أَنْ تَدْخُلَ؟ "، قَالَ: إِنَّ فِي الْبَيْتِ كَلْبًا، وَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ.
(١٠٢) - ٣٥٩٥ - (٤) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ،
===
وحجزك من (أن تدخل) البيت علينا؟ (قال) جبريل: (إن في البيت كلبًا، وإنا) معاشر الملائكة (لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة) حيوان.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي طلحة، وروى ذلك الشاهد أبو داوود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" من حديث علي بن أبي طالب بزيادة: (الجنب)، وفي "البزار" من حديث ابن عباس مرفوعًا: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب، والسكران، والمتضمخ بالخلوق".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا مما ذكرناه، غرضه: الاستشهاد به لحديث أبي طلحة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠٢) - ٣٥٩٥ - (٤) (حدثنا العباس بن عثمان) بن محمد البجلي أبو الفضل (الدمشقي) المعلم، صدوق يخطئ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 10292
حَدَّثَنَا عُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوْجَهَا فِي بَعْضِ الْمَغَازِي، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تُصَوِّرَ فِي بَيْتِهَا نَخْلَةً، فَمَنَعَهَا أَوْ نَهَاهَا.
===
(حدثنا عفير) مصغرًا (ابن معدان) - بفتح الميم وسكون العين - الحمصي المؤذن، ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا سليم بن عامر) الكلاعي، ويقال: الخبائري - بخاء معجمة وموحدة - نسبة إلى الخبائر؛ بطن من الكلاع أبو يحيى الحمصي، ثقة، من الثالثة، غلط من قال: إنه أدرك النبي ﷺ ، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي أمامة) صدي بن عجلان بن وهب الباهلي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه. روى عن: النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، ويروي عنه: سليم بن عامر.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف، لأن فيه عفير بن معدان، وهو متفق على ضعفه ..
(أن امرأة) صحابية، لم أر من ذكر اسمها (أتت) أي: جاءت (النبي ﷺ ، فأخبرته) ﷺ تلك المرأة (أن زوجها في بعض المغازي) والجهاد (فاستأذنته) ﷺ ، أي: طلبت منه ﷺ الإذن لها في (أن تصور) وتمثل (في بيتها) وسكنها (نخلة) أي: شجرة نخل، لتتفرج وتستأنس بها عند وحدتها ووحشتها (فمنعها) رسول الله ﷺ أن تصورها، سدًّا للذريعة (أو) قال الراوي: (نهاها) رسول الله ﷺ عن أن تصورها، حسمًا لباب التصوير؛ أي: منعها من التصوير، لعدم الفائدة، وإن كانت صورة النخلة ليست كصورة ذي الروح.
стр. 10293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولا شاهد له ولا متابع، ودرجته: أنه ضعيف جدًّا (٦)(٣٦٦)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخير للاستئناس، والثاني والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10294
(٤٥) - (١٣٤٧) - بَابُ الصُّوَرِ فِيمَا يُوطَأُ
(١٠٣) - ٣٥٩٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ
===
(٤٥) - (١٣٤٧) - (باب الصور فيما يوطأ)
(١٠٣) - ٣٥٩٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبو زيد المدني، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم)، وفي "التهذيب": قال ابن معين: يحيى القطان يضعفه، وقال أبو يعلى الموصلي عنه: ثقة صالح، وقال عثمان الدارمي: ليس به بأس، وقال الدوري وغيره عنه: ثقة حجة، وقال ابن عدي: يروي عنه الثوري وجماعة من الثقات، وقال ابن نمير: مدني مشهور، وقال العجلي: ثقة، وقال الآجري: صالح، وبالجملة: فهو مختلف فيه، فلا يقدح في السند.
(عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أبي محمد المدني، ثقة فاضل، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
стр. 10295
قَالَتْ: سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي - تَعْنِي: الدَّاخِلَ - بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ .. هَتَكَهُ، فَجَعَلْتُ مِنْهُ مَنْبُوذَتَيْن،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أسامة بن زيد.
(قالت) عائشة: (سترت سهوةً) أي: طاقةً (لي) أي: طاقة بيتي وشباكه، قال القاسم بن محمد: (تعني) أي: تقصد عائشة بقولها: سترت سهوة لي؛ أي: سترت (الداخل) أي: الداخل من السهوة (بستر) رقيق؛ أي: بستارة رقيقة؛ أي: غير غليظة (فيه) أي: في ذلك الستر (تصاوير) أي: تَمَاثِيلُ.
قال النووي: السهوة - بفتح السين المهملة -: قال الأصمعي: هي شبيهة بالرف أو الطاق يوضع عليه الشيء.
قال أبو عُبيد: وسمعت غير واحد من أهل اليمن يقولون: السهوة عندنا: بيت صغير منحدر في الأرض، وسمكه مرتفع من الأرض يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيه المتاع، قال أبو عبيد: وهذا عندي أشبه ما قيل في السهوة.
وقال الخليل: هي أربعة أعواد أو ثلاثة يوضع بعضها على بعض، ثم يوضع عليها شيء من الأمتعة، وقال ابن الأعرابي: هي الكوة بين الدارين، وقيل: بيت صغير يشبه المخدع، وقيل: هي كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: شَبِيهُ دَحْلةٍ في جانب البيت، والله أعلم. انتهى منه.
أي: سترت كوة لي تعني داخلَها بستر رقيق لا غليظ، فيه تصاوير حيوان مختلفة (فلما قدم النبي ﷺ من خارج فرآه؛ أي: رأى ذلك الستر الذي جعلته على الطاقة .. (هتكه) أي: قطعه قطعًا؛ أي: رفعه وقطعه قطعًا صغارًا.
فقالت عائشة: (فجعلت) أي: اتخذت (منه) أي: من ذلك الستر الذي قَطَّعه قطعًا (منبوذتين) أي: مخدتين تنبذ وتوضع للمضطجع عليهما
стр. 10296
فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى إِحْدَاهُمَا.
===
(فرأيت النبي ﷺ بعد ذلك (متكئًا على إحداهما) أي: مستندًا إليهما؛ لأنها وإن كانت عليها تصاوير حيوان؛ فقد صارت الآن ممتهنة موطوءةً مبتذلةً، فجاز الاتكاء عليها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه في روايته بهذا السند، وإلا .. فقد أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب هل تكسر الدنان من الخمر، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان دون الاتكاء عليها، والنسائي في كتاب الزينة، باب التصاوير، وابن حبان.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لأنه في "الصحيحين" وغيرهما بغير هذا السند، فهذا الحديث: حسن السند، صحيح المتن، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10297
(٤٦) - (١٣٤٨) - بَابُ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ
(١٠٤) - ٣٥٩٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرَةَ،
===
(٤٦) - (١٣٤٨) - (باب الميَاثرِ الحُمْرِ)
والمياثر: جمع ميثرة بوزن مِفعلةٍ - بكسر الميم وفتح المثلثةِ - من الوثارة - بفتح الواو - فهو وثير؛ أي: وَطِيءٌ لَيِّنٌ، وأصلها: موثرة، فقلبت الواو ياء؛ لوقوعها بين عدوتيها.
وهي من مراكب العجم، تعمل من حرير أو ديباج، فهي وطاء محشوٌ، يجعل فوق رحل البعير، أو سرج الفرس تحت الراكب، وهو دأب المتكبرين.
وقد حملها على الحمراء؛ كما جاء التصريح بذلك، فمفهوم اللفظ أنها إذا لم تكن حمراء .. لم يحرم؛ لقصد الاستراحة خصوصًا للضعفاء. انتهى "سندي".
* * *
(١٠٤) - ٣٥٩٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) الهمداني عمرو بن عبد الله السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن هبيرة) بن يريم - بتحتانية أوله وزن عظيم - الشبامي الكوفي، أبو الحارث، لا بأس به وقد عيب بالتشيع، من الثانية. يروي عنه: (عم).
стр. 10298
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَب، وَعَنِ الْمِيثَرَةِ؛ يَعْنِي: الْحَمْرَاءَ.
===
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) علي: (نهى رسول الله ﷺ الرجال نهي تحريم (عن) لبس (خاتم الذهب وعن) الجلوس على (الميثرة) أي: على الحرير المحشو الموضوع تحت الراكب فوق الرحل وفوق السرج (يعني الحمراء) أي: الملون باللون الأحمر، في الأرميا: (غلاس).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب اللباس، باب مَنْ كَرِهَهُ، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجل والقسي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الزينة، باب خاتم الذهب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
قال إمام المحدثين البخاري في "صحيحه": الميثرة: هي التي كانت النساءُ يَصْنَعْنَها لبعولتهن أمثال القطائف يصفونها.
قال الحافظ معنى: يصفُّونَها؛ أي: يجعَلُونها كالصُّفَّة، وقال الزبيدي: والميثرة: مرفقة كصفة السرج، وقال الطبري: وهو وطاء يوضع على سرج الفرس أو على رحل البعير كانت النساء تصنعه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر؛ أي: من الحرير الأحمر ومن الديباج، وكانت مراكب العجم. انتهى.
والأرجوان: بضم الهمزة والجيم -: هو الصوف الأحمر، كذا قال ابن رسلان،
стр. 10299
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقيل: الأرجوان: الحمرة، وقيل: الشديد الحمرة، وقيل: الصباغ الأحمر، ذكره في "النيل".
قال السيوطي: الأرجوان: صبغ أحمر، يتخذ كالفراش الصغير، ويحشى بقطن يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال، ويدخل فيه مياثر السرج؛ لأن النهي يشمل كلّ ميثرة حمراء كانت على رحل أو سرج. انتهى.
قال في "المرقاة": قوله: (على الميثرة الحمراء) الميثرة: هي وسادة صغيرة حمراء يجعلها الراكب تحته على الرحل أو السرج، والنهي إذا كانت من حرير، قال: ويحتمل أن يكون النهي؛ لما فيه من الترفه والتنعم نهي تنزيه، ولكونها من مراكب المعجم، والمفهوم من كلام بعضهم: أن الميثرةَ لا تكون إلَّا حَمْرَاءَ، فالتقييد في الترجمة إما للتأكيد، أو بناء على التجريد. انتهى من "العون".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10300
(٤٧) - (١٣٤٩) - بَابُ رُكُوبِ النُّمُورِ
(١٠٥) - ٣٥٩٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ الْحَجْرِيِّ الْهَيْثَم، عَنْ عَامِرٍ الْحَجْرِيِّ
===
(٤٧) - (١٣٤٩) - (باب ركوب النمور)
(١٠٥) - ٣٥٩٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسين العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - الكوفي، رحل في الحديث فأكثر، صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا يحيى بن أيوب) الغافقي - بمعجمة ثم فاء وقاف - أبو العباس المصري، صدوق ربما أخطأ، من السابعة، مات سنة ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني عياش بن عباس) بمهملة وموحد ثم مهملة (الحميري) القِتْبَانيُّ - بكسر القاف وسكون المثناة - ثقةٌ، من السادسة، قال ابن يونس: يقال: مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حصين) مصغرًا (الحجري) - بفتح المهملة وسكون الجيم - اسمه (الهيثمُ) بن شَفِيٍّ - بمعجمة وفاء بوزن عَلِي على الأصح - الرعيني المصري، ثقةٌ، من الثانية. يروي عنه: (د س ق).
(عن عامر الحجري)، هكذا في نسخ ابن ماجة، والصواب: (أبو عامر الحجري) واسمه: عبد الله بن جابر بن حجر الأزدي، وقيل: اسمه عامر،
стр. 10301
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا رَيْحَانَةَ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ.
===
والصحيح ما أثبتناه، وهو على الصواب عند أبي داوود والنسائي، مقبول من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(قال) أبو عامر الحجري: (سمعت أبا ريحانة) شمعون، ويقال: غينه معجمة، ابن زيد الأزدي أبا ريحانة - بفتح الراء وسكون الياء - حليف الأنصار، ويقال مولى رسول الله ﷺ ، صحابي؛ شهد فتح دمشق، وقدم مصر، وسكن بيت المقدس. يروي عنه: (د س ق). انتهى "تقريب".
قال عامر الحجري: سمعت أبا ريحانة (صاحب النبي ﷺ يقول: كان النبي ﷺ ينهى عن ركوب النمور).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن رواته مختلف فيهم.
والمعنى: كان النبي ﷺ ينهى الناس عن ركوب جلودها ملقاة على السرج والرحال؛ لما فيه من التكبر، أو لأنه زي المعجم، أو لأن الشعر نجس لا يقبل الدباغ؛ والنمور جمع نمر - بفتح النون وكسر الميم، ويجوز التخفيف بكسر النون وسكون الميم - وهو سبعٌ أَجْرَأُ وأَخْبَثُ من الأسد؛ وهو مُنقَّطُ الجِلْدِ؛ بنُقَطٍ سُودٍ وبيضٍ، وفيه شبه من الأسد، إلَّا أنه أصغر منه، ورائحةُ فَمِه طيبةٌ، بخلاف الأسد، وبينه وبين الأسد عداوة، وهو بعيد الوَثْبة، ورُبَّما وَثبَ أربعين ذراعًا.
وفي رواية أبي داوود: (لا تركبوا الخز والنمار) جمع نمر؛ والنمر - ككتف وبالكسر مع السكون -: سبع معروف، جمعه أنمر وأنمار ونمار ونمارة ونمورة، وإنما نهى عن استعمال جلوده؛ لما فيها من الزينة والخيلاء، ولأنه
стр. 10302
(١٠٦) - ٣٥٩٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
زي المعجم، وعموم النهي شامل للمذكى وغيره، والكلام على الخز تفسيرًا وحكمًا قد سبق.
قال في "النهاية": (نهى رسول الله ﷺ عن ركوب النمار)، وفي رواية: (النمور) أي: عن جلود النمور؛ وهي من السباع المعروفة، واحدها نمر، وإنما نهى عن استعمالها؛ لما فيها من الزينة والخيلاء، ولأنه زي الأعاجم، أو لأن شعره لا يقبل الدباغ عند أحد الأئمة إذا كان غير مذكىً، ولعل أكثر ما كانوا يأخذون جلود النمور إذا ماتت؛ لِأَنَّ اصطيادَها عسر صعب. انتهي، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب اللباس، باب في جلود النمور، والنسائي في كتاب الزينة، باب النتف، وابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتاب العقيقة، باب في ركوب النمور.
فدرجته: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا في "أبي داوود" و"النسائي"، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي ريحانة بحديث معاوية رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠٦) - ٣٥٩٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 10303
عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِر، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ.
===
(عن أبي المعتمر) يزيد بن طهمان الرقاشي البصري، نزيل الحيرة - بفتح المهملة - روى عن: ابن سيرين والحسن، ويروي عنه: (د ق)، ووكيع، ثقةٌ، من السادسة، قال ابن حبان: مستقيم الحديث صالح الحديث لا بأس به، وقال الآجري عن أبي داوود: وليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وآخر من روى عنه: أبو نعيم، ووثقه. انتهى " تهذيب".
(عن) محمد (بن سيرين) الأنصاري أبي بكر بن أبي عمرة البصري، ثقةٌ ثبتٌ عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي أبي عبد الرَّحمن الخليفة الصَّحَابيِّ المشهورِ رضي الله تعالى عنهما، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين (٦٠ هـ)، وقد قارب الثمانين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) معاوية: (كان رسول الله ﷺ ينهى عن ركوب) جلود (النمور) قد تقدم ما في هذا الحديث من البحث في الحديث الذي قبله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب اللباس، وفي كتاب الخاتم، باب في جلود النمور والسباع، باب ما جاء في المذهب للنساء، والنسائي في كتاب الزينة، باب النتف، وأحمد في "مسنده".
стр. 10304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي ريحانة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10305
كِتَابُ الْأَدَبِ
стр. 10306
(٣٢) - كِتَابُ الْأَدَبِ
===
(٣٢) - (كتاب الأدب)
والأدب: حسن التناول، وقيل: مراعاة حد كلّ شيء، وقيل: هو استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع الحسنات، وقيل: تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، وقيل: حسن الأخلاقا. انتهى "سندي".
وفي بعض النسخ: (كتاب الآداب) جمع أدب؛ نظير آراب وأرب، قال الأبي: يعني: أدب النفس وآداب الدين.
قال أبو زيد: الأدب يقع على رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وقال الطيبي: الأدب: أدب النفس وأدب الدرس، وفي "المنجد": الأدب: الظَّرَفُ والتّهذِيبُ، يُجْمَعُ على آداب، ويقال: أَدُبَ؛ من باب ظَرُفَ، أدبًا؛ إذا كان ذا أدب، فهو أديب؛ أي: مُتضلِّعٌ من اللغة.
والأديب: المُثقَّف ثقافةً عاليةً، يجمع على أُدَباء؛ نظير شريف وشرفاء، ويقال: أدَّبه؛ إذا علَّمه الأدب، وتأدب؛ إذا تعلم الأدب، يجمع على آداب، والآداب تطلق على المعلوم والمعارف عمومًا، أو على المُسْتَظْرَفِ منها فقط، ويطلقونها على ما يليق بالشيء أو الشخص، ويقال: آداب الدرس، وآداب القاضي، وآداب الوَصْفِ مثلًا.
وعلم الأدب: هو علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظًا وكتابةً. انتهى. وقال القسطلاني: الأدب: الأخذ بمكارم الأخلاق، أو استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، أو هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، أو الوقوف مع المستحسنات. انتهى.
стр. 10307
(٤٨) - (١٣٥٠) - بَابُ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ
(١٠٧) - ٣٦٠٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ سَلَامَةَ السُّلَمِيِّ
===
وقال بعضهم: الأدب: التخلق بأخلاق توجب لصاحبها محمدةً في الدين أو الدنيا. انتهى من "الكوكب".
* * *
(٤٨) - (١٣٥٠) - (باب بر الوالدين)
(١٠٧) - ٣٦٠٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك بن عبد الله) بن أبي شريك النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم بالكوفة أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه بعدما ولي القضاء بالكوفة، وكان عابدًا فاضلًا عادلًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن علي) بن عرفطة السلمي، ويقال له: عبيد - بلا إضافة - قال في "التقريب": مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (ق)، ومنصور بن المعتمر السلمي.
(عن ابن سلامة السلمي) خداش - بكسر أوله وتخفيف المهملة آخره معجمة - ابن سلامة، الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد وهو هذا الحديث. يروي عنه: (ق)، وفي "التهذيب": يقال له: ابن أبي سلامة، ويقال: خداش أبو سلمة السلمي، ويقال: السلامي، يعد في الكوفيين له
стр. 10308
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُوصِي امْرَأً بِأُمِّه، أُوصِي امْرَأً بِأُمِّه، أُوصِي امْرَأً بِأُمِّهِ (ثَلَاثًا) أُوصِي امْرَأً بِأَبِيه، أُوصِي امْرَأً بِمَوْلَاهُ الَّذِي يَلِيهِ وَإنْ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ أَذىً يُؤْذِيهِ".
===
عن النبي ﷺ : "أُوصي امرأً بأمه". يروي عنه: عبيد الله بن عاصم بن عمر، وعبيد الله بن علي بن عرفطة، وقيل: عن عبيد الله بن علي عن عرفطة السلمي.
قلت: تفرد بالحديث منصور بن المعتمر عن عبيد الله بن علي، ذكره الطبراني في "الأوسط".
وقال البخاري في "التاريخ": لَمْ يتبين سماعه من النبي ﷺ ، وقال ابن قانع: ورواه زائدة وجرير عن منصور، فقالا: خداش.
قلت: ولهذا ذكره ابن حبان في الموضعين. انتهى منه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو عبيد الله بن علي بن عرفطة.
(قال) خداش بن سلامة: (قال النبي ﷺ : أوصي) مضارع؛ من أوصى الرباعي مسند إلى المتكلم؛ أي: آمر (امرأً) منكم أيها المسلمون (بـ) الإحسان إلى (أمه) وكرر قوله: (أوصي امرأً بأمه، أوصي امرأً بأمه ثلاثًا) للتأكيد والاعتناء بها، ثم قال ثانيًا: (أوصي امرأً بأبيه) مرّة واحدة، ثم قال ثالثًا: (أوصي امرأً بمولاه) أي: بصلة المولى؛ وهو المعتِق والمالك والصاحب والقريب والجار والحليف والابن والعم والشريك، (الذي يليه) الأقربِ فالأقربِ منه (وإن كان عليه) أي: على ذلك المرء (منه) أي: من ذلك القريب (أذىً) وإضرار (يؤذيه) أي: يوصل ذلك الإيذاء القريب إلى المرءِ المُنْفق عليه.
قوله: (أوصي) من الإيصاء (امرأً) يريد العموم، فهو من عموم النكرة في
стр. 10309
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الإثبات؛ نظير ﴿عَلِمَتْ نَفسٌ﴾ (١)؛ أي: كلّ شخص ذكرًا كان أو أنثى (بِأُمِّه) أي: بالإحسان إليها، وفي تكرير الإيصاء بالأم تأكيد في أمرها، وزيادة اهتمام في برها فوق الأب؛ وذلك لتهاون كثير من الناس في حقها بالنسبة إلى الأب، فالتكرير للتأكيد، وقيل: بل هو لإفادة أن للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر؛ وذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاعة، وهذه ثلاثة تنفرد بها، ثم تشارك الأب في التربية والقرابة (الذي يليه) أحد الضميرين للموصول والآخر للمرء والظاهر أن الفاعل للموصول؛ أي: المولى الذي يمون المرء ويلي أمره؛ فإنه أنسب لذكر المولى مع الأب، وأيضًا هَو المتعارف باسم المولى، وأيضًا هو المناسب بالموصول المذكور (وإن كان عليه) أي: على المرء (منه) أي: من المولى (أذىً)، وفي بعض النسخ: (أَذاةٌ) بتاء التأنيث، وجملة (يؤذيه) صفة لأذىً مؤكدة، والله أعلم.
وقد نبه في "الزوائد" على أن هذا الحديث مما انفرد به ابن ماجة، لكن لَمْ يتعرض لحكم إسناده، وقال: ليس لأبي سلامة هذا عند المؤلف سوى هذا الحديث، وليس له شيء في بقية الأصول الستة. انتهى من "السندي".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما بعده من حديث أبي هريرة، وسنده ضعيف؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بما بعده.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن سلامة بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
стр. 10310
(١٠٨) - ٣٦٠١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَبَرُّ؟
===
(١٠٨) - ٣٦٠١ - (٢) (حدثنا محمد بن ميمون) الخياط البزاز أبو عبد الله (المكي) أصله من بغداد، صدوق ربما أخطأ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي، ثقةٌ حجة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمارة) بضم المهملة (ابن القعقاع) - بفتح القافين بينهما عين ساكنة - ابن شبرمة - بضم المعجمة والراء المهملة بينهما موحدة ساكنة - الضبي - بالمعجمة والموحدة - الكوفي، ثقةٌ أرسل عن ابن مسعود، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقةٌ، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قالوا) أي: قال الحاضرون عند رسول الله ﷺ : (يا رسول الله) أي: قال واحد منهم (من أبر؟ ) - بفتح الموحدة وتشديد الراء المضمومة - على صيغة المضارع المسند إلى المتكلم؛ لأنه من بر؛ من باب نفع وضرب؛ أي: من الذي أبره وأصله أولًا وَأحسن إليه بما أنعم الله به عليَّ؟
وفي رواية مسلم: (عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى
стр. 10311
قَالَ: "أُمَّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أَبَاكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى".
===
رسول الله ﷺ ، فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك) ومقتضى السياق في عبارة المؤلف أن يقال: (عن أبي هريرة قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله؛ من أبر؟ )
(قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال الرجل: (أمك) بالنصب على رواية المؤلف، وكذا على رواية الترمذي؛ على أنه مفعول لفعل أمر محذوف؛ تقديره: بر أمك - بفتح الموحدة والراء المشددة - لأنه أمر من بر؛ من باب نفع وضرب؛ كما مر آنفًا؛ أي: بر أمك وصلها أولًا وأحسن إليها (قال) الرجل في السؤال الثاني: (ثم من) أبره وأصله بعد أمي يا رسول الله؟ (قال) رسول الله ﷺ للرجل في جواب سؤاله الثاني: (أمك) بالنصب أيضًا؛ أي: بر أمك وصلها وأحسن إليها (قال) الرجل في السؤال الثالث: (ثم من) أبره وأصله وأحسن إليه يا رسول الله؟ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله الثالث: (أباك) أي: بر أباك وصله وأحسن إليه، وفي سياق ابن ماجة مخالفة لسياق "الصحيحين" وغيرهما من أصحاب السنن؛ لأنهم إنما ذكروا الأب بعد ذكر الأم ثلاث مرات (قال) الرجل السائل في السؤال الرابع: (ثم) بعد أبي (من) أبره يا رسول الله؟ (قال) رسول الله ﷺ في جواب. سؤاله الرابع: (الأدنى) والأقرب؛ أي: ثم بر الأدنى والأقرب إليك من الأقارب (فـ) بعد الأدنى الأول بر (الأدني) والأقرب إليك بعد ذلك الأدنى؛ وذلك كالابن ثم ابن الابن وإن سفل، وكالأخ الشقيق ثم للأب ثم للأم؛ أي: ثم بر الأقرب فالأقرب إلى آخر ذوي الأرحام.
قال النووي: فيه الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب.
стр. 10312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قالوا: وسبب تقديم الأم .. كثرة تعبها عليه وشفقتها عليه وخدمتها له. انتهى.
وفي التنزيل إشارة إلى هذا التأويل في قوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١)، فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصة بالأم؛ وهي تعب الحمل، ومشقة الوضع، ومحنة الرضاع. انتهى من "التحفة".
قوله: (من أبر؟ ) قال في "النهاية": البر - بكسر الموحدة -: الإحسان؛ وهو في حق الوالدين والأقربين من الأهل ضد العقوق؛ وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم، يقال: بر يبر؛ من باب نفع، فهو بار، وجمعه بررة.
قال: والبر والبار بمعنىً، وجمع البر أبرار، وهو كثيرًا ما يختص بالأولياء والزهاد والعباد. انتهى.
وقال في "القاموس": البر ضد العقوق، يقال: بررته وأبره؛ كعلمته وضربته، وصلة الرحم: كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم، وقطع الرحم ضد ذلك، يقال: وصل رحمه يصلها وصلًا وصلةً. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب من أحق بحسن الصحبة، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب بر الوالدين، والترمذي في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في بر الوالدين، وبلفظه هنا انفرد ابن ماجة؛ كما أشرنا إليه في حلنا آنفًا، ولكن أصل أحاديث الكل ومعناها ومفادها واحد، والله أعلم.
стр. 10313
(١٠٩) - ٣٦٠٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن سلامة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن سلامة بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٩) - ٣٦٠٢ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي الكوفي، ثقةٌ صحيح الكتاب، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سهيل) - مصغرًا - ابن أبي صالح ذكوان السمان أبي يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقةٌ ثبتٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا يجزي) - بفتح الياء في أوله وسكون الياء في آخره؛ لأنه ثلاثي معتل بالياء - أي: لا يكافئ (ولد والدًا) أي: إحسان والد إليه بتربيته وخدمته (إلَّا أن يجده) أي: إلَّا أن
стр. 10314
مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ".
===
يجد الولد والده حالة كون الوالد (مملوكًا) منصوب على الحال من الضمير المنصوب في يجده (فيشتريه) أي: فيشتري الولد الوالد ممن ملكه (فيعتقه) أي: فيعتق الولد المشمّري الوالد المملوك المباع له، بالنصب في الفعلين عطفًا على يجده.
قال الجزري في "النهاية": ليس المعنى استئناف العتق فيه بعد الشراء؛ لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال، وإنما معناه: أنه إذا اشتراه فدخل في ملكه عتق عليه، فلما كان الشراء سببًا لعتقه .. أضيف العتق إليه، وإنما كان هذا جزاءً له؛ لأن العتق أفضل ما ينعم به أحد على أحد إذا خلصه بذلك من الرق، وجبر به النقص الذي فيه، وتكمل له أحكام الأحرار في جميع التصرفات. انتهى.
قلت: قوله: لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال .. نظرٌ؛ فإن بعض أهل الظاهر ذهبوا إلى أن الأب لا يعتق على الابن بمجرد الملك، بل لا بد من إنشاء العتق، واحتجوا بهذا الحديث. انتهى من "تحفة الأحوذي".
أي: وخالف أهل الظاهر الجمهور، فقالوا: لا يترتب العتق بمجرد الشراء، بل لا بد من إنشاء الإعتاق بعد الشراء، ودليل الجمهور حديث سمرة بن جندب عند الترمذي وأبي داوود وابن ماجة أنه ﷺ قال: "من ملك ذا رحم محرم .. فهو حر"، قال في "المرقاة": وهذا أصرح وأعم من حديث أبي هريرة المذكور هنا.
وقوله: (محرم) بالجر على الجوار؛ لأنه صفة ذا رحم لا رحم.
وضمير (فهو) عائد إلى (ذا رحم) وهو حجة أبي حنيفة على أن جميع ذوى
стр. 10315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأرحام المحرمة يعتقون بالشراء، خلافًا للشافعي؛ فإنه يقول: يعتق الأصول والفروع فقط، وخلافًا لمالك؛ فإنه يقول: يعتق الأصول والفروع والإِخوة والأخوات فحسب، وأما أبو حنيفة .. فعمل بكل معنى الحديث، فعمم الحكم في جميع الأقارب المُحرّمِينَ.
ويجاب عن استدلال أهل الظاهر بحديث الباب؛ بأنه لما تسبب في عتق أبيه بالشراء .. نسب العتق إليه.
قال السنوسي: ويجاب عنه أيضًا بأن الحديث من باب التعليق بالمحال للمبالغة؛ والمعنى: لا يجزي ولد والده إلَّا أَنْ يملكَهُ فيُعتقه باختياره، وهو محال، فالمجازاة محال؛ كما يقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف .. فانكحوه، فلا يحل لكم غيره؛ وذلك محال غير ممكن، والغرض: المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته؛ كما يعلق بالمحال.
ويجوز أن يكون الفاء في قوله "فيعتقه" للعطف التفسيري؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) إذا جعلت التوبة قتل النفس، وهو كلام حسن جدًّا. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب العتق، باب فضل عتق الوالد، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في حق الوالد، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حق الوالدين.
стр. 10316
(١١٠) - ٣٦٠٣ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
فدرجته؛ أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن سلامة بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٠) - ٣٦٠٣ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد العنبري التنوري مولاهم البصري، صدوق ثبتٌ في شعبة، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقةٌ عابد أثبت الناس في ثابت، ولكن تغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عاصم) بن بهدلة بن أبي النجود - بنون وجيم - الأسدي مولاهم الكوفي المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقةٌ ثبتٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
стр. 10317
قَالَ: "الْقِنْطَارُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ أُوقِيَّةٍ؛ كُلُّ أُوقِيَّةٍ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَّى هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ".
===
(قال) رسول الله ﷺ ، (القنطار) الواحد إذا كان جزاء العمل كبر الوالدين (اثنا عشر ألف أوقية) هذا الكلام مرتب على محذوف؛ تقديره: وقد يجازى الولد ببر الوالدين القنطار؛ وذاك القنطار اثنا عشر ألف أوقية، فـ (كلّ أوقية) منها؛ أي: واحدة منها (خير) أي: أعظم وأكثر (مما) يملأ (بين السماء والأرض) لو كانت جسمًا، فاغتنموا أيها الأولاد بر الوالدين؛ لتنالوا عليه هذا الأجر العظيم.
(وقال رسول الله ﷺ أيضًا: (إن الرجل) منكم أيها المؤمنون (لترفع) له (درجته) ومنزلته (في الجَنَّة) فوق ما يرجو منها بحسب عمله المصالح (فيقول) لمن عنده من الملائكة: (أنى) وجد لي (هذا) المنزل والمقام، وبأي سبب وعمل وجد لي؟ (فيقال) له من جهة الملائكة: هذا المقام وجد لك (بـ) سبب (استغفار ولدك لك) في الدنيا قبل لحوقه بك.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أبي هريرة أيضًا، ورواه البيهقي في "الكبرى" من طريق حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة به، والحاكم في كتاب النِّكَاح بنحوه عن أنس بن مالك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه ابن حبان في "الموارد" (ص ١٧٢) في كتاب المواقيت، باب القراءة في صلاة الليل، وابن أبي شيبة في "مصنفه".
قال السندي: معنى الحديث: (القنطار) إذا كان جزاء العمل في الآخرة .. فهو هذا المقدار؛ يعني: اثني عشر ألف أوقية.
стр. 10318
(١١١) - ٣٦٠٤ - (٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ،
===
و(الأوقية) - بضم الهمزة وتشديد الياء -: هي ما يزن أربعين درهمًا؛ كما سبق في باب زكاة النقود بقوله: نصاب الفضة خمسة أواق.
قوله: "باستغفار ولدك" أي: فينبغي للولد أن يكثر من الاستغفار للوالدين.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن سلامة بحديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١١) - ٣٦٠٤ - (٥) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم - مصغرًا - العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن بَحِير) بكسر المهملة (ابن سعد) - بلا ياء بعد العين المهملة؛ لأنه خطأ - السحولي أبي خالد الحمصي، ثقةٌ ثبتٌ، من السادسة. يروي عنه: (عم)، وخالد بن معدان، ومكحول، ويروي عنه: إسماعيل بن عياش.
(عن خالد بن معدان) الكلاعي الحمصي أبي عبد الله، ثقةٌ عابد يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
стр. 10319
عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ (ثَلَاثًا) إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللهَ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ".
===
(عن المقدام بن معدي كرب) بن عمرو الكندي أبي كريمة، أو أبي يحيى الحمصي، الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، مات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ)، وله إحدى وتسعون سنة. يروي عنه: (خ عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولا يقدح فيه إسماعيل بن عياش؛ لأنه روى فيه عن أهل بلده، فهو صدوق.
(أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يوصيكم) ويأمركم (بـ) البر لـ (أمهاتكم) وبالإحسان إليهن بأموالكم وأنفسكم، قال هذه الكلمة وكررها (ثلاثًا) أي: ثلاث مرات؛ اعتناءً بشأنهن، وحثًا على خدمتهن، ثم قال: (إن الله) (يوصيكم) ويأمركم (بـ) البر والإحسان إلى (آبائكم) وبالإنفاق عليهم بقدر استطاعتكم (إن الله يوصيكم) أي: يأمركم (بـ) البر والإنفاق على (الأقرب) من أرحامكم (فـ) على (الأقرب) منهم بعد الأقرب الأول.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه أحمد في "مسنده" من حديث المقدام أيضًا، ورواه البيهقي من طريق بقية عن يحيى بن سعد في كتاب الزكاة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث ابن سلامة بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 10320
(١١٢) - ٣٦٠٥ - (٦) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَة، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
===
(١١٢) - ٣٦٠٥ - (٦) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا صدقة بن خالد) الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل: ثمانين، أو بعدها. يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا عثمان بن أبي العاتكة) سليمان الأزدي أبو حفص الدمشقي القاص، ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني، من السابعة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (د ق).
(عن علي بن يزيد) بن أبي زياد الألهاني أبي عبد الملك الدمشقي، صاحب القاسم بن عبد الرَّحمن، ضعيف، من السادسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ت ق)، وقال الساجي: اتفق أهل العلم على ضعفه، وقال الأصبهاني: منكر الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وبالجملة: اتَّفَقُوا على ضعفه.
(عن القاسم) بن عبد الرَّحمن الشامي أبو عبد الرَّحمن الدمشقي مولى آل أبي سفيان بن حرب الأموي. روى عن: أبي أمامة، ويروي عنه: علي بن يزيد الألهاني، و (عم). صدوق يغرب كثيرًا، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ).
(عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي الصحابي الشهير رضي الله تعالى
стр. 10321
أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: "هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ".
(١١٣) - ٣٦٠٦ - (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصبَّاح،
===
عنه. يروي عنه: (ع). مات سنة إحدى وثمانين (٨١ هـ) بحمص، وقيل: سنة ست وثمانين (٨٦ هـ) وله إحدى وتسعون سنة.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن يزيد، وهو متفق على ضعفه.
(أن رجلًا) لَمْ أر من ذكر اسمه؛ أي: قال أبو أمامة: إن رجلًا من الصحابة (قال: يا رسول الله؛ ما حق الوالدين على ولدهما؟ ) فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: (هما) أي: الوالدان (جنتك) أي: سبب لدخولك الجَنَّة إن أطعتهما فيما يحل طاعتهما فيه (ونارك) أي: سبب لدخولك النار إن عصيتهما فيما ينبغي طاعتهما فيه.
وهذا الحديث انفرد فيه ابن ماجة، فدرجته: أنه صحيح المتن بما بعده من حديث أبي الدرداء، وصحيح المتن باعتبار ما دل الكتاب والسنة عليه؛ لأنهما يأمران بطاعة الوالدين، وينهيان عن مخالفتهما فيما ينبغي طاعتهما فيه، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المعنى والمتن، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث ابن سلامة بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٣) - ٣٦٠٦ - (٧) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي
стр. 10322
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّة، فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ".
===
أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن عطاء) بن السائب أبي محمد الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (خ عم)، والسفيانان: الثوري وابن عيينة، ويروي هو عن: أبي عبد الرَّحمن السلمي، وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوف.
(عن أبي عبد الرَّحمن) السلمي عبد الله بن حبيب بن ربيعة - بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الباء مصغرًا - الكوفي المقرئ مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقةٌ ثبتٌ، من الثانية، مات بعد السبعين، وقال ابن قانع: مات سنة خمس ومئة. يروي عن: أبي الدرداء وعمر وعثمان، ويروي عنه: عطاء بن السائب، وأبو إسحاق السبيعي، و (ع).
(عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري مشهور بكنيته الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع)، مات بالشام في أواخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أن أبا الدرداء (سمع النبي ﷺ يقول: الوالد أوسط أبواب الجَنَّة) أي: خيارها وأحسنها (فأضع ذلك الباب) أي: ضيعه إن شئت تضييعه بمخالفة الوالد (أو احفظه) أي: احفظ ذلك الباب إن شئت حفظه بطاعة الوالد.
стр. 10323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "الوالد أوسط أبواب الجَنَّة" قال القاضي: أي: خير الأبواب وأعلاها؛ والمعنى: أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجَنَّة، ويتوسل به إلى وصول أعلى درجاتها العالية .. مطاوعة الوالد ومراعاة جانبه.
وقال غيره: إن للجنة أبوابًا، وأحسنها دخولًا أوسطها، وأن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالد. انتهى.
فالمراد بالوالد: الجنس؛ وهو كلّ من تسبب في ولادته، فيشمل الوالدة لا خصوص الأب.
أو المعنى: إذا كان حكم الوالد هكذا .. فحكم الوالدة أقوى، وبالاعتبار أولى.
قوله: "فأضع" الفاء فيه: للإفصاح؛ وأَضِعْ: فعل أمر؛ مِن أضاع يُضيع إضاعةً؛ أي: إذا عرفت ما قُلْتُه لك وأردتَ بيان حقيقة الأمر لك .. فأقول لك: إن شئت فَضَيِّعْ حقوقَ ذلك الباب بمخالفةِ والدك وتركِ طاعتك له فيما ينبغي فيه الطاعة، أو احفظ حقوق ذلك الباب بطاعةِ والدك فيما ينبغي فيه الطاعة. انتهى من "تحفة الأحوذي" بتصرف وزيادة.
قال السندي: (أَوْسَطُ) أي: سببٌ لدخول الولد مِن أحسن أبواب الجَنَّة، وقال السيوطي: (أوسطُ الأبواب) أي: خَيْرُها (فاضع) أمر؛ من الإضاعة، وليس المراد: التخيير بين الأمرين، بل المراد: التوبيخُ على الإضاعة، والحثُّ على الحفظ؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١)، قال السيوطي: ظاهره أنه من تتمة الحديث المرفوع، وفي رواية الطبراني أنه مُدْرَج من كلام الراوي. انتهى منه.
стр. 10324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديثُ مكرَّر من المؤلف؛ فإنه سبق له ذكره في كتاب الطلاق، باب الرجل يَأْمُرهُ أبوه بطلاق امرأته رقم (٦٦٧)، حديث رقم (٢٠٥٧).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الفضل في رضا الوالدين، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن أبي شيبة في كتاب الأدب، باب ما ذكر في بر الوالدين.
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10325
(٤٩) - (١٣٥١) - بَابٌ: صِلْ مَنْ كَانَ أَبُوكَ يَصِلُ
(١١٤) - ٣٦٠٧ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَسِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ مَوْلَى بَنِي سَاعِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ
===
(٤٩) - (١٣٥١) - (باب: صل من كان أبوك يصل)
(١١٤) - ٣٦٠٧ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي - بفتح المهملة وتخفيف النون وبعد الألف فاء ثم مهملة - ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقةٌ متقن، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرَّحمن بن سليمان) بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري أبي سليمان المدني، المعروف بابن الغسيل، صدوق فيه لين، من السادسة، مات سنة اثنتين وسبعين ومئة (١٧٢ هـ) وهو ابن مئة وست سنين. يروي عنه: (خ م د ق).
والغسيل جد أبيه حنظلةُ بن أبي عامر، غسلته الملائكة يوم أحد.
(عن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين (ابن علي بن عبيد) الأنصاري الساعدي (مولى بني ساعدة) صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (د ق)، وعبد الرَّحمن بن سليمان ابن الغسيل.
(عن أبيه) علي بن عبيد الأنصاري المدني مولى أبي أسيد، مقبول، من الخامسة. يروي عنه: (د ق).
(عن أبي أسيد) بضم الهمزة (مالك بن ربيعة) بن البَدَن - بفتح الموحدة والمهملة بعدها نون - الأنصاري الساعدي، الصحابي الفاضل رضي الله
стр. 10326
قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .. إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَبَقِيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: "نَعَم، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِيفَاءٌ بعُهُودِهِمَا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا".
===
عنه، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وغيرها، مات سنة ثلاثين (٣٠ هـ)، وقيل بعد ذلك، حتى قال المدائني: مات سنة ستين (٦٠ هـ)، قال: وهو آخر من مات من البدريين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسنُ؛ لأن فيه عبد الرَّحمن بن سليمان الغسيل، وهو صدوق فيه لين.
(قال) مالك بن ربيعة: (بينما نحن) معاشر الصحابة جالسون (عند النبي ﷺ .. إذ جاءه) ﷺ (رجل من بني سلمة) لَمْ أر من ذكر اسمه (فقال) الرجل: (يا رسول الله، أبقي) - بهمزة الاستفهام الاستخباري - أي: هل بقي (من بر أبوي) وإحساني إليهما (شيء) من البر (أبرهما به) أي: أحسن به عليهما، أي: هل بقي شيء من أنواع الخير أحسن به إليهما (من بعد موتهما؟ قال) رسول الله ﷺ : (نعم) بقي شيء كثير تهدي إليهما منه: (الصلاة عليهما) أي: دعاء الرحمة والجنة (و) منه (الاستغفار لهما) أي: طلب مغفرة ذنوبهما من الله تعالى (و) منه (إيفاء) وإنجاز (بعهودهما) التي عاهدوها لغيرهما في حال حياتهما؛ أي: إنجاز وإتمام بعهودهما (من بعد موتهما) كأن يفي وعد ما عاهدا للغير من العطايا والصلات وإبراء الدين (و) منه (إكرام صديقهما) كما يكرمانه بالزيارة والإهداء إليه (و) منه (صلة الرحم التي لا توصل إلَّا بهما) أي: إلَّا بسببهما، كصلة أقارب زوجة الأب، أو أقارب زوج الأم.
стр. 10327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (عن أسيد بن علي) بفتح الهمزة وكسر السين (عن أبي أسيد) بضم الهمزة مصغرًا.
قوله: (مالك بن ربيعة) - بالجر - اسم أبي أُسيد (من بني سلمة) - بكسر اللام - بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة غيرهم (من بر أبوي) أي: والدي، وهو من باب التغليب (شيء) أي: من البر (أبرهما) - بفتح الموحدة - لأنه من باب نفع؛ أي: أصلهما وأحسن إليهما (به) أي: بذلك الشيء الذي وهو ومن البر الباقي (الصلاة عليهما) أي: الدعاء لهما، ومنه صلاة الجنازة، قاله القاري، وفي "فتح الودود": والمراد بها: الترحم.
(والاستغفار لهما) أي: طلب المغفرة لهما، وهو تخصيص بعد تعميم (وإنفاذ عهدهما) أي: إمضاء وصيتهما (وصلة الرحم) أي: إحسان الأقارب (التي لا توصل إلَّا بهما) أي: التي تتعلق بالأب والأم، والموصول صفة كاشفة للرحم، قال الطيبي: الموصول ليس بصفة للمضاف إليه، بل للمضاف؛ أي: الصلة الموصوفة بأنها خالصة بحقهما ورضاهما لا لأمر آخر ونحوه.
قلت: يرجع المعنى إلى الأول فتدبر. انتهى.
قال في "مرقاة الصعود": ولفظ البيهقي: (وصلة رحمهما التي لا رحم إلَّا من قبلهما، فقال: ما أكثر هذا أو أطيبه يا رسول الله! قال: فاعمل به؛ فإنه يصل إليهما). قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة، وسكت عن الحديث. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب في بر الوالدين، والحاكم في المستدرك في كتاب البر والصلة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص".
стр. 10328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10329
(٥٠) - (١٣٥٢) - بَابُ بِرِّ الْوَالِدِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ
(١١٥) - ٣٦٠٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ قَالُوا: "نَعَمْ"،
===
(٥٠) - (١٣٥٢) - (باب بر الوالد والإحسان إلى البنات)
(١١٥) - ٣٦٠٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (قدم ناس من الأَعراب) أي: من سكان البوادي (على النبي ﷺ يمكن أن يكون في أولئك الناس الأقرع بن حابس؛ كما صُرِّح به في بعض روايات مسلم (فقالوا) لرسول الله ﷺ حين قبل بعض أولاد بناته؛ وهو الحسن بن علي؛ كما هو مصرح في بعض رواياته: (أتقبلون) أي: هل تقبلون (صبيانكم) أي: أولادكم يا معشر قريش؟ ولعل ذلك القائل: هو الأقرع بن حابس (قالوا) أي: قال الحاضرون عند النبي ﷺ من الأصحاب: (نعم) نقبل أولادنا؛ شفقةً عليهم.
стр. 10330
فَقَالُوا: لكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَأَمْلِكُ أَنْ كَانَ اللهُ قَدْ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟ ! ".
===
(فقالوا) أي: فقال أولئك الأعراب: (لكنا) نحن (والله؛ ما نقبل) أولادنا (فقال النبي ﷺ لأولئك الأعراب: (وأملك) - بالواو - كذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (أو أملك) بإثبات همزة الاستفهام، فحذفت همزة الاستفهام في رواية مسلم، وكذا في "ابن ماجة" لِعِلْمِها مِن السياقِ؛ أي: أأملك وأقدر على جعل الرحمة في قلوبكم (أن كان الله) - بفتح همزة أن على رواية المؤلف؛ على تقدير لام التعليل - أي: لأجل أن كان الله قد نزع من قلوبكم الرحمة والشفقة.
وفي رواية مسلم: بكسرها على جعلها شرطية، جوابها معلوم من السياق؛ أي: لا أملك وأقدر على جعل الرحمة في قلوبكم إن كان الله سبحانه (قد نزع) وأخذ (منكم) أي: من قلوبكم (الرحمة) والشفقة على الأولاد؟ ! والاستفهام فيه للإنكار؛ أي: لا أقدر على جعل الرحمة في قلوبكم بعد أن نزعها الله من قلوبكم.
وفي رواية ابن نمير في "مسلم": (من قلبك الرحمة) بكاف خطاب المفرد؛ نظرًا إلى المحاور المخاطب معه ﷺ ؛ وهو الأقرع بن حابس؛ لأنه كان في أولئك الأعراب.
وقد ذكر الأصفهاني في "الأغاني" مثل هذه القصة لقيس بن عاصم التميمي، ووقع مثل ذلك لعيينة بن حصن فيما أخرجه أبو يعلى في "مسنده" برجال ثقات.
قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٤٣٠) بعدما ذكر هذه الروايات: يحتمل أن يكون وقع ذلك لجميعهم.