стр. 841
الكتابَيْنِ تَبيَّن أَنَّ الفراء يستنكفُ أن يستشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة الشعرية، ويَلتمسُ مِن شعر العرب غَيْرَها (١)، وإِن استشهدَ بشواهدِ أبي عبيدة فَعَلى وجهٍ غَير وجهِ أَبي عُبيدة (٢)، ورُبَّما ذَكرَ أبو عبيدة رأيًا دونَ شاهدٍ، فيذكره الفراء وياتي له بشاهدِ (٣)، ورُبَّما أَعوَزهُ الشاهد فترك شاهدَ أبي عبيدة وجاء بِمثالٍ من عنده (٤)، ونَحوِ هذه الظواهر التي تدلُّ على اطلاعِ الفراءِ على كتابِ المَجازِ وانتفاعه بهِ، وبشواهدهِ. وهذا دليل على أهمية كتاب أبي عبيدة، وسبقه، وأَنَّ المفسرينَ وأصحاب المعاني والغريب عيالٌ على شَواهدِه الشعريَّة، رغم اعتراضهم على بعض تفسيراته للقرآن أو للشواهد الشعرية، ولا سيما شواهده اللغوية لغريب القرآن، حتى الفراء استشهد بشواهد أبي عبيدة على الغريب (٥).
والفراء كان يرى أَنَّ «كتابَ الله أَعربُ وأَقوى في الحُجَّةِ من الشعرِ» (٦)، ولذلك كان «يُقلِّلُ من الشاهدِ الشعريِّ، ولا يُفسِّرُ به الآياتِ تفسيرًا مباشرًا» (٧) كما صنع أبو عبيدة قبله. وقد أضاف الفراء في دراسته لأساليب القرآن على ما ذكره أبو عبيدة، واستشهد على ذلك بشواهد الشعر، ومِنْ أَهمِّ أمثلةِ ما أضافهُ الفراءُ حديثهُ عن أسلوبِ الإضمارِ إذا اجتمع الكلامُ، ودلَّ أولهُ على آخرهِ، فإنَّ العربَ تُتبعُ آخرَ الكلامِ بأولهِ، وإِنْ لَم يَحسُنْ في آَخرِهِ ما حَسُنَ في أَولِهِ.
وقد ذكر الفراء ذلك عند توجيهه قراءة قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] (٨)، ووجه رفعِها، مَع كونِها معطوفةً على مَجرورٍ قبلَها فقال: