قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ .. إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَبَقِيَ مِنْ برِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: "نَعَم، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِيفَاءٌ بعُهُودِهِمَا مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا".
===
عنه، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وغيرها، مات سنة ثلاثين (٣٠ هـ)، وقيل بعد ذلك، حتى قال المدائني: مات سنة ستين (٦٠ هـ)، قال: وهو آخر من مات من البدريين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسنُ؛ لأن فيه عبد الرَّحمن بن سليمان الغسيل، وهو صدوق فيه لين.
(قال) مالك بن ربيعة: (بينما نحن) معاشر الصحابة جالسون (عند النبي ﷺ .. إذ جاءه) ﷺ (رجل من بني سلمة) لَمْ أر من ذكر اسمه (فقال) الرجل: (يا رسول الله، أبقي) - بهمزة الاستفهام الاستخباري - أي: هل بقي (من بر أبوي) وإحساني إليهما (شيء) من البر (أبرهما به) أي: أحسن به عليهما، أي: هل بقي شيء من أنواع الخير أحسن به إليهما (من بعد موتهما؟ قال) رسول الله ﷺ : (نعم) بقي شيء كثير تهدي إليهما منه: (الصلاة عليهما) أي: دعاء الرحمة والجنة (و) منه (الاستغفار لهما) أي: طلب مغفرة ذنوبهما من الله تعالى (و) منه (إيفاء) وإنجاز (بعهودهما) التي عاهدوها لغيرهما في حال حياتهما؛ أي: إنجاز وإتمام بعهودهما (من بعد موتهما) كأن يفي وعد ما عاهدا للغير من العطايا والصلات وإبراء الدين (و) منه (إكرام صديقهما) كما يكرمانه بالزيارة والإهداء إليه (و) منه (صلة الرحم التي لا توصل إلَّا بهما) أي: إلَّا بسببهما، كصلة أقارب زوجة الأب، أو أقارب زوج الأم.
стр. 10327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (عن أسيد بن علي) بفتح الهمزة وكسر السين (عن أبي أسيد) بضم الهمزة مصغرًا.
قوله: (مالك بن ربيعة) - بالجر - اسم أبي أُسيد (من بني سلمة) - بكسر اللام - بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة غيرهم (من بر أبوي) أي: والدي، وهو من باب التغليب (شيء) أي: من البر (أبرهما) - بفتح الموحدة - لأنه من باب نفع؛ أي: أصلهما وأحسن إليهما (به) أي: بذلك الشيء الذي وهو ومن البر الباقي (الصلاة عليهما) أي: الدعاء لهما، ومنه صلاة الجنازة، قاله القاري، وفي "فتح الودود": والمراد بها: الترحم.
(والاستغفار لهما) أي: طلب المغفرة لهما، وهو تخصيص بعد تعميم (وإنفاذ عهدهما) أي: إمضاء وصيتهما (وصلة الرحم) أي: إحسان الأقارب (التي لا توصل إلَّا بهما) أي: التي تتعلق بالأب والأم، والموصول صفة كاشفة للرحم، قال الطيبي: الموصول ليس بصفة للمضاف إليه، بل للمضاف؛ أي: الصلة الموصوفة بأنها خالصة بحقهما ورضاهما لا لأمر آخر ونحوه.
قلت: يرجع المعنى إلى الأول فتدبر. انتهى.
قال في "مرقاة الصعود": ولفظ البيهقي: (وصلة رحمهما التي لا رحم إلَّا من قبلهما، فقال: ما أكثر هذا أو أطيبه يا رسول الله! قال: فاعمل به؛ فإنه يصل إليهما). قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة، وسكت عن الحديث. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب في بر الوالدين، والحاكم في المستدرك في كتاب البر والصلة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص".
стр. 10328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10329
(٥٠) - (١٣٥٢) - بَابُ بِرِّ الْوَالِدِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْبَنَاتِ
(١١٥) - ٣٦٠٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ قَالُوا: "نَعَمْ"،
===
(٥٠) - (١٣٥٢) - (باب بر الوالد والإحسان إلى البنات)
(١١٥) - ٣٦٠٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (قدم ناس من الأَعراب) أي: من سكان البوادي (على النبي ﷺ يمكن أن يكون في أولئك الناس الأقرع بن حابس؛ كما صُرِّح به في بعض روايات مسلم (فقالوا) لرسول الله ﷺ حين قبل بعض أولاد بناته؛ وهو الحسن بن علي؛ كما هو مصرح في بعض رواياته: (أتقبلون) أي: هل تقبلون (صبيانكم) أي: أولادكم يا معشر قريش؟ ولعل ذلك القائل: هو الأقرع بن حابس (قالوا) أي: قال الحاضرون عند النبي ﷺ من الأصحاب: (نعم) نقبل أولادنا؛ شفقةً عليهم.
стр. 10330
فَقَالُوا: لكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَأَمْلِكُ أَنْ كَانَ اللهُ قَدْ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ؟ ! ".
===
(فقالوا) أي: فقال أولئك الأعراب: (لكنا) نحن (والله؛ ما نقبل) أولادنا (فقال النبي ﷺ لأولئك الأعراب: (وأملك) - بالواو - كذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (أو أملك) بإثبات همزة الاستفهام، فحذفت همزة الاستفهام في رواية مسلم، وكذا في "ابن ماجة" لِعِلْمِها مِن السياقِ؛ أي: أأملك وأقدر على جعل الرحمة في قلوبكم (أن كان الله) - بفتح همزة أن على رواية المؤلف؛ على تقدير لام التعليل - أي: لأجل أن كان الله قد نزع من قلوبكم الرحمة والشفقة.
وفي رواية مسلم: بكسرها على جعلها شرطية، جوابها معلوم من السياق؛ أي: لا أملك وأقدر على جعل الرحمة في قلوبكم إن كان الله سبحانه (قد نزع) وأخذ (منكم) أي: من قلوبكم (الرحمة) والشفقة على الأولاد؟ ! والاستفهام فيه للإنكار؛ أي: لا أقدر على جعل الرحمة في قلوبكم بعد أن نزعها الله من قلوبكم.
وفي رواية ابن نمير في "مسلم": (من قلبك الرحمة) بكاف خطاب المفرد؛ نظرًا إلى المحاور المخاطب معه ﷺ ؛ وهو الأقرع بن حابس؛ لأنه كان في أولئك الأعراب.
وقد ذكر الأصفهاني في "الأغاني" مثل هذه القصة لقيس بن عاصم التميمي، ووقع مثل ذلك لعيينة بن حصن فيما أخرجه أبو يعلى في "مسنده" برجال ثقات.
قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٤٣٠) بعدما ذكر هذه الروايات: يحتمل أن يكون وقع ذلك لجميعهم.
стр. 10331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: قوله: (أتقبلون صبيانكم؟ ) من التقبيل، وهو يكون في الفم (وأملك أن كان الله قد نزع منكم الرحمة)، (أن نزع) مفعول (أملك) أي: لا أقدر أن أجعل الرحمة في قلبك بعد أن نزعها الله تعالى منه.
والمقصود: بيان أن هذا سببه قلة ما في قلوبكم من الرحمة وكثرة القسوة.
قال القرطبي: قوله: "وأملك ... " إلى آخره، كذا وقع هذا اللفظ بحذف همزة الاستفهام الإنكاري، وهي مرادة؛ تقديره: أوَأملك، وكذا جاء هذا اللفظ في "البخاري" بإثباتها، وهو الأحسن؛ لقلة حذف همزة الاستفهام في كلامهم و (أن) مفتوحة الهمزة، وهي مع الفعل في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا به، ولكنه عَلَى حذف مضاف؛ تقديره: أوَأملك لكم دفع كون الله نزع الرحمة من قلوبكم بتحصيل الرحمة فيها؟ ! أي: لا أقدر على تحصيلها في قلوبكم، وقد أَبْعدَ - أي: قال قولًا بعيدًا عن الصواب - مَنْ كَسَرها، ولم تصح روايةُ الكسرِ.
ومعنى الكلام: نفي قدرته على الإتيان بما نزع الله من قلوبهم من الرحمة.
والرحمةُ في حقنا: هي رقةٌ وحنوٌّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلىً أو ضعيف أو صغير، يحمله على الإحسان إليه، واللطف به، والرفق في السعي في كشف ما به، وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله؛ عاقله وغير عاقله، فبها تعطف الحيوانات على نوعها وأولادها، فتحنو عليها وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها.
وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف والكبير للصغير؛ حتى ينحفظ نوعه وتتم مصلحته؛ وذلك تدبير اللطيفِ الخبير، وهذه الرحمة التي جعلها الله تعالى في القلوب في هذه الدار وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة .. هي
стр. 10332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رحمةٌ واحدة من مئة رحمة، ادخرها الله تعالى ليوم القيامة، فيرحم عباده المؤمنين وقت أهوالها وشدائدها، حتى يخلصهم منها، ويدخلهم جنته وكرامته.
وإذا تقرر هذا .. فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة على الرفق وكشف ضر المبتلى .. فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل.
ومن سلب الله ذلك المعنى منه وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف ولا أشفق على مبتلىً .. فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك علمًا على شِقْوَتِه في المآل، والعياذ بالله من ذلك.
ولذلك قال النبي ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرَّحمن" رواه أبو داوود والترمذي، وقال ﷺ أيضًا: "لا يرحم الله من عباده إلَّا الرحماء، متفق عليه رواه البخاري ومسلم، وقال أيضًا: "لا تنزع الرحمة إلَّا من شقي" رواه أبو داوود والترمذي، وقال أيضًا: "من لا يرحم .. لا يرحم" انظر تخريجه في "التلخيص" برقم (٢٩٣٧).
وأما الرحمة في حق الله تعالى .. فهي صفة ثابتة لله تعالى، نثبتها ونعتقدها، لا نمثلها ولا نكيفها ولا نعطلها، أثرها: الإنعام على عباده، والإحسان إليهم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
وفي هذا الحديث ما يدلُّ على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة والشفقة، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة، وهذه القبلة هي على الفم، ويكره مثل ذلك في الكبار؛ إذ لَمْ يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول، ولا يدلُّ على شفقة.
стр. 10333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فأما تقبيل الرأس .. فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك؛ كالأب والأم.
وأما تقبيل اليد .. فكرهه مالك، ورآه من باب الكبر، وإذا كان مكروهًا في اليد .. كان أحرى في الرجل.
وقد أجاز تقبيل اليد والرجل بعض الناس مستدلًا بأن اليهود قبلوا يد رسول الله ﷺ ورجليه حين سألوه عن مسائل، فأخبرهم بها، رواه ابن ماجة برقم (٣٦٤٨)، ولا حجة في ذلك؛ لأن النبي ﷺ قد نزهه الله من الكبر وأمن ذلك عليه، وليس كذلك غيره، ولأن ذلك أظهرَ من اليهود تعظيمَه واعتقادهم صدقه، فأقرهم على ذلك؛ ليتبين للحاضرين بإذلالهم أنفسهم له ما عندهم من معرفتهم بصدقه، وأن كفرهم بذلك عناد وجحد، ولو فهمت الصحابة رضي الله تعالى عنهم جواز تقبيل يده ورجله .. لكانوا أول سابق إلى ذلك، فيفعلون به ذلك دائمًا وفي كلّ وقت؛ كما يتبركون ببزاقه ونخامته، ويدلكون بذلك وجوههم، ويتطيبون بعرقه، ويقتتلون على وضوئه، ولم يرو قط عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل يدًا ولا رجلًا، فصح ما قلناه، والله ولي التوفيق. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، ومسلم في كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 10334
(١١٦) - ٣٦٠٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى الْعَامِرِيِّ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث يعلى العامري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٦) - ٣٦٠٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث .. تركه، وربما وهم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير، من كبار العاشرة، ومات سنة عشرين ومئتين (٢٢٠ هـ)، قاله البخاري وأبو داوود ومطين. انتهى من "الخلاصة على مسلم". يروي عنه: (ع).
(حدثنا وهيب) - مصغرًا - ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر البصري، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه تغير قليلًا بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم) - بالمعجمة والمثلثة مصغرًا - القاريء المكي أبو عثمان، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن أبي راشد) مقبول، من الثالثة. روى عن: يعلى بن مرّة الثقفي العامري، ويروي عنه: (ت ق)، وعبد الله بن عثمان، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن يعلى) بن مرّة بن وهب بن جابر بن عتاب الثقفي (العامري) رضي الله تعالى عنه، وهو يعلى بن سيابة، وسيابة اسم أمه، شهد الحديبية
стр. 10335
أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْعَيَانِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ".
===
وخيبر والفتح مع النبي ﷺ ، قال ابن سعد: أَمَره النبيُّ ﷺ يوم الطائف بقطع أعناب ثقيف. يروي عنه: (ت س ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن يعلى (قال: جاء الحسن والحسين يسعيان) أي: يجريان ويسرعان (إلى النبي ﷺ ، فـ) لما وصلا إليه ﷺ .. (ضمهما) أي: ضم النبي ﷺ الحسن والحسين (إليه) أي: إلى جسده الشريف وقبلهما (وقال) النبي ﷺ بعدما ضمهما إليه: (إن الولد) أي: إن جنس الولد (مبخلة مجبنة) كلاهما على وزن مفعلة - بفتح الميم وسكون الفاء وفتح العين اللام - والمبخلة: على وزن مرحلة -: كلّ ما يحملك على بخل المال ويدعوك إليه؛ لأن وجود الولد لك يحملك على ادخار المال له، ويمنعك عن صرفه وإنفاقه في الخيرات، وكذا المجبنة: كلّ ما يحملك على بخل نفسك عن صرفها في المهالك؛ كالجهاد ودفاع العدو عن بلاد الإسلام؛ لأنك تخاف ضياع ولدك ويتمه إذا مت في الجهاد.
والحاصل: أن المبخلة: كلّ ما يمنعك عن بذل المال في الخيرات، والمجبنة: كلّ ما يحملك ويمنعك عن بذل نفسك في الخيرات؛ كالجهاد.
قال السندي: إن الولد مظنة البخل في المال والجبن في النفس؛ لأن الجبن ضد الشجاعة؛ لأنه هو الخوف من الإقدام على العدو؛ خوفًا من الموت.
وموضع الترجمة: ضمهما إليه؛ لأنه من نوع بر الوالد إلى الولد.
стр. 10336
(١١٧) - ٣٦١٠ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث سراقة بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٧) - ٣٦١٠ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب) العكلي أبو الحسين الكوفي، صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن موسى بن علي) - بضم العين وتشديد الياء مصغرًا - ابن رباح اللخمي أبي عبد الرَّحمن المصري، صدوق ربما أخطأ، من السابعة، مات سنة ثلاث وستين ومئة (١٦٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
قال موسى بن علي: (سمعت أبي) علي بن رباح بن قصير - ضد الطويل - اللخمي أبا عبد الله المصري، ثقةٌ، والمشهور فيه عُلَيٌّ - بالتصغير - وكان يغضب منها، من كبار الثالثة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(يذكر عن سراقة بن مالك) بن جعشم بن مالك بن عمرو بن مالك بن تيم بن مدلج بن مرّة بن عبد مناة بن كنانة المدلجي رضي الله تعالى عنه، يكنى أبا سفيان، من مشاهير الصحابة، كان ينزل قديدًا، وهو الذي لحق النبي ﷺ وأبا بكر حين خرجا من مكة مهاجرين إلى المدينة، وقصته مشهورة في فن السير، روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه: جابر بن
стр. 10337
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ مَرْدُودَةً إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ".
===
عبد الله، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وطاووس، وعطاء، وعلي بن رباح، والحسن البصري، وابنه محمد بن سراقة، وأخوه مالك بن مالك بن جعشم وغيرهم، قال ابن عبد البر وغيره: مات في حدر خلافة عثمان سنة أربع وعشرين (٢٤ هـ)، قال: وقيل: إنه مات بعد عثمان.
قلت: رواية الحسن وطاووس وعطاء عنه منقطعة، وقد أخطأ من قال: إن رواية علي بن رباح عنه منقطعة. انتهى من "التهذيب". يروي عنه: (خ عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قال: ألا) بفتح الهمزة للتنبيه؛ أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم أيها المؤمنون؛ وذلك أني (أدلكم على أفضل الصدقة) وأكثرها أجرًا (ابنتك) خبر مبتدأ محذوف، ولكنه على تقدير مضاف؛ تقديره: أفضل الصدقة صدقة ابنتك؛ أي: المتصدق عليها والإنفاق في مؤنتها حالة كونها (مردودةً إليك) أي: راجعةً من بيتها إلى بيتك بأن طلقها زوجها، أو مات عنها مثلًا، والحال أنَّها (ليس لها كاسب) يكسب مؤنتها لها (غيرك) بالرفع صفة لكاسب؛ لأنه من الأسماء المتوغلة في الإبهام، فيصح كونه صفة لنكرة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" هكذا بهذا الإسناد، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن علي، فذكره بتمامه، والبخاري في "الأدب المفرد"، باب من عال ابنته المردودة، رقم (٤٠)، والحاكم في "المستدرك" في كتاب البر والصلة، وقال: هذا
стр. 10338
(١١٨) - ٣٦١١ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ صَعْصَعَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ
===
حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأحمد في "المسند".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عائشة الأول بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١١٨) - ٣٦١١ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقةٌ حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسعر) بن كدام - بكسر أوله وتخفيف ثانيه - ابن ظهير الهلالي أبي سلمة الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني سعد بن إبراهيم) بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني، وكان ثقةً عابدًا فاضلًا، من الخامسة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار الأنصاري مولاهم البصري، ثقةٌ فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن صعصعة) بن معاوية بن حصين التميمي السعدي (عم الأحنف) بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، واسم الأحنف: الضحاك بن
стр. 10339
قَالَ: دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا، فَأَعْطَتْهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً ثُمَّ صَدَعَتِ الْبَاقِيَةَ بَيْنَهُمَا، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "مَا عَجَبُكِ؟ لَقَدْ دَخَلَتْ بِهِ الْجَنَّةَ".
===
قيس، له؛ أي: لصعصعة صحبةٌ، وقيل: إنه مخضرم، من الثانية، مات في ولاية الحجاج ﵀ على العراق. يروي عنه: (س ق).
(قال) صعصعة: (دخلت على عائشة) رضي الله تعالى عنها بتأنيث الفعل.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: قال صعصعة: دخلت على عائشة في منزلها (امرأة) من المسلمين (معها) أي: مع تلك المرأة (ابنتان لها) أي: لتلك المرأة، ولم أر من ذكر اسم هذه المرأة (فأعطتها) أي: فأعطت عائشة تلك المرأة وبنتيها (ثلاث تمرات) بعددهن (فأعطت) تلك المرأة (كلّ واحدة منهما) أي: من بنتيها (تمرة) تمرة (ثم صدعت) وشقت ونصفت تلك المرأة التمرةَ (الباقية) من التمرات الثلاث (بينهما) أي: بين البنتين، ولم تأكل تلك المرأة بنفسها شيئًا؛ أي: شقت تلك الباقية وقسمت بينهما نصفين (فأتى النبي ﷺ أي: جاء من خارج (فحدثته) أي: فحدثت عائشة النبي ﷺ شأن ما جرى بين تلك المرأة وبنتيها؛ تعجبًا من شأن تلك المرأة؛ حيث تركت الأكل بنفسها وقسمت بين بنتيها.
(فقال) النبي ﷺ لعائشة: (ما عجبك؟ ) أي: ما سبب تعجبك من شأنها؛ فإنها فعلت ما هو خير لها وأكثر أجرًا، فهذا ليس مما يتعجب منه؛ شأنَّها فعلت الأفضل والأفيد لها عند الله تعالى في الآخرة، ثم قال النبي ﷺ لعائشة: والله؛ (لقد دخلت) تلك المرأة (به) أي: بما فعلته ببنتيها (الجَنَّة) أي: أعلى درجات الجَنَّة؛ لأنَّها كفت نفسها عن
стр. 10340
(١١٩) - ٣٦١٢ - (٥) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ
===
الشهوات وأطعمت بنتيها؛ لتنال أجر الآخرة، فشكرها الله تعالى على عملها، قال السندي: أي: جزاء هذا العمل أكبر من نفسه، فلا تعجب فيه، وإنما التعجب إذا لَمْ يكن له مثل هذا الجزاء العظيم. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، وأصله في "الصحيحين" و"الترمذي" من حديث عائشة أيضًا بغير هذا السياق؛ أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب فضل الإحسان إلى البنات، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في النفقة على البنات، وقال: هذا حديث صحيح، وساق بنحوه.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد مما ذكرنا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عائشة الأول بحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٩) - ٣٦١٢ - (٥) (حدثنا الحسين بن الحسن) بن حرب السلمي أبو عبد الله (المروزي) نزيل مكة، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا) عبد الله (بن المبارك) المروزي مولى بني حنظلة، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عالم، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حرملة بن عمران) بن قراد التجيبي - بضم المثناة وكسر الجيم بعدها ياء ساكنة ثم موحدة - أبي حفص المصري يعرف بالحاجب، ثقةٌ، من
стр. 10341
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُشَّانَةَ الْمَعَافِرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ .. كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(قال) حرملة: (سمعت أبا عشانة) - بضم المهملة وتشديد الشين المعجمة وبعد الألف نون - اسمه (حَيٌّ) بفتح أوله وتشديد الياء التحتانية (ابنُ يُؤْمِنَ) - بضم التحتانية وسكون الواو وكسر الميم - أبو عشانة المصري (المعافري) ثقةٌ مشهور بكنيته، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(قال) أبو عشانة: (سمعت عقبة بن عامر) الجهني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات في قرب الستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سمعت عقبة بن عامر (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان له ثلاث بنات) فأكثر أو اثنتان (فصبر عليهن) أي: على تربيتهن وتأديبهن وتعليمهن (وأطعمهن) من جدته وطاقته لا فوق الطاقة (وسقاهن) من طاقته (وكساهن) أي: ألبسهن (من جدته) أي: من غناه وطاقته، فلا يكلف فوق طاقته.
والجدة - بكسر الجيم وتخفيف الدال - من وجد يجد جدة؛ من باب وعد يعد عدةً؛ لأنه مثال واوي لا من المضعف: إذا استغنى وأطاق (كن) - بتشديد النون - لأنه من كان الناقصة (له) أي: لذلك الوالد (حجابًا) وسترًا (من النار يوم القيامة) أي: كان قيامه بتربيتهن ومؤنتهن حجابًا وسترًا له من نار الآخرة.
стр. 10342
(١٢٠) -٣٦١٣ - (٦) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَن، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، عَنْ فِطْرٍ،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن. رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عقبة بن عامر الجهني أيضًا، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" قال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن يزيد، أنبأنا حرملة بن عمران به، فذكره بتمامه، وإسناده صحيح، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رواه أبو داوود والترمذي ورواه البخاري في الأدب المفرد، باب من عال جاريتين أو واحدةً عن جابر والترمذي في كتاب البر والصلة، وقال: حديث غريب.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولكثرة الشواهد والمتابعات له، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث عائشة الأول بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٢٠) - ٣٦١٣ - (٦) (حدثنا الحسين بن الحسن) بن حرب السلمي المروزي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا) عبد الله (بن المبارك) المروزي، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن فطر) بن خليفة المخزومي مولاهم الكوفي أبو بكر الحناط - بالمهملة والنون - صدوق رمي بالتشيع، من الخامسة، مات بعد سنة خمسين ومئة. يروي عنه: (خ عم).
стр. 10343
عَنْ أَبِي سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ رَجُلٍ تُدْرِكُ لَهُ ابْنَتَانِ فَيُحْسِنُ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ أَوْ صَحِبَهُمَا .. إِلَّا أَدْخَلَتَاهُ الْجَنَّةَ".
===
(عن أبي سعد) - بالمهملة والعين الساكنة - وفي بعض النسخ: عن أبي سعيد - بالياء - وهو خطأ، اسمه شرحبيل بن سعد أبو سعد الخطمي المدني مولى الأنصار. روى عن: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله وغيرهم، ويروي عنه: فطر بن خليفة، صدوق اختلط بأخرة، من الثالثة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ)، ضعفه ابن سعد، وابن معين، وابن عدي، والدارقطني، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه. يروي عنه: (د ق).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شرحبيل بن سعد، وهو مختلف فيه.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : ما من رجل تدرك) أي: تبلغ (له) أي: عنده (ابنتان) فأكثر؛ من أدرك؛ إذا بلغ، وإنما قيد بذلك؛ لأن البنت تغفل عن الأب بعد البلوغ، فربما تؤدي الكراهة إلى سوء المعاملة، فبين أن حسن المعاملة أعظم أجرًا. انتهى "سندي".
(فيحسن إليهما) بإطعامهما وكسوتهما وبكل ما تحتاجان إليه (ما صحبتاه) أي: مدة صحبتهما إياه؛ يعني: قبل زواجهما (أو) قال الراوي: ما (صحبهما) بالشك من الراوي أو ممن دونه؛ أي: أو قال: فأحسن إليهما مدة صحبته إياهما؛ يعني: قبل الزواج .. (إلَّا أدخلتاه الجَنَّة) أي: إلَّا أدخل ذلك الرجل إحسانه إليهما الجَنَّة؛ أي: أجر إحسانه وإنفاقه عليهما الجَنَّة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه أحمد بن منيع في "مسنده"
стр. 10344
(١٢١) - ٣٦١٤ - (٧) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُمَارَةَ،
===
بإسناده ومتنه، ورواه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك" من طريق فطر به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٢١) - ٣٦١٤ - (٧) (حدثنا العباس بن الوليد) بن صبح - بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة - الخلال - بالمعجمة وتشديد اللام - (الدمشقي) السلمي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا علي بن عياش) - بتحتانية ومعجمة - الألهاني - بفتح الهمزة وسكون اللام - الحمصي، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سعيد بن عمارة) - بضم المهملة - ابن صفوان بن أبي كريب الكلاعي الحمصي. روى عن: الحارث بن النعمان ابن أخت سعيد بن جبير، ويروي عنه: علي بن عياش، و (ق)، ضعيف، من السابعة، قال أبو بكر صاحب "تاريخ الحمصيين": قتل عمارة سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ)، وخلف ابنه سعيد بن عمارة بن سعيد سنتين، له في "ابن ماجة" حديث واحد: (أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم).
стр. 10345
أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَان، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ".
===
قلت: وقال الأزدي: متروك، وقال ابن حزم: مجهول. انتهى "تهذيب".
(أخبرني الحارث بن النعمان) بن سالم الليثي الكوفي، ابن أخت سعيد بن جبير، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق). روى عن: أنس بن مالك، ويروي عنه: سعيد بن عمارة، أخرج له الترمذي حديثًا واحدًا، وابن ماجة ثلاثة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي في الحديث.
قلت: وقال البخاري: منكر الحديث، وقال العقيلي: أحاديثه مناكير، وقال الأزدي: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" وفي "الضعفاء" أيضًا. انتهى "تهذيب"، فهو مختلف فيه.
قال الحارث: (سمعت أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
حالة كونه (يحدث عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سعيد بن عمارة، وهو متروك أو مجهول اتفاقًا، وفيه أيضًا الحارث بن النعمان، ضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان.
(قال) رسول الله ﷺ : (أكرموا أولادكم) فإن إكرامهم يزيدهم حبًّا للآباء، وأما ترك إكرامهم .. فقد يؤدي إلى سوء الأدب.
أشار بقوله: (وأحسنوا أدبهم) إلى أنه لا ينبغي أن يكون الإكرام إلى هذا الحد. انتهى "سندي"، تدبر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (٧)(٣٦٧)؛ لضعف سنده؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
стр. 10346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخير للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10347
(٥١) - (١٣٥٣) - بَابُ حَقِّ الْجِوَارِ
(١٢٢) - ٣٦١٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ،
===
(٥١) - (١٣٥٣) - (باب حق الجوار)
(١٢٢) - ٣٦١٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(سمع) عمرو (نافعَ بن جبير) بن مطعم النوفلي أبا محمد المدني، ثقةٌ فاضل، من الثالثة، مات قبل المئة سنة تسع وتسعين (٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
أي: سمع عمرو بن دينار نافع بن جبير حالة كونه، (يخبر عن أبي شريح الخزاعي) الكعبي، اسمه خويلد بن عمرو أو عكسه، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل المدينة، مات سنة ثمان وستين على الصحيح (٦٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قال: من كان) يريد أن (يؤمن بالله) الذي خلقه إيمانًا كاملًا (و) بـ (اليوم الآخر) الذي إليه معاده وفيه مجازاته بعمله .. (فليحسن إلى جاره) ومعنى الإحسان: عدم إيذائه مع إكرامه والتبرع إليه في قضاء حوائجه ومهماته، قال القاضي عياض: قوله: (فليكرم جاره) في رواية، وفي الأخرى: (فلا يؤذ جاره)، وفي الأخرى: (فليحسن
стр. 10348
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إلى جاره) كلها ترجع إلى تعظيم حق الجار والإحسان إليه. انتهى.
قال الحافظ في "الفتح": المراد بقوله: "يؤمن": الإيمان الكامل، وخصه بالله وباليوم الآخر؛ إشارة إلى المبتدأ والمعاد؛ أي: من آمن بالله الذي خلقه وآمن بأنه سيجازيه بعمله .. فليفعل الخصال المذكورة في هذا الحديث. انتهى.
وعبارة "الكوكب": (من كان) يريد أن (يؤمن بالله واليوم الآخر) الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله، والموصل إلى مرضاته ودار كرامته. انتهى.
قال في "بهجة النفوس": وإذا كان هذا في حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه .. فينبغي له أن يراعي حق الملكين الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل، فلا يُؤْذِهِمَا بإيقاع المخالفات في مرور الساعات؛ فقد جاء أنهما يسران بوقوع الحسنات، ويَحْزَنَانِ بوقوع السيئات، فينبغي مراعاةُ جانبهما، وحفظ خواطرهما بالإكثار من عمل الطاعة، والمواظبة على اجتناب المعصية؛ فهما أولى برعاية الحق من كثير من الجيران. انتهى من "الإرشاد".
قوله: "فليحسن إلى جاره" أي: إلى من جاور سكَنُه سكَنَه بالبر والإهداء والنصيحة له، قال القاضي عياض: معنى الحديث: أن من التزم شرائع الإسلام .. لزمه إكرام جاره وعدم إيذائه، وإكرام ضيفه، وبرهما، وكل ذلك تعريف بحق الجار وحث على حفظه، وقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الجار في كتابه العزيز، وقال ﷺ : "ما زال جبريل ﵇ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سَيُورِّثُه".
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنَّها قالت: يا رسول الله؛ إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا"، أخرجه البخاري في
стр. 10349
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ،
===
"صحيحه" في مواضع، وأحمد في "المسند"، قال الحافظ في "الفتح": (أقربهما) أي: أشدهما قربًا.
وقيل: الحكمة فيه: أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف لها، بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة.
وقال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب، لأن الهدية في الأصل ليست بواجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا.
قال الحافظ: وفي هذا الحديث أن الأخذ في العمل بما هو أعلى .. أولى، وفيه تقديم العلم على العمل.
قال: واختلف في حد الجار: فجاء عن علي رضي الله تعالى عنه: من سمع النداء .. فهو جار، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد .. فهو جار.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها حد الجار: أربعون دارًا من كلّ جانب، وعن الأوزاعي مثله، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" مثله عن الحسن، وللطبراني بسند ضعيف عن كعب بن مالك مرفوعًا: "إلا إن أربعين دارًا جار"، وأخرج ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب: (أربعون عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه).
قال الحافظ: وهذا يحتمل كالأولى، ويحتمل: أن يريد التوزيع، فيكون من كلّ جانب عشرة. انتهى من "الفتح" (١/ ٤٦٣).
(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليكرم ضيفه) والضيف: القادم على القوم النازل بهم، ويطلق الضيف على الواحد والجمع، ويجمع أيضًا على أضياف وضيوف وضيفان، والمرأة ضيف وضيفة، وأضفت الرجل وضيفته؛ إذا
стр. 10350
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .. فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ".
===
أنزلته بك ضيفًا، وضفتُ الرجلَ ضيافة؛ إذا نزلتَ عليه، وكذلك تَضَيَّفتُه.
والضيافة من مكارم الأخلاق، ومن محاسن الدين، ومن خلق النبيين والصالحين، وليست بواجبة عند عامة أهل العلم، خلافًا لليث؛ فإنه أوجبها ليلةً واحدةً محتجًا بقوله ﷺ : "ليلة الضيف واجبة على كلّ مسلم" رواه أبو داوود من حديث المقدام بن معدي كرب برقم (٣٧٥١).
قوله: "فليكرم ضيفه" بتقديم القرى له، وإظهار طلاقة الوجه له، وإظهار المخاطبة له بقول الرحب والسهل من كلّ مَا اعْتِيدَ في إكرامه.
(ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليقل خيرًا أو ليسكت) أي: فليقل ما يثاب عليه؛ من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وتعليم جاهل، وإرشاد ضال، أو ليسكت عن كلّ ما يأثم به؛ كالغيبة والنميمة والسب والشتم، وعن كلّ ما لا يَعْنِيهِ من قِيلَ وقال؛ طلبًا للسلامة، وإعمالًا لفكره في مصنوعات الله تعالى.
وحاصل معنى هذه الجملة: أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه أو مندوبًا .. فليتكلم، وإن لَمْ يظهر له أنه خير يثاب عليه .. فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين.
فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافة من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا، وقد ندب الشرع إلى الإمساك عن كثير من المباحات، لئلا ينجر صاحبها إلى المحرمات أو المكروهات.
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية بالمغرب في زمانه:
стр. 10351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث:
قول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليقل خيرًا، أو ليصمت".
وقوله ﷺ : "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وقوله ﷺ للذي اختصر له الوصية: "لا تغضب".
وقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
وقال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: الصمت سلامة - وهو الأصل - والسكوت في وقته صفة الرجال؛ كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال، وقال: سمعت أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق .. فهو شيطان أخرس، قال: فأما إيثار أصحاب المجاهدة السكوت .. فلما علموا في الكلام من الآفات ثم ما فيه من حظ النفس، وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من الآفات، وذلك صفة أرباب الرياضة، وهو أحد أركانهم في تهذيب الخلق.
وروي عن الفضيل بن عياض أنه قال: من محمد كلامه من عمله .. قل كلامه فيما لا يعنيه، وعن ذي النون رحمه الله تعالى: أصون الناس لنفسه .. أمسكهم للسانه، والله أعلم. انتهى "نووي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أصحاب أمهات الخمس؛ أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يؤذ جاره، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلَّا عن الخير، وأبو داوود في الأطعمة، باب ما جاء في الضيافة، والترمذي
стр. 10352
(١٢٣) -٣٦١٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
===
في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الضيافة كم هي، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الرقاق في "الكبرى".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي شريح بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٣) - ٣٦١٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعبدة بن سليمان) الكلاعي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري، ثقةٌ عالم متقن، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كلّ من يزيد وعبدة وليث رووا (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقةٌ ثبتٌ، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 10353
عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".
===
(عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري النجاري - بالنون والجيم - المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، ثقةٌ عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرة) بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقةٌ، من الثالثة، ماتت قبل المئة، ويقال بعدها. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: ما زال جبريل) الأمين ﵇ (يوصيني) أي: يأمرني (بـ) رعاية حقوق (الجار) مسلمًا كان أو كافرًا، عابدًا أو فاسقًا، صديقًا أو عدوًا، غريبًا أو بلديًا، قريبًا أو أجنبيًا، قريب الدار أو بعيدها (حتى ظننت أنه) أي: أن جبريل (سيورثه) أي: أنه يأمرني عن الله بتوريث الجار من جاره؛ بأن يجعله مشاركًا في المال مع الأقارب بسهم يعطاه.
وفي "البخاري" من حديث جابر بلفظ: (حتى ظننت أنه يجعل له ميراثًا)، في حديث جابر عند الطبراني رَفَعَهُ: "الجيران ثلاثة: جار له حق؛ وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان؛ وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق؛ جار مسلم له رحم؛ له حق الجوار والإسلام والرحم". انتهى من "أبي رشاد".
وعبارة "التحفة": قوله: (أنه سيورثه) أي: يأمر عن الله بتوريث الجار من
стр. 10354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جاره، واختلف في المراد من هذا التوريث: فقيل: يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب، وقيل: المراد: أن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة، والأول أظهر؛ فإن الثاني استمر، والخبر مشعر بأن التوريث لَمْ يقع، ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث جابر نحو حديث الباب: (حتى ظننت أنه يجعل له ميراثًا).
واسم الجار يشمل المسلمَ والكافرَ، والعابدَ والفاسقَ، والصديقَ والعدوَّ، والغريبَ والبلديَّ، والنافعَ والضارَّ، والقريبَ والأجنبيَّ، والأقربَ دارًا والأبعدَ.
وله مراتب بعضها أعلى من بعض:
فأعلاها: من اجتمعت فيه الصفات الأُوَلُ كلُّها أو أكثرُها، وهلم جرًا إلى الواحد، وعكسه: من اجتمعت فيه الصفاتُ الأخرى كذلك؛ فيُعطى كلّ حقه بحسب حاله.
وقد تتعارض صفتان فأكثر، فيرجح أو يساوى. انتهى من "تحفة الأحوذي" باختصار.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري في كتاب الأدب، باب الوصاة بالجار، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، عن عائشة، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في حق الجوار، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب في حق الجوار، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة، والله أعلم.
* * *
стр. 10355
(١٢٤) - ٣٦١٧ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٤) - ٣٦١٧ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا يونس بن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي، ثقةٌ ثبتٌ عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ما زال جبريل) الأمين ﵇ (يوصيني) أي: يأمرني من جهة الله (بـ) رعاية حقوق (الجار) ووفائها (حتى ظننت أنه) أي: أن جبريل (سيورثه) أي: سيأمرني بتوريثه مع أقارب الميت من تركة الميت.
стр. 10356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا في "الصحيحين" وغيرهما، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10357
(٥٢) - (١٣٥٤) - بَابُ حَقِّ الضَّيْفِ
(١٢٥) - ٣٦١٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
===
(٥٢) - (١٣٥٤) - (باب حق الضيف)
والضيف: هو القادم على القوم النازل بهم.
* * *
(١٢٥) - ٣٦١٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن) محمد (بن عجلان) المدني، صدوق إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبي سعد المدني، ثقةٌ، من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي شريح) مصغرًا (الخزاعي) الكعبي نزيل المدينة الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، اسمه خويلد بن عمرو، مات سنة ثمان وستين (٦٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أنه (قال: من كان) يريد أن (يؤمن بالله) (و) بـ (اليوم الآخر) الإيمان الكامل الذي ينال به الدرجات العلا في الآخرة؛ أي: بمجيء
стр. 10358
فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ؛ وَجَائِزَتُهُ يَوْم وَلَيْلَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَ صَاحِبِهِ حَتَّى يُحْرِجَهُ؛ الضِّيَافَةُ
===
اليوم الآخر، مع ما فيه من المجازاة على الأعمال، ووصفه بالآخر؛ لتأخره عن الدنيا.
والمعنى: من كان يصدق بالمبدأ والمعاد .. (فليكرم ضيفه) النازل به؛ الغني والفقير، والمسلم والكافر؛ بطلاقة الوجه، وتعجيل قراه وإكرام نزله ورفع منزلته والقيام بنفسه في خدمته.
(وجائزته) بالرفع مبتدأ، خبره (يوم وليلة) والجملة الاسمية حال من الضيف؛ أي: فليكرم ضيفه؛ أي: حال كون ذلك الضيف مجوزًا؛ أي: معطىً زادًا يجوز ويمر به مسافة يوم وليلة؛ أي: تكفيه قوت يوم وليلة، أو حال من فاعل (يكرم) تقديره: حالة كونه مجوزًا مزودًا له زادًا يكفيه قوت يوم وليلة.
وفي بعض الرواية: بإسقاط (الواو) ونصب (جائزته) مع نصب (يوم وليلة) على أنه بدل اشتمال مما قبله؛ أي: فليكرم ضيفه جائزته؛ أي: زاده بإعطائه قوتًا يكفيه يومًا وليلة، أو مفعول به لفعل محذوف معطوف على (يكرم) أي: فليكرم ضيفه، وليعط له جائزة تكفيه يومًا وليلةً؛ أي: ما يجوز ويمر به من منهل إلى منهل إن كان مارًا عليه؛ أي: فليزوده عند توديعه ما يكفي له يومًا وليلة، وتسمى الجيزة؛ لأن المسافر يجوز به من منزل إلى منزل، والجائزة: العطية، فيقال: أجزته؛ كما يقال: أعطيته.
(وَلَا يحل) أي: لا يجوز الله) أي للضيف (أن يثوي) ويقيم (عند صاحبه) وأخيه المضيف له أكثر من ثلاثة أيام (حتى يحرجه) من الإحراج؛ أي: حتى يؤثمه ويدخل عليه الحرج والتعب والضيق باستقراضه ما يضيفه به، أو يحمله على إطعامه من الأطعمة المحرمة؛ (الضيافة) الكاملة المستحقة
стр. 10359
ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .. فَهُوَ صَدَقَةٌ".
===
للضيف (ثلاثة أيام، وما أنفق) وصرف المضيف (عليه) أي: على الضيف (بعد) مضي (ثلاثة أيام .. فهو صدقة) على الضيف؛ أي: تبرع له لا مستحقة له؛ أي: فما زاد على ثلاثة أيام .. فهو صدقة عليه؛ فالمضيِّف مخير فيه؛ إن شاء .. فعل، وإن لَمْ يشأ .. لَمْ يفعل.
سماه صدقة؛ تنفيرًا للضيف عن الإقامة أكثر منها، قال القاضي عياض: قوله: (فما كان وراء ذلك) أي: ما كان وراء ثلاثة أيام .. فهو صدقة؛ لأنَّها خرجت عن حد الضيافة والمكارمة المستحبة إلى حد التعرض للعطاء والسؤال والصدقة المكروهة إلَّا للمحتاج، المحرم أخذها للغني بغير طيب نفس صاحبها. انتهى.
قال القرطبي: قوله: "فليكرم ضيفه" والأمر بها على جهة الندب؛ لأنَّها من مكارم الأخلاق، إلَّا أن تتعين في بعض الأوقات بحسب ضرورة أو حاجة، فتجب حينئذ.
وقد أفاد هذا الحديث أنَّها من أخلاق المؤمنين، ومما لا ينبغي لهم أن يتخلفوا عنها؛ لما يحصل عليها من الثواب في الآخرة، ولما يترتب عليها في الدنيا من إظهار العمل بمكارم الأخلاق، وحسن الأحدوثة الطيبة، وطيب الثناء، وحصول الراحة للضيف المتعوب بمشقات السفر، المحتاج إلى ما يخفف عليه ما هو فيه من المشقة والحاجة.
ولم تزل الضيافة معمولًا بها في العرب من لدن إبراهيم ﵇؛ لأنه أول من ضيف الضيف، وعادةً مستمرةً فيهم، حتى إن من تركها .. يُذمُّ عرفًا، ويُبخَّلُ ويُقبَّحُ عليه عادة، فنحن وإن لَمْ نقل: إنها واجبةٌ شرعًا .. فهي متعينة؛ لما يحصل منها من المصالح، ويندفع بها من المضار، عادةً وعرفًا. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب
стр. 10360
(١٢٦) - ٣٦١٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْر، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
===
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فلا يؤذ جاره، ومسلم في كتاب اللقطة، باب الضيافة، وأبو داوود في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الضيافة، وتقدم تخريجه للمؤلف في أول الباب المذكور قبل هذا الباب.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي شريح بحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٦) - ٣٦١٩ - (٢) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم المصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري عالمها قرين مالك، ثقةٌ حجة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) المصري أبي رجاء، واسم أبيه سويد، ثقةٌ فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني - بفتح الياء والزاي بعدها نون - المصري، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة تسعين (٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عقبة بن عامر) الجهني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات في قرب الستين. يروي عنه: (ع).
стр. 10361
أَنَّهُ قَال: قُلْنَا لِرَسُول اللهِ ﷺ : إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِل بقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ؟ قَال لَنَا رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ .. فَاقْبَلُوا، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا .. فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن عقبة بن عامر (قال: قلنا) معاشر المجاهدين (لرسول الله ﷺ : إنك) يا رسول الله (تبعثنا) وترسلنا للجهاد في أقطار الأرض (فننزل بقوم) أي: بجنب قوم من الأعراب وأهل الذِّمة مجتمعين في مكان (فلا يَقْرُونا) - بفتح الياء ثلاثيًّا - من قرى يقري؛ من باب رمى؛ أي: فلا يعطون لنا القرى وحق الضيافة (فما ترى) وتقول (في) حكم (ذلك) أي: في حكم إبائهم من إعطاء القرى لنا؟ أي: فماذا تحكم وتقول في ذلك؛ هل نأخذ منهم حق الضيافة بالقوة، أو نتركهم ولا نتعرض لهم؟
فـ (قال لنا رسول الله ﷺ في جواب سؤالنا: (إن نزلتم بقوم) أي: صرتم في سفركم نازلين عند قوم ضيفًا (فأمروا لكم) أي: إن جمعوا الطعام من بينهم وأعطوا لكم (بما ينبغي) ويكفي (للضيف) أي: بما يليق بذلك الضيف قلةً وكثرةً .. (فاقبلوا) أيها النازلون عندهم ذلك القرى الذي جمعوا لكم؛ مما ينبغي ويليق بكم (وإن لَمْ يفعلوا) ذلك الأمر والجمع لكم، ولم يعطوا لكم القرى .. (فخذوا منهم) أي: من أولئك القوم الذين نزلتم عندهم (حق الضيف الذي ينبغي) ويكفي (لهم) أي: للضيف، جمع ضمير الضيف؛ لأن الضيف اسم جمع يطلق على الواحد والمثنى والجمع بلفظه؛ كما في "الصحاح".
стр. 10362
(١٢٧) - ٣٦٢٠ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَان،
===
واستدل بجعل ما زاد على الثلاث صدقة على أن الذي قبلها واجب؛ فإن المراد بتسميته صدقة: التنفير عنه؛ لأن كثيرًا من الناس خصوصًا الأغنياء يأنفون غالبًا من أكل الصدقة. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المظالم، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، ومسلم في كتاب اللقطة، باب الضيافة عن عقبة بن عامر، وأبو داوود في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الضيافة، والترمذي في كتاب السير، باب ما يحل من مال أهل الذِّمة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي شريح.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي شريح بحديث المقدام أبي كريمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٧) - ٣٦٢٠ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10363
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْمِقْدَامِ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْلَةُ الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ؛ فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ .. فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ؛
===
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عتاب الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عامر بن شراحيل الحميري (الشعبي) الكوفي، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن المقدام) بن معدي كرب بن عمرو الكندي (أبي كريمة) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الشام، ومات بها سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ) على الصحيح، وله إحدى وتسعون سنة. يروي عنه: (خ عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو كريمة: (قال رسول الله ﷺ : ليلة الضيف) أي: قرى ليلة الضيافة (واجبة) أي: حق للضيف على المضيف، وفي رواية أحمد: (ليلة الضيف واجبة على كلّ مسلم)، وفي رواية أبي داوود: (حق على كلّ مسلم) بدل واجبة.
(فإن أصبح) الضيف؛ أي: دخل عليه الصباح، وهو؛ أي: والحال أن الضيف (بفنائه) أي: بفناء المضيف .. (فهو) أي: فذلك القرى (دين عليه) أي: على المضيف. والفناء - بكسر الفاء وتخفيف النون ممدودًا -: هو المتسع أمام الدار، وقيل: ما امتد من جوانب الدار كلها، يجمع على أفنية؛ نظير كساء وأكسية.
قوله: "فهو عليه" الضمير المجرور يرجع إلى (من) وهو صاحب الدار،
стр. 10364
فَإِنْ شَاءَ .. اقْتَضَى، وَإِنْ شَاءَ .. تَرَكَ".
===
وضمير (هو) يرجع إلى (قرى) المفهوم من المقام (فإن شاء) الضيف أن يستوفي حقه من المضيف .. (اقتضى) الضيف واستوفى حقه من المضيف (وإن شاء) الضيف إلا يستوفي حقه من المضيف .. (ترك) استيفاء حقه من المضيف.
قال السيوطي: أمثال هذا الحديث كانت في أول الإسلام حين كانت الضيافة واجبة على المضيف، وقد نسخ وجوبها، وقد أشار إليه؛ أي: إلى نسخ وجوبها أبو داوود بالباب الذي عقده بعد هذا الباب. انتهى.
قال الخطابي: وجه ذلك: أنه رآها حقًّا من طريق المعروف والعادة المحمودة، ولم يزل قرى الضيف وحسن القيام عليه من شيم الكرام وعادات الصالحين، ومنع القرى مذموم على الألسن، وصاحبه ملوم، وقد قال ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليكرم ضيفه" انتهي، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الضيافة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10365
(٥٣) - (١٣٥٥) - بَابُ حَقِّ الْيَتِيمِ
(١٢٨) - ٣٦٢١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ".
===
(٥٣) - (١٣٥٥) - (باب حق اليتيم)
(١٢٨) - ٣٦٢١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التيمي (القطان) أبو سعيد البصري، ثقةٌ حافظ إمام قدوة، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن عجلان) المدني صدوق إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبي سعد المدني، ثقةٌ، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمهْ الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : اللهم؛ إني أحرج) من التفعيل أو الإِفْعال؛ أي: أُشدِّدُ وأُضيِّق وأُبالغ في تخويفِ الناس عن إضاعة وإفساد (حق الضعيفين) أي: عن عقوبة إفساد مال الضعيفين بغير استحقاق: (اليتيم والمرأة) بدل من الضعيفين؛ بدل تفصيل من مجمل؛ لأن