(٤٩) - ٣٦٩٣ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ أَنَّ نِسْوَةً مِنْ أَهْلِ حِمْصَ اسْتَأْذَنَّ
===
(٤٩) - ٣٦٩٣ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة ثبت وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ) يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ) وقيل: مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي المليح) عامر بن أسامة بن عمير بن حُنيف بن نَاجيةَ (الهذلي) ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: ثمان ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع)
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، إلا أنه مرسل، والأصح أنه مرفوع؛ لأن أبا المليح أدرك عائشة وسمع منها.
(أن نسوة) - بكسر النون - اسم جمع للنساء، ولم أر من ذكر أسماءهن (من أهل حمص) - بكسر أوله وسكون ثانيه - اسم بلدة في الشام.
وفي رواية أبي داوود: (أن نسوة من أهل الشام) والمعنى واحد (استأذن)
стр. 10572
عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنَ اللَّوَاتِي يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَات، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا .. فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ".
===
- بتشديد النون بإدغام النون الأصلية في نون الإناث - أي: طلبن الإذن في الدخول (على عائشة) الصديقة زوج نبي الله ﷺ ، فأذنت عائشة لهن في الدخول عليها، فدخلن (فقالت) عائشة لهن: (لعلكن) أيتها النسوة (من) النساء (اللواتي يدخلن الحمامات) لغرض الاغتسال فيها، فدخولكن الحمامات حرام عليكن؛ لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما امرأة وضعت) أي: خلعت ونزعت (ثيابها) الساترة لها (في غير بيت زوجها) ولو في بيت أبيها أو أمها، قاله القاري.
(فقد هتكت) وخرقت وكشفت (ستر) وحجاب (ما بينها وبين الله) تعالى؛ أي: حجاب الحياء وجلباب الأدب الذي كان بينها وبين الله تعالى.
ومعنى الهتك: خرق الستر عما وراءه؛ لأنها مأمورة بالتستر والتحفظ من أن يراها أجنبي، حتى لا ينبغي لهن أن يكشفن عورتهن في الخلوة أيضًا إلا عند أزواجهن، فإذا كشفت أعضائها في الحمام من غير عذر وضرورة .. فقد هتكت الستر الذي أمره الله تعالى به.
قال الطيبي: وذلك لأن الله تعالى أنزل لباسًا؛ ليواري به سوءاتهن؛ وهو لباس التقوى، فإذا لم يتقين الله تعالى، وكشفن سوآتهن .. هتكن الستر بينهن وبين الله تعالى. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في أول كتاب الحمام، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام، وقال: حديث حسن، والحاكم في كتاب الأدب، قال الذهبي في "التلخيص": هو على شرط البخاري ومسلم.
стр. 10573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول والثاني للاستئناس، والثالث للاستدلال.
والله أعلم
стр. 10574
(٢٥) - (١٣٨٨) - بَابُ الاطِّلَاءِ بِالنُّورَةِ
(٥٠) - ٣٦٩٤ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الرُّمَّانِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،
===
(٢٥) - (١٣٨٨) - (باب الاطلاء بالنورة)
(٥٠) - ٣٦٩٤ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله) بن عبيد البصري أبو سعيد مولى بني هاشم نزيل مكة، لقبه جردقة - بفتح الجيم والدال بينهما راء ساكنة ثم قاف - صدوق ربما أخطأ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ).
يروي عنه: (خ س ق). روى عن حماد بن سلمة، ويروي عنه: علي بن محمد الطنافسي.
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة عابد، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هاشم الرماني) - بضم الراء وتشديد الميم - الواسطي، اسمه يحيى بن دينار، ثقة، من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئة (١٢٢ هـ)، وقيل: سنة خمس وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن حبيب بن أبي ثابت) قيس، وقيل: هند بن دينار الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة فقيه فاضل وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه (ع).
стр. 10575
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اطَّلَى .. بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنُّورَة، وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ.
===
(عن أم سلمة) زوج النبي ﷺ ﵂.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف وإن كان رجاله ثقات؛ لانقطاعه؛ لأن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من أم سلمة، قاله أبو زرعة.
(أن النبي ﷺ كان إذا اطلى) أصله: اصطلى؛ من باب افتعل الخماسي، قلبت تاء الافتعال صادًا، ثم أدغمت الصاد في الطاء؛ لكونهما من حروف الإطباق، فصارا اطلى؛ أي: إذا أراد اطلاء ولطخ جسده بالنورة؛ لغرض إزالة شعر جسده وجعله صافيًا، أو أراد ادهان جسده بنحو زيت لإزالة يبوسته .. (بدأ) ذلك الاطلاء والادهان (بعورته) أي: بسوءته من الدبر والقبل؛ والمراد بالعورة هنا: العانة؛ كمَا سَيُصرِّح بها في الروايةِ الآتية؛ والمراد باطلائها: إزالتها بالنورة؛ والعانة: الشعر النابت حول الفرج، والنورة معروفة؛ وهي الحجر المحروق؛ للبناء بها.
(فطلاها) أي: طلى العورة والسوءة (بالنورة) بنفسه وبيده (و) طلى وادهن (سائر جسده) أي: باقي جسده الشريف؛ كالظهر والبطن واليدين والرجلين بتلك النورة وذلك الزيت (أهله) أي: زوجته أيًّا كانت؛ والمراد بعورته: ما لا يظهر غالبًا، وسائر جسده: ما يظهر غالبًا؛ أي: لطخ وادهن باطن جسده بيده، وأمر أهله بلطخ ظاهر جسده.
والمعنى: طلى عورته وباطن جسده بيده، وطلى سائرَ جسده وظاهره أهلُه؛ أي: أمرهم بلطخ النورة والزيت على ظاهر جسده، والله أعلم.
قوله: (كان إذا اطلى) - بتشديد الطاء - من باب افتعل، ثلاثيه طلى يطلي؛ من باب رمى يرمي، يقال: طليته بنورة أو غيرها؛ إذا لطخته بها، واطليت؛ إذا
стр. 10576
(٥١) - ٣٦٩٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاء، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،
===
فعلته بنفسك (وسائر جسده) بالنصب معطوف على ضمير طلاها.
و(أهله) بالرفع فاعل (طلاها) أي: طلى عورته وباطن جسده بنفسه، وطلى سائر جسده أهله وزوجته، فهو من عطف أحد معمولي عامل واحد على المعمول الآخر. انتهى "سندي" بزيادة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده بالانقطاع، فهذا الحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٠)(٣٨٠)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث آخر لأم سلمة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٥١) - ٣٦٩٥ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثني إسحاق بن منصور) السلولي - بفتح المهملة وضم اللام الأولى - نسبة إلى بني سلول مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق تكلم فيه؛ للتشيع، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن كامل) بن العلاء التميمي (أبي العلاء) الكوفي، صدوق يخطئ، من السابعة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن حبيب بن أبي ثابت) قيس الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة. يروي عنه. (ع).
стр. 10577
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَى وَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ.
===
(عن أم سلمة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لانقطاعه وإن كان رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ اطلى) ولطخ عانته بالنورة بيده الشريفة (وولي) أي: تولى إزالة (عانته) وحلقها (بيده) الشريفة؛ لأنها العورة الكبرى، وهذه الرواية كالتفسير للرواية السابقة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه أيضًا، وهو ضعيف متنًا وسندًا أيضًا (١١)(٣٨١)؛ لضعف سنده بالانقطاع، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
كلاهما للاستئناس.
والله أعلم
стр. 10578
(٢٦) - (١٣٨٩) - بَابُ الْقَصَصِ
(٥٢) - ٣٦٩٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْهِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،
===
(٢٦) - (١٣٨٩) - (باب القَصَصِ)
(٥٢) - ٣٦٩٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق خطيب قارئ، من كبار العاشرة. يروي عنه: (خ عم)، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ).
(حدثنا الهقل) بكسر أوله وسكون ثانيه ثم لام (ابن زياد) السكسكي - بمهملتين مفتوحتين بينها كاف ساكنة - نزيل بيروت، قيل: هقل لقبه، واسمه محمد أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أبو عمرو الدمشقي، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عامر الأسلمي) أبي عامر المدني، ضعيف متروك متفق على ضعفه، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، أو إحدى وخمسين. يروي عنه: (ق).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة مختلف في سماعه عن أبيه عن جده، وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .. فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد ابن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة .. فهو ثقة، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، وإنما سمع
стр. 10579
عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَوْ مُرَاءٍ".
===
أحاديث يسيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده فروى عنها، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، من كبار الصحابة وسابقيهم ومكثريهم، مات ليالي الحرة على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف متروك متفق على ضعفه.
(أن رسول الله ﷺ قال: لا يقص على الناس) القصَصَ ولا يخبرها لهم؛ وهي الأخبار الشرعية أو السياسية، ويستعمل في الوعظ، قيل: هذا في الخطبة والخطبة من وظيفة الإمام، فإن شاء .. خطب بنفسه، وإن شاء .. نصب نائبًا يخطب بدلًا عنه، وأما من ليس بإمام ولا نائب عنه إذا تصدر للخطبة .. فهو ممن نصب نفسه في هذا المحل رياءً، وقيل: بل القَصاص والوَعاظ لا ينبغي لهما الوعظ إلا بأمر الإمام، وإلا .. لدخلا في المرائي؛ وذلك لأن الإمام أدرى بمصالح الخلق، ولا ينصب إلا من يكون أكثر نفعًا، بخلاف من نصب نفسه، قد يكون ضرره أكثر من نفعه؛ فقد يفعل ذلك رياءً.
والمعنى: لا يخبر ولا يعلن الأمور التي هي من مصالح الرعية؛ شرعية كانت أو سياسية (إلا أمير) يلي أمور الرعية بالبيعة له، (أو) نائب (مأمور) بالإعلان من جهة الأمير والوالي (أو مراء) يرائي نفسه للناس بقصصه وإعلانه الأمور من
стр. 10580
(٥٣) - ٣٦٩٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ يَكُنِ الْقَصَصُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا زَمَنِ عُمَرَ.
===
غير استحقاق الإعلان بولاية أو نيابة، فهو لا يقبل إعلانه ولا قصصه؛ لما في ذلك من الافتيات على الإمام، بل يعزر بحسب ما يراه الإمام.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١٢)(٣٨٢)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٣) - ٣٦٩٧ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن (العمري) المدني، ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه العمري، وهو متفق على ضعفه.
(قال) ابن عمر: (لم يكن القصص) والإخبار (في زمن رسول الله ﷺ ولا زمن أبي بكر ولا زمن عمر).
стр. 10581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١٣)(٣٨٣)؛ لضعف سنده لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
كلاهما ضعيفان؛ لضعف سنديهما، ذكرهما للاستئناس.
والله أعلم
стр. 10582
(٢٧) - (١٣٩٠) - بَابُ الشِّعْرِ
(٥٤) - ٣٦٩٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَك، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِث، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ،
===
(٢٧) - (١٣٩٠) - (باب الشعر)
(٥٤) - ٣٦٩٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن المبارك) المروزي الحنظلي مولاهم، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يونس) بن يزيد الأيلي الأموي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح، وقيل: سنة ستين. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني إمام الأئمة متقن حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث) بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، (راهب قريش) ثقة فقيه عابد، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أمية أبي عبد الملك الأموي
стр. 10583
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً".
===
المدني، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس وستين في رمضان (٦٥ هـ)، من الثانية. يروي عنه: (خ عم).
(عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، ولد في عهد النبي ﷺ ، ومات أبوه في ذلك الزمان، فعد لذلك في الصحابة، وقال العجلي: من كبار التابعين. يروي عنه: (خ د ق).
(عن أبي بن كعب) بن قيس بن عبيد - مصغرًا - ابن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري أبي المنذر سيد القراء، من فضلاء الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، اختلف في سنة موته اختلافًا كثيرًا: قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من ثمانياته، وهو من نوازل أسانيد ابن ماجه، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات، ومن لطائفه: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وصحابي عن صحابي.
(أن رسول الله ﷺ قال: "إن من الشعر لحكمة") أي: ما فيه حق وحكمة أو قولًا صادقًا مطابقًا للحق، وقيل: أصل الحكمة: المنع؛ فالمعنى حينئذٍ: إن من الشعر كلامًا نافعًا يمنع من السفه والجهل؛ وهو ما نظمه الشعراء من المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس. انتهى من "العون".
قال السندي: (إن من الشعر لحكمة): (من) تبعيضية؛ يُريدُ: أن الشعر لا دخل له في الحسن والقبح، ولا يعتبر به حال المعاني في الحسن والقبح؛ والمدار إنما هو على المعاني، لا على كون الكلام نثرًا أو نظمًا؛ فإنهما كيفيتان
стр. 10584
(٥٥) - ٣٦٩٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنِ سِمَاكٍ،
===
لأداء المعنى وطريقان إليه، ولكن المعنى إن كان حسنًا وحكمة .. فذلك الشعر حكمة، وإذا كان قبيحًا .. فذلك كذلك؛ أي: قبيح، وإنما يذم الشعر شرعًا؛ بناء على أنه غالبًا يكون مدحًا لمن لا يستحقه، أو ذمًا لمن لا يليق بالذم، ولذلك لما قال تعالى في الشعراء: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ (١)، استثنى من ذلك بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... ﴾ الآية (٢).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي بن كعب بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٥) - ٣٦٩٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة، (عن زائدة) بن قدامة الثقفي أبي الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن سماك) - بكسر أوله وتخفيف الميم - ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري أبي المغيرة الكوفي، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصةً
стр. 10585
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا".
===
مضطربةٌ، وقد تغير بأخرة، فكان يلقن، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله الهاشمي مولاهم المكي، ثقة عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ كان يقول: "إن من الشعر حكمًا") - بكسر الحاء المهملة وفتح الكاف - جمع حكمة؛ نظيرُ قِرَبٍ وقِرْبةٍ.
وفي رواية أبي داوود: (حُكْمًا) - بضم فسكون - أي: حكمةً؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (١)؛ أي: الحكمةَ، كذا قال القاري.
وقال العزيزي في "السراج المنير على الجامع الصغير" في شرح هذا الحديث: (حكما) - بكسر ففتح - جمع حكمة؛ أي: حكمةً وكلامًا نافعًا في المواعظ وذم الدنيا والتحذير من غرورها ونحو ذلك. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء إن من الشعر حكمةً، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وابن حبان وأحمد والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبخاري في "الأدب المفرد".
стр. 10586
(٥٦) - ٣٧٠٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي بن كعب.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي بن كعب بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٦) - ٣٧٠٠ - (٣) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي - بجيمين مفتوحتين بينهما راء ساكنة ثم راء خفيفة - أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن عمير) - مصغرًا - ابن سويد اللخمي الفرسي حليف بني عَدِيٍّ الكوفي، ثقة فصيح عالم تغير حفظه، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: أصدق كلمة) أي: أوفقها بالصدق والحق؛ وأراد بالكلمة هنا: معناها اللغوي؛ وهو اللفظ المفيد، سواء كان مفردًا
стр. 10587
قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ ... ........................
===
أو مركبًا كلمة أو كلمات؛ أي: أصدق لفظ (قالها الشاعر) من شعراء العرب (كلمة لبيد) بن ربيعة؛ أي: قوله؛ حيث قال:
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ... وكل نعيم لا محالة زائل
أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم: كلُّ شيء من المعبودات؛ حيوانًا كان أو جمادًا، حيًّا كان أو ميتًا .. باطلٌ غير صحيح عبادته ما عدا الله، وخالفه؛ لأنه هو المستحق للعبادة بذاته من كل مخلوقاته، وكل نعيم من نعم الدنيا؛ حسيًا كان أو معنويًا، ظاهريًا كان أو باطنيًا، كسبيًا أو موهبيًا .. زائلٌ فانٍ منعدمٌ لا محالة ولا ريب ولا شك في زوالها؛ كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ (١)، والمراد بالكلمة: القطعة من الكلام؛ أي: أبلغ كلام تكلم العرب به شعرًا كلام لبيد بن ربيعة؛ حيث قال هذا البيت من الطويل.
قال العيني: ولبيد هذا؛ هو لبيد بن ربيعة بن مالك العامري أبو عقيل الكوفي، عاش مئة وأربعًا وخمسين سنة (١٥٤) مات في خلافة عثمان رضي لله تعالى عنهما. انتهى.
وكان من شعراء الجاهلية وفرسانهم، أدرك الإسلام، وقدم على رسول الله ﷺ في وفد بني كلاب، فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم، ثم قدم لبيد الكوفة، فأقام بها إلى زمن معاوية حتى توفي به بها، وقد عمر مئة وعشرين سنة، وقيل: مئة وثلاثين سنة، وقيل: مئة وأربعين، منها تسعون سنة
стр. 10588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في الجاهلية، وباقيتها في الإسلام، وهو القائل هذا البيت:
ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد
ولقد كتب عمر ﵁ إلى عامله في الكوفة: سل لبيدًا والأغلب العجلي؛ ما أحدثا من الشعر في الإسلام، فسأله العامل، فقال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران، فزاد عمر في عطائه، ويقال: إنه ما قال في الإسلام إلا بيتًا واحدًا، فقيل هو قوله:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى كساني من الإسلام سربالا
وقيل: هو قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وكان عطاؤه ألفين، فزاد فيه عمر رضي الله تعالى عنه حتى صار ألفين وخمس مئة، فلما كان في زمن معاوية .. قال له معاوية: هذان الفودان لك أولًا، فما بال العلاوة تأخذه؟ يعني: بالفودين: الألفين، وبالعلاوة: الخمس مئة، وأراد معاوية أن يحطه إياها، فقال لبيد: أموت الآن فتبقى لك العلاوة والفودان، فَرَقَّ له معاوية وترك عطاءه على حاله بلا نقص، فمات بعد ذلك بيسير، وكان لبيد من أسخياء الناس، وكان أبوه ربيعة كذلك، حتى كان يقال لأبيه: ربيعُ المُقْتِرِينَ، وكان لبيد قد حلف ألا تهب الصبا إلا أطعم الناس، وفيه قال الوليد بن عقبة:
أَرَى الجزَّارَ يَشْحَذُ شَفْرَتَيْهِ ... إِذا هَبَّتْ رياحُ أَبي عقيلِ
أَشَمُّ الأَنفِ أَصْيدُ عَامِريٌّ ... طويلُ الباعِ كالسَّيْفِ الصَّقِيلِ
قاله الحافظ في "الإصابة" (٣/ ٣٠٧) وابن قتيبة في الشعر والشعراء.
وقوله: (ألا كل شيء ... ) إلى آخره، هو مبتدأ مضاف إلى النكرة مفيد
стр. 10589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
للاستغراق، وخبره: (باطل) ومعناه: أي: فان مضمحل، ولذا قال ﷺ في حقه: (أصدق كلمة) لموافقة المصراع لأصدق الكلام؛ وهو قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (١).
وقوله: (ما خلا الله) بنصب الجلالة بـ (خلا) والمعنى: كل شيء خلا الله وخلا صفاته تعالى فان، إلا ما شاء الله تعالى، أو المعنى: كل شيء سوى الله تعالى جائز عليه الفناء لذاته. انتهى "قسطلاني".
والمراد: أن الله تعالى هو المستقل بالوجود، وليس في الكون ما يستقل بوجوده إلا الله ﵎؛ فإنه لا يحتاج إلى خالق موجد، بخلاف جميع الأشياء؛ فإنها تحتاج إلى مكون وموجد لها، وهذا طرف من قصيدته المشهورة، وفيها:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
إذا المرء أسرى لَيْلَةً ظنَّ أنه ... قضى عملًا والمرء ما عاش عامل
حبائلُه مَبْثُوثَةٌ بِسَبِيلهِ ... ويَفْنَى إذا ما أَخْطَأَتْه الحبائلُ
وكلُّ ابنِ أنثى لو تطاول عمره ... إلى الغايةِ القُصوى فللموت آيلُ
وكل أُنَاسٍ سوف تدخلُ بينهم ... دُوَيْهيةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأناملُ
وكل امرئ يومًا سيعلمُ سَعْيَهُ ... إذا كُشفَتْ عند الإلهِ المحَاصِلُ
وهذه الأبيات من قصيدة لامية من الطويل؛ ومعنى باطل: زائل، والنعيم: ما أنعم الله به على عباده، (ولا محالة) - بفتح الميم - أي: لا بد، وقيل: لا حيلة.
وقال بعضهم: الجنة نعيم، وهي لا تزول أبدًا، فكيف يقول: وكل نعيم .. إلى آخره؟ أجيب عنه بجوابين:
стр. 10590
وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ".
===
الأول: أنه قاله قبل إسلامه، فيحتمل: أن يكون اعتقاده حينئذ أن لا وجود للجنة، أو لا دوام لها؛ كما هو مذهب طائفة من أهل الضلال.
ثانيهما: أن يكون أراد مما سوى الجنة من نعيم الدنيا؛ لأنه كان بصدد ذم الدنيا وبيان سرعة زوالها، وأما تكذيب عثمان إياه .. فلحمل كلامه على العموم.
(و) قال رسول الله ﷺ أيضًا: (كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) في شعره بلسانه لا بقلبه؛ حيث قال:
لك الحمدُ والنعماءُ والملكُ ربَّنا ... فلا شيء أعلى منك مجدًا وأمجدُ
مليكٌ على عرش السماءِ مهيمنٌ ... لِعزَّتهِ تَعْنُو الوجُوهُ وتسجدُ
فسبحانَ مَنْ لا يعرف الخَلْقُ قَدْرهُ ... ومَنْ هو فوق العرش فردٌ موحَّدُ
هو الله باري الخلق والخلقُ كلهم ... إِماءٌ له طوعًا جميعًا وأَعْبدُ
مليكُ السماواتِ الشِّدادِ وأَرْضِها ... يَدومُ ويَبْقَى والخليقةُ تَنْفدُ
والمراد: أن المعاني التي أتى بها أمية ابن أبي الصلت في أشعاره معان صحيحة حِكَمِيَّة لا تصدر في الغالب إلا عن رجل مسلم، فكاد أمية أن يسلم، ولكنه لم يقدر له ذلك؛ أي: قارب أن يسلم؛ لأن أكثر أشعاره يُشعر بالتَّوحِيدِ.
قال القسطلاني: كان من شعراء الجاهلية، وأدرك مبادئ الإسلام، بلغه خبر البعث، لكنه لم يوفق للإيمان برسول الله ﷺ ، وكان يتعبد في الجاهلية، وأكثر ما في شعره من التوحيد، وكان غواصًا على المعاني، معتنيًا بالحقائق، ولذا استحسن رسول الله ﷺ شعره، واستزاد من إنشاده؛ لما فيه من الإقرار بالوحدانية والبعث، وفي الحديث دلالة على جواز إنشاد الشعر الذي لا فحش فيه واستماعِه، سواء في ذلك شعر الجاهلية وغيرهم، وأن المذموم من الشعر الذي لا فحش فيه إنما هو الإكثار منه، وكونه
стр. 10591
(٥٧) - ٣٧٠١ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ
===
غالبًا على الإنسان، فأما يسيره .. فلا بأس بإنشاده وسماعه وحفظه. انتهى، انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، ومسلم في كتاب الشعر أول كتاب الشعر، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي بن كعب بحديث شريد بن سويد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٧) - ٣٧٠١ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي كوفي نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. يروي عنه (ع).
(عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى) بن كعب الطائفي أبي يعلى الثقفي، صدوق يخطئ ويهم، من السابعة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن عمرو بن الشريد) بن سويد الثقفي أبي الوليد الطائفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أبيه) شريد بن سويد الثقفي الطائفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
стр. 10592
قَالَ: أَنْشَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِئَةَ قَافِيَةٍ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ يَقُولُ بَيْنَ كُلِّ قَافِيَةٍ: "هِيهِ"، وَقَالَ: "كَادَ أَنْ يُسْلِمَ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) شريد بن سويد: ركبت خلف رسول الله ﷺ يومًا من الأيام واستنشدني من شعر أمية بن أبي الصلت، فـ (أنشدت رسول الله ﷺ أي: قرأت عليه (مئة قافية) أي: مئة بيت (من شعر أمية بن أبي الصلت) حالة كونه ﷺ (يقول) لي (بين كل قافية) أي: بعد كل قافيةٍ وبيتٍ قرأتُها عليه: (هيه) أي: زدنيه من قراءتها علي، قال الأبي: بكسر الهاء الأولى وسكونِ الياءِ والهاءِ الأخيرة كلمة استزادة؛ معناها: زدني منه شيئًا.
وأصلها: (إيه) - بالهمزة المكسورة - فإن نونتها .. فهي نكرة من أسماء الأفعال؛ بمعنى: زدني من أي حديث كان، وإن كسرت الهاء الأخيرة ولم تنونها .. فهي اسم فعل أمر معرفة؛ بمعنى: زدني من حديث معهود بيننا، فهي كـ (مه) و (صه) في تعريفها وتنكيرها وإعرابها.
(وقال) رسول الله ﷺ بعدما قرأت عليه ذلك العدد: (كاد) أي: قارب أمية (أن يسلم) في شعره.
و(أمية بن أبي الصلت): هو شاعر جاهلي معروف عندهم، وقد كان قرأ الكتب السماوية المتقدمة، ورغب عن عبادة الأوثان، وكان يخبر بأن نبيًّا يبعث في آخر الزمان قد أظل زمانه، وكان يرجو أن يكون ذلك النبيَّ، فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ وقصته .. كفر حسدًا له، وكان يحكي في شعره قصص الأنبياء، ويأتي بألفاظ لا تعرفها العرب، يأخذها من الكتب المتقدمة، وبأحاديث من أحاديث أهل الكتاب، ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 10593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شعره .. قال: "آمن لسانه وكفر قلبه". انتهى من كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة (ص ٢٧٧). انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الشعر أول كتاب الشعر وابن حبان في "الإحسان".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وفي هذا الحديث وفيما قبله جواز إنشاد الشعر؛ وهو قراءة شعر الغير، وجواز إنشائه: وهو ابتداء الشعر وتأليفه من عند نفسه على تفاعيل الشعر.
ومما يدل على الجواز أيضًا ما أخرجه المؤلف في أول هذا الباب من حديث أبي بن كعب، وقد ثبت سماع النبي ﷺ الشعر في غير ما حديث، وكان يوضع المنبر في المسجد النبوي لحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فينشئ الأشعار، ينافح بها عن النبي ﷺ ، وقد دل على ذم الشعر والشعراء قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ... ﴾ الآيات (١).
وكذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة في الباب الآتي: "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا يريه خير من أن يمتلئ شعرًا".
ويجمع بين هذه النصوص المتعارضة بما ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرج عنها البخاري في "الأدب المفرد" بسند حسن: قالت: (الشعر منه حسن، ومنه قبيح، خذ الحسن، ودع القبيح).
стр. 10594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وبما أخرجه أبو يعلى بسند ضعيف عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (الشعر بمنزلة الكلام؛ فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام).
فالمذموم من الشعر ما اشتمل على الكفر أو على الفسق؛ كالدعاوى الكاذبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ (١).
أو على الكلام الفاحش، أو الغزل بأجنبية معينة، أو بالأمرد، أو هجاء إِنسان بغير حق، أو هجاء قبيلة لأجل رجل منهم، أو غير ذلك من المعاصي، فلا يجوز إنشاء مثله أو إنشاده، إلا استشهادًا في اللغة، وكذلك يذم من الشعر ما غلب على الإنسان؛ بحيث صده عن القرآنِ والعلمِ وذكرِ الله تعالى، فإذا بلغ هذا المبلغ .. لم يجز وإن كان مشتملًا على معان مباحة، وإلى هذا المعنى أشار البخاري في "صحيحه" حيث عقد ترجمة بقوله: (باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصدَّه عن ذكر الله تعالى والعلم والقرآن) أما إذا اشتمل الشعر على معنًى حسن؛ كالتوحيد وحمد الله تعالى والثناء عليه ومدح الرسول ﷺ ، وسائر معاني البر والخير؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الأحكام الأصولية والفقهية والقواعد العربية .. فهو مثاب عليه إن شاء الله تعالى.
وإذا اشتمل الشعر على معنىً مباح .. فهو مباح، وقد أخرج البغوي في "معجم الصحابة" أن النبي ﷺ أذن لمالك بن عمير الأسلمي الشاعر رضي الله تعالى عنه أن يشبب بامرأته وبمدح راحلته؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سمع قصائد حسان وكعب رضي الله تعالى عنهما مع ما اشتملت عليه من التشبيب
стр. 10595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بامرأة مبهمة، ولم ينكر عليهما رسول الله ﷺ في ذلك، فدل ذلك على جواز التشبيب بامرأة غير معينة. انتهى من "التكملة" بزيادة وتصرف.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10596
(٢٨) - (١٣٩١) - بَابُ مَا كُرِهَ مِنَ الشِّعْرِ
(٥٨) - ٣٧٠٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ
===
(٢٨) - (١٣٩١) - (باب ما كره من الشعر)
(٥٨) - ٣٧٠٢ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا حفص) بن غياث - بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة - ابن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، أثبت الناس في الأعمش، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
كلهم رووا (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الأسدي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لأن يمتلئ جوف
стр. 10597
الرَّجُلِ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ .. خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا"،
===
الرجل قيحًا) أي: صديدًا كثيرًا (حتى يريه) أي: حتى يصيب ذلك القيح رئته وجوفه (خير له) أي: أسهل له (من أن يمتلئ) جوفه (شعرًا).
وإصابة القيح الرئة مبالغة في كثرته؛ لأن الرئة عضو باطني؛ كالكبد، إذا أصابه المرض .. هلك صاحبه، لا علاج له.
واللام في قوله: (لأن يمتلئ) لام الابتداء، أو لام القسم، كلاهما لتأكيد معنى الكلام، (جوف الرجل) بالرفع فاعل الامتلاء (قيحًا) بالنصب مفعول به، أو تمييز؛ والقيح: صديد يسيل من الجرح مثلًا.
وقوله: (حتى يريه) كلمة (حتى) ساقطة من رواية مسلم وثابتة من رواية ابن ماجه، وتقول في إعرابها: (حتى) حرف جر وغاية، والفعل بعدها منصوب بفتحة ظاهرة؛ لكونه معتلًا بالياء، والضمير المستتر في الفعل ضمير الفاعل يعود على القيح، والضمير البارز في محل النصب مفعول به عائد إلى الجوف بمعنى الرئة، وجملة أن المضمرة بعد حتى في تأويل مصدر مجرور بحتى الجارة، وحتى الجارة مع مجرورها متعلقة بالامتلاء، وتقدير الكلام: لامتلاء جوف الرجل قيحًا إلى إصابة الرئة .. خير له من امتلائه شعرًا. انتهى من الفهم السقيم.
والرئة: هو عضو باطني يسرع الهلاك إلى صاحبه إذا أصابه الداء؛ لأنه منفاخ النَّفَس، في الأرميا: (صُنْبَ) وجملة أن المصدرية في قوله: "لأن يمتلئ" في محل الرفع على الابتداء، والخبر: قوله: "خير له" والتقدير: لامتلاء جوف الرجل قيحًا كثيرًا حتى يصيب رئته فيهلكه؛ لكثرته .. خير له؛ أي: أسهل عليه من امتلاء جوفه شعرًا كثيرًا مانعًا له من تلاوة القرآن والأذكار والعلم.
стр. 10598
إِلَّا أَنَّ حَفْصًا لَمْ يَقُلْ: "يَرِيَهُ".
===
وقوله: قال أبو بكر بن أبي شيبة: (إلا أن حفصًا) شيخي (لم يقل) لفظة: (يريه) من كلام المؤلف، وإنما قالها أبو معاوية ووكيع.
وعبارة "الكوكب": (لأن يمتلئ) من امتلأ الإناء ماء؛ أي: لامتلاء جوف الرجل وباطنه قيحًا كثيرًا (حتى يريه) أي: حتى يصيب ذلك القيح لكثرته رئته، يقال: ورى الداء الرجل، إذا أصاب رئته، يري وريًا، من باب رمى؛ إذا أصاب رئته إلا أنه لفيف؛ نظير ولي يلي؛ واللفيف - عند الصرفيين -: ما كانت فاؤه ولامه حرف علة، وورى القيح جوفه؛ إذا أفسده وأكله؛ والاسم منه: الوري، يقال: ورى الرجل؛ إذا أصابه الورى، وهو مرض الرئة، فهو مَوْرُوٌ، ومَوْرِيٌّ، والوري - بسكون الراء -: مصدر، و - بفتحها -: اسم مصدر؛ وهو قيح في الجوف، أو قرح يقع في قصب الرئة؛ والتقدير: لامتلاء جوف الرجل قيحًا كثيرًا يفسد رئته فيهلكه .. خير له من امتلاء جوفه شعرًا؛ أي: أخف ضررًا؛ لأن الشعر يهلكه هلاكًا أخرويًا.
والوري: أي: الداء المصيب للرئة، يهلكه هلاكًا دنيويًا، وهو أخف من الهلاك الأخروي.
والمراد: أن يكون الشعر غالبًا عليه، مستوليًا عليه؛ بحيث يشغله عن القران وغيره من العلوم الشرعية وذكر الله تعالى، وهذا مذموم من أي شعر كان.
وأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه .. فلا يضر حفظ اليسير من الشعر مع هذا؛ لأن جوفه ليس ممتلئًا شعرًا. انتهى "نووي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله تعالى،
стр. 10599
(٥٩) - ٣٧٠٣ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ،
===
ومسلم في كتاب الشعر، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ... إلى آخره.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٩) - ٣٧٠٣ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي البصري القطان، ثقة إمام الجرح والتعديل، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن جعفر) الهذلي البصري الملقب بغندر ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا شعبة) بن الحجاج الورد العتكي البصري، ثقة إمام الأئمة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 10600
عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ .. خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا".
===
(عن يونس بن جبير) - مصغرًا - الباهلي أبي غَلَّاب البصري - بفتح المعجمة وتشديد اللام آخره موحدة - البصري، ثقة، من الثالثة، مات بعد التسعين وأوصى أن يصلي عليه أنس بن مالك. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن سعد بن أبي وقاص) الزهري أبي القاسم المدني نزيل الكوفة، كان يلقب ظِلَّ الشيطان؛ لقصره، ثقة، من الثالثة، قتله الحجاج بعد الثمانين. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن) والده (سعد بن أبي وقاص) مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبي إسحاق المدني، أحد العشرة المبشرة رضي الله تعالى عنه وعنهم، مات سنة خمس وخمسين (٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم) أيها المسلمون (قيحًا) كثيرًا أشدَّ الكثرةِ (حتى يريه) أي: حتى يصيب ذلك القيح رئة جوفه؛ لكثرته فيهلكه .. (خير له) أي: أسهل وأيسر عليه (من أن يمتلئ) جوفه (شعرًا) كثيرًا يمنعه من تلاوة القرآن وتكرار ذلك وتعلم العلوم الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي هذا الحديث من البحث ما في الحديث الذي قبله، فراجعه، فلا عود ولا إعادة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب ما
стр. 10601
(٦٠) - ٣٧٠٤ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ شَيْبَانَ،
===
يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، ومسلم في كتاب الشعر أول كتاب الشعر، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء لأن يمتلئ جوف أحدكم، وأحمد والبيهقي في "الكبرى" وعبد الرزاق في "مصنفه".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استطرد المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٦٠) - ٣٧٠٤ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبيد الله) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر في سفيان الثوري، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي أبي معاوية البصري نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوة؛ بطن من الأزد لا إلى علم النحو، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10602
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِرْيَةً لَرَجُلٌ هَاجَى
===
(عن) سليمان (الأعمش) الكاهلي، ثقة ثبت قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتح الجيم والميم - المرادي أبي عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن يوسف بن ماهك) بن بهزاد - بضم الموحدة وسكون الهاء بعدها زاي - الفارسي المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد بن عمير) - بالتصغير فيهما - ابن قتادة الليثي أبي عاصم المكي، ولد على عهد النبي ﷺ ، قاله مسلم، وعده غيره في كبار التابعين، وكان قاصَّ أهل مكة، مجمعٌ على تَوْثيقِه، مات قَبْلَ ابنِ عمر رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، ومن لطائف هذا السند: أن فيه أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : إن أعظم الناس) وأشدهم وأغلظهم (فريةً) أي: افتراء وكذبًا من جهة العقوبة (لرجل) اللام فيه لام الابتداء زحلقت إلى الخبر؛ لكراهة وثقل توالي حرفي تأكيد (هاجى)
стр. 10603
رَجُلًا فَهَجَا الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا، وَرَجُلٌ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ وَزَنَّى أُمَّهُ".
===
من باب فاعل الرباعي؛ من المهاجاة؛ وهي المشاتمة من الجانبين؛ أي: شاتم (رجلًا) محترمًا (فهجا) أي: شتم في شتمه الرجل (القبيلة) أي: قبيلة الرجل الذي شاتم معه؛ أي: زاد في مشاتمته مع الرجل شتم قبيلته (بأسرها) أي: بجملتها ورمتها؛ لأنه يعاقب على شتم قبيلة الرجل؛ لأنهم لم يجنوا عليه (ورجل انتفى) أي: نفى نفسه (من أبيه) وانتسب إلى غيره.
وقوله (وزَنَّى أُمَّه) من التزنية، معطوف على انتفى، عطف لازم على ملزوم؛ أي: نفى نفسه عن أبيه، ونسب أمه إلى الزنا؛ لأن كونه ابنًا للغير؛ نسبة الأم إلى الزنا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته؛ أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستطراد؛ لأن المهاجاة لا تكون غالبًا إلا بالشعر.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستطراد.
والله أعلم
стр. 10604
(٢٩) - (١٣٩٢) - بَابُ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ
(٦١) - ٣٧٠٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى
===
(٢٩) - (١٣٩٢) - (باب اللعب بالنرد)
(٦١) - ٣٧٠٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما: (عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) الفقيه مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي هند) الفزاري مولى سمرة بن جندب، ثقة، من الثالثة، أرسل عن أبي موسى، وقال الدارقطني في "العلل": رواه أسامة بن زيد الليثي عن سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى أم هانئ عن أبي موسى الأشعري، قال الدارقطني بعد أن أخرجه: هذا أشبه بالصواب، مات سنة ست عشرة ومئة (١١٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الصحابي المشهور ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات ولا
стр. 10605
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ .. فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ".
(٦٢) - ٣٧٠٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
===
يضره الإرسال؛ لأن له شاهدًا من سندٍ موصول؛ كما ذكره الدارقطني.
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : من لعب بالنَّرْدِ .. فقد عصى الله) أي: خالف الله بارتكاب ما نهى عنه (و) عصى وخالف (رسوله) محمدًا ﷺ بارتكاب ما بلغ إليهم تحريمه.
و(النرد) - بفتح النون وسكون الراء -: جوالق واسع الأسفل مخروط الأعلى يتخذ من خوص النخل، ولعبة وضعها ملك من الأعاجم، سمّي اللعب باسمه، وتَعْرِفُها العامةُ بـ (لُعبِ الطَّاولَةِ) وبـ (الكِعاب) وبـ (النَّردَشِير).
قال النووي: والحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد، وأما الشطرنج .. فمذهبنا أنه مكروه ليس بحرام، وهو مروي عن جماعة من التابعين، وقال مالك وأحمد: حرام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب في النهي عن اللعب بالنرد.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وإن كان سند المؤلف مرسلًا؛ لأن له سندًا موصولًا؛ كما ذكره الدارقطني فيما ذكرناه آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي موسى بحديث بريدة بن الحصيب ﵄، فقال:
(٦٢) - ٣٧٠٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا عبد الله بن
стр. 10606
نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ".
===
نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن سفيان) بن سعيد الثوري، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة بن مَرْثَدٍ) - بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة - الحضرمي أبي الحارث الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن بريدة) بن الحصيب - بالتصغير - فيهما الأسلمي المروزي قاضيها، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ) وله تسعون سنة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم قبل بدر، مات سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: من لعب بالنردشير) - بفتح النون وسكون الراء وفتح الدال وكسر الشين - كلمة فارسية معربة تستعمل في اللعب المعروف، وهو مرادف للنرد السابق، وهو في الأصل: اسم ملك وضعها .. (فكأنما غمس يده في لحم خنزير) بالأكل منه (و) في (دمه) بذبحه، وغمس اليد وإدخالها في لحفه .. كناية عن أكله بها.
стр. 10607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والمعنى: أن اللعب بلعبة النردشير حرام؛ كما أن أكل لحم الخنزير حرام بلا خلاف.
قال ابنُ فَرَشْتَه: قيل: المراد به هنا: الأكل منه؛ لأن الغمس في اللحم يكون في حالة الأكل غالبًا، فيكون اللعب به حرامًا؛ لتشبيهه ﷺ بالمحرم، وعليه اتفق العلماء، قال النووي وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد. انتهى "دهني" باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب النهي عن اللعب بالنردشير، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن حبان في "الإحسان" في كتاب الحظر والإباحة، باب اللعب واللهو.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10608
(٣٠) - (١٣٩٣) - بَابُ اللَّعِبِ بِالْحَمَامِ
(٦٣) - ٣٧٠٧ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَائِشَةَ
===
(٣٠) - (١٣٩٣) - (باب اللعب بالحمام)
والحمام - بفتحتين مع تخفيف الميم -: اسم جنس للطير المعروف، واحدتها حمامة، واللعب بها: المسابقة في تطيير حمامتين، فيكون عوض المسابقة لصاحب السابقة من الحمامتين، أو مُسَابقةُ الشخصِ مع حمامتِه في إِجْرائِه مع طَيرانِها.
* * *
(٦٣) - ٣٧٠٧ - (١) (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (م د ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، والصحيح: أنه مختلف فيه؛ كما سيأتي آخر الحديث، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة على الصحيح (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
стр. 10609
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَظَرَ إِلَي إِنْسَانٍ يَتْبَعُ طَائِرًا فَقَالَ: "شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانًا".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن عمرو بن علقمة، وهو مختلف فيه؛ كما سيأتي قريبًا بسط الكلام فيه.
(أن النبي ﷺ نظر إلى إنسان يتبع طائرًا) من الطيور؛ أي: يجري ويعدو وراء طائر يطير بجناحه (فقال) رسول الله ﷺ لذلك الإنسان: هذا (شيطان يتبع) أي: يدرك ويلحق (شيطانًا).
وفي رواية حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: رأى رجلًا يتبع حمامة ... الحديث. أخرجه أبو داوود.
والحمام - بالفتح والتخفيف -: اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى، والهاء فيه تدل على أنه واحد من الجنس لا للتأنيث، كذا في الصراح.
قوله: (يتبع حمامة) أي: يقفو أثرها لاعبًا بها.
وقوله: "شيطان يتبع شيطانًا" إنما سماه شيطانًا؛ لمباعدته عن الحق واشتغاله بما لا يَعْنِيه، وسماها شيطانة؛ لأنها أورثته الغفلةَ عن ذكر الله تعالى. انتهى من "العون".
قال النووي: اتخاذ الحمام للفرخ والبيض أو الأنس أو حمل الكتب والرسالة جائز بلا كراهة، وأما اللعب بها لِلتَّطَيُّرِ .. فالصحيح أنه مكروه؛ فإن انضم إليه قمار ونحوه .. ردت الشهادة، كذا في "المرقاة".
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، وقد استشهد به مسلم، ووثقه يحيى بن معين ومحمد بن يحيى الكوسج، وقال ابن معين مرة: ما زال الناس يتقون حديثه، وقال السعدي: ليس بالقوي، وغمزه الإمام مالك، وقال ابن المديني: سألت يحيى - يعني: القطان -
стр. 10610
(٦٤) - ٣٧٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
عن محمد بن عمرو بن علقمة كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: بل أشدد، قال: فليس ممن تريد. انتهى، انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٤) - ٣٧٠٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الأسود بن عامر) الشامي نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، لقبه شاذان، ثقة، من التاسعة، مات في أول سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة عابد، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، مختلف فيه على الصحيح؛ كما مر في السند السابق، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن الزهري المدني.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن عمرو، وهو مختلف فيه؛ كما مر آنفًا.