← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وظاهرٌ أَخذهُ لِهذا المعنى والتعبير من القرآن. - وأما إذا عُدِّي فعل «استوى» بِحرف «في»، كما في قول ذي الرمة يصف ناقته وحالها مع راكبِها: تُصْغي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانِحَةً ... حتى إذا ما استوى في غَرزِها تَثِبُ (١) فهو يُؤدِّي معنى التَّعديةِ بِحَرف «على» أو يقترب منه، بِمعنى الثبات والعلو والاستقرار على ظهر الدابة. وقد انتقد الأصمعي هذا البيت فقال: «كان ينبغي أن يستوي ثُمَّ تَثِبُ ناقتُه». (٢) وهذا الاستعمالُ نادرٌ في الشِّعر المُحتجِّ بهِ فيما وجدتُ، ومنه في شعر المتأخرين قول البُحتريِّ يَصِفُ بِرْذَونًا: إذا استوَى الراكبُ في ظَهْرِها ... طَامَنَتِ المَتْنَيْنِ كي تُرْدِفا (٣) فيتحصل من هذا الذي تقدم أَنَّ التعبير بـ «استوى على» من الأساليب التي انفردَ بِها القرآن الكريم للتعبير عن صفة الاستواء على العرش خاصةً، ويُمكنُ عَدُّها مِنْ مُبتكراتِ القُرآن - بحسب تعبير الطاهر بن عاشور في تفسيره. (٤) ويكون التفسير الأَسلم للمقصود بالاستواء في قول الشاعر: قد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ هو أن «يكون «استوى» بِمعنى استعلى». (٥) لا نفي هذا البيت، وهذا الاستعمال في لغة العرب، فإنه قد تقرر أنه ليس كلُّ ما صحَّ في اللغة صَحَّ حَملُ تفسيرِ القرآن عليه. فالقرآن له عُرفٌ خاص به، يُحمَلُ عليه ويُفسَّرُ به (٦)، والإشكال داخل على من يرى تأويل صفة الاستواء

стр. 807

وغيرها من شبهة التجسيم والتشبيه التي يزعمونها لا من شواهد الشعر، ولذلك قال ابن عطية وهو ممن يرى تأويل صفة الاستواء: «واختصار القول في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] أن يكون استوى بقهره وغلبته، وأما أن يكون استوى بمعنى استولى إن صحت اللفظة في اللسان، فقد قيل في قول الشاعر: قد استَوَى بِشْرٌ على العِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيفٍ أَو دَمٍ مُهْرَاقِ إنَّهُ بيتٌ مصنوعٌ». (١) فابن عطية يرى التأويل، ولو لم يصح هذا الشاهد الشعري. والحق كما تقدم أن يُحملَ معنى الاستواء على المعاني المعهودة في القرآن والسنة، وهو إثبات علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه. وهي المعاني التي نقلت عن السلف في ذلك (٢)، لأنَّ «الاستواءَ عُلوٌّ خاص، فكلُّ مُستوٍ على شيءٍ عالٍ عليهِ، وليسَ كُلُّ عالٍ على شيءٍ مُستويًا عليهِ» (٣)، والاستواء من الألفاظ المختصة بالعَرْشِ لا تضاف إلى غيره لا خصوصًا، ولا عمومًا. (٤) وذلك لاختصاص القرآن بمعانٍ خاصة تعرف عن طريق النقل وأهل العلم. بل إِنَّ العلماءَ قد ذكروا ما هو أَخَصُّ من ذلك، وهو أنَّ أقوال النبي ﷺ المرفوعة يَجب أن لا تُحمَلَ على مُجرَّدِ ما يُراد باللفظِ في اللغةِ، وإِنَّما ينبغي الرجوعُ في فهمها إلى الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ العارفين بِمعاني كلامه كالاختلاف في معنى النهي عن اشتمال الصمَّاءِ بين أهل اللغة وأهل الفقه، حيث ذكر أبو عبيد القاسم بن سلَّام معنى نَهي

стр. 808

النبي ﷺ عن اشتمالِ الصمَّاءِ عند الفقهاء وأهلِ الحديث، ومخالفة أهل اللغة لهم في ذلك، ثم قال: والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصحُّ معنىً في الكلام». فعقب عليه ابن رجب الحنبلي بقوله: «وهذا الذي قاله أبو عبيد في تقديم تفسير الفقهاء على تفسير أهل اللغةِ حَسَنٌ جدًا؛ فإنَّ النَّبِيَّ قَدْ يتكلَّمُ بكلامٍ من كلامِ العربِ يستعمله فِي معنى هُوَ أخصُّ من استعمال العرب، أو أعمُّ مِنْهُ، ويتلقى ذَلِكَ عَنْهُ حَمَلَةُ شريعتهِ من الصَّحَابَة، ثُمَّ يتلقاه عنهم التابعون، ويتلقاه عنهم أئمة العلماء، فلا يَجوزُ تفسير ما ورد في الحديث المرفوع إِلا بِما قاله هؤلاء العلماء الذين تلقوا العلم عَمَّن قبلَهم، ولا يَجوزُ الإعراضُ عن ذلكَ والاعتمادُ على تفسير مَنْ يُفسِّرُ ذلك اللفظَ بِمُجرَّدِ ما يفهمه من لغةِ العربِ؛ وهذا أمرٌ مهمٌّ جدًا، ومَنْ أَهملَه وَقعَ في تحريفِ كثيرٍ من نصوص السنةِ، وحَملِها على غَيْرِ مَحامِلها» (١). فإذا كان هذا في حديث النبي ﷺ ، ففي كلام الله من باب أولى. ٢ - صفة اليد . عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] (٢) ذكر المفسرون أن المقصود باليدين في هذه الآية هو يدا الله ، ويثبتون لله يدين تليقان بجلاله ، لدلالة هذه الآية وغيرها مثل قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾ [ص: ٧٥] (٣)، وقولهِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]. (٤) غير أَنَّ بعض المفسرينَ قد ذهب إلى أَنَّ اليدينِ في هذهِ الآيةِ

стр. 809

وأمثالها لا تحمل على ظاهرها لاحتمالها التجسيم، وأنه يجب تأويلها بِمعنى الإنعام أو القوة أو نحو ذلك، ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير الآية: «والظاهرُ أَنَّ قولَهُ تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] عبارةٌ عن إنعامهِ على الجُمْلَةِ، وعَبَّر عنهُ بِيَدينِ؛ جَرْيًا على طريقةِ العَرَبِ في قولِهم: فلانٌ يُنْفِقُ بِكِلتي يَديهِ، ومنه قولُ الشاعرِ، وهو الأعشى: يداكَ يَدَا مَجْدٍ، فَكَفٌّ مُفيدةٌ ... وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بالمَالِ تُنْفِقُ (١) ويؤيد أَنَّ اليَدين هنا بِمعنى الإنعامِ، قَرينةُ الإنفاق». (٢) واختار الزمخشري والقرطبي هذا القول أيضًا، في تفسيريهما (٣)، غير أن الطبري قد ذكر في تفسيره لهذه الآية القول الفصل في هذا، حيث ذكر أن أهل الجدل قد اختلفوا في تفسير قوله تعالى على أربعة أقوال: الأول: أَنَّها بِمعنى نِعمتيه؛ لأَنَّ العربَ تقول: لكَ عندي يَدٌ، يعنون بذلك: نعمة. الثاني: أَنَّها بِمعنى القوةِ، وأَنَّ هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] (٤) فهي بِمَعنى: أولي القوة. الثالث: أَنَّها بِمَعنى الملك، وقالوا: معنى قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]: مُلْكُهُ وخَزائِنُهُ، وذلكَ كقولِ العربِ للمَمْلوكِ: هو مِلْكُ يَمينِهِ، وفلانٌ بيدهِ عُقدةُ نِكاحِ فلانة، أي: يَملكُ ذلك. الرابع: أنها صفة من صفات الله، تثبت لله من غير تشبيه ولا تَمثيلٍ، ولا تكييف ولا تعطيل. ورجح الطبري هذا القول الرابع، واستدل له بِمَعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقال: «ولو كان معنى اليد في ذلك النعمة ما كان

стр. 810

لخصوصه آدم بذلك وجه مفهوم؛ إذ كان جميعُ خلقهِ مَخلوقين بقُدرته، ومشيئتهُ في خلقهِ تَعمُّهُ، وهو لِجَميعهم مالكٌ ... وإذا كان تعالى ذِكرهُ قد خَصَّ آدمَ بذكرهِ خَلقَهُ إِيَّاهُ بيدهِ دون غيرهِ من عباده، كان معلومًا أَنَّه إِنَّما خَصَّهُ بذلك لمعنى فارق به غيره من سائر الخلق ... وإذا كان ذلك كذلك، بطل قول من قال: معنى اليد من الله القوة والنعمة، أو الملك في هذا الموضع». (١) وهذا الشاهد الشعري الذي استشهد به ابن عطية لتأويل اليدين في هذه الآية بأنها بمعنى النعمة قد استشهد به الطبري على أن العرب تطلق اليد على العطاء، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم يكون في الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصفهم بعضهم بعضًا إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشح وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه. ثم ذكر بيت الأعشى. (٢) ٣ - صفة الكرسي . أثبت الله لنفسه كرسيًا في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (٣)، وهو خلق من خلق الله، وصفَه النبيُّ ﷺ فقال: «ما الكرسيُّ بِجانبِ العَرشِ إِلَّا كحلقةٍ في فلاةٍ». وهذا التفسيرُ هو قولُ جُمهورِ العلماء. قال الطبري: «الذي هو أَولى بتأويلِ الآيةِ ما جاء به الأَثَرُ عن رسول الله ﷺ ، وهو ما حدثني به عبدُ الله بنُ أبي زياد القَطَوانيُّ، قال: ثنا عبيدالله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: ادع اللهَ أَن يُدخلني الجنةَ. فَعَظَّمَ الربَّ ، ثُمَّ قال: «إِنَّ كرسيَّه وَسِعَ السمواتِ والأرضَ، وإِنَّهُ ليَقعدُ عليهِ فما يَفضلُ منهُ مقدارُ أربعِ أصابع».

стр. 811

ثُمَّ قال بأصابعهِ فَجمَعها: «وإِنَّ لَهُ أَطيطًا (١) كأَطيطِ الرَّحْلِ الجديدِ إذا رُكِبَ، مِن ثِقلهِ». (٢) والصحيح قول الأزهري: «والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكرسيُّ: موضع القدمين، وأما العرش فأنه لا يُقدر قدره، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها». (٣) غير أَنَّ هناك مَنْ نَفى هذه الصفةَ، واستشهد على تأويله هذا بقول الشاعر (٤): ما لِي بِأَمركَ كُرسيٌّ أُكاتِمُهُ ... ولا يُكرسئُ عِلمَ اللهِ مَخلوقُ (٥) وروي عن ابن عباس قول كهذا، غير أن الأزهري ذكر أن «الذي روى عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم، فَليسَ مِمَّا يثبتهُ أَهلُ المعرفةِ بالأخبارِ». (٦) قال الشاطبي: «ومنهم - أي الباطنية - من فَسَّرَ الكُرسيَّ ... بالعِلْمِ، مستدلين ببيتٍ لا يُعرفُ، وهو:

стр. 812

.................... ولا يُكرسئُ عِلمَ اللهِ مَخلوقُ كأَنَّهُ عندهم: ولا يَعلمُ عِلمَهُ، ويُكرسئُ مهموزٌ، والكرسي غير مهموز». (١) وهذه مسألة طال كلام المفسرين فيها. والغرض التمثيل لأثر الشواهد الشعرية في بعض المسائل العقدية، واحتجاج المخالفين بالشعر على ما ذهبوا إليه، وأنها شواهد مجهولة لا تقوم بها حجة في مثل هذه المسائل المُهِمَّةِ، التي لا تثبت إلا بنصوص شرعية ثابتة. وبالجُملةِ فإِنَّ أثَرَ الشاهدِ الشعري في كتب التفسير في الجانب العَقديِّ أثر كبير لِتعلقه بالعقيدة، وإن كانت أمثلتهُ قليلةً من حيث العدد، وقد كان للجانب العقدي عند الإباضية مثلًا أثرٌ في عنايتهم بالشاهد الشعري كما في أسئلتهم السابقة، وكما في مسائل نافع بن الأزرق، وكما في عناية بعض رؤوس المعتزلة بالشواهد الشعرية، كما تقدمت الإشارة إلى العلاف وحفظه للشواهد الشعرية، والمسائل اللغوية التي لها أثر في الجانب العقدي كثيرة، ومن أكثر المسائل التي مست العقيدة مسألة المَجاز، وحمل معاني الصفات عليه، ولذلك قال ابن عطية عند ذكره لأقوال المفسرين في المقصود بالميزان في قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ [الأعراف: ٨] (٢): «القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعًا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان والصراط والجنة والنار والحشر، ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر: بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يُخسُّ شَعيرةً ... لَهُ حاكِمٌ مِن نفسهِ غَيْرُ عائِلِ». (٣)

стр. 813

المبحث الرابع: أثر الشاهد الشعري في الجانب الفقهي عند المفسرين . الفقه في اللغة هو الفَهم (١)، وفي الاصطلاح: العلمُ بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. (٢) ويظهر الفقه في كتب التفسير عند تفسير الآيات القرآنية المشتملة على الأحكام الفقهية، وقد توسع فيها بعض المفسرين كالقرطبي في تفسيره، حتى عد كتابه من كتب الفقه لكثرة مسائل الفقه فيه، في حين اقتصر أغلب المفسرين على الوقوف عند دلالة الآيات دون التوسع في ذكر أقوال الفقهاء ومذاهبهم. وقد ذكر ابن سلام أن الفرزدق كان يجلس في حلقة الحسن البصري، فيأتي الناس يستفتون الحسن، فيتولى الفرزدق جوابهم بشعره، ويقره الحسن على ذلك. وقد أورد من ذلك مثالين، أحدهما: أنه جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد! الرجل يقول في كلامه: لا والله، بلى والله، ولا يريد اليمين. فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ فقال الحسن: ما كُلُّ ما قلتَ سَمِعوا، وما قلتَ؟ قال: قلتُ: ولستَ بِمأَخوذٍ بشيءٍ تَقولُهُ ... إذا لَمْ تَعَمَّدْ عاقِداتِ العزائمِ (٣) وقد أَخذهُ الفرزدقُ من قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي

стр. 814

أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] (١). وقد أَقرَّهُ الحسنُ على جوابه هذا. (٢) والثاني: جاء رجل آخر إلى الحسن يسأله: يا أبا سعيد! إِنَّا نكونُ في هذه المغازي، فنصيبُ المرأة لها زوجٌ، أفيحلُ غشيانها ولم يطلقها زوجها؟ فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسنُ: ما كُلُّ ما قلتَ سَمِعوا، فما قلت في ذلك؟ قال: قلتُ: وذاتِ حَليلٍ أَنكحتْنَا رِماحُنَا ... حَلالًا لِمَنْ يَبْنِي بِها لَم تُطَلَّقِ (٣) فَصدقه الحسنُ، وحَكمَ بظاهرِ قولِه، ولم يزد على ذلك. (٤) وقد حفظت أبيات الشعر التي تشتمل على الأحكام الفقهية في كتب العلماء، كالأبيات التي رواها ابن حَجَر لليَزيديِّ في إثباتِ القياسِ مِن رواية أبي عمرو بن العلاء. (٥) وقد أُنشد الرشيدُ في مَجلسهِ أبياتًا من الشِّعر، وهي قول الشاعر: فإِنْ تَرْفُقي يا هِنْدُ فالرِّفْقُ أَيْمَنُ ... وإِنْ تَخْرَقِي يا هندُ فالخُرْقُ أَشأَمُ فأَنتِ طَلاقٌ، والطَّلاقُ عَزيِمَةٌ ... ثَلاثًا، ومَنْ يَخْرَقْ أَعَقُّ وأَشْأَمُ فَبِيْنِي بِها إِنْ كُنتِ غَيْرَ رفِيقةٍ ... وما لامرئٍ بعدَ الثلاثِ مُقَدَّمُ فاختلفوا في تفسيرها للاختلاف في إنشاد قوله: «عَزِيْمَة ثلاث»، فقد أنشد البيت (عزيمةٌ ثلاثٌ) بالرفع، و (عزيمةٌ ثلاثًا) بالنصب، فلم يعرفوا جوابها. فأرسلَ الرشيدُ إلى القاضي أَبي يوسف يسأله الجوابَ. فقال أبو يوسف: هذه مسألةٌ فقهيةٌ نَحويَّةٌ، فقصد الكسائيَّ يسألهُ، فقال: اكتب. أما من أنشد البيت بالرفع فقال عزيمة ثلاث، فإنما طلقها

стр. 815

واحدة، وأنبأها أن الطلاق لا يكون إلا بثلاثة، ولا شيء عليه. وأما من أنشد عزيمةٌ ثلاثًا فقد طلقها وأبانها، لأنه كأنه قال: أنت طالق ثلاثًا. (١) وقد كان مثل هذا الشاهد من الشعر الذي يَمتزجُ فيه الفقهُ بالنحوِ شائعًا في مَجالسِ الفُقهاءِ والنحويين. (٢) وقد استعان المفسرون بالشاهد الشعري في تفسيرهم لهذه الآيات كغيرها من آيات القرآن الكريم، ولذلك فإن الشاهد الشعري قد ظهر أثره في هذا الجانب الفقهي في كتب التفسير في الآتي: أولًا: هناك آيات اختلف فيها المفسرون خلافًا فقهيًا ترتب على خلاف نحوي أو لغوي، وباعتبار الراجح من الرأيين يتغير الرأي الفقهي والتفسير تبعًا لذلك، وبالتالي يكون الشاهد الشعري مؤثرًا في مثل هذه المواضع، غير أن أمثلة ذلك في كتب التفسير قليلة منها: - عند تفسير قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٧] (٣) قال ابن عطية وهو يفسر المقصود بالأسحارِ في الآية: «والسَّحَرُ والسَّحْرُ بفتح الحاء وسكونها آخرُ الليلِ، قال الزجاجُ وغيرهُ: هو قبلَ طلوعِ الفجرِ. (٤) وهذا صحيحٌ؛ لأَنَّ ما بعدَ الفَجرِ هو من اليومِ لا من الليلةِ. وقال بعض اللغويين: السَّحَرُ من ثلثِ الليلِ الآخرِ إلى الفجرِ». ثُمَّ عقَّب ابنُ عطية على هذا بقوله: «والحديثُ في التَنَزُّلِ (٥)، وهذه الآيةِ في الاستغفارِ يؤيدان هذا. وقد يَجيءُ في

стр. 816

أَشعارِ العَرَبِ ما يقتضي أنَّ حُكمَ السَّحَرِ يستمرُّ فيما بعدَ الفجرِ، نَحو قولِ امرئ القيس: يُعَلُّ بهِ بَردُ أَنيابِها ... إذا غَرَّدَ الطائرُ المُسْتَحِرّ (١) يقال: أَسْحَرَ واستَحَرَ إذا دخلَ في السَّحَرِ، وكذلك قولهم: نَسِيمُ السَّحَرِ يقعُ لِمَا بعد الفجر، وكذلك قول الشاعر (٢): تَجِدِ النِّساءَ حَواسِرًا يَندبْنَهُ ... قد قُمْنَ قبلَ تَبلُّجِ الأَسحارِ (٣) فقد قضى أَنَّ السَّحَرَ تبلَّجَ بطلوعِ الفجر، ولكنَّ حقيقةَ السَّحرِ في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفارِ المَحمودِ، ومن سُحُورِ الصائم، ومِن يَمينٍ لو وقعتْ، إِنَّما هي من ثُلُثِ الليل الباقي إلى السَّحَرِ». (٤) فقد استدل ابن عطية بالشواهد الشعرية في تبين معنى السحر في اللغة، غير أنه لم يحمل معنى السحر في الأحكام الشرعيةِ كسحورِ الصائمِ، على هذه الشواهدِ الشعريَّةِ التي تدل على أن السحر يستمر إلى ما بعد طلوع الفجر، وتبلج النور، وإِنَّما يحمل معنى السحر في العبادات على ما عُرِف في الشَّرعِ من كونِها قبل الفجر. (٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] (٦)، ذكر القرطبيُّ قولَ خداش بن زُهَيْرٍ العامريِّ: رَأَيتُ اللهَ أَكْبَرَ كُلِّ شِيءٍ ... مُحاولةً وأَعظمَهُ جُنُودا (٧) في أثناءِ تقويته لرأيِ جُمهورِ الفُقهاءِ أَنَّهُ لا يُجزئُ في الدخولِ في

стр. 817

الصلاةِ إِلَّا لفظُ التكبيرِ، ولا يُجزئُ منهُ تَهليلٌ ولا تسبيحٌ ولا تعظيمٌ ولا تَحميدٌ، ونص على أنه: «لا يُجزئُ عند مالكٍ إِلَّا «الله أكبر» لا غير ذلك». (١) ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] (٢) اختلاف العلماء في المراد بالأيام المعدودات في الآية، فمنهم مَنْ قالَ: إنها الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، ومنهم من عَدَّهُ منها، ثُمَّ قال مؤيدًا لاستدلاله أن أيام منى ثلاثة معدودة ليس يوم النحر منها: «ومن الدليلِ على أنَّ أيامَ مِنى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قولُ العَرْجِيِّ: ما نَلْتَقِي إِلَّا ثَلاثَ مِنى ... حتى يُفَرِّقَ بينَنا النَّفْرُ (٣)». (٤) فجعلَ شاهد الشعر مؤيدًا لقول القائلين بأَنَّ أَيامَ مِنًى ثلاثة معدودة، وليس حجة في هذا السياق، ولكنه استأنس به استئناسًا، مع ملاحظة موضوع الشاهد الشعري هنا، وكونه في النسيب، غير أنه لم يكن المفسرون يتحرجون في مثل هذه الشواهد. عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] (٥) ذكر القرطبيُّ إِجْماعَ العلماءِ على أنَّ الأَخَوينِ فصاعدًا يَحجُبانِ الأُمَّ حَجْبَ نُقصانٍ من الثلث إلى السُّدسِ فقال: «أَجْمعَ أهلُ العلمِ على أَنَّ أخوين فصاعدًا ذكرانًا كانوا أو إناثًا، من أبٍ وأمٍّ، أو من أبٍ، أو مِن أُمٍّ يَحجبونَ الأُمَّ عن الثلث إلى السدس، إلا ما روي عن ابن عباس أن الاثنين من الإخوة في حكم الواحد، ولا يَحجُبُ الأُمَّ أَقلُّ مِن ثلاثةٍ». (٦)

стр. 818

ثم استدل بأدلة تؤيد صحة ما ذهب إليه القائلون بأَنَّ الاثنين جَمعٌ، ومن هذه الأدلة قوله: «وصحَّ قولُ الشاعرِ (١): ومَهْمَهَيْنِ قَذَفيْنِ مَرْتَيْن ... ظَهراهُما مِثلُ ظُهورِ التُّرسَيْن (٢) وأنشد الأخفش: لَمَّا أَتَتْنا المَرأَتَانِ بِالخَبَرْ ... فَقُلْنَ إِنَّ الأَمْرَ فينا قَدْ شُهِرْ (٣) وقال آخر (٤): يُحَيَّ بالسَّلامِ غَنِيُّ قَومٍ ... ويُبْخَلُ بالسَّلامِ على الفقيرِ أليسَ الموتُ بينهما سَواءٌ ... إذا ماتوا وصاروا في القبورِ؟ (٥)». (٦) والشاهد في هذه الأبيات عودةُ ضميرِ الجمْعِ على المُثَنَّى المتقدم، مِمَّا يَعني اعتبار المثنى جَمعًا، فالشاهد في الأول قوله (ظُهور التُّرْسَيْن) فجمع الظهور، وفي الثاني قوله (فقلن) ولم يقل (فقالتا)، وفي الثالث قوله (ماتوا وصاروا) فالضمير يعود على مثنى، وهذا دليل على أَنَّ الأخوين يَحجُبانِ الأمَّ حجبَ نقصانٍ. وهذا يدل على أثر الشاهد الشعري في مسائل الفقه، وأن المفسرين استشهدوا به في ذلك. عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] (٧) ذكر القرطبي اختلاف علماء اللغة والفقهاء في الفَرْقِ بين

стр. 819

الفقيرِ والمِسكينِ، فذهب بعضهم إلى أنَّ الفقيرَ أَحسنُ حالًا من المسكين، وذهبوا إلى أنَّ الفقيرَ الذي له بعضُ ما يكفيه، ويُقيمُهُ. والمسكينُ الذي لا شيءَ لهُ، واستشهدوا على ذلك بقول الراعي النُّميريِّ: أَمَّا الفَقِيْرُ الذي كانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ (١) ومعنى قولِهِ: وَفْق العِيالِ: على قَدْرِ كفاية عيالهِ من اللبن، ولا فضل فيها. (٢) ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] (٣) أن ما لم يبلغ نصاب الزكاة لا يسمى مالًا، ونسب هذا القول لثعلب. واستشهد على ذلك بقول الشاعر: واللهِ ما بَلَغَتْ لي قَطُّ مَاشيةٌ ... حَدَّ الزَّكاةِ ولا إِبْلٌ ولا مالُ (٤) وقد ذكر هذا القول عن ثعلب أبو علي القالي فقال: «قال أبو بكر (٥): المال عند العرب الإبل والغنم. والفضّة: الرّقة والورق. والذّهب: النّضر والنّضير والعقيان. قال وحدثنا أبو العباس أَحْمدُ بنُ يَحيى قال: المالُ عند العربِ أقلُّهُ ما تَجبُ فيه الزكاةُ، وما نَقَصَ مِنْ ذلك فلا يقعُ عليه مال. قال وأنشدنا أبو العباس ... ». (٦) ثُمَّ ذكر الشاهد. ومن الأمثلة على الشواهد الشعرية ذات العلاقة بالأحكام الفقهية

стр. 820

في مناسك الحج في كتب التفسير ما ذكره العلماء عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩] (١) في بيان معنى «التَّفَثِ»، فقد ورد في بيانِ معناها أقوالٌ عن العلماء، منها قولُ الإمام مالك أَنَّ المقصود بالتَّفَثِ حَلْقُ الشَّعَرِ، ولبسُ الثيابِ، وتقليمُ الأظفارِ، وما أتبع ذلك مِمَّا يُحِلُّ به المُحرِم (٢). وفي الجمهرة لابن دريد: «قال أبو عبيدة: هو قصُّ الأظافرِ، وأَخْذُ الشاربِ، وكُلُّ ما يَحرمُ على المُحرِمِ، إِلَّا النِّكاح، ولم يَجئ فيه شِعْرٌ يُحتجُّ بهِ». (٣) وقال الزجاج: «والتَّفَثُ في التفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللغةِ لا يَعرفُونَهُ إِلا من التفسيرِ». (٤) وذكر مثلَ ذلك الأزهريُّ (٥). غير أَنَّ ابنَ العربيِّ قد تتبع هذه اللفظةَ في كتب العلماء فقال: «ثُمَّ تتبعتُ التفث لغةً فرأيتُ أبا عبيدةَ مَعْمَرَ بنَ المُثنَّى قد قال: إنه قصُّ الأظفارِ، وأخذُ الشاربِ، وكل ما يَحرمُ على المُحرِمِ، إلا النكاح، ولم يَجئ فيه بشعرٍ يُحتجُّ بهِ. وقال صاحب العينِ: التفثُ هو الرميُ، والحَلْقُ، والتقصيرُ، والذبحُ، وقَصُّ الأظفارِ والشاربِ، ونتفُ الإبطِ. وذكر الزجاج والفراء نحوه (٦)، ولا أُراهُ أَخَذَهُ إلا من قَولِ العُلماءِ. وقال قُطرب: تَفِثَ الرجلُ إذا كَثُرَ وَسَخُهُ، وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلتِ: حَفُّوا رؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا ... ولَم يَسلُّوا لَهُمْ قَمْلًا وصِئْبَانا (٧)». (٨) ثُمَّ قال ابنُ العربي معلقًا على هذه الأقوال: «وإذا انتهيتم إلى هذا المقامِ ظهرَ لكمْ أَنَّ ما ذُكِرَ أَشارَ إليهِ أميةُ بنُ أَبي الصَّلْتِ، وما ذَكرهُ

стр. 821

قطربُ هو الذي قالَهُ مالكُ، وهو الصحيحُ في التفثِ، وهذهِ صورة قضاءِ التَّفَثِ لغةً، وأما حقيقتهُ الشرعيةُ فإذا نَحَرَ الحاجُ أو المعتمرُ هَدْيَهُ، وحَلَقَ رأسَهُ، وأَزَالَ وَسَخَهُ، وتطهَّر وتنقَّى، ولَبِسَ الثيابَ، فَيقضي تَفثَهُ». (١) فقد تنبَّهَ ابنُ العربيِّ مستدركًا على مَنْ نَفَى وجودَ هذه اللفظةِ الغريبةِ في شِعْرِ العَرَبِ، ونقل ذلك القرطبي في تفسيره. (٢) وأميةُ مِمَّن احتجَّ المفسرون بأَشعارِهم في غير موضعٍ من كتبِ التفسير كما تقدم تفصيله، وعبارة أبي عبيدة في أن هذه اللفظة لم ترد في شعر العرب، قد لقيت صدى في كتب أهل اللغة، وعلق عليها عبد السلام هارون فقال: «والبيتُ - أي بيت أمية - حُجةٌ على أبي عبيدة إذ يقول: ولم يَجئ فيهِ شِعْرٌ يُحتجُّ بهِ» (٣)، غير أَنَّ تلميذَهُ الجاحظَ أصاب في قوله: «وما أَقلَّ ما ذَكَرَوا التَّفَثَ في الأشعار» (٤)، بعدَ أَنْ ذَكَرَ بيتَ أُميَّة بن أبي الصَّلْتِ السابق، وبَيَّنَ المقصودَ بالتَّفَثِ، فهو قليل الورود فحسب كسائر غريب اللغة، وإن كان أبو عبيدة لم يقل هذا في «مَجازِ القرآن» حيث مَظِنَّتُهُ، فربما ذكره في موضع آخر. وهناك شاهد آخر لهذه اللفظة هو قول الشاعر: قَضَوا تَفَثًا ونَحْبًا ثُمَّ ساروا ... إِلى نَجْدٍ وما انتظرُوا عَليَّا (٥) والأمثلة على أثر الشاهد الشعري في مسائل الفقه التي بحثها المفسرون قليلة، وهي في تفسير القرطبي أكثر، لعنايته بِمسائل الفقه وفروعه وما يتعلَّق بِها، وأما تفسير الطبري وابن عطية والزمخشري فلم تلتفت لمثل هذه الشواهد كما صنع القرطبي، ولذلك ندرت أمثلتها في كتبهم، ويمكن القول بعد هذا أن أثر الشاهد الشعري في الجانب الفقهي في كتب التفسير لم يكن ظاهرًا، وأن أمثلته قليلة.

стр. 822

المبحث الخامس: أثر الشاهد الشعري في الترجيح بين الأقوال في التفسير . التَّرجيحُ مَصدرٌ مِن رَجَّحَ المشدد، ويقال: رَجَحَ الميزانُ، إذا ثَقُلَتْ كِفتهُ ومالتْ، والراء والجيم والحاء أصل واحد يدل على رَزَانةٍ وزيادةٍ، يقال: رَجَحَ الشيءُ وهو راجحٌ إذا رَزَنَ. (١) وأَرجحَ الميزانَ، أي: أَثقَلَهُ حتى مَالَ. (٢) والأصوليون يُعرِّفونَ الترجيح بأَنَّه «تقويةُ إِحدى الإِمارتينِ على الأُخرى لِدليلٍ». (٣) وأما الترجيح في تفسير القرآن فهو تقويةُ أَحَدِ الأقوالِ في تفسير الآيةِ المختلف في تفسيرها لدليلٍ، أو لتضعيفِ أَو رَدِّ ما سِواهُ. (٤) وقد كان للشاهد الشعري أَثَرٌ في الترجيح بَيْنَ الأقوال في كتب التفسير؛ إذ إنه يكون غالبًا هو المُرَجِّحُ للتفسيرِ اللغويِّ في معظم المسائلِ التي يكونُ الترجيحُ فيها لغويًا، وقد يكونُ سببُ الترجيحِ هو التركيبُ أو معنى اللفظةِ. والمادة التي جَمعتها من كتب التفسير، وكان للشاهد الشعري أثر

стр. 823

واضحٌ في ترجيح قولٍ على قولٍ فيها، لا تَخرُجُ أوجهُ الترجيحِ فيها عن ثلاثة أوجهٍ، هي: ١ - الترجيح بين الأقوالِ في تفسير اللفظةِ القرآنيةِ، وبيان معناها في الآية. ٢ - الترجيح بين الأساليب والتراكيب. ٣ - الترجيح بين القراءات، والاختيار منها. وفيما يأتي بيان لهذه الأوجه، مع ذكر أمثلةٍ عليها من كتب التفسير. أولًا: الترجيح بين الأقوال في تفسير اللفظة القرآنية . يكثر اختلاف المفسرين في تفسيرهم للمفردات والألفاظ القرآنية، ويختلف سبب الاختلاف من موضع إلى آخر، فقد يكون لكون اللفظة من المشترك اللغوي (١) مثلًا فيختار كلُّ مُفسِّرٍ ما يَراهُ أَليقَ بالسياقِ، وما يعضدهُ الدليلُ. ويستشهد المفسرون في مثل هذه المسائل بالشاهد الشعري لدعم اختياره، وبيان سببه. وقد كان لعلماءِ اللغةِ أَثَرٌ بارزٌ في جَمع الشواهد الشعرية التي تُبَيِّنُ معاني المفردات، وكانت هذه الشواهد مادةً غزيرةً للمؤلفين في مَعاجمِ اللغة، وكان للمفسرين أَثَرٌ في شرح كثيرٍ من المفرداتِ اللغويةِ شَرحًا يَدلُّ على تَمكنهم من علوم اللغةِ ومعانيِها؛ وتفوقوا على اللغويين بِجَمعهم بين العلمِ بتفاسيرِ السَّلفِ، ومعرفتهم بلغةِ العرب، فوُفِّقوا في شرحهم للمفرداتِ القرآنيةِ، والاستشهاد على معانِيها بالشَّواهدِ الشعريةِ التي تدل على المعاني المقصودةِ في القرآن، والمناسبةِ لسياقِ الآياتِ، وقد سبق بيان ذلك عند الحديث عن منهج المفسرين في

стр. 824

الاستشهاد بالشعر ومراعاتهم للسياق في ذلك، في حين وَقَعَ بعضُ اللغويين الذين صنفوا في تفسير القرآن بسبب قِلَّةِ نصيبهم من المعرفة بتفسير السَّلفِ في أخطاءَ تَعقَّبهم فيها المفسرون، وبَيَّنوا أَنَّه ليسَ كُلُّ ما يصحُّ في لغةِ العَرَبِ يَصِحُّ تفسير القرآن الكريم بهِ، وأَنَّ للقرآنِ الكريمِ عُرفٌ خَاصٌّ يَجبُ أَنْ يُفسَّرَ بهِ، ولا تُحْملُ معانيه على ما تَحتملهُ ألفاظُ اللغةِ من معانٍ. (١) ١ - من الأمثلة كذلك في تفسير الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] (٢)، بعد أَنْ ذَكَرَ الأقوال في المراد بالرَّهْوِ، فقد فَسَّرَهُ بعضُهم فقال: معناه اتركه على هيئته وحاله التي كان عليها، وقيل: معناه اتركه سهلًا، وقيل: معناه اتركه يَبَسًا جَدَدًا. (٣) ثُمَّ قال بعد ذلك تعقيبًا على هذه الأقوال: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه اتركهُ على هيئتهِ كما هوَ، على الحالِ التي كان عليها حين سَلَكْتَهُ؛ وذلك أَنَّ الرَّهْوَ في كلامِ العَربِ: السُّكُونُ، كما قال الشاعر (٤): كأَنَّما أَهْلُ حُجْرٍ يَنظرونَ مَتَى ... يَرَونَنِي خارِجًا طَيْرٌ يَنَادِيدِ (٥) طَيْرٌ رأَتْ بَازيًا نَضْحُ الدِّماءِ بِهِ ... وأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْوًا إِلى عِيْدِ (٦) يعني: على سُكُونٍ». (٧)

стр. 825

فكان الشاهدُ الشعريُّ مُرجِّحًا ومؤكدًا لِلمَعنى اللغويِّ للرَّهْوِ الذي اختاره الطبريُّ في تفسير هذه الآيةِ، وهذا التفسيرُ هو قولُ ابن عباس والحسن وغيرهما. (١) ورجحه أيضًا ابن عطية، وسلك منهج ابن جرير في الترجيح فاستشهد له بشواهد أخرى من الشعر إضافةً لشاهدِ الطبري فقال بعد سوقه أقوالًا في تفسير الرَّهْوِ: «وقال ابنُ عباس ﵄: معناه ساكنًا، أي كما جُزْتَهُ. وهذا القولُ الأخيرُ هو الذي تُؤيدهُ اللغةُ، فإِنَّ العيشَ الرَّاهِي هوَ الذي في خَفضٍ ودَعَةٍ وسُكونٍ، حكاهُ المُبَرِّدُ وغيرهُ (٢)، والرَّهوُ في اللغةِ هو هذا المعنى (٣)، ومنه قولُ عُمَيْر بن شُيَيم القُطامي: يَمْشِيْنَ رَهْوًا فلا الأَعْجازُ خَاذِلَةٌ ... ولا الصُّدورُ على الأَعجازِ تَتَّكِلُ (٤) فإِنَّما معناهُ: يَمشينَ اتئادًا وسُكونًا وتَماهلًا». (٥) واستشهد القرطبي لهذا التفسير المُختارِ بشاهدٍ شعريٍّ آخر غير ما ذكره الطبري وابن عطية، وهو قول النابغة الذبياني: والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أَعِنَّتِها ... كالطَّيْرِ تَنْجُو من الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ (٦) وأَمَّا الزمخشريُّ فقد ذكر للرَّهوِ وجهين من التفسير، ولم يَجزِم بأَحدِهِما، واستشهدَ ببيتِ القُطاميِّ، وَوهمَ فنَسَبَهُ للأعشى (٧). وهذا المثال الجامع، دليلٌ على أَثَرِ الشاهدِ الشعريِّ في الترجيحِ

стр. 826

في التفسير، فقد كان مُرجِّحًا للتفسير الصحيح لهذه اللفظةِ، وقد سلكَ المفسرون منهجًا واحدًا في الترجيح بالشاهد الشعريِّ وإن اختلفت شواهدهم، وهو ترجيحٌ يتعلَّقُ بِمَعنى اللفظة في الآية. ٢ - ومن الأمثلة التي ظهر فيها أثر الشاهد الشعري في اختيار المعنى المناسب للفظة القرآنية ما قاله الطبري في معنى «التَّرائبِ» عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧] (١)، حيث ذكر أقوالَ أهل التفسير فيها، وهي ستة أقوالٍ: إِنَّها موضع القلادة من صدر المرأة، أو هي ما بين المنكبين والصدر، أو اليدان والرجلان والعينان، أو ما بين صُلبِ الرجلِ ونَحرهِ، أو الأضلاع التي أسفل الصُّلبِ، أو عُصارَةُ القَلبِ. (٢) ثُمَّ قال الطبري مَرجحًا للقولِ الأول: «والصوابُ من القَولِ في ذلكَ عِندنا، قولُ مَن قال: هو موضعُ القِلادةِ من المرأةِ، حيثُ تَقَعُ عليهِ مِن صَدرِها؛ لأَنَّ ذلك هوَ المعروفُ في كلامِ العَرَبِ، وبهِ جاءتْ أَشعارُهُم، قال المُثَقِّبُ العبديُّ: ومِنْ ذَهَبٍ يُسَنُّ على تَريبٍ ... كَلَونِ العاجِ ليسَ بِذِي غُضُونِ (٣) وقال آخر (٤): والزَّعْفرانُ على تَرائِبِها ... شَرِقا بِهِ اللَّبَّاتِ والنَّحْرُ (٥)». (٦) فرَجَّحَ ما دلت عليه شواهدُ الشعرِ، وما عُرِفَ مِن كلامِ العَرَبِ من

стр. 827

مَعنى الترائبِ وهوَ موضعُ القلادةِ من صَدرِ المرأةِ، وهو قولُ جُمهورِ المفسرينَ، وعليه إجْماعُ أهلِ اللغة. (١) وأما الأقوال الأخرى فقال ابن عطية عنها: «وفي هذهِ الأقوالِ تَحكُّمٌ على اللغةِ». (٢) ٣ - وفي تفسير ابن عطية للمروة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (٣) ذكر أقوال المفسرين في معنى المروة، فقد قيل: إِنَّها الحجارة الصغار التي فيها لِيْنٌ، وقيل: هي الحجارة الصلاب خاصة. ثُمَّ ذكر شاهد هذا القول الثاني من الشِّعرِ، وهو قولُ الشاعر: وتَولِّى الأرضَ خُفًّا ذَابِلًا ... فإِذا ما صَادفَ المَروَ خَضَعْ (٤) ثُمَّ قال: «والصحيحُ أَنَّ المَروَ الحِجارةُ، صَلِيبُها ورِخوُها، الذي يَتشَظَّى وتَرِقُّ حاشيتهُ، وفي هذا يُقالُ المَروُ أكثرُ، وقد يُقالُ في الصَّليبِ، وتأَمَّلْ قولَ أبي ذؤيب: حَتى كَأَنِّي لِلحَوادثِ مَرْوةٌ ... بِصفا المُشَقَّرِ كُلَّ يَومٍ تُقْرَعُ (٥)». (٦) فمعنى المروة في بيت أبي ذؤيب الحجارة الصَّلْبَةُ (٧)، قال في لسان العرب: «المَرْوُ: حجارة بيضٌ بَرَّاقة تكون فيها النار وتُقْدَح منها النار؛ قال أَبو ذؤيب: الواهِبُ الأُدْمَ كالمَرُوِ الصِّلاب، إِذا ... ما حارَدَ الخُورُ، واجْتُثَّ المَجاليحُ (٨) واحدتها مَرْوَةٌ ... وقال أَبو خَيْرَة: المَرْوة الحجر الأَبيض الهَشُّ يكون فيه النار، أَبوحنيفة (٩): المَرْوُ أَصلب الحجارة» (١٠).

стр. 828

٧ - ومن الأمثلة أيضًا التي تبين أثر الشاهد الشعري في الترجيح بين الأقوال في التفسير قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]﴾ (١) بعد أن ذكر اختلاف المفسرين في بلوغ الغلام، أم عدم بلوغه. فاختار القول ببلوغ الغلام، ومن جملة الأدلة التي استدل بها على صحة اختياره أن العرب تطلق على الشاب البالغ اسم الغلام، وليس وصف الغلام مقصورًا على الصغير الذي لم يبلغ فقال: «وقد احتجَّ أهلُ القولِ الأولِ بأَنَّ العَرَبَ تُبْقِي على الشابِّ اسمَ الغلامِ، ومنهُ قولُ ليلى الأخيلية: شَفاها مِن الدَّاءِ العُضالِ الذي بِها ... غُلامٌ إذا هَزَّ القناةَ سَقَاها (٢) وقال صفوانُ لحسان: تَلَقَّ ذُبابَ السَّيفِ عَنِّي فَإِنَّنِي ... غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَستُ بِشَاعرِ (٣)». (٤) وقد يكون الترجيحُ والاختيار لأصل اشتقاقيٍّ على آخرَ في اللفظةِ، ومن ذلك قولُ ابن عطية وهو يبين أصل اشتقاق لفظ القُرآن: «والقول الأولُ أَقوى أَنَّ القرآنَ مصدرٌ مِن «قرأ» إذا تلا، ومنه قولُ حسان بن ثابت يرثي عثمان بن عفان ﵁: ضَحَّوا بِأَشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ الليلَ تَسبيحًا وقُرآنا (٥) أي: قراءةً». (٦) وأمثلة استشهاد المفسرين بالشاهد الشعري عند الترجيح بين الأقوال في اختيار المعنى الصحيح للفظة القرآنية كثيرة. (٧)

стр. 829

ثانيًا: الترجيح بين الأساليب . استشهد المفسرون بالشعر في مواضع متفرقة من كتبهم عندما يقع الخلاف حول المعنى المراد بتركيب قرآني يحتمل أكثر من معنى، ويكون المجال مفتوحًا للمفسر ليختار المعنى الأليق بهذا التركيب، فيرجع المفسرون للغة لكي ينظروا في أمثال هذا التركيب والمراد به عند العرب. ومن أمثلة استشهاد المفسرين بالشعر للترجيح بين تراكيب قرآنية: ١ - قال القرطبي عند بيان المقصود بالآلِ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] (١): «واختلفت النحاةُ أيضًا هل يُضافُ الآلُ إلى المُضمرِ أَو لا؟ فمنعَ من ذلك النحاسُ والزبيديُّ والكسائيُّ، فلا يقالُ إِلَّا: اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وآلِ مُحمدٍ، ولا يُقال: وآلهِ. والصوابُ أَنْ يقالَ: أَهلهُ. وذهبت طائفةٌ أخرى إلى أَنَّ ذلك يُقالُ. منهم ابن السِّيد وهو الصوابُ؛ لأَنَّ السَّماعَ الصحيحَ يعضدهُ، فإِنَّهُ قد جاءَ في قول عبد المطلب: لا هُمَّ إِنَّ العَبدَ يَمنَـ ... ـعُ رَحْلَهُ فامنعْ حِلالَكْ وانصُرْ على آَلِ الصَّليـ ... ـبِ وعَابديهِ اليومَ آَلَكْ (٢) وقال نُدبَةُ: أَنا الفارسُ الحامي حَقيقةَ وَالدِي ... وآلي كَما تَحمِي حَقيقةَ آلِكا (٣) الحَقيقةُ - بقافين: ما يَحِقُّ على الإنسانِ أَن يَحميَهُ، أَي: تَجبُ عليه حِمَايتهُ». (٤)

стр. 830

وما ذهب إليه القرطبي استنادًا للسَّماعِ عن العرب الذي تشهد له شواهد الشعر، هو الذي اختاره عدد من النحويين كابن السِّيْدِ البَطَلْيُوسي، حيث قال: «وقد وجدنا مع ذلك «آلًا» في الشعر مُضافًا إلى المُضمَرِ ... وقال الكميت: فأَبْلِغْ بَنِي الهِنْدَيْنِ مِنْ آلِ وائِلٍ ... وآلِ مَنَاةٍ والأَقارِبِ آَلِها أَلُوكًا تُوافي ابني صَفيَّةَ وانتَجِعْ ... سَواحِلَ دُعمِيٍّ بِها ورِمَالَها (١)» (٢) ٢ - وقال الطبري وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (٣) وكيف قالَ الله: ﴿وَالنَّصَارَى﴾، والذي قال ذلك فريقٌ منهم لا جَميعهم: «العَرَبُ قد تُخرِجُ الخَبَرَ، إذا افتخرت مَخرجَ الخَبَرِ عن الجماعةِ، وإِن كان ما افتخرت بهِ مِن فعلِ واحدٍ منهم، فتقولُ: نَحنُ الأجوادُ الكرامُ، وإِنَّما الجوادُ فيهم واحدٌ منهم، وغيرُ المُتكلِّمِ الفاعلُ ذلكَ، كما قال جرير: نَدَسْنا أَبا مَنْدُوسَةَ القَيْنَ بِالقَنا ... ومَارَ دَمٌ مِنْ جَارِ بَيْبَةَ ناقِعُ (٤) فقال: «نَدَسْنا»، وإِنَّما النَّادِسُ رجلٌ من قَومِ جَريرٍ غيرُهُ، فأَخرجَ الخَبَر مَخرجَ الخبر عن جَماعةٍ هو أحدهم، فكذا أَخْبَر الله عَزَّ ذكرهُ عن النَّصارى أَنَّها قالت ذلك، على هذا الوجه إِنْ شاء الله». (٥) ٣ - وقال الزمخشري: «﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ [الفرقان: ٥]﴾ (٦) ... وعن الحَسَنِ: أَنَّهُ قول الله سبحانه يُكذِّبُهم، وإِنَّما يستقيم أَنْ لَو فُتحت الهمزةُ للاستفهام الذي في معنى الإنكار، ووجهه أن يكون نحو قوله:

стр. 831

أَفْرَحُ أَنْ أُرْزأَ الكِرامَ وأَنْ ... أُورَثَ ذَوْدًا شَصائِصًا نَبَلا! (١)». (٢) والبيت الذي ذكره الزمخشري يُستشهدُ به على حذفِ أَلفِ الاستفهام في «أَفْرَحُ»، وقد ذكر البطليوسيُّ أنَّهُ حَسُنَ الحذفُ في هذا البيتِ لِما في الكلامِ من دليلٍ عليهِ (٣)، أَمَّا ابن خالويه فذكرَ أَنَّه مِمَّا حُذِفَ ولا دلالةَ عليه، فقال: «أراد: أأفرح؛ لأنه إِنَّما يَجوزُ حذفها إذا كان بعدها «أَم»، لأَنَّ «أم» تدل عليها». (٤) ٤ - وقال الطبري عند كلامه عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ [الروم: ١٠] (٥): «وإنْ جعلتَ العاقبةَ الخَبَر نصبتَ، فقلتَ: ثُمَّ كان عاقبةَ الذين أَساؤوا السُّوأى، وجعلتَ السُّوأى هي الاسم، فكانت مرفوعةً، وكما قال الشاعر (٦): لقَدْ عَلِمَ الأَقوامُ ما كانَ دَاءَها ... بثِهلانَ إِلَّا الخزيَ مِمَّن يَقُودُها (٧) ورُويَ أيضًا: ................. ما كانَ دَاؤُها ... بِثَهلانَ إِلَّا الخِزيَ ..... نصبًا ورفعًا على ما قد بَيّنتُ، ولو فعل مثل ذلك مع «أَن» كان جائزًا، غير أَنَّ أفصحَ الكلامِ ما وصفتُ عندَ العَربِ». (٨)

стр. 832

ثالثًا: الترجيح بين القراءات، واختيار إحداها . تقدم الكلام عن أثر الشاهد الشعري في توجيه القراءات، وبيان معانيها، وهنا أثر آخر للشاهد الشعري ظهر في ذهاب المفسر إلى اختيار قراءة من القراءات، وترجيحها على غيرها، والاستشهاد لاختياره هذا بشواهد منها شواهد شعرية، تقوي معنى هذه القراءة، مع التنبيه إلى أن القراءة سنة متبعة، والعبرة فيها بثبوت إسنادها، كما قال أبو عمرو الداني في معرض إنكاره لصنيع بعض أهل اللغة حيث قدموها على القراءة الثابتة: «وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنةٌ متبعة، يلزم قبولها، والمصير إليها». (١) وهذا يكفي في بيان هذا الأمر، وقد سبق في مباحث الرسالة الإشارة إلى هذا، وهو أمر متقرر عند الباحثين. ومن أمثلة أثر الشاهد الشعري في ترجيح بعض المفسرين لبعض أوجه القراءات ما يأتي: ١ - قال الطبري وهو يذكر القراءات التي وردت في لفظة ﴿بَئِيسٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥] (٢) بعد أنْ ذكر القراءات الواردة فيها، وذكر شواهد من الشعر لتوجيه تلك القراءات: «وأَولى هذه القراءات عندي بالصواب، قراءةُ مَن قرأَ: ﴿بَئِيسٍ﴾ بفَتح الباءِ، وكسرِ الهمزةِ ومَدِّها، على مثالِ «فَعِيل»، كما قال ذو الأصبع العدواني: حَنَقًا عَليَّ ومَا تَرى ... لي فِيهمُ أَثَرًا بَئِيسَا (٣) لأَنَّ هذا التأويلَ أَجْمعوا على أنَّ معناهُ: شَديدٌ، فدلَّ ذلك على

стр. 833

صحةِ ما اخترنا». (١) فكان الشاهد الشعري مؤيدًا ومقويًا لاختياره هذا الوجه من القراءة لقوة معناها، وإن كان قد أورد شواهد شعرية تشهد للقراءات الأخرى التي ذكرها، مما يعني أن الطبري في ترجيحه بين القراءات لا يردُّ شيئًا مما ثبت منها، وبلغه ثبوتها، وإن أوحت عبارته أحيانًا بهذا، وإنما هو ترجيح اختيار وتفضيل لا ترجيحُ رَدٍّ وإِبطالٍ. (٢) ٢ - ومن الأمثلة التي كان الترجيح بين القراءات بِحَسب معانيها، ما ذكره الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥] (٣) وهو يُبَيّن أوجهَ القراءة في قوله ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ فذكر قراءةَ الجُمهورِ وأَنَّها بتشديدِ الدَّالِ، وأَنَّ معناها: وليُغَيْرَنَّ حالهَم عمَّا هيَ عليهِ من الخوفِ إلى الأَمْنِ، وأَنَّ العَرَبَ تقولُ: قد بُدِّلَ فُلانٌ إذا غُيّرَت حالُهُ ولَم يأَتِ مكانَ فلانٍ غَيرُه، وكذلك كُلُّ مُغَيّرٍ عن حالهِ، فهو بالتشديد، ورُبَّما قيل بالتخفيفِ، وليس بالفصيح. فأَمَّا إذا جَعَلَ مكانَ الشيءِ المُبدَلِ غيرَهُ، فذلك بالتخفيف: أَبْدَلتهُ فهو مُبْدَلٌ، ثُمَّ قال مبينًا وجه هذا التوجيه: «ومن الدليل على ما قلنا من أَنَّ التخفيفَ إِنَّما هو ما كان في إِبدالِ شيءٍ مَكانَ آخرَ، قولُ أبي النَّجمِ: عَزْلُ الأَميرِ للأَمِيْرِ المُبدَلِ (٤)». وهذا استشهاد للترجيح في وجه الاختيار بين القراءات، والقراءاتان متواترتان. وقد يتنازع الترجيحَ شاهدانِ من الشِّعرِ، فيُحملَ معنى الآيةِ على أَحدِ الشاهدين دون الآخر.

стр. 834

ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ......... ﴾ [النساء: ١٠٠] (١) وهو يوجه قراءة من قرأ برفع الكافِ من قولهِ: ﴿يُدْرِكْهُ﴾: «وقرأ طلحة بن سليمان، وإبراهيم النخعي فيما ذكر أبو عمرو (ثُمَّ يُدْرِكُهُ) برفع الكاف (٢)، قال أبو الفتح (٣): هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ثم هو يدركه الموت، فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم بفاعله، فهما إذن جملة، فكأنه عطف جملة على جملة، وعلى هذا حمل يونس بن حبيب قول الأعشى: إِنْ تَركبُوا فَرُكوبُ الخَيلِ عادتُنا ... أَو تَنْزِلونَ فإِنَّا مَعشَرٌ نُزُلُ (٤) المراد: وأنتم تنزلون، وعليه قول الآخر (٥): إِنْ تُذنِبُوا ثُمَّ تَأتِينِي بَقِيَّتُكُمْ ... فما عليَّ بذنبٍ عندكُمْ فَوتُ (٦) المعنى: ثم أنتم تأتيني، وهذا أوجهُ مِنْ أَن يَحمِلَه على قول الآخر (٧): ..................... ... أَلَمْ يأتِيكَ والأَنباءُ تَنْمِي». (٨) فَجعلَ ابنُ عطيةَ حَملَهُ على شاهد شعري دون آخر، لمناسبته.

стр. 835

وربما كان لكل من القولين شاهد شعري يؤيده، غير أن أحدهما أكثر استفاضة في شعر العرب ولغتها من الآخر، فيرجحه المفسر لذلك، ومن ذلك أن المفسرين اختلفوا في توجيه المعنى في مثل قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] (١) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ [البقرة: ٦٤]﴾ (٢)، وكيف أَنَّ الخِطابَ جاءَ للمُعاصرينَ للرسولِ ﷺ ، في حين إِنَّ المقصودَ بِهم أسلافهم مِمَّن كان في عهد موسى ﵇. على قولين: الأول: قول الطبري، حيث ذهبَ إلى أَنَّ هذا وإِنْ كانَ خِطابًا لِمَنْ كانَ بينَ ظَهراني مُهاجر رسول الله ﷺ مِن أهل الكتابِ أيامَ رسول الله ﷺ ، فإِنَّما هو خَبَرٌ عن أسلافهم، فأُخرِجَ مَخرجَ الخَبَرِ عنهم. واستشهدَ الطبريُّ بقول الأخطل يهاجي جريرًا: وَلَقَدْ سَمَا لَكمُ الهُذيلُ فَنَالَكُمْ ... بِإِرَابَ حَيثُ يُقَسِّمُ الأَنفالا في فَيلقٍ يَدعو الأَرَاقمَ لَمْ تَكُنْ ... فُرسَانُهُ عُزْلًا ولا أَكْفالا (٣) وقال الطبري: «ولم يلق جرير هذيلًا ولا أدركه، ولا أدرك إراب ولا شهده، ولكنه لما كان يومًا من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه وإلى قومه». (٤) الثاني: قول الفراء، حيث ذهب إلى إِنَّما قيلَ ذلك كذلك، لأن سامعيه كانوا عالمين - وإن كان الخطاب خرج خطابًا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب - أَنَّ المعنى في ذلك إِنَّما هو خَبَرٌ عمَّا قصَّ الله

стр. 836

من أَنباءِ أسلافهم، فاستغنى بعلمِ السامعينَ بذلك، عن ذكر أسلافهم بأَعيانِهم. واستشهد على ذلك بقول الشاعر (١): إذا مَا انتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئيمةٌ ... ولَمْ تَجِدِي مِنْ أَن تُقِرِّي بهِ بُدَّا (٢) فقال: «إذا ما انتسبنا»، و «إذا» تقتضي من الفِعل مُستقبلًا، ثُمَّ قال: «لَم تَلِدْني لَئيمةٌ»، فأَخْبَر عن مَاضٍ من الفعلِ، وذلك أَنَّ الولادة قد مَضَتْ وتَقدَّمَت، وإِنَّما فَعَلَ ذلكَ عند الفراء لأَنَّ السامعَ قد فَهِمَ معناهُ. (٣) قال الطبري بعد أن حكى قول الفراء: «والأَولُ الذي قُلنا، هُو المُستفيضُ مِنْ كلامِ العَربِ وخِطابِها». (٤) فمع وجود شاهد من الشعر يشهد لما ذهب إليه الفراء في توجيه المعنى وتفسيره، إلا أن استفاضة المعنى الذي ذكره الطبري في شعر العرب وكلامها جعله يرجح قوله ويختاره في تفسير الآية. وقد ذهب مذهب الطبري في توجيه هذه الآية عدد من النحويين. (٥) وشعر العرب وشواهده، شاهدة أن القرآن الكريم نزل على وفق كلام العرب وأساليبهم، وقد كرر العلماء هذه الحقيقة العلمية، في كتب معاني القرآن والتفسير. (٦) * * *

стр. 837

المبحث السادس: أثر الشاهد الشعري في بيان الأساليب القرآنية . الأساليب جَمعُ أُسلُوب، والأُسلُوبُ يُطلَقُ على أمورٍ منها: الطريق، والوجه، والمذهب، والفنّ. يقال: أنتم في أُسلوب شَرٍّ، أي في طريقِ شرٍّ. (١) ويقال: أَخَذ فلانٌ في أَسالِيبَ من القول أَي أَفانِينَ منه. (٢) وقد عُنِيَ العلماءُ بدراسة أساليب القرآن الكريم قَديمًا وحديثًا؛ لمعرفةِ أوجهِ بلاغتهِ وبَيانِهِ وإعجازهِ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، ولا بد أن يكون موافقًا لأساليبهم في البيان ليفهموا معانيه. وقد قرر هذا الإمام الطبري فقال: «فالواجب أن تكون معاني كتابِ الله المُنَزَّلِ على نبينا محمدٍ ﷺ لِمعاني كلامِ العَرَبِ موافقةً، وظاهرُه لظاهر كلامها مُلائمًا». (٣) وكان الشاهد الشعري من أَدلةِ قياس مدى موافقةِ أسلوب القُرآنِ لأساليبِ العَرَبِ في كلامها، وكثيرًا ما يُنَظِّرونَ بينَ أسلوبِ الشاهدِ من الشِّعرِ وأسلوب الآية القرآنية. وكان علماء السَّلَفِ حفاظًا للقرآن وللشِّعرِ، وكان استحضار الشواهد منهما سهلًا قريبًا عند الحاجة إليه. ومن أمثلة ذلك أَنَّ أبا الأسود الدؤلي قال في شعرٍ لهُ يشير إلى آل عليِّ بن أبي طالب ﵃، ومَحبتهِ لهم: فإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْدًا أُصِبْهُ ... ولَستُ بِمُخطئٍ إِنْ كانَ غَيَّا (٤)

стр. 838

فقيل له: شَكَكْتَ في حبهم إذن؟ فاستشهد بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (١) وقال: أفترونَ اللهَ شكَّ؟ (٢) وهذا يدل على حضور القرآن الكريم على قلبه ولسانه، يتناول الشاهد منه بيسر وسهولة. وهذا المبحث يدخلُ تَحتهُ الشواهدُ البلاغيةُ التي استشهد بِها المفسرون في كتب التفسير؛ لعنايتها بالأساليب، من حيث دراسة المعاني التي تؤديها هذه الأساليب والتراكيب في صورها المختلفة. (٣) وقد عُنِيَ علماءُ السلف بدراسة أساليب القرآن، والنظر في أساليب العرب في كلامِها، والبحث فيه عن شواهد شعرهم التي تشهد لهذه الأساليب، وقد أَشارَ أبو عُبيدةَ، والفراءُ، وابنُ قتيبةَ، والطبريُّ وغيرهم إلى كثير من الأساليب القرآنية، واستشهدوا لمعرفة العرب لها بشعرهم المحفوظ عنهم، ولا سيما شعر الجاهلية، فجاء أَثَرُ الشاهدِ الشعريِّ ظاهرًا للدارس المتتبع في معرفةِ أَساليبِ العَرَبِ، وأُسلوبِ القرآن. فقد تكلَّمَ أبو عبيدةَ عن أساليبَ قرآنية كثيرة، وأوردَ مِن شعرِ الاحتجاجِ ما يُماثِلُها، وإنْ كان يُعْوِزُهُ الشعرُ في بعض المواضع، فيضطرُّ للتمثيل بكلامٍ من عنده، ويكتفي بقوله: إِنَّ العربَ تفعلُ ذلك. (٤) وأبو عبيدة حريص على أن يؤكد صلةَ أسلوب القرآن، وفنون التعبير فيه بأَساليبِ العَرَبِ وفُنونِهم، والاستشهاد على ذلك بالشعر ما وجد شاهدًا. (٥) ومن أمثلة ذلك عند أبي عبيدة، أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ

стр. 839

الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]﴾ (١) أشارَ إلى أسلوب العرب في خِطابِها للشاهدِ خطابَها للغائبِ، فقال: «معناه: هذا القرآنُ، وقد تُخاطبُ العربُ الشاهدَ فَتُظهِرَ لَهُ مُخاطبةَ الغائبِ. قال خُفافُ بن نُدْبَة السُّلَميُّ: فإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا على عَيْنٍ تَيمَّمْتُ مالِكا أَقُولُ لَهُ والرُّمحُ يَأْطُرُ مَتنَهُ ... تَأَمَّلْ خُفافًا إِنَّنِي أَنا ذَلكا (٢)». (٣) وردَّ الطبريُّ هذا التفسيرَ، ذاهبًا إلى أَنَّه لا يشبهُ أسلوبُ الشاهدِ الشعريِّ أسلوبَ الآية. (٤) قال ابن كثير عند تفسيره لهذا الحرف: «قال ابن عباس: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ هذا الكتاب، وكذا قال مجاهدُ، وعكرمةُ، وسعيدُ بن جُبير، والسُّديُّ، ومُقاتلُ بن حيَّان، وزَيدُ بن أَسلَم، وابنُ جُريجٍ، أَنَّ «ذلك» بِمعنى «هذا»، والعَرَبُ تُقارِضُ بين هذين الاسمين مِن أَسماءِ الإشارة، فيستعملونَ كُلًا منهما مكانَ الآخرِ، وهذا معروفٌ في كلامِهم». (٥) والذي يبدو أن قول أبي عبيدة، وتفسير ابن عباس، وتلاميذه الذي ذكره ابن كثير وغيره، ليس معناه ما ذكره ابن كثير من أَنَّه مِن بابِ تعاقبِ أَسْماءِ الإشارة وتقارضها، دونَ أَن يدلَّ ذلك الاستعمالُ على غَرضٍ بلاغيٍّ، غير أَنَّ تفسيرَ السَّلفِ مُوجَزٌ مُختصرٌ، يَحملُ معاني كثيرة، وهم أعلمُ بالِّلسانِ مِمَّنْ بعدهم. وإِنَّما قَصَدَ أبو عبيدة ومن قبله تفسير المعنى الظاهر للحرف، وأَن التعبير بذلك هنا بِمعنى هذا، وإِنْ كانَ استعمالُ اسم الإشارةِ الدالِّ على البعيدِ في هذا الموضع لهُ وجهٌ بلاغيٌّ يدلُّ على عُلوِّ مكانةِ هذا الكتاب العظيمِ، وهذا تفسير عامة المفسرين في كتبهم، وهذا راجعٌ إلى الخلافِ بين المفسرين في مرجع الضمير في قوله:

стр. 840

«ذلك» (١) والقول بأن «ذلك» هنا على بابِها تُشيرُ إلى البعيد، وإن كان قريبًا للدلالةِ على علوِّ مكانتهِ ومقامهِ هو قول كثير من أهل اللغة والبلاغة والتفسير ومنهم الطبري، من أول ما صرح به المُبَرِّدُ (٢). والأمثلة التي بدأ أبو عبيدة بها في «مَجاز القرآن» لاستنباط الخصائص التعبيرية للأسلوب العربي، والاستشهاد عليها بشعر العرب، وموازنة ذلك بأسلوب القرآن الكريم، مُحاولةٌ رائدةٌ، رغمَ ما وقع فيها من قُصورٍ لا يسلم منه عملُ الروَّادِ، غَيْرَ أَنَّ الغايةَ من الكتابِ قد تَحقَّقتْ، وحيث إِنَّهُ لم يُسبَق في هذا - والله أعلم - فقد كانت مُحاولتهُ نِبْراسًا لِمَن بعده، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة. (٣) وقد ذكرَ أَحَدُ الباحثينَ أَنَّ الفكرةَ التي كانت تُراودُ أبا عبيدةَ وهو يؤلِّفُ كتابَه كانت «فكرةً مدرسيَّةً، يُحاولُ أَن يضعَ أمامَ طبقة المستعربين صورًا من التعبير في القرآن، وما يقابله من التعبير في الأدب العربي شِعرًا ونثرًا، وبَيَّنَ ما فيه من التجاوزِ أو الانتقالِ من المعنى القريبِ أو التركيبِ المعهود للألفاظ والعباراتِ إلى معانٍ وتراكيب أخرى اقتضاها الكلام». (٤) ثُمَّ جاء الفراء (ت ٢٠٧)، وهو معاصر لأبي عبيدة (ت ٢١٠)، وتوفي قبله، غير أَنَّ كتابَ أبي عبيدةَ قديمُ التأليف، وقد اطَّلعَ عليه الفراءُ، وعَرَّضَ بهِ في مواضعَ مِن كتابهِ دون أَن يُسمِّيه (٥)، وبالموازنةِ بين

стр. 841

الكتابَيْنِ تَبيَّن أَنَّ الفراء يستنكفُ أن يستشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة الشعرية، ويَلتمسُ مِن شعر العرب غَيْرَها (١)، وإِن استشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة فَعَلى وجهٍ غَير وجهِ أَبي عُبيدة (٢)، ورُبَّما ذَكرَ أبو عبيدة رأيًا دونَ شاهدٍ، فيذكره الفراء وياتي له بشاهدِ (٣)، ورُبَّما أَعوَزهُ الشاهد فترك شاهدَ أبي عبيدة وجاء بِمثالٍ من عنده (٤)، ونَحوِ هذه الظواهر التي تدلُّ على اطلاعِ الفراءِ على كتابِ المَجازِ وانتفاعه بهِ، وبشواهدهِ. وهذا دليل على أهمية كتاب أبي عبيدة، وسبقه، وأَنَّ المفسرينَ وأصحاب المعاني والغريب عيالٌ على شَواهدِه الشعريَّة، رغم اعتراضهم على بعض تفسيراته للقرآن أو للشواهد الشعرية، ولا سيما شواهده اللغوية لغريب القرآن، حتى الفراء استشهد بشواهد أبي عبيدة على الغريب (٥). والفراء كان يرى أَنَّ «كتابَ الله أَعربُ وأَقوى في الحُجَّةِ من الشعرِ» (٦)، ولذلك كان «يُقلِّلُ من الشاهدِ الشعريِّ، ولا يُفسِّرُ به الآياتِ تفسيرًا مباشرًا» (٧) كما صنع أبو عبيدة قبله. وقد أضاف الفراء في دراسته لأساليب القرآن على ما ذكره أبو عبيدة، واستشهد على ذلك بشواهد الشعر، ومِنْ أَهمِّ أمثلةِ ما أضافهُ الفراءُ حديثهُ عن أسلوبِ الإضمارِ إذا اجتمع الكلامُ، ودلَّ أولهُ على آخرهِ، فإنَّ العربَ تُتبعُ آخرَ الكلامِ بأولهِ، وإِنْ لَم يَحسُنْ في آَخرِهِ ما حَسُنَ في أَولِهِ. وقد ذكر الفراء ذلك عند توجيهه قراءة قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] (٨)، ووجه رفعِها، مَع كونِها معطوفةً على مَجرورٍ قبلَها فقال:

стр. 842

«أكثرُ القراءِ على الرَّفعِ؛ لأَنَّهم هابوا أَنْ يَجعلوا الحُورَ العِيْنَ يُطافُ بِهنَّ، فرفعوا على قولكَ: ولَهم حُورٌ عِيْنٌ، أو عندهم حُورٌ عِيْنٌ. والخَفضُ على أَن تُتْبِعَ آخرَ الكلامِ بِأَولهِ، وإِن لم يَحْسُنْ في آخرهِ ما حَسُنَ في أولهِ، أنشدني بعضُ العَربِ: إِذا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَومًا ... وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا (١) فالعَيْنُ لا تُزَجَّجُ، إِنَّما تُكَحَّلُ، فردَّها على الحواجب؛ لأنَّ المعنى يُعرفُ، وأنشدني آخرُ: ولَقيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحًا (٢) والرمحُ لا يُتقلَّدُ، فردَّه على السَّيفِ. وقال آخر: تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنهُ لَغَطا ... ولِليَدَينِ جَسْأَةً وبَدَدا (٣) وأنشدني بعضُ بَني دَبِيْر: عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بَارِدا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيناها (٤) والماءُ لا يُعتَلَفُ، إِنَّما يُشرَبُ، فجعله تابعًا للتبن». (٥) واحتجاج الفراء لهذا الأسلوب لم يُسبق إليه - فيما أعلم، وكلُّ من أَتى بَعَدَهُ نقلَ شواهدَهُ وتوجيهه. (٦) وللفراء إضافات أخرى على ما ذكره أبو عبيدة،

стр. 843

متفرقة في كلامه. (١) وجاءَ بعد أبي عبيدةَ والفراء ابنُ قتيبة (ت ٢٧٦)، فأفاد من كتابيهما، كما ذكرَ في منهجه (٢)، وقد أضاف إضافاتٍ قيمةً للخصائص والأساليب التي أشار إليها مَنْ تقدَّمَهُ، ولكنَّهُ كان يُعنى بالشاهدِ من القرآن أكثر من عنايتهِ بالشاهد الشعريِّ، دون أنْ يُنبِّهَ إلى ما تفرد القرآن به من الأساليب، وما شاركه فيه شِعرُ العَربِ كما كان يفعلُ أبو عبيدة والفراء، غير أَنَّهُ أَجادَ بتصنيفه لِمَا ذكره أبو عبيدة والفراء من مسائل، مع إضافاته التي أضافها. ومن أمثلة ما أضافه في باب دراسة الأساليب ما ذكره تحت باب «الحذف والاختصار» (٣)، وقد ذكر أبو عبيدة والفراء من أمثلة ذلك الكثير، لكنَّه هَذَّبَهُ ورتَّبهُ وزادَ فيهِ. مع استشهاده على كلِّ نوعٍ بشاهدٍ شعري أو أكثر. ومن إضافاته عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] (٤) أَنَّ العَربَ قد تَحذفُ المضافَ وتقيمَ المضافَ إليهِ مقامَه، فيكون معنى الآية: أجعلتم صاحب سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كم آمن؟ واستشهدَ على ذلك بقول المتنخِّل الهُذلي: يُمَشِّي بَينَنا حانُوتُ خَمْرٍ ... مِن الخُرْسِ الصَّراصِرةِ القِطاطِ (٥) أراد صاحبَ حانوتِ خَمرٍ، فأقام الحانوتَ مقامَهُ، وكذلك قولُ أبي ذؤيب في صفة الخمر:

стр. 844

تَوصَّلُ بالرُّكبانِ حِينًا وتُؤلِفُ الـ ... ـجِوارَ ويُغشيها الأَمانَ رِبابُها (١) اللفظُ للخَمرِ، والمعنى للخمَّار، أي: يتوصلُ الخمَّارُ بالرَّكبِ ليسيرَ معهم، ويأَمنَ بِهم. وكذلك قول أبي ذؤيب: أَتَوها بِربحٍ حَاولتهُ فَأَصبَحتْ ... تُكفَّتُ قد حَلَّتْ وساغَ شَرابُها (٢) يريدُ أَتوا صاحِبَها بِربحٍ فأَقامها مَقامه. (٣) وما ذكره ابن قتيبة في هذا الباب قد خرَّجَهُ بعضُ العلماءِ على المبالغةِ، أو المَجازِ، دونَ أن يكون هناك حذفٌ، والغرض التمثيل، والأمثلة لدى ابن قتيبة كثيرة (٤)، وقد انتفع به من أتى بعده من المفسرين وأهل البلاغة. (٥) وأَمَّا المُفسرونَ فقد كان لهم في الاستشهاد بالشعر واستنباط أساليب العرب في كلامه منه جهود ظاهرة، وأمثلته كثيرة، ومن تلك الأمثلة: ١ - من الأمثلة التي تكلم عنها المفسرون مطابقة النعتِ للمنعوت، ومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] (٦): «اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، وقرأه بعض قراءِ أهلِ الكوفةِ "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَحَ لَوَاقِحَ" فوحَّدَ الريحَ وهي موصوفةٌ بالجمعِ (٧)، أعني

стр. 845

بقوله: لواقح، وينبغي أن يكون معنى ذلك: أن الريح وإن كان لفظها واحدًا، فمعناها الجمع؛ لأنه يقال: جاءت الريح من كل وجه، وهبت من كل مكان، فقيل: لواقح لذلك، فيكونُ معنى جَمعِهم نعتها، وهي في اللفظ واحدة معنى قولهم: أَرضٌ سَباسِب، وأَرضٌ أَغْفالٌ (١)، وثوب أخلاق، كما قال الشاعر (٢): جاءَ الشتاءُ وقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَراذِمٌ يَضحَكُ منهُ التوَّاقْ (٣) وكذلك تفعلُ العَرَبُ في كلِّ شيءٍ اتسعَ». (٤) وهذا الأسلوب سَبَقَ إلى ذكرهِ الفراء في معانيه، مع ذكر شاهده الشعري. (٥) ٢ - وقال الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] (٦): «عن ابن عباس قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قال: ما يدريك؟ لعلها بعَمَدٍ لا تَرونَها. ومَنْ تأولَ ذلكَ كذلك، قصدَ مذهبَ تقديمِ العَربِ الجَحْدَ من آخر الكلام إلى أَوَّلهِ، كقول الشاعر (٧): ولا أَراها تَزَالُ ظَالِمَةً ... تُحدِثُ لي نَكبةً وتُنْكَؤُها (٨) يريدُ: أَراها لا تَزالُ ظالِمةً، فقدَّم الجحدَ عن موضعهِ من «تزال»، وكما قال الآخر: إذا أَعجَبَتْكَ الدَّهرَ حَالٌ مِن امرئٍ ... فَدَعْهُ وَواكِلْ حَالَهُ والليَالِيا
следующие страницы →