قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الطَّنَافِسِيُّ: قُلْتُ لِوَكِيعٍ: أَقُولُهُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
(١٣٠) - ٣٧٧٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل إذا سلم، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي ﷺ ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، باب الاستنصار عند اللقاء، وابن حبان في "موارد الظمآن" في كتاب الأدعية، باب أدعية رسول الله ﷺ ، وابن أبي شيبة في كتاب الدعاء، باب ما كان يدعو به النبي ﷺ ، والبغوي في "شرح السنة".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قال أبو الحسن) علي بن محمد (الطنافسي) الكوفي شيخ المؤلف: (قلت لـ) شيخي (وكيع) بن الجراح: (أقوله) أي: أقول هذا الدعاء (في قنوت الوتر؟ قال) لي وكيع في جواب سؤالي: (نعم) تقوله في قنوت الوتر.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣٠) - ٣٧٧٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا محمد بن أبي عبيدة) بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، اسم أبيه عبد الملك، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
стр. 10782
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ لَهَا: "مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكِ"، فَرَجَعَتْ، فَأَتَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: "الَّذِي سَأَلْتِ أَحَبُّ إِلَيْكِ أَوْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ"، فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ: قُولِي: لَا، بَلْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ،
===
(حدثنا أبي) عبد الملك بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي أبو عبيدة المسعودي، ثقة، من السابعة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن) سليمان (الأعمش) بن مهران الأسدي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (أتت) أي: جاءت (فاطمة) بنت رسول الله ﷺ (النبي ﷺ حالة كونها (تسأله) ﷺ (خادمًا) يخدمها، والخادم: يطلق على المذكر والمؤنث (فقال لها) رسول الله ﷺ : (ما عندي) اليوم (ما أعطيك) من الخادم (فرجعت) فاطمة إلى بيتها (فأتاها) رسول الله ﷺ في بيتها (بعد ذلك) اليوم الذي رجعت فيه إلى بيتها (فقال) لها رسول الله ﷺ في بيتها: هل الخادم (الذي سألت أحب إليك، أو) أخبرك (ما هو خير) لك (منه) أي: من ذلك الخادم الذي سألت؟ (فقال لها علي) بن أبي طالب: (قولي) يا فاطمة في جواب سؤال رسول الله ﷺ إياك: (لا) أُحِبُّ الآن ما سألتك من الخادم يا والدي (بل) أحب (ما هو خير) لي (منه)
стр. 10783
فَقَالَتْ، فَقَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيم، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْانِ الْعَظِيم، أَنْتَ الْأَوَّلُ
===
أي: مما سألتك (فقالت) فاطمة ما يأمرها علي بقوله؛ يعني: قولها: (أحب ما هو خير لي منه).
(فقال) لها رسول الله ﷺ في بيان ما هو خير لها منه: إن كنت مريدة لما هو خير لك منه .. دعي واتركي طلب الخادم، و (قولي) في سؤال ربك: (اللهم، رب السماوات السبع) ومالكها وخالقها، وهو على حذف حرف النداء وكذا ما بعده (ورب العرش العظيم) وخالقه، وصفه بالعظم؛ لأنه أعظم المخلوقات، فهو بأن لا فناء له، ويا (ربنا ورب كل شيء) أي: يا مالكنا ويا مالك كل شيء من المخلوق، وفي رواية مسلم زيادة: ويا (فالق الحب) أي: يا شاق الحبة ومخرج السنبلة منها (و) يا فالق (النوى) ولب التمرة فيخرج منها نخلة.
ومنه القسم المشهور عن علي رضي الله تعالى عنه: (والذي فلق الحب وبرأ النسمة).
ويا (منزل التوراة) على موسى (و) منزل (الإنجيل) على عيسى (و) منزل (القرآن العظيم) بنسخه كل الكتب السماوية.
وفي رواية مسلم: (والفرقان) وفي رواية مسلم هنا زيادة: (أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته) وعلى هذه الرواية؛ فالجملة الفعلية جواب للنداءات السابقة؛ والمعنى عليها: أتحفظ بك من شر كل شيء من المخلوقات؛ لأنها كلها في سلطانك وأنت آخذ بنواصيها؛ فالأخذ بناصية الشيء .. كناية عن كونه في سلطان الآخذ وقبضته وتحت قهره.
(أنت) يا إلهي هو (الأول) أي: القديم الذي لا ابتداء لوجوده
стр. 10784
فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيءٌ؛ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ".
===
(فليس قبلك شيء) من المخلوقات (وأنت) يا إلهي هو (الآخر) أي: الباقي بعد فناء كل شيء (فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر) أي: الغالب القاهر لكل شيء (فليس فوقك شيء) يقهر ويغلب عليك؛ من الظهور بمعنى: الغلبة والقهر وكمال القدرة، وقيل: المراد: أن الله تعالى ظاهر وجوده وقدرته بالدلائل القطعية والبراهين الساطعة، وقوله ﷺ : "فليس فوقك شيء" يؤيد المعنى الأول.
(وأنت الباطن) أي: الخفي عن الإدراكات المحتجب عنها، أو أنت العالم بالخفيات (فليس دونك شيء) أخفى وألطف منك (اقض عنا الدين) أي: سهل علينا أداء الدين وقضاءه وتوفيته، قال النووي: يحتمل أن المراد بالدين هنا: حقوق الله تعالى وحقوق العباد كلها من جميع الأنواع؛ أي: اجعلنا ممن يقوم بأدائها؛ لئلا نؤاخذ بها عندك يوم القيامة.
(وأغننا من الفقر) أي: أخرجنا من الفقر بغنى فضلك، قال الخطابي: الفقر الذي استعاذ منه رسول الله ﷺ : هو فقر النفس.
ويحتمل أنه فقر المال؛ والمراد: فتنة فقر المال؛ وهي قلة احتماله وعدم الرضا به، ولذا قال: فتنة الفقر، ولم يقل: الفقر.
وأما الاستعاذة منه خوف انحطاط القدر .. فمذموم.
وجاءت أحاديث بتفضيل الفقر، والأخرى بذمه، ومحملهما على ما قلته.
انتهى "إكمال المعلم"، انتهى "أبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء
стр. 10785
(١٣١) - ٣٧٧٥ - (٣) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَص،
===
والتوبة، باب الدعاء عند النوم، وأبو داوود في الأدب، باب ما يقال عند النوم، والترمذي في الدعوات، باب من الأدعية عند النوم.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣١) - ٣٧٧٥ - (٣) (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن زيد بن أفلح العبدي مولاهم أبو يوسف (الدورقي)، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العنزي البصري، ثقة مشهور، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة - بفتح النون وسكون
стр. 10786
عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَي وَالْعَفَافَ وَالْغِنَي".
(١٣٢) - ٣٧٧٦ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
===
المعجمة - الجشمي - بضم الجيم وفتح المعجمة - الكوفي مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، قتل قبل المئة في ولاية الحجاج. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ أنه كان يقول) في دعائه: (اللهم؛ إني أسألك الهدى) أي: أن تهديني إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم (والتقي) أي: الخوف منك والحذر عن مخالفتك؛ بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات (والعفاف) أي: الصيانة من مطامع الدنيا، والتحفظ عما لا يباح والكف عنه (والغني) أي: غنى النفس والقلب عن الناس لا غنى اليد واستغنائها عما في أيديهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، والترمذي في كتاب الدعوات باب دعاء داوود.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال: .
(١٣٢) - ٣٧٧٦ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن
стр. 10787
نُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
===
نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن عبيدة) - بضم المهملة - ابن نشيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الربذي - بفتح الراء والموحدة ثم بمعجمة - أبي عبد العزيز المدني، ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ).
يروي عنه: (ت ق)، وقال النسائي: ضعيف، مرة وقال مرة: ليس بثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وليس بحجة، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث جدًّا وقد حدث عنه وكيع، وقال: كان ثقة فهو مختلف فيه.
(عن محمد بن ثابت) عن أبي هريرة، مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وشيخه محمد بن ثابت مجهول أيضًا.
(قال) أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ يقول) في دعائه: (اللهم؛ انفعني) في ديني ودنياي (بما علمتني) في الأزمنة الماضية (وعلمني ما ينفعني) في عاجلي وآجلي (وزدني علمًا) ينفعني في ديني ودنياي؛ بقرينة السياق (والحمد لله على كل حال) أي: من الضيق والشدة والضراء والسراء
стр. 10788
وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ".
(١٣٣) - ٣٧٧٧ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ،
===
والغنى والفقر (وأعوذ بالله من) أن أكون في (عذاب النار) ومن أهله، وهذا الحديث قد تقدم في باب الانتفاع بالعلم والعمل به رقم (٢٣)، حديث رقم (٢٤٩) دون قوله: (وأعوذ بالله ... ) إلى آخره.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ كما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٨)(٣٨٨).
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٣٣) - ٣٧٧٧ - (٥) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة. أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة ثبت قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن يزيد) بن أبان (الرقاشي) - بتخفيف القاف ثم بمعجمة - أبي عمرو البصري القاص - بتشديد المهملة - زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
стр. 10789
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُمَّ؛ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَّنِ يُقَلِّبُهَا"،
===
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد الرقاشي، وهو متفق على ضعفه.
(قال) أنس: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول) في دعائه: (اللهم؛ ثبت قلبي على دينك) الذي أرسلتني به، (فقال رجل) من الحاضرين، لم أر من ذكر اسمه: (يا رسول الله) أ (تخاف علينا) معاشر الأمة، أم تخاف على نفسك فتكثر قولك: "اللهم؛ ثبت قلبي على دينك"؟ (و) الحال أنا (قد آمنا) وصدقنا (بك) أي: برسالتك (وصدقناك بما) أي: فيما (جئت به) إلينا من الشرائع، إن كنت قد خفت علينا عدم الثبات .. فلا تخف؛ فإنا آمنا بك قلبًا وقالبًا؛ يعني السائل: أن الرجل من الحاضرين علم أن قوله ذلك ليس لخوفه على نفسه عدم الثبات على الدين، وإنما هو؛ أي: قوله ذلك؛ لتشريع ذلك القول لأمته، فهو؛ أي: قولُه ذلك؛ لخوفه عليهم، وأنه رأى لما كان هو ﷺ يَدْعُو بمثل هذا الدعاء .. فالأمةُ أَوْلَى بذلك وأحرى، ففرَضَ السؤالَ في الأمةِ نادبًا؛ أي: خائفًا عليهم.
(فقال) ﷺ جوابًا لقول الرجل: وإنما أكثرت من قولي ذلك؛ يعني: قوله: "اللهم؛ ثبت قلبي على دينك"؛ لـ (أن القلوب) كلها ولو قلب نبي مرسل كائن تصرفها (بين إصبعين من أصابع الرحمن حالة كونه (يقلبها) أي: يقلب القلوب ويحولها من شأن إلى شأن آخر، ومن كفر
стр. 10790
وَأَشَارَ الْأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ.
(١٣٤) - ٣٧٧٨ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ،
===
إلى إيمان، ومن إيمان إلى كفر، وليس تقليبها بأيدي أصحابها، بل تقليبها بين إصبعي الرحمن، فلذلك سألتُ تثبيتَها على الدين الحق.
وقوله: "بين إصبعي الرحمن" كناية عن سرعة تقلبها من شأن إلى شأن آخر؛ فتقليبها من وظيفة الرحمن لا من وظيفة أصحابها، فلذلك لا تقدر على تثبيتها على شأن واحد إلا بإذن الرحمن، فتحتاج في الثبات على الخير إلى الله تعالى على الدوام، وأما الكلام في الأصابع .. فالمحققون فيه على التفويض إليه تعالى، وهو أولى وأحسن. انتهى "سندي".
قال عبد الله بن نمير: (وأشار) شيخنا (الأعمش) عندما روى لنا هذا الحديث (بإصبعيه) السبابة والإبهام.
فالحديث من أحاديث الصفات التي يجب علينا إجراؤها بلا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، مع صرف ظاهرها عن حقيقته فنثبت الأصابع لله ، فنقول: إن لله أصابع ليست كأصابعنا، فهذا هو الواجب في صفات الرحمن بلا بحث عن كيفيتها وصفتها، والله هو الهادي إلي طريق الرشاد.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (١٩)(٣٨٩)؛ لضعف سنده؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عباس بحديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣٤) - ٣٧٧٨ - (٦) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي
стр. 10791
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْر، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي،
===
المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري عالمها قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) المصري أبي رجاء، واسم أبيه سويد، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه (ع).
(عن أبي الخير) مَرْثَد - بالمثلثة - ابن عبد الله اليزني - بفتح التحتانية والزاي بعدها نون - المصري، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة تسعين (٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمرو بن العاص) السهمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر الصديق) عبد الله بن عثمان القرشي التيمي خليفة رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وفيه رواية صحابي عن صحابي.
(أنه) أي: أن أبا بكر (قال لرسول الله ﷺ : علمني) يا رسول الله (دعاء أدعو به في صلاتي) فيه: طلب التعليم من العالم في كل
стр. 10792
قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ؛ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
===
ما فيه خير، خصوصًا الدعوات التي فيها جوامع الكلم. انتهى "عيني".
قوله: (أدعو بها في صلاتي) أي: في آخر صلاتي بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، قوله: (أدعو به في صلاتي) أي: في آخر صلاتي بعد التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، وقيل: إنه إراد به: الدعاء في السجود.
قال القرطبي: إنما خص الصلاة؛ لأنها بالإجابة أجدر، وقد قال ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء" رواه (م) (٤٨٢).
فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (قل) يا أبا بكر في دعائك إذا أردت الدعاء في صلاتك: (اللهم؛ إني ظلمت نفسي) وضَيَّعْتُها بملابسة ما يستوجب العقوبة؛ أي: يَنْقُصُ حقوقها عند الله تعالى (ظلمًا كثيرًا) أي: كثيرًا عدده وأنواعه؛ والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، وظلم الإنسان لنفسه: هو تركها مع هواها حتى يصدر عنها من المعاصي ما يوجب عقوبتها. انتهى من "المفهم".
وفيه أن الإنسان لا يخلو عن تقصير ولو كان صديقًا (ولا يغفر الذنوب إلا أنت؛ فاغفر لي مغفرة) صادرة (من عندك) أي: من فضلك وجودك لا باستحقاقي إياها.
وغفران الذنوب: هو سترها بالتوبة عنها أو بالعفو عنها؛ أي: فاغفر لي تفضلًا من عندك وإن لم أكن أهلًا له، وإلا .. فالمغفرة والرحمة وكل شيء من عنده تعالى، وقد أكد ذلك بقوله: (وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم) لأنك
стр. 10793
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كثير المغفرة والرحمة، لا لكوني مستحقًا لذلك. انتهى من "المفهم".
قال الطيبي: قوله: (مغفرة) دل التنكير فيه على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه، ووَصَفَه بكونه من عند الله تعالى مريدًا لذلك العظم؛ لأن الذي يكون من عند الله تعالى لا يحيط به وصف.
وقال ابن دقيق العيد: إنه إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها، لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره. انتهى.
قال القرطبي: وقد استحب بعض العلماء أن يدعى بهذا الدعاء في الصلاة قبل التسليم، وجميع الصلاة كلها عند علمائنا محل للدعاء، غير أنه يكره الدعاء في الركوع، وأقربه للإجابة السجود؛ كما ورد.
واعلم: أنه يجوز أن يدعى في الصلاة بكل دعاءٍ كان؛ بألفاظ القرآن أو بألفاظ السنة أو بغيرهما، خلافًا لمن منع ذلك إذا كان بألفاظ من عند الناس؛ وهو أحمد بن حنبل وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى. انتهى من "المفهم".
قال في "الكوكب": وهذا الدعاء من جوامع الكلم؛ إذ فيه الاعتراف بغاية التقصير؛ وهو كونه ظالمًا ظلمًا كثيرًا، وطلب غاية الإنعام التي هي المغفرة والرحمة؛ فالأول: عبارة عن الزحزحة عن النار، والثاني: إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم. انتهى.
قال العيني: فيه اعتراف بأن الله سبحانه هو المتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده، من غير مقابلة على عمل حسن، وفيه أيضًا استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة من الدعوات المأثورة والمشابهة لألفاظ القرآن. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، وفي كتاب الدعوات، وفي كتاب باب الدعاء قبل السلام، وباب الدعاء في الصلاة،
стр. 10794
(١٣٥) - ٣٧٧٩ - (٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ، عَنْ أَبِي الْعَدَبَّسِ،
===
وباب قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، والترمذي في كتاب الدعوات، باب حدثنا قتيبة، حدثنا ليث بن سعد، والنسائي في كتاب السهو.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن عباس بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣٥) - ٣٧٧٩ - (٧) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي مرزوق) لم يعرف اسمه، ليِّنٌ، من السادسة. يروي عنه: (د ق).
(عن أبي العدبس) تبيع بن سليمان وهو بكنيته أشهر، مجهول، من السادسة. يروي عنه: (د ق).
стр. 10795
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَصًا؛ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ .. قُمْنَا فَقَالَ: "لَا تَفْعَلُوا كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ دَعَوْتَ اللهَ لَنَا، قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، وَارْضَ عَنَّا وَتَقَبَّلْ مِنَّا، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ
===
(عن أبي أمامة الباهلي) صدي - مصغرًا - ابن عجلان الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا مرزوق، وهو لين غير معروف اسمه، ولكن يقويه كون الراوي عنه وهو مسعر، ومن يروي عنه وهو أبو وائل .. ثقتين.
(قال) أبو أمامة: (خرج علينا رسول الله ﷺ من منزله ونحن في المسجد، لعله في مرض موته (وهو) ﷺ ؛ أي: والحال أنه ﷺ (متكئ) أي: معتمد (على عصًا) له لضعفه بالمرض (فلما رأيناه) ﷺ داخلًا علينا المسجد .. (قمنا) جميعًا؛ إكرامًا له وبشارة بحضوره المسجد (فقال) لنا رسول الله ﷺ : (لا تفعلوا) هذا القيام لي، ولا تفعلوا بي (كلما يفعل أهل فارس) وقومهم (بعظمائها) ورؤسائها من القيام لهم عند حضورهم مجلسهم، قال أبو أمامة: (قلنا) نحن معاشر الحاضرين في المسجد: (يا رسول الله؛ لو دعوت الله لنا) بكل خير .. لكان دعائك خيرًا لنا، ويحتمل كون (لو) للتمني، فـ (قال) في دعوته لهم: (اللهم؛ اغفر لنا) ذنوبنا صغارها وكبارها (وارحمنا) رحمة عامةً لكلنا في ديننا ودنيانا وأخرانا (وارض عنا) رضا لا سخط بعده (وتقبل منا) أعمالنا الصالحة (وأدخلنا الجنة) بلا محاسبة مع
стр. 10796
وَنَجِّنَا مِنَ النَّار، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ"، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَزِيدَنَا، فَقَالَ: "أَوَلَيْسَ قَدْ جَمَعْتُ لَكُمُ الْأَمْرَ؟ ! ".
===
الأبرار (ونجنا) أي: سلمنا (من) عذاب (النار) وأليمها (وأصلح لنا شأ ننا) أي: أمرنا (كله) في الدين والدنيا والآخرة بالتوفيق لأرشد الأمور.
(قال) أبو أمامة: (فكأنما) نحن معاشر الحاضرين (أحببنا) أي: رجونا وتمنينا (أن يزيدنا) في الدعاء لنا على ما دعاه لنا؛ وقال بعضنا: زد لنا يا رسول الله في الدعاء لنا (فقال): أتطلبون الزيادة على ما دعوت لكم (أوليس) الشأن (قد جمعت لكم) في الدعاء (الأمر) والشأن كله دينه ودنياه وأخراه؟ ! بل يكفيكم هذا الدعاء؛ لأنه من جوامع الكلم وبليغها.
قال السندي: قوله: (لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس) يدل على كراهة القيام للداخل، قوله: (أوليس) أي: الشأن (قد جمعت) على صيغة المتكلم، ويحتمل أن يكون للمؤنث؛ أي: قد جمعت هذه الكلمات أو تلك المقالة.
قلت: وكيف لا تجمع وقد ذكر في آخر دعائه (وأصلح لنا شأننا كله) فما بقي بعد ذلك من شيء؟ ! انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم ورفعه: "إذا قام أحدكم من مجلسه، ثم رجع إليه .. فهو أحق به" قالوا: فلما كان أحق به بعد رجوعه .. ثبت أنه حقه قبل أن يقوم، ويؤيد ذلك ما رواه نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ : (أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر). أخرجه الشيخان.
وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه .. لم يجلس فيه. أخرجه البخاري في الأدب بهذا اللفظ، وكذا أخرجه مسلم من رواية سالم عن أبيه.
قال الحافظ ابن القيم: رحمه الله تعالى وحديث ابن عمر هذا في
стр. 10797
(١٣٦) - ٣٧٨٠ - (٨) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْد، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ،
===
"الصحيحين"، ولفظه: (نهى رسول الله ﷺ أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا) وفي "صحيح مسلم" عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ "لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: تفسحوا".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث ابن عباس بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣٦) - ٣٧٨٠ - (٨) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي أبو موسى الأنصاري، لقبه زغبة - بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة - وهو لقب أبيه أيضًا (المصري) ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ)، وقد جاوز التسعين، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات. يروي عنه: (م د س ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري، ثقة عالم مصر وفقيهها، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع)، وروايته عن عائشة وأم سلمة .. مرسلة.
стр. 10798
عَنْ أَخِيهِ عَبَّادِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ".
===
(عن أخيه عباد بن أبي سعيد) كيسان المقبري، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(أنه) أي: عبادًا (سمع أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سمع عباد أبا هريرة حالة كونه (يقول: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم؛ إني أعوذ بك من الأربع) وهو إجمال، وتفصيله قوله الآتي: (من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع).
قال الطيبي: اعلم: أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجوده مبني على غايته، وأن الغرض منه تلك الغاية؛ وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم ينتفع به .. لم يَخْلُص منه كفافًا، بل يكون وبالًا، ولذلك استعاذ منه.
وأن القلب إنما خلق؛ لأن يتخشَّع لبارئه، وينشرح لذلك الصدرُ، ويُقذف النور فيه؛ فإذا لم يكن كذلك .. كان قاسيًا، فيجب أن يستعاذ منه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١).
وأن النفس يعتد بها إذا تجافت عن دار الغرور، وأنابت إلى دار الخلود، وهي إذا كانت منهومة لا تشبع، حريصة على الدنيا .. كانت أعدى عدو المرء، فأولى الشيء الذي يستعاذ منه هي؛ أي: النفس.
стр. 10799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله، ولم يخشع قلبه، ولم تشبع نفسه، ذكره علي القاري. انتهى من "العون" (٤/ ٢٨٥) في كتاب الصلاة، باب الاستعاذة.
والمعنى التفصيلي لهذا الدعاء: (اللهم؛ إني أعوذ بك من علم لا ينفع) أي: من علمٍ لا أعَملُ به، ولا أُعْلم به الناسَ، ولا يهذبُ الأخلاقَ والأقوالَ والأفعال، أو من علم لا يحتاج إليه، أو علم لم يرد في تعلمه إذن شرعي. انتهى "تحفة".
والحاصل: أن العلم الذي لا ينفع هو العلم الذي لا يعمل به - أعاذنا الله تعالى منه - وعدم النفع عام، سواء كان مصحوبًا بالضرر؛ كما في مخالفة أوامر الشرع بعد علمها، أو لم يكن مصحوبًا به؛ كترك المندوبات بعد علمها؛ فإنه لا إثم فيه، ولكنه خال عن النفع، وفي الحديث: (العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه؛ أتعب صاحبه بنفسه في جمعه، ثم لم يصل إلى نفعه) رواه ابن خير الناس في "فهرسته" (ص ٥).
(ومن قلب لا يخشع) أي: لا يَسْكُنُ ولا يطْمَئِنُّ بذكر الله تعالى (ومن نفس لا تشبع) أي: بما آتاها الله تعالى، ولا تقنع بما رزقها، ولا تَفْتَرُ عن جَمْعِ المالِ؛ لما فيها من شدة الحرص، أو من نفس تأكل كثيرًا، قال ابن الملك: أي: من نفس حريصة على جمع المال وتحصيل المناصب.
(ومن دعاء لا يسمع) بصيغة المبني للمجهول؛ أي: لا يستجاب.
قال النووي: هذا الحديث وغيره من الأدعية المسجوعة دليل على ما قاله العلماء: إن السجع المذموم في الدعاء هو المتكلف به؛ فإنه يذهب الخشوع والخضوع والإخلاص، ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل
стр. 10800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بلا تكلف ولا إعمال فكر؛ لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظًا .. فلا بأس به، بل هو حسن. انتهى.
وقال أبو طالب المكي: قد استعاذ النبي ﷺ من نوع من العلوم؛ كما استعاذ من الشرك والنفاق وسوء الأخلاق، والعلم الذي لم يقترن به التقوى فهو باب من أبواب الدنيا، ونوع من أنواع الهوى. انتهى من "الدهني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الدعاء والذكر، باب التعوذ من شر ما عمل عن زيد بن أرقم مطولًا، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، والترمذي في كتاب الدعوات، باب رقم (٦٩)، قال: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة وابن مسعود، قال: وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاسشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثمانية أحاديث:
الأول للاستدلال، واثنان للاستئناس، وخمسة للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10801
(٤٨) - (١٤١١) - بَابُ مَا تَعَوَّذَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ
(١٣٧) - ٣٧٨١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ:
===
(٤٨) - (١٤١١) - (باب ما تعوذ منه رسول الله ﷺ
(١٣٧) - ٣٧٨١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع)، (جميعًا) أي: حالة كون كل من ابن نمير ووكيع مجتمعين على الرواية.
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندانِ من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات) أي: بهذه
стр. 10802
"اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّار، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْر، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْر،
===
الدعوات الآتية المذكورة بقوله: (اللهم؛ إني أعوذ) أي: أتحصن (بك) أي: بعصمتك (من فتنة النار) قال القرطبي: (فتنة النار): الضلال الموصل إليها، وقال القسطلاني: (فتنة النار): سؤالُ الخزنة؛ أي: خزنة السؤال، على سبيل التوبيخ.
(وعذاب النار) أي: العقوبة فيها والتعذيب بها (ومن فتنة القبر) هي الضلال والخطأ عن الصواب في إجابة سؤال الملكين فيه؛ وهما منكر ونكير.
(و) من (عذاب القبر) وهو ضربُ من لم يوفَّق بالجواب الصحيح بمطارق الحديد، وتعذيبُه إلى يوم القيامة.
(ومن شر فتنة الغنى) هي الحرصُ على جمعِ المال وحَبْسِه حتى يكتسبه من غير حِلِّه، ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، قال الأبي: جمعه من حله ليس بفتنة، وفي "المدارك": عن يحيى بن يحيى: جمع الدنيا من وجهها من الزهد فيها.
وفي "جامع المقدمات": ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا زهد في الحلال، وإنما الزهد في الحرام؛ لأن العباد لم يؤمروا بالزهد فيما أحل لهم، بل يثابون على كسبه إذا تورعوا في كسبه. انتهى منه.
(و) من (شر فتنة الفقر) هي ألا يصحبه صبر ولا ورع؛ حتى يقع فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة. انتهى "سنوسي".
قال القرطبي: يعني به: الفقر المُدْقِعُ الذي لا يصحبه صَبْرٌ ولا وَرَع حتى يتورَّطَ صاحبُه بسببه فيما لا يليق بأهل الأديان ولا بأهل المروءات، حتى لا يبالي بسبب فاقته على أي حرامٍ وَثَبَ، ولا في أي ركاكةٍ تَورَّط، وقيل: المُرادُ به: فقْر
стр. 10803
وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّال، اللَّهُمَّ؛ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَد،
===
النفس الذي لا يَردُّهُ مُلْكُ الدنيا بحذافيرها، وليس في شيء من هذه الأحاديث ما يَدُلُّ على أنَّ الغنى أفضلُ من الفقر، ولا أن الفقر أفضل من الغنى، لأنَّ الغنى والفقر المذكورين هنا مذمومان باتفاق العقلاء. انتهى من "المفهم".
قال النووي: قوله: "من شر فتنة الغنى، ومن شر فتنة الفقر" لأنهما حالتان تخشى الفتنة فيهما بالتسخُّطِ وقلة الصبر والوقوع في حرام أو شبهةٍ للحاجة.
ويخاف من الغنى: الأَشر والبَطر والبخل بحقوق المال، أو إنفاقُه في إسراف أو في باطل أو في مفاخر. انتهى.
(و) أعوذ بك (من شر فتنة المسيح الدجال) لأنه كان يَفْتِن الناسَ بالدعوة إلى الإقرار بألوهيته، ويعذب مَن أنكرها أو يقتله؛ كما سيأتي في بابه.
وإنما لُقِب الدجال بالمسيح؛ لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شِقَّي وجهِه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج.
وأما عيسى ﵇ .. فقد سمي بذلك، لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، وقيل: لأن زكريا ﵇ مسحه، وقيل: لأنه كان يمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: للبسه المُسوح، وقيل: هو بالعبرانية: ما شيخا، فعُزِبَ إلى المسيح.
(اللهم؛ اغسل) عني (خطاياي) وذنوبي (بماء الثلج) والثلج: الماء الذي تجمَّد لشدة برودته، قال العسقلاني: كأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم؛ لكونها مسببة عنها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المياه الباردة غاية البرودة (و) بماء (البَرَدِ) - بفتحتين - حُبوب الغمام التي تنزل من السماء مع المطر، لأنه أنقى المياه أوساخًا.
стр. 10804
وَنَقِّ قَلْبِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَس، وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ".
===
(ونق قلبي من الخطايا) والذنوب (كما نقيت) وصفيت (الثوب الأبيض من الدنس) أي: من الوسخ؛ والمعنى: ونق قلبي من الخطايا الباطنية؛ وهي الأخلاق الذميمة والشمائل الرديئة.
قوله: (ونق) - بفتح النون وتشديد القاف - أمر من التنقية؛ من باب زكى وصلى.
(كما نقيت) بصيغة المعلوم المسند إلى المخاطب؛ أي: كما نقيت وصفيت (الثوب الأبيض) - بفتح المثناة الفوقية - وهو تأكيد للسابق، ومجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها.
(وباعد) يا رب (بيني وبين خطاياي) وذنوبي، جمع خطيئة؛ أي: أبعد بيني وبينها (كما باعدت) أي: كتبعيدك (بين المشرق والمغرب) أي: حُلْ واحْجُزْ بيني وبينها حتى لا يبقى لها اقتراب مني بالكلية (اللهم؛ إني أعوذ بك من الكسل) وهو الفتور عن الشيء مع القدرة على عمله، إيثارًا لراحة البدن على التعب. انتهى "قسطلاني".
قال القرطبي: والكسل المتعوذ منه هو التكاسل عن الطاعات، وعن السعي في تحصيل المصالح الدينية والدنيوية.
(والهرم): وهو الزيادةُ في كبر السن، المُؤدِّيةُ إلى ضَعْف الأعضاء (و) من (المأثم) أي: من الإثم والذنب؛ والمراد به: مَا يوجب الإثم (و) من (المغرم) أي: الدين فيما لا يجوز.
قال القرطبي: والهرم المتعوذ منه هو المعبَّرُ عنه في الحديث الآخر بـ (أرذل
стр. 10805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العمر) وهو ضعف القوى واختلال الحواس والعقل الذي يعود الكبير بسببه إلى أسوأ من حال الصغير، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ (١).
قال النووي: والمراد بالاستعاذة من الهرم: الاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر، وسبب ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم، وتشويه بعض المنظر منه، والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها. انتهى.
(و) أعوذ بك من (المأثم) أي: الإثم والذنب؛ والمراد: ما يوجب الذنب (والمغرم) أي: الدين فيما لا يحل؛ كشرب الدخان والخمر (والمأثم) - بفتح الميم والمثلثة بينهما همزة ساكنة - مصدر ميمي، وكذا (المغرم) مصدر بمعنى الغرم، وأما استعاذته ﷺ من الغرم؛ وهو الدين .. فقد فسره ﷺ في أحاديث "مسلم": أن الرجل إذا غرم .. حدث فكذب ووعد فأخلف، ولأنه قد يمطل المدين صاحب الدين، ولأنه قد يشتغل قلبه، وربما مات قبل وفائه فبقيت ذمته مرتهنة به. انتهى "نووي".
والمراد به: ما يستدان فيما لا يجوز وفيما يجوز ثم يعجز عن أدائه، ويحتمل أن يراد به: ما هو أعم من ذلك، وزاد البخاري في آخر هذا الحديث: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: "إن الرجل إذا غرم .. حدث فكذب، ووعد فأخلف". انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب الدعوات والتعوذ، وأخرجه البخاري من حديث علي ﵁ في كتاب الدعوات، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، والترمذي في
стр. 10806
(١٣٨) - ٣٧٨٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ
===
كتاب الدعوات، باب رقم (٨٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الغسل، وكتاب الغسل، وكتاب الافتتاح، وأحمد والدارمي.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٣٨) - ٣٧٨٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفي، ثقة تغير حفظه في الآخر، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ) وله ثلاث وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن هلال) بن يِسَافٍ - بكسر التحتانية ثم مهملة ثم فاء - ويقال: ابنُ إِسَافٍ الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن فروة بن نوفل) الأشجعي الكوفي مختلف في صحبته، والصواب: أن الصحبة لأبيه، ثقة، من الثالثة، مات قبل المئة في خلافة معاوية. يروي عنه: (م عم).
стр. 10807
قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ دُعَاءٍ كَانَ يَدْعُو بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ".
===
(قال) فروة: (سألْتُ عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: قال فروة: سألت عائشة (عن دعاء كان يدعو به رسولُ الله ﷺ دائمًا (فقالت) عائشة في جواب سؤالي: (كان) رسول الله ﷺ دائمًا (يقول) في دعائه لربه: (اللهم؛ إني أعوذ بك من) ضرر (شر ما عملْتُـ) ـهُ بيدي من الأعمال الصالحة؛ بأن أدخل فيها ما يحبط ثوابها؛ كالعجب والرياء والسمعة والمحمدة، فيعاقب عليه مع كونه عملًا صالحًا؛ لأنه شرك باطني (ومن شر ما لم أَعْمَلْ) أنا بنفسي وعَمِلَ غيري من المعاصي، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١). انتهى "مناوي".
ويحتمل أن يكون المراد منه: ترك العمل فيما كُلِّف فيه بالعمل، وهذا يمكن في حقه ﷺ بالسهو أو النسيان؛ كما وقع منه ﷺ في الصلاة عِدَّةَ مرات، ويمكن في حق غيره بالعمد والقصد أيضًا، ويمكن أن يكون مراد الدعاء: التعوذ من عمل مباح قصد به الخير، وكان في الباطن شرًا؛ والمراد من قوله ﷺ : "ما لم أعمل" أي: ما لم أقصد. انتهى "تكملة".
قال القرطبي: هذا الدعاء كقوله في الحديث الآخر: "اللهم؛ إني أعوذ بك من كل شر" غير أنه نبه في هذا على معنىً زائد، وهو أنه قد يعمل الإنسان
стр. 10808
(١٣٩) - ٣٧٨٣ - (٣) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سُلَيْمٍ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الْخَرَّاطُ،
===
العمل لا يقصد به إلا الخير، ويكون في باطن أمره شر لا يعلمه، فاستعاذ منه ويؤيد هذا أنه قد روي في غير "كتاب مسلم": (من شر ما علمت وما لم أعلم) ويحتمل أنه يريد به: ما عمل غيره فيما يظن أنه يقتدى به فيه. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، والنسائي في كتاب الصلاة، باب التعوذ في الصلاة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديثها الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣٩) - ٣٧٨٣ - (٣) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) بالزاي، صدوق تكلَّم فيه أحمدُ لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا بكر بن سليم) - مصغرًا - الصَّوَّافُ أبو سليمان الطائفي، سكن المدينة، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا حميدٌ) - مصغرًا - ابن زياد أبو صخر بن أبي المخارق (الخرَّاطُ) صاحبُ العباء مدني سكن البصرة، ويقال: هو حميد بن أبي مودود الخراط،
стр. 10809
عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،
===
وقيل: إنهما اثنان، صدوق يهم، من السادسة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن كريب) بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني أبي رشدين (مولى ابن عباس) ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن، لأن فيه بكر بن سليم وحميد الخراط، وهما مختلف فيهما.
(قال) ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا) معاشر الصحابة (هذا الدعاء) الآتي (كما يعلمنا السورة من القرآن) فردًا فردًا، وفي رواية مسلم هنا زيادة: (يقول: قولوا: اللهم) أي: حالة كونه يقول في تعليمه لهم: قولوا يا معشر المؤمنين في صلاتكم أو بعد الفراغ منها: (اللهم؛ إني أعوذ) وألوذ وألتجئ (بك من عذاب جهنم) قدمه؛ لأنه أشد وأبقى (وأعوذ بك من عذاب القبر) فيه: رد على المنكرين لذلك من المعتزلة، والأحاديث في الباب متواترة.
قال في "المرقاة": فيه إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها إلا بالالتجاء إلى بارئها. انتهى.
(وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال) أي: من محنته، وأصل المحنة:
стр. 10810
وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".
===
الامتحان والاختبار، استعيرت؛ لكشف ما يكره، والدجال: فعال من الدجل؛ وهو التغطية، سمي به؛ لأنه يغطي الحق بباطله. انتهى من "شرح الإحياء".
فإن قلت: كيف استعاذ من فتنة الدجال مع تحقق عدم إدراكه؟
أجيب: بأن فائدته تعليم أمته؛ لينتشر خبره بين الأمة جيلًا بعد جيل؛ بأنه كذاب مبطل ساع على وجه الأرض بالفساد؛ حتى لا يلتبس كفره عند خروجه على من أدركه. انتهى "قسطلاني".
(وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) مفعل من الحياة والموت، ويحتمل: إرادة زمنهما؛ لأن ما كان معتل العين من الثلاثي .. يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد.
قال ابن دقيق: فتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها - والعياذ بالله تعالى - سوء الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها: الفتنة عند الموت، أضيفت إليه؛ لقربها منه، ويكون المراد على هذا بـ (فتنة المحيا): ما قبل ذلك.
ويجوز أن يراد: فتنة القبر، وقد صح أنهم يفتنون في قبورهم، وقيل: أراد بـ (فتنة المحيا): الابتلاء مع زوال الصبر والرضا بالقدر، وترك متابعة طريق الهدى، وبـ (فتنة الممات): السؤال في القبر مع الحيرة، كذا في "الفتح".
وقيل: شدة سكراته، وقيل: هي سوء الخاتمة، ولم يعين في هذا الحديث موضع هذا الدعاء، ولكن ذكره في حديث أبي هريرة المذكور في "الصحيحين" بلفظ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهد أحدكم .. فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم؛ إني أعوذ بك من عذاب جهنم ... " الحديث؛ أي: إذا فرغ أحدكم من التشهد في آخر صلاته مع ما
стр. 10811
(١٤٠) - ٣٧٨٤ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ،
===
بعده من الصلاة على النبي ﷺ وآله .. فليستعذ من أربع أمور ... إلى آخره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الاستعاذة لكن بسند صحيح، فقال: عن أبي الزبير عن طاووس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد التشهد، لكن بسند صحيح أيضًا، فقال: عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس، والترمذي في كتاب الدعوات، باب رقم (٧٧)، والنسائي في كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء بعد الذكر، ومالك، وأحمد.
ودرجته: أنه صحيح وإن كان سنده عند المؤلف حسنًا؛ لأن له شواهد رويت بأسانيد صحيحة، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عائشة الأول بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٤٠) - ٣٧٨٤ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي الهاشمي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري أبو عثمان المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن يحيى بن حبان) - بفتح المهملة وتشديد الموحدة -
стр. 10812
عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ فِرَاشِه، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ
===
ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة، عن عائشة) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة) أي: ليلة من الليالي، فلفظ: (ذات) مقحم، أو في ذات هي ليلة من الليالي، وذكرها لتأكيد الكلام (من فراشه) أي: من مرقده الذي كان ينام فيه.
وفي "العون": قوله: (فقدت) ضد صادفت؛ أي: طلبته فما وجدت (فالتمسته) أي: طلبته بيدي في نواحي مرقدي والحجرة يومئذ ظلام (فوقعت يدي) بالإفراد (على بطن قدميه) ولمستهما، قال المازري: قال قوم: لا ينقض اللمس؛ أي: لمس بشرتي الرجل والمرأة الوضوء، وحملوا اللمس في آية الوُضُوءِ على الجماع، وقال قوم: ينقض، وحملوا الآية على أنه باليد، ثم اختلف هؤلاء: فقال الشافعي: ينقض وإن لم يلتذ، وقال مالك: إنما ينقض إذا التذ، وقال أبو حنيفة: إذا انتشر. انتهى.
وقال النووي: استدل بهذا الحديث من يقول: لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة وآخرين.
وقال مالك والشافعي وأحمد والأكثرون: ينقض، واختلفوا في تفصيل ذلك، وأجيب عن هذا الحديث بأن الملموس لا ينقض على قول الشافعي وغيره،
стр. 10813
وَهُوَ فِي الْمَسْجَدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ".
===
وعلى قول من قال: ينتقض - وهو الراجح عند أصحابنا - يحمل هذا اللمس على أنه كان فوق حائل، فلا يضر. انتهى.
(وهو) أي: لمسته بيدي بطن قدميه، والحال أنه ﷺ (في المَسْجَدِ) - بفتح الجيم - أي: كائن في السجود، فهو مصدر ميمي، أو في الموضع الذي كان يصلي فيه من حجرتي، فيكون ظرف مكان؛ لأن الفتح هو القياس فيه مطلقًا؛ أي: في مصدره وظرفه؛ لأنه من باب فعل يفعل؛ كنصر ينصر بالضم في عين مضارعه، وروي بكسرها على الشذوذ؛ كما بسطنا الكلام في هذا المقام في كتابنا: "مناهل الرجال ومراضع الأطفال" فراجعه إن أردت تحقيقه.
(وهما) أي: والحال أن قدميه المباركتين (منصوبتان) أي: قائمتان لا مفروشتان على الأرض؛ كما هو هيئة القدمين عند السجود (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يقول) في سجوده: (اللهم؛ إني أعوذ) وأتحصن (برضاك من سخطك) أي: من غضبك (وبمعافاتك) أي: وأعوذ بأمنك من كل المكاره (من عقوبتك) وبلائك (وأعوذ بك) أي: بذاتك (منك) أي: من عقوبتك (لا أحصي ثناء عليك) أي: لا أطيق إحصاء ثناءٍ لك ولا أطيق معرفته (أنت كما أثنيت على نفسك) أي: أنت موصوف بالثناء الذي أثنيت به على نفسك قبل وجود الكائنات بقولك: نعم المولى، ونعم النصير، ونعم الوكيل.
قال القاضي رحمه الله تعالى: و (معافاته) و (عقوبته) من صفات أفعاله، فاستعاذ من المكروه منهما إلى المحبوب، ومن الشر إلى الخير.
стр. 10814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشيخ ابن عرفة رحمه الله تعالى: ثم ترقى عن الأفعال إلى منشئ الأفعال، فقال: (وأعوذ بك) أي: أتحصن بذاتك (منك) أي: من عقوبتك مشاهدةً للحق، وغيبةً عن الخلق، وهذا محض المعرفة الذي لا يعبر عنه قولٌ، ولا تضبطه صفة؛ إذ لا يملك أحد معك شيئًا، فلا يعيذه منك إلا أنت الا أحصي ثناء عليك) أي: لا أطيق إحصاءه وضبطَه بالعَدّ، ولا أنتهي إلى غايته ولا أحيط بمعرفته، قال الطيبي: الأصل في الإحصاء: العدُّ بالحصى.
ورُوي عن مالك في معناه: لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء بها عليك وإن اجتهدت في الثناء عليك.
(أنت كما أثنيت) (الكاف) فيه بمعنى: الباء، و (ما) موصولة أو موصوفة والجار والمجرور متعلق بالخبر المحذوف؛ تقديره: وأنت يا إلهي موصوف بالثناء الذي أثنيت به (على نفسك) كقوله: نعم المولى، ونعم الوكيل، ونعم النصير.
ومعنى ذلك: اعتراف بالعجز عن أداء وفهم ما يريده الله تعالى من الثناء على نفسه، وبيانُ صمديَّتِه وقدوسيَّتِه وعظمته وكبريائه وجبروته مما لا يُنْتَهى إلى عَدِّه ولا يوصل إلى حده، ولا يحصله عقل، ولا يحيط به فكر، وعند الانتهاء إلى هذا المقام، انتهت معرفة الأنام، ولذلك قال الصديق الأكبر: (العجز عن درك الإدراك إدراك).
قال الخطابي: في هذا الكلام معنىً لطيف؛ وهو أنه قد استعاذ بالله، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذاة بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له؛ وهو الله .. استعاذ به منه لا غير؛ ومعنى
стр. 10815
(١٤١) - ٣٧٨٥ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيّ،
===
ذلك: الاستغفار من التقصير بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه.
وقوله: "لا أحصي ثناء عليك" أي: لا أطيقه ولا أبلغه. انتهى.
قال النووي: في هذا الحديث دليل لأهل السنة في جواز إضافة الشر إليه تعالى كما يضاف الخير إليه؛ لقوله: (أعوذ بك من سخطك ومن عقوبتك)، والله أعلم. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الدعاء في الركوع والسجود، والترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء الوتر، قال: هذا حديث حسن غريب، والنسائي في كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤١) - ٣٧٨٥ - (٥) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا محمد بن مصعب) بن صدقة القرقساني - بقافين ومهملة - نزيل بغداد، صدوق كثير الغلط، من صغار التاسعة، مات سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الدمشقي الفقيه، ثقة فاضل من السابعة. يروي عنه: (ع)، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ).
стр. 10816
عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ
===
(عن إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري النجاري أبي يحيى المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع) والأوزاعي.
(عن جعفر بن عياض) مدني، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (س ق). روى عن أبي هريرة في التعوذ من الفقر والقلة، ويروي عنه: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أخرجا له هذا الحديث الواحد.
قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج حديثه في "صحيحه".
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه محمد بن مصعب، وهو ضعيف، ولكن لم ينفرد به محمد بن مصعب، بل رواه حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله، وأيوب بن سويد أيضًا عن إسحاق بن عبد الله.
فالحديث صحيح بسند أبي داوود؛ لأنه رواه عن حماد عن إسحاق بن عبد الله، ورواه ابن حبان أيضًا في "صحيحه".
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تعوذوا) يا معشر المؤمنين؛ أي: تحصنوا (بـ) فضل (الله) الكريم الجواد (من الفقر) أي: من ضيق الفقر؛ أي: من قلب حريص على جمع المال، أو من الذي يفضي بصاحبه إلى كفران النعمة في المال، ونسيان ذكر المنعم المتعال، وقال الطيبي: أراد فقر النفس؛ أعني: الشره الذي يُقابل غنى النفس، الذي هو قِنَاعُها.
(و) تعوذوا من (القِلَّة) في أبوابِ البر وخصالِ الخير؛ لأنه ﷺ كان يؤثر الإِقلال في الدنيا ويَكْرهُ الاستكثار من الأعراض الفانية.
стр. 10817
وَالذِّلَّة، وَأَنْ تَظْلِمَ أَوْ تُظْلَمَ".
===
(و) تعوَّذوا من (الذِّلة) أي: ومن أن تكونوا ذليلين في أعين الناس بحيث يسْتَخِفُّونَ بكم ويُحقِّرون شأنكم، والأظهر: أنَّ المرادَ بها: الذلةُ الحاصلةُ من المعصية، أو التذلُّل للأغنياء على وجه المسكنة؛ والمراد بهذه الأدعية: تعليمُ الأمة، قال الطيبي: أصلُ الفقر: كَسْرُ فَقارِ الظهر.
والفقرُ يُستعمل على أربعة أوجه:
الأول: وجودُ الحالة الضرورية؛ وذلك عامٌّ للإنسان ما دام في الدنيا، بل عام في الموجودات كلِّها؛ وعليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١).
والثاني: عدمُ المقْتَنَياتِ؛ وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، و ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣).
والثالثُ: فَقْرُ النفس؛ وهو المقابلُ بقوله: (الغِنَى غِنَى النفس).
والمعنيُّ بقولهم: من عدم القناعة .. لم يُفده المالُ غنىً.
والرابعُ: الفقر إلى الله المشار إليه بقوله: (اللهم؛ أغنني بالافتقار إليك، ولا تُفْقِرني بالاستغناءِ عنك) وإياه عَنَى اللهُ تعالى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤).
والمستعاذ منه في الحديث هو القسم الثالث، وإنما استعاذ ﷺ من الفقر الذي هو فقر النفس لا قلة المال.
(و) تعوذوا من (أن تظلمـ) ـوا غيرَكم؛ بالبناء للمعلوم (أو) من أن (تظلمـ) ـوا
стр. 10818
(١٤٢) - ٣٧٨٦ - (٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
لغيركم؛ بالبناء للمجهول؛ والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، أو التعدي في حق غيره.
و(أو) هنا للتنويعِ لا للشك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، والنسائي في كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الذلة، والحاكم في كتاب الدعاء، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، فقال: صحيح، ولكن أبو داوود رواه بسند صحيح، فقال: (حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي) ثقة، من العاشرة (حدثنا حماد بن سلمة) ثقة، من الثامنة (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري) ثقة حجة، من الرابعة (عن سعيد بن يسار المدني) ثقة متقن، من الثالثة (عن أبي هريرة)، وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، ورواه ابن حبان في "صحيحه".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد من الأسانيد الصحيحة؛ كسند أبي داوود المذكلور آنفًا، ضعيف السند؛ لأن سند المؤلف ضعيف؛ لما مر، فهذا الحديث: صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث عائشة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٤٢) - ٣٧٨٦ - (٦) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي
стр. 10819
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَلُوا اللهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ".
===
الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
(عن أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبي زيد المدني صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وأما أسامة بن زيد المدني .. فاحتج به مسلم في "صحيحه"، فلا يقدح في السند.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : سلوا الله) تعالى أيها المؤمنون (علمًا نافعًا) لكم في الدين والدنيا والآخرة (وتعوذوا بالله) أي: واسألوا الله أيها المؤمنون العياذة والسلامة (من علم لا ينفع) لكم في الدين والدنيا والآخرة؛ وهو العلم الذي لا يَعْمَلُ به صاحبه في دينه ولا في دنياه؛ لأنه يكون عليه وبالًا وعذابًا، أو قَرأَهُ رياء وسمعة مثلًا مما يُحبطه.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، لكن رواه عبد بن حميد في "مسنده" وأبو يعلى الموصلي، وأصله في "صحيح مسلم" من حديث زيد بن أرقم.
стр. 10820
(١٤٣) - ٣٧٨٧ - (٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجُبْن،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث عائشة بحديث عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٣) - ٣٧٨٧ - (٧) (حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن ميمون) الأودي أَبي عبد الله الكوفي، ثقة عابد مخضرم مشهور، من الثانية، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ كان يتعوذ) ويتحصن من خمس؛ كما في رواية أبي داوود (من الجبن) - بضم الجيم وسكون الموحدة وتضم - وهو ضد الشجاعة؛ وهو الخوف من القتال، وقال الشوكاني: هي المهابة للأشياء والتأخر عن فعلها، وإنما تعوَّذ منه ﷺ ؛ لأنه يؤدي إلى عدم الوفاء