(٥٨) - (١٣٦٠) - بَابُ إِفْشَاءِ السَّلَامِ
(١٤٢) - ٣٦٣٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
===
(٥٨) - (١٣٦٠) - (باب إفشاء السلام)
(١٤٢) - ٣٦٣٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ حافظ أثبت الناس في الأعمش، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(و) عبد الله (بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن) سليمان (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : والذي) أي: أقسمت لكم بالإله الذي (نفسي) وروحي (بيده) المقدسة؛ أيها المؤمنون (لا تدخلوا الجَنَّة) بحذف نون علامة الرفع لمشاكلة ما بعده؛
стр. 10397
حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُوا،
===
وهو قوله: (حتى تؤمنوا) إيمانًا كاملًا، وحذفت هن هذا؛ لأن حذفها علامة لنصب المضارع بعد حتى الناصبة.
وقوله ثانيًا: (وَلَا تؤمنوا) حذفت منه نون الرفع لمشاكلة قوله: (حتى تحابوا) وحذفت النون من هذا؛ لأن حذفها علامة لنصب المضارع بعد حتى الناصبة ومواضع النون أربعة، حذفت من الأول والثالث؛ للمشاكلة، وحذفت من الثاني والرابع؛ لدخول الناصب عليهما؛ وهو حتى الجارة.
قال السندي: قوله: "لا تدخلوا الجَنَّة" هكذا بحذف النون ها هنا، وفي قوله: (وَلَا تؤمنوا) والقياس ثبوتها في الموضعين.
وإعرابهما؛ أي: إعراب (لا تدخلوا، ولا تؤمنوا) أي: إعراب كلّ منهما أن يقال: (لا) نافية مبنية على السكون (تدخلوا، وتؤمنوا) فعل مضارع مرفوع؛ لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعهما ثبات النون المحذوفة؛ لمشاكلة ما بعدها، والواو فيهما في محل الرفع فاعل مبني على السكون؛ لأنه حذف فيهما نون علامة الإعراب للمجانسة والازدواج، والمحذوف بلا عامل كالثابت، ثم الكلام محمول على المبالغة في الحث على التحاب وإفشاء السلام.
أو المراد: لا تستحقوا دخول الجَنَّة أولًا حتى تؤمنوا إيمانًا كاملًا، ولا تؤمنوا ذلك الإيمان حتى تحابوا، وأصله: تتحابوا، فحذفت إحدى إحدى؛ لتوالي الأمثال؛ أي: حتى يحب بعضكم بعضًا، وأما حمل (حتى تؤمنوا) على أصل الإيمان، وحمل (وَلَا تؤمنوا) على كماله .. فيأباه أن الكلام على هيئة الأَشْكالِ المنطقية، والظاهر: أنه قصد به البرهان، وهذا التأويل يُخِلُّ به؛ لإخلاله بتكرار الحد الأوسط المشترطِ في البرهان، فليتأمل. انتهى منه.
стр. 10398
أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ .. تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ".
===
والهمزة في قوله: (أولا أدلكم على شيء) داخلة على محذوف؛ تقديره: أتستغربون ذلك ولا تفهمونه؟ أدلكم أيها المؤمنون على شيء (إذا فعلتموه) وقلتموه .. (تحاببتم؟ ) أي: يحصل التحاب والتواد بينكم .. أقول لكم في بيان ذلك الشيء: (أفشوا) أي: بقطع الهمزة المفتوحة؛ أي: أكثروا وأشيعوا (السلام بينكم) أيها المؤمنون خاصة.
قال القرطبي: وإفشاء السلام: إظهاره وإشاعته بينكم، وإقراؤُه على المعروف لكم وعلى غير المعروف.
ومعنى: "لا تؤمنوا حتى تحابوا" أي: لا يكمل إيمانكم ولا يكون حالكم كحال مَن كَمُل إيمانه حتى تفشوا السلام الجالب للمحبة الدينية والألفة الشرعية.
قال النووي: وفي الحديث حث عظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لَمْ تعرف؛ كما روي في الحديث الآخر، والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وبإفشائه يحصل ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل الباطلة، مع ما فيه من رياضة النفس، ولزوم التواضع، وإعظام حرمات المسلمين.
وقد ذكر البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ثلاث من جمعهن .. فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبَذْلُكَ السلامَ للعالَم، والإنفاق من الإقتار.
وروى غير البخاري هذا الكلام مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وهذه الثلاثة المذكورة؛ من السلامِ على العالَم، والسلامِ على من عرفت ومن لا تعرف، وإفشاء السلام .. كلها بمعنىً واحد.
وفيها لطيفة أخرى؛ وهي أنَّها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد
стр. 10399
(١٤٣) - ٣٦٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
===
ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامَه لله لا يَتَّبِعُ فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه، خلاف ما أنذر به ﷺ آخر الزمان من كون السلام للمعرفة، فيقطع سبب التواصل الذي هو الإسلام، والله أعلم. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في "صحيحه" في كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجَنَّة إلَّا المؤمنون، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في إفشاء السلام، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في إفشاء السلام.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٣) - ٣٦٣٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخلِّطٌ في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن محمد بن زياد) الألهاني - بفتح الهمزة وسكون اللام - أبي سفيان الحمصي، ثقةٌ، من الرابعة. يروي عنه: (خ عم).
(عن أبي أمامة) صُدَيٍّ - مصغرًا - ابن عجلان الباهلي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10400
قَالَ: أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنْ نُفْشِيَ السَّلَامَ.
(١٤٤) - ٣٦٣٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِب،
===
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات؛ لأن ابن عياش روى هنا عن أهل بلده، فهو ثقةٌ.
(قال) أبو أمامة: (أمرنا نبينا ﷺ أن نفشي السلام) بين الناس ونكثره؛ والمراد: نشر السلام بين الناس؛ لِيُحْيُوا السنةَ.
قال النووي: أقله: أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلَّم عليه؛ فإن لَمْ يسمعه .. لَمْ يكن آتيًا بالسنة، قال السندي: قلت: ظاهره حمل الإفشاء على رفع الصوت به، والأقرب حمله على الإكثار. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة المذكور قبله، أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي، ومن حديث عبد الله بن عمرو المذكور بعده.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولأن له شاهدًا؛ كما عرفت، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيأ لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٤٤) - ٣٦٣٧ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء بن السائب) أبي السائب الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، من
стр. 10401
عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ".
===
الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن أبيه) السائب بن مالك أو ابن زيد أو ابن يزيد الكوفي، والد عطاء، ثقةٌ، من الثانية. يروي عنه: (عم).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : اعبدوا الرَّحمن) أي: أفردوه بالعبادة (وأفشوا السلام) أي: أكثرو السلام فيما بينكم، وفي رواية الترمذي زيادة: (تدخلوا الجَنَّة بسلام) أي: فإنكم إذا فعلتم ذلك ومتم عليه .. دخلتم الجَنَّة أَمنين، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. انتهى "تحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في فضل إطعام الطعام، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، وذكره الحافظ المنذري في "الترغيب"، ونقل تصحيح الترمذي وأقره، وابن حبان في كتاب البر والإحسان، باب إفشاء السلام وإطعام الطعام، وأحمد في "المسند"، والدارمي في كتاب الأطعمة، باب في إطعام الطعام، وابن أبي شيبة.
قال السندي: وهذا الحديث مقتبس من قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (١).
стр. 10402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10403
(٥٩) - (١٣٦١) - بَابُ رَدِّ السَّلَامِ
(١٤٥) - ٣٦٣٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِد، فَصَلَّى
===
(٥٩) - (١٣٦١) - (باب رد السلام)
(١٤٥) - ٣٦٣٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقةٌ ثبتٌ، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) أبو سعد المدني، ثقةٌ، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رجلًا) من المسلمين؛ وهو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى بن خلاد، وهو المسيء صلاته؛ كما تقدم في كتاب الصلاة (دخل المسجد) النبوي (ورسول الله ﷺ أي: والحال أن رسول الله ﷺ (جالس في ناحية المسجد) وجانبه (فصلى) الرجل لعلها تحية المسجد صلاته بلا وطمأنينة في ركوعه وسجوده واعتداله؛ كما
стр. 10404
ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ".
===
هو الظاهر من سياق الحديث (ثم) بعد فراغه من صلاته (جاء) الرجل إلى رسول الله ﷺ (فسلم) الرجل على رسول الله، فقال: السلام عليك يا رسول الله (فقال) رسول الله ﷺ في رد السلام على الرجل: (وعليك السلام) أيها الرجل؛ أي: علي السلام وعليك السلام وعلى سائر عباد الله الصالحين، وهذا موضع الترجمة من الحديث، ثم قال رسول الله ﷺ للرجل: إلى مكانك فصل ثانيًا؛ فإنك لَمْ تصل صلاةً صحيحةً.
وفي الحديث دلالة على جواز الاقتصار في رد السلام على هذا القدر؛ أي: على قوله: (وعليك السلام) بلا زيادة (ورحمة الله) وما بعدها، وهذا هو الغرض في سوقه الحديث.
وقد تقدم للمؤلف تخريج هذا الحديث في كتاب الصلاة، باب إتمام الصلاة رقم (٢٧٤)، حديث رقم (١٠٣٧).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا، ومسلم في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب استفتاح الصلاة، وابن أبي شيبة في "مصنفه".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 10405
(١٤٦) - ٣٦٣٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَن عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: "إِنَّ جِبْرَائِيلَ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ"،
===
(١٤٦) - ٣٦٣٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقةٌ، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زكريا) بن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي أبي يحيى الكوفي، ثقةٌ وكان يدلس، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عامر بن شراحيل الحميري (الشعبي) ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني، ثقةٌ مكثر، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(أن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(حدثته) أي: حدثت أبا سلمة (أن رسول الله ﷺ قال لها: إن جبرائيل) الأمين ﵇ (يقرأ عليك السلام) أي: يسلم عليك، يقال: أقرأته السلام وهو يقرئك السلام، رباعيًّا بضم ياء المضارعة منه، فإذا قلت: يقرأ عليك السلام .. كان مفتوح عين مضارعه؛ لأنه ثلاثي، وقيل: هما لغتان. انتهى "سنوسي".
стр. 10406
قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ.
===
وهذه فضيلة عظيمة لعائشة غير أن ما ذكر من تسليم الله على خديجة أعظم؛ لأن ذاك سلام من الله، وهذا سلام من جبريل.
(قالت) عائشة: فقلت له: (وعليه) أي: على جبريل (السلام) من الله (ورحمة الله) فزادت: (ورحمة الله) في ردها على جبريل، وهذا حجة لمن اختار أن يكون رد السلام هكذا بالزيادة، وإليه ذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
والواو في قولها: (وعليه) عاطفة لسلام عائشة على سلام جبريل عليها، وزادت في ردها عليه الرحمة؛ لأن الزيادة في الرد مطلوبة؛ كما نص عليه القرآن الكريم، قولها: (وعليه السلام ورحمة الله) قال القاضي عياض: فيه أن سورة الرد هكذا، وهو اختيار ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ كما مرت الإشارة إليه آنفًا، فإن اقتصر على رد مثل ما قيل له .. فليقل: السلام عليه.
قال النووي: وفي الحديث استحباب بعث السلام، ويجب على الرسول تبليغه، وفيه بعث الأجنبي السلام إلى الأجنبية الصالحة إذا لَمْ يَخَفْ ترتُّبَ مفسدة، وإن الذي يبلغه السلامَ يرد عليه.
قال أصحابنا: وهذا الرد واجب على الفور، وكذا لو بلغه السلام في ورقة من غائب .. لزمه أن يرد السلام عليه باللفظ على الفور، وفيه أنه يستحب في الرد أن يقول: وعليك السلام، أو وعليكم السلام بالواو، فلو قال: عليكم السلام، أو عليكم .. أجزأ على الصحيح، وكان تاركًا للأفضل.
وقال بعض أصحابنا: لا يجزئه وسبقت مسائل في بابه مستوفاة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستئذان، باب إذا قال: فلان يقرئك السلام، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل
стр. 10407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عائشة، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في الرجل يقول: فلان يقرئك، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في تبليغ السلام، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب حب الرجل بعض نسائه أكثر من بعض.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10408
(٦٠) - (١٣٦٢) - بَابُ رَدِّ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ
(١٤٧) - ٣٦٤٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بشْرٍ، عَنْ سَعِيد، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .. فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ".
===
(٦٠) - (١٣٦٢) - (باب رد السلام على أهل الذِّمة)
(١٤٧) - ٣٦٤٠ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقةٌ حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقةٌ، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقةٌ ثبتٌ، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : إذا سَلَّم عليكم) أيها المسلمون (أحدٌ من أهل الكتاب) أي: من اليهود والنصارى الكائنين من أهل الذِّمة .. (فقولوا) في رد سلامهم: (وعليكم) ذاك الذي قلتم لنا بإثبات الواو العاطفة، أو قولوا: (عليكم) بحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، فأمر
стр. 10409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النبي ﷺ بأَنْ يَرُدَّ المسلمُ عليهم بقوله: (وعليكم) فقط، ولا يقول: (وعليكم السلام).
وقال بعض المالكية يقول في جوابهم: (السِّلامُ عليكم) - بكسر السين - وهو بمعنى الحِجَارة، وحكى ابن عبد البر عن ابن طاووس قال: يقول: (عَلَاكُم السَّلامُ) كما يرد على المسلم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ (١)، وحكاه الماوردي وجهًا عن بعض الشافعية، لكن لا يقول: (ورحمة الله).
وروي عن ابن عباس وعلقمة أنه يجوز عند الضرورة، وعن الأوزاعي قال: (إن سلمت .. فقد سلم الصالحون، وإن تركت .. فقد تركوا) وعن طائفة من العلماء: لا يرد عليهم أصلًا، وعن بعضهم: التفرقة بين أهل الذِّمة وأهل الحرب، والراجح من هذه الأقوال كلها ما دل عليه حديث الباب؛ وهو أن يكتفي بقوله: (وعليكم). انتهى " فتح الباري" (١١/ ٤٥).
قال الطيبي: والمختار: أن المبتدع لا يبدأ بالسلام عليه، ولو سلم على من لا يعرفه، فظهر ذميًّا أو مبتدعًا .. يقول: استرجعت سلامي؛ تحقيرًا له، كذا في "شرح المشارق" لابن الملك. انتهى من "العون".
وقد روي هذا الجواب هنا: (وعليكم) بإثبات الواو، أو: (عليكم) بدونها، ووقع في بعض الروايات: (عليك) وكلا الجوابين جائز، فأما بإثبات الواو .. فمعناه: أن السام؛ وهو الموت لا يختص بنا، بل هو وارد عليكم في أوانه؛ كما أنه وارد علينا في أواننا، وهو معنى صحيح، وقيل: إن الواو للاستئناف؛ والتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذم، وهذه
стр. 10410
(١٤٨) - ٣٦٤١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
===
المعاني ظاهرة في جواب من خاطب مسلمًا بقوله: (السام عليكم).
أما إذا خاطب الكافر مسلمًا بقوله: (السلام عليكم) .. فالظاهر من عموم لفظ الحديث أن جوابه: (وعليكم) فقط أيضًا؛ والمعنى حينئذ: وعليكم ما تستحقونه من الذم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستئذان، باب كيف الرد على أهل الذِّمة بالسلام، ومسلم في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الذِّمة بالسلام، وكيف يرد عليهم عن أنس بن مالك، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في السلام على أهل الذِّمة.
وفي "تحفة الأشراف" في هذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولعله سبق قلم.
قال السندي: قوله: (وعليكم) أي: لا تقولوا: وعليكم السلام؛ لأنهم كثيرًا ما يوهمون السلام، ويقولون: السام؛ وهو الموت، فقولوا: وعليكم ما قلتم لا علينا. انتهى.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٨) - ٣٦٤١ - (٢) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10411
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِم، فَقَالَ: "وَعَلَيْكُمْ".
===
(عن) سليمان (الأعمش) بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسلم) بن صبيح - بالتصغير - أبي الضحى الهمداني مولاهم، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقةٌ، مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن الشأن والحال (أتى) وجاء (النبي ﷺ ناس من اليهود) لَمْ أر من ذكر أسماءهم؛ أي: دخلوا عليه وهو في بيتي (فقالوا) له: (السام عليك يا أبا القاسم، فقال) النبي ﷺ في الرد عليهم: (وعليكم) ذاك الذي قلتم لي، وفي رواية المؤلف اختصار للحديث؛ لأنه يذكر من الحديث موضع الترجمة فقط، وهو عادته غالبًا، راجع "مسلمًا" إن أردت تمام الحديث.
قال السندي: قوله: (فقالوا: السام) هو الموت، وقيل: الموت العاجل، وجاءت الرواية في الجواب بالواو وحذفها، والحذف لرد قولهم عليهم؛ لأن مرادهم الدعاء على المؤمنين، فينبغي للمؤمنين رد ذلك الدعاء عليهم.
وأما الواو .. فإنما ذكرت تشبيهًا بالجواب؛ والمقصود: هو الرد، وإما
стр. 10412
(١٤٩) - ٣٦٤٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،
===
للعطف، والمراد: الإخبار بأن الموت مشترك بين الكل غير مخصوص بأحد، فهو رد عليهم بوجه آخر؛ وهو أنهم أرادوا بهذا الدعاء إلحاق ضرر مع أنهم مخطئون في هذا الاعتقاد؛ لعموم الموت للكل ولا ضرر بمثله، والله تعالى أعلم.
قال الخطابي: رواية سفيان بن عيينة بحذف الواو، قال: وهو الصواب، لكن قد عرفت توجيه الواو، فلا وجه لرده بعد ثبوتها من حيث الرواية. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستئذان، باب كيف يرد على أهل الذِّمة، ومسلم في كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في السلام على أهل الذِّمة، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في التسليم على أهل الذِّمة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث أبي عبد الرَّحمن الجهني رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٩) - ٣٦٤٢ - (٣) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا) عبد الله (ابن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، صدوق مدلس، هكذا قالوا، قال في "التهذيب": بل هو ثقةٌ إمام عارف
стр. 10413
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى الْيَهُودِ فَلَا تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلَامِ؛ فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ .. فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ".
===
بالحديث، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد الأزدي مولاهم أبي رجاء المصري، ثقةٌ فقيه، وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مَرْثَد بن عبد الله اليزني) - بفتح الياء والزاي بعدها نون - أبي الخير المصري، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة تسعين (٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي عبد الرَّحمن الجهني) الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، قيل: اسمه زيد، نزل مصر، روى عن النبي ﷺ في السلام على اليهودي، ويروي عنه: أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني، قال ابن سعد: أسلم وصحب النبي ﷺ ، وروى عنه حديثًا واحدًا وهو المذكور هنا، وليس لأبي عبد الرَّحمن الجهني عند ابن ماجة سوى هذا الحديث، وليس له رواية في شيء من الأصول الخمسة. يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، ولا تغتر بما قالوا في ابن إسحاق؛ لأنه غلط، راجع "التهذيب".
(قال) أبو عبد الرَّحمن: (قال رسول الله ﷺ : إني راكب غدًا إلى اليهود) للمناظرة، فإذا لقيتموهم .. (فلا تبدؤوهم بالسلام) لأن الابتداء بالسلام مكرمة وليسوا من أهل المكرمات (فإذا سلموا عليكم) أي: بدؤوكم بالسلام .. (فقولوا) في رد سلامهم: (وعليكم) ما قلتم لنا من السلام.
стр. 10414
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد من حديث أبي هريرة في "مسلم" وغيره، وحديث أنس وعائشة المذكورين في هذا الباب، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10415
(٦١) - (١٣٦٣) - بَابُ السَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ
(١٥٠) - ٣٦٤٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.
===
(٦١) - (١٣٦٣) - (باب السلام على الصبيان والنساء)
(١٥٠) - ٣٦٤٣ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان - بتحتانية - الأزدي الكوفي. يروي عنه: أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن نمير، و (ع)، وثقه ابن معين وابن المديني، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن حميد) بن أبي حميد الطويل البصري، ثقةٌ مدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (أتانا) أي: مر علينا (رسول الله ﷺ ونحن صبيان) غير بالغين (فسلم علينا) قال النووي: بكسر الصاد على المشهور، وبضمها، ففيه استحباب السلام على الصبيان المميزين، والندب إلى التواضع وبذل السلام للناس كلهم، وبيان تواضعه ﷺ وكمال شفقته على العالمين. انتهى.
وقال العيني: وسلامه ﷺ على الصبيان من خلقه العظيم، ودأبه الشريف.
стр. 10416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفيه تدريب لهم على تعليم السنن، ورياضة لهم على آداب الشريعة؛ ليبلغوا متأدبين بآدابها.
وقيل: لا يسلم على صبي وضيء إذا خشي من الافتتان من السلام عليه، ولو سلم الصبي على البالغ .. وجب عليه الرد على الصحيح. انتهى.
قال ابن بطال: في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة، وفيه طرح الأكابر رداء الكبر، وسلوك التواضع ولين الجانب.
قال أبو سعيد المتولي في "التتمة": من سلم على صبي .. لَمْ يجب عليه الرد؛ لأن الصبي ليس من أهل الفرض، وينبغي لوليه أن يأمره بالرد؛ ليتمرن على ذلك، ولو سلم على جمع فيهم صبي، فرد الصبي دونهم .. لَمْ يسقط عنهم الفرض، وكذا قاله شيخه القاضي حسين، ورده المستظهري.
وقال النووي: الأصح: لا يجزئ، ولو ابتدأ الصبي بالسلام .. وجب على البالغ الرد على الصحيح، حكاه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٣)، ثم قال: ويستثنى من السلام على الصبي ما لو كان وضيئًا، وخشي من السلام عليه الافتتان، فلا يشرع، ولا سيما إذا كان مراهقًا منفردًا. انتهى.
قال القرطبي: وكونه ﷺ يسلم على الصبيان إنما كان ليبين لهم مشروعية ذلك ويفشي السلام، ولينالوا بركة تسليمه ﷺ عليهم، وليعلمهم كيفية التسليم وسنته فيألفوه ويتمرنوا عليه. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستئذان، باب التسليم على الصبيان، ومسلم في كتاب السلام، باب السلام على الصبيان، وأبو داوود في كتاب الآداب، باب في السلام على الصبيان، والترمذي في كتاب
стр. 10417
(١٥١) - ٣٦٤٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ سَمِعَهُ مِنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ
===
الاستئذان، باب ما جاء في التسليم على الصبيان، قال أبو عيسى: هذا صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
* * *
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٥١) - ٣٦٤٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا سفيان بن عيينة، عن) عبد الله بن عبد الرَّحمن (بن أبي حسين) بن الحارث بن عامر بن نوفل المكي النوفلي، ثقةٌ عالم بالمناسك، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
روى عن: شهر بن حوشب، ويروي عنه: سفيان بن عيينة.
قال ابن أبي حسين: (سمعه) أي: سمع هذا الحديث (من شهر بن حوشب) الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم)، قال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقوى أمره، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقةٌ، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثَبْت، وقال العجلي: تابعي شامي ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: شهر وإن قال ابن عون ة تركوه .. فهو ثقةٌ، وقال ابن عمار: روى عنه الناس وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة، واتفق الجمهور على أنه ثقةٌ يحتج بحديثه. انتهى "تهذيب".
(يقول) شهر: (أخبرته) مولاته (أسماء بنت يزيد) بن السكن الأنصارية
стр. 10418
قَالَتْ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا.
===
الصحابية رضي الله تعالى عنها، تكنى أم سلمة لها أحاديث. يروي عنها: (عم)، ويقال لها: أم عامر.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن في سنده شهرًا، وهو مختلف فيه.
(قالت) أسماء بنت يزيد: (مر علينا رسول الله ﷺ ونحن (في نسوة) مجتمعات (فسلم علينا) رسول الله ﷺ ؛ أي: قرأ علينا السلام، ورددنا عليه سلامه، قال الحليمي: كان النبي ﷺ يسلم على النسوة؛ لكونه معصومًا من الشهوات البشرية، وكان مأمونًا من الفتنة بالنساء الأجانب، فمن وثق من فتنته بالسلام على النساء .. فَلْيُسلِّمْ عليهن، وإلا .. فالصمت أسلم. انتهى.
فالحاصل: أن سلام الرجل عليهن جائز في نفسه، بل مسنون، لكن بشرط السلامةِ بأن ظُنَّ واتُّهم بها، وإلا .. تعين الترك، والله أعلم. انتهى من "السندي".
قال العيني: وأما النساء الأجنبية .. فلا يسلم على غير العجوز التي لا تُشتهى منهن، وأما المحارم .. فيستحب عليهن، والله أعلم.
قال النووي: وقال الكوفيون: لا يسلم الرجال على النساء إذا لَمْ يكن فيهن محرم، وقال العيني: وهو ليس مذهب الحنفية. انتهى "الكوكب".
قوله: (مر علينا في نسوة) الجار والمجرور حال من المجرور في (علينا) تقديره: مر علينا حالة كوننا مع جماعة من النساء.
وقال الطيبي: هو متعلق بالجار والمجرور قبله وبيان له، وهو من باب قولك: في البيضة عشرون مثقالًا من حديد، وهي بنفسها هذا المقدار، لا أنَّها ظرف له.
قال ابن بطال: عن المهلب سلام الرجال على النساء، والنساء على الرجال
стр. 10419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جائز إذا أُمنت الفتنةُ، وفرق المالكية بين الشابة والعجوز؛ سدًّا للذريعة، ومنع منه ربيعة مطلقًا.
وقال الكوفيون: لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال؛ لأنهن مُنِعْنَ من الأذان والإقامة والجهر بالقراءة، قالوا: ويستثنى المحرم، فيجوز لها السلام على محرمها، كذا في "فتح الباري". انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب في السلام على النساء، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في التسليم على النساء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول: للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
والثاني: للاستدلال به على الجزء الثاني منها.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا المجلد:
من الأبواب: واحد وستون بابًا.
ومن الأحاديث: مئة وثلاثة وخمسون حديثًا، منها عشرة للاستئناس، وواحد وستون للاستدلال، واثنان للمتابعة، والباقي للاستشهاد.
واللهُ ولِيُّ التَّوفيق
стр. 10420
إلى هنا انتهى المجلد الحادي والعشرون من هذا السِّفر ذي الفنون ويليه المجلد الثاني والعشرون والحديث ذو شجون، وأوله: تتمة كتاب الأدب
قال مؤلفه أعطاه الله سؤله في الدارين: فرغت من تسطير هذا المجلد يوم السبت بتاريخ (٩) شعبان (١٤٣٥ هـ) وقت الغروب، الموافق و (٧) حزيران يونيو سنة (٢٠١٤ م).
وكنت قد رجعت إلى تأليف هذا الشرح المبارك يوم الأربعاء (١) رجب من سنة (١٤٣٥ هـ).
* * *
اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكم، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في مكنون الغيب عندك .. أن تجعل القرآن ربيع قلبي، وجلاء همي وغمي، يا ذا الجلال والإكرام.
* * *
стр. 10421
شرح سنن ابن ماجة
المسمى مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الأثيوبي الهرري الكري البويطي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها والمدرس في دار الحديث الخيرية
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
الأستاذ الدكتور هاشم محمد علي حسين مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي سابقا - مكة المكرمة
[المجلد الثاني والعشرون]
تتمة كتاب الأدب - كتاب الدعاء
стр. 10422
دَار طوق النجَاة
لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠
ص. ب: ٥٥٧٤/ ١٣/ بيروت
دَار الْمِنْهَاج
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة
هَاتِف: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وبأيِّ شكل من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بالاقتباس مِنْهُ أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا.
الرقم المعياري الدولي
٨ - ٢٠ - ٥٠٣ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
www.alminhaj.com
E- Mail: info@alminhaj.com
стр. 10423
شرح سنَن ابْن مَاجَه
[٢٢]
стр. 10424
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 10425
وما أحسن قولَ القائل:
إذا كان عونُ الله للعبدِ مُسعِفًا ... تهيَّأ له من غيرِ قصدٍ مرادُه
وإن لَمْ يكن عونٌ مِن الله للفتى ... فأوَّلُ ما يَجني عليه اجتهادُه
آخر:
ما نحنُ إلَّا عبيدُ الله ليسَ لنا ... شيءٌ من الأمر في التحقيقِ والنَّظرِ
إن الهمومَ مِن الأوهامِ منشؤُها ... ورؤيةُ الغَيْرِ ترمي العبدَ في الغِيَرِ
آخر:
دعِ المقاديرَ تجري في أَعِنَّتِها ... ولا تَبيتَنَّ إلَّا خاليَ البالِ
ما بينِ غمضةِ عينٍ وانتباهتِها ... يُغَيِّر اللهُ من حالٍ إِلى حالِ
آخر:
إن الأمور إذا ما اللهُ يسَّرَها ... أتتْكَ من حيثُ لا ترجو وتحتسبُ
وكلُّ ما لَمْ يقدِّرْهُ الإلهُ فما ... يفيدُ حرصُ الفتى فيه ولا النَّصَبُ
ثِقْ بالإله ولا تركنْ إلى أحدٍ ... فالله أكرمُ مَن يُرجى ويُرتَقَبُ
стр. 10426
تَتِمَّة كِتَابُ الأدب
стр. 10427
الخطبة
الحمد لله رب العالمين حمدًا أستوجب به المزيد، وأستجلب به رضا العزيز الحميد، وأستمنح النعم من المعطي المجيد، وأنفي به عني غوائل الشيطان المريد.
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، والمختار للمقام المحمود، يوم يقوم الشهود، وعلى آله وأصحابه أهل السخاء والجود، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلما أكرمني الله سبحانه بإنهاء المجلد الحادي والعشرين من هذا الكتاب المبارك الرصين .. يممتُ وجهي قِبَلَ المجلد الثاني والعشرين، وشرعت برقمه بمدد من المولى المعين، سائلًا له المدد لإتمامه ودوام إتقانه.
* * *
قال المؤلف أعطاه الله مراده، وأدخله الجَنَّة مع الزيادة؛ آمين:
стр. 10428
(١) - (١٣٦٤) - بَابُ الْمُصَافَحَةِ
(١) - ٣٦٤٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّدُوسِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيَنْحَنِي
===
(١) - (١٣٦٤) - (باب المصافحة)
(١) - ٣٦٤٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبي النضر البصري والد وهب، ثقةٌ، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة بعدما اختلط (١٧٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حنظلة بن عبد الرَّحمن السدوسي) أبي عبد الرحيم البصري. روى عن: أنس بن مالك، ويروي عنه: جرير بن حازم، وسعيد بن أبي عروبة، ضعيف، من الخامسة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الساجي: صدوق وضعفه غيرهما. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه حنظلة بن عبد الرَّحمن، وهو مختلف فيه.
(قال) أنس: (قلنا) معاشر الصحابة: (يا رسول الله؛ أينحني) ويخفض
стр. 10429
بَعْضُنَا لِبَعْضٍ؟ قَالَ: "لَا"، قُلْنَا: أَيُعَانِقُ بَعْضُنَا بَعْضًا؟ قَالَ: "لَا، وَلكِنْ تَصَافَحُوا".
===
(بعضنا) رأسه (لبعض) آخر؛ لتعظيمه عند اللقاء؛ كهيئة الراكع؛ كما تفعله نصارى الحبشة؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ : (لا) ينحني له رأسه وظهره، (قلنا: أيعانق بعضنا بعضًا؟ ) أي: هل يضم بعضنا عنقه إلى عنق الآخر عند اللقاء؛ كما يفعله بعض المسلمين في عصرنا هذا؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: (لا) يعانق بعضكم بعضًا؛ أي: على الدوام، وإلا .. فالمعانقة أحيانأ لإظهار المحبة جائزة، إلَّا إن كان أحدهما صبيًّا؛ كما يفعله النبي ﷺ مع الحسن والحسين.
(ولكن تصافحوا) فيما بينكم عند اللقاء؛ من المصافحة؛ وهو إفضاء وإلصاق صفحة كف أحدهما إلى كف الآخر؛ كهيئة المبايعة.
قوله: (باب المصافحة) قال في "تاج العروس شرح القاموس": يقال: تصافح الرجل بيده يد الرجل الآخر؛ إذا وضع صفح كلِّه في صفح كلِّه، وصفحا كفيهما: وجهاهما، ومنه حديث المصافحة عند اللقاء؛ وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه، كذا في "اللسان" و"الأساس" و"التهذيب"، فلا يلتفت إلى قول من زعم: أن المصافحة غير عربي. انتهى.
وقال الجزري: ومنه حديث المصافحة عند اللقاء؛ وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه، وقال الحافظ: هي مفاعلة من الصفحة؛ والمراد: الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد، وكذا قال القاري في "المرقاة" والطحاوي وغيرهما من علماء الحنفية. انتهى من "التحفة".
ومما يدلُّ على أن المصافحة بيد واحدة ما أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" بقوله: حدثنا عبد الوارث بن حبان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
стр. 10430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابن وضاح، حدثنا يعقوب بن كعب، حدثنا مبشر بن إسماعيل عن حسان بن نوح، عن عبيد الله بن بسر، قال: ترون يدي هذه، صافحت بها رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث، وإسناده صحيح، والله أعلم. انتهى من "العون".
قوله: (عن حنظلة بن عبد الرَّحمن) قال الذهبي في "الميزان" حنظلة السدوسي البصري، يقال فيه: ابن عبد الله، ويقال فيه: ابن عبيد الله، ويقال فيه: ابن عبد الرَّحمن، وقيل فيه: ابن أبي صفية، قال يحيى القطان: تركته عمدًا، كان قد اختلط، وضعفه أحمد، وقال: منكر الحديث يحدث بأعاجيب، وقال ابن معين: ليس بشيء تغير في آخره، وقال النسائي: ليس بقوي، وقال مرّة: ضعيف، قال: له في "الكتابين" يعني: الترمذي وابن ماجة حديث واحد؛ وهو قوله: (أينحني بعضنا لبعض؟ قال: لا) حسنه الترمذي. انتهى.
ولفظ الترمذي: (الرجل منا) أي: من المسلمين (يلقى أخاه) أي: في الدين (أو صديقه) أي: حبيبه، وهو أخص مما قبله (أينحني له) من الانحناء؛ وهو إمالة الرأس والظهر؟ (قال: لا) فإنه في معنى الركوع، وهو كالسجود من عبادة الله سبحانه (قال: أفيلتزمه) أي: يعتنقه ويضمه إلى نفسه (ويقبله) من التقبيل؟ (قال: لا) استدل بهذا الحديث من كره المعانقة والتقبيل، وسيأتي الكلام في هاتين المسألتين في الباب الذي يليه.
(قال: أفيأخذ بيده ويصافحه) عطف تفسير أو الثاني أخص وأتم، قاله القاري، قلت: بل الثاني هو المتعين؛ فإن بين الأخذِ باليد والمصافحةِ عمومًا وخصوصًا مطلقًا (قال: نعم. هذا حديث حسن)، وأخرجه ابن ماجة في الأدب، ومداره على حنظلة السدوسي، وقد عرفت حاله.
стр. 10431
(٢) - ٣٦٤٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في المصافحة، وقال: حديث حسن، ورواه أحمد في "المسند".
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن إن قلنا: سنده حسن؛ لما سبق آنفًا، أو صحيح بما بعده من حديث البراء إن قلنا: سنده ضعيف.
قلت: هذا الحديث ضعيفٌ سندُه، حسن لما مر آنفًا، أو صحيح المتن بما بعده وبما رواه الترمذي عن همام عن قتادة عن أنس بن مالك، قال: قلت لأنس بن مالك: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
ففيه مشروعية المصافحة، قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحسنها مالكٌ بعد كراهتِه، وقال النووي: المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، قال الحافظ: ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن. انتهي، انتهى من "التحفة".
فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث البراء رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢) - ٣٦٤٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
стр. 10432
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَجْلَح، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا".
===
(وعبد الله بن نمير) ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن الأجلح) بن عبد الله بن حُجية - مصغرًا - الكندي، اسمه يحيي، صدوق شيعي، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه الأجلح بن عبد الله، وهو مختلف فيه.
(قال) البراء: (قال رسول الله ﷺ : ما من مسلمَينِ) بصيغة التثنية، و (من) زائدة؛ لتأكيد الاستغراق المفهوم من الجملة المنفية، و (مسلمين) مبتدأ مرفوع بالألف المقدرة الممنوعة؛ لأجل الياء المجلوبة؛ لأجل من الزائدة؛ لأن (ما) النافية مهملة؛ لأجل (من) الزائدة، وجملة (يلتقبان) أي: يجتمعان في محل الرفع صفة المبتدأ، وجملة (فيتصافحان) بأيديهما في محل الرفع .. معطوفة على جملة يلتقيان، و (إلَّا) للاستثناء المفرغ لا عمل لها، وجملة .. (غفر لهما) خبر المبتدأ، والظرف في قوله: (قبل أن يتفرقا) متعلق بغفر؛ والتقدير: ليس مسلمان ملتقيان فمتصافحان إلَّا مغفورًا لهما قبل تفرقهما بأبدانهما. انتهى من الفهم السقيم.
стр. 10433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(يلتقيان) أي: يتلاقيان (فيتصافحان) زاد ابن السني: ويتكاشفان عن أحوالهما بود ونصيحة .. (إلَّا غفر لهما) بصيغة المبني للمجهول (قبل أن يتفرقا) بالأبدان أو بالفراغ عن المصافحة، وهو الأظهر في إرادة المبالغة.
وفي رواية لأبي داوود: (إذا التقى المسلمان فتصافحا، وحمدا الله واستغفراه .. إلَّا غفر لهما).
قوله: (واستغفراه) أي: طلبا المغفرة من مولاهما (إلَّا غفر لهما) بصيغة المجهول، وفيه سنية المصافحة عند الملتقى، وأنه يستحب عند المصافحة محمد الله تعالى والاستغفار؛ وهو قوله: (يغفر الله لنا ولكم).
وأخرج ابن السني عن أنس قال: ما أخذ رسول الله ﷺ بيد رجل ففارقه حتى قال: "اللهم؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
وفيه عن أنس عن النبي ﷺ قال: "ما من عبدين متحابين في الله يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه، ويصليان على النبي ﷺ .. إلَّا لَمْ يتفرقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وتأخر".
وفي "الترغيب" للمنذري: عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن إذا لقي المؤمن وسلم عليه، وأخذ بيده فصافحه .. تناثرت خطاياهما؛ كما يتناثر ورق الشجر" رواه الطبراني في "الأوسط"، ورواته لا أعلم أن فيهم مجروحًا.
وعن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "إن المسلم إذا لقي أخاه، فأخذ بيده .. تحاتت عنهما ذنوبهما؛ كما
стр. 10434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في ريح يوم عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر" رواه الطبراني بإسناد حسن. انتهى هذا آخر كلام المنذري في "الترغيب"، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وقال المنذري في حديث البراء: أخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء، وفي إسناده الأجلح، واسمه يحيى بن عبد الله أبو حجية الكندي، قال ابن معين: ثقةٌ، وقال مرّة: صالح، ومرة: ليس به بأس، وقال ابن عدي: يعد من شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق، وقال أبو زرعة الرازي: ليس بقوي، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، كان كثير الخطأ مضطرب الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، فثبت بما ذكرناه أن الأجلح مختلف فيه، فيرد السند من الصحة إلى الحسن.
فيكون هذا الحديث حسنًا بالنظر إلى سنده؛ كما قاله الترمذي، وصحيحًا بالنظر إلى شواهده التي لا تحصى التي منها ما بيناها آنفًا، فدرجة هذا الحديث: أنه حسن بسنده، صحيح بشواهده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
ومما يدلُّ على مشروعية المصافحة ما رواه حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: لما جاء أهل اليمن .. قال رسول الله ﷺ : "قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة"، رواه أبو داوود.
وقال المنذري: رجال إسناده اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثهم سوى حماد بن سلمة؛ فإن مسلمًا انفرد بالاحتجاج بحديثه، وقد أخرج البخاري في "الصحيح" عن قتادة؛ كما ذكرناه سابقًا، قال: قلت
стр. 10435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لأنس بن مالك: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم.
وقد أخرج البخاري ومسلم حديث كعب بن مالك أحد الثلاثة، وفيه: ودخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، وقال البخاري: وصافح حمادُ بن زيدٍ ابْنَ المبارك بيديه.
وقال غيره: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحسنها مالك بعد كراهته، وهي مما تثبت الود وتؤكد المحبة، واستشهد بموقع فعل طلحة عند كعب بن مالك وسروره بذلك، وقوله: (لا أنساها لطلحة)، وذكر ما رواه قتادة عن أنس: أن المصافحة كانت في أصحاب النبي ﷺ ، قال: وهم الحجة والقدوة الذين يلزم اتباعهم. انتهى كلام المنذري.
فائدة في بيان أن السنة في المصافحة أن تكون باليد الواحدة
اعلم: أن السنة أن تكون المصافحة باليد الواحدة؛ أعني: اليمنى من الجانبين سواءٌ كانَتْ عند اللقاءِ أو البيعة، وقد صرح به العلماء الحنفية والشافعية والحنبلية، قال الفقيه الشيخ محمد المعروف بابن عابدين رحمه الله تعالى في "رد المحتار على الدر المختار": قوله: (فإن لَمْ يقدر) أي: على تقبيل الحجر الأسود في الطواف إلَّا بالإيذاء، أو مطلقًا .. يضع يديه عليه، ثم يقبلهما، أو يضع أحدهما، والأولى أن تكون اليمنى؛ لأنَّها المستعملة فيما فيه شرف، ولِمَا نُقِلَ عن "البحر العميق": من أن الحجر يمين الله، يصافح بها عباده، والمصافحة باليمنى. انتهى.