وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: مَا عَمِلَ امْرُؤٌ بِعَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ.
===
(وقال معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة ثماني عشرة (١٨ هـ) ورفعه: (ما عمل امرؤ) مسلم (بعمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) تعالى.
(من (الأولى: صلة (أنجى) والثانية: تفضيلية.
اعلم: أن قوله: (قال معاذ بن جبل) متصل بما قبله؛ ففي "الموطأ": روى مالك عن زياد بن أبي زياد قال: قال أبو الدرداء: (ألا أخبركم بخير أعمالكم وأرفعها في درجاتكم ... ) إلى قوله: (قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى).
قال زياد بن أبي زياد: وقال أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل: (ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله).
وروى أحمد والبيهقي وابن عبد البر قول معاذ هذا مرفوعًا. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي مرفوعًا في كتاب الدعوات، باب منه رقم (٦)، ومالك في كتاب القرآن (٧)، باب ما جاء في ذكر الله تعالى.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 10677
(٩٠) - ٣٧٣٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَشْهَدَانِ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي الدرداء بحديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقال:
(٩٠) - ٣٧٣٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمار بن رزيق) - بتقديم الراء على الزاي مصغرًا - الضبي أو التميمي أبي الأحوص الكوفي، لا بأس به، من الثامنة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الأغر أبي مسلم) الخدري المدني نزيل الكوفة، ثقة، من الثالثة، وهو غير سلمان الذي يكنى أبا عبد الله، وقد قلبه الطبراني، وقال: اسمه مسلم، ويكنى أبا عبد الله. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة وأبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنهما، وهذا ظاهر على أنه سمعه منهما، قال ابن التن: أراد بهذا اللفظ: التأكيد للرواية. انتهى.
حالة كونهما (يشهدان به) أي: بهذا الحديث الآتي (على النبي ﷺ أنه (قال): ما جلس ... إلى آخره.
стр. 10678
"مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللهَ فِيهِ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: يشهدان على أنه ﷺ قال: (ما جلس قوم) من المسلمين (مجلسًا) للذكر حالة كونهم (يذكرون الله) تعالى (فيه) أي: في ذلك المجلس بأي نوع من الذكر تسبيحًا كان أو غيره، قال في "المرقاة": إن أريد بالجلوس ضد القيام .. ففيه إشارة إلى أنه أحسن هيئات الذكر؛ لدلالته على جمعية الحواس الظاهرة والباطنة، وإن كان كناية عن الاستمرار .. ففيه إيماء إلى مداومة الأذكار.
وقال ابن حجر: التعبير به جريٌ على الغالب؛ كما هو ظاهر؛ لأن المقصود حبس النفس على ذكر الله تعالى مع الدخول في عداد الذاكرين؛ لتعود عليه بركةُ أنفاسِهم، ولَحْظِ إِيناسهم. انتهى.
فلا ينافيه قيامُه لطاعة؛ كطواف وزيارة وصلاة جنازة وطلب علم وسماع موعظة. انتهى.
(إلا حفتهم الملائكة) وأحاطت بهم (وغشيتهم الرحمة)، وفي نسخة: (وتغشتهم الرحمة) أي: غطتهم رحمة الله وإحسانه وإنعامه عليهم من كل الجهات (وتنزلت عليهم السكينة) أي: الوقار والطمأنينة بنور الإيمان؛ بسبب ذكرهم (وذكرهم الله) تعالى (فيمن عنده) من الملأ الأعلى والملائكة المقربين؛ أي: أثنى عليهم عندهم، وأظهر فضلهم بينهم.
وقوله أيضًا: "إلا حفت بهم الملائكة" أي: أحاطت بهم الملائكة الذين يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر.
стр. 10679
(٩١) - ٣٧٣٥ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ،
===
قوله: "ونزلت عليهم السكينة" أي: الطمأنينة والوقار؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٢).
وقوله: "وذكرهم الله فيمن عنده" أي: ذكر الله تعالى مباهاةً وافتخارًا بهم بالثناء الجميل عليهم، وبوعد الجزاء الجزيل لهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات، باب ما جاء في القوم يجلسون فيذكرون الله، وأحمد وأبو داوود الطيالسي وعبد بن حميد وأبو يعلى الموصلي وابن حبان وابن أبي شيبة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي الدرداء بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩١) - ٣٧٣٥ - (٣) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا محمد بن مصعب) بن صدقة القرقساني - بقافين مضمومتين ومهملة - صدوق كثير الغلط، من صغار التاسعة، مات سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ت ق)، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لا بأس به، وقال ابن قانع: ثقة.
стр. 10680
عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ".
===
(عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي أَبِي عمرو الفقيه الفاضل، ثقة ثبت إمام، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إسماعيل بن عبيد الله) بن أبي المهاجر، اسمه أقرم المخزومي مولاهم الدمشقي، أبي عبد الحميد، ثقة، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أم الدرداء) زوج أبي الدرداء الصغرى، اسمها: هجيمة أو جهيمة بنت يحيى الأوصابية الدمشقية، وأما الكبرى .. فاسمها خيرة، لا رواية لها في الكتب الستة، ثقة فقيهة، من الثالثة، ماتت سنة إحدى وثمانين (٨١ هـ). يروي عنها: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه، (عن النبي ﷺ . وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن مصعب، وهو مختلف فيه.
(قال) النبي ﷺ : (إن الله يقول: أنا مع عبدي) أي: عونًا ونصرًا وتأييدًا وتوفيقًا وتحصيلًا لمرامه (إذا هو) أي: عبدي (ذكرني) بقلبه (وتحركت بي) أي: باسمي (شفثاه) أي: لسانه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 10681
(٩٢) - ٣٧٣٦ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ
===
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي الدرداء بحديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٢) - ٣٧٣٦ - (٤) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسن العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - الكوفي، صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أخبرني معاوية بن صالح) بن حدير - بالمهملة مصغرًا - الحضرمي أبو عمرو الحمصي قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل بعد السبعين. يروي عنه: (م عم).
(أخبرني عمرو بن قيس) بن ثور بن مازن (الكندي) أبو ثور الحمصي، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عبد الله بن بسر) - بضم الموحدة وسكون المهملة - المازني الصغير رضي الله تعالى عنه، ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل: ست وتسعين (٩٦ هـ) وله مئة سنة، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن أعرابيًّا) أي: رجلًا من سكان البوادي، ولم أر من ذكر اسمه (قال لرسول الله ﷺ : إن شرائع الإسلام)؛ أي: إن الأحكام المشروعة
стр. 10682
قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَنْبِئْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ؛ أَتَشَبَّثُ بِهِ قَالَ: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ ".
===
في دين الإسلام من فرائضها وسننها (قد كثرت علي) فلا أقدر على الإتيان بكلها في أول الأمر.
قال الطيبي: الشريعة: الإبل المورودة على الماء الجاري؛ والمراد: ما شرع الله وأظهره لعباده من الفرائض والسنن. انتهى.
قال القاري: الظاهر أن المراد بها هنا: النوافل؛ لقوله: (قد كثرت علي) - بضم المثلثة وبفتح - أي: غلبت علي بالكثرة حتى عجزت عنها؛ لضعفي (فأنبئني) من الإنباء؛ أي: فأخبرني (منها بشيء) قال الطيبي: التنكير في قوله: (بشيء) للتقليل المتضمن لمعنى التعظيم؛ كقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (١).
ومعناه: أخبرني بشيء يسير، مستجلب لثواب كثير، قال القاري: والأظهر أن التنوين لمجرد التنكير. انتهى.
قلت: بل الأظهر هو ما قال الطيبي، فتأمل.
(أتشبث به) من التشبث - بالشين المعجمة بعد التاء والثاء المثلثة أخيرًا - أي: أتعلق به واستمسك، ولم يرد: أنه يترك شرائع الإسلام رأسًا، بل طلب ما يتشبث به - بالشين المعجمة - بعد الفرائض من سائر ما لم يفترض عليه، قاله الطيبي.
فـ (قال) رسول الله ﷺ لذلك الأعرابي: الذي ينبغي لك التشبث به هو أنه (لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله أي: طريًا مُشْغَلًا قريب العهد منه، وهو كناية عن المداومة على الذكر.
стр. 10683
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وابن حبان في "الموارد" في كتاب الأذكار، باب فضل الذكر والذاكرين، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الدعاء والتكبير والتهليل، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وأحمد والبيهقي في "الكبرى"، وغيرهم.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10684
(٤٠) - (١٤٠٣) - بَابُ فَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
(٩٣) - ٣٧٣٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّات، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
===
(٤٠) - (١٤٠٣) - (باب فضل لا إله إلا الله)
(٩٣) - ٣٧٣٧ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا الحسين بن علي) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حمزة) بن حبيب (الزيات) القارئ أبي عمارة الكوفي التيمي مولاهم، صدوق زاهد ربما وهم، من السابعة، مات سنة ست أو ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ). يروي عنه؛ (م عم).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الأغر أبي مسلم) المدني نزيل الكوفة، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (م عم)، وهو غير سلمان الأغر.
(أنه) أي: أن الأغر (شهد على أبي هريرة وأبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنهما.
(أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه (قال): وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
وقولُه: (أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد) ظاهرٌ على أن الأغر سمع
стр. 10685
"إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ .. قَالَ: يَقُولُ اللهُ : صَدَقَ عَبْدِي؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ .. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إَلَهَ إِلَّا اللهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ
===
الحديث منهما، قال ابن التين: أراد بهذا اللفظ التأكيد للرواية. انتهى.
قلتُ: هو مِن ألفاظِ تحَمُّلِ الحديثِ.
قال السيوطي في "تدريب الراوي": عقد الرامهرمزي بابًا في تنويع ألفاظ التحمُّلِ؛ منها: الإتيان بلفظ الشهادة؛ كقول أبي سعيد: أشهد على رسول الله ﷺ أنه نهى عن الجَرِّ أَنْ يُنْتَبذَ فيه.
وقول عبد الله بن طاووس: أشهد على والدي أنه قال: أشهد على جابر بن عبد الله أنه قال: أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس ... " الحديث. انتهى، انتهى من "التحفة".
(إذا قال العبد) وكذا الأمة: (لا إله إلا الله والله أكبر .. قال) رسول الله ﷺ : (يقول الله : صدق عبدي) فيما يقول، وأنا أقول: (لا إله إلا أنا وأنا أكبر) من كل شيء؛ أي: يقول الرب بيانًا لتصديقه؛ أي: قرره بأن قال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وهذا أبلغ من أن يقول: صدقت.
(وإذا قال العبد: لا إله إلا الله وحده .. قال) الله: (صدق عبدي؛ لا إله إلا أنا وحدي) أي: قال النبي ﷺ : يقول الله تصديقًا لعبده، وعبر هنا وفيما سيأتي بـ (قال) وثمة؛ أي: فيما مضى بـ (يقول) تفننًا.
(وإذا قال) العبد: (لا إله إلا الله لا شريك له .. قال) الله: (صدق عبدي؛ لا إله إلا أنا ولا شريك لي، وإذا قال) العبد: (لا إله إلا الله له الملك وله
стр. 10686
الْحَمْدُ .. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ .. قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي؛ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي - قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ الْأَغَرُّ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ -: مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ .. لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ".
===
الحمد .. قال) الله: (صدق عبدي؛ لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال) العبد: الا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله .. قال) الله: (صدق عبدي؛ لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي).
(قال أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة، من الثالثة، روى عن الأغر أبي مسلم المدني: (ثم) بعدما روى لنا الأغر أبو مسلم هذا الحديث عن أبي هريرة وأبي سعيد (قال) لنا (الأغر شيئًا) من الكلام الم أفهمه) أي: لم أفهم ذلك الشيء لفظًا ولا معنىً؛ كأنه خفض به الصوت.
(قال) أبو إسحاق: (فقلت لأبي جعفر) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثقة فاضل، من الرابعة، وأبو جعفر كان معنا حين تكلم الأغر بشيء لم أفهمه، وكان أبو إسحاق يروي عن أبي جعفر محمد الباقر: (ما) ذا (قال) شيخنا الأغر حين خفض صوته؟ (فـ) قال أبو جعفر في جواب سؤالي: (قال) الأغر حين خفض صوته: (من رزقهن) أي: من وفق قول تلك الكلمات، يعني: كلمة: (لا إله إلا الله) وكلمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله) وكلمة: (وحده لا شريك).
(عند موته) أي: في آخر حياته .. (لم تمسه النار) في الآخرة بإحراقه، استعار المس للإحراق؛ مبالغة في نفي الإحراق.
قال السندي: قوله: (من رزقهن) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود
стр. 10687
(٩٤) - ٣٧٣٨ - (٢) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب،
===
إلى (من) موصولة كانت أو شرطية؛ أي: من أعطاه الله هذه الكلمات (عند موته) ووفقه لها ومات عليها .. (لم تمسه النار) الأخروية، بل يدخل الجنة ابتداء مع الأبرار، اللهم؛ اجعلنا ممن رزقته إياهن، آمين. انتهى منه بتصرف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب ما يقول العبد إذا مرض، ورواه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الإيمان، وابن حبان في "الموارد" وصححاه، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في "الصحيحين"، وقد احتجا جميعًا بحديث أبي إسحاق عن الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد، وقد اتفقا على الاحتجاج بحديث إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة وأبي سعيد بحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٤) - ٣٧٣٨ - (٢) (حدثنا هارون بن إسحاق) بن محمد بن مالك (الهمداني) - بالسكون - أبو القاسم الكوفي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا محمد بن عبد الوهاب) القناد - بالقاف والنون - أبو يحيى الكوفي، ويقال له: السكري أيضًا، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ت س ق).
стр. 10688
عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّهِ سُعْدَى الْمُرِّيَّةِ قَالَتْ: مَرَّ عُمَرُ بِطَلْحَةَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لَكَ كَئِيبًا؟
===
(عن مسعر) بن كدام - بكسر أوله وتخفيف ثانيه - ابن ظهير الهلالي، أبي سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إسماعيل بن أبي خالد) اسمه سعد، وقيل: هرمز، وقيل: كثير البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي أحد الأئمة الأعلام، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري أبي عمرو الكوفي الإمام العلم، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ت ق)، روى عن: أبيه، وأمه سعدى، ويروي عنه: الشعبي، قال: يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أمه سعدى) - بضم المهملة - بنت عوف بن خارجة بن سنان بن أبي حارثة (المرية) أي: المنسوبة إلى بني مرة، امرأة طلحة بن عبيد الله لها صحبة رضي الله تعالى عنهما (قالت) سعدى: (مر عمر) بن الخطاب (بطلحة) بن عبيد الله التيمي المدني رضي الله تعالى عنهما (بعد وفاة رسول الله ﷺ .
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فقال) عمر لطلحة: (مالك) أي: أي شيء ثبت لك حالة كونك (كئيبًا؟ )
стр. 10689
أَسَاءَتْكَ إِمْرَةُ ابْنِ عَمِّكَ؛ قَالَ: لَا، وَلكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا أَحَدٌ عِنْدَ مَوْتِهِ .. إِلَّا كَانَتْ نُورًا لِصَحِيفَتِه، وَإِنَّ جَسَدَهُ وَرُوحَهُ لَيَجِدَانِ لَهَا رَوْحًا عِنْدَ الْمَوْتِ"، فَلَمْ أَسْأَلْهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُهَا؛ هِيَ الَّتِي أَرَادَ عَمَّهُ عَلَيْهَا،
===
أي: حزينًا؛ من اكتأب الرجل - بهمزة بعد التاء المثناة - افتعل؛ من كئب الثلاثي؛ أي: حزينًا، وفي بعض النسخ: (مكتئبًا) والمعنى واحد؛ أي: أي شيء ثبت لك أراك كئيبًا؛ أي: حزينًا غير منطلق الوجه منشرح الصدر (أساءتك) وأحزنتك (إمرة ابن عمك) من النسب؟ أي: أحزنتك إمارة وخلافة ابن عمك من النسب؛ أي: أما رضيت بخلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه؟
(قال) طلحة لعمر بن الخطاب في جواب سؤاله: (لا) أي: ما أساءتني إمارته ولا خلافته عن رسول الله ﷺ (ولكن) أساءني وأحزنني أمر آخر غيرها؛ وذلك أني (سمعت رسول الله ﷺ يقول) في حياته: (إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد) من المسلمين (عند موته .. إلا كانت) تلك الكلمة (نورًا) أي: منيرة الصحيفته) أي: لصحيفة أعماله الحسنة يوم القيامة حتى يقرأها منورة غير مظلمة عليه (وإن جسده) أي: والحال أن جسد ذلك الأحد وجسمه (وروحه ليجدان لها) أي: لتلك الكلمة (روحًا) أي: راحة وسرورًا ورحمة ورضوانًا من الله (عند الموت) أي: عند موته.
(فلم أسأله) ﷺ تلك الكلمة (حتى توفي) وقبض رسول الله ﷺ ، فـ (قال) عمر: (أنا أعلمها) أي: أعلم تلك الكلمة التي ذكرتها (هي) أي: تلك الكلمة؛ هي (التي أراد) وقصد النبي ﷺ (عمه) أبا طالب؛ أي: موت عمه (عليها) أي: على
стр. 10690
وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ شَيْئًا أَنْجَى لَهُ مِنْهَا .. لَأَمَرَهُ.
(٩٥) - ٣٧٣٩ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله،
===
تلك الكلمة (ولو علم) النبي ﷺ (أن شيئًا) غير تلك الكلمة (أنجى له) أي: لعمه (منها) أي: من تلك الكلمة .. (لأمره) أي: لأمر عمه أبا طالب أن يقول ذلك الشيء الذي هو أفيد له في النجاة من النار الأخروية، وتلك الكلمة التي هي أنجى وأنفع لمن قالها في النجاة من النار هي كلمة: (لا إله إلا الله) مع قرينتها (محمد رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه النسائي في "اليوم والليلة" بهذا السند المذكور، وابن أبي شيبة بطريق آخر، وأحمد بن حنبل.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ ولأن له شاهدًا ومتابعًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة وأبي سعيد، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة وأبي سعيد بحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٥) - ٣٧٣٩ - (٣) (حدثنا عبد الحميد بن بيان) بن زكريا (الواسطي) أبو الحسن السكري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م د ق).
(حدثنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان الواسطي المزني مولاهم، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10691
عَنْ يُونُسَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ هِصَّانَ بْنِ كَاهِلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ نَفْسٍ
===
(عن يونس) بن عبيد بن دينار العبدي أبي عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حميد بن هلال) العدوي أبي نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن هصان) بكسر الهاء وتشديد الصاد (ابن كاهل) ويقال: ابن كاهن - بالنون بدل اللام - العدوي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (س ق). يقال: كان أبوه كاهنًا في الجاهلية، وقد ثبت كون أبيه كاهنًا في الجاهلية مصرحًا به في رواية النسائي في آخر كتاب "عمل اليوم والليلة".
(عن عبد الرحمن بن سمرة) بن حبيب بن عبد شمس العبشمي أبي سعيد الصحابي، من مسلمة الفتح رضي الله تعالى عنه، يقال: كان اسمه عبد كلال، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات بها سنة خمسين (٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبي عبد الرحمن، صحابي مشهور من أعيان الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، شهد بدرًا وما بعدها وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات بالشام سنة ثماني عشرة (١٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن بالنظر إلى هصان بن كاهل، والصحة بالنظر إلى غيره؛ لأنهم ثقات.
(قال) معاذ: (قال رسول الله ﷺ : ما من نفس) من
стр. 10692
تَمُوتُ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى قَلْبٍ مُوقِنٍ .. إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهَا".
(٩٦) - ٣٧٤٠ - (٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ مَنْظُورٍ،
===
المسلمين (تموت) حالة كونها (تشهد) وتقر بلسانها: (أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﷺ إلى كافة الثقلين حالة كونها (يرجع ذلك) الإقرار من لسانها (إلى قلب موقن) أي: مصدق له من الإيقان وهو أشد التصديق .. (إلا غفر الله) (لها) أي: لتلك النفس التي أقرت بلسانها الشهادتين، وصدقت بقلبها معناهما جميع ما اكتسبت من الآثام والذنوب، بمحض فضله وواسع كرمه، أحسن الله ختامنا على تلك الكلمتين.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الحميدي من طريق يونس، وأحمد بن منيع في "مسنده" عن إسماعيل بن إبراهيم، وأبو يعلى الموصلي من طريق ابن هلال نحو رواية ابن ماجه.
ودرجته: أنه حسن صحيح، لكون سنده كذالك، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أم هانئ رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٩٦) - ٣٧٤٠ - (٤) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق تكلم فيه أحمد؛ لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا زكريا بن منظور) بن ثعلبة، ويقال: زكريا بن يحيى بن منظور،
стр. 10693
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَا يَسْبِقُهَا عَمَلٌ وَلَا تَتْرُكُ ذَنْبًا".
(٩٧) - ٣٧٤١ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب،
===
فنسب إلى جده القرظي، أبو يحيى المدني، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثني محمد بن عقبة) بن أبي مالك القرظي، مستور، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
(عن أم هانيء) فاختة بنت أبي طالب الصحابية المشهورة رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه زكريا بن منظور، وهو متروك.
(قالت) أم هانئ: (قال رسول الله ﷺ : كلمة (لا إله إلا الله) مع عديلتها (لا يسبقها عمل) أي: في الفضل والأجر؛ أي: هي أفضل الأعمال البدنية، وأما التصديق .. فهو من عمل القلب (ولا تترك ذنبًا) لصاحبها .. إلا طهرته منه؛ لأن الإسلام يجب ما قبله.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١٤)(٣٨٤)؛ لضعف سنده؛ لما تقدم، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة وأبي سعيد بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٧) - ٣٧٤١ - (٥) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا زيد بن الحباب) أبو الحسين العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - الكوفي، صدوق
стр. 10694
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، أَخْبَرَنِي سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. كَانَ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ،
===
يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مالك بن أنس) الإمام في الفروع الأصبحي المدني، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني سمي) بصيغة التصغير (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة، من السادسة، مات سنة ثلاثين مقتولًا بقديد. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من قال في يوم) واحد (مئة مرة) أي: قولًا مئة مرة؛ لأنه منصوب على المفعولية المطلقة بالقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) مقول محكي للقول منصوب به على أنه مقول له، وجملة قوله: (كان) ذلك المقول (له) أي: لقائله (عدل) - بكسر العين وبفتحها - بمعنى: المثل؛ أي: كان له ذلك المقول مثل عتق (عشر رقاب) أي: كان ثواب ذلك القول مثل ثواب عتق عشر رقاب؛ أي: نسمات جمع رقبة؛ بمعنى: نسمة
стр. 10695
وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكُنَّ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَيْطَانِ سَائِرَ يَوْمِهِ إِلَى اللَّيْل، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا أَتَى بِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ أَكْثَرَ".
===
ونفس، جواب (من) الشرطية، وما بعده معطوف عليه (وكتبت له) أي: لذلك زيادة على ذلك (مئة حسنة) أي: ثواب (ومحي) زيادة على ذلك أيضًا (عنه) أي: عن ذلك القائل؛ أي: محيت وأزيلت ومسحت عنه؛ أي: عن ما كتب عليه في صحف سيئاته (مئة سيئة) وذنب (وكن) أي: تلك الأذكار المئة (له) أي: لقائلها (حرزًا) أي: أمانًا وحصنًا حصينًا (من) وسوسة (الشيطان سائر يومه) أي: في جميع ساعات يومه الذي قال فيه تلك الأذكار (إلى) أن يدخل مساء ذلك (الليل) المستقبل لذلك اليوم، وقال السندي: (سائر يومه) أي: بقية يومه أو كله. انتهى.
(ولم يأت أحد) من الناس (بـ) ذكر (أفضل) وأكثر أجرًا (مما أتى به) ذلك القائل؛ أي: بذكر أكثر أجرًا من أجر ما أتى به وقاله (إلا من قال) ذكرًا (أكثر) مما قاله؛ فإنه يزاد له من الأجر بقدر ما قاله.
قال النووي: قوله: "من قال في يوم مئة مرة" ظاهر إطلاق الحديث أنه يحصل هذا الأجر المذكور في الحديث لمن قال هذا التهليل مئة مرة في يومه، سواء قالها متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار، وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار؛ لتكون حرزًا له في جميع نهاره، قال الفراء: قوله: (عدل عشر رقاب) العدل - بالفتح -: ما عدل الشيء من غير جنسه، و - بالكسر -: المثل. انتهى.
قوله: "إلا من قال أكثر من ذلك" قال النووي: هذا فيه دليل على أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مئة مرة في اليوم .. كان له هذا الأجر المذكور في الحديث على المئة، ويكون له ثواب آخر على الزيادة، وليس هذا من الحدود التي نهي
стр. 10696
(٩٨) - ٣٧٤٢ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّن، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَار،
===
عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها وأن زيادتها لا فضل فيها أو تبطلها؛ كالزيادة في عدد الطهارة وعدد ركعات الصلاة.
ويحتمل: أن يكون المراد: مطلق الزيادة، سواء كانت من التهليل أو من غيره أو منه ومن غيره، وهذا الاحتمال أظهر. انتهى منه.
"وكانت له حرزًا من الشيطان ... " إلى آخره؛ يعني: أن الله تعالى يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم، فلا يقدر منه على زلة ولا وسوسة؛ ببركة تلك الكلمات. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، والترمذي في كتاب الدعوات.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث آخر لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٨) - ٣٧٤٢ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا بكر بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبي عبد الرحمن الكوفي القاضي، ويقال له: بكر بن عبيد، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى أو اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، وقيل: سنة تسع عشرة. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا عيسى بن المختار) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن
стр. 10697
عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. كَانَ كَعَتَاقِ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ".
===
أبي ليلى الأنصاري الكوفي، ثقة، من التاسعة. يروي عنه: (د س ق).
(عن محمد) بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري الأوسي الكوفي القاضي أبي عبد الرحمن، صدوق سيئ الحفظ جدًّا، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (عم)، واسم أبي ليلي يسار.
(عن عطية) بن سعد بن جنادة - بضم الجيم بعدها نون خفيفة - (العوفي) الجدلي - بفتحتين - الكوفي أبي الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًّا، من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة ومئة (١١١ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عطية العوفي، وهو ضعيف متروك، وفيه أيضًا محمد بن أبي ليلي، وهو سيئ الحفظ.
(عن النبي ﷺ قال: من قال في دبر) وعقب (صلاة الغداة) أي: صلاة الصبح: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير .. كان) أجر ذكره هذا (ك) أجر (عتاق) أي: كأجر إعتاق (رقبة) أي: نسمة ونفس مؤمنة بالله وبرسوله، كائنة تلك الرقبة (من ولد) أي: من نسل (إسماعيل) أي: من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما وعلى نبينا محمد ﷺ أفضل وأزكى التسليم.
стр. 10698
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (كعتاق) - بفتح العين - مصدر سماعي لعتق الثلاثي، يقال: عتق العبد يعتق؛ من باب ضرب، عتقًا وعتاقًا وعتاقة. انتهى من "السندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" عن أبي أمامة، وعزاه الهيثمي للطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، وقال: رجال "الأوسط" ثقات.
فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث: ضعيف السند والمتن (١٥)(٣٨٥).
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، واثنان للاستئناس، وثلاثة للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10699
(٤١) - (١٤٠٤) - بَابُ فَضْلِ الْحَامِدِينَ
(٩٩) - ٣٧٤٣ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ بَشِيرِ بْنِ الْفَاكِهِ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ ابْنَ عَمِّ جَابِرٍ
===
(٤١) - (١٤٠٤) - (باب فضل الحامدين)
(٩٩) - ٣٧٤٣ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد لقبه دحيم - بمهملتين مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه) الأنصاري الحرامي - بفتح المهملة والراء - المدني، صدوق يخطئ، من الثامنة. يروي عنه: (ت س ق).
(قال) ابن إبراهيم: (سمعت طلحة بن خراش) بن عبد الرحمن بن خراش (ابن) الصمَّةِ (عم جابر) بن عمرو بن الجموح بن حرام بن كعب الأنصاري الخزرجي السلمي، فصمةُ بن عمرو عمُّ جابر؛ لأنه أخو عبد الله بن عمرو، فهو؛ أي: خراشٌ الأول ابنُ عم لجابر بواسطات ذكَرَه؛ أَي: ذكَرَ الصمَّة عَمَّ جابر بنُ إسحاق فيمَنْ شَهِدَ بدرًا، وذكَرَهُ كذلك ابنُ الكَلْبي وأبو عُبيدة، وقالا: كان معه يومَ بدر فرسَانِ؛ وجُرِحَ يومَ أُحد عَشْرَ جراحات، وكان من الرماةِ المذكورينِ؛ أي: المعنيين يوم أحد. انتهى من "الإصابة".
وقوله: (ابن عم جابر) بالنصب عطف بيان لطلحة؛ أي: سمعت طلحة بن خراش الذي هو ابن طلحة ابن عم جابر بواسطات كثيرة، فطلحة هذا صدوق مدني أنصاري، من الرابعة. يروي عنه: (ت س ق).
стр. 10700
قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلّهِ".
===
(قال) طلحة بن خراش: (سمعت جابر بن عبد الله) بن عمرو ابنَ عمي الأعلى رضي الله تعالى عنهما (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه موسى بن إبراهيم بن كثير، وهو مختلف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ثم قال: وكان يخطي كثيرًا.
(أفضلُ الذكر) أي: أكثره أجرًا؛ والذكر: هو كل ما سيق لوصف الله تعالى بالكمالات أو لتنزيهه عن النقائص .. قولُ: (لا إله إلا الله) لأنه جمع بين صفة الجمال والجلال (وأفضل الدعاء) أي: أكثره أجرًا وأسرعه قبولًا؛ والدعاء: هو رفع الحاجات إلى رافع الدرجات؛ جلبًا كان أو دفعًا .. قول: (الحمد لله) أي: الشكرُ لله على ما أعطى، والمنةُ له على ما دفع؛ لأنه يتضمن طلب الحاجات، ودفع المضرات، قال السندي: يحتمل أن المراد به: سورة الفاتحة بتمامها. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب (٩) ما جاء في أن دعوة المسلم مستجابة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب إلا أنه من حديث موسى بن إبراهيم، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الدعاء والتهليل والتسبيح والذكر، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص".
وفي "تحفة الأحوذي": قوله: "أفضل الذكر لا إله إلا الله" لأنها كلمة
стр. 10701
(١٠٠) - ٣٧٤٤ - (٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ،
===
التوحيد، والتوحيد لا يماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان، ولأنها أجمع للقلب مع الله، وأنفى للغير، وأشد تزكية للنفس، وتصفيةً للباطن، وتنقيةً للخاطر من خبث النفس، وأطرد للشيطان.
قوله: "وأفضل الدعاء الحمد لله" لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله وأن تطلب منه الحاجة، والحمد يشملها؛ فإن من حمد الله .. يحمده على نعمته، والحمد على النعمة: طلب المزيد، وهو رأس الشكر، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١)، ويمكن أن يكون قوله: "الحمد لله" من باب التلميح والإشارة إلى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٢)، وأيُّ دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك؟ ! كذا في "المرقاة" و "شرح الجامع الصغير" للمناوي. انتهى منه.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما سبق آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٠٠) - ٣٧٤٤ - (٢) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن حزام (الحزامي) - بالحاء والزاي - الأسدي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
стр. 10702
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ بَشِيرٍ مَوْلَى الْعُمَرِيِّينَ قَالَ: سَمِعْتُ قُدَامَةَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْجُمَحِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَي عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ غُلَام وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُعَصْفَرَانِ قَالَ: فَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ قَالَ: "يَا رَبِّ؛ لَكَ الْحَمْدُ
===
(حدثنا صدقة بن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة بعدها ياء ساكنة (مَوْلَى العُمَرِيِّينَ) أي: مولَي آلِ عُمر أَبِي محمد المدني، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(قال) صدقة: (سمعت قدامة) بضم أوله وبالتخفيف (ابن إبراهيم) بن محمد بن حاطب (الجمحي) وقد ينسب إلي جده، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(يحدث) الناس (أنه) أي: أن قدامة (كان يختلف) ويراجع (إلي عبد الله بن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنهما (وهو) أي: والحال أن قدامة (غلام) أي: صغير لم يبلغ حد الرجال (و) الحال أنه (عليه) أي: على قدامة (ثوبان) إزار ورداء، أو إزار وقميص (مُعَصْفَرانِ) أي: مصبوغان بصِبْغٍ أَصْفر (قال) قدامةُ: (فحدَّثَنا عبدُ الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أن رسولَ الله ﷺ حدَّثَهم) أي: حدَّثَ الحاضِرينَ عنده من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسنُ؛ لأن فيه قُدامة بن إبراهيم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وفيه أيضًا صدقةُ بن بَشِير، ولم أر من جرَّحَه ولا مَن وثَّقه، فهو مستور، وباقي رجال الإسناد ثقات.
أي: حدثهم رسول الله ﷺ (أن عبدًا من عباد الله) الصالحين (قال) في ذكر مولاه: (يا رب؛ لك الحمد) والثناء اللائق بك؛
стр. 10703
كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَلِعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فَعَضَّلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا، فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَا: يَا رَبَّنَا؛ إِنَّ عَبْدَكَ قَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا، قَالَ اللهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالَا: يَا رَبِّ؛ إِنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ؛ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِكَ وَعَظِيمِ سُلْطَانِكَ، فَقَالَ اللهُ لَهُمَا: اكْتُبَاهَا
===
أي: أُثْنِيك ثَناءً (كما ينبغي لجلال وجهك) وعظمة ذاتك، (ولعظيم سلطانك) ومُلكك (فعضلت) هذه الكلمة التي قالها في ثناء ربه، أي: أعجزت هذه الكلمة (بالملكين) الكاتبين لأعماله الحافظين لها.
قال السندي: أن ضمير (عضلت) عائد لهذه الكلمة التي قالها العبد، والباء في (بالملكين) للتعدية، يقال: عضل به الأمرُ؛ إذا اشتدَّ.
(فلم يدريا) أي: فلم يدر الملكان ولم يعلما (كيف يكتبانها) أي: هل يكتبان أجرها مثل سائر أجور الأذكار، أم يكتبان أجرها بأزيد على أجور سائر الأذكار (فصعدا) أي: سعد الملكان (إلى السماء) ليسألا الرب ﷻ قدر ما يكتبانه في أجر هذه الكلمة التي قالها العبد في ثناء ربه (وقالا) أي: قال الملكان للرب ﷻ : (يا ربنا؛ إن عبدك) هذا (قد قال) في ثنائك (مقالة) عظيمة (لا ندري) ولا نعلم (كيف نكتبها) أي: كيف نكتب ثوابها (قال الله عز) أي: اتصف بكل الكمالات (وجل) أي: تنزه عن كل النقائص (وهو) أي: والحال أنه (أعلم بما قال عبده) في ثنائه، أي: قال الله للملكين والحال أنه أعلم بما قاله العبد: (ماذا قال عبدي) حين ذكرني؟
(قالا) أي: قال الملكان للرب ﷻ : (يا رب؛ إنه) أي: إن عبدك (قال) في ثنائك: (يا رب؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما): أي: للملكين: (اكتباها) أي: اكتبا أيها
стр. 10704
كَمَا قَالَ عَبْدِي حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيَهُ بِهَا".
(١٠١) - ٣٧٤٥ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِي بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ،
===
الملكان الكلمة التي قالها عبدي (كما قال) ها (عبدي) بلا تقدير أجرها ولا تعيين ثوابها (حتى يلقاني) عبدي؛ أي: حتى يراني ويُعْرَض عليَّ مع كلمته التي قالها بالبعث من القبور، فإذا عرض علي مع كلمته .. (فـ) أنا (أجزيه) أي: فأنا أعطي جزاءه وأجره اللائق (بها) أي: بكلمته التي قالها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الإمام أحمد في "مسنده" من هذا الوجه، والطبراني في ترجمة قدامة بن إبراهيم الجمحي عن ابن عمر.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث جابر رضي الله تعالى عنه، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث جابر بحديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠١) - ٣٧٤٥ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا الأموي مولاهم، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي، ثقة تُكلِّم فيه بلا حُجة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 10705
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَمْدُ لِلّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيه، فَلَمَّا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ .. قَالَ: "مَنْ ذَا الَّذِي قَالَ هَذَا؟ "،
===
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، ثقة، مكثر، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الجبار بن وائل) بن حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة، من الثالثة، لكنه أرسل عن أبيه، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) وائل بن حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ابن سعد بن مسروق الحضرمي الصحابي الجليل، وكان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة حتى مات في ولاية معاوية رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) وائل بن حجر: (صليت مع النبي ﷺ إحدى الصلوات الخمس (فقال رجل) من الحاضرين في اعتدال صلاته، لم أر من ذكر اسم هذا الرجل: (الحمد لله حمدًا كثيرًا) من حيث العدد (طيبًا) من حيث المعنى (مباركًا فيه) من حيث الزيادة؛ والبركة: كثرة الخير معنىً لا حسًا (فلما صلى النبي ﷺ أي: فلما فرغ النبي ﷺ من صلاته بالحاضرين بالسلام من صلاته .. التفت إليهم ف (قال) لهم رسول الله ﷺ بحثًا عمن قال هذا الذكر وتعليمًا بفضيلته: (من ذا) اسم استفهام مركب من اسمين في محل الرفع مبتدأ، خبره الموصول المذكور بعده؛ أي: من ذا (الذي قال هذا) القول الجميل ورائي ونحن في الصلاة؟
стр. 10706
قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا، وَمَا أَرَدْتُ إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ: "لَقَدْ فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَمَا نَهْنَهَهَا شَيْءٌ دُونَ الْعَرْشِ".
===
(قال الرجل) القائل في جواب سؤال النبي ﷺ : (أنا) الذي قلته يا رسول الله (و) لكن (ما أردت) وقصدت بقولي ذلك الذكر (إلا الخير) والثناء الجميل على الله جل وعلا (فقال) رسول الله ﷺ : في بيان فضيلة ذلك الذكر وأجره: أقسمت لكم بالذي نفسي بيده (لقد فُتحت) تشريفًا (لها) أي: لتلك الكلمة (أبواب السماء) السبع كلها ابتدارًا إلى كتابتها (فما نَهْنَهَهَا) أي: فما حجز تلك الكلمة (شيءٌ) من الحواجز مِن وصولها (دون العرش) حتى وصلَتْ إليه، فكُتِبَتْ هناك؛ مبالغة في حفظها عند الله تعالى.
قال السندي: قوله: "نَهْنَهَهَا" من باب زَلْزلَ وقَرْقَرَ؛ من نَهْنَهْتُ الشيءَ؛ إذا منَعْتَه وزَجَرْتَه؛ والمراد: أنه ما منَعَها مانع من الوصول إلي محل الإجابة؛ والمراد: سرعةُ وُصولِها إلي ذلك المحل. انتهى.
وروي أن سبب مشروعية هذا الذكر: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه تأخر يومًا من صلاة العصر لعذر، فجاء للصلاة فوجد النبي ﷺ راكعًا، فقال: الحمد لله حمدًا كثيرًا ... إلي آخره، فنزل جبريل ﵇، وقال: سمع الله لمن حمده، وأمر النبي ﷺ أن يجعلها عند الرفع من الركوع. انتهى من "ب ج على ق س" (١/ ١٧٦)، ففيه بيان أن ذلك الرجل القائل هو أبو بكر الصديق.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: ولكن صح نَحْوُهُ من حديث ابن عمر وأنس دون قوله: (فما نهْنَهَهَا).
قلت: رواه النسائي في "الصغرى" عن عبد الحميد بن محمد عن مخلد بن
стр. 10707
(١٠٢) - ٣٧٤٦ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ أَبُو مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
يزيد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه، فذكره إلا أنه لم يقل: (فُتحت له أبواب السماء)، وقال بدله: (لقد ابْتَدَرها اثنا عشر ملكًا) والباقي نحوه، رواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" عن سَلَّامِ بن سُليم عن أبي إسحاق بلفظ: (الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا)، والباقي نحوه، وله شاهد من حديث عامر بن ربيعة، ورواه أبو داوود في "سننه"، وابن أبي شيبة في "مسنده"، والنسائي في كتاب الافتتاح، باب قول المأموم إذا عطس الإمام بنحوه، وأحمد.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ ولأن له شواهد مما بيناه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث جابر.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث جابر بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٢) - ٣٧٤٦ - (٤) (حدثنا هشام بن خالد) بن زيد بن مروان (الأزرقُ أبو مروان) الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (دق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا زُهير بن محمد) التميمي أبو المنذر الخراساني، سكن الشام ثم الحجاز، ثقة إلا أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضُعِّفَ بسببها، فكَثُر
стр. 10708
عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَّن، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ .. قَالَ: "الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ"، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ
===
غلطُه، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور بن عبد الرحمن) بن طلحة بن الحارث العبدري الحجبي المكي؛ وهو ابن صفية بنت شيبة، ثقة، من الخامسة، أخطأ ابن حزم في تضعيفه، مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئة (١٣٨ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أمه صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي "البخاري" التصريح بسماعها من النبي ﷺ ، وأنكر الدارقطني إدراكها. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه زهير بن محمد، وهو مختلف فيه.
(قالت) عائشة: (كان رسول الله ﷺ إذا رأى ما يُحِبُّ) ويَرْضَى ويطمئنُّ إليه قلبه (قال: الحمد لله الذي بـ) سبب (نعمته) أي: بسبب إنعامه على عباده (تتم) وتحصل لهم (الصالحات) أي: الأعمال الصالحة؛ بسبب توفيقه إياهم إلي سبيل الهدى والرشاد إن كانت دينية، وبسبب تيسيرها لهم إن كانت دنيوية؛ والأمر الصالح: ما فيه نفع لصاحبه، عاجلًا أو آجلًا.
(وإذا رأى ما يكره) ولا يرضاه ولا يطمئن إليه قلبه دينيًا كان أو دنيويًا، وهو
стр. 10709
قَالَ: "الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ".
(١٠٣) - ٣٧٤٧ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ،
===
الأمر السيئ، وهو الذي يسوء ويحزن عليه صاحبه إما عاجلًا أو آجلًا (قال: الحمد لله على) ما قَدّره من (كل حال) سيئ أو صالح؛ فالكل منه وإليه، ولا حول ولا قوة لنا على دفعه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الدعاء والتكبير والذكر، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في "التلخيص".
ونقل المناوي في "الفيض القدير" تصحيح الحاكم واعتراض الذهبي عليه، فقال: قال الحاكم: صحيح، فاعترضه الذهبي بأن زهيرًا له مناكير، وقال ابن معين: ضعيف، فأَنَّى له بالصحة؟ !
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠٣) - ٣٧٤٧ - (٥) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن عُبيدة) - بضم أوله - ابن نَشيط - بفتح النون وكسر
стр. 10710
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، رَبِّ؛ أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ".
===
المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الربذي - بفتحتين ثم معجمة - أبي عبد العزيز المدني، ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن محمد بن ثابت) روى عن: أبي حكيم مولى آل الزبير، وعن أبي هريرة الصحابي، مجهولٌ لا يعرف، قال ابن معين: لا أعرفه، من السادسة. يروي عنه: (ت ق)، وموسى بن عبيدة الربذي.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وشيخه محمد بن ثابت مجهول.
(أن النبي ﷺ كان يقول) في حمده مولاه: (الحمد لله على كل حال) من قضائه وقدره؛ خيرًا كان أو شرًا (رب) أي: يا ربي ويا إلهي (أعوذ) وأتحصن وأتحفظ (بك) أي: بحفظك وبقدرتك (من حال أهل النار) وعملهم من الذنوب والسيئات وعقيدتهم من الشرك والنفاق والكبر والعجب والحسد والرياء والسمعة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١٦)(٣٨٦)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث جابر بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 10711
(١٠٤) - ٣٧٤٨ - (٦) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ .. إِلَّا كَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ أَفْضَلَ
===
(١٠٤) - ٣٧٤٨ - (٦) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني - بضم المهملة - نزيل مكة، ثقة حافظ له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م دت ق).
(حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن شبيب) بوزن طويل (ابن بشر) أبي بشر البجلي الكوفي، صدوق يخطئ، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق)، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، قال: ولم يرو عنه غير أبي عاصم، وقال أبو حاتم: لين الحديث، حديثه حديث الشيوخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ كثيرًا.
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شبيب بن بشر، وهو مختلف فيه.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : ما أنعم الله) وأفاض (على عبد) من عباده (نعمة) من نعمه ورزقًا من أرزاقه (فقال) العبد عندما أنعم عليه نعمة جديدة: (الحمد لله) على ما أنعم به عليَّ وأعطاني من النعمة الجديدة .. (إلا كان الذي أعطاه) جديدًا (أفضل) وأبرك وأنفع وأبقى
стр. 10712
مِمَّا أَخَذَ".
===
عنده (مما) أي: من النعم القديمة التي أعطاها أولًا و (أخذ) ها منه، والحال أنه لم يشكر الله عليها حين أعطاه أولًا.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
قال السندي: قوله: "إلا كان الذي أعطاه" وأدى وفعل من الحمد "أفضل مما أخذ" أي: من النعمة. انتهى من بعض الشروح.
قال ابن أبي الدنيا: بلغني عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن هذا الحديث، فقال: لا يكون فعل العبد أفضل من فعل الله.
قال البيهقي: هذه غفلة من عالم؛ وذلك لأن العبد لا يصل إلى حمد الله وشكره إلا بتوفيقه، وإنما فضله؛ لما فضل من حسن الثناء على الله ومدحه إياه وليس كذالك في النعمة الأولى.
ورواه الحكيم الترمذي بلفظ: (لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال: الحمد لله .. لكان الحمد لله أفضل من ذلك)، وقال في معناه: لأن الدنيا فانية، والكلمة الصالحة من الباقيات الصالحات. انتهى منه.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، والخامس للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10713
(٤٢) - (١٤٠٥) - بَابُ فَضْلِ التَّسْبِيحِ
(١٠٥) - ٣٧٤٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَلِمَتَانِ
===
(٤٢) - (١٤٠٥) - (باب فضل التسبيح)
(١٠٥) - ٣٧٤٩ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة (وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة - بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة - الضبي - بالمعجمة والموحدة - الكوفي، ثقة، أرسل عن ابن مسعود، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : كلمتان) أي: جملتان مفيدتان، وفيه إطلاق الكلمة على الكلام، وهو مثل كلمة
стр. 10714
خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَان، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَان،
===
الإخلاص وكلمة الشهادة، وهو خبر مقدم، و (خفيفتان) وما بعده .. صفات له، والمبتدأ قوله: (سبحان الله ... ) إلى آخره.
والنكتة في تقديم الخبر: تشويق السامع إلى المبتدأ، وكلما طال الكلام في وصف الخبر .. حسن تقديمه؛ لأن كثرة الأوصاف الجميلة تزيد السامع تشوقًا إلى الخبر، قال السندي: والمرادب (الكلمة): اللغوية أو العرفية، لا النحوية.
(خفيفتان على اللسان) أي: يجريان عليها بسهولة؛ لقلة حروفهما، وحسن نظمهما.
(ثقيلتان في الميزان) أي: بالمثوبة، وقيل: ثقلهما في الميزان؛ لعظم لفظهما قدرًا عند الله تعالى، قال الحافظ: وصفهما بالخفة والثقل؛ لبيان قلةِ العمل وكثرةِ الثواب.
وقال الطيبي: التحفة مستعارة للسهولة؛ شبه سهولة جريان هذا الكلام بما يخف على الحامل من بعض الحمولات، فلا يشق عليه، فذكر المشبه، وأراد المشبه به، وأما الثقل .. فعلي حقيقته؛ لأن الأعمال تتجسم عند الميزان. انتهى.
وقيل: توزن صحائف الأعمال، ويدل عليه حديث البطاقة والسجلات، وقال الحافظ: الصحيح أن الأعمال هي التي توزن، وقد أخرج أبو داوود والترمذي وصححه ابن حبان عن أبي الدرداء مرفوعًا: "ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل مِن خُلُق حسن".
قال: وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة، فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، فلا يحملنك ثقلها على تركِها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها، فلذلك خَفَّتْ، فلا يَحْمِلَنَّكَ خفتُها على ارتكابها. انتهى.
стр. 10715
حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ".
===
وقوله: (حبيبتان إلى الرحمن) أي: عند الرحمن، صفة ثالثة للخبر المقدم.
وقوله: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) مبتدأ مؤخر محكي يقدر إعرابه على ميم (العظيم).
قوله: "حبيبتان إلى الرحمن" تثنية حبيبة؛ وهي المحبوبة؛ لأن فيهما المدح بالصفات السلبية التي يدل عليها التنزيه، وبالصفات الثبوتية التي يدل عليها الحمد، وقيل: المراد: أن قائلها محبوب لله تعالى؛ ومحبة الله للعبد: إرادة إيصال الخير له والتكريم.
وخص الرحمن من الأسماء الحسني، للتنبيه على سعة رحمة الله تعالى، حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.
فإن قيل: فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولا سيما إذا كان موصوفه معه، فلم عدل عن التذكير إلى التأنيث؟
فالجواب: أن ذلك جائز لا واجب، وقيل: أنث؛ لمناسبة الثقيلتين والخفيفتين.
قوله: "سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده" هكذا وقع في رواية الترمذي تقديم (سبحان الله العظيم) على (سبحان الله وبحمده) وكذا وقع عند البخاري في الدعوات.
ووقع عنده في الأيمان والنذور والتوحيد بتقديم (سبحان الله وبحمده) على (سبحان الله العظيم)، وكذلك وقع عند مسلم وابن ماجه.
قال الحافظ: قيل: الواو في قوله: (وبحمده) للحال؛ والتقدير: أسبح الله متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه، وقيل: عاطفة؛ والتقدير: أسبح الله وأتلبس