توجيه القراءات، والاستشهاد لها بشواهد الشعر كتاب سيبويه (ت ١٨٠ هـ). (٣) حيث ورد في كتابه عدد من القراءات التي استشهد بها على مسائل

стр. 767

نحوية، واحتج لها بشواهد الشعر واللغة، وسار النحويون بعده على منهجه. ومن أمثلة ذلك عنده قوله: «وسألتُ الخليلَ عن قوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] (١)، فقال: هو كقولِ زُهير بن أبي سُلْمى: بَدا لِيَ أَنِّي لَستُ مُدركَ ما مَضَى ... ولا سابِقٍ شَيئًا إذا كانَ جَائِيا (٢) وإِنَّما جَرُّوا؛ لأَنَّ الأول قد يدخله الباء، فجاءوا بالثاني، وكأنهم قد أثبتوا في الأول الباء، فكذلك هذا لما كان الفعل الذي قبله، قد يكون جزمًا ولا فاء فيه تكلموا بالثاني، وكأنهم قد جزموا قبله، فعلى هذا تَوهَّموا هذا». (٣) وسيبويه هنا يُشيرُ إلى أَنَّ جَرَّ قولهِ: «سابقٍ»؛ لأن «مُدركَ» قد تدخلُ عليه الباءُ فتجره فيكون «لستُ بِمُدركٍ»، فجروا «سابق»؛ لأَنَّه معطوف على موضعِ «مُدرك» توهُّمًا أَنَّ «مدرك» مجرور، فالباء مفقودة وأثرها وهو الجَرُّ موجود، وظهر أثرها في المعطوف عليه «سابق» لا في المعطوف «مدرك». وأما الآية - على قول الخليل - فهي جزمٌ على توهم الشرط الذي يدل عليه التمني، والشرط هنا ليس بظاهر، وقد قرَّرَ النحويون أَنَّ العطفَ على الموضع لا يصح إلا حيث يظهر الشرط، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: ١٨٦] (٤) واستشهادُ الخليلِ بالشاهدِ الشعريِّ هنا من باب الموازنة الأسلوبية؛ حيث ناظَرَ جَزْمَ قولهِ: ﴿وَأَكُنْ﴾ في الآية بِجَرِّ قوله: «سابق» في الشاهد الشعري؛ فإِنَّ جَرَّ «سابق» عطفًا على «مدرك» الذي هو خَبْر «ليس» على توهم زيادة الباء فيه؛ لأنه كَثُر جَرُّ خَبَرِها بالباء المزيدة.

стр. 768

وأما في الآية الكريمة فجزمُ الفعلِ «أَكُنْ» على توهمِ سقوطِ الفاءِ من «فَأَصدَّقَ»، وفي الشاهد جَرٌّ على توهم وجود الباءِ، والجامع بينهما توهم ما يقتضي جواز ذلك. (١) والغرض التمثيلُ. وقد كان صنيع سيبويه في كتابه حافزًا للنحويين من بعده أن يتصدوا للمشككين في صحة القراءات القرآنية، وأنها مخالفة لقواعد كلام العرب (٢). ويأتي بعد كتاب سيبويه الكتب التي صنفت في معاني القرآن والتفسير (٣) ٢ - التدوين في توجيه القراءات خاصة. أول ما يُذْكَرُ من المؤلفات في إفراد توجيه القراءات بالتدوين ما قام به هارون بن موسى العَتَكيِّ (٤) المتوفى قبل المائتين من الهجرة (٥) (٦) وهناك عدد كبير من المصنفات المفردة للقراءات وتوجيهها في هذه المرحلة من أجمعها كتاب القراءات لأبي عبيد (ت ٢٢٤ هـ)، وكتاب القراءات للطبري (ت ٣١٠ هـ)، الذي تتلمذ عليه أبو بكر بن مُجاهد (ت ٣٢٤ هـ)، جامعُ القراءاتِ السَّبعِ، وعنه أخذ أبو بكر بن مجاهد التفسيرَ والقراءاتِ وشواهد التفسير، وكان يُجلِّهُ ويُقدِّمهُ (٧). وقد كان تصنيف أبي بكر بن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) على رأس القرن

стр. 769

الرابع الهجري سنة ٣٠٠ هـ تقريبًا لكتابه «السبعة»، واقتصاره على القراءات السبعِ أثر كبير في التصنيف المفرد في الاحتجاج للقراءات السبع وغيرها فيما بعد. فقد احتج لهذه القراءات السبع عددٌ من العلماء من تلاميذ ابن مجاهد كابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ)، وأَبي عليٍّ الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، واحتج لها من علماء المغرب مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ). (١) ثم جاء بعدهم ابن جني (ت ٣٩٢ هـ) تلميذ أبي علي الفارسي فصنَّفَ كتابَه «المُحتسَب» في الاحتجاج للقراءات الشاذة وتوجيهها، ليكمل صنيع شيخه أبي علي الفارسي في الاحتجاج للقراءات السبع. هذه أهم مراحل الاحتجاج للقراءات القرآنية وتوجيهها، وقد انتصر هؤلاء العلماء للقراءات القرآنية المتواترة والشاذة، حتى إِنَّ ابن جني (ت ٣٩٢ هـ) قد وصف القراء عامةً في بعض كتبه بضعفِ الدراية (٢)، وبالسَّهوِ والغَلَطِ لأَنَّه ليس لهم قِياسٌ يرجعون إليه (٣)، ثُمَّ صنَّفَ في الدفاع عنهم، ورَدَّ على مَن اتهمهم بالخطأ وضعفِ الدرايةِ، والمعرفة باللغة. (٤) - أثر الشاهد الشعري في كتب الاحتجاج للقراءات: اعتمد المفسرون على المصنفات المختصة بالاحتجاج في توجيههم

стр. 770

للقراءات، وساروا في توجيههم للقراءات على المنهج الذي سار عليه هؤلاء المصنفون، فاستشهدوا بالشعر كما استشهدوا، وقد كان للشِّعْرِ النصيبُ الأوفرُ بين شواهد كتب الاحتجاج للقراءات، فقد استشهد ابن خالويه (ت ٣٧٠ هـ) في «إعراب القراءات السبع وعللها» بأكثر من سبعمائة شاهد (١)، واستشهد أبو علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ) في «الحجة» الذي يُعَدُّ أكبَرَ كتب الاحتجاج للقراءات بأكثر من ألفٍ وخَمسمائةِ شاهدٍ من الشعرِ، حتى قال عبد الفتاح شلبي: «وقد أورد أبو علي في الحُجَّةِ من الأشعارِ ما لو جُمِعَ لكان كتابًا ضخمًا قائمًا بذاته» (٢)، واستشهد ابن جني (ت ٣٩٢ هـ) في كتابه «المُحتسَب» بأكثر من سبعمائة شاهد شعري. (٣) والعلماءُ الذين اشتغلوا بتوجيهِ القراءات كانوا يشترطون لصحةِ القراءة موافقتَها للغةِ العَرَبِ، مع صحةِ إسنادها، ومِنْ أَهَمِّ ما يبحثون عنه في لغة العربِ شواهد الشعر، ولذلك لَمَّا روى أحدُ رواة (٤) أبي عمرو بن العلاء روايةً في قراءة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (٥) وهي قراءة قوله: ﴿مُكَاءً﴾ بالقصر (مُكًا)، قال ابن مجاهد: «ولا وَجْهَ للقَصْرِ». (٦) فقال ابن خالويه تعقيبًا

стр. 771

على قول ابن مجاهد: «وقد جاءَ البكاءُ مَمدودًا ومقصورًا، قال الشاعر (١): بَكَتْ عَينِي وحُقَّ لَها بُكاها ... وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ (٢) فإن صَحَّ في اللغة قَصرُها على ما رُويَ عن أبي عمروٍ جازَ كما قُصِرَ البكاءُ، وإن لم يصحَّ في اللغة كما شَذَّ في القراءةِ رُفِضَ فاعرف ذلك فإِنَّهُ لطيفٌ». (٣) فهم يعتمدون على الشواهد الشعرية في تصحيح بعض الوجوه الشاذة التي تُروى في بعض أَحرفِ القِراءات، ولو رُويتْ عن أحد القراء السبعة المشهورين من طرقٍ شاذةٍ. (٤) بل إِنَّ أبا بكر ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) الذي صنَّفَ كتاب «السبعة» (٥) واختار القراءات، كان يَحفظُ شواهدَ الشعر التي يَحتجُّ بِها على توجيه القراءات من حيث اللغة والنحو، وقد روى عنه بعضَها تلميذُهُ ابن خالويه. (٦) وقد انتفع ابن مجاهد بشيخه الطبري في ذلك، وروى عنه كثيرًا من تلكم الشواهد، كما انتفع بعلمه بالعربية والنحو، فقد روى أبو بكر بن مجاهد «أَنَّ أبا العباس ثعلبًا سأَلَهُ: مَنْ بَقيَ عندَكم - يعني في الجانب الشرقي ببغداد - من النحويين؟ فقلت له: ما بقي أحدٌ، مات الشيوخ! فقال: حتى خلا جانبُكُم؟ قلتُ: نعم، إلا أن يكون الطبري

стр. 772

الفقيه. فقال: ابنُ جرير؟ قلتُ: نعم. قال: ذاك مِن حُذَّاقِ الكوفيين. قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثِيْرٌ؛ لأَنَّهُ كان شديدَ النَّفْسِ، شَرِسَ الأخلاق، وكان قليلَ الشهادةِ لأحدٍ بالحِذْقِ في عِلْمِه». (١) وسأكتفي ببعض الأمثلة من هذه الكتب التي صرح فيها مؤلفوها بكون هذه الشواهد الشعرية شاهدةً لقراءةِ فلان، أو حجةً لها. فمن أمثلة ذلك: ١ - ذكر ابن خالويه قراءة ورش لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] (٢) وأَنَّهُ يترك الهمزة في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فقال: «وروى ورشٌ عن نافعٍ بتركِ الهمزاتِ الساكنات والمتحركات، وحُجتهُ في ذلك أَنَّ الهمزةَ المتحركةَ أثقلُ من الهمزة الساكنة ... أَنشدني ابنُ عَرَفَةَ (٣) شاهدًا لوَرْشٍ: تَضوَّعَ مِسكًا بَطنُ نَعْمانَ أَنْ مَشَتْ ... بِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطِرَاتِ وَلَما رَأَت رَكبَ النُّمَيْريِّ أَعرَضَتْ ... وَكُنَّ مِنَ انْ يَلقينَهُ حَذِراتِ (٤) أرادَ: مِنْ أَنْ، بنقلِ فتحةِ الهمزةِ إلى النَّونِ». (٥) وهذا احتجاجٌ لُغويٌّ بالشعر على أَنَّ من العرب مَنْ ينقلُ حركةَ الهَمزة إلى الحرف الساكن قبلها لبيانِ الهمزةِ، كما قال سيبويه: «واعلم أَنَّ ناسًا من العربِ كثيرًا يُلقونَ على السَّاكنِ الذي قبلَ الهمزةِ حَركةَ الهمزةِ، سَمِعنا ذلكَ مِن تَميم وأَسَد، يريدون بذلك بيانَ الهمزة، وهو

стр. 773

أَبْيَنُ لها إذا وَلِيَتْ صوتًا». (١) وذكر المهدويُّ (٢) «أَنَّ ذلكَ هو حكمُ تَخفيفِ الهمزةِ في كلام العرب إذا سَكَنَ ما قبلها؛ لأَنَّهم كرهوا أن يجعلوها بَيْنَ بَيْن، فتقرب من الساكن وقبلها ساكن، فيصير كالجمع بين الساكنين، فألقوا حركتها على الساكن الذي قبلها وحذفوها وبقيت حركتها تدل عليها». (٣) وصنيع ابن خالويه تصحيحٌ لقراءةِ ورش، واستشهادٌ بالشعر على أَنَّ هذه القراءة لغةٌ فصيحةٌ للعرب. ٢ - وقال ابن خالويه عند بيانه للقراءات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦] (٤): «وقرأ ابن عامر ﴿أأنذرْتَهُم﴾ بِهَمزتَيْنِ بينهما مَدَّةٌ، كأَنَّه كَرِهَ أن يَجمعَ بينَ هَمزتين، وأَن يَحذفَ إحداهما. (٥) قال الشاعرُ (٦) شاهدًا لقراءة ابن عامر: تَطالَلْتُ فاستَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ ... فقلتُ لهُ: آأنتَ زيدُ الأَراقِمِ (٧)». (٨) وهذا شاهد لغويُّ كذلك يتعلَّق باللهجات، يدلُّ على أَنَّ القراءةَ بلغةٍ فصيحةٍ معروفةٍ في شعرِ بعض العرب. وقد زاد أبو علي المالكيِّ (٩) في الاستشهادِ لهذه القراءةِ فقال: «الحُجَّةُ لِمَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما

стр. 774

أَلِفًا، أَنَّ مِن العَرَبِ مَنْ يَمُدُّ بين الهمزتين المفتوحتين من كلمةٍ فأُجريَ ما كانت الأولى فيه مفتوحةً والثانية مكسورةً مَجراهما. (١) قال الشاعر (٢): أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ ... وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ (٣) وقال الآخر ... » (٤). ثم ذكر بيتَ ذي الرمة الذي ذكره ابن خالويه قبلُ، مِمَّا يدل على اعتمادِ علماءِ القراءات على الشاهد الشعريِّ في التوجيه والاحتجاج للقراءات، وتصحيح ذلك بشواهد الشعر التي تنفي الشبهة عن القراءات، وموافقتها للغة العرب. غَيْرَ أَنَّ القرطبيَّ يذكرُ قراءةَ أهلِ المدينة وأَبي عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق لهذه الكلمةِ، وأَنَّهم يقرأَونَها ﴿أانذَرْتَهُم﴾ بتحقيق الهمزةِ الأولى وتسهيلِ الثانيةِ، وأَنَّ هذهِ لغةُ قريشٍ، وسعدِ بن بكرٍ، وقد اختارها الخليل وسيبويه. (٥) ثُمَّ يستشهدُ لِهذهِ القراءةِ بالشاهدينِ السابقين لذي الرمة، اللذين استشهد بهما ابنُ خالويه وغيره على قراءةِ ابن عامر وهي قراءة «مَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما أَلِفًا». وسيبويه قد استشهد بِالشاهد الثاني منهما على «إِنَّ من العربِ ناسٌ يُدخلونَ بين ألف الاستفهامِ وبين الهمزة ألفًا إذا التقتا؛ وذلك أَنَّهم كرهوا التقاءَ هَمزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان، فَفَصلوا بالألفِ كراهيةَ التقاء هذه الحروف المضاعفة». (٦) وليس على ما ذكره القرطبيُّ، فالشاهدان يشهدان للغة مَنْ يُدخِلُ بَيْنَ الهمزتينِ أَلفًا، لا للغة من يُسهِّلُ الهمزةَ الثانية (٧)، وهذا يدل على أن هناك من المفسرين من قد يقع منه

стр. 775

الاستشهاد بالشاهد الشعري في غير موضعه، وإذا أراد الباحث الاستشهاد بالشاهد الشعري على مسألةٍ مُشكلةٍ وَجَبَ عليه مراجعة أقوال العلماء في هذا الشاهدِ، فينظر ما يقوله أهل التحقيق في هذا الشاهد، ودلالته، حتى يتبين له الصواب. أمثلة تدل على أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات وتعليلها، من جهة نفي الشك عن صحتها، وتصويبها من حيث العربية. أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير: وأما أَثَرُ الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها فقد رافق الاحتجاجَ للقراءات وتوجيهها منذ بدأت هذه القراءات على يد أئمتها الأُوَل، وقد تقدم احتجاج أبي عمرو بن العلاء لبعض أوجه قراءته التي سُئِلَ عنها، وقد كان الإمام الطبري رائدًا من رواد المفسرين في الاحتجاج للقراءات، وتوجيهها، معتمدًا في ذلك على علمه الغزير بالقراءات، والآثار، وتفسير السلف، واللغة وشعر العرب. وقد صنَّفَ كتابًا مُفردًا في القراءات وعللها والاحتجاج لها، ولكنَّه فُقِدَ ولم يصل إلينا، وقد اطلع عليه الأهوازي المقرئ (١) فقال في وصفه: «وله - أي الطبري- في القراءاتِ كتابٌ جليلٌ كبيرٌ رأيتهُ في ثَماني عشرةَ مُجلدة إِلا أَنَّه كان بِخطوطٍ كبارٍ، ذَكَرَ فيه جَميعَ القراءات من المشهورِ والشواذِّ وعَلَّلَ ذلكَ وشَرَحَهُ، واختار منها قراءة لم يَخرجْ بِها عن المشهور» (٢)، غير أن كتابه التفسير ظَلَّ متضمنًا لما يُحتاجُ إليه في التفسير من أوجه التعليل للقراءات وتوجيهها، وهي مواضع كثيرة. وأغلب مسائل النحو التي تعرض لها الطبري في تفسيره، جاءت عند مناقشته للقراءات القرآنية
следующие страницы →