← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 148084

الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم أهميته، وأثره، ومناهج المفسرين في الاستشهاد به

عبد الرحمن بن معاضة الشهري

Полный текст (950 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الكتابَيْنِ تَبيَّن أَنَّ الفراء يستنكفُ أن يستشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة الشعرية، ويَلتمسُ مِن شعر العرب غَيْرَها (١)، وإِن استشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة فَعَلى وجهٍ غَير وجهِ أَبي عُبيدة (٢)، ورُبَّما ذَكرَ أبو عبيدة رأيًا دونَ شاهدٍ، فيذكره الفراء وياتي له بشاهدِ (٣)، ورُبَّما أَعوَزهُ الشاهد فترك شاهدَ أبي عبيدة وجاء بِمثالٍ من عنده (٤)، ونَحوِ هذه الظواهر التي تدلُّ على اطلاعِ الفراءِ على كتابِ المَجازِ وانتفاعه بهِ، وبشواهدهِ. وهذا دليل على أهمية كتاب أبي عبيدة، وسبقه، وأَنَّ المفسرينَ وأصحاب المعاني والغريب عيالٌ على شَواهدِه الشعريَّة، رغم اعتراضهم على بعض تفسيراته للقرآن أو للشواهد الشعرية، ولا سيما شواهده اللغوية لغريب القرآن، حتى الفراء استشهد بشواهد أبي عبيدة على الغريب (٥). والفراء كان يرى أَنَّ «كتابَ الله أَعربُ وأَقوى في الحُجَّةِ من الشعرِ» (٦)، ولذلك كان «يُقلِّلُ من الشاهدِ الشعريِّ، ولا يُفسِّرُ به الآياتِ تفسيرًا مباشرًا» (٧) كما صنع أبو عبيدة قبله. وقد أضاف الفراء في دراسته لأساليب القرآن على ما ذكره أبو عبيدة، واستشهد على ذلك بشواهد الشعر، ومِنْ أَهمِّ أمثلةِ ما أضافهُ الفراءُ حديثهُ عن أسلوبِ الإضمارِ إذا اجتمع الكلامُ، ودلَّ أولهُ على آخرهِ، فإنَّ العربَ تُتبعُ آخرَ الكلامِ بأولهِ، وإِنْ لَم يَحسُنْ في آَخرِهِ ما حَسُنَ في أَولِهِ. وقد ذكر الفراء ذلك عند توجيهه قراءة قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] (٨)، ووجه رفعِها، مَع كونِها معطوفةً على مَجرورٍ قبلَها فقال:

стр. 842

«أكثرُ القراءِ على الرَّفعِ؛ لأَنَّهم هابوا أَنْ يَجعلوا الحُورَ العِيْنَ يُطافُ بِهنَّ، فرفعوا على قولكَ: ولَهم حُورٌ عِيْنٌ، أو عندهم حُورٌ عِيْنٌ. والخَفضُ على أَن تُتْبِعَ آخرَ الكلامِ بِأَولهِ، وإِن لم يَحْسُنْ في آخرهِ ما حَسُنَ في أولهِ، أنشدني بعضُ العَربِ: إِذا ما الغَانِياتُ بَرَزْنَ يَومًا ... وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا (١) فالعَيْنُ لا تُزَجَّجُ، إِنَّما تُكَحَّلُ، فردَّها على الحواجب؛ لأنَّ المعنى يُعرفُ، وأنشدني آخرُ: ولَقيتُ زَوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحًا (٢) والرمحُ لا يُتقلَّدُ، فردَّه على السَّيفِ. وقال آخر: تَسْمَعُ للأَحْشاءِ مِنهُ لَغَطا ... ولِليَدَينِ جَسْأَةً وبَدَدا (٣) وأنشدني بعضُ بَني دَبِيْر: عَلَفْتُها تِبْنًا ومَاءً بَارِدا ... حتى شَتَتْ هَمَّالةً عَيناها (٤) والماءُ لا يُعتَلَفُ، إِنَّما يُشرَبُ، فجعله تابعًا للتبن». (٥) واحتجاج الفراء لهذا الأسلوب لم يُسبق إليه - فيما أعلم، وكلُّ من أَتى بَعَدَهُ نقلَ شواهدَهُ وتوجيهه. (٦) وللفراء إضافات أخرى على ما ذكره أبو عبيدة،

стр. 843

متفرقة في كلامه. (١) وجاءَ بعد أبي عبيدةَ والفراء ابنُ قتيبة (ت ٢٧٦)، فأفاد من كتابيهما، كما ذكرَ في منهجه (٢)، وقد أضاف إضافاتٍ قيمةً للخصائص والأساليب التي أشار إليها مَنْ تقدَّمَهُ، ولكنَّهُ كان يُعنى بالشاهدِ من القرآن أكثر من عنايتهِ بالشاهد الشعريِّ، دون أنْ يُنبِّهَ إلى ما تفرد القرآن به من الأساليب، وما شاركه فيه شِعرُ العَربِ كما كان يفعلُ أبو عبيدة والفراء، غير أَنَّهُ أَجادَ بتصنيفه لِمَا ذكره أبو عبيدة والفراء من مسائل، مع إضافاته التي أضافها. ومن أمثلة ما أضافه في باب دراسة الأساليب ما ذكره تحت باب «الحذف والاختصار» (٣)، وقد ذكر أبو عبيدة والفراء من أمثلة ذلك الكثير، لكنَّه هَذَّبَهُ ورتَّبهُ وزادَ فيهِ. مع استشهاده على كلِّ نوعٍ بشاهدٍ شعري أو أكثر. ومن إضافاته عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] (٤) أَنَّ العَربَ قد تَحذفُ المضافَ وتقيمَ المضافَ إليهِ مقامَه، فيكون معنى الآية: أجعلتم صاحب سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام كم آمن؟ واستشهدَ على ذلك بقول المتنخِّل الهُذلي: يُمَشِّي بَينَنا حانُوتُ خَمْرٍ ... مِن الخُرْسِ الصَّراصِرةِ القِطاطِ (٥) أراد صاحبَ حانوتِ خَمرٍ، فأقام الحانوتَ مقامَهُ، وكذلك قولُ أبي ذؤيب في صفة الخمر:

стр. 844

تَوصَّلُ بالرُّكبانِ حِينًا وتُؤلِفُ الـ ... ـجِوارَ ويُغشيها الأَمانَ رِبابُها (١) اللفظُ للخَمرِ، والمعنى للخمَّار، أي: يتوصلُ الخمَّارُ بالرَّكبِ ليسيرَ معهم، ويأَمنَ بِهم. وكذلك قول أبي ذؤيب: أَتَوها بِربحٍ حَاولتهُ فَأَصبَحتْ ... تُكفَّتُ قد حَلَّتْ وساغَ شَرابُها (٢) يريدُ أَتوا صاحِبَها بِربحٍ فأَقامها مَقامه. (٣) وما ذكره ابن قتيبة في هذا الباب قد خرَّجَهُ بعضُ العلماءِ على المبالغةِ، أو المَجازِ، دونَ أن يكون هناك حذفٌ، والغرض التمثيل، والأمثلة لدى ابن قتيبة كثيرة (٤)، وقد انتفع به من أتى بعده من المفسرين وأهل البلاغة. (٥) وأَمَّا المُفسرونَ فقد كان لهم في الاستشهاد بالشعر واستنباط أساليب العرب في كلامه منه جهود ظاهرة، وأمثلته كثيرة، ومن تلك الأمثلة: ١ - من الأمثلة التي تكلم عنها المفسرون مطابقة النعتِ للمنعوت، ومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] (٦): «اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، وقرأه بعض قراءِ أهلِ الكوفةِ "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَحَ لَوَاقِحَ" فوحَّدَ الريحَ وهي موصوفةٌ بالجمعِ (٧)، أعني

стр. 845

بقوله: لواقح، وينبغي أن يكون معنى ذلك: أن الريح وإن كان لفظها واحدًا، فمعناها الجمع؛ لأنه يقال: جاءت الريح من كل وجه، وهبت من كل مكان، فقيل: لواقح لذلك، فيكونُ معنى جَمعِهم نعتها، وهي في اللفظ واحدة معنى قولهم: أَرضٌ سَباسِب، وأَرضٌ أَغْفالٌ (١)، وثوب أخلاق، كما قال الشاعر (٢): جاءَ الشتاءُ وقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَراذِمٌ يَضحَكُ منهُ التوَّاقْ (٣) وكذلك تفعلُ العَرَبُ في كلِّ شيءٍ اتسعَ». (٤) وهذا الأسلوب سَبَقَ إلى ذكرهِ الفراء في معانيه، مع ذكر شاهده الشعري. (٥) ٢ - وقال الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] (٦): «عن ابن عباس قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قال: ما يدريك؟ لعلها بعَمَدٍ لا تَرونَها. ومَنْ تأولَ ذلكَ كذلك، قصدَ مذهبَ تقديمِ العَربِ الجَحْدَ من آخر الكلام إلى أَوَّلهِ، كقول الشاعر (٧): ولا أَراها تَزَالُ ظَالِمَةً ... تُحدِثُ لي نَكبةً وتُنْكَؤُها (٨) يريدُ: أَراها لا تَزالُ ظالِمةً، فقدَّم الجحدَ عن موضعهِ من «تزال»، وكما قال الآخر: إذا أَعجَبَتْكَ الدَّهرَ حَالٌ مِن امرئٍ ... فَدَعْهُ وَواكِلْ حَالَهُ والليَالِيا

стр. 846

يَجِئْنَ على ما كانَ مِنْ صَالحٍ بهِ ... وإِنْ كانَ فِيما لا يَرى النَّاسُ آليا (١) يعني: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو». (٢) وقد ذكر ابن الأنباري هذا اللفظ وأنه من الأضداد، فقال في تفسير هذه الآية: «ومِمَّا فُسِّر مِن كتاب الله تفسيرين متضادّين، قوله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، يقال: معناه خلقها مرفوعة بلا عَمَد، فالجحْد واقع في موضعه الَّذي يجب كونه فيه، ثمَّ قال بعد: (تَرَوْنَهَا) أَي: لا تحتاجون مع الرؤية إِلى خَبَرٍ. ويفسَّر تفسيرًا آخر، وهو: الله الَّذي رفع السموات بعمد لا ترون تلك العمد، فدخل الجحْد على العَمَد في اللفظ، وهو في المعنى منقول إِلى الرؤية؛ كما تقول العرب: ما ضربتُ عبدَ اللهِ وعندَهُ أَحَدٌ، يريدون: ضربتُ عبدَ الله وليس عندَه أَحَدٌ. ويقال: ما ينشأُ أَحدٌ بِبَلَدٍ فيزالُ يذكره؛ أَي إِذا نشأَ ببلدٍ لم يزل يذكره. وأَنشد الفَرَّاءُ حجَّة لهذا المعنى ... ». (٣) ثم ذكر شواهد الفراء التي ذكرها الطبري مع تفسيرها. ٣ - وقال الطبريُّ عند تفسير قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨] (٤): «واكتفى بـ ﴿كَيْفَ﴾ دليلًا على معنى الكلام، لتقدم ما يراد من المعنى بها قبلها، وكذلك تفعل العرب، إذا أعادت الحرف بعد مضي معناه، استجازوا حذف الفعل، كما قال الشاعر (٥): وخَبَّرْتُماني أَنَّما الموتُ في القُرَى ... فَكيفَ وهَذي هَضْبَةٌ وكَثِيبُ (٦) فحذف الفعل بعد ﴿كَيْفَ﴾ لتقدم ما يراد بعدها قبلها. ومعنى الكلام: فكيف يكون الموت في القرى، وهذي هضبة وكثيب، لا ينجو

стр. 847

فيهما منه أحد؟ ». (١) ورُبَّما يحمل بعض المفسرين معنى بعض الحروف في القرآن على غير وجهها في الآية، لمجرد أنها قد تأتي في اللغة بمعنى من المعاني، وإن كان سياق الآية لا يحتمله، فينبه المفسرون على هذا، وينفون أن يكون معنى هذا الحرف كذا. ومن ذلك قول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ [الأعراف: ١١] (٢): «فإنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ العربَ إذ كانت رُبَّما نَطقتْ بـ «ثُمَّ» في موضع «الواو» في ضرورةِ شعرٍ، كما قال بعضهم (٣): سَأَلْتُ ربيعةَ: مَنْ خَيْرُها ... أَبًا ثُمَّ أَمًّا؟ فقالَتْ: لِمَهْ (٤) يعني أبًا وأُمًّا، فإِنَّ ذلك جائزٌ أَن يكونَ نظيره فإِنَّ ذلك بِخلافِ ما ظنَّ. وذلك أَنَّ كتابَ الله جلَّ ثناؤه نزلَ بأفصحِ لغات العربِ، وغير جائزٍ توجيهُ شيءٍ منهُ إلى الشاذِّ مِن لغاتِها، ولَهُ في الأفصحِ الأشهرِ معنىً مفهومٌ، ووجهٌ معروفٌ». (٥) وهذا منهج الطبري في تأكيده المتكرر، على أَنَّ القُرآنَ يَجبُ حَملُه وتفسيره على اللغة المستفيضة المشهورة التي تعرفها العربُ في شعرها وكلامها، لا على ما شذَّ من لغاتِها، وإن كانت لغات صحيحة، سواء كان ذلك في الألفاظ أو الأساليب. ٤ - ومن ذلك قول الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ [الأنعام: ١١٧] (٦): «وقد زَعَمَ بعضُهم أَنَّ قولَه: ﴿أَعْلَمُ﴾ في هذا الموضع بِمَعنى يَعْلَم، واستشهدَ لقيلهِ ببيتِ حَاتمِ الطائيِّ:

стр. 848

فَحَالَفَتْ طَيّءٌ مِنْ دُونِنا حَلِفًا ... واللهُ أَعْلَمُ ما كُنَّا لَهُمْ خُذُلا (١) وبقول الخنساء: القومُ أَعْلَمُ أَنَّ جَفْنَتَهُ ... تُعدو غَداةَ الرِّيحِ أَو تَسري (٢) وهذا الذي قاله قائل هذا التأويل، وإن كان جائزًا في كلام العرب، فليس قول الله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]﴾ منه، وذلك أنه عطف عليه بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فأَبانَ بدخولِ «الباء» في (المهتدين) أَنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ ليس بمعنى يَعلَم؛ لأَنَّ ذلك إذا كان بِمعنى «يفعلُ»، لم يُوصَل بالباء، كما لا يُقالُ: هو يعلمُ بزيدٍ، بِمعنى: يعلم زيدًا». (٣) وهذا منهج الطبري في دراسته لأسلوب القرآن، فلا يجعله الشاهد الشعري مهما كان صحيحًا، يترك تفسير السلف، ولا أسلوب القرآن الخاص، ويحمل معنى الآية على أسلوب الشاهد الشعري، وإنما يقدم ما أجمعت عليه الحجة من أهل التفسير، ثم دلالة سياق الآيات، ثم دلالة اللغة المستفيضة المعروفة في أشعار العرب، فوضع بهذا الشاهد الشعري في موضعه الصحيح من التفسير. ٥ - ومن الأمثلة على استعانة الطبري بالشعر في فهمه لأساليب القرآن قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] (٤): «فإِنْ قالَ لنا قائلٌ: إنك ذكرت أن معنى قول الله تعالى ذكره: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ خَمدت وانطفأت، وليس ذلكَ بِمَوجودٍ في القرآن، فما دلالتكَ على أَنَّ ذلكَ معناه؟ قيل: قد قلنا: إِنَّ مِن شأنِ العربِ الإيجازُ والاختصارُ، إذا كان فيما نطقتْ بهِ الدلالةُ الكافيةُ على ما حَذَفت وتَركت، كما قال أبو ذؤيب الهذلي:

стр. 849

عَصيتُ إليها القَلْبَ إِنِّي لأَمْرِها ... سَمِيعٌ، فما أَدْري أَرُشْدٌ طِلابُها (١) يعني بذلك: فما أَدري أَرُشدٌ طِلابُها أَم غَيٌّ، فحذف ذكر «أَم غَيّ»؛ إذ كان فيما نَطقَ به الدلالة عليها، وكما قال ذو الرُّمَّةِ في نَعت حَميرٍ: فلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حِيْنَ نَصَّبَتْ ... لَهُ مِنْ خَذا آذانِها وهُو جَانِحُ (٢) يعني: أو حِيْنَ أقبلَ الليلُ، في نظائر لذلك كثيرة، كرهنا إطالة الكتاب بذكرها. فكذلك قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] لَمَّا كان فيهِ وفيما بَعدَهُ من قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] دلالةٌ على المتروكِ كافيةٌ من ذكرهِ، اختصرَ الكلام طلبَ الإيجاز». (٣) وهذا مثال واضح على أثر الشاهد الشعري في التعرف على أساليب القرآن، والطبري أكثر المفسرين عنايةً بهذا. ومن الأساليب التي تكلم عنها المفسرون في القرآن، واستشهدوا عليها بشعر العرب أسلوب الاستهزاء. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩] (٤) مبينًا هذا الأسلوب في الآية: «أَي: على قولِكَ، وهذا كما قال جريرُ: أَلَمْ يَكُنْ في وُسومٍ قَد وَسَمْتُ بِها ... مَنْ خانَ مَوعظةً، يا زَهرةَ اليَمَنِ (٥) يقولُها للشاعرِ الذي سَمَّى نفسَه به، وذلك في قوله: أَبْلِغْ كُلَيبًا وأَبْلِغ عنكَ شاعِرَها ... أَنِّي الأَغَرُّ وأَنِّي زَهرةُ اليَمَنِ (٦) فجاءَ بيتُ جرير على هذا الهُزءِ». (٧) فأسلوب الاستهزاء في الآية، كأسلوب الاستهزاء في الشاهد الشعري.

стр. 850

ومن الأساليب التي تعرض لها المفسرون أسلوب الحذف في القرآن الكريم. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٧] (١): «وفي هذه الآيةِ مُعادلةٌ مَحذوفةٌ يقتضيها ظاهرُ اللفظِ، تقديرهُ: أَفَمنْ كانَ على بينةٍ مِن ربِّهِ كمَن كفرَ بالله وكذَّبَ أنبياءَه. ونحو هذا - في معنى الحذفِ - قوله عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] (٢) لكانَ هذا القرآنُ. ومن ذلك قول الشاعر (٣): فأُقْسِمُ لو شَيءٌ أَتانا رَسُولُهُ ... سِواكَ ولكنْ لَمْ نَجِدْ لكَ مَدْفَعا (٤) التقديرُ: لرَددنَاهُ ولم نُصْغِ إليهِ». (٥) والطبري وابن عطية يكثرونَ من ذكر أساليب العرب، ويُنظِّرون ذلك بشواهد الشعر، ولكنَّهم قلَّما توقفوا عند الوجه البلاغي في التعبير، أَمَّا الزمخشريُّ فقد عُنِيَ باستنباطِ الأوجهِ البلاغية الكامنة في هذه الأساليب. ومن أمثلة ذلك قوله عند بيان الوجه البلاغي في تعبير الله بالفعل المضارع في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] (٦) فقال: «فإن قلتَ: لِمَ جاءَ ﴿فَتُثِيرُ﴾ على المضارعةِ دونَ ما قبلَهُ، وما بعده؟ قلتُ: ليحكيَ الحالَ التي تقعُ فيها إثارةُ الرياحِ السَّحابَ، وتستحضرَ تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعلٍ فيه نوعُ تَمييزٍ وخصوصيةٍ بِحالٍ تُستَغربُ، أو تَهُمُّ المخاطَب، أو غير ذلك، كما قال تأبط شرًا: بِأَنِّي قد لَقيتُ الغُولَ تَهوِي ... بِسَهبٍ كالصحيفةِ صَحْصَحانِ

стр. 851

فأَضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ... صَريعًا لليَدينِ وللجِرانِ (١) لأَنَّهُ قصدَ أَنْ يصورَ لقومهِ الحالةَ التي تشجَّعَ فيها - بِزعمهِ - على ضَربِ الغُولِ، كأَنَّهُ يُبَصِّرُهُم إِيَّاها، ويُطلِعُهُم على كُنهِها، مُشاهدةً للتعجيبِ مِن جُرأتهِ على كُلِّ هَولٍ، وثَباتهِ عند كلِّ شدة». (٢) وقال الزمخشريُّ عند بيان الوجه البلاغي في وصف العُتوِّ بالكبير في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] (٣): «وقد وصفَ العُتُوَّ بالكبيرِ، فبالغَ في إفراطهِ، يعني أَنَّهم لم يَخسروا على هذا القولِ العظيم، إِلَّا لأَنَّهم بلغوا غايةَ الاستكبار، وأقصى العتوِّ. واللامُ جوابُ قسمٍ مَحذوف، وهذه الجملةُ في حُسْنِ استئنافِها غَايةٌ، وفي أُسلوبِها قَولُ القائلِ (٤): وجَارةِ جَسَّاسٍ أَبأَنا بِنَابِها ... كُلَيبًا غَلتْ نَابٌ كُليبٌ بَواؤُها (٥) وفي فحوى هذا الفعلِ دليلٌ على التعجبِ من غير لفظ التعجبِ. أَلا ترى أنَّ المعنى: ما أشدَّ استكبارَهم، وما أكبَر عُتوَّهُم، وما أَغلى نَابًا بَواؤها كُليبٌ». (٦) وظهر من دراسة أسلوب القرآن الكريم، وموازنته بأساليب العرب في شعرها قبل الإسلام وبعده القدرةُ على نسبةِ بعض الشواهد المَجهولة في كتب التفسير. وقد تنبَّه الطاهرُ بن عاشور للأساليبِ والألفاظ التي وردت في القرآن ولم تكن معروفةً من قبلُ في لغة العربِ وشعرهم في الجاهلية، وظهر له ما سَمَّاهُ بِمُبتكراتِ القرآنِ، وذكر أمثلة كثيرةً، وسأقتصر على بعض الأمثلة التي كان للشاهد الشعري فيها أَثَرٌ، وقد توصل ابن عاشور بِموازنتهِ بين أسلوبِ القرآنِ، وأُسلوبِ العربِ في

стр. 852

شعرهم إلى نتائجَ نقدية مُهمّة، كنَفي نسبة بعض الشواهد لشعراء الجاهلية. ومن هذه الأمثلة التي ذكرها ابن عاشور، ونصَّ على أَنَّها من «مبتكرات القرآن»، وأَنَّه لم يَجِد للعربِ في شِعرِها أو نَثرِها مثلَه، واستدل بها على ترجيح نسبة شواهد شعرية إلى قائل دون آخر، ما جاء عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩] (١) قال: «والأَخذُ حقيقتهُ تناولُ شَيءٍ للانتفاعِ بهِ أَو لإضرارهِ، كما يقال: أخذتُ العدوَّ من تلابيبه، ولذلك يُقالُ في الأسير أَخِيذٌ، ويقالُ للقوم إذا أُسِروا: أُخِذُوا، واستُعمِلَ هنا مَجازًا فاستُعِيْرَ للتلبسِ بالوصفِ، والفعل من بين أفعالٍ لو شاء لتلَبس بِها، فيُشبّه ذلك التلبسَ واختيارَهُ على تلبسٍ آخر بأخذِ شيء مِن بَينِ عِدةِ أشياء، فمعنى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: عَامِل به واجْعله وصفًا ولا تتلبس بضده. وأَحسب استعارة الأَخذِ للعُرفِ مِن مُبتكراتِ القرآن ولذلك أُرجِّحُ أَنَّ البيتَ المشهورَ وهوَ: خُذي العفوَ مني تَستديْمي مَوَدَّتي ... ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ هو لأَبي الأَسودِ الدؤليِّ (٢)، وأَنَّه اتبع استعمال القرآن، وأَنَّ نسبته إلى أسماءَ بن خارجة الفزاريِّ، أو إلى حاتمِ الطائي غير صحيحة». (٣) وقد ذكر الأصفهاني هذا البيت فقال: «والشعر لأَسْماءَ بن خارجة الفزاري، وقد قيل: إِنَّهُ لأبي الأسود الدؤلي، وليس ذلك بصحيح». (٤) ونسبه بعضهم إلى عامر بن عمرو من بني البكاء. (٥) ونسبه آخرون إلى أسماء بن خارجة. (٦) ونسبه بعضهم لشريح القاضي. (٧)، والجديد في

стр. 853

الأمر هو أن الطاهر بن عاشور اتخذ من معنى البيت وأسلوبه مرجحًا لنسبته لأبي الأسود الدؤلي دون بقية المنسوب إليهم هذا الشعر. وقال الطاهر ابن عاشور أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧] (١): «ووصف اليوم بأَنَّهُ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ وَصفٌ لَهُ باعتبار ما يقعُ فيه من الأهوالِ والأحزانِ؛ لأنه شاع أَنَّ الهمَّ مِمَّا يُسرعُ به الشيبُ، فلمَّا أُريدَ وصفُ همِّ ذلك اليوم بالشدة البالغة أقواها، أسند إليه يُشيِّبُ الولدان الذين شَعَرُهُم في أول سواده. وهذه مُبالغةٌ عجيبةٌ وهي من مُبتكراتِ القرآنِ فيما أَحسب؛ لأَنِّي لَم أَرَ هذا المعنى في كلامِ العرب، وأَمَّا البيت الذي يُذكرُ في شواهد النحو وهو: إِذَنْ والله نَرميَهُم بِحَربٍ ... تُشيبُ الطفلَ مِنْ قبلِ المشيبِ (٢) فلا ثُبوتَ لنسبته إلى مَنْ كانوا قبلَ نُزولِ القرآنِ، ولا يُعرفُ قائلهُ، ونسبهُ بعض المؤلفينَ إلى حسان بن ثابت، وقال العينيُّ: لم أجدهُ في ديوانهِ (٣)، وقد أخذ المعنى الصِّمَّةُ بن عبد الله القشيري في قوله: دَعانيَ مِنْ نَجدٍ فإِنَّ سِنِينَهُ ... لَعِبْنَ بنا شِيبًا وشَيَّبْنَنا مُردا (٤) وهو من شعراء الدولة الأموية». (٥) والأمثلة على ذلك عند ابن عاشور متعددة على استعانته بأسلوب القرآن ومعرفته بأسلوب الشعر، في معرفة نسبة بعض الشواهد المختلف في نسبتها، بناء على الأسلوب. (٦)

стр. 854

المبحث السابع: أثر الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل في كتب التفسير . المُرادُ باللغةِ في هذا المبحث ما يُسمَّى حديثًا باللَّهجةِ، وهي «مَجموعةٌ من الصفاتِ اللغويَّةِ، تنتمي إلى بيئةٍ خاصةٍ، ويشترك في هذه الصفات جَميعُ أفرادِ هذه البيئة» (١)، وهي اللغة التي جبل عليها الإنسان فاعتادها ونشأ عليها؛ لأنها هي التي يعرف بها بين أبناء لغته (٢). وبيئةُ اللهجةِ جزءٌ من بيئةٍ أَوسعُ وأَشْمَلُ، وهي بيئة اللغة، وهي: «مجموعة من اللهجات، لكل منها خصائصها، ولكنها تشترك جميعًا في مجموعة من الظواهر اللغوية التي تيسر اتصال أفراد هذه البيئات بعضهم ببعض، وفهم ما قد يدور بينهم من حديث فهمًا يتوقف على قدر الرابطة التي تربط هذه اللهجات» (٣)، فالعلاقة بين اللغة واللهجة بمعناهما الاصطلاحي هي علاقةٌ بين عامٍ وخاصٍ. ويُعبِّر القدماءُ باللغةِ ويَعنونَ بِها ما يُسمَّى الآن باللهجة، فيُشِيْرُ أصحاب المعاجم إلى لغةِ تَميمٍ، ولغة طيء، ولغة هذيل، وهم يريدون بذلك اللهجات (٤). وقد يعبّرون بكلمة اللسان، وهو تعبير القرآن: ﴿وَمَا

стр. 855

أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] (١)، وهو الذي تعرفه العربُ في كلامها، ولم أجد لفظةَ «اللغة» مستعملةً في كلام الاحتجاج بكثرةٍ، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: «لم يبعث الله نبيًا إلا بلغة قومه» (٢). والقرآن الكريم نزل بلغةِ العَرَبِ، وقد ورد في آيات كثيرة وصف القرآن بالعربي من مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢] (٣) وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] (٤)، وغيرها (٥)، وقد تبيَّنَ من نتائج المباحث السابقة أن المفسرين قد استشهدوا بشعرِ جَميع شعراءِ القبائلِ، وأن المفسرين لم يفرقوا بين شعراء القبائل في الاستشهاد، ويُسمُّون كلَّ ما قاله شعراءُ الاحتجاج عربيةً، ويقولون: قالت العرب كذا. وقد كان الشاهدُ الشعريُّ الحجةَ التي احتفظ بِها اللغويون عندما سَجلوا لغاتِ العرب، فلا تكادُ تَجدُ النصَّ على لهجةٍ من اللهجات إلا مصحوبًا بِما يشهد له من الشعرِ، فإِمَّا أَن يكونَ الشاهدُ لشاعرٍ من القبيلةِ، وإِمَّا أَن يكون أحد أفراد القبيلة قد أنشد بيتًا لشاعرٍ من غير قبيلتهِ غَيْرَ أَنَّه أَنشدَهُ على وجهٍ يُوافقُ لَهجتَهُ، فيستدل العلماءُ بإنشادهِ لهذا الشاهد، لفصاحته وسلامة لسانه، وكان هذا سببًا من أسباب تعدد روايات الشاهد الشعري في كتب التفسير واللغة. (٦) وقد رحل العلماء المتقدمون الذين وضعت قواعد العربية على أيديهم كأبي عمرو بن العلاء والخليل ويونس بن حبيب ومَنْ بَعدَهُم إلى البوادي فَجَمعوا لغات العرب وشواهدَها من الشعر، ودوَّنوا كلَّ ذلك،

стр. 856

وتنافسوا في ذلك. وقد كان أبو عمرو بن العلاء وهو شيخُ الأصمعيِّ يَتنافسُ هو وتلميذه في كتابةِ اللغة عن العرب، وتتبع الغريب وتدوينهِ بشواهده (١)، ثم إن تلاميذ هؤلاء قد صنفوا كتبًا في معاني القرآن وغريبه، أودعوا فيها كثيرًا مِمَّا سَمعوه من لهَجاتِ العَربِ، وشواهدِ الشعرِ التي تؤيد كيفية نُطقِ هذه اللهجات المختلفة. ونظرًا للعلاقةِ بَيْنَ اللهجاتِ وقراءات القرآنِ؛ إذ إِنَّ كثيرًا من أوجه الاختلاف بين القراءات وخاصة المخالفة للرسم العثماني، مع اتفاقها مع القراءة المشهورة في الأصل الاشتقاقي يَعودُ لِظواهر لَهجية كالإدغامِ والتسهيلِ ونَحوهاِ (٢)، فقد تفرقت هذه اللهجات المنسوبة للقبائل العربية مَصحوبةً بالشواهد الشعرية التي تَشهدُ لها ولكيفيةِ نُطقِها في كتب التفسيرِ والقِراءات والمَعاني والغَريب. وكانَ كتابُ «معاني القرآن» للفراء، و «مجاز القرآن» لأبي عُبيدة من مصادر الشواهد الشعرية الخاصة باللَّهَجاتِ، واعتمد المفسرون عليهم في نقل هذه اللهجات وشواهدها الشعرية، بل إِنَّ الطبري قد اعتمد بشكل كبير على الفراء، وكثيرًا ما تقرأ في تفسيره عبارة «ذكر الفراء أَنَّ أَبا الجرَّاحِ أَنشدهُ»، أو «ذَكر الفراءُ أَنَّ بعض العَربِ أَنشدهُ»، أو غير ذلك من الصيغ والعبارات التي تدلُّ على اعتماد الطبري على الفراء، وقد يذكره الطبري تلميحًا كقوله: «وأَمَّا بعضُ نَحويي الكوفةِ»، أو «وقال بعضُ نَحويي الكوفة .. وأنشد في ذلك». ولعلَّ الطبريَّ قد قرأ كتب الفراء ورواها عن شيخه ثعلب (ت ٢٩٠ هـ)، الذي ذكر عن نفسه أَنَّهُ حَفِظَ كتبَ الفراء حتى لَم يُبْقِ منها حرفًا ولَهُ خَمسٌ وعشرون سنة (٣)، والطبريُّ قد لازم ثعلبًا، وأَخَذَ عنه اللغةَ والشِّعرَ

стр. 857

قبل أَن يزدحمَ الطلابُ على ثعلب بِمدةٍ طويلة (١)، والغريب أنك لا تجد لثعلب ذكرًا في تفسير الطبري، والطبري يوافق الفراء كثيرًا، ويُخالِفه أحيانًا (٢). وأما بقية المفسرين الذين شملتهم الدراسة فقد تأخروا عن الطبري، وتأخروا عن عصور الاحتجاج، فكان اعتمادهم على كتب الفراء وأبي عبيدة والطبري ظاهرًا، ولم تجد أثرًا للسماع ولا للرواية المباشرة عن العرب في تفاسيرهم، وقد تقدم بيان هذا في مصادر الشاهد الشعري في كتب التفسير، كما اعتمدوا على كتب النحويين كسيبويه وغيره. والمفسرون ينصون على اسم القبيلة التي تتكلم باللهجة أحيانًا فيقولون: «هي لغةُ هُذيل»، أو «لغةُ تَميم»، ويُغفِلونَها أحيانًا، فيكتفون بقولهم: «وهي لغةٌ لبعضِ العرب» أو «وهي لُغةٌ»، وقد اعتمد المفسرون على عَمَلِ اللغويين في نقل اللهجات العربية التي تتعلَّقُ بالقراءات القرآنية، ونقلوا شواهد الشعر التي تُمثِّلُ الحججَ والأدلة على صحتها. وأمثلة تدوين اللهجات عند أبي عبيدة والفراء والأخفش متعددة، ولا سيما ما كانت شواهد الشعر هي الحُججُ الباقيةُ للاستشهاد عليه، وقد دونوا الكثيرَ من تلك اللهجات عند مناسبتها في تفسيرهم للقرآن الكريم، وأمثلة ذلك لدى أبي عبيدة والفراء متعددة. وإن كان أكثر لغات العرب قد ضاع، وذهب بذهاب أهله، كما قال أبوعمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكمْ مِمَّا قالت العَرَبُ إِلَّا أَقلُّهُ، ولو جاءكم وافِرًا لَجاءَكمْ عِلمٌ وشِعْرٌ كثير». (٣) ومن أمثلة إغفالهم لنسبة هذه اللغة لقبيلة بعينها قول أبي عبيدة في

стр. 858

تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣] (١): «مِنْ «صَغَوتُ إليهِ»، أي: مِلتُ إليهِ، وهَويتهُ، «وأَصْغَيتُ إليهِ» لُغَةٌ، قال ذو الرمة: تُصْغي إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانِحَةً ... حتى إذا ما استوى في غَرزِها تَثِبُ (٢)». (٣) فأشار إلى أَنَّ «أصغيتُ إليه» لغةٌ لبعض العرب ولم يُسمِّها. وذكر أبو عبيدة اللغات التي وردت في جَمع اسم الموصول (التي) فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] (٤): «واحدها التي، وبعض العرب يقول: اللواتي، وبعضهم يقول: اللاتي. قال الراجز (٥): مِن اللَّواتي والتي واللَّاتي ... زَعَمْنَ أَنِّي كَبِرَتْ لِداتِي (٦) أي: أَسنانِي، وقال الأخطل: مِن اللَّوَاتي إِذا لانَتْ عَرِيكتُها ... يَبْقى لَها بَعدَهُ آَلٌ ومَجلودُ (٧) آلُها: شَخصها، ومَجلودُها: جِلْدُها. وقال عمر بن أبي ربيعة (٨): مِن اللّاتِي لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِيْنَ حِسْبَةً ... ولكنْ لِيَقْتُلْنَ البَريءَ المُغَفَّلا (٩)». (١٠)

стр. 859

فقد ذكر اللغاتِ، دون أن ينصَّ على أَيِّ قبائل العرب تنطق بِهذه، وأيها تنطق باللغة الأخرى. وأما أمثلة نسبتهم اللغة لقبيلة من العرب باسمها، فكثيرة منها قول ابن قتيبة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] (١): «أَي: أَفَلَمْ يعلم، ويقال: هي لُغَةٌ للنَّخَعِ، وقال الشاعر (٢): أَقُولُ لَهُمْ بالشِّعبِ إِذْ يَأْسِرُونَنِي ... أَلَمْ تَيأَسُوا أَنِّي ابنُ فَارسِ زَهْدَمِ (٣) أي: ألم تعلموا». (٤) بل رُبَّما ينصُّ المفسرونَ على تسميةِ لغةِ شخصٍ بعينهِ، كقول القرطبي: «إذا قلتَ لصاحبكَ يومَ الجمعةِ: أَنصت، فقد لغوتَ، ويُروى: لغيتَ، وهي لغةُ أَبي هُريرةَ، كما قال الشاعر (٥): ورُبَّ أَسرابِ حَجيجٍ كُظَّمِ ... عَن اللَّغا وَرَفَثِ التَّكُلُّمِ (٦)». (٧) فنسبها لأبي هُريرةَ دون سائرِ قبيلتهِ. وأما أثر الشاهد الشعري في نسبة اللغات للقبائل في كتب التفسير فقد كان ظاهرًا، وأمثلة نسبة اللهجات التي عثرت عليها في تفسير الطبري وما بعده تذكرُ شواهدَ شعريةً تؤيدُ هذه النسبة، وهم كما تقدَّم ينقلون كثيرًا عن علماء اللغة الذين كتبوا في معاني القرآن كالفراء وأبي عبيدة والأخفش، وينقلون عن أهل العربية كأبي عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه. والشاهد الشعري يأتي لتأكيد نسبة هذه اللغة للقبيلة، ويأتي ليبين كيفية النطق لبعض الألفاظ، ويأتي ليبين كيفية التركيب النحوي. هذه أهم الآثار التي يؤديها الشاهد الشعري عند الاستشهاد به على نسبة

стр. 860

اللغات للقبائل العربية في كتب التفسير، بحسب الأمثلة التي جَمعتُها منها. ومن أمثلة استشهاد المفسرين بشواهد الشعر لنسبة اللغات ما يأتي: ١ - ذكر الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] (١) وهو يذكرُ توجيهَ أَهلِ العربيةِ لقراءة تشديد «إِنَّ» ورَفع «ساحران» أَنَّ ذلكَ على وجهين، أحدهما: على لغةِ بني الحارث بن كعب ومَن جاورَهُم، يَجعلونَ الاثنين في رفعِهما ونصبِهما وخفضهما بالألف. وقال: «أنشدني رَجلٌ من الأَسْدِ (٢) عن بعض بني الحارث بن كعب: فأَطْرَقَ إِطراقَ الشُّجاعِ ولَو يَرَى ... مَساغًا لِنَابَاهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما (٣)». (٤) وهذه الآية من المواضع التي كثر في توجيهها قول النحويين، قال الزجاج: «وهذا الحرف من كتاب الله مُشكِلٌ على أهل اللغةِ، وقد كثر اختلافهم في تفسيره». (٥) ثم ذكر أقوال النحويين، وخَرَجَ برأيٍ ذَكرَ أَنَّهُ عَرضَه على المُبَرِّدِ والقاضي إسماعيل بن إسحاق (٦) فارتضياه، وهو أنَ «أَنَّ» قد وقعت موقعَ «نعم»، وأَنَّ اللامَ وقعت موقعها، وأَنَّ المعنى: هذانِ لَهُما سَاحِرَانِ. (٧) وقد رد أبو علي الفارسي هذا الوجه (٨). وأما الطبري فقد اختار القول الذي ذكره الفراء فقال: «والصواب

стр. 861

من القراءة في ذلكَ عندنَا ﴿إِنَّ﴾ بتشديدِ نُونِها، ﴿هَذَانِ﴾ بالألف؛ لإجْماعِ الحُجةِ من القَرَأَةِ عليه، وأَنَّهُ كذلك هو في خَطِّ المصحف. ووجههُ إذا قرئ كذلك مُشابَهتهُ «الذين»؛ إذ زادوا على «الذي» النون، وأُقِرَّ في جَميع أحوالِ الإعرابِ على حالةٍ واحدة، فكذلك ﴿إِنَّ هَذانِ﴾ زيدت على «هذا» نونٌ، وأُقِرَّ في جَميعِ أحوالِ الإعرابِ على حالةٍ واحدةٍ، وهي لُغةُ بلحرث بنِ كعبٍ، وخثعم، وزَبيد، ومَن ولِيَهُم من قبائل اليمن». (١) والفراء يعتمد في مواضع كثيرة على الكسائي في نقل لغات العرب، ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] (٢): «ضَمَّ الصادَ العامَّةُ، وكان أصحاب عبد الله يكسرون الصاد، وهما لغتان. فأما الضم فكثير، وأما الكسر ففي هذيل وسليم. وأنشدني الكسائي عن بعض بني سليم: وفَرْعٍ يَصِيْرُ الجِيدَ وَحْفٍ كأَنَّهُ ... على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرومِ الدَّوَالِحِ (٣) ويُفَسِّرُ معناه: قَطِّعهنَّ، ويقال: وجِّههنَّ». (٤) ٢ - ومن الأمثلة قول ابن قتيبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأنفال: ٥٧] (٥): «أي: افعل بِهم فِعلًا من العُقُوبة والتنكيلِ يتفرَّقُ بِهم مَن ورائهم مِن أعدائِك. ويُقال: شَرِّدْ بِهِم، سَمِّعْ بِهم بلغةِ قريش. قال الشاعر (٦): أُطوِّفُ ما أُطوِّفُ كلَّ يومٍ ... مَخافةَ أَنْ يُشَرِّدَ بِي حَكيمُ (٧)». (٨) وحَكيمُ هو ابنُ أُميَّةَ بن حارثة بن الأَوقصِ، استعملتهُ قريش على

стр. 862

سُفهائِها، فأَحدثَ الحارثُ بن أميةَ حَدَثًا فَطَلَبَهُ، فَفَرَّ منه، فَهَدَمَ حكيمُ دارَه، فقال أبياتًا منها هذا البيت، ومعنى التَّنْكيلِ والطَّردِ من الدِّيارِ في الشاهدِ الشعريِّ أَولى مِن التَّسميعِ، ولذلك استشهد به القرطبيُّ على أَنَّ التَّشريدَ يأتي بِمَعنى التشريدِ عن الوطنِ والأَهلِ، غَيْرَ أَنَّهُ نَسَبَ الشاهدَ لشاعرٍ مِن هُذيلٍ (١)، وتفسير المفسرين للتشريد في الآية بالتنكيلِ، هو الذي عليه المفسرون، وهو تفسير الضحاك. (٢) ٣ - وقال الطبريُّ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] (٣) فقال: «بِمَعنى: أَنْ لا تَميدَ بكم. والعَرَبُ قد تَجزمُ مع «لا» - في مثل هذا الموضع - الكلامَ، فتقول: ربطتُ الفَرَسَ لا يَنْفَلِتْ، كما قال بعضُ بني عُقيل: وحتى رَأَينَا أَحسنَ الوُدِّ بَينَنا ... مُساكتَةً لا يَقْرِفِ الشَّرَّ قَارِفُ (٤) ويُروى: «لا يَقْرِفُ» رفعًا، والرفعُ لغةُ أهلِ الحجازِ فيما قيل». (٥) والطبري في هذا التخريج يسير على نهج الفراء، والشاهد الشعري رواه الفراء عن بعض بني عقيل، حيث قال في تفسيره للآية التي ذكرها الطبري: «ويصلح في (لا) على هذا المعنى الجزم. العرب تقول: ربطت الفرس لا ينفلت، وأوثقت عبدي لا يفرر. وأنشدني بعض بني عُقَيل: وحتى رَأَينَا أَحسنَ الوُدِّ بَينَنا ... مُساكتَةً لا يَقرفُ الشَّرَّ قَارِفُ (٦)

стр. 863

وبعضهم يقول: لا يقرفُ الشرَّ، والرفعُ لغةُ أهل الحجاز، وبذلك جاء القرآن». (١) فقد نقل الطبري قول الفراء وشاهده دون أن يذكره باسمه، وكان إنشاد الشاهد الشعري هو الحجة لهذه اللغة العُقَيليَّةِ، وذكر الفراء أن البيت الشعري ينشد برفع الفعل بعد (لا) وأَنَّ هذه لغة أهل الحجاز، وهذا دليل على اعتبار لغة المنشد للبيت كما مَرَّ. والطبري يعتمد كثيرًا على الفراء في نسبته اللهجات للقبائل العربية، وينقل شواهد الفراء غالبًا، وقد يذكر الفراء كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: (٢) ورُبَّما أَبدلوا الزاي التي في اللازبِ تاءً، فيقولون: طِيْنٌ لاتِبٌ، وذُكِرَ أَنَّ ذلك في قَيسٍ، زَعمَ الفراءُ أَنَّ أبا الجرَّاحِ أَنشدَهُ (٣): صُداعٌ وتَوصِيمُ العِظامِ وفَتْرَةٌ ... وغَثْىٌ معَ الإِشراقِ في الجوفِ لاتبُ (٤) بِمَعنى: لازم». (٥) وقد لا يذكره كما تقدم في المثال الأول. ٤ - وقال الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] (٦): «قُرِئ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ والسَّحْتُ لغةُ أهلِ الحِجازِ، والإِسحاتُ لُغَةُ أَهلِ نَجدٍ وبَني تَميم. ومنه قول الفرزدق: ....................... ... إِلَّا مُسْحِتًا أو مُجلَّفُ (٧) في بيتٍ لا تزالُ الرُّكَبُ تَصْطَكُّ في تسويةِ إعرابهِ». (٨) والشاهد استشهاد الزمخشري بالشعر على لغة تميم، وأنها تقولُ: أَسحتَ يُسْحِتُ

стр. 864

إِسْحَاتًا، وأهل الحجازِ يقولون: سَحَتَ يَسْحَتُ سَحْتًا. قال الأزهري: «والسُّحْتُ: العّذابُ، قال: وسَحَتْناهم بلغنَا مَجهودَهم في المَشّقَّة عليهم، وأسْحَتْناهم لُغةٌ. وقال الفرّاء: قُرئ قَوْل الله جل وعزَّ: وقرئ: ﴿فَيَسْحَتَكُم﴾ بفتح الياءِ والحاء، قال: ويَسْحَتُ أكثر وهو الاستئصالُ. وأنشد قول الفرزدق: وعَضُّ زَمَان يا ابنَ مروانَ لم يَدَعْ ... من المال إلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ قال: والعرب تقول: سَحَت وأسْحَت. ويُروى: إلا مُسْحَتٌ أو مُجَلَّفُ. ومن رواه كذلك جعل معنى لم يَدَعْ: لم يَتَقارّ، ومن رواه: إلا مُسْحَتًا، جعل لم يَدَعْ بِمعنى لم يترك، ورفع قوله: أو مُجَلَّفُ بإضمارٍ كأنه قال: أوهو مُجَلَّفٌ كذلك. وهذا قول الكسائي». (١) ٥ - وقال القرطبيُّ: «قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٢٦] (٢) لُغَةُ بَني تَميمٍ وبني عامرٍ في «أَمَّا» «أَيْما»، يُبدلونَ من إحدى الميمين ياءً؛ كراهيةَ التضعيفِ، وعلى هذا يُنشَدُ بيتُ عمر بن أبي ربيعة: رَأَتْ رَجلًا أَيْما إذا الشَّمسُ عارَضَتْ ... فيَضْحَى وأَيْمَا بالعشيِّ فيَخْصَرُ (٣)». (٤) وعمرُ بن أبي ربيعة حجازي من قريش، غير أنه قد روي البيت أيضًا على لغة تَميمٍ كما ذكر القرطبيُّ، وهو كذلك في إحدى روايات الديوان كما أَشار مُحقِّقهُ، وقد استدلَّ النحويونَ به على هذه الرواية على الإبدال. واستشهد به المُبَرِّدُ في ثلاثة مواضع، رواه في الموضع الأول بالإبدال على لغة تَميم (٥)، وفي الموضعين الباقيين على لغة قريش بغَيْرِ إبدال (٦)، وقال بعد أَن أنشدَ قَول جَميلِ بن مَعْمَر:

стр. 865

على نَبْعَةٍ زَوراءَ أَيْمَا خُطَامُها ... فَمَتْنٌ وأَيْمَا عُودها فَعَتِيقُ (١) شرحه فقال: «وقوله: «أَيْما»، يريد «أَمَّا»، واستثقلَ التضعيفَ، فأبدل الياءَ من إحدى الميمين، ويُنشدُ بيتُ ابن أبي ربيعة: رَأَتْ رَجلًا أَيْما إذا الشَّمسُ عارَضَتْ ... فيَضْحَى وأَيْمَا بالعشيِّ فيَخْصَرُ وهذا يَقَعُ». (٢) قال البغدادي معلقًا على قول المبرد: «وهذا يقع»: «وقوله: «وهذا يَقَعُ» يُريدُ أَنَّه نادر». (٣) وإبدال الياء مَحلّ أحد المتماثلين لغةُ تَميمٍ وقيس. (٤) واختلاف اللهجات سَبَبٌ من أسباب تعددِ رواية الشواهد الشعرية في كتب التفسير واللغة. (٥) وأمثلة أثر الشاهد الشعري في تفسير القرطبي في نسبته اللغات للقبائل متعددة. (٦) وهناك من المفسرين من يرُدُّ بعضَ ما ورد من لغات العرب في الشواهد الشعرية، ويرى ذلك غلطًا من الشاعر، كما غَلَّطَ ابنُ عطية الشاعرَ الهُذلي في تسميته العَسَلَ بالسَّلوى، وذلك عند تفسيرِ السَّلوى في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: ٥٧] (٧)، حيث قال ابن عطية: «والسَّلوى طَيْرٌ، بإجْماعٍ من المفسِّرينَ (٨) ... وقد غَلِطَ الهذليُّ، فقال: وَقَاسَمَهَا بِاللهِ عَهْدًا لأنْتُم ... ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَانَشُورُهَا (٩)

стр. 866

ظنَّ السَّلوى العسلَ». (١) ولأَنَّ الشَّورَ لا يكونُ إلا للعسلِ، غلَّطَه ابنُ عطية في ذهابه بالسَّلوى إلى العَسَلِ، وهذا مِنْ تَخطئةِ العُلماءِ للشعراءِ، وهو مذهبٌ لبعضِ اللُّغويِّين، وقد تقدمت الإشارة لذلك في البحث. وقد سبقه في تغليط الشاعر الزجاج، حيث قال تعقيبًا على البيت: «أخطأ خالدٌ، إِنَّما السَّلوى طائرٌ. وقال الفارسيُّ يردُّ على الزجاجِ: السَّلوى كُلُّ ما سلاَّكَ، وقيلَ للعسلِ: سَلوى لأَنَّه يُسلِّيكَ بِحلاوتهِ، وتأتيه عن غَيْرِه مِمَّا تَلحقُكَ فيه مَؤنةُ الطبخِ وغَيرهِ من أنواع الصناعة». (٢) ولم يرتض بعضُ العلماءِ تَخطئةَ الزجاجِ وابن عطية للشاعر، لكونهِ يتكلَّمُ بلهجتهِ ولغةِ قبيلتهِ، وليس إجْماعُ المفسرين على أَنَّ السَّلوى في الآية هي الطائرِ بِمانعٍ أَن تكونَ هذيلُ تُسمِّي العَسَلَ بالسَّلوى، ولا سيما إذا ثبتَ هذا عنها، ورواهُ أهلُ اللغةِ. هذا مع التسليم بدعوى الإجماع التي ذكرها ابن عطية. (٣) وقد ردَّ القرطبيُّ على ابن عطية في تخطئته للشاعر فقال: «ما ادَّعاهُ من الإجْماعِ لايصحُّ، وقد قال المؤَرِّجُ (٤) أحد علماء اللغة والتفسير إنه العَسَلُ، واستدل ببيت الهذلي وذكَرَ أَنَّه كذلكَ بلغةِ كِنانة، سُمِّي به لأَنه يُسَلَّى بهِ، ومنه عَيْنُ السُّلوانِ، وأنشد: لو أشربُ السُّلوانَ ما سَلَيْتُ ... ما بِيْ غِنًى عنكِ وإنْ غَنِيْتُ (٥) وقال الجوهري: والسَّلوى العَسَلُ (٦)، وذكر بيت الهذلي: ........................... ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نَشورها

стр. 867

ولم يذكر غَلَطًا». (١) وردَّ قولَ ابن عطيةَ الثعالبيُّ في اختصاره فقال: «قد نقل صاحبُ المُختصرِ أَنَّهُ يُطلَقُ على العَسَلِ لُغةً، فلا وجهَ لتغليطهِ؛ لأَنَّ إجماعَ المفسرين لا يَمنعُ من إطلاقهِ لُغةً بِمَعنىً آخر في غير الآية». (٢) وقال ابن هشام: «والسَّلوى طَيْرٌ، واحدتُها سَلواة، ويُقال: إِنَّها السُّماني. ويقالُ للعَسَلِ أيضًا: السَّلوى، وقال خالدُ بن زُهَيْرٍ الهذلي: وَقَاسَمَهَا بِاللهِ حقًا لأنْتُم ... ألّذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَانَشُورُهَا وهذا البيت في قصيدةٍ له». (٣) غير أَنَّ الزجاج في موضعٍ آخر يؤكدُ على أَنَّ الشاعر قد يقعُ في الخطأ، وليس بِمعصومٍ منهُ، ومثلهُ ابنُ فارس في كتابه «ذم الخطأ في الشعر» وفي غيره (٤)، ولذلك فإِنه ينبغي التنبه عند الاستشهاد إلى مثل هذه الملحوظات. يقول الزجاج وهو يرد استشهاد من وجه قراءة من قرأ ﴿أَرْجِهْ﴾ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١] (٥) بإسكان الهاء، وأنه جائز فقال: «وزعم بعض النحويين (٦) أن إسكانها جائز، وقد رويت لعمري في القراءة (٧)، إِلَّا أَنَّ التحريكَ أكثرُ وأَجودُ، وزَعَمَ أيضًا هذا أَنَّ هاءَ التأنيث يَجوزُ إِسكانُها، وهذا لا يَجوزُ. واستشهدَ في هذا بشعرٍ مَجهولٍ، قال أنشدني بعضهم: لَمَّا رَأَى أَلاَّ دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مَالَ إِلى أَرطاةِ حِقْفٍ فالطَجَعْ (٨) وهذا شِعْرٌ لا يُعرفُ قائلهُ، ولا هو بشيءٍ، ولو قالهُ شاعرٌ مَذكورٌ

стр. 868

لقيلَ: أَخطأتَ؛ لأَنَّ الشاعرَ قد يَجوزُ أَن يُخطئ. وأنشد أَيضًا آخرَ أَجهلَ من هذا، وهو قوله: لست إذًا لزعبله ...... إِنْ لَم أُغَيّرْ بَكْلَتِي ... إِنْ لَمْ أُساوَ بِالطوَلْ (١) فجَزَمَ الهاءَ في زَعبَلَه، وجعلها هاءً، وإِنَّما هي تاءٌ في الوصلِ، وهذا مذهبٌ لا يُعَرَّجُ عليه». (٢) والزجاج ممن يرى عدم الاحتجاج بالشاهد مجهول القائل. (٣) وقد يستطرد بعض أصحاب المعاني فيذكر لغات لبعض قبائل العرب في بعض ألفاظ القرآن لم يقرأ بِها أَحدٌ من القراء، ويستشهدُ لذلك بالشعر، كالفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج: ٢٥] (٤) حيث ذكر أنه: «قد قرأَ بعضُ القُراءِ (ومَنْ يَرِدْ فيهِ بإِلحادٍ) (٥) من الوُرودِ، كأَنَّهُ أراد: مِن وَردهُ أو تَورَّدهُ» ثُمَّ قال الفراءُ: «ولستُ أشتهيها، لأَنَّ وَردتُ يطلبُ الاسمَ ... وقد تَجوزُ في لغةِ الطائيينَ؛ لأَنَّهم يقولونَ: رغبتُ فيكَ، يُريدون: رغبتُ بكَ، وأَنشدني بعضُهُم في بنتٍ لَهُ: وأَرغبُ فيها عَنْ لَقيطٍ ورَهْطهِ ... ولكِنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لَستُ أَرْغَبُ (٦) يعني: بِنتَهُ». (٧) غيرَ أَنَّ الطبريَّ لا يرى صحة هذه القراءة التي

стр. 869

ذكرها الفراء، فتعقَّبَه فقال: «وقد زَعمَ بعضُ أَهلَ المعرفة بكلامِ العربِ أَنَّ طيئًا تقول: رَغبتُ فيكَ، تريدُ: رغبتُ بِكَ، وذكرَ أَنَّ بعضَهُم أَنشدهُ بيتًا: وأَرغبُ فيها عَنْ لَقيطٍ ورَهْطهِ ... ولكِنَّنِي عَنْ سَنْبسٍ لَستُ أَرْغَبُ بِمَعنى: وأرغبُ بِها. فإنْ كان ذلك صحيحًا كما ذكرنا، فإِنَّهُ يَجوزُ في الكلامِ، فأَمَّا القراءة به فغيرُ جائزةٍ». (١)

стр. 870

المبحث الثامن: أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها . نزل القرآن الكريم بأفصح لغات العرب، وربما يكون للعرب في لفظة من الألفاظ، أو تركيب من التراكيب لغتان أو أكثر. ولكن القرآن قد جاء بإحداهما، أو بهما معًا. وقد تكون إحدى هذه الألفاظ هي الفصحى، والأخرى دونها في الفصاحة. وقد تعرَّض المفسرون في مواضعَ متفرقة لمثل هذه الألفاظ أو التراكيب. فنصوا على اللغة الفصيحة في اللفظة، ويستشهدون على أقوالهم بالشاهد الشعري، ومن هنا يظهر أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية تلك الألفاظ وفصاحتها. وسأورد أمثلةً كاشفةً لِهذا الأَثرِ الذي ظَهَرَ للشاهد الشعري في هذه المسألةِ في كتب التفسير مع التعليق على كل مثال باختصارٍ. أولًا: ظهر أثر الشاهد الشعري في الحكم بفصاحة عدد من الألفاظ العربية في كتب التفسير، ومن ذلك لفظة الجَدَثِ بِمعنى القَبْرِ، فقد ورد فيها لغةٌ أخرى هي الجَدَف، ولكنَّ الفصحى منهما هي الأولى. وقد تعرض لهذه المسألة الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾ [يس: ٥١] (١) حيث قال: «﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ أي: القبور. وقُرِئَ بالفاء (من الأَجْدافِ)، ذكره الزمخشريُّ (٢). يقال: جَدَثٌ وجَدَفٌ، واللغة الفصيحةُ الجَدَثُ بالثاء،

стр. 871

والجمعُ أَجْدُثٌ وأَجداثٌ». (١) ثم استشهد القرطبي على صحة قوله بأن اللفظة بالثاء أولًا، وأنها تجمع على أَجْدُثٍ بقولِ المتنخِّلُ الهُذَليُّ: عَرفتُ بِأَجْدُثٍ فنِعافِ عِرْقٍ ... علاماتٍ كتَحْبِيْرِ النِّماطِ (٢) والجَدَفُ هو القَبْرُ. وقيل: الجدث بالثاء لغة أهل الحجاز، وبالفاء لغة تَميم (٣). وأنكرَ بعضُهُم جَمعَهُ على أَجدافٍ لإجْماعِ أهلِ اللغة أنه لا يُجمع إِلَّا على أَجداثٍ، وأَنَّ الإبدالَ خاصٌ بالمُفردِ (٤)، وذكروا أَنَّهُ لم يُنقَل عن العرب. وذهب آخرون إلى أَنَّ الفاء والثاء تتعاقبان على الموضع الواحد، قال الفراء: «العَرَبُ تُعقبُ بين الفاءِ والثاء في اللغةِ، فيقولونَ: جَدَفٌ وجَدَثٌ، وهي الأَجداثُ والأَجدافُ». (٥) والشاهد استشهاد القرطبي ببيت الهذلي على أن الأفصح في اللفظة أن تكون بالثاء لا بالفاء. ثانيًا: قد يكون للعربِ في جَمعِ المُفردِ أكثر من لغة، غير أن إحدى هذه اللغات هي الشائعة الفصيحة عند العرب دون غيرها. ومن ذلك على سبيل المثال كلمة (حُجْرَة) فإِنَّها تُجمَعُ على حُجَرٍ، وحُجُراتٍ، وحُجَراتٍ، وحُجْرَاتٍ. وقد تعرض الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات: ٤] (٦) لهذه المسألة فقال: «والحُجُراتُ جَمعُ حُجْرةٍ، والثلاثُ حُجَرٌ، ثُمَّ

стр. 872

تُجمَعُ الحُجَرُ فيقالُ: حُجُراتٌ، وحُجْراتٌ، وقد تَجمعُ بعضُ العرب الحُجُرَ: حُجَراتٍ بفتح الجيمِ، وكذلك كلُّ جَمعٍ كان من ثلاثةٍ إلى عشرة على فُعَلٍ، يَجمعونهُ على فُعَلاتٍ بفتحِ ثانيهِ، والرفعُ أَفصحُ وأَجودُ». ثم استشهد على قوله هذا في الحكم بأن الضم للعين في (فُعُلات) أفصح وأجود في اللغة بشاهد شعري فقال: «ومنه قول الشاعرِ (١): أَما كانَ عَبَّادٌ كَفِيئًا لِدارِمٍ ... بَلى، ولأِبياتٍ بِها الحُجُراتُ (٢) يقول: بلى، ولِبَنِي هاشمٍ». (٣) وهذا البيت الذي استشهد به الطبري للفرزدق، قالهُ عندما سَمِعَ أَنَّ أحد بني الحارث بن عمرو بن تَميم المعروفين بالحَبَطات (٤)، قد خَطَبَ امرأةً من بني دارمٍ قومِ الفرزدقِ فقال: بَنُو دارمٍ أَكفاؤُهُمْ آَلُ مِسمَعٍ ... وتَنْكِحُ في أَكفائِها الحَبِطاتُ (٥) ووجهُ الاستشهادِ يصحُّ للطبري على الرواية التي رواها، وأَنَّها بالضمِّ لا غيرُ. وقد سبق الفراء إلى ما ذكره الطبري، ولم يذكر الشاهد. (٦) في حين ذكر أبو عبيدة الشاهد ولم يذكرِ اللغاتِ في جَمعِ الحُجْرَةِ. (٧)

стр. 873

وعَبَّادٌ الذي في الشاهد هو عَبَّادُ بنُ حُصينٍ الحَبَطيُّ (١)، والكَفِيءُ فَعِيلٌ بِمَعنى الكُفْءِ، ومعنى البيت أَنَّ عَبَّادَ بن حصينٍ كان كُفْئًا لِدارمِ بن مالكٍ التميمي، وكُفْئًا لهاشمِ بن عبدِ منافِ جَدِّ النبيِّ ﷺ ، وأَشارَ إليه بصاحبِ الحُجُراتِ أخذًا من الآية الكريِمة. قال المُبَرِّدُ في شرح البيت: «يعني بني هاشم، من قول الله عَزَّوَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (٢)». وقال ابن منظور: «والحُجْرَةُ من البيوت: معروفة لمنعها المال ... والجمع حُجْراتٌ وحُجُراتٌ وحُجَراتٌ، لغاتٌ كُلُّها». (٣) ولم ينص على الفصحى منها كما فعل الطبري. ثالثًا: وقد تكون اللفظة ليست عربيةَ الأَصلِ، ولكنَّ العربَ عَرَّبتها وأَدخلتَها في لُغتِها قبلَ نزول القرآنِ، فوردت في القرآن بعد ذلك. وهذه مسألةٌ اختلف فيها العلماء، ولهم فيها أَقوالٌ معروفة في كتب علوم القرآن، وهي ما يُسمَّى بالمُعَرَّبِ. (٤) وقد يتعرَّضُ المُفسِّرُ في أثناء تفسيرهِ لبعض المفردات للنص على أصلها، ويستشهد على ذلك بشواهد الشعر. ومن ذلك قول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] (٥) وهو يُوَجِّه قراءة حَمزة والكسائي حيث قرأ الاثنان: ﴿قَسِيَّةً﴾ على وَزنِ فَعيلة (٦): «وحكى الطبريُّ (٧) عن قومٍ أَنَّهم قالوا: قَسِيَّةٌ، ليست من معنى القسوة،

стр. 874

وإِنَّما هي كالقَسِيِّ من الدراهم، وهي التي خالطها غِشٌّ وتدليسٌ، فكذا القلوب لم تَصْفُ للإِيْمانِ، بل خالطها الكفرُ والفسادُ، ومن ذلك قول أَبي زُبيدٍ: لَها صَواهِلُ في صُمِّ السِّلامِ كما ... صَاحَ القَسِيَّاتُ في أَيدي الصَّيَارِيفِ (١) ومنه قول الآخر (٢): فمَا زَوَّدانِي غَيْرَ سَحْقِ عِمَامَةٍ ... وخَمسِ مِئٍ مِنها قَسِيٌّ وزِائِفُ (٣) قال أبو عليّ (٤): هذه اللفظةُ معرَّبةٌ، وليست بأصلٍ في كلامِ العرب (٥)». (٦) وقد اختار الطبري قراءة "قَسِيَّة" فقال: «وأَعجَبُ القراءتين إِليَّ في ذلك قراءةُ مَن قرأَ: "وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً"؛ لأَنَّها أبلغ في ذَمِّ القومِ مِن ﴿قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]. (٧) غير أَنَّهُ ذهب في تأويلها إلى معنى القَسوةِ لا إِلى القِسِيِّ، فقال: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأَوله فعيلةً من القَسوةِ، كما قيل: نَفسٌ زكيَّةٌ وزاكيةٌ، وامرأةٌ شاهدةٌ وشهيدةٌ؛ لأن الله جلَّ ثناؤه وصفَ القومَ بنقضهم ميثاقَهم، وكفرِهم بهِ، ولم يصفهم بشيءٍ من الإيمانِ فتكون قلوبهم موصوفةً بأَنَّ إِيمانَها يُخالِطهُ كُفرٌ، كالدراهم القَسِيَّةِ التي يُخالِط فِضتَها غِشٌّ». (٨)

стр. 875

رابعًا: وقد تكونُ هذه اللفظةُ من المُولَّدِ الذي لم تعرفه العرب في الجاهلية، وإنما عرفته بعد ذلك، فينص المفسر على أن هذه اللفظة مولدة، ويستشهد على ذلك بالشاهد الشعري. ومن ذلك قول القرطبي وهو يفسر معنى البسملة: «قال الماوردي (١): ويُقالُ لِمَن قال: بسم الله، مُبَسْمِلٌ، وهي لغةٌ مُولَّدَةٌ، وقد جاءت في الشعرِ، قال عمر بن أبي ربيعة: لقدْ بَسْمَلَتْ لَيلى غَداةَ لَقِيتُها ... فَيا حَبَّذا ذَاكَ الحَبيبُ المُبَسْمِلُ (٢)». (٣) فقد حَكَمَ الماورديُّ بأَنَّ لفظة «بَسمَلَ» مُولَّدةٌ، وعارضه المَعريُّ فقال: «وبَسْمَلَ إذا قالَ: بسم الله، وأَنشدوا بيتًا يَجوزُ أَنْ يكونَ مُولَّدًا، ولا أَحكمُ عليهِ بالتوليدِ: لقدْ بَسْمَلَتْ لَيلى غَداةَ لَقِيتُها ... فَيا حَبَّذا ذَاكَ الحَبيبُ المُبَسْمِلُ». (٤) وعُمرُ بنُ أبي ربيعةَ من شعراء الاحتجاج، حيث توفي سنة ٩٣ هـ، وإن كانت اللفظةُ إِسلاميَّةً مأخوذةً من قول القائل: (بسم الله)، فلعلَّ قولَ أبي العلاء أولى، لاتفاق العلماءِ على الاستشهاد بشعرِ عمرَ بن أبي ربيعة وطبقته. خامسًا: كل ما تقدم يعنى ببيان الفصاحة في المفردة، غير أن المفسرين قد تعرضوا إلى بعض التراكيب النحوية، ونصوا على أن هذا التركيب أجود من ذاك، أو هو الأكثر أو نحو ذلك من عبارات المفاضلة بين التراكيب النحوية. ومن ذلك قول القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] (٥) وهو يتكلم عن «إذا» ومتى يُجزم جوابُها: «وفي «إذا» مَعنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وقد يُجازَى بِها كما قال (٦):

стр. 876

........................... ... وإِذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ (١) والجيدُ أَلاَّ يُجازى بِها، كما قال الشاعر (٢): والنَّفْسُ راغِبَةٌ إذا رَغَّبْتَها ... وإذا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ (٣)». (٤) وهذا أَثَرٌ واضحٌ للشاهد الشعري في الاستشهاد على التركيب الأجود في «إذا» وهو أَلاَّ يُجزم جوابُها إذا كانت للشرطِ كما في بيت أبي ذؤيب. وإن كان الجزم بها إذا تضمنت معنى الشرط واردًا عن العرب كما في بيت عبد قيس البُرجُميِّ. (٥) والقرطبي وهو يحكم على بعض التراكيب بمثل هذه الأحكام ينقل عن النحويين الكبار مثل سيبويه وغيره، وينقل شواهدهم الشعرية التي يستشهدون بها في اختيار الأجود من التراكيب النحوية، كما في قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] (٦) حيث قال: «في «إذا» معنى الشرط، ولا يُجازى بِها وإِنْ زيدت عليها «ما»، وهي قليلة الاستعمال. قال سيبويه (٧): «والجيِّدُ ما قال كعب بن زهير: وإذا ما تَشاءُ تَبْعَثُ مِنها ... مَغْرِبَ الشَّمْسِ ناشِطًا مَذْعُورا (٨) يعني أَنَّ الجيدَ لا يُجزمُ بـ «إذا ما»، كما لم يُجزمْ في هذا البيت». (٩) وقد ذكر سيبويه عِلَّةَ ذلك نقلًا عن الخليل فقال: «وسألته - أي الخليل - عن «إذا»، ما منعهم أن يُجازوا بِها؟ فقال: الفعل في

стр. 877

«إذا» بِمَنْزِلتهِ في «إذ»، إذا قلتَ: أَتذكرُ إِذْ تقولُ، فإذا فيما تَستقبلْ بِمنْزِلة إِذ فيما مَضى. ويُبَيِّنُ هذا أَنَّ «إذا» تَجيءُ وقتًا معلومًا». (١) وقد استعان بالشاهد الشعري لتصويب اختياره، وإن كان سيبويه قد استشهد بشواهد من الشعر في المجازاة بها، غَير أَنَّهُ حَمَلَ ذلك على الاضطرار. (٢) ومن الأمثلة عند الزمخشري قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] (٣): «وقُرئَ: "بالغُدُوةِ" (٤)، وبالغداةِ أَجودُ؛ لأنَّ «غُدْوَةً» عَلَمٌ في أكثر الاستعمال، وإدخالُ اللام على تأويل التنكيْرِ كما قال (٥): ....................... ... والزَّيدُ زيد المعارك (٦) ونَحوهُ قَليلٌ في كلامِهِم». (٧) وكلام الزمخشري يتعلق بالعَلَمِ الذي يُمكنُ تأويلهُ بواحدٍ مِنْ جِنسهِ، فيُنَكَّرُ لذلك، وتُدخِلُ عليه العربُ «أل»، كقولهم: مُضرُ الحَمراءُ، ورَبيعةُ الفَرَسِ، والقول بقلة هذا في كلام العرب قَولٌ انفرد به الزمخشريّ فيما عثرتُ عليه. (٨) وقال الزمخشري أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] (٩): «﴿عِيسَى﴾ في مَحلِّ النصبِ على إتباعِ حركةِ الابنِ، كقولك: يا زيدَ بنَ عَمرو، وهي اللغةُ الفاشيةُ، ويَجوزُ أن يكون مضمومًا كقولك: يا

стр. 878

زَيدُ بنَ عَمروٍ، والدليل عليه قوله (١): أَحَارُ بنَ عَمروٍ كأَنِّي خَمِرْ ... ويَبْدو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ (٢) لأَنَّ الترخيمَ لا يكونُ إِلَّا في المَضمومِ». (٣) هذه أمثلة متفرقة من كتب التفسير التي تعرضت لها في هذا البحث، تدل على أثر الشاهد الشعري في الحكم بعربية بعض الألفاظ وفصاحتها، وكذلك بعض التراكيب النحوية، وهي أمثلة قليلة موازنة بأثر الشاهد الشعري في غيرها من الجوانب. * * *

стр. 879

المبحث التاسع: أثر الشاهد الشعري في بيان الأحوال التي نزلت فيها الآيات . عُني العلماء بِبَيان أسبابِ نُزولِ الآياتِ التي حُفظَ لها سببُ نُزول، حيث «إنَّ معرفةَ سببِ النُّزولِ يُعينُ على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يُورثُ العِلمَ بالمُسَبَّبِ» (١)، وأسبابُ النُّزولِ لا تعرف إلا من طريق النقل، ولا مدخل للعقل فيها، وقد كان المفسرون يستشهدون بشواهد الشعر التاريخية، التي تُبَيّنُ أسبابَ نزول بعض الآيات، ومصدر هذه الشواهد روايات أهل السير والأخبار وكتبهم. وكانت السيرة النبوية لابن إسحاق وتهذيبها لابن هشام من المصادر المهمة للشواهد الشعرية التي تناولت كثيرًا من حوادث نزول القرآن الكريم في مواضع متفرقة. وقد عني المفسرون بهذا النوع من الشواهد الشعرية لتقوية روايات أسباب النُّزول، وإيضاح ملابسات كثير منها. وأصحاب هذه الأشعار مِمَّن شاهدوا التَّنْزيل كحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم من شعراء الصحابة ﵃، ومَنْ عاصر تلك الحقبة من غيرهم من الشعراء. كما استفاد المفسرون من هذه الشواهد الشعرية في معرفة كثير من أحوال العرب قبل الإسلام، وعادات أهل الجاهلية، وأشعارهم من خير ما يصور حالهم تلك. وقد تعددت فوائد هذه الشواهد الشعرية في إيضاح الأحوال التي نزلت فيها آيات القرآن الكريم، ومن هذه الفوائد:

стр. 880

أَولًا: بَيانُ أَسبابِ النُّزولِ. وذلك أن ينص المفسر أن الآية قد نزلت في كذا، ومما قيل في ذلك من الشعر كذا. ومن أمثلة ذلك: ١ - ذكر الطبري عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥] (١) قصة قطع النبي ﷺ لنخيل بني النضير، فقال: «عن ابن عمر، قال: قطع رسول الله نخل بني النضير، وفي ذلك نزلت: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: وهَانَ على سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بالبُوَيرةِ مُستطِيْرُ (٢)». (٣) والبُوَيْرَة، تصغيرُ بُورة: موضعٌ كان به نَخْلٌ لِبَنِي النَّضِيرِ، وهو من منازِلِ اليَهُودِ. (٤) والشعر في هذه المناسبات يعد تأكيدًا للحوادث، وتصديقًا للروايات، فالشعر سجل حافل بروايات التاريخ. ٢ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] (٥)، أورد الطبري سبب نزول هذه الآية فقال: «جَلس رسولُ الله ﷺ في مجلسٍ فيه عبد الله بن رواحة، وعبد الله بن أُبيِّ بن سَلول، فلمَّا ذهب رسولُ الله ﷺ قال عبد الله بنُ أُبيِّ بن سلول: لقد آذانا بَولُ حِمَارهِ، وسَدَّ علينا الرَّوْحَ، وكان بينه وبين ابنِ رواحةَ شيءٌ، حتى خَرجوا بالسِّلاحِ، فأتى رسولُ الله ﷺ فحَجَزَ بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أبي: متى ما يَكُنْ مَولاكَ خَصمُكَ جاهدًا ... تُظَلَّمْ ويَصْرعكَ الذينَ تُصارِعُ (٦)
следующие страницы →