← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

على قول ابن مجاهد: «وقد جاءَ البكاءُ مَمدودًا ومقصورًا، قال الشاعر (١): بَكَتْ عَينِي وحُقَّ لَها بُكاها ... وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ (٢) فإن صَحَّ في اللغة قَصرُها على ما رُويَ عن أبي عمروٍ جازَ كما قُصِرَ البكاءُ، وإن لم يصحَّ في اللغة كما شَذَّ في القراءةِ رُفِضَ فاعرف ذلك فإِنَّهُ لطيفٌ». (٣) فهم يعتمدون على الشواهد الشعرية في تصحيح بعض الوجوه الشاذة التي تُروى في بعض أَحرفِ القِراءات، ولو رُويتْ عن أحد القراء السبعة المشهورين من طرقٍ شاذةٍ. (٤) بل إِنَّ أبا بكر ابن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) الذي صنَّفَ كتاب «السبعة» (٥) واختار القراءات، كان يَحفظُ شواهدَ الشعر التي يَحتجُّ بِها على توجيه القراءات من حيث اللغة والنحو، وقد روى عنه بعضَها تلميذُهُ ابن خالويه. (٦) وقد انتفع ابن مجاهد بشيخه الطبري في ذلك، وروى عنه كثيرًا من تلكم الشواهد، كما انتفع بعلمه بالعربية والنحو، فقد روى أبو بكر بن مجاهد «أَنَّ أبا العباس ثعلبًا سأَلَهُ: مَنْ بَقيَ عندَكم - يعني في الجانب الشرقي ببغداد - من النحويين؟ فقلت له: ما بقي أحدٌ، مات الشيوخ! فقال: حتى خلا جانبُكُم؟ قلتُ: نعم، إلا أن يكون الطبري

стр. 772

الفقيه. فقال: ابنُ جرير؟ قلتُ: نعم. قال: ذاك مِن حُذَّاقِ الكوفيين. قال أبو بكر: وهذا من أبي العباس كثِيْرٌ؛ لأَنَّهُ كان شديدَ النَّفْسِ، شَرِسَ الأخلاق، وكان قليلَ الشهادةِ لأحدٍ بالحِذْقِ في عِلْمِه». (١) وسأكتفي ببعض الأمثلة من هذه الكتب التي صرح فيها مؤلفوها بكون هذه الشواهد الشعرية شاهدةً لقراءةِ فلان، أو حجةً لها. فمن أمثلة ذلك: ١ - ذكر ابن خالويه قراءة ورش لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] (٢) وأَنَّهُ يترك الهمزة في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فقال: «وروى ورشٌ عن نافعٍ بتركِ الهمزاتِ الساكنات والمتحركات، وحُجتهُ في ذلك أَنَّ الهمزةَ المتحركةَ أثقلُ من الهمزة الساكنة ... أَنشدني ابنُ عَرَفَةَ (٣) شاهدًا لوَرْشٍ: تَضوَّعَ مِسكًا بَطنُ نَعْمانَ أَنْ مَشَتْ ... بِهِ زينَبٌ في نِسوَةٍ عَطِرَاتِ وَلَما رَأَت رَكبَ النُّمَيْريِّ أَعرَضَتْ ... وَكُنَّ مِنَ انْ يَلقينَهُ حَذِراتِ (٤) أرادَ: مِنْ أَنْ، بنقلِ فتحةِ الهمزةِ إلى النَّونِ». (٥) وهذا احتجاجٌ لُغويٌّ بالشعر على أَنَّ من العرب مَنْ ينقلُ حركةَ الهَمزة إلى الحرف الساكن قبلها لبيانِ الهمزةِ، كما قال سيبويه: «واعلم أَنَّ ناسًا من العربِ كثيرًا يُلقونَ على السَّاكنِ الذي قبلَ الهمزةِ حَركةَ الهمزةِ، سَمِعنا ذلكَ مِن تَميم وأَسَد، يريدون بذلك بيانَ الهمزة، وهو

стр. 773

أَبْيَنُ لها إذا وَلِيَتْ صوتًا». (١) وذكر المهدويُّ (٢) «أَنَّ ذلكَ هو حكمُ تَخفيفِ الهمزةِ في كلام العرب إذا سَكَنَ ما قبلها؛ لأَنَّهم كرهوا أن يجعلوها بَيْنَ بَيْن، فتقرب من الساكن وقبلها ساكن، فيصير كالجمع بين الساكنين، فألقوا حركتها على الساكن الذي قبلها وحذفوها وبقيت حركتها تدل عليها». (٣) وصنيع ابن خالويه تصحيحٌ لقراءةِ ورش، واستشهادٌ بالشعر على أَنَّ هذه القراءة لغةٌ فصيحةٌ للعرب. ٢ - وقال ابن خالويه عند بيانه للقراءات في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦] (٤): «وقرأ ابن عامر ﴿أأنذرْتَهُم﴾ بِهَمزتَيْنِ بينهما مَدَّةٌ، كأَنَّه كَرِهَ أن يَجمعَ بينَ هَمزتين، وأَن يَحذفَ إحداهما. (٥) قال الشاعرُ (٦) شاهدًا لقراءة ابن عامر: تَطالَلْتُ فاستَشْرَفْتُهُ فَعَرَفْتُهُ ... فقلتُ لهُ: آأنتَ زيدُ الأَراقِمِ (٧)». (٨) وهذا شاهد لغويُّ كذلك يتعلَّق باللهجات، يدلُّ على أَنَّ القراءةَ بلغةٍ فصيحةٍ معروفةٍ في شعرِ بعض العرب. وقد زاد أبو علي المالكيِّ (٩) في الاستشهادِ لهذه القراءةِ فقال: «الحُجَّةُ لِمَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما

стр. 774

أَلِفًا، أَنَّ مِن العَرَبِ مَنْ يَمُدُّ بين الهمزتين المفتوحتين من كلمةٍ فأُجريَ ما كانت الأولى فيه مفتوحةً والثانية مكسورةً مَجراهما. (١) قال الشاعر (٢): أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جُلاجِلٍ ... وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أَمْ أُمُّ سالِمِ (٣) وقال الآخر ... » (٤). ثم ذكر بيتَ ذي الرمة الذي ذكره ابن خالويه قبلُ، مِمَّا يدل على اعتمادِ علماءِ القراءات على الشاهد الشعريِّ في التوجيه والاحتجاج للقراءات، وتصحيح ذلك بشواهد الشعر التي تنفي الشبهة عن القراءات، وموافقتها للغة العرب. غَيْرَ أَنَّ القرطبيَّ يذكرُ قراءةَ أهلِ المدينة وأَبي عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق لهذه الكلمةِ، وأَنَّهم يقرأَونَها ﴿أانذَرْتَهُم﴾ بتحقيق الهمزةِ الأولى وتسهيلِ الثانيةِ، وأَنَّ هذهِ لغةُ قريشٍ، وسعدِ بن بكرٍ، وقد اختارها الخليل وسيبويه. (٥) ثُمَّ يستشهدُ لِهذهِ القراءةِ بالشاهدينِ السابقين لذي الرمة، اللذين استشهد بهما ابنُ خالويه وغيره على قراءةِ ابن عامر وهي قراءة «مَنْ هَمَزَ هَمزتينِ وداخلَ بينهما أَلِفًا». وسيبويه قد استشهد بِالشاهد الثاني منهما على «إِنَّ من العربِ ناسٌ يُدخلونَ بين ألف الاستفهامِ وبين الهمزة ألفًا إذا التقتا؛ وذلك أَنَّهم كرهوا التقاءَ هَمزتين ففصلوا، كما قالوا: اخشينان، فَفَصلوا بالألفِ كراهيةَ التقاء هذه الحروف المضاعفة». (٦) وليس على ما ذكره القرطبيُّ، فالشاهدان يشهدان للغة مَنْ يُدخِلُ بَيْنَ الهمزتينِ أَلفًا، لا للغة من يُسهِّلُ الهمزةَ الثانية (٧)، وهذا يدل على أن هناك من المفسرين من قد يقع منه

стр. 775

الاستشهاد بالشاهد الشعري في غير موضعه، وإذا أراد الباحث الاستشهاد بالشاهد الشعري على مسألةٍ مُشكلةٍ وَجَبَ عليه مراجعة أقوال العلماء في هذا الشاهدِ، فينظر ما يقوله أهل التحقيق في هذا الشاهد، ودلالته، حتى يتبين له الصواب. أمثلة تدل على أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات وتعليلها، من جهة نفي الشك عن صحتها، وتصويبها من حيث العربية. أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير: وأما أَثَرُ الشاهد الشعري في توجيه القراءات والاحتجاج لها فقد رافق الاحتجاجَ للقراءات وتوجيهها منذ بدأت هذه القراءات على يد أئمتها الأُوَل، وقد تقدم احتجاج أبي عمرو بن العلاء لبعض أوجه قراءته التي سُئِلَ عنها، وقد كان الإمام الطبري رائدًا من رواد المفسرين في الاحتجاج للقراءات، وتوجيهها، معتمدًا في ذلك على علمه الغزير بالقراءات، والآثار، وتفسير السلف، واللغة وشعر العرب. وقد صنَّفَ كتابًا مُفردًا في القراءات وعللها والاحتجاج لها، ولكنَّه فُقِدَ ولم يصل إلينا، وقد اطلع عليه الأهوازي المقرئ (١) فقال في وصفه: «وله - أي الطبري- في القراءاتِ كتابٌ جليلٌ كبيرٌ رأيتهُ في ثَماني عشرةَ مُجلدة إِلا أَنَّه كان بِخطوطٍ كبارٍ، ذَكَرَ فيه جَميعَ القراءات من المشهورِ والشواذِّ وعَلَّلَ ذلكَ وشَرَحَهُ، واختار منها قراءة لم يَخرجْ بِها عن المشهور» (٢)، غير أن كتابه التفسير ظَلَّ متضمنًا لما يُحتاجُ إليه في التفسير من أوجه التعليل للقراءات وتوجيهها، وهي مواضع كثيرة. وأغلب مسائل النحو التي تعرض لها الطبري في تفسيره، جاءت عند مناقشته للقراءات القرآنية

стр. 776

وتوجيهها من حيثُ الإعراب، واستشهاده بشواهد النحو الشعرية في ذلك. (١) وكتابهُ في التفسير كتاب تفسيرٍ وتوجيهٍ وتعليلٍ واحتجاجٍ للقراءات. ثم جاء الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) فصنف تفسيره «الكشاف»، واستشهد فيه بشواهد الشعر على توجيه القراءات، لكنه لم يكثر من ذلك، واعتمد في توجيه القراءات على المتقدمين من أهل القراءات، وإن كان قد رَدَّ بعض القراءات المتواترة، لكنه مُقلِّدٌ في ذلك للنحويين المتقدمين كالفراء وغيره (٢)، وقد ذكر في تفسيره القراءات الشاذة، وذكر توجيهها، واستشهد لها بالشعر في مواضع متفرقة من تفسيره. (٣) وأما ابن عطية فهو من أكثر المفسرين عناية بالاستشهاد بالشعر لتوجيه معاني القراءات المختلفة في تفسيره، وقد انتفعَ بكتب العلماء الذين سبقوه إلى التصنيف في الاحتجاج للقراءات كأبي علي الفارسي، وابن جني، وابن خالويه، وبكتب التفسير التي عُنيت بذلك وأهمها تفسير الطبري، وقد ذكر ابن عطية من الكتب التي أخذها بالإجازة عن شيوخه كتاب أبي علي الفارسي «الحجة» وهو أَهمُّ كتبِ الاحتجاجِ للقراءات (٤)، غير أَنَّ لابن عطية من العلم باللغة والتفسير والقراءات ما جعله يوازن بين احتجاجات المتقدمين للقراءات، ويَختارُ من بينها ما أيَّده الدليل، مِمَّا يدل على شخصيةٍ علميةٍ متميزة، مِمَّا جَعَلَ بعض الدارسين يُفرِدُ جُهودَهُ في القراءات من خلال تفسيره بدراسةٍ مستقلةٍ. (٥)

стр. 777

وأما القرطبي فقد بلغت شواهد الشعر التي احتجَّ بِها لتوجيهِ القراءات وتصحيحها أربعمائة وثلاثين شاهدًا شعريًا (١)، معظمها منقولةٌ عن كتب التفسيرِ المتقدمةِ، وكتب النحو، والاحتجاج للقراءات، ولم يأت القرطبي بشواهد جديدة لم يسبق إليها في اللغة والنحو، غير أَنَّهُ أَحسنَ ترتيبها، والاستفادة منها، حتى غدا تفسيره مرجعًا شاملًا لتوجيه القراءات المتواترة والشاذة، مؤيدة بشواهد الشعر التي ذكرها المتقدمون في الاحتجاج لهذه القراءات. وفيما يأتي أمثلة لأثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات في كتب التفسير، واستعانة العلماء به في التوجيه اللغوي والنحوي لمعاني القراءات. أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات من حيث اللغة . المقصود بتوجيه القراءات من حيث اللغة بيان المعنى اللغوي لوجه القراءة، سواء كان هذا الاحتجاج لقراءة متواترة من السبع أو العشر، أو كان لقراءة شاذة مما زاد على هذه العشر، ولم تتوافر فيه شروط التواتر المحفوظة، ومن تلك الأمثلة: أولًا: أثر الشاهد الشعري في تصحيح القراءة المتواترة لغةً . ١ - قال الطبري عند توجيه القراءات في كلمة ﴿الْمَيْتَةَ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ (٢): «وأَمَّا ﴿الْمَيْتَةَ﴾ فإِنَّ القَرأةَ مُختلفةٌ في قراءتها، فقرأها بعضهم بالتخفيف (٣)، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنَّهُ يُخفِّفُها كما يُخفِّفُ القائلون: هُوَ هَيْنٌ لَيْنٌ، الهَيِّن اللَّيِّنُ،

стр. 778

كما قال الشاعر (١): ليس مَنْ ماتَ فاستراحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحياءِ (٢) فجمعَ بينَ اللُّغتينِ في بيتٍ واحدٍ، في معنى واحد. وقرأها بعضهم بالتشديد، وحَمَلوها على الأصل» (٣). ثم أبانَ الطبريُّ عن رأيه في هاتين القراءتين فقال: «والصوابُ من القول في ذلك عندي أَنَّ التخفيفَ والتشديدَ في ياء (الميتةِ) لغتان وقراءتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، فبأَيِّهما قرأَ ذلك القارئ فمصيبٌ؛ لأَنَّه لا اخْتلافَ في معنييهما». (٤) وهذا استشهاد لغوي بالشعر على صحة هاتين القراءتين في لغة العرب، ووجودها في كلامهم، فوق صحة سندها وكونها قراءة مروية. (٥) ثانيًا: بيان المعنى اللغوي للقراءة . من الاحتجاج للقراءات المتواترة من حيث اللغة بالشعر قول ابن عطية عند بيان أوجه القراءة في قوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة: ٥٧] (٦): «وقرأ جُمهورُ الناس: ﴿يَجْمَحُونَ﴾ (٧)، معناه: يُسرعونَ مُصمِّمينَ غيرَ مُنْثَنِيْن، ومنه قول مهلهل: لقدْ جَمَحْتُ جِمَاحًا في دِمائِهمُ ... حتى رأَيتُ ذَوي أَحسابِهِمْ خَمَدوا (٨)». (٩)

стр. 779

ومن هذا قيلَ للفَرَسِ المُسرِعِ إذا لم يَرُدَّهُ شيءٌ: جَمُوح، قال الأزهري: «فَرَسٌ جَموحٌ، له معنيان: أحدُهُما: يُوضعُ مَوضعَ العَيبِ، وذلك إذا كان مِنْ عادتهِ رُكوبُ الرأَسِ لا يَثنيه راكبُهُ، وهذا من الجِمَاحِ الذي يُرَدُّ منه بالعيبِ. والمعنى الثاني في الفَرَسِ الجَمُوحِ أَن يكونَ سريعًا نشيطًا مَرُوحًا، وليس بعيبٍ يُرَدُّ منه، ومصدره الجُمُوحُ». (١) وقد استشهد ابن عطية لبيان المعنى اللغوي لكلمة (يجمحون) في الآية بشاهد الشعر. ومن ذلك قول ابن عطية عند بيان القراءات المتواترة وغيرها في قوله تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾ [ص: ٦٣] (٢): «وقرأَ الباقونَ (٣) (سِخْرِيا) بكسرِ السِّينِ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وعيسى وابنِ مُحيصِنٍ، ومعناها المشهور من السُّخْرِ الذي هو الهُزْءُ. ومنه قول الشاعر (٤): إِنِّي أَتاني لِسانٌ لا أُسَرُّ بِها ... مِنْ عَلو لا كَذِبٌ فيها ولا سَخَرُ (٥)». (٦) فقد استشهد ابن عطية لبيان معنى قراءة الكسر التي قرأ بها عدد من السبعة، بأَنَّها من السُّخْرِ الذي هو الاستهزاء بالشاهد الشِّعْرِي، وذهب الزجاج إلى أَنَّ (سِخْريَّا) بكسرِ السين وضمِّها لغتان بِمعنى واحد (٧)، في

стр. 780

حين فَرَّقَ بينهما أبو عبيدة فقالَ: «مَن كَسَر (سِخْريَّا) جعلَهُ من الهُزْءِ، ويُسخَرُ بِهِ، ومَنْ ضَمَّ أَولَها جَعلَهُ من السُّخْرَةِ، يَتَسخَّرونَهُم ويَستذلونَهم». (١) واختار الفارسيُّ كسرَ السينِ؛ لأَنَّهُ أَوجهُ وهو بِمعنى الاستهزاء، والكسر فيه أكثر، وهو أليقُ بالآية. (٢) والشاهد الشعري لا يَحتملُ إِلَّا معنى الهُزْءِ، ولذلك استشهد به ابن عطية لبيان معنى هذه القراءة، وهو ما ذهب إليه المفسرون. (٣) ثالثًا: أثر الشاهد الشعري في بيان ما وافق لهجات العرب من القراءة . يدخل تَحتَ التوجيه اللغوي للقراءات التوجيه المتعلق باللهجات العربية، ومن ذلك قول ابن عطية عند بيان القراءات في قوله تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ [يس: ١٩] (٤): «وقرأ أبو عمرو في بعض ما رُوي عنهُ، وزِرُّ بنُ حُبيشٍ: "أَأَنْ ذُكِّرْتُمْ" (٥) بِهمزتين مَفتوحتين. وشاهدهُ قولُ الشاعر (٦): أَأَنْ كُنتَ ذا بُرْدَينِ أَحْوَى مُرجَّلا ... فلستَ بِراعٍ لابنِ عَمِّكَ مَحرَما (٧)». (٨) فالهمزة المفتوحة الأولى للاستفهام، والهمزة الثانيةُ هَمزةُ (أَنْ)

стр. 781

الناصبة، والتقدير: أَلِأَنْ ذُكِّرْتُم تَطَيَّرْتُم، فقبلَ (أَنْ) لامُ تعليلٍ مقدرة، فتطيَّرتُم هو المعلولُ، وأَنْ ذُكِّرتُم عِلَّتُه. (١) ومن ذلك أيضًا قول ابن عطية عند بيان أوجه القراءات في قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] (٢): «وقرأ حَمزةُ وحدَهُ (السَّيّئْ) بسكون الهمزة، وهو في الثانية برفع الهمزة كالجماعة. (٣) ولَحَّنَ هذه القراءةَ الزجاجُ (٤)، ووجَّهها أبو علي الفارسي بوجوهٍ منها أَنْ يكونَ أَسكنَ لِتَوالي الحركات، كما قال (٥): ........................... قلتُ صاحبْ قَوِّمِ (٦) على أَنَّ المُبَرِّد روى هذا: «قلتُ صاحِ» (٧). وكما قال امرؤ القيس: اليومَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إِثْمًا من اللهِ ولا واغِلِ (٨) على أنَّ المُبَرِّد قد رواه: «فاشرب». (٩) وكما قال جرير:

стр. 782

سِيْرو بَنِي العَمِّ فالأَهْوازُ مَنْزِلُكُمْ ... ونَهْرُ تِيْرَى ولَنْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ (١)». (٢) قال الزجاج تعقيبًا على قراءةِ حَمزةَ، واستشهادِ جَميعِ النحويين بالشاهدين الأولين على توجيهها: «وقرأَ حَمزةُ "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّئْ" على الوقف، وهذا عند النَّحويين الحُذَّاقِ لَحْنٌ، ولا يجوزُ، وإنما يجوز مثله في الشِّعر في الاضطرار .. » ثم ذكر الشاهدين، ثم قال: «وهذان البيتان قد أَنشدهُما جَميعُ النحويين المذكورين، وزعموا كلهم أَنَّ هذا من الاضطرار في الشعر ولا يجوز مثله في كتاب الله». (٣) ثم ذكرَ أَنَّ المُبَرِّدَ قد أنشدهما إياه على غير هذا الوجه كما ذكر ابن عطية. وهذه إشارةٌ من الزَّجاجِ إِلى أَنَّ للشعر خصوصيةٌ في الكلام، لا يُقاسُ عليه القرآن، ولا يحمل عليه، وقد تقدَّم تفصيل ذلك في مبحث سابق في الرسالة (٤)، وعُدَّ هذا من عيوب الشاهد الشعري المُضْعِفةِ للاستشهاد به. مع أن من العلماء من رد هذا التفريق بين لغة الشعر وغيرها من كلام العرب فقال: «كُلُّ ما يَجوزُ في الشعرِ فهو جائزٌ في الكلامِ؛ لأَنَّ الشعرَ أَصلُ كلام العربِ، فكيف نتحكَّمُ في كلامِها، ونَجعلُ الشعرَ خارجًا عنه؟ ! ». (٥) أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات الشاذة من حيث اللغة . القراءات الشاذة هي كل قراءة فقدت ركنًا أو أكثر من أركان القراءة المقبولة، وهي ما زاد على الطرق الصحيحة التي وردت في كتاب «السبعة» لابن مجاهد، و «التيسير» للداني، و «النشر» لابن الجزري (٦).

стр. 783

وحفظت بعد ذلك في «الشاطبية» و «الطيبة»، ولو كانت طريقًا عن أحد القراء العشرة ما دامت لم تتواتر فتعد شاذة. وأغلب التوجيهات اللغوية للقراءات الشاذة التي استشهد لها المفسرون بالشعر من باب بيان اللغات التي رويت للقبائل موافقة للقراءة الشاذة، ومن أمثلة ذلك: ١ - قول ابن عطية عند بيانه للقراءة الواردة في لفظة ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ من قوله تعالى: ﴿﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١] (١): «وقرأَ يَحيى بن يَعْمَر (ولوُلْدِي) بضمِّ الواوِ وسُكونِ اللام. (٢) والوُلْدُ لُغَةٌ في الوَلَدِ، ومنه قول ... الشاعر (٣) - أنشده أبو علي وغيرُه: فليتَ زِيادًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ... وليتَ زِيادًا كانَ وُلْدَ حِمارِ (٤)». (٥) وقراءةُ يَحيى بن يَعْمَر هذه إحدى ثلاث روايات عنه، وهي من القراءات الشاذة، وقد وجَّهها أبو عليٍّ الفارسي وابنُ جِنِّي كما ذكر ابن عطية، واستشهدوا على توجيههم بالشاهد الشعريِّ المُتقَدِّم، على أَنَّ الوُلْدَ يُطلَقُ على الواحدِ والجَمعِ، وما ورد في الشاهد الشعريِّ مِنْ باب إطلاقهِ على الواحدِ. (٦) قال الزجاج: «الوَلَدُ والوُلْدُ واحِدٌ، مِثْلُ العَرَبِ والعُرْبِ، والعَجَمُ والعُجْمُ، ونحو ذلك. (٧) وقَبيلةُ قَيسٍ تَجعلُ الوُلْدَ بِضمِّ الواو للجَمْعِ، والوَلَدَ بفتحها للواحد. (٨)

стр. 784

٢ - وقول القرطبي عند بيانه للقراءات في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] (١): «وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ بضمِّ الياءِ وفتحِ الميم وضمِّ الشينِ المُشددةِ - يُمَشُّونَ - وهي بِمعنى: يَمْشون، قال الشاعر (٢): وَمَشَّى بأَعْطانِ المَباءَةِ وابتَغَى ... قلائِصَ منها صَعْبَةٌ ورَكوبُ (٣) وقال كعب بن زهير: منهُ تَظَلُّ سِباعُ الجَوِّ ضامِزَةً ... ولا تَمشَّى بِوادِيهِ الأَراجِيلُ (٤) بِمَعنى: تَمْشي». (٥) أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات من حيث الإعراب . بَيانُ الوجهِ النحويِّ للقراءةِ مِمَّا يُعنَى به المفسرون والمُحتجون للقراءات؛ لتأثيره في المعنى، وتغيُّرِ المعنى تَبَعًا له. وقد فتحَ سيبويه هذا البابَ للنحويين والمفسرين مِنْ بعدهِ، فقام بتوجيه عددٍ من القراءات في كتابه، واستشهد على ذلك بشواهد الشعر، فكان من أَوَّلِ مَن دوَّنَ القواعدَ النحوية، وأخضع لها آيات القرآن الكريم، مِمَّا فتح الباب لِمَنْ بعدهُ لتخطئةِ القُرَّاء والطعن في القراءات لمخالفتها لقواعد النحو وأقيسته. (٦) وقد كان الأخفش أول من فعل ذلك، ثم تلاه الفراء والطبري ومن بعدهم. وقد كانت الشواهد الشعرية حجة لهؤلاء النحويين تؤيد ما اختاروه من أوجهٍ إعرابيةٍ.

стр. 785

أولًا: أثر الشاهد الشعري في بيان الوجه الإعرابي للقراءة المتواترة . صحة إسناد القراءة المتواترة يغني عند العلماء عن طلب دليل آخر لقبولها، غير أن العلماء قد احتجوا لهذه القراءات من حيث اللغة والإعراب، لتأكيد صحتها، وكونها موافقة للغة العرب المحفوظة عنهم. ومن الأمثلة على الإفادة من الشاهد الشعري في توجيه القراءات المتواترة من حيث الإعراب: ١ - قال الطبري قوله عند بيان توجيه قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾ [الأنفال: ٥٩] (١) بكسرِ هَمزة «إِنَّهم» (٢): «للذي قرأ ذلك من القَرَأَةِ وجهانِ في كلام العرب، وإِنْ كانا بَعيدينِ مِن فصيحِ كلامِهم: - أحدُهُما: أن يكونَ أُريد بهِ ولا يَحسبَنَّ الذين كفروا أَنْ سَبَقو، أو أَنَّهمْ سَبَقوا، ثُمَّ حذف «أَنْ»، و «أَنَّهم»، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] (٣) بمعنى: أَنْ يُريكُمُ، وقد يُنشَدُ في نَحو ذلكَ بيتٌ لذي الرُّمَّةِ: أَظنَّ ابنُ طُرثُوثٍ عُتَيبَةُ ذاهِبًا ... بِعادِيَّتِي تَكْذابُهُ وَجَعائِلُه (٤) بِمَعنى: أَظنَّ ابنُ طُرْثُوثٍ أَنْ يذهبَ بِعادِيَّتِي تَكذَابهُ وجَعائِلُهُ؟ وكذلك قِراءةُ مَنْ قرأَ ذلك بالياء، يُوجِّهُ ﴿سَبَقُوا﴾ إلى (سابقين) على هذا المعنى. - والوجه الثاني: على أَنَّه أَراد إضمار منصوبٍ بـ «يحسب»، كأَنَّه قال: ولا يَحسبِ الذين كفروا أَنَّهم سَبَقُوا، ثُمَّ حذفَ «أَنَّهم» وأَضمر». (٥)

стр. 786

وقد اختار الطبري الوجه الذي يراه في هذه الآية فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: "ولا تَحْسَبَنَّ" بالتاء ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٩] بكسرِ الأَلف من ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ بمعنى: لا تَحسبنَّ أنتَ يا مُحمَّدُ الذين جَحَدوا حُجَجَ اللهِ، وكذَّبوا بِها سَبَقونا بأَنفسِهم ففاتُونا، إِنَّهم لا يُعجزوننا، أَي: يفوتوننا بأَنفسِهم، ولا يقدرونَ على الهَرَبِ مِنا». (١) ٢ - وقال ابن عطية عندَ بَيانِ القراءات في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] (٢): «وقرأَ جُمهورُ السَّبعةِ: ﴿يَجْمَعُكُمْ﴾ بضمِّ العينِ، وقرأَ أبو عَمروٍ بسُكُونِها (٣)، ورُويَ عنهُ أَنَّهُ أَشَمَّها الضمّ (٤)، وهذا على جواز تسكين الحركة وإن كانت لإعرابٍ، كما قال جريرُ: ........................ ولا تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ (٥)». (٦) وهذا استشهاد لقراءة أبي عمرو بتسكين العين من ﴿يَجْمَعْكُمْ﴾ كما أسكن جرير الفاء من قوله: تَعْرِفْكُمُ، مع كون هذه الحركة لإعراب الفعل المضارع.

стр. 787

٣ - وقال ابن عطية عند بيان أوجه القراءة لقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ٦٦] (١): «ووجهُ قراءةِ نافعٍ، وأبي عمروٍ (٢) أحدُ أمرين: يَجوزُ أن تكونَ «ها» التي للتنبيه دخلت على «أَنتم»، ويكون التنبيه داخلًا على الجُملةِ، كما دخل على قولهم: «هَلُمَّ» وكما دخلت «يا» التي للتنبيه في قوله: ﴿﴾ (٣)، وفي قول الشاعر: (٤) يا قاتلَ اللهُ صِبيانًا تَجيءُ بِهِمْ ... أُمُّ الهُنيدةِ مِنْ زَندٍ لَها وارِي (٥) وقول الآخر (٦): يا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كُلِّهمُ ... والصالحينَ على سَمْعانَ مِنْ جارِ (٧)». (٨) فاستعان بالشعر لبيان الوجه الإعرابي لهذه القراءة التي قرأ بها نافع وأبو عمرو رحمهما الله. أثر الشاهد الشعري في بيان الوجه الإعرابي للقراءة الشاذة . ١ - قال ابن عطية عند توجيه قراءة أبي بن كعب لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] (٩): «وقراءةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ فيما حكاهُ الكسائيُّ (أَو يُسْلِموا) (١٠)،

стр. 788

بِنَصْبِ الفِعْلِ، على تقدير: أَو يكونَ أَنْ يُسْلِموا، ومثلهُ من الشِّعرِ قولُ امرئ القيس: فقلتُ لَهُ: لا تَبْكِ عيناكَ إِنَّما ... نُحاولُ مُلْكًا أَو نَموتَ فَنُعْذرا (١) يُروى: نَموتَ بالنَّصبِ، ونَموتُ بالرفع. فالنصب على تقدير: أو يكونَ أَنْ نَموتَ، والرفعُ على القطعِ (٢)، أو نَحنُ نَموتُ». (٣) وقراءةُ الجمهور ﴿أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] بإثبات النون رفعًا، عطف على قوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الاستئناف، على تقدير: أو هم يُسْلِمُون. (٤) وأَمّا قراءةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ، وهي من القراءاتِ الشاذة، فللنحويين في توجيه النَّصبِ قولان: الأول: للبصريين على تقدير «أَنْ»، كما ذكرَ ابنُ عطيةَ، والشاهد الشعري الذي أورده يدل على هذا التوجيه، ولذلك استشهد به البصريون. (٥) الثاني: للكسائي والجرمي والفراء على تقدير: حتى يُسْلِمُوا. (٦) ٢ - ومن الأمثلة أيضًا على الاستشهاد بالشعر لتوجيه القراءات الشاذة قولُ ابن عطية عند بيانه لأوجه القراءة في قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ

стр. 789

عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] (١): «وقرأَ ابنُ جَمَّاز (٢) (الآخِرةِ) بالخفض على تقدير المضاف. ويُنَظَّر ذلكَ لقول الشاعر (٣): أَكُلَّ امرئٍ تَحسبينَ امرءًا ... ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا (٤) على تقدير: وكُلَّ نارٍ». (٥) وقراءة ابن جَمَّازٍ من القراءات الشاذة، قال ابن جني في توجيهها: «ووجهُ جواز ذلك على عزته وقلة نظيره أنه لما قال: تريدون عرض الدنيا، فجرى ذكر العرض، فصار كأنه أعاده ثانيًا». (٦) أي كأنه قال: والله يريد عرض الآخرة. وابن عطية يعتمد في توجيه القراءات الشاذة على كتاب «المُحتسب» لأبي الفتح بن جِنِّي، وينقل عنهُ شواهدَ الشِّعْرِ التي يستشهدُ بِها في توجيهه للقراءات. بل إنه ليقدم ابن جني على غيره، فقد قدمه على أبي عمرو الداني في موضع خلاف في توجيه آية، وقال: «وأبو الفتح أثبت». (٧) مما جعل أبو حيان يرد ذلك بقوله: «وهذا الذي قاله من أن أبا الفتح أثبت كلامًا لا يصح، إذ رتبة أبي عمرو الداني في القراءات ومعرفتها وضبط رواياتها واختصاصه بذلك بالمكان الذي لا يدانيه أحد من أئمة القراءات فضلًا عن النحاة، هذا مع الديانة الزائدة، والتثبت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من العربية». (٨) ومن ذلك قول ابن عطية عند بيان القراءات في قوله تعالى: ﴿لَوْ

стр. 790

يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ [التوبة: ٥٧] (١): «وقرأَ أُبَيُّ بنُ كعبٍ: «مُنْدَخَلًا». قال أبو الفتح: هذا كقول الشاعر (٢): .......................... ... ولا يَدِي في حَميتِ السَّمْنِ تَنْدَخِلُ (٣)». (٤) فقد أورد ابن عطية استشهاد ابن جني لتوجيه هذه القراءة الشاذة ببيت الكميت بن زيد، مع حكمه على هذه الصيغة بالشذوذ، حيث قال ابن جني تعليقًا على هذه القراءة: «ومُنْفَعِلٌ في هذا شاذٌّ؛ لأن ثلاثيه غير متعدٍّ عندنا». (٥) ونقل عنه في مواضع أخرى متفرقة. (٦) هذه بعض الأمثلة على استشهاد المفسرين بالشعر في توجيههم للقراءات القرآنية بنوعيها المتواترة وغير المتواترة، واعتمادهم في تخريجهم لتلك الوجوه على الشاهد الشعري اعتمادًا كبيرًا، حتى استوعبت كتبُ التفسير ما صُنِّفَ من كتبِ الاحتجاج للقراءات قبلها مع شواهدها الشعرية، كما صنعَ الطبَريُّ وابنُ عطيةَ والقرطبيُ. وقد عاب الزجاجُ وغيره الاعتمادَ على شواذ الشواهدِ الشعرية في توجيه القراءات القرآنيةِ، وصرَّح أبو حيان بأَنَّه يَجبُ حَملُ إعرابِ القرآن وقراءاتهِ على الصحيح من شواهد اللغةِ دون شاذها، فقال: «ينبغي أَن يُحملَ - كتابُ الله - على أحسنِ إعرابٍ، وأحسنِ تركيبٍ؛ إذ كلام الله تعالى أفصح الكلام، فلا يَجوزُ فيه جَميعُ ما يُجوِّزهُ النحاة في شعرِ

стр. 791

الشَّمَّاخِ والطِّرِمَّاحِ وغيرهِما من سلوك التقاديرِ البعيدةِ، والتراكيبِ القلقةِ، والمَجازاتِ المعقَّدةِ». (١) وقال في موضعٍ آخر مؤكدًا على هذا المنهج في إعراب آيات القرآن وتوجيهها: «وقد ركبوا - أي المفسرون والنحويون- وجوهًا من الإعراب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] (٢)، والذي نَختارهُ منها أَنَّ قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جُملةٌ مستقلةٌ من مبتدأ وخَبَرٍ؛ لأنه متى أمكنَ حَمْلُ الكلام على غير إضمارٍ ولا افتقارٍ، كان أولى أن يسلك به الإضمار والافتقار. وهكذا عادتُنا في إعراب القرآن، لا نَسلُكُ فيه إِلَّا الحَمْلَ على أحسنِ الوجوه، وأبعدِها من التكلُّفِ، وأسوغِها في لسان العرب، ولسنا كمَن جَعلَ كتاب الله تعالى كشعرِ امرئ القيس، وشعرِ الأعشى، يَحمِلُهُ على جَميعِ ما يَحتملُهُ اللفظُ من وجوهِ الاحتمالات، فكما أَنَّ كلامَ الله من أفصح الكلام، فكذلك ينبغي إعرابهُ على أفصح الوجوه». (٣) ولذا ينبغي أن يتنبه عند الاستشهاد بالشعرِ في توجيهِ القراءات أو تفسير القرآن إلى أمرين: الأول: معرفة قيمة هذه الشواهد عند أهل الاختصاص وهم أَهلُ روايةِ الشِّعرِ والشواهد من الأئمة المتقدمين، وعدمُ الركونِ إلى شواهدِ الشعرِ التي لم تُعْرَف إِلَّا عن المتأخرين دونَ نسبتها وعَزوها للأئمة الثقات كأبي عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه وأمثالهم. الثاني: كيفية استشهاد أولئك العلماء بهذه الشواهد، فإِنَّ للقرآن عُرْفًا خاصًا لا يَصحُّ أن يُحملَ على شواهد الشعرِ في أحيان كثيرة، وإِنْ بدا ذلك للناظر المتعجِّل، ولذلك قال ابن القيم: «لا يَجوزُ أَنْ يُحملَ كلامُ الله ويُفسَّر بِمُجردِ الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يَحتملُه تركيبُ الكلام، ويكون الكلامُ به له معنىً ما، فإنَّ هذا المقام غَلِطَ فيه

стр. 792

أكثرُ المُعربِيْن للقرآن، فإِنَّهم يفسرون الآية ويعربونها بِما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويُفهَمُ من ذلك التركيب أَيُّ معنىً اتفقَ، وهذا غلطٌ عظيمٌ يقطعُ السامعُ بأَنَّ مُرادَ القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيبُ هذا المعنى في سِياقٍ آخرَ وكلام آخر، فإِنَّه لا يَلزمُ أن يحتمله القرآن». (١) وهذا لأن للقرآن الكريم عُرْفٌ خاصُّ، ومعانٍ معهودة، لا يناسبه تفسيره بغيرها. ولذلك فإن الشاهد الشعري مع أهميته في توجيه القراءات من حيث اللغة والإعراب إلا أنه ينبغي ألا يكون مهيمنًا عليها بحيث ترد القراءة الصحيحة لمخالفتها له في رأي بعض النحويين، وإنما يستشهد بالشاهد الشعري في موضعه المناسب دون إفراطٍ، كما صنع المفسرون في جُلِّ مواضعِ احتجاجهم بالشعر. * * *

стр. 793

المبحث الثالث: أثر الشاهد الشعري في الجانب العَقَديِّ عند المفسرين . تقدم الكلامُ عن نشأة الاستشهاد بالشعر في تفسير القرآن الكريم، وأَنَّ أَولَّ من فَتَقَ هذا المنهج حتى سار فيه تلاميذهُ مِن بعده هو حَبْرُ الأمة عبد الله بن عباس ﵄، ثم توالى تلاميذه من بعده على هذا المنهج، مع تفاوتهم في ذلك بحسب تفاوت حظوظهم من المعرفة بشعر العرب وشواهده. وقد أخذ أهل السنة هذا المنهج باعتدالٍ، واستشهد المفسرون منهم كالطبري بالشعر في تفسيرهم للقرآن باعتدالٍ متى دعت الحاجة إلى ذلك. غير أن طوائف من أهل البدع قد بالغوا في التعويل على التفسير باللغة، والاعتماد على شواهد الشعر في فهم القرآن الكريم مبالغةً أغفلوا بسببها ما روي عن السلف من الصحابة والتابعين من التفاسير التي هم أعلم بها، والمصير إليها أولى من الاعتماد على مجرد اللغة وشواهدها من الشعر. وقد تقدم ذكر منهج أبي عبيدة في «مجاز القرآن»، ومؤاخذةِ العلماء له في بعض ما ذهب إليه من تفسير لبعض الآيات، مع استقامة منهجه في الاستشهادِ من حيثُ الجملةُ، وأبو عبيدة كان مِمَّن يرى رأيَ الخوارج (١)، في رأيهم دون فعلهم والخروج والثورة على الحكام، فكان لهذا المعتقد دور في تعويله على الشعر، ومبالغته في الاستشهاد به، كما

стр. 794

ظهر من منهج الخوارج بدءًا من نافع بن الأزرق كما تقدم في أسئلته لابن عباس، وإصراره على أن يكون مع كل جواب شاهد من الشعر، وانتهاء بما سار عليه الخوارج بعد ذلك في كتبهم ومصنفاتهم. ومِمَّا يُستأَنسُ به في ذلك أَنَّ الإباضية (١)، وهي فرقة من فرق الخوارج كانوا يَحرِصُونَ على التفسير اللغوي، ولو تعارض مع تفاسير السلف، ويُعوِّلونَ على شواهدِ الشعر في تفاسيرهم، ولهم عنايةٌ شديدةٌ بذلك. وقد حُفِظَت رسالةٌ كتبها بعضُ الإباضية إلى عبد الله بن أحمدَ التميميِّ (٢)، أحدِ قضاة المالكية في دولة الأغالبة، يسألونه فيها عن آيات من القرآن الكريم، ويطلبون منه فيها «أن يكونَ الاحتجاجُ والدليلُ، في جواب مسائلهم من اللغة العربية، ومن أشعارِ العَرَبِ الأوائلِ الجِيادِ المعروفة المُسْتَشهدةِ، لا مِنْ غيرِ ذلك». (٣) وذكروا في رسالتهم أنهم لا يريدون أن يكون الجواب «من استشهاد القرآن بعضهِ على بعضٍ، وأَنَّهم مُكتفونَ بِما عندهم مِن إسلامهم ومشايخِهم وأَنَّهم أرادوا ما أَعجَزَهم، وإِنَّما أَرادوا خارجَ الجوابات ودلائِلَها من اللغة العربية، وأَشعارِ العرب المتقدمةِ، ولأَنَّهم قد بَلغهم في الروايات أَنَّ عبد الله بن العباس رحمةُ الله عليه، قال: «إذا أشكلَ عليكمْ شيءٌ من القرآن فاطلبوهُ في أَشعارِ العربِ» (٤)، واحتجوا في طلبهم التفسير باللغة بقول الله : ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥] (٥) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ

стр. 795

لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]﴾ (١) وبقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] (٢)». (٣) وقالوا: «ونحن نريد أن نستفيده من حيث ذكر الله سبحانه، ولا نريد الجواب فيه إِلَّا من اللغةِ والشِّعرِ القديمِ العربي». (٤) وقد أحالَ القاضي هذه الأسئلةَ إلى الناصر لدين اللهِ أحمد بن يحيى بن الإمام الهادي (٥) للجواب عليها كما اشترط الإباضية، فأجابه لذلك وقال في صدر جوابه: «اعلم يا أبا مُحمَّد - حفظك الله - أَنَّ هؤلاء القوم إِنَّما أرادوا بذلك تعنيتَنا، وأَنْ يَدْرُوا ما عندنا من المعرفةِ باللغةِ» ثُمَّ ذكر اختياره في تفسير القرآن، والصواب في منهج التفسير فقال: «والذي نذهبُ إليه، ونُحبُّهُ في التفسير في أَنْ تكونَ الحجةُ مِنَّا في التفسير بشواهدَ من كتابِ الله ، على كتاب الله، ولا بُدَّ مع ذلك من الاستشهادِ باللغةِ والشعرِ، ونحن بحول الله وقوته نُجيبُك في ذلك بجوابِ ما سألوا من اللغةِ والشعرِ، نتوخَّى فيه صوابًا، ونرجو من الله سدادًا، ولا بد لنا في ذلك من شواهدِ الكتاب مِمَّا لا بُدَّ منه، ولا يُستَغنى عنه مِمَّا يُبَيّنُ الله سبحانه به الحقَّ، ويُزهقُ به الباطلَ، ويُرغمُ به أنفَ المخالفينِ بحوله وقوته». (٦) ثم أخذ يجيب عن أسئلتهم، ويستشهد لأجوبته بشواهد الشعر، حتى استشهد بأربعةٍ وستينَ شاهدًا من الشعر على أجوبته، ومن أمثلة تلك الأسئلة:

стр. 796

- سألوا عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] (١) وقالوا: «فما عليهم والملك قد صار وراءهم ونجوا منه، وإنما كان الخوف يقع عليهم، لو كان الملك قدامهم؟ ». فقال في جوابهم: «هذا من أضداد الكلام الجائز في لغة العرب، وذلك أن العرب تسمي القدام وراء، ومن ذلك قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] (٢) يقول: بين يديه، ولو كان العذاب وراءهم كما ظننت، لكانوا قد سلموا منه، والعرب تكلم بهذا فتكثر، قال لبيد بن ربيعة الكلابي: أَلَيسَ وَرائي إِن تَراخَت مَنِيَّتي ... لُزومُ العَصا تُحنى عَلَيها الأَصابِعُ (٣) يريد: أليس بين يَديَّ الهَرَمُ والضَعْفُ والكِبَرُ، فصَيَّرَهُ وراءَه وهو بينَ يديه». (٤) وقال ابن الأنباري: «وراء من الأضداد، يقال للرجل: وراءك، أي خلفك، ووراءك أي أمامك» (٥). والرسالةُ تسير على هذا المنوال حتى آخرها، وفيها شَبَهٌ بأسئلةِ نافعِ بن الأزرق لابن عباس. وهناك طائفة أخرى من الطوائف الإسلامية كان لها عناية شديدة بشواهد الشعر، ولا سيما في تفسيرها للقرآن الكريم، ومناظراتها مع خصومها، وهي طائفة المعتزلة (٦)، وعلى رأسهم مؤسس المذهب وهو واصل بن عطاء (٧)، ومن أبرز من ظهر اهتمامه بحفظ شواهد الشعر

стр. 797

للاستشهاد بها في التفسير والمناظرة أبو الهذيل العلاف المعتزلي شيخ إبراهيم النَّظَّام (١) وغيره من رؤوس المعتزلة. (٢) وقد ذكر من رآه أنه من أوسع الناس معرفة بشعر العرب، وقدرة على استحضاره وقت طلبه، قال المبرد: «ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أَحسَنَ مُناظرةً، شهدتهُ في مَجلسٍ وقد استشهدَ في جُملةِ كلامهِ بِثلاثِمائةِ بيتٍ». (٣) وقال ثُمامةُ بنُ أَشرس (٤): «وصفتُ أَبا الهُذيلِ للمأَمونِ، فلمَّا دَخَلَ عليهِ، جَعلَ المأمونُ يقولُ: يا أَبا مَعْن - كُنْيَةُ ثُمامة -، وأبو الهذيل يقولُ: يا ثُمامةُ، فكدتُ أَتَّقدِ غَيظًا، فلمَّا احتفلَ المَجلسُ، استشهدَ في عرضِ كلامهِ بسبعمائةِ بيتٍ، فقلتُ: إِن شئتَ فَكَنِّنِي، وإِن شئتَ فَسَمِّنِي». (٥) وهذا كُلُّه إِنَّما هو من ثَمرةِ اشتغال أبي الهذيل بالمناظرات،

стр. 798

والتفكر في المسائل وأجوبتها، والحرص على حفظ الشواهد من شعر العرب، والاختيار منها، وهو دليل على أَنَّ الثقافةَ الأدبية العميقةَ كانت من أَهمِّ أركان ثقافة المتكلمين وعلومهم، وقد ظهر أثر ذلك في كثرة أقاويلهم في تفسير القرآن الكريم، وحَملِهم آياته على غير معانيها، ودونت في كتب التفسير كثير من تأويلات المعتزلة والشيعة والخوارج لآيات القرآن الكريم المخالفة لما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وفي أحيانٍ كثيرة اعتمدَ هؤلاءِ على شواهدِ الشِّعرِ التي يؤيدون بِها مذاهبَهُم وتفسيراتِهم، ومن تفاسيرهم كتاب الكشاف للزمخشري المعتزلي. وقد كانت شواهد الشعرِ حُجَجًا في أبواب العقيدة من حيث اللغة منذ عهد الرواة الأوائل من التابعين وأتباعهم، فقد جاء عمرو بن عبيد المتكلم المعتزلي إلى أبي عمرو بن العلاء، فقال: يا أبا عمرو، أخلف الله وعده؟ قال: لا، قال: أفرأيت من وعده الله على عمله عقابًا يخلف وعده فيه؟ فقال أبو عمرو: أمن العجمة أتيت أبا عثمان؟ إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد عارًا ولا خلفًا، والله عَزَّوَجَلَّ، إذا وعد وفى، وإذا أوعد ثم لم يفعل كان ذلك كرمًا منه وتفضلًا، وإنما الخلف أن تعد خيرًا ثم لا تفعله، قال: وأجد هذا في كلام العرب؟ قال: نعم، أما سمعت قول عامر بن الطفيل: ولا يَرهبُ ابنُ العَمِّ مَا عِشتُ صَولَتي ... ولا أَخْتَفِي مِنْ صَولَةِ المُتَهَدِّدِ وإِنِّي وإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَو وَعدتُهُ ... لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوعِدي (١) وتكلَّمَ في هذه الآية: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] (٢) قال: فكيف خرج القول من الفريقين بلفظٍ واحدٍ، وهو وَعدٌ؟ فقال: لأَنَّ

стр. 799

العربَ تقول: وعدتهُ خيرًا ووعدته شرًا، فلو أسقطوا الخير والشر، قيل في الخير: وعدتُ، وفي الشر: أوعدت. (١) فبَيَّن له الفَرقَ بين الوعدِ والوعيدِ، وأَنَّ الوفاء بالوعد مَكرمةٌ، وأَنَّ الذي يفي بوعدهِ يُقالَ له: وَفَى، أَمَّا الذي لا يَوقعُ بوعيدهِ فيقال: إِنَّه عفا، وشتَّان بينهما. وأَمَّا في كتب التفسير، فقد وردت مسائلُ متفرقةٌ من مسائل العقيدةِ التي وقَعَ الخلافُ فيها بَيْنَ أهلِ السنَّةِ وغَيْرِهم، وذلك في آيات القرآن التي تتناول صفات الله بصفةٍ خاصةٍ، وغيرها من الآيات، استشهد فيها المخالفونَ بشواهدَ من الشعرِ كانت هي حجتُهُم فيما ذهبوا إليه من أقوال. وهي أمثلة قليلة، ليس لها كبير تأثير في التفسير، ومن هذه الأمثلة: ١ - استواء الله على عرشه: وصفَ الله في كتابه الكريم نَفسَهُ بأَنَّه مستوٍ على عَرشهِ في سبع آياتٍ صريحة، هي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٢) في ست آيات [الأعراف: ٥٤، يونس ٣، الرعد ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة ٤، الحديد ٤] وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] (٣)، وفي هذه الآيات الكريمات إثباتُ صفةِ استواء الله - تعالى - على عرشه. ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ أخذ بيده، فقال: «يا أبا هريرة! إِنَّ اللهَ خَلَقَ السماواتِ والأرضين وما بينهما في ستةِ أَيامٍ ثُمَّ استوى على العَرشِ». (٤) وحديث قتادة بن النعمان ﵁؛ قال: سَمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنْ خلقهِ؛ استوى

стр. 800

على عرشه». (١) وقد دلَّ على هذه الصفةِ «نصوص الكتاب، والسنَّةِ، وإجْماعُ سلفِ الأمة، وأئمةِ السنة، بل على ذلك جَميعُ المؤمنين الأولين والآخرين». (٢) وذلك لأن «الآثار عن النبيِّ ﷺ ، وأصحابه، وسائر علماء الأمة متواترة عندَ مَن تتبعها، قَد جَمعَ العلماءُ فيها مصنفاتٍ صغارًا، وكبارًا» (٣) فأدلة ثبوت صفتي الاستواء على العرش، والعلو كثيرة، وهي من أبلغ المتواترات اللفظية، والمعنوية. (٤) وهي من الصفات السَّمعيةِ الفعلية المعلومةِ بالخَبَرِ (٥)، وهذا قول أئمة أهل الحديث والسنة. (٦) غير أَنَّ المخالفين لأهل السنة قد نفوا صفة الاستواء، وتأولوها بالاستيلاء، واستشهدوا على هذا التأويل بقول الشاعر: قد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ وهذا الشاهد شاهد مُفْرَدٌ اختُلِفَ في نسبته، فنُسِبَ للبُعيث المُجاشعيِّ، ونُسب للأخطلِ وكلاهُما مِن شعراء بني أمية. (٧) على أَنَّ بعض كبار اللغويين قد أَنكرَ هذا البيتَ، ومِمَّنْ ردَّهُ الإمامُ الخطَّابيُّ بقوله: «وزعم بعضهم أَنَّ الاستواءَ ها هُنا بِمعنى الاستيلاء، ونَزَعَ فيهِ ببيتٍ مَجهولٍ، لم يقلهُ شاعرٌ معروفٌ يصحُّ الاحتجاجُ بقولهِ». (٨) وقد

стр. 801

سُئِلَ ابن الأعرابي: هل يصحُّ أن يكون استوى بِمعنى استولى؟ فقال: لا تعرفُ العرب ذلك. (١) وأنكرهُ الخليلُ بنُ أَحْمد، وأبو العباس ثعلب، ونفطويه، وغيرهم. (٢) وقد أشار ابن القيم إلى أَنَّهُ مع التسليم بصحة هذا البيت فصوابُ إنشاده: ..................... ... بِشْرٌ قد استولى على العِراقِ ولم يذكر الدليل على هذا، غير أَنَّهُ في هذا يَسيرُ على منهج شيخ الإسلام ابن تيمية في رده لهذا البيت، حيث قال: «ولم يُثْبِت نَقلٌ صحيحٌ أَنَّه شعرٌ عربي، وكان غيرُ واحد من أئمة اللغةِ أَنكروه، وقالوا: إِنَّهُ بيت مصنوعٌ لا يُعرفُ في اللغة، وقد عُلِمَ أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده؟ وقد طعن فيه أئمة اللغة، وذُكِرَ عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه الإفصاح قال: سُئِل الخليلُ: هل وجدت في اللغة استوى بِمَعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفهُ العربُ، ولا هو جائزٌ في لغتها. وهو إمام في اللغة على ما عُرِفَ مِن حالهِ، فحينئذٍ حَملهُ على ما لا يُعرَفُ حَملٌ باطلٌ». (٣) والمفسرون في كتب التفسير قد اختلفت أقوالهم في تفسير هذه الآياتِ، بِحَسبِ عقائِدِهِم، فأَهلُ السنة يُثبتون هذه الصفةَ وغَيْرَها لله دونَ تكييفٍ لها ولا تعطيلٍ، ولا تَمثيلٍ ولا تشبيهٍ بِخلقهِ، في حين يفرُّ غيرُهم من إِثباتِ هذه الصفات ظنًا وتوهمًا أَنَّ في إثباتها تنقصًا لله ، وتشبيهًا له بخلقه. وقد فَصَّلَ الإمام الطبري القولَ في هذه الصفةِ فقال عند تفسيره

стр. 802

لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩] (١): «الاستواءُ في كلام العرب مُنصِرفٌ على وُجوهٍ: - منها انتهاءُ شبابِ الرجلِ وقُوَّتِه، فيقالُ إذا صار كذلكَ: قد استوى الرجلُ. - ومنها استقامةُ ما كان فيهِ أَوَدٌ من الأُمورِ والأسبابِ. يقالُ منهُ: استوى لِفلانٍ أمرُه إذا استقامَ لَه بعدَ أَوَدٍ، ومنه قول الطرماح بن حكيم: طالَ عَلى رَسْمِ مَهْدَدٍ أَبَدُهْ ... وعَفا واسْتَوى بهِ بَلَدُهْ (٢) يعني: استقامَ به. - ومنها الإقبالُ على الشيءِ بالفعلِ، كما يقالُ: استوى فلانٌ على فلانٍ بِما يكرههُ ويَسوءُهُ بعدَ الإحسان إليهِ. - ومنها الاستيلاءُ والاحتواءُ، كقولهم: استوى فلانٌ على المملكةِ، بِمعنى: احتوَى عليها وحازَها. - ومنها العُلوُّ والارتفاعُ، كقول القائل: استوَى فُلانٌ على سَريرهِ. يعني به عُلُوَّهُ عليه». (٣) ثم بعد أن ذكر الطبري معاني الاستواء في لغة العربِ، اختارَ منها قولًا مناسبًا لسياق الآيات، فقال: «وأَولى المعاني بقولِ الله جلَّ ثناؤهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ عَلا عليهنَّ وارتفعَ فدبَّرهنَّ بقدرتهِ، وخَلقَهنَّ سبعَ سَماواتٍ». (٤)

стр. 803

ونظرًا لما أثارته هذه الآية ونظائرُها مِنْ خِلافٍ حولَ تفسيرها، أشار الطبريُّ إلى رأي المخالفين لأهلِ السنَّة من المعتزلة وغيرهم فقال: «والعَجَبُ مِمَّنْ أَنكرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ في تأويل قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] الذي هو بِمعنى العُلوِّ والارتفاعِ هَربًا عند نفسهِ مِنْ أَنْ يَلزمَهُ بزعمه - إذا تأَوَّله بِمعناه المفهوم كذلكَ - أَنْ يكونَ إِنَّما علا وارتفعَ بعدَ أَنْ كانَ تَحتها إِلى أَنْ تأَوَّله بالمَجهولِ مِنْ تأويلِه المُستَنْكَرِ ثُمَّ لم يَنْجُ مِمَّا هَرَبَ منه. فيقالُ له: زعمتَ أَنَّ تأويل قولهِ: ﴿اسْتَوَى﴾ [البقرة: ٢٩] أَقبلَ؟ أَفكانَ مُدبرًا عن السماءِ فأَقبلَ إِليها؟ ! فإنْ زعم أَنَّ ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ، ولكنَّه إقبالُ تدْبِيْرٍ. قيلَ لهُ: فكذلكَ فقل: علا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسُلطانٍ، لا عُلوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثُمَّ لن يقولَ في شيءٍ من ذلك قولًا إِلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلهُ، ولولا أَنَّا كرِهنا إطالةَ الكتابِ بِما ليس مِنْ جِنسهِ لأَنبأَنا عن فسادِ قولِ كُلِّ قائلٍ قال في ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مُخالفًا، وفيما بَينَّا منهُ ما يُشْرِفُ بذي الفَهْمِ على ما فيه له الكفايةُ إن شاء الله تعالى». (١) وقال السَّمعاني وهو من أهل السنَّةِ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] (٢): «أَوَّلَ المُعتزلةُ الاستواءَ بالاستيلاءِ، وأنشدوا فيهِ: قد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ وأَمَّا أهلُ السنَّةِ فَيتَبَرءونَ مِن هذا التأويلِ، ويقولون: إِنَّ الاستواءَ على العرشِ صِفةٌ لله تعالى، بلا كَيفٍ، والإيمانُ بِهِ واجبٌ، كذلكَ يُحكى عَن مالك بن أنسٍ وغَيرهِ من السَّلفِ أَنَّهم قالوا في هذه الآيةِ: الإيمانُ به واجبٌ، والسؤال عنه بدعة». (٣) وقد أَصبحَ هذا الشاهدُ الشعريُّ الذي استدلَّ بهِ المُخالِفونَ للسَّلفِ

стр. 804

حُجةً يعولون عليها في نفي هذه الصفة، ويُؤِّولونَ الاستواءَ في الآيات الدالة على صفةِ الاستواءِ بالاستيلاءِ استشهادًا بِهذا الشاهد، حتى لا يكادُ يَخلو منهُ كتابُ تفسيرٍ، ولا عقيدةٍ، ولا بلاغةٍ. (١) والتحقيق في هذه المسألة هو أن يُقالَ: الاستواء يأَتي في اللغةِ للمعاني التي ذكرها الطبريُّ وهي: التمام والكمال، واستقامةُ ما كان فيهِ أَوَدٌ، والإقبالُ على الشيءِ، والاستيلاءُ والاحتواءُ، والعُلوُّ والارتفاعُ، غير أَنَّ لكلِّ معنى منها سياقًا يناسبه، وتفصيل ذلك على النحو الآتي: - إذا تعدَّى فعل «استوى» بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [القصص: ١٤] (٢) كان بِمعنى بلوغ التمام ولكمال والغاية في القوةِ. (٣) وأكثرُ استعمالِ شُعراءِ الجاهليةِ لِهذا الفعلِ بِهذا المعنى، متعديًا بنفسه، ومن ذلك قول خِرْنِق بنتِ بدرِ بن هَفَّان وهي جاهلية: عَدَدنا لَهُ خَمسًا وَعِشرينَ حِجَّةً ... فَلَمّا تَوَفّاها اِستَوى سَيِّدًا ضَخما (٤) وقالت أم عمرو وهي شاعرةٌ جاهليةٌ: حينَ اِستَوى وَعلا الشبابُ بهِ ... وَبَدا مُنِيْرَ الوَجْهِ كالبَدْرِ (٥) وقال حاتم الطائي وهو جاهلي: يَنامُ الضُحى حَتّى إِذا يومُهُ اِستَوى ... تَنَبَّهَ مَثلوجَ الفُؤادِ مُوَرَّما (٦)

стр. 805

وقال حنظلة بن أبي عفراء الطائي وهو جاهلي: يُهِلُّ صَغيرًا ثُمَّ يَعظُمُ ضَوءُهُ ... وَصورَتُهُ حَتّى إِذا ما هُوَ اِستَوى تَقارَبَ يَخبُو ضَوءُهُ وشُعَاعُهُ ... ويَمصَحُ حتى يَسْتَسِرَّ فلا يُرى (١) وقال أبو الأسود الدؤلي وهو مخضرم: إِذا ما استَوى روقاكَ لَم يَهتَضِمهُما ... عَدوٌّ وَلَم يأكُل ضَعيفَكَ آكِلُ (٢) - وأَمَّا إذا تعدى فعل «استوى» بحرف «إلى» فيكون معناه القصد إلى الشيء، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] (٣)، ولم أجد لهذا الاستعمال شواهد من شعر العرب المُحتجِّ بِهم. - وأما إذا تَعَدَّى فعلُ «استوى» بِحَرفِ «على»، فلهُ أَربعةُ مَعانٍ ذَكرَها المفسرونَ من الصحابةِ والتابعينَ وغيرهم، وهي: العُلوُّ، والثباتُ، والاستقرارُ، والصعودُ. وهذا الاستعمال الذي وقع الخلاف فيه، فقد زعم المعتزلة والأشعرية وغيرهم أن استوى في هذه الآيات التي عَدَّي الفعلُ فيها بحرف «على» بِمعنى استولى لا بِمعنى ثَبَتَ وعلا واستقرَّ وارتفعَ، ولم يَجدو حُجةً مقنعةً تؤيد قولهَم - فيما أعلمُ - سوى الشاهد الشعري الذي اختلف في نسبته لشاعر، وهو قوله: قد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ ولم أجده في شعر الشعراء المحتج بهم، ووجدته في شعر المتأخرين، كقول أبي العتاهية: وَهُوَ الخَفِيُّ الظاهِرُ المَلِكُ الَّذي ... هُوَ لَم يَزَل مَلِكًا عَلى العَرشِ اِستَوى (٤)

стр. 806

وظاهرٌ أَخذهُ لِهذا المعنى والتعبير من القرآن. - وأما إذا عُدِّي فعل «استوى» بِحرف «في»، كما في قول ذي الرمة يصف ناقته وحالها مع راكبِها: تُصْغي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانِحَةً ... حتى إذا ما استوى في غَرزِها تَثِبُ (١) فهو يُؤدِّي معنى التَّعديةِ بِحَرف «على» أو يقترب منه، بِمعنى الثبات والعلو والاستقرار على ظهر الدابة. وقد انتقد الأصمعي هذا البيت فقال: «كان ينبغي أن يستوي ثُمَّ تَثِبُ ناقتُه». (٢) وهذا الاستعمالُ نادرٌ في الشِّعر المُحتجِّ بهِ فيما وجدتُ، ومنه في شعر المتأخرين قول البُحتريِّ يَصِفُ بِرْذَونًا: إذا استوَى الراكبُ في ظَهْرِها ... طَامَنَتِ المَتْنَيْنِ كي تُرْدِفا (٣) فيتحصل من هذا الذي تقدم أَنَّ التعبير بـ «استوى على» من الأساليب التي انفردَ بِها القرآن الكريم للتعبير عن صفة الاستواء على العرش خاصةً، ويُمكنُ عَدُّها مِنْ مُبتكراتِ القُرآن - بحسب تعبير الطاهر بن عاشور في تفسيره. (٤) ويكون التفسير الأَسلم للمقصود بالاستواء في قول الشاعر: قد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ هو أن «يكون «استوى» بِمعنى استعلى». (٥) لا نفي هذا البيت، وهذا الاستعمال في لغة العرب، فإنه قد تقرر أنه ليس كلُّ ما صحَّ في اللغة صَحَّ حَملُ تفسيرِ القرآن عليه. فالقرآن له عُرفٌ خاص به، يُحمَلُ عليه ويُفسَّرُ به (٦)، والإشكال داخل على من يرى تأويل صفة الاستواء

стр. 807

وغيرها من شبهة التجسيم والتشبيه التي يزعمونها لا من شواهد الشعر، ولذلك قال ابن عطية وهو ممن يرى تأويل صفة الاستواء: «واختصار القول في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أن يكون استوى بقهره وغلبته، وأما أن يكون استوى بمعنى استولى إن صحت اللفظة في اللسان، فقد قيل في قول الشاعر: قد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ إنَّهُ بيتٌ مصنوعٌ». (١) فابن عطية يرى التأويل، ولو لم يصح هذا الشاهد الشعري. والحق كما تقدم أن يُحملَ معنى الاستواء على المعاني المعهودة في القرآن والسنة، وهو إثبات علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه. وهي المعاني التي نقلت عن السلف في ذلك (٢)، لأنَّ «الاستواءَ عُلوٌّ خاص، فكلُّ مُستوٍ على شيءٍ عالٍ عليهِ، وليسَ كُلُّ عالٍ على شيءٍ مُستويًا عليهِ» (٣)، والاستواء من الألفاظ المختصة بالعَرْشِ لا تضاف إلى غيره لا خصوصًا، ولا عمومًا. (٤) وذلك لاختصاص القرآن بمعانٍ خاصة تعرف عن طريق النقل وأهل العلم. بل إِنَّ العلماءَ قد ذكروا ما هو أَخَصُّ من ذلك، وهو أنَّ أقوال النبي ﷺ المرفوعة يَجب أن لا تُحمَلَ على مُجرَّدِ ما يُراد باللفظِ في اللغةِ، وإِنَّما ينبغي الرجوعُ في فهمها إلى الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ العارفين بِمعاني كلامه كالاختلاف في معنى النهي عن اشتمال الصمَّاءِ بين أهل اللغة وأهل الفقه، حيث ذكر أبو عبيد القاسم بن سلَّام معنى نَهي

стр. 808

النبي ﷺ عن اشتمالِ الصمَّاءِ عند الفقهاء وأهلِ الحديث، ومخالفة أهل اللغة لهم في ذلك، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصحُّ معنىً في الكلام». فعقب عليه ابن رجب الحنبلي بقوله: «وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغةِ حَسَنٌ جدًا؛ فإنَّ النَّبِيَّ قَدْ يتكلَّمُ بكلامٍ من كلامِ العربِ يستعمله فِي معنى هُوَ أخصُّ من استعمال العرب، أو أعمُّ مِنْهُ، ويتلقى ذَلِكَ عَنْهُ حَمَلَةُ شريعتهِ من الصَّحَابَة، ثُمَّ يتلقاه عنهم التابعون، ويتلقاه عنهم أئمة العلماء، فلا يَجوزُ تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إِلا بِما قاله هؤلاء العلماء الذين تلقوا العلم عَمَّن قبلَهم، ولا يَجوزُ الإعراضُ عن ذلكَ والاعتمادُ على تفسير مَنْ يُفسِّرُ ذلك اللفظَ بِمُجرَّدِ ما يفهمه من لغةِ العربِ؛ وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًا، ومَنْ أَهملَه وَقعَ في تحريفِ كثيرٍ من نصوص السنةِ، وحَملِها على غَيْرِ مَحامِلها» (١). فإذا كان هذا في حديث النبي ﷺ ، ففي كلام الله من باب أولى. ٢ - صفة اليد . عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (٢) ذكر المفسرون أن المقصود باليدين في هذه الآية هو يدا الله ، ويثبتون لله يدين تليقان بجلاله ، لدلالة هذه الآية وغيرها مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ [ص: ٧٥] (٣)، وقولهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. (٤) غير أَنَّ بعض المفسرينَ قد ذهب إلى أَنَّ اليدينِ في هذهِ الآيةِ

стр. 809

وأمثالها لا تحمل على ظاهرها لاحتمالها التجسيم، وأنه يجب تأويلها بِمعنى الإنعام أو القوة أو نحو ذلك، ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير الآية: «والظاهرُ أَنَّ قولَهُ تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] عبارةٌ عن إنعامهِ على الجُمْلَةِ، وعَبَّر عنهُ بِيَدينِ؛ جَرْيًا على طريقةِ العَرَبِ في قولِهم: فلانٌ يُنْفِقُ بِكِلتي يَديهِ، ومنه قولُ الشاعرِ، وهو الأعشى: يداكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌّ مُفيدةٌ ... وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بالمَالِ تُنْفِقُ (١) ويؤيد أَنَّ اليَدين هنا بِمعنى الإنعامِ، قَرينةُ الإنفاق». (٢) واختار الزمخشري والقرطبي هذا القول أيضًا، في تفسيريهما (٣)، غير أن الطبري قد ذكر في تفسيره لهذه الآية القول الفصل في هذا، حيث ذكر أن أهل الجدل قد اختلفوا في تفسير قوله تعالى على أربعة أقوال: الأول: أَنَّها بِمعنى نِعمتيه؛ لأَنَّ العربَ تقول: لكَ عندي يَدٌ، يعنون بذلك: نعمة. الثاني: أَنَّها بِمعنى القوةِ، وأَنَّ هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] (٤) فهي بِمَعنى: أولي القوة. الثالث: أَنَّها بِمَعنى الملك، وقالوا: معنى قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]: مُلْكُهُ وخَزائِنُهُ، وذلكَ كقولِ العربِ للمَمْلوكِ: هو مِلْكُ يَمينِهِ، وفلانٌ بيدهِ عُقدةُ نِكاحِ فلانة، أي: يَملكُ ذلك. الرابع: أنها صفة من صفات الله، تثبت لله من غير تشبيه ولا تَمثيلٍ، ولا تكييف ولا تعطيل. ورجح الطبري هذا القول الرابع، واستدل له بِمَعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقال: «ولو كان معنى اليد في ذلك النعمة ما كان

стр. 810

لخصوصه آدم بذلك وجه مفهوم؛ إذ كان جميعُ خلقهِ مَخلوقين بقُدرته، ومشيئتهُ في خلقهِ تَعمُّهُ، وهو لِجَميعهم مالكٌ ... وإذا كان تعالى ذِكرهُ قد خَصَّ آدمَ بذكرهِ خَلقَهُ إِيَّاهُ بيدهِ دون غيرهِ من عباده، كان معلومًا أَنَّه إِنَّما خَصَّهُ بذلك لمعنى فارق به غيره من سائر الخلق ... وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى اليد من الله القوة والنعمة، أو الملك في هذا الموضع». (١) وهذا الشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عطية لتأويل اليدين في هذه الآية بأنها بمعنى النعمة قد استشهد به الطبري على أن العرب تطلق اليد على العطاء، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم يكون في الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصفهم بعضهم بعضًا إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشح وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه. ثم ذكر بيت الأعشى. (٢) ٣ - صفة الكرسي . أثبت الله لنفسه كرسيًا في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣)، وهو خلق من خلق الله، وصفَه النبيُّ ﷺ فقال: «ما الكرسيُّ بِجانبِ العَرشِ إِلَّا كحلقةٍ في فلاةٍ». وهذا التفسيرُ هو قولُ جُمهورِ العلماء. قال الطبري: «الذي هو أَولى بتأويلِ الآيةِ ما جاء به الأَثَرُ عن رسول الله ﷺ ، وهو ما حدثني به عبدُ الله بنُ أبي زياد القَطَوانيُّ، قال: ثنا عبيدالله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: ادع اللهَ أَن يُدخلني الجنةَ. فَعَظَّمَ الربَّ ، ثُمَّ قال: «إِنَّ كرسيَّه وَسِعَ السمواتِ والأرضَ، وإِنَّهُ ليَقعدُ عليهِ فما يَفضلُ منهُ مقدارُ أربعِ أصابع».
следующие страницы →