(٢) - ٣٦٤٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في المصافحة، وقال: حديث حسن، ورواه أحمد في "المسند".
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن إن قلنا: سنده حسن؛ لما سبق آنفًا، أو صحيح بما بعده من حديث البراء إن قلنا: سنده ضعيف.
قلت: هذا الحديث ضعيفٌ سندُه، حسن لما مر آنفًا، أو صحيح المتن بما بعده وبما رواه الترمذي عن همام عن قتادة عن أنس بن مالك، قال: قلت لأنس بن مالك: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم.
ففيه مشروعية المصافحة، قال ابن بطال: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحسنها مالكٌ بعد كراهتِه، وقال النووي: المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي، قال الحافظ: ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن. انتهي، انتهى من "التحفة".
فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث البراء رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢) - ٣٦٤٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
стр. 10432
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَجْلَح، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا".
===
(وعبد الله بن نمير) ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن الأجلح) بن عبد الله بن حُجية - مصغرًا - الكندي، اسمه يحيي، صدوق شيعي، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه الأجلح بن عبد الله، وهو مختلف فيه.
(قال) البراء: (قال رسول الله ﷺ : ما من مسلمَينِ) بصيغة التثنية، و (من) زائدة؛ لتأكيد الاستغراق المفهوم من الجملة المنفية، و (مسلمين) مبتدأ مرفوع بالألف المقدرة الممنوعة؛ لأجل الياء المجلوبة؛ لأجل من الزائدة؛ لأن (ما) النافية مهملة؛ لأجل (من) الزائدة، وجملة (يلتقبان) أي: يجتمعان في محل الرفع صفة المبتدأ، وجملة (فيتصافحان) بأيديهما في محل الرفع .. معطوفة على جملة يلتقيان، و (إلَّا) للاستثناء المفرغ لا عمل لها، وجملة .. (غفر لهما) خبر المبتدأ، والظرف في قوله: (قبل أن يتفرقا) متعلق بغفر؛ والتقدير: ليس مسلمان ملتقيان فمتصافحان إلَّا مغفورًا لهما قبل تفرقهما بأبدانهما. انتهى من الفهم السقيم.
стр. 10433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(يلتقيان) أي: يتلاقيان (فيتصافحان) زاد ابن السني: ويتكاشفان عن أحوالهما بود ونصيحة .. (إلَّا غفر لهما) بصيغة المبني للمجهول (قبل أن يتفرقا) بالأبدان أو بالفراغ عن المصافحة، وهو الأظهر في إرادة المبالغة.
وفي رواية لأبي داوود: (إذا التقى المسلمان فتصافحا، وحمدا الله واستغفراه .. إلَّا غفر لهما).
قوله: (واستغفراه) أي: طلبا المغفرة من مولاهما (إلَّا غفر لهما) بصيغة المجهول، وفيه سنية المصافحة عند الملتقى، وأنه يستحب عند المصافحة محمد الله تعالى والاستغفار؛ وهو قوله: (يغفر الله لنا ولكم).
وأخرج ابن السني عن أنس قال: ما أخذ رسول الله ﷺ بيد رجل ففارقه حتى قال: "اللهم؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
وفيه عن أنس عن النبي ﷺ قال: "ما من عبدين متحابين في الله يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه، ويصليان على النبي ﷺ .. إلَّا لَمْ يتفرقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وتأخر".
وفي "الترغيب" للمنذري: عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: "إن المؤمن إذا لقي المؤمن وسلم عليه، وأخذ بيده فصافحه .. تناثرت خطاياهما؛ كما يتناثر ورق الشجر" رواه الطبراني في "الأوسط"، ورواته لا أعلم أن فيهم مجروحًا.
وعن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "إن المسلم إذا لقي أخاه، فأخذ بيده .. تحاتت عنهما ذنوبهما؛ كما
стр. 10434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في ريح يوم عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر" رواه الطبراني بإسناد حسن. انتهى هذا آخر كلام المنذري في "الترغيب"، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وقال المنذري في حديث البراء: أخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب من حديث أبي إسحاق عن البراء، وفي إسناده الأجلح، واسمه يحيى بن عبد الله أبو حجية الكندي، قال ابن معين: ثقةٌ، وقال مرّة: صالح، ومرة: ليس به بأس، وقال ابن عدي: يعد من شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث، صدوق، وقال أبو زرعة الرازي: ليس بقوي، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، كان كثير الخطأ مضطرب الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به، فثبت بما ذكرناه أن الأجلح مختلف فيه، فيرد السند من الصحة إلى الحسن.
فيكون هذا الحديث حسنًا بالنظر إلى سنده؛ كما قاله الترمذي، وصحيحًا بالنظر إلى شواهده التي لا تحصى التي منها ما بيناها آنفًا، فدرجة هذا الحديث: أنه حسن بسنده، صحيح بشواهده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
ومما يدلُّ على مشروعية المصافحة ما رواه حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: لما جاء أهل اليمن .. قال رسول الله ﷺ : "قد جاءكم أهل اليمن، وهم أول من جاء بالمصافحة"، رواه أبو داوود.
وقال المنذري: رجال إسناده اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثهم سوى حماد بن سلمة؛ فإن مسلمًا انفرد بالاحتجاج بحديثه، وقد أخرج البخاري في "الصحيح" عن قتادة؛ كما ذكرناه سابقًا، قال: قلت
стр. 10435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لأنس بن مالك: أكانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم.
وقد أخرج البخاري ومسلم حديث كعب بن مالك أحد الثلاثة، وفيه: ودخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، وقال البخاري: وصافح حمادُ بن زيدٍ ابْنَ المبارك بيديه.
وقال غيره: المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحسنها مالك بعد كراهته، وهي مما تثبت الود وتؤكد المحبة، واستشهد بموقع فعل طلحة عند كعب بن مالك وسروره بذلك، وقوله: (لا أنساها لطلحة)، وذكر ما رواه قتادة عن أنس: أن المصافحة كانت في أصحاب النبي ﷺ ، قال: وهم الحجة والقدوة الذين يلزم اتباعهم. انتهى كلام المنذري.
فائدة في بيان أن السنة في المصافحة أن تكون باليد الواحدة
اعلم: أن السنة أن تكون المصافحة باليد الواحدة؛ أعني: اليمنى من الجانبين سواءٌ كانَتْ عند اللقاءِ أو البيعة، وقد صرح به العلماء الحنفية والشافعية والحنبلية، قال الفقيه الشيخ محمد المعروف بابن عابدين رحمه الله تعالى في "رد المحتار على الدر المختار": قوله: (فإن لَمْ يقدر) أي: على تقبيل الحجر الأسود في الطواف إلَّا بالإيذاء، أو مطلقًا .. يضع يديه عليه، ثم يقبلهما، أو يضع أحدهما، والأولى أن تكون اليمنى؛ لأنَّها المستعملة فيما فيه شرف، ولِمَا نُقِلَ عن "البحر العميق": من أن الحجر يمين الله، يصافح بها عباده، والمصافحة باليمنى. انتهى.
стр. 10436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الشيخ ضياء الدين النقْشَبَنْدِي في كتابه "لوامع العقول شرح راموز الحديث" في شرح حديث: (إذا التقى المسلمان فتصافحا، فحمدا الله ... ) الحديث ما لفظه: والظاهر من آداب الشريعة تعين اليمنى من الجانبين؛ لحصول السنة كذلك، فلا تحصل باليسرى في اليسرى ولا في اليمنى. انتهى.
وقال الإمام النووي: يستحب أن تكون المصافحة باليمنى وهو أفضل. انتهي، ذكره الشيخ عبد الله بن سليمان اليمني الزبيدي في "رسالته في المصافحة".
وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي الشافعي في كتابه "العروض النضير شرح الجامع الصغير": ولا تحصل السنة إلَّا بوضع اليمنى في اليمنى حيث لا عذر. انتهى.
وقال الشيخ علي بن أحمد العزيزي في كتابه"السراج المنير شرح الجامع الصغير": إذا لقيت الحاج؛ أي: عند قدومه من حجه .. فسلم عليه وصافحه؛ أي: ضع يدك اليمنى في يده اليمنى. انتهى.
وقال الشيخ العلقمي رحمه الله تعالى في كتابه "الكوكب المنير شرح الجامع الصغير" في شرح حديث (إذا التقى المسلمان فتصافحا ... ) إلى آخره: قال ابن رسلان: ولا تحصل هذه السنة إلَّا بأن يقعَ بشَرَةُ أحدِ الكفين على الآخر. انتهى.
وقال الشيخ العالم الرباني السيد عبد القادر الجيلاني في كتابه "غنية الطالبين": فصل فيما يستحب فعله بيمينه وما يستحب فعله بشماله، يستحب له تناول الأشياء بيمينه والأكل والشرب والمصافحة والبداءة بها في الوضوء والانتعال ولبس الثياب ... إلى آخره.
والدليل على ما قلنا؛ من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى من
стр. 10437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الجانبين سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة .. ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا حسان بن نوح الحمصي، قال: رأيت عبد الله بن بسر ﵁ يقول: (ترون كفي هذه، فأشهد أني وضعتها على كف محمد ﷺ الحديث إسناده صحيح، ورواه الحافظ بن عبد البر في كتابه "التمهيد" قال: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يعقوب بن كعب، قال: حدثنا مبشر بن إسماعيل عن حسان بن نوح عن عبد الله بن بسر، قال: ترون يدي هذه، صافَحْتُ بها رسولَ الله ﷺ الحديث) رجاله كلهم ثقات، وإسناده متصل؛ كما بيَّنَ طبقاتِهم صاحبُ "التحفة" في شرحه على الترمذي، فراجعه.
ويؤيد حديث عبد الله بن بسر هذا حديث أبي أمامة: "تمام التحية الأخذ باليد والمصافحة باليمنى"، رواه الحاكم في "الكنى" كذا في "كَنْزِ العمال".
ويؤيده أيضًا حديث أنس بن مالك (صافحتُ بكفي هذه كفَّ رسول الله ﷺ ، فما مسست خزًا ولا حريرًا الين من كلِّه ﷺ ذكره الشيخ محمد عابد السندي في "حَصرِ الشارد"، والقاضي الشوكاني في "إتحاف الأكابر"، وهذان الحديثان إنما ذكرناهما للتأييد والاستشهاد؛ لأن في أسانيدهما ضعفًا وكلامًا.
والدليل الثاني على ما قلنا؛ من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى، سواء عند اللقاء أو عند البيعة .. ما رواه مسلم في "صحيحه" عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابْسُطْ يمينَك فلأُبايِعكَ، فبَسط يمينَه، فقبضتُ يدي، فقال: "ما لَكَ يا عمرو؟ "
стр. 10438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلتُ: أردت أن أَشْتَرِط، قال: "تشترط ماذا؟ " قلت: أن يغفر لي، قال: "أما علِمْتَ يا عمرو أن الإسلامَ يَهدِمُ ما كان قبله ... " الحديث.
قوله: "فلأبايعك" هذا التركيب الفاء فيه زائدة، واللام فيه لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وليمست اللام فيه لام الأمر؛ لأن العاقل لا يأمر نفسه، فكأنه قال: ابسط يمينك لأبايعك؛ أي: لكي أبايعك، والله أعلم.
ورواه أبو عوانة في "صحيحه" وفيه: فقلت: يا رسول الله؛ ابسط يدك لأبايعك، فبسط يمينه.
قال القاري في "المرقاة" في شرح هذا الحديث: ابسط يمينك؛ أي: افتحها ومُدَّها؛ لِأضَعَ يميني عليها؛ كما هو العادة في البيعةِ. انتهى.
وهذا الحديث نص صريح في أن السنة في المصافحة عند البيعة باليد اليمنى من الجانبين، وقد صحَّتْ في هذا أحاديث كثيرة، ذكرناها في رسالتنا المسماة بـ "المقالة الحسنى في سنية المصافحة باليد اليمنى" فمنها: ما رواه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح عن أبي غادية يقول: بايعت رسول الله ﷺ ، قال أبو سعيد: فقلت له: بيمينك؟ قال: "نعم" ... الحديث.
ومنها: ما رواه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح عن أنس بن مالك يقول: بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه - يعني: اليمنى - على السمع والطاعة فيما استطعتُ.
ومنها: ما رواه أحمد في "مسنده" بإسناد صحيح عن زياد بن علاقة قال: سمعت جريرًا يقول: حين مات المغيرة، وفيه: أما بعد: فإني أتيت رسول الله ﷺ أبايعه بيدي هذه على الإسلام، فاشترط علي النصح.
стр. 10439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قلت: أحاديث عمرو بن العاص وأبي غادية وأنس بن مالك وجرير رضي الله تعالى عنهم إنما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة لا عند اللقاء.
قلت: هذه الأحاديث؛ كما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة .. كذلك تدل على سنيتها باليد اليمنى عند اللقاء أيضًا؛ لأن المصافحة عند اللقاء والمصافحة عند البيعة متحدتان في الحقيقة، ولم يثبت تخالف حقيقتهما بدليل أصلًا.
والدليل الثالث: أن المصافحة هي إلصاق صفح الكف بصفح الكف، فالمصافحة المسنونة إما أن تكون باليد الواحدة من الجانبين، أو باليدين، وعلى كلا التقديرين المطلوب ثابت؛ أما على التقدير الأول .. فظاهر، وأما على التقدير الثاني .. فإن كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى، أو بإلصاق صفح كف اليسرى بصفح كف اليسرى على صورةِ المِقْراضِ .. فعلى هذا تكون مصافحتان، ونحن مأمورون بمصافحة واحدة لا بمصافحتين، كان كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى، وإلصاق صفح كف اليسرى بظهر كف اليمنى من الجانبين .. فالمصافحة هي إلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى، ولا عبرة لإلصاق صفح كف اليسرى بظهر كف اليمنى؛ لأنه خارج عن حقيقة المصافحة.
فإن قيل: عَرَّفَ المصافحةَ بعضُ أهلِ اللغة بأَخْذِ أيدٍ، قال في "القاموس": المصافحة: الأخذ باليد؛ كالتصافح. انتهى، والأخذ باليد عام شامل لأخذ اليد واليدين بإلصاق صفح الكف بصفح الكف أو بظهرها.
قلت: هذا تعريف بالأعم؛ لأنه يصدق على أخذ العضد وعلى أخذ المرفق
стр. 10440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعلى أخذ الساعد؛ لأن اليد في اللغة: الكف ومن أطراف الأصابع إلى الكتف، وهو ليس بمصافحة بالاتفاق.
والتعريف الصحيح الجامع المانع: هو ما فَسَّر به أكثرُ أهل اللغة، وعليه يدلُّ لفظ المصافحة والتصافح، فبين المصافحة والأخذ باليد عموم وخصوص مطلق.
وأما قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (علمني النبي ﷺ وكفي بين كفيه التشهد؛ كما يعلمني السورة من القرآن) أخرجه الشيخان .. فليس من المصافحة في شيء، بل هو من باب الأخذ باليد عند التعليم؛ لمزيد الاهتمام والاعتناء به.
وحاصله: أن ما روي في "صحيح البخاري" عن عبد الله بن مسعود: علمني رسول الله ﷺ وكفي بين كفيه ... إلى آخره، فالظاهر أنه لَمْ يكن من المصافحة المسنونة عند التلاقي، بل هو من باب الأخذ باليد عند الاهتمام بالتعليم؛ كما يصنعه الأكابر عند تعليم الأصاغر، فيأخذون باليد الواحدة أو باليدين يد الأصاغر، وقد صرح الفقهاء الحنفية أيضًا بأن كون كف ابن مسعود بين كفيه ﷺ كان لمزيد الاعتناء والاهتمام بتعليمه التشهد، وقد ثبتٌ عن رسول الله ﷺ الأخذ باليد عند التعليم بأحاديث كثيرة؛ منها: ما رواه أحمد في "مسنده" عن أبي قتادة وأبي الدهماء، قالا: كانا يكثران السفر نحو هذا البيت، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فجعل يعلمني مما علمه الله ﵎ ... الحديث.
ومنها: ما رواه الترمذي عن شَكَل - بفتحتين - ابن حميد العبسي الكوفي
стр. 10441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصحابي ﵁، له حديث رواه عنه (د ت س) قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت علمني يا رسول الله تعوذًا أتعوذ به، قال: فأخذ بكفي، وقال: "قل: اللهم؛ إني أعوذ بك من شر سمعي ... " الحديث.
ومنها: ما رواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من يَأْخُذْ عني هؤلاءِ الكلماتِ فيعملُ بهن أو يُعلِّم من يعمل بهن؟ " قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعَدَّ خمسًا، فقال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس ... " الحديث. انتهى من "تحفة الأحوذي".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10442
(٢) - (١٣٦٥) - بَابُ الرَّجُلِ يُقَبِّلُ يَدَ الرَّجُلِ
(٣) - ٣٦٤٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَبَّلْنَا يَدَ النَّبِيِّ ﷺ .
===
(٢) - (١٣٦٥) - (باب الرجل يقبل يد الرجل)
(٣) - ٣٦٤٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) - مصغرًا - ابن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرَّحمن الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن أبي زياد) الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف كَبِرَ فتغيَّر، وصار يتلقن، وكان شيعيًّا من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى) اسمه يسار الأنصاري الأوسي أبي عيسى الكوفي، ثقةٌ، من الثانية، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو متفق على ضعفه.
(قال) ابن عمر: (قبلنا يد النبي ﷺ من التقبيل؛ وذلك حين قَبِلَ رسول الله ﷺ عُذْرَهم.
قوله: (قبلنا) من التقبيل؛ وذلك حين قبل اعتذارهم من الحرب وكانوا قد
стр. 10443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فروا منها، وبالجملة: فتقبيل يد من يتبرك به لدينه أو صلاحه أو علمه .. جائز إذا لَمْ يؤد ذلك إلى خلل ونقص في الدين؛ كاعتقاد تأثيره بجلب نفع أو دفع ضر. انتهى "سندي"، وإلا .. فحرام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب في التولي يوم الزحف، وفي كتاب الأدب، باب في قبلة اليد.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن لا نعرفه إلَّا من حديث يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم فيه، وقد تقدم في كتاب الجهاد أتم من هذا، وقد روى عمرو بن مرّة الجملي عن عبد الله بن سلمة - بكسر اللام - وهو أبو العالية الكوفي عن صفوان بن عسال ﵁ أن يهوديًّا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نقبله، قال: فقبلا يده ورجله، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة مطولًا ومختصرً، وأخرجه الترمذي في موضعين من كتابه، وصححه في الموضعين، قال الترمذي: وفي الباب عن يزيد بن الأسود وابن عمر، وقال النسائي في حديث صفوان هذا: حديث منكر، ويشبه أن يكون إنكار النسائي له من جهة عبد الله بن سلمة؛ فإن فيه مقالًا، وقد صنف أبو بكر الأصبهاني المقرئ جزءًا في الرخصة في تقبيل اليد، ذكر فيه حديث ابن عمر هذا وابن عباس وجابر بن عبد الله وبريدة بن الحصيب وصفوان بن عسال وبريدة العبدي والزارع بن عامر العبدي، وذكر فيه آثارًا صحيحة عن الصحابة والتابعين ﵃، وذكر بعضهم أن مالكًا أنكره، وأنكر ما روى فيه، وأجازه آخرون.
وقال الأبهري: إنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظيم لمن فُعِل ذلك التقبيل به؛ لكونه من الأغنياء أو الأمراء أو من السلاطين، فأما إذا
стр. 10444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قبل إنسان يد إنسان أو وجهه أو شيئًا من بدنه، ما لَمْ يكن عورة على وجه القربة لدينه ولعلمه أو لصلاحه .. فإن ذلك جائز، وتقبيل يد النبي ﷺ يقرب إلى الله تعالى، وما كان من ذلك تعظيمًا لدنيا أو لسلطان أو لشبهه من وجوه التكبر .. فلا يجوز. انتهى كلام المنذري، انتهى من "العون" في كتاب الأدب في باب السيد.
قال ابن بطال: واختلفوا في تقبيل اليد: فأنكره مالك، وأنكر ما روي فيه، وأجازه آخرون، واحتجوا بما روي عن ابن عمر أنهم لما رجعوا من الغزو حيث فروا .. قالوا للنبي ﷺ : نحن الفرارون، فقال لهم النبي ﷺ : "بل أنتم الكرارون؛ فإنا نحن أهلَ المدينة فئةُ المسلمين يتَحيَّزُ إليهم مَنْ فرَّ من العدو"، وقال ابن عمر: فقبلنا يده ﷺ حين قبل عذرنا.
واحتجوا أيضًا بأنه قبل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد النبي ﷺ حين تاب الله عليهم، ذكره الأبهري، وقبل أبو عبيدة يد عمر حين قدم، وقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين أخذ ابن عباس بركابه.
قال ابن بطال: وذكر الترمذي من حديث صفوان بن عسال أن يهوديين أتيا النبي ﷺ ، فسألاه عن تسع آيات أوتيها موسى ﵇ ... الحديث، وفي آخره: فقبلا يده ورجله ﷺ ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قال الحافظ: حديث ابن عمر أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وأبو داوود، وحديث أبي لبابة أخرجه البيهقي في "الدلائل"، وابن المقرئ، وحديث كعب وصاحبيه أخرجه ابن المقرئ، وحديث أبي عبيدة أخرجه سفيان في "جامعه"،
стр. 10445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني وابن المقرئ، وحديث صفوان أخرجه أيضًا النسائي وابن ماجة، وصححه الحاكم.
وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقرئ جزءًا في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثارًا وفيرة؛ فمن جيدها حديث الزارع العبدي وكان في وفد عبد القيس قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ﷺ ورجله. أخرجه أبو داوود.
ومن حديث فريدة العصر مثله، ومن حديث أسامة بن شريك قال: قمنا إلى النبي ﷺ وقبلنا يده. وسنده قوي، ومن حديث جابر: أن عمر قام إلى النبي ﷺ فقبل يده.
ومن حديث بريدة في قصة الأعرابي والشجرة، فقال: يا رسول الله؛ ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك، فأذن له.
وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" من رواية عبد الرَّحمن بن رزين: أخرج لنا سلمة ابن الأكوع كفًا له ضخمة كأنها كف بعير، فقمنا إليها فقبلناها.
وعن ثابت أنه قبل يد أنس.
وأخرج أيضًا أن عليًّا قبل يد العباس ورجله، وأخرجه ابن المقرئ.
وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي قال: قلت لابن أبي أوفى: ناولني يدك التي بايعت بها يد رسول الله ﷺ ، فناولنيها، فقبلتها.
قال النووي: تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية .. لا يكره، بل يستحب، فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا .. فمكروه شديدُ الكراهة.
стр. 10446
(٤) - ٣٦٤٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَغُنْدَرٌ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ،
===
وقال أبو سعيد المتولي في "تتمته": لا يجوز، كذا في "فتح الباري". انتهى من "تحفة الأحوذي".
وحديث الباب - أعني: حديث ابن عمر - شارك المؤلف في روايته: أبو داوود في كتاب الجهاد، وفي كتاب الأدب؛ كما سبق.
ودرجته: أنه ضعيف السند؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو متفق على ضعفه، ومتنه صحيح؛ لأن له شواهد كلثيرة من الأحاديث الصحيحة والآثار المنقولة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث ابن عسال رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤) - ٣٦٤٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(وغندر) محمد بن جعفر الهذلي ربيبُ شعبة، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي القرشي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلهم (عن شعبة) بن الحجاج، ثقةٌ إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10447
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلِمَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْيَهُودِ قَبَّلُوا يَدَ النَّبِيِّ ﷺ وَرِجْلَيْهِ.
===
(عن عمرو بن مرّة) بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتح الجيم والميم - المرادي أبي عبد الله الكوفي الأعمي، ثقةٌ عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن سلمة) - بكسر اللام - المرادي الكوفي، صدوق تغير حفظه، من الثانية. يروي عنه: (عم)، وقال العجلي: تابعي كوفي ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ يُعَدُّ في الطبقة الأولى من فقهاء الكوفة بعد الصحابة، وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به.
(عن صفوان بن عسال) - بمهملتين - المرادي الصحابي المعروف رضي الله تعالى عنه، نزيل الكوفة. يروي عنه: (ت س ق)،
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن سلمة، وهو مختلف فيه.
(أن قومًا من اليهود قبلوا يد النبي ﷺ ورجليه) ﷺ ، قال السندي: قوله: (ورجليه) تقبيل الرجل هذه حالة خاصة برسول الله ﷺ ولا يقاس عليها غيرها، ولا يجوز تقبيل الرجل سواء كانت تلك الرِّجْلُ لِرَجُل صالح أو غير صالح؛ لما فيه من الإهانة، وإنما ترك النبي ﷺ اليهود تقبل رجلَيْه؛ إهانةً لهم ولعداوتهم له أشد العداوة، ولبغضهم له بغضًا أشد.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في قبلة اليد والرجل، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح،
стр. 10448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والنسائي في "الكبرى" في كتاب السير، باب في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ (١)، وفي "الصغرى" في كتاب المحاربة، باب السحر، وأخرجه الحاكم وصححه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا، للمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
فائدة
قال النووي في مقدمة" شرح مسلم": (سلمة) كله بفتح اللام إلَّا عمرو بن سلمة وعبد الله بن سلمة المذكور هنا، وهي قبيلة من الأنصار فبكسر اللام. انتهى.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10449
(٣) - (١٣٦٦) - بَابُ الاسْتِئْذَانِ
(٥) - ٣٦٤٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا دَاوُودُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَانْصَرَفَ،
===
(٣) - (١٣٦٦) - (باب الاستئذان)
(٥) - ٣٦٤٩ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذن السلمي الواسطي، ثقةٌ متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا داوود بن أبي هند) اسمه دينار بن عذافر القشيري مولاهم، أبو بكر البصري، ثقةٌ متقن كان يهم بأخرة، من الخامسة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة - بضم القاف وفتح المهملة - العبدي العوقي - بفتح المهملة والواو ثم قاف - البصري أبي نضرة - بنون ومعجمة ساكنة - مشهور بكنيته، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن أبا موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه (استأذن) أي: طلب الإذن في الدخول (على عمر) بن الخطاب في زمن خلافته (ثلاثًا) أي: طلب الإذن منه في الدخول عليه ثلاث مرات (فلم يؤذن له) أي: لأبي موسى في الدخول على عمر بعدما استأذن منه ثلاث مرات (فانصرف)
стр. 10450
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ: مَا رَدَّكَ؟ قَال: اسْتَأْذَنْتُ الاسْتِئْذَانَ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثًا؛ فَإِنْ أُذِنَ لَنَا .. دَخَلْنَا، وِإنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا .. رَجَعْنَا،
===
أبو موسى؛ أي: انطلق وذهب أبو موسى ورجع إلى بيته، ولم ينتظر أبو موسى الإذن له؛ كأن عمر شغل عن الإذن له بأمر مهم من أمور المسلمين، فاستأذن أبو موسى ثلاث مرات فلم يأذن له عمر، فرجع أبو موسى إلى بيته (فأرسل إليه) أي: إلى أبي موسى (عمر) مرّة ثانية فدعاه، فجاء إليه أبو موسى، فقال له عمر: (ما ردك؟ ) أي: أي سبب رجعك وردك إلى منزلك بعدما أتيت إلينا ولم تدخل علي؟ (قال) أبو موسى في جواب سؤال عمر: (استأذنت) أي: طلبت منك الإذن في الدخول عليك (الاستئذان الذي أمرنا به) أي: بذلك الاستئذان (رسول الله ﷺ ثلاثًا) منصوب على المفعولية المطلقة باستأذنت في الدخول عليك ثلاث استئذانات؛ الاستئذان الذي أمرنا به رسول الله ﷺ عند دخول بيت الغير، فالاستئذان منصوب على أنه مفعول به، وثلاثًا على المفعولية المطلقة (فإن أذِنَ لنا .. دخلنا، وإن لَمْ يُؤذن لنا .. رجعنا) إلى منزلنا؛ أي: استأذنت منك الاستئذان الذي أمرنا به رسول الله ﷺ بقوله: "إذا استأذن أحدكم في دخول بيت الغير فلم يؤذن له .. فليرجع" ظاهره أن صاحب المنزل إذا سمع الاستئذان ولم يأذن له .. فليرجع، والنظم القرآني يؤيده حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ (١)، وأما إذا لَمْ يسمع .. فالأَوْلَى تكرار الاستئذان حتى يسمع؛ كما قاله بعضهم.
فقوله: "فليرجع" أي: لأن عدم الإجابة من صاحب البيت ثلاث مرات
стр. 10451
قَالَ: فَقَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَأَفْعَلَنَّ، فَأَتَى مَجْلِسَ قَوْمِهِ فَنَاشَدَهُمْ فَشَهِدُوا لَهُ فَخَلَّى سَبِيلَهُ.
===
تصريح منه بعدم الإذن، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ (١)، وبه يظهر أن الرجل إذا لَمْ يأذن له صاحب البيت لشغل أو نحوه .. فليس للزائر أن يسخط على صاحب البيت ولا أن يضيق بذلك ذرعًا؛ لأنه يمكن أن يكون في حالة لا يتيسر له فيها الخروج، أو إكرام الزائر، وليس للإنسان أن يُكْرِهَ الآخرَ على لقائِه.
(قال) أبو موسى: (فقال) لي عمر: والله (لتأتيني على هذا) الاستئذان الذي أمر به رسول الله ﷺ (ببينة) أي: بشاهد يشهد لك على قول الرسول ذلك الاستئذان (أو لأفعلن) لك العقوبة والتعزير على كذبك على رسول الله ﷺ .
قال أبو سعيد الخدري: (فأتى) أبو موسى (مجلس قومه) أي: مجلس قوم أبي سعيد الخدري" وهم الأنصار ومتحدثهم (فناشدهم) أي: فناشد أبو موسى وسأل بالله قوم أبي سعيد - وهم الأنصار - أن يشهدوا له عند عمر بهذا الحديث على أنهم سمعوه من رسول الله ﷺ (فشهدوا) أي: شهد قوم أبي سعيد الخدري بهذا الحديث عند عمر (له) أي: لأبي موسى بأنهم سمعوه من رسول الله ﷺ (فخلى) عمر بن الخطاب (سبيله) أي: سبيل أبي موسى؛ أي: تركه ولم يتعرض له بالعقوبة على كذبه على رسول الله ﷺ ؛ لأنه تبين صدقه في ذلك الحديث، وقول ابن ماجة في روايته: (أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له) يناقض رواية مسلم: (أتيت بابه فسلمت عليه ثلاثًا).
стр. 10452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: ليس قوله: (فسلمت عليه) مناقضًا لقوله في الرواية الأخرى: (استأذن ثلاثًا) لأن أبا موسى رضي الله تعالى عنه كان قد جمع بين السلام والاستئذان ثلاثًا؛ كما جاء منصوصًا عليه في الرواية الثالثة من "مسلم". انتهى من "المفهم".
قال الأبي: الاستئذان مشروع، وصورته: أن يقول: السلام عليكم، وإن شاء .. زاد: هذا فلان، على ما سيأتي آنفًا. انتهى.
وقال الطيبي: وأجمعوا على أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة، والأفضل أن يجمع بين السلام والاستئذان، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام أو الاستئذان، والصحيح تقديم السلام؛ فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟
وعن الماوردي: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله .. قدم السلام، وإلا .. قدم الاستئذان.
قلت: وهو بظاهره يخالف ما سبق من حديث السلام قبل الكلام. انتهى.
قوله: (استأذن ثلاثًا على عمر فلم يؤذن له فانصرف) واختلفت الروايات في بيان سبب عدم الإذن له ثلاثًا: فأخرج البخاري في "صحيحه" في كتاب البيوع ما يدلُّ على أن عمر رضي الله تعالى عنه كان مشغولًا بأمر.
وأخرج أيضًا في "الأدب المفرد" أن عمر أراد تأديبه؛ لما بلغه أنه كان قد يحتبس على الناس حال إمرته بالكوفة، ولفظ البخاري في "الأدب المفرد": (يا عبد الله؛ اشتد عليك أن تحتبس على بابي؟ ! اعلم أن الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك) ولا منافاة بين الوجهين، فيمكن أن يكون عمر ﵁ أراد التأديب وكان مع ذلك في شغل. انتهى "تكملة".
واعلم: أن ما ذكر من الاستئذان بالكلام إذا كان صاحب البيت يسمع صوته،
стр. 10453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أما إذا علم أنه لا يسمع صوته في داخل البيت .. فيكتفي بالاستئذان بقرع الباب أو بضغط زر الجرس الموضوع في زماننا على أبواب أكثر البيوت، ولكن الأدب في قرع الباب أو دق الجرس أن يكون خفيفًا بحيث يسمع ولا يزعج في ذلك؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كانت أبواب النبي ﷺ تقرع بالأظافير. رواه الخطيب في "جامعه" كما في "تفسير القرطبي" (١٢/ ٢١٧).
قال القرطبي: وحاصل هذه الأحاديث: أن دخول منزل الغير ممنوع، كان ذلك الغير فيها أو لَمْ يكن، إلَّا بعد الإذن، وهذا هو الذي نص الله تعالى عليه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ (١)، وهذا لا بد منه؛ لأن دخول منزل الغير تصرف في ملكه، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأنه يطلع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحَاجيَّةِ.
ولما تقرر هذا شرعًا عند أبي موسى .. استأذن أبو موسى على عمر رضي الله تعالى عنهما، ولما كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده .. عمل على ما كان عنده من ذلك، فلما لَمْ يؤذن له .. رجع.
وأما عمر رضي الله تعالى عنه .. فكان عنده علم بالاستئذان، ولم يكن عنده علم من العدد، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبي ﷺ مع ملازمته النبي ﷺ حضرًا وسفرًا ملازمةً لَمْ تكن لأبي موسى ولا لغيره، وإنكار من يسد باب
стр. 10454
(٦) - ٣٦٥٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ السَّائِب، عَنْ أَبِي سَوْرَةَ،
===
الذريعة في التقول على رسول الله ﷺ ، ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: (أقم عليه البينة، وإلا .. أوجعتك، ولأجعلنك عظة) فلما أتاه بالبينة .. قال: إنما أحببت أن أتثبت فيه. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاسئتذان، باب التسليم والاستئذان، ومسلم في كتاب الآداب، باب الاستئذان، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب كم مرّة يسلم الرجل في الاستئذان، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في الاستئذان ثلاث مرات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٦) - ٣٦٥٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن واصل بن السائب) الرقاشي أبي يحيى البصري، ضعيف، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي سورة) - بفتح أوله وسكون الواو بعدها راء - الأنصاري ابن أخي أبي أيوب، ضعيف، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق). يروي عن: عمه أبي أيوب، ويروي عنه: واصل بن السائب، قال البخاري: منكر الحديث،
стр. 10455
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا السَّلَامُ فَمَا الاسْتِئْذَانُ؟ قَالَ: "يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ تَسْبِيحَةً وَتَكْبِيرَةً وَتَحْمِيدَةً وَيَتَنَحْنَحُ وَيُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ".
===
يروي عن أبي أيوب مناكير لا يتابع عليه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الساجي منكر الحديث، وبالجملة: فهو متفق على ضعفه إلَّا ما ذكره ابن حبان.
(عن أبي أيوب الأنصاري) خالد بن زيد بن كليب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، من كبار الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، ونزل النبي ﷺ حين قدم المدينة عليه، مات غازيًا بالروم سنة خمسين (٥٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه واصل بن السائب، وهو ضعيف، وفيه أيضًا أبو سورة، وهو ضعيف جدًّا.
(قال) أبو أيوب: (قلنا) معاشر الحاضرين عند رسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ هذا السلام) على المسلم الذي أمرتنا به قد عرفنا كيفيته وعدده وحكمه (فما) كيفية (الاستئذان) لمن أراد دخول بيت الغير؛ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالنا: الاستئذان: أن (يتكلم الرجل) الذي يريد دخول بيت الغير ويذكر (تسبيحةً) أي: مرّة من التسبيح؛ بأن يقول: سبحان الله، أ (و) يذكر (تكبيرةً) أي: مرّة من التكبير؛ بأن يقول: الله أكبر مسمعًا لأهل البيت، أ (و) يذكر (تحميدةً) أي: مرّة من الحمد؛ بأن يقول: الحمد لله (ويتنحنح) التنحنح معروف، والنحنحة مثله؛ وهو تردد الصوت في حلقه أو في جوفه - كما في "القاموس" - لإسماعه أهله.
(ويؤذن أهل البيت) من الإيذان بمعنى: الإعلام، أي: ويعلم أهل البيت ما أراده من دخول بيتهم؛ ليأذنوا له في الدخول.
стр. 10456
(٧) - ٣٦٥١ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الْحَارِث، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (١)(٣٧١)؛ لضعف سنده ولا شاهد له ولا متابع، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي سعيد الخدري بحديث علي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧) - ٣٦٥١ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو بكر بن عياش) - بتحتانية ومعجمة - أبو سالم الأسدي الكوفي المقريء الحناط - بمهملة ونون مشهور بكنيته - والأصح أن كنيته اسمه، وقيل: اسمه محمد أو عبد الله أو سالم، إلى غير ذلك، إلى عشرة أقوال، ثقةٌ عابد إلَّا أنه لما كبر .. ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن مغيرة) بن مقسم - بكسر الميم - الضبي مولاهم أبي هشام الكوفي الأعمي، ثقةٌ متقن إلَّا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم، من السادسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن الحارث) بن يزيد العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - الكوفي، ثقةٌ فقيه، من السادسة، إلَّا أنه قديم الموت. يروي عنه: (خ م س ق).
(عن عبد الله بن نُجَي) - بنون وجيم مصغرًا - ابن سلمة الحضرمي الكوفي أبو لقمان، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
стр. 10457
قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُدْخَلَانِ؛ مُدْخَلٌ بِاللَّيْلِ وَمُدْخَلٌ بِالنَّهَار، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي .. يَتَنَحْنَحُ لِي.
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) علي: (كان لي من رسول الله ﷺ مُدْخَلان) تثنية مدخل - بضم الميم وفتح الخاء المعجمة - اسم زمان من الدخول؛ أي: كان لي وقتان أدخل عليه فيهما (مدخل بالليل) أي: وقت أدخل عليه في الليل (ومدخل بالنهار) أي: وقت أدخل عليه في النهار (فكنت) أنا (إذا أتيته) في أحد المدخلين (وهو يصلي .. يتنحنح لي) أي: يردد لي صوته في الحلق؛ ليفهمني أنه في الصلاة.
وبهذا الحديث استدلت الحنابلة والحنفية على أن التنحنح لا يبطل الصلاة، بخلاف الشافعية والمالكية؛ فإنهم قالوا: يبطل الصلاة؛ لأنه يظهر منه حرفان فأكثر، وهذا الحديث حجة عليهم؛ لأنه صحيح مُحتجٌّ به؛ فلذلك قالوا: (مذهب الشافعي أحوط، ومذهب أحمد أفقه) ولذلك قالوا أيضًا: (اختلاف الأئمة رحمة للأمة) فلا ينبغي الاعتراض على مذهب أحدهم بمذهب آخر؛ لأن هذا شغل الفهم السقيم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب السهو، باب التنحنح في الصلاة، وأحمد في "مسنده".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 10458
(٨) - ٣٦٥٢ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ "، فَقُلْتُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَنَا أَنَا! ! ".
===
(٨) - ٣٦٥٢ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح.
(عن شعبة) بن الحجاج.
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقةٌ فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري الخزرجي المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (استأذنت) أي: طلبت الإذن لي في الدخول (على النبي ﷺ فقال) لي رسول الله ﷺ في جواب استئذاني: (من هذا) المستأذن في الدخول علي؟ قال جابر: (فقلت) له: (أنا) المستأذن في الدخول عليك يا رسول الله (فقال النبي ﷺ : أنا) مبتدأ (أنا) خبره؛ أي: لفظ (أنا) الذي قلته في جواب سؤالي لك هو يصدق على (أنا) فلا يحصل به بيان نفسك، أو كرره للتأكيد، ويكون مقولًا لقول محذوف.
وفي رواية مسلم: (فخرج) إِليَّ النبي ﷺ (وهو) أي: والحال أنه (يقول) بلسانه: تقول: (أنا أنا) مبهمًا نفسك.
стр. 10459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النووي: زاد في رواية: (كَرِهَها) أي: والحال أنه كره مقالتي له: (أنا) لعدم إفادتها تعيين المستأذن.
قال العلماء: إذا استأذن فقيل له: من أنت؟ أو من هذا؟ كره أن يقول: (أنا) لهذا الحديث، ولأنه لَمْ يحصل بقوله: (أنا) فائدة ولا زيادة تعيين، بل الإبهام باق على حاله، بل ينبغي أن يقول: فلان ذاكرًا باسمه، وإن قال: (أنا فلان) .. فلا بأس به؛ كما قالت أم هانئ حين استأذنت، فقال النبي ﷺ من هذه؟ فقالت: أنا أم هانئ، ولا بأس بقوله: (أنا أبو فلان ... ) إلى آخره. انتهى.
ولا أنا الشيخ فلان، أو أنا القارئ فلان، أو أنا القاضي فلان، أو أنا الأمير فلان مما يفيد تعظيم نفسه؛ لأن ذلك التعظيم لَمْ يقصد، بل المقصود تعيين نفسه، إذا لَمْ يحصل التمييز إلَّا بذلك؛ يعني: أن المقصود تعريف المستأذن نفسه وإزالة الإبهام عنها، فبأي شيء يحصل ذلك .. يلزم عليه أن يورده، والله أعلم.
وفي قوله ﷺ : "أنا أنا" بالتكرير توبيخ لجابر، لعدم إفادة قوله المقصود.
قال الأبي: وقيل: إنما كره ذلك؛ لأنه دَقَّ البابَ؛ كما جاء في غير "مسلم"، فأنكر عليه الاستئذان بالدق وبغير السلام. انتهى "دهني".
وقوله: (استأذنت على النبي ﷺ وزاد في البخاري: (في دَيْنٍ كان علَى أبي، فدققت الباب) وبه ظهر أنه المراد من قوله: (استأذنت) أي: استأذنت بدق الباب، فلذلك وبخه النبي ﷺ على قوله: (أنا أنا).
قوله: (فخرج وهو يقول: أنا أنا) هذا يحتمل وجهين؛ الأول: أنه كرر لفظ
стр. 10460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جابر؛ إنكارًا منه عليه، والثاني: أنه قال: إن لفظ (أنا) يستعمل لكل متكلم، فلا يحصل به التعريف.
وبالجملة: ففيه كراهة لمثل هذا الجواب؛ فإن المستأذِنَ عليه أن يُعرِّفَ نفسَه بوضوح، وإن هذا الجواب ليس فيه فائدة جديدة لمن لا يعرف الصوت وإن كان الآخر يعرف الصوت، فإن كلمة (أنا) مختصرة جدًّا لا تتضح بها مميزات الصوت، ثم إن في هذا القول إيهامًا بالكبر؛ حيث يزعم الإنسان أنه غني عن التعريف، وهذا وإن كان منتفيًا في حق جابر في ذلك المقام، ولكنه تعليم عام. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستئذان، باب إذا قال: من ذا؟ فقال: أنا، ومسلم في كتاب الآداب، باب قول المستأذن: (أنا) إذا قيل له: من هذا؟ وأبو داوود في كتاب الأدب، باب الرجل يستأذن بالدق، والترمذي في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10461
(٤) - (١٣٦٧) - بَابُ الرَّجُلِ يُقَالُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ ؟
(٩) - ٣٦٥٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ،
===
(٤) - (١٣٦٧) - (باب الرجل يقال له: كيف أصبحت؟ )
(٩) - ٣٦٥٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - أخو إسرائيل الكوفي، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ متقن حافظ، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسلم) بن هرمز المكي. روى عن: عبد الرَّحمن بن سابط، وسعيد بن المسيب، ويروي عنه: (ت ق)، وعيسى بن يونس، والثوري. قال ابن معين وأبو داوود والنسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه، وقال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه أحاديث الأَثْبات، وقال يعقوب بن سفيان: مكي ضعيف، فهو ضعيف اتفقوا على ضعفه.
(عن عبد الرَّحمن بن سابط) بن أبي حميضة - مصغرًا - ابن عمرو بن أهيب بن حذافة بن جمح الجمحي المكي، قال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين يقول: هو عبد الرَّحمن بن عبد الله بن سابط، ومن قال: عبد الرَّحمن بن سابط .. فقد أخطأ، وكذا ذكره البخاري وأبو حاتم وابن حبان في "الثقات" وغير واحد، كلهم قالوا: عبد الرَّحمن بن عبد الله، وقال: تابعي ثقةٌ كثير الإرسال، من الثالثة، وقال ابن سعد: أجمعوا على ذلك، وكان ثقةٌ كثير الحديث، له في "مسلم" حديث واحد في الفتن، وقال الواقدي وغير واحد: مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 10462
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "بِخَيْرٍ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُصْبِحْ صَائِمًا وَلَمْ يَعُدْ سَقِيمًا".
(١٠) - ٣٦٥٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو إِسحَاقَ الْهَرَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَاتِمٍ،
===
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، وهو متفق على ضعفه.
(قال) جابر: (قلت كيف أصبحت) أي: على أي حال دخلت في الصباح (يا رسول الله؟ قال) رسول الله في جواب سؤالي: أصبحت (بخير) أي: حالة كوني ملتبسًا بخير وعافية، وحالة كوني مقولًا فيَّ: أصبح (من رجل) أي: أصبح رجل (لم يصبح صائمًا، ولم يعد) من العيادة؛ أي: ولم يزر (سقيمًا) أي: مريضًا من مرضه.
قال السندي: قوله: "من رجل" (من) فيه زائدة في فاعل (أصبح) المقدر؛ كأنه قال: أصبحت وأنا رجل لَمْ يصبح صائمًا، ولم يعد مريضًا من مرضه؛ أي: وأنا رجل ما قَدَر على الصومِ ولا على عيادةِ المريض؛ والسقيمُ: هو المريضُ.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث: ضعيف السند والمتن (٢)(٣٧٢).
* * *
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث أبي أُسَيد الساعدي رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠) - ٣٦٥٤ - (٢) (حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد الله بن حاتم) نزيل بغداد، صدوق حافظ تكلم فيه بسبب القرآن، من العاشرة، مات
стр. 10463
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، حَدَّثَنِي جَدِّي أَبُو أُمِّي مَالِكُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ
===
سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني، مستور، من التاسعة. يروي عنه: (ق)، قال ابن معين حين سئل عنه: لا أعرفه، وقال أبو حاتم: شيخ يروي أحاديث مشتبهة، وقال ابن عدي: وهو مجهول، وذكره الأزدي في "الضعفاء" وقال: منكر الحديث، فهو متفق على ضعفه.
قال عبد الله بن عثمان: (حدثني جدي) يعني: جدًّا من جهة الأم، وعطف عليه بيانًا (أبو أمي مالك بن حمزة بن أبي أسيد) - بضم الهمزة - الأنصاري (الساعدي) المدني مقبول، من السادسة. يروي عنه: (د ق). روى عن: أبيه عن جده أن النبي ﷺ دعا للعباس وبنيه ... الحديث، ويروي عنه: ابن ابنته عبد الله بن عثمان بن إسحاق، قال البخاري لما ذكر حديثه: لا يتابع عليه، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: في التابعين، وزعم أنه روى عن جده أبي أسيد الساعدي.
(عن أبيه) حمزة بن أبي أسيد الساعدي الأنصاري أبي مالك المدني، صدوق، من الثالثة، مات في خلافة الوليد بن عبد الملك. يروي عنه: (خ د ق) واسم أبي أسيد: مالك بن ربيعة الأنصاري الساعدي. روى عن: أبيه أبي أسيد، ويروي عنه: ابناه مالك ويحيي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ويقال: إنه ولد في زمن النبي ﷺ .
روى أبوه (عن جده أبي أسيد) مالك بن ربيعة (الساعدي) المدني رضي الله
стр. 10464
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ"، قَالُوا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، قَالَ: "كَيْفَ أَصْبَحْتُمْ؟ "، قَالُوا: بِخَيْرٍ نَحْمَدُ اللهَ، فَكَيْفَ أَصْبَحْتَ بِأَبِينَا وَأُمِّنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أَصْبَحْتُ بِخَيْرٍ أَحْمَدُ اللهَ".
===
تعالى عنه، مات سنة ثلاثين، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن عثمان بن إسحاق، وهو مجهول متفق على ضعفه
(قال) أبو أسيد: (قال رسول الله ﷺ لـ) عمه (العباس بن عبد المطلب) رضي الله تعالى عنه (و) الحال أن رسول الله ﷺ قد (دخل عليهم) أي: على العباس وأهل بيته (فقال) رسول الله ﷺ لهم حين دخل عليهم: (السلام عليكم) يا أهل بيت العباس (قالوا) أي: قال أهل بيت العباس في رد سلامه ﷺ : (وعليك السلام ورحمة الله وبركاته) يا رسول الله، ثم (قال) لهم رسول الله ﷺ : (كيف أصبحتم؟ ) أي: على أي حالة دخلتم في الصباح يا أهل بيت العباس.
(قالوا) أي: قال أهل بيت العباس: دخلنا يا رسول الله في الصباح حالة كوننا ملتبسين (بـ) كلّ (خير) من الخيرات الحسية والمعنوية، فـ (نحمد الله) على تلك الخيرات (فكيف أصبحت؟ ) أي: فعلى أي حالة دخلت أنت في الصباح وأنت مفدي من كلّ مكروه (بأبينا وأمنا يا رسول الله؟ ) فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (أصبحت بخير) أي: دخلت في الصباح حالة كوني ملتبسًا (بـ) كلّ (خير) حسي ومعنوي، وعلى ذلك الخير (أحمد الله) وأشكره.
стр. 10465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن أخرجه الطبراني مطولًا، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، باب ما يقول إذا قيل له: كيف أصبحت؛ وأبو نعيم في "دلائل النبوة".
فدرجته: أنه ضعيف (٣)(٣٧٣)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة كسابقه.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
كلاهما ضعيف للاستئناس.
والله أعلم
стр. 10466
(٥) - (١٣٦٨) - بَابٌ: إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ .. فَأَكْرِمُوهُ
(١١) - ٣٦٥٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، أَنْبَأَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
(٥) - (١٣٦٨) - (باب: إذا أتاكم كريم قوم .. فأكرموه)
(١١) - ٣٦٥٥ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أنبأنا سعيد بن مسلمة) بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي نزيل الجزيرة، ضعيف، من الثامنة، مات بعد التسعين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
قال البخاري: منكر الحديث فيه نظر، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: أرجو أنه ممن لا يترك حديثه، وقال الدارقطني: ضعيف يعتبر به، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ.
قلت: وذكره في "الضعفاء"، فقال: فاحش الخطأ منكر الحديث جدًّا، وقال الساجي: صدوق منكر الحديث. انتهى "تهذيب".
(عن) محمد (بن عجلان) الضبي المدني، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 10467
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ .. فَأَكْرِمُوهُ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سعيد بن مسلمة، وهو ضعيف جدًّا.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : إذا أتاكم) أيها المسلمون وزاركم ووفد عليكم (كريم قوم) أي: رئيسهم المطاع وسيدهم .. (فأكرموه) أي: فأكرموا ذلك الشريف بأنواع الضيافة والجائزة؛ كمثل ما أكرمه أنا في حياتي؛ لأن في إكرامه وتعظيمه استئلافًا لهم إلى الإسلام، وجذبًا لقلوبهم إلى هذا الدين الإسلامي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه البيهقي في "الكبرى" من طريق محمد بن الصباح به سواء، وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله، رواه البيهقي في "سننه" عن الحاكم به، والمتن أورده ابن الجزري في "العلل المتناهية" من حديث أبي قتادة الأنصاري، ورواه أبو داوود في "المراسيل" من قول الشعبي.
وله شاهد أيضًا من حديث أبي هريرة رواه البزار في "مسنده"، والطبراني في "الأوسط"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الأدب عن جابر بن عبد الله، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا المساق، وسكت عنه الذهبي، والطبراني عن جابر بن عبد الله، وله شاهد في "دلائل النبوة"، والخطيب في "تاريخ بغداد"، وأبو نعيم في "الحلية" عن جرير بن عبد الله.
فدرجته: أنه صحيح بغيره وإن كان سنده ضعيفًا؛ لكثرة شواهده
стр. 10468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتوابعه، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 10469
(٦) - (١٣٦٩) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ
(١٢) - ٣٦٥٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ
===
(٦) - (١٣٦٩) - (باب تشميت العاطس)
قال في "النهاية": التشميت - بالشين المعجمة وبالسين المهملة - كلاهما بمعنًى واحد؛ وهو الدعاء بالخير والبركة، ولكن بالمعجمة؛ أي: بالشين أعلاهما وأبلغهما، يقال: شمت فلانًا وشمت عليه - بالتشديد فيهما - تشميتًا فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت؛ وهي القوائم؛ كأنه دعا للعاطس بالثبات على طاعة الله تعالى، وقيل: معناه: أبعدك الله عن الشماتة، وجنبك ما يشمت به عليك. انتهى.
* * *
(١٢) - ٣٦٥٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن إبراهيم العبسي الكوفي، ثقةٌ متقن، من العاشرة له تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زذان السلمي الواسطي، ثقةٌ متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سليمان) بن طرخان (التيمي) البصري، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (عطس رجلان) وفي حديث سهل بن سعد عن الطبراني
стр. 10470
عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا أَوْ سَمَّتَ وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ عَطَسىَ عِنْدَكَ رَجُلَانِ فَشَمَّتَّ أَحَدَهُمَا وَلَمْ تُشَمِّتِ الْآخَرَ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللهَ، وَإِنَّ هَذَا لَمْ يَحْمَدِ اللهَ".
===
أنهما عامر بن الطفيل وابن أخيه. انتهى من "التحفة" (عند النبي ﷺ ، فشمَّت) من التشميتِ (أحدهما) أي: دعا النبي ﷺ لذلك الأحد بالرحمة والبركة (أو) قال الراوي أو من دونه: (سمت) - بالسين المهملة - من التسميت؛ أي: دعوت لذلك الأحد بالرحمة والخير، فهما بالمعجمة وبالمهملة بمعنىً واحد؛ كما مر آنفأ؛ أي: قال له: يرحمك الله (ولم يشمت) النبي ﷺ العاطس (الآخر) أي: لَمْ يدع له بالرحمة، فسكَتَ حين عطَس الآخرُ (فقيل) له ﷺ ولم أر من عين اسم هذا القائل - أي: فقال واحد من الحاضرين للنبي ﷺ : (يا رسول الله؛ عطس عندك رجلان، فشمت أحدهما) أي: دعوت لأحدهما بالرحمة (ولم تشمت الآخر) أي: لَمْ تدع له؛ كما دعوت للأول، فما الفارق بين الرجلين حيث استحق الدعاء له ولم يستحق الآخر؟
(فقال) النبي صلى الله غليه وسلم في جواب سؤال السائل: (إن هذا) العاطس الذي دعوت له (حمد الله) تعالى وشكره على جميع أحواله وعوارضه، فاستحق الدعاء له بسبب حمده لربه (وإن هذا) الآخر الذي عطس أخيرًا (لَمْ يحمد الله) تعالى، فلم يستحق الدعاء له.
قال السيوطي في حاشية "أبي داوود": الذي لَمْ يحمد الله تعالى عند عطاسه هو عامر بن الطفيل، مات كافرًا، نسأل الله تعالى العفو والعافية من بلاء الدنيا والآخرة. انتهى من "السندي".
ثم قال النبي ﷺ بعد جوابه عن سؤال السائل له: إنما