Полный текст (12 442 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.
стр. 10116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي معناهما: أجرة القسام والحاسب، وكان سعيد بن المسيب ينهى عن أجرة القسام، وكرهها أحمد بن حنبل، فكن في مخاطبة النبي ﷺ وأمره إياه به .. كالدليل على أن وزن الثمن على المشتري، وإذا كان الوزن عليه؛ لأن الإيفاء يلزمه .. فقد دل على أن أجرة الوزان عليه، وإذا كان على المشتري .. فقياسه في السلعة المبيعة أن يكون على البائع. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع، باب الرجحان في الوزن، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في الرجحان في الوزن، وقال: حديث سويد حديث حسن صحيح، وأهل العلم يستحبون الرجحان في الوزن، والنسائي في كتاب البيوع، باب الرجحان في الوزن، والدارمي في كتاب البيوع، باب الرجحان في الوزن، وتقدم للمؤلف في كتاب التجارة، باب الرجحان في الوزن.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10117
(١٣) - (١٣١٥) - بَابُ ذَيْلِ الْمَرْأَةِ كَمْ يَكُونُ ؟
(٣١) - ٣٥٢٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَمْ تَجُرُّ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَيْلِهَا؟
===
(١٣) - (١٣١٥) - (باب ذيل المرأة كم يكون؟ )
(٣١) - ٣٥٢٤ - (١) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر أبي عبد الله.
(عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة في المدينة، من كبار الثالثة، مات بعد المئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن أم سلمة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أم سلمة: (سئل رسول الله ﷺ : كم) قدر ما (تجر) وترسل (المرأة من ذيلها) أي: من طرف ثوبها؟ والسائلة: هي أم سلمة نفسها، أو أزواجه كلهن، أو فاطمة بنته ﷺ ، قال في
стр. 10118
قَالَ: "شِبْرًا"، قُلْتُ: إِذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا، قَالَ: "ذِرَاعٌ لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ".
===
"القاموس": والذيل: آخر كل شيء، ومن الإزار والثوب: ما جر؛ أي: سحب على الأرض.
ومعنى إرسال المرأة الذيل: أنها تربط الطرف الأعلى من إزارها بنطاقها على الحقو؛ وهو معقد الإزار، هاذا أرادت الزيادة في ذيلها؛ أي: في طرفها الأسفل .. فكت الطرف الأعلى من تحت نطاقها وتكتها، فيزيد ذيلها في الطرف الأسفل.
فـ (قال) رسول الله ﷺ للسائلة: ترخي المرأة وترسل من ذيلها (شبرًا) من نصف الساقين؛ أي: تزيد على ما شرع للرجل؛ وهو إلى نصف الساقين شبرًا، أي: قدر شبر في الإرخاء، والشبر بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة: هي ما بين الطرف الأعلى من الإبهام والطرف الأعلى من الخنصر.
قالت أم سلمة: (قلت) لرسول الله ﷺ : (إذًا) بالتنوين؛ لأنها إذًا الجوابية حذف مدخولها؛ أي: إذا كان ما يزاد لها على ما شرع للرجل (شبرًا) فقط (ينكشف) ويظهر إذا مشت ما ينبغي ستره (عنها) أي: من المرأة؛ وهو أقدامهن، وإنما رفع الفعل بعد (إذًا) مع كونها جوابية؛ لفقدان شرط عملها؛ وهو كون الفعل بعدها مستقبلًا.
فـ (قال) رسول الله ﷺ : إذًا فَلْيُزَدْ لها على ما شُرع لِلرَّجُلِ من نصف الساق (ذراع) أي: قدر ذراع مِن ذيلها؛ وهو شبران (لا تزيد) المرأة في الإسبال (عليه) أي: على قدر الذراع.
قال الطيبي: المراد بالذراع: الذراع الشرعي؛ وهو ما كان باليد، لا العرفي؛ وهو ما كان بالحديد؛ إذ هو أقصر من العرفي.
стр. 10119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال ابن رسلان: الظاهر: أن المراد بالشبر والذراع: أن يكون هذا القدر زائدًا على قميص الرجُل، لا أنه زائد على الأرض. انتهى.
قال الترمذي: وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار؛ لأنه يكون أستر لهن انتهى.
قال الحافظ في "الفتح" ما لفظه: إن للرجال حالين:
- حال استحباب؛ وهو أن يقصر بالإزار على نصف الساق.
- وحال جواز؛ وهو إلى الكعبين.
وكذلك للنساء حالان:
- حال استحباب، وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر.
- وحال جواز؛ بقدر الذراع.
ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" من طريق معتمر عن حميد عن أنس: (أن النبي ﷺ شبر) بتشديد الموحدة من باب فعل المضعف؛ أي: قدر لفاطمة من عقبها شبرًا، وفي رواية: (من نطاقها شبرًا، وقال: هذا ذيل المرأة).
وأخرجه أبو يعلى بلفظ: (شَبَّر من ذَيلِها شبرًا أو شِبْرَين، وقال: لا تَزِدْنَ على هذا، ولم يسم فاطمةَ). انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب اللباس، باب في قدر الذيل، والترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في جر ذيول النساء، والنسائي في كتاب اللباس، باب ذيول النساء، والدارمي ومالك وأحمد.
стр. 10120
(٣٢) - ٣٥٢٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أم سلمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٢) - ٣٥٢٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) الأزدي البصري، ثقة ثبت، من التاسعة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زيد) بن مرة الحواري - بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد الياء - أبي الحواري (العمي) - بالفتح والتشديد - نسبة إلى العم؛ بطن من تميم، البصري قاضي هراة، قيل: لقب ذلك الشخص بالعمي؛ لأنه إذا سئل عن الشيء .. يقول: حتى أسأل عمي، هكذا في "لب اللباب"، قال أبو بكر البزار: صالح روى عنه الناس، وقال الحسن بن سفيان: ثقة، وكان يحيى يمرض القول فيه، وضعفه الجمهور؛ فهو مختلف فيه، من الخامسة. يروي عنه: (عم)، وكذا قال الدارقطني: هو صالح.
(عن أبي الصديق الناجي) اسمه: بكر بن عمرو، أو ابن قيس. روى عن
стр. 10121
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ رُخِّصَ لَهُنَّ فِي الذَّيْلِ ذِرَاعًا، فَكُنَّ يَأْتِيَنَّا فَنَذْرَعُ لَهُنَّ بِالْقَصَبِ ذِرَاعًا.
===
ابن عمر، وأبي سعيد، وعائشة، ويروي عنه: قتادة، وعاصم الأحول، وغيرهما، وقال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: توفي سنة ثمان ومئة (١٠٨ هـ)، قال في "التقريب": بصري ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان ومئة. يروي عنه (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو زيد بن مرة الحواري، وباقي رجال الإسناد ثقات.
(أن أزواج النبي ﷺ رُخِّص لهن) - بالبناء للمفعول - أي: رخص لهن النبي ﷺ (في) إرخاء (الذيل ذراعًا) أي: بقدر ذراع زيادةً على ما شرع للرجال، قال ابن عمر: (فكن) أزواج النبي ﷺ (يأتينا) معاشر الرجال بعدما رخص لهن النبي ﷺ ذراعًا، وقوله: (يَأْتِينا) بتشديد نون ضمير المتكلمين؛ لإدغام نون الإناث في نون المتكلمين (فنذرع) من باب نفع، في "المصباح": ذرعت الثوب ذرعًا: قِسْتهُ بالذراع.
أي: نحاسب: (لهن) ونقدر ذلك الذِّرَاعَ الذي رُخِّص لهن فيه؛ وهو ذراع اليد (بالقصب) أي: بالبوص الفارسي (ذراعًا) شرعيًا لا ذراعًا عرفيًا؛ أي: نحاسب ذلك الذراع الشرعي بأيدينا على القصب، فنرسله لهن، فيرخين من ذيلهن بحساب ذلك الذراع الذي أرسلناه لهن.
قال السندي: (كم تجرُّ المرأة) ظاهر هذا اللفظ أن الكلام فيما يقع على الأرض من ثوب المرأة ويسقط عليها من ذيله، لكن لا يظهر قولها: (إذًا
стр. 10122
(٣٣) - ٣٥٢٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
===
ينكشف عنها)، فلعله كناية عما يزيد على ذيل الرجل؛ أي: تزيد قدرًا تجعله المرأة زائدًا في ذيلها على ذيل الرجل؛ يدل على هذا المعنى رواية أبي الدرداء في "أبي داوود"، والله أعلم. انتهى منه.
وفي "العون": في هذا الإسناد: (زيد العمي) وهو أبو الحواري زيد بن مرة الحواري العمي البصري قاضي هراة، لا يحتج به، وقيل له: العمي؛ لأنه كلما سئل عن شيء .. قال: حتى أسأل عمي وأشاوره؛ والعمي أيضًا منسوب إلى العم؛ بطن من بني تميم، منهم غير واحد من الرواة، فأما أبو محمد عبد الرحمن بن محمود العمي .. فقيل له: هذا لأنه كان يعرف بابن العم، وهو من أهل مرو. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب اللباس، باب في قدر الذيل، والنسائي في كتاب الزينة، باب ذيول النساء، وأحمد في "مسنده".
فدرجته: أنه صحيح بما قبله وبما بعده، وإن كان سنده حسنًا؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أم سلمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٣) - ٣٥٢٦ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت،
стр. 10123
عَنْ أَبِي الْمُهَزِّم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ أَوْ لِأُمِّ سَلَمَةَ: "ذَيْلُكِ ذِرَاعٌ".
===
وتغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي المهزم) - بضم الميم وتشديد الزاي المكسورة - التميمي البصري، اسمه يزيد بن سفيان، أو عبد الرحمن بن سفيان، متروك، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق). روى عن أبي هريرة، ويروي عنه: حماد بن سلمة، متفق على ضعفه متروك.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا المهزم، وهو متفق على ضعفه متروك.
(أن النبي ﷺ قال لفاطمة) الزهراء بنته ﷺ (أو) قال (لأم سلمة) زوجه ﷺ ، والشك ممن روى عن أبي هريرة: (ذيلك) الذي رخصت لك فيه (ذراع) شرعي واحد فقط لا زيادة عليه؛ أي: فالذيل المأذون لك في إرخائه ذراع فقط لا زيادة فيه على الذراع الشرعي؛ وهو ذراع اليد المعتاد؛ وهو شبران بشبر اليد المعتدلة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح بما قبله من حديث ابن عمر، وسنده ضعيف؛ لما قد علمت، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أم سلمة بحديث عائشة ﵄، فقال:
стр. 10124
(٣٤) - ٣٥٢٧ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ أَبِي الْمُهَزِّم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ فِي ذُيُولِ النِّسَاءِ: "شِبْرًا"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
===
(٣٤) - ٣٥٢٧ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الصفار الباهلي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات سنة عشرين ومئتين (٢٢٠ هـ)، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة ومئتين ومات بعدها بيسير. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم البصري، ثقة ثبت رمي بالقدر، ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حبيب المعلم) ابن أبي قريبة أبو محمد البصري مولى معقل بن يسار، اختلف في اسم أبيه: فقيل: زائدة، وقيل: زيد، صدوق، من السادسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع)، قال أحمد وابن معين وأبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي المهزم) يزيد بن سفيان، متروك الحديث، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي هريرة عن عائشة) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعفُ؛ لأن فيه أبا المهزم، وهو متفق على ضعفه؛ كما مر آنفًا.
(أن النبي ﷺ قال في) بيان قدر ما يرخى ويسبل من (ذيول النساء) وأطراف ثيابهن: يكون (شبرًا) فقط لا زائد عليه (فقالت عائشة)
стр. 10125
إِذًا تَخْرُجَ سُوقُهُنَّ، قَالَ: "فَذِرَاعٌ".
===
لرسول الله ﷺ : (إذًا) - بالتنوين كما مر - أي: إذا كان ما يرخى ويسبل منها شبرًا فقط (تخرج) من تحت الذيول (سوقهن) وتظهر، فلا يكفي الشبر في ستر سوقهن، فـ (قال) لها النبي ﷺ : إذًا (فذراع) واحد فقط يكفي في ستر سوقهن وأقدامهن، فلا يرخص لهن في الزيادة على الذراع.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه أيضًا، ودرجته: أنه صحيح بما قبله من حديث أم سلمة، وسنده ضعيف؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة، فهذا الحديث: صحيح المتن بغيره، ضعيف السند.
* * *
فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10126
(١٤) - (١٣١٦) - بَابُ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ
(٣٥) - ٣٥٢٨ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاق، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ
===
(١٤) - (١٣١٦) - (باب العمامة السوداء)
(٣٥) - ٣٥٢٨ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه في آخره، وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مساور) بن سوار بن عبد الحميد (الوراق) الكوفي الشاعر، صدوق، من السابعة، روى عن جعفر بن عمرو، ويروي عنه: (م عم)، وسفيان بن عيينة، ووكيع.
(عن جعفر بن عمرو بن حريث) - مصغرًا - المخزومي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (م د س ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبيه) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي الصحابي الصغير رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 10127
قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
(٣٦) - ٣٥٢٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
(قال) عمرو: (رأيت النبي ﷺ قائمًا (يخطب على المنبر) النبوي (و) إن (عليه عمامة سوداء) أي: ذات لون أسود.
وفي رواية أبي داوود لفظة: (قد أرخى طرفها بين كتفيه) أي: (قد أرخى) وأسبل (طرفها) أي: طرف تلك العمامة، وفي بعض النسخ: (طرفيها) بلفظ التثنية على وسط الظهر (بين كتفيه) ﷺ ، والحديث يدل على استحباب لبس العمامة السوداء، ويدل أيضًا على استحباب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين؛ والعمامة - بكسر العين -: ما يلبس ويكور على الرأس.
وقول العصام: على وزن الغمامة .. هو سهو أو سبق قلم، مأخوذ من العلامة، يقال: (اعتم) - بتشديد الميم - إذا لف العمامة على رأسه و (سدل) أي: أرخى (عمامته) أي: طرفها الذي يسمى: العذبة، والعلامة (بين كتفيه).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم، أخرجه في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب العمائم، والنسائي في كتاب الزينة، باب في لبس العمامة السوداء.
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عمرو بن حريث بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٦) - ٣٥٢٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع،
стр. 10128
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سلَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
===
حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ دخل مكة) يوم الفتح؛ كما في رواية أبي داوود والترمذي (وعليه) أي: وعلى رأسه (عمامة سوداء) أي: ذات سواد.
ففي الحديث دليل على مشروعية العمامة السوداء؛ إشعارًا بأنه دخلها للحرب لا بالسلم.
قال الحافظ ابن القيم في "زاد المعاد": لم يذكر في حديث جابر هذا إرخاء الذؤابة بين كتفيه، فدل على أنه لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. انتهى.
وفيه: إذ لا يلزم من عدم العذوبة في هذا الحديث عدمها في الواقع حتى يستدل به على أنه ﷺ لم يكن يرخي الذؤابة دائمًا. انتهى من "العون" بتصرف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في العمائم، والترمذي في كتاب اللباس، باب في العمامة السوداء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الحج، باب دخول مكة بغير إحرام وفي كتاب الزينة، باب العمائم السوداء.
стр. 10129
(٣٧) - ٣٥٣٠ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ايْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمرو.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمرو بن حريث بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٧) - ٣٥٣٠ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا (عبيد الله) وهو عبيد الله بن موسى بن باذام العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر في سفيان الثوري، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا موسى بن عبيدة) - بضم أوله مصغرًا - ابن نشيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الربذي - بفتحتين ثم معجمة - أبي عبد العزيز المدني، ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار وكان عابدًا، من صغار السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، ضعفه الجمهور.
стр. 10130
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
===
(أن النبي ﷺ دخل) مكة (يوم فتح مكة و) الحال أنه (عليه عمامة سوداء).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وإسناده ضعيف؛ كما مر آنفًا، ولكن له شاهد من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة؛ كما مر آنفًا.
ودرجته: أنه صحيح بغيره، وسنده ضعيف، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10131
(١٥) - (١٣١٧) - بَابُ إِرْخَاءِ الْعِمَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ
(٣٨) - ٣٥٣١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُسَاوِرٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا
===
(١٥) - (١٣١٧) - (باب إرخاء العمامة بين الكتفين)
(٣٨) - ٣٥٣١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مساور) بن سوار بن عبد الحميد الوراق الكوفي، صدوق، من السابعة. يروي عنه: (م عم).
(حدثني جعفر بن عمرو بن حريث) المخزومي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبيه) عمرو بن حريث القرشي المخزومي الصحابي الصغير رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عمرو بن حريث: (كأني أنظر) الآن (إلى رسول الله ﷺ و) الحال أنه (عليه) أي: على رأسه (عمامة سوداء قد أرخى) وأسبل وأرسل (طرفيها) بصيغة التثنية، وفي بعض الرواية بالإفراد؛ كما مر؛
стр. 10132
بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
===
أي: أرخاها إلى وسط الظهر (بين كتفيه) والكتفان: العظمان الناتئان في أعلى الظهر تحت العنق.
قال الحافظ: زعم الحاكم في "الإكليل" أن بين حديث أنس في المغفر، وبين حديث جابر في العمامة السوداء .. معارضة، وتعقبوه باحتمال أن يكون أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل منهما ما رآه، ويؤيده أن في حديث عمرو بن حريث أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء، أخرجه مسلم أيضًا، وكانت تلك الخطبة عند باب الكعبة؛ وذلك بعد تمام الدخول، وهذا الجمع لعياض.
وقال غيره ة يجمع بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، أو كانت تحت المغفر؛ وقاية لرأسه عن صدأ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر بيان كونه دخل متهيأ للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة بيان كونه دخل غير محرم، وبهذا يندفع إشكال من قال: (لا دلالة في الحديث على جواز دخول مكة بغير إحرام) لاحتمال أن يكون ﷺ كان محرمًا، ولكنه غطى رأسه لعذر، فقد اندفع ذلك بتصريح جابر؛ بأنه لم يكن محرمًا. انتهى منه.
قال النووي: قوله: (وعليه عمامة سوداء) فيه جواز لبس الثياب السود، وفي الرواية الأخرى: (خطب وعليه عمامة سوداء) ففيه جواز لبس الأسود في الخطبة، وأن الأبيض أفضل منه؛ كما ثبت في الحديث الصحيح: "خير ثيابكم البياض" وأما لبس الخطباء السواد في حال الخطبة .. فجائز، ولكن الأفضل البياض؛ كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث؛ بيانًا للجواز، كذا في الشرح، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب
стр. 10133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب العمائم، والنسائي في كتاب الزينة، باب إرخاء طرف العمائم بين الكتفين، والترمذي في "الشمائل المحمدية"، وتقدم للمؤلف تخريج هذا الحديث في كتاب إقامة الصلاة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
فوائد
الأولى منها: أنه قد ورد في إرخاء العذبة أحاديث على أنواع؛ فمنها ما يدل على إرخائها بين الكتفين؛ لحديث الباب، وكحديث الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: (رأيت النبي ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه)، أخرجه أبو داوود على ما في "عمدة القاري".
وحديث عبد الأعلى بن عدي أخرجه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" من رواية إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن بشر عن عبد الرحمن بن عدي البهراني عن أخيه عبد الأعلى بن عدي: أن رسول الله ﷺ دعا علي بن أبي طالب يوم غدير خم، فعممه، وأرخى عذبة العمامة من خلفه، ثم قال: "هكذا فاعتموا ... " الحديث.
ومنها: حديث عبد الله بن ياسر قال: (بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى خيبر، فعممه بعمامة سوداء، ثم أرسلها من ورائه، أو قال: على كتفه اليسرى)، أخرجه الطبراني، وحسنه السيوطي.
ومنها: حديث جابر قال: (كان للنبي ﷺ عمامة سوداء
стр. 10134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه) أخرجه ابن عدي، وقال: لا أعلم يرويه عن أبي الزبير غير العرزمي، وعنه حاتم بن إسماعيل.
ومنها: حديث أبي موسى الأشعري: (أن جبريل نزل على رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابته من ورائه)، أخرجه الطبراني.
ومنها: ما يدل على إرخائها بين يدي المعتم ومن خلفه؛ كحديث عبد الرحمن بن عوف: (عممني رسول الله ﷺ ، فسدلها من بين يدي ومن خلفي)، أخرجه أبو داوود، وفي إسناده شيخ مجهول.
ومنها: حديث عائشة أخرجه ابن أبي شيبة عن عروة عنها: (أن رسول الله ﷺ عمم عبد الرحمن بن عوف بعمامة سوداء من قطن، وأفضل له من بين يديه مثل هذه).
وفي رواية: عن نافع عن ابن عمر قال: (عمم رسول الله ﷺ ابن عوف بعمامة سوداء كرابيس، وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع)، وقال: "هكذا فاعتم".
ومنها: حديث ثوبان: (أن النبي ﷺ كان إذا اعتم .. أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه)، أخرجه الطبراني في "الأوسط"، وفيه الحجاج بن رشد، وهو ضعيف.
ومنها: ما يدل على إرخائها من الجانب الأيمن؛ كحديث أبي أمامة قال: (كان رسول الله ﷺ قلما يولي واليًا حتى يعممه، ويرخي لها من جانبه الأيمن نحو الأذن)، أخرجه الطبراني في "الكبير"، وفي إسناده جميع بن ثوب، وهو متروك.
стр. 10135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد استدل على جواز ترك العذبة ابن القيم في "الهدي" بحديث جابر عند مسلم وأبي داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ: (إن رسول الله ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء) بدون ذكر الذؤابة، قال: فدل على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. انتهى.
وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من عدم ذكر الذؤابة في هذا الحديث عدمها في الواقع حتى يستدل به على أنه ﷺ لم يكن يرخي الذؤابة دائمًا.
وأقوى أحاديث هذه الأنواع كلها وأصحها هو حديث عمرو بن حريث في إرخاء العذبة بين الكتفين.
قال العيني: قال شيخنا زين الدين: ما المراد بسدل عمامته بين كتفيه؛ هل المراد سدل الطرف الأسفل حتى تكون عذبة، أو المراد: سدل الطرف الأعلى بحيث يغرزها ويرسل منها شيئًا خلفه؟ يحتمل كلًّا من الأمرين، ولم أر التصريح بكون المرخى من العمامة عذبةً إلا في حديث عبد الأعلى بن عدي، وفيه: (وأرخى عذبة العمامة من خلفه)، وقد تقدم.
وقال الشيخ: مع أن العذبة: الطرف؛ كعذبة السوط، وكعذبة اللسان؛ أي: طرفه؛ فالطرف الأعلى يسمى: عذبةً من حيث اللغة، وإن كان مخالفًا للاصطلاح العرفي الآتي، وفي بعض طرق حديث ابن عمر ما يقتضي أن الذي كان يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى، رواه أبو الشيخ وغيره من رواية ابن عبد السلام عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (قلت: كيف كان رسول الله ﷺ يعتم؟ قال: كان يدير كور العمامة على رأسه، ويغرزها من ورائه، ويرخي له ذؤابة بين كتفيه. انتهى.
стр. 10136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والفائدة الثانية
أنه قد أخرج الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر: أن النبي ﷺ عمم عبد الرحمن بن عوف، فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها، ثم قال: "هكذا فاعتم؛ فإنه أعرب وأحسن".
قال السيوطي: وإسناده حسن، وأخرج ابن أبي شيبة: (أن عبد الله بن الزبير كان يعتم بعمامة سوداء قد أرخاها من خلفه نحوًا من ذراع).
وروى سعد بن سعيد عن رشدين قال: (رأيت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة سوداء، ويرخيها شبرًا أو أقل من شبر).
قال في "السبل": من آداب العمامة تقصير العذبة، فلا تُطوَّل طولًا فاحشًا.
وقال في "شرح المهذب": إرسال العذبة إرسالًا فاحشًا كإرسال الثوب .. يحرم؛ للخيلاء، ويكره لغيره انتهى.
والفائدة الثالثة
أنه قال السيوطي في "الحاوي للفتاوي": وأما مقدار العمامة الشريفة .. فلم يثبت في حديث، وقد روى البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن سلام بن عبد الله بن سلام قال: سألت ابن عمر كيف كان النبي ﷺ يعتم؟ قال: كان يدير العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه، وهذا يدل على أنها عدة أذرع، والظاهر أنها كانت عشرة أذرع وفوقها بيسير. انتهى.
قال الشوكاني: ولا أدري ما هذا الظاهر الذي زعمه؛ فإن كان الظهور من
стр. 10137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذا الحديث الذي ساقه، باعتبار ما فيه من ذكر الإدارة والغرز وإرسال الذؤابة .. فهذه الأوصاف تحصل في عمامة دون ثلاثة أذرع، وإن كان من غيره .. فما هو بَعْدَ إقرارِهِ بعدم ثبوت مقدارها في حديثٍ؟ ! انتهى.
وفي "المرقاة": قال الجزري في "تصحيح المصابيح": قد تتبعت الكتب، وتطلبت من السير والتواريخ؛ لأقف على قدر عمامة النبي ﷺ ، فلم أقف على شيء، حتى أخبرني من أثق به أنه وقف على شيء من كلام النووي ذكر فيه أنه كان له ﷺ عمامة قصيرة، وعمامة طويلة، وأن القصيرة كانت سبعة أذرع، والطويلة اثني عشر ذراعًا، ذكره القاري، وقال: وظاهر كلام "المدخل": أن عمامته كانت سبعة أذرع مطلقًا من غير تقييد بالقصير والطويل. انتهى.
قلت: لا بد لمن يدعي أن مقدار عمامته ﷺ كذا وكذا من الذراع أن يثبته بدليل صحيح، وأما الادعاء المحض .. فليس بشيء.
والفائدة الرابعة
أنه قال في "السبل": من آداب العمامة إرسال العذبة بين الكتفين، ويجوز تركها بالأصالة.
وقال النووي: في "شرح المهذب": يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله ولا كراهة في واحد منهما، ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شيء. انتهى.
والفائدة الخامسة
لم أجد في فضل العمامة حديثًا مرفوعًا صحيحًا، وكل ما جاء فيه .. فهي إما
стр. 10138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ضعيفة أو موضوعة؛ فمنها: ما رواه القضاعي والديلمي في "مسند الفردوس" عن علي مرفوعًا: "العمائم تيجان العرب، والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه"، قال في "المقاصد": ضعيف، وأخرج البيهقي معناه من قول الزهري.
ومنها: حديث: "عليكم بالعمائم؛ فإنها سيما الملائكة، وأرخوها خلف ظهوركم"، أخرجه ابن عدي والبيهقي في "الخلاصة"، وهو موضوع.
وقال في "اللآلئ": لا يصح، وقال: له طريق عن ابن عباس أخرجه الحاكم في "المستدرك".
ومنها: ما رواه ابن عساكر والديلمي عن ابن عمر مرفوعًا: "صلاة تطوع أو فريضة بعمامة تعدل خمسًا وعشرين صلاة بلا عمامة، وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة بلا عمامة" قال المناوي: قال ابن حجر: هذا الحديث موضوع لا أصل له، وكذلك قال الشوكاني في كتابه "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" وفي الباب روايات أخرى، ذكرها الشوكاني وغيره في موضوعاتهم، والله أعلم. انتهى من"التحفة".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10139
(١٦) - (١٣١٨) - بَابُ كَرَاهِيَةِ لُبسِ الْحَرِيرِ
(٣٩) - ٣٥٣٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا .. لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ".
===
(١٦) - (١٣١٨) - (باب كراهية لبس الحرير)
(٣٩) - ٣٥٣٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف ب (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد العزيز بن صهيب) البناني البصري ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : من لبس الحرير) من الرجال (في الدنيا .. لم يلبسه في الآخرة) وإن دخل الجنة إلا أن يتوب من لبسه في الدنيا فيلبسه في الجنة حينئذٍ؛ لأن من استعجل الشيء قبل أوانه .. عوقب بحرمانه؛ والحرير: هو ما ينسجه دود شجر التوت؛ وهو اسم عام لما رق منه وغلظ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب اللباس، باب تحريم لبس الحرير وغيره على الرجال، والإمام أحمد في "مسنده".
стр. 10140
(٤٠) - ٣٥٣٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاء، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٠) - ٣٥٣٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا علي بن مسهر) - بصيغة اسم الفاعل - من أسهر الرباعي القرشي الكوفي قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الشيباني) سليمان بن أبي سليمان، اسمه فيروز أبي إسحاق الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات في حدود أربعين ومئة (١٤٠ هـ)، قال الجوزجاني: رأيت أحمد يعجبه حديث الشيباني، اتفقوا على توثيقه. يروي عنه: (ع).
(عن أشعث بن أبي الشعثاء) سليم بن أسود المحاربي الكوفي، قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، وقال العجلي: من ثقات شيوخ الكوفيين، ثقة، من السادسة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معاوية بن سويد) بن مقرن المزني أبي سويد الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له في الكتب الأصول حديثان، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره العسكري في الصحابة، ولكن ليس سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 10141
عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَالْإِسْتَبْرَقِ.
===
صحيحًا، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، لم يصب من زعم أن له صحبة. يروي عنه: (ع).
(عن البراء) بن عازب بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، سكن الكوفة، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) البراء: (نهى رسول الله ﷺ الرجال نهي تحريم (عن) لبس (الديباج) وهو ما غلظ من ثياب الحرير (و) عن لبس (الحرير) وهو عام لما غلظ ولما رق (و) عن لبس (الإستبرق) وهو ما رق من ثياب الحرير، والإستبرق معرب: (إستبرك)، وإذا عرب .. خرج من أن يكون أعجميًا؛ لأن معنى التعريب: أن يجعل عربيًا بالتصرف فيه وتغييره عن منهاجه الأول، وإجراء أوجه الإعراب عليه.
وأما (الديباج) .. فبكسر الدال، فارسي معرب، وقال ابن الأثير: الديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم، وقد تُفْتَحُ دالهُ، ويجمع على دبابيج، كذا في "عمدة القاري" (٤/ ٨).
وقال القرطبي: الديباج: جنس من الحرير والإستبرق، والسندس من أنواعه. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في أبواب كثيرة؛ منها في كتاب اللباس، باب لبس القسي، ومسلم في كتاب اللباس، باب تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، والترمذي في الأدب، باب ما جاء في كراهية
стр. 10142
(٤١) - ٣٥٣٤ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ
===
المعصفر، والنسائي في كتاب الزينة، باب ذكر النهي عن الثياب الفتية.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤١) - ٣٥٣٤ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم) بن عتيبة - بالمثناة ثم بالموحدة مصغرًا - أبي محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) قيل: إنه غرق. يروي عنه: (ع)، اسم أبي ليلى يسار.
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي حليف الأنصار الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنهما، من السابقين، مات بعد قتل عثمان بأربعين ليلة سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) حذيفة: (نهى رسول الله ﷺ الرجال نهي تحريم (عن لبس الحرير و) عن استعمال (الذهب) بالأكل في آنيته والشرب فيها،
стр. 10143
وَقَالَ: "هُوَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَنَا فِي الآخِرَةِ".
===
وبلبس خاتمه وسواره وطوقه مثلًا (وقال) رسول الله ﷺ في علة النهي: لأنه (هو) أي: ما ذكر من لبس الديباج واستعمال الذهب حاصل (لهم في الدنيا و) خاص (لنا) استعمالهما (في الآخرة).
قال السندي: (هو) أي: الذهب (لهم) أي: للكفرة؛ بمعنى: أنهم ينتفعون به، لا بمعنى: أنه يباح لهم. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأشربة وكتاب اللباس، باب الأكل في إناء مفضض، باب الشرب في آنية الذهب، باب افتراش الحرير، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة، وأبو داوود في كتاب الأشربة، باب الشرب في إناء الذهب والفضة، والترمذي في كتاب الأشربة، باب ما جاء في كراهية الشرب في إناء الذهب والفضة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الزينة، باب ذكر النهي عن لبس الذهب.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
وفي "التحفة": ومعنى قوله: (وقال: هو لهم) أي: وقال رسول الله ﷺ : هو) أي: استعمال ما ذكر (لهم) أي: للكفار (في الدنيا، ولكم في الآخرة) أي: ليس المراد بقوله: "هو لهم في الدنيا" إباحة استعمالهم له، وإنما المعنى: هم الذين يستعملونها مخالفة لحكم المسلمين، وكذا قوله: (ولكم في الآخرة) أي: تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا، ويمنع أولئك الكفار؛ جزاء لهم على معصيتهم باستعماله، قاله الإسماعيلي.
стр. 10144
(٤٢) - ٣٥٣٥ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ
===
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة، كما في شرب الخمر. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أنس بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٢) - ٣٥٣٥ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب (أخبره) أي: أخبر نافعًا.
(أن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: أن عمر بن الخطاب (رأى حلة سيراء) وهو من إضافة المسمى إلى الاسم، أي: رأى حلة تسمى باسم: سيراء؛ أي: بحلة فيها خطوط حرير؛
стр. 10145
مِنْ حَرِيرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوِ ابْتَعْتَ هَذِهِ الْحُلَّةَ لِلْوَفْدِ وَلِيَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ".
===
أي: مخططة بخيوط (من حرير) أي: منقوشة بخيوط من حرير (فقال) عمر لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ لو ابتعت) واشتريت (هذه الحلة) لتلبسها (للوفد) أي: عند وفود الوفد؛ أي: عند حضور الجماعة الزائرين لك لبيعتك على الإسلام؛ كالملوك وسفائرهم (ولـ) تلبسها في (يوم الجمعة) وفي يوم العيد من أيام الزينة .. لكان حسنًا، فجواب (لو) محذوف دل عليه السياق، أو أن (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب (فقال رسول الله ﷺ في جواب ما طلب عمر منه: (إنما يلبس) أمثال (هذه) الحلة من أنواع الحرير (من لا خلاق) ولا نصيب (له) من حرير الجنة (في) دار (الآخرة) يوم القيامة من الحلل المعدة للمتقين.
قوله: (حلة سيراء) الحلة - بضم الحاء المهملة وتشديد اللام -: إزار ورداء إذا كانا من جنس واحد.
وحكى عياض أن أصل تسمية الثوبين حُلَّةً: أنهما يكونان جديدين، فكأنما حُلَّا من طَيِّهِما الآنَ، وقيل: لا يكون الثوبان حُلَّة؛ ولا يُسميان باسمه حتى يلبس أحدهما فوق الآخر؛ فإذا كان أحدهما فوق الآخر .. فقد حَلَّ فوقَه؛ كالرداءِ فوق الإزار، أو فوق القميص، والمعنى الأول أَشْهرُ عندهم.
والسيراء - بكسر السين وفتح الياء ممدودةً - بوزن فعلاء: الثوب المخطط بخيوط الحرير من حرير أو قز، وإنما قيل لها: سيراء؛ لتسيير خطوط ممتدة فيها، كأنها السيور، وقال ابن سيده: هو ضرب من البرود، وقيل: ثوب مسير فيه خطوط يعمل من القز، وقيل: ثوب يجلب من اليمن، كذا في "فتح الباري" (١٠/ ٢٩٧).
стр. 10146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واختلفوا في (حلة سيراء) هل هو مركب وصفي، أو إضافي؟ فجزم القرطبي والخطابي بأنه مركب وصفي؛ بتنوين (حلة) ونصب (سيراء) على أن تكون صفة للحلة؛ كأنه قال: حلة مسيرة؛ كما قالوا: جبة طيالسة؛ أي: غليظة.
قال الخطابي: حلة سيراء؛ كقولك: ناقة عشراء، وبعضهم لا ينون (الحلة) ويضيفها إلى (سيراء) من إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقولهم: ثوب خز، وخاتم حديد، على أن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفةً، وإنما سيراء ينزل منزلة مسيرة. انتهى من "المفهم" مع زيادة وتصرف.
وفي رواية مسلم زيادة: رآها (عند باب المسجد) النبوي، وذكر في رواية له أيضًا: (أنها كانت عند عطارد بن حاجب، وكان يبيعها عند المسجد).
وفي قوله: (لو ابتعت هذه الحلة للوفد) دليل على جواز التجمل للوفود ومجامع المسلمين التي يقصد بها إظهار جمال الإسلام والإغلاظ على العدو؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على عمر ما قاله إلا كون اللباس حريرًا، فثبت تقريره على نفس التجمل.
قوله: (وليوم الجمعة) فيه دليل على أن لبس أحسن الثياب مطلوب يوم الجمعة، وأخرج مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لِجُمْعَتِه سوى ثوبي مِهْنَتِه".
قوله: "من لا خلاق له في الآخرة" الخلاق - بفتح الخاء المعجمة وتخفيف اللام -: النصيب أو الحظ أو القدر؛ ويعني بذلك: أنه لباس الكفار والمشركين في الدنيا، وهم الذين لا حظ لهم في الآخرة.
ويحتمل أن يراد بمن لا خلاق له: كل من لبس الحرير في الدنيا، قاله
стр. 10147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الطيبي، وهذا كما في حديث البراء: "من شربها في الدنيا .. لم يشربها في الآخرة". انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب لبس الحرير وافتراشه للرجال، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية الحرير والديباج، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "السنن الكبرى" في كتاب الزينة، باب لبس الحرير.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10148
(١٧) - (١٣١٩) - بَابُ مَنْ رُخِّصَ لَهُ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ
(٤٣) - ٣٥٣٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ نَبَّأَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي قَمِيصَيْنِ مِنْ حَرِيرٍ
===
(١٧) - (١٣١٩) - (باب من رخص له في لبس الحرير)
ببناء الفعل للمفعول.
* * *
(٤٣) - ٣٥٣٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري، البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعاة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(أن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه (نبأهم) أي: نبأ قتادة ومن معه وحدثهم الحديث الآتي آنفًا.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ رخص) أي: أذن وجوز (للزبير بن العوام) الأسدي المدني (ولعبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني رضي الله تعالى عنهما (في) لبس (قميصين) مخيطين (من) ثياب (حرير) لكل منهما
стр. 10149
مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا حِكَّةٍ.
===
قميص واحد، وهو تثنية قميص؛ وهو لباس له جيب وطوق يستر معظم البدن؛ أي: رخص لهما في لبس قميص حرير سفرًا وحضرًا (من) أجل (وجع) ومرض (كان بهما)، وقوله: (حكة) عطف بيان لوجع، أو بدل منه؛ والحكة: الجرب اليابس؛ أي: رخص لهما؛ لأجل حكة كانت بهما.
قال القرطبي: ترخيص النبي ﷺ لعبد الرحمن والزبير بن العوام في لبس الحرير؛ للحكة أو للقمل .. يدل على جواز ذلك للضرورة، وبه قال جماعة من أهل العلم وبعض أصحاب مالك، وأما مالك .. فمنعه في الوجهين؛ أي: في البابين، والحديث واضح الحجة عليه، إلا أن يدعي الخصوصية بهما، ولا يصح، أو لعل الحديث لم يبلغه. انتهى من "المفهم".
قوله: (من وجع كان بهما حكة) وفي رواية همام عند مسلم: (شكوا إلى رسول الله ﷺ القمل، فرخص لهما) فبين الروايتين معارضة من حيث السبب، قلنا: لا معارضة؛ لأنه يمكن أن تكون الحكة بسبب القمل، فذكر المسبب هنا، وهناك السبب.
والحكة: هي الجرب اليابس؛ وهي الحساسية في الجلد، واستدل الجمهور بحديث الباب على أن استعمال الحرير للرجال يجوز في الجرب ولمرض كالحكة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة: إنما الجائز في الجرب ما كان لحمته من حرير وسداه من غيره، وإنه يكره في غير الجرب والمرض، فأما الحرير الخالص .. فلا يباح للرجال إلا عند الاضطرار.
وحمل أبو حنيفة حديث الباب على الاضطرار؛ حيث لم يتيسر في السفر إلا الحرير الخالص، أو على أنه ﷺ إنما أباح لهما الملحم؛ يعني: ما كان لحمته من حرير وسداه من غيره دون الحرير الخالص، أو على أنه كان خصوصية لهما، ومما دل على الخصوصية ما أخرجه ابن عساكر عن
стр. 10150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابن سيرين أن عمر رأى على خالد بن الوليد قميص حرير، فقال: ما هذا؟ فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف، فقال: وأنت مثل عبد الرحمن، أو لك مثل ما لعبد الرحمن؟ ! ثم أمر من حضره فمزقوه، ذكره الحافظ في "الفتح" (٦/ ١٠١)، وقال: رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا، وأخذ أبو حنيفة بعموم قوله ﷺ : "هذان حرام على ذكور أمتي، حل لإناثها".
وأما الجمهور وأبو يوسف ومحمد .. فأخذوا بإطلاق حديث الباب؛ حيث لم يقيد رسول الله ﷺ الرخصة بالاضطراب ولا بالملحم ولا بالخصوصية.
وقال في "إعلاء السنن" (١٧/ ٣٤٨): فقول أبي حنيفة في الباب أورع وأحوط، وقولهم أوسع وأقوى وأضبط، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب لبس الحرير في الحرب، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب إباحة الحرير للرجل إذا كان به حكة ونحوها، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في لبس الحرير لعذر، والترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في الرخصة في لبس الحرير في الحرب، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الزينة، باب الرخصة في لبس الحرير، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10151
(١٨) - (١٣٢٠) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ
(٤٤) - ٣٥٣٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ إِلَّا مَا كَانَ هكَذَا،
===
(١٨) - (١٣٢٠) - (باب الرخصة في العلم في الثوب)
أي: في الطراز الذي يجعل على عضد العسكر مثلًا.
* * *
(٤٤) - ٣٥٣٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن سليمان الأحول أبي عبد الرحمن البصري، ثقة، من الرابعة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عثمان) النهدي عبد الرحمن بن مل - بتثليث الميم وتشديد اللام - مشهور بكنيته، ثقة ثبت مخضرم عابد، من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن عمر (كان ينهى) الناس (عن) لبس (الحرير والديباج إلا ما كان هكذا) أي: قدر أربع أصابع، أو قدر ما دونها، كقدر إصبع أو إصبعين
стр. 10152
ثُمَّ أَشَارَ بِإِصْبَعِه، ثُمَّ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الثَّالِثَةِ ثُمَّ الرَّابِعَة، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا عَنْهُ.
===
أو ثلاث أو أربع؛ كما بينه بقوله: ثم أشار ... إلى آخره.
(ثم أشار) أبو عثمان في المرة الأولى (بإصبعه) الواحدة، أي: كان عمر ينهى عن الحرير والديباج إلا ما كان قدر إصبع واحدة؛ فإنه حلال (ثم) أشار أبو عثمان المرة (الثانية) بإصبعين؛ أي: نهى عنهما إلا ما كان قدر إصبعين؛ فإنه حلال (ثم) أشار أبو عثمان المرة (الثالثة) بثلاث أصابع؛ أي: نهى عنهما إلا ما كان قدر ثلاث أصابع (ثم) أشار أبو عثمان المرة (الرابعة) بأربع أصابع؛ أي: نهى عنهما إلا ما كان قدر أربع أصابع؛ فإنه حلال؛ لكون ما ذكر كله قليلًا وما فوق قدر أربع أصابع .. فهو حرام؛ لكثرته.
وقوله: (ثم أشار) تفسير وتفصيل لقوله: (إلا ما كان هكذا).
وقوله: (فقال) عمر: (كان رسول الله ﷺ ينهانا) معاشر الصحابة (عنه) أي: عن لبس الحرير والديباج إلا ما كان هكذا معطوف على قوله: إنه كان ينهى؛ أي: أنه كان ينهى عنهما، ويقول: كان رسول الله ﷺ ينهانا عنه.
ولفظ مسلم: (عن الشعبي عن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب خطب بالجابية - موضع بدمشق، فقال) عمر في خطبته: (نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين) أي: قدرهما (أو) قدر (ثلاث) أصابع (أو) قدر (أربع) منها.
قال النووي: وفي هذا الحديث: إباحة العلم والطراز من الحرير في الثوب؛ كما يخاط على عضد قمص العساكر إذا لم يزد على أربع أصابع، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. انتهى.
стр. 10153
(٤٥) - ٣٥٣٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ مَوْلَى أَسْمَاءَ
===
قال قاضيخان: روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا بأس بالعلم من الحرير في الثوب إذا كان قدر أربع أصابع أو دونها، ولم يحك فيها خلافًا. انتهى من "المرقاة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب الحرير وافتراشه للرجال وبيان قدر ما يجوز، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال الحرير، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الحرير، والنسائي في كتاب الزينة، باب الرخصة في لبس الحرير.
وقد سبق للمؤلف تخريج هذا الحديث في كتاب الجهاد، باب لبس الحرير والديباج في الحرب رقم (٩٨٢)، حديث رقم (٢٧٧٧).
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٥) - ٣٥٣٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن مغيرة بن زياد) البجلي أبي هشام الموصلي، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي عمر مولى أسماء) بنت أبي بكر الصديق الصحابية الفاضلة رضي الله تعالى عنها، اسمه عبد الله بن كيسان القرشي التيمي مولاهم المدني؛ مولى أسماء بنت أبي بكر، ثقة، من الثالثة، قال أبو داوود: ثقة ثبت، وقال
стр. 10154
قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ اشْتَرَى عِمَامَةً لَهَا عَلَمٌ، فَدَعَا بِالْجَلَمَيْنِ فَقَصَّهُ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَسْمَاءَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ: بُؤْسًا لِعَبْدِ الله، يَا جَارِيَةُ؛ هَاتِي جُبَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَتْ
===
الحاكم: من أجلة التابعين، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (ع).
(قال) أبو عمر: (رأيت) عبد الله (بن عمر اشترى عمامة لها علم) أي: طراز من حرير وكفة منه (فدعا) أي: طلب ابن عمر (بالجلمين) - بفتحتين وياء ساكنة - في "المنجد": الجلمان: اسم آلة لجلم الصوف وقطعه؛ كالمقص؛ وهو المقص الكبير للخياطين، لفظه لفظ المثنى ملحق به في إعرابه؛ كالبحرين (فقصه) أي: فقص ابن عمر العلم والطراز والكفة التي على أطراف العمامة؛ لظنه حرمتها؛ لأنها من الحرير والحال أنها حلال.
قال أبو عمر: (فدخلت) أنا (على) مولاتي (أسماء) بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، قال أبو عمر: (فذكرت) أي: أخبرت (ذلك) الفعل الذي فعله ابن عمر بعمامته من قص العلم (لها) أي: لأسماء (فقالت) أسماء: (بؤسًا لعبد الله) منصوب على المفعولية المطلقة بعامل محذوف وجوبًا؛ تقديره: بئس ابن عمر بؤسًا؛ أي: هلك هلاكًا بإسراف عمامته وماله، يقال: بئس يبأس بؤسًا؛ كسمع يسمع سمعًا؛ معناه: الشدة والفقر؛ أي: أصابه الله بداهية وشدة، هذا أصله، والآن استعمل في التعجب، ولا يراد معناه الحقيقي؛ وهو الدعاء عليه بالهلاك؛ أي: عجبًا لابن عمر كيف قص علم عمامته لجهله بحله؟ !
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
ثم قالت أسماء لجاريتها: (يا جارية؛ هاتي) ائتني وأعطني (جبة رسول الله ﷺ والجبة: قميص محشو يلبس للبرد (فجاءت) الجارية
стр. 10155
بِجُبَّةٍ مَكْفُوفَةِ الْكُمَّيْنِ وَالْجَيْبِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ.
===
إليها (بجبة مكفوفة الكمين) أي: مطرزة أطراف كميها بخرقة الديباج (و) مكفوفة (الجيب) والجيب: شق القميص من العنق إلى نهاية الصدر؛ أي: مكفوفة طرفي جيبها بخرقة الديباج (و) مكفوفة (الفرجين) أي: مكفوفة أطراف فرجيها (بـ) خرقة (الديباج) والفرجان: أطراف شق الجبة من قدام ومن خلف.
قال السندي: قوله: (مكفوفة الكمين ... ) إلى آخره؛ أي: عُمِلَ على كميها وجيبها وفرجيها كفاف من حرير.
وكفة كل شيء - بالضم -: طرفه أو حاشيته وكل مستطيل كفة ككفة الثوب، وكل مستدير كفة - بالكسر - ككفة الميزان.
(والفرجين) الفرجان: الشقان من قدام ومن خلف. انتهى منه.
والمعنى: فجاءت الجارية إلى أسماء بجبة مكفوفة كماها وجيبها وفرجاها بخرقة من الديباجِ والحريرِ؛ أي: مخيطة بكفة من حرير، كذا في "المرقاة".
ومعنى المكفوفة: أنه جعل لها كفة - بضم الكاف وتشديد الفاء - والكفة: ما يكف به جوانبها ويعطف عليها، ويكون ذلك في الجيب والفرجين والكمين والذيل.
وإنما أخرجت أسماء جبة النبي ﷺ وهي مكفوفة بالحرير؛ لتري أن الثوب والجبة والعمامة ونحوها إذا كان مكفوف الطرف بالحرير .. جاز، ما لم يزد على أربع أصابع، فإن زاد .. فهو حرام؛ لما مر آنفًا من حديث عمر رضي الله تعالى عنه وفي رواية المؤلف اختصار للحديث، وتمامه في رواية مسلم: (فقالت) معطوف على قوله: (فجاءت) الجارية (بجبة مكفوفة) أي: فلما جاءت الجارية بجبة .. قالت أسماء من عندها: (هذه) الجبة التي
следующие страницы →