عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ
===
(عن إسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري النجاري أبي يحيى المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع) والأوزاعي.
(عن جعفر بن عياض) مدني، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (س ق). روى عن أبي هريرة في التعوذ من الفقر والقلة، ويروي عنه: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أخرجا له هذا الحديث الواحد.
قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج حديثه في "صحيحه".
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه محمد بن مصعب، وهو ضعيف، ولكن لم ينفرد به محمد بن مصعب، بل رواه حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله، وأيوب بن سويد أيضًا عن إسحاق بن عبد الله.
فالحديث صحيح بسند أبي داوود؛ لأنه رواه عن حماد عن إسحاق بن عبد الله، ورواه ابن حبان أيضًا في "صحيحه".
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تعوذوا) يا معشر المؤمنين؛ أي: تحصنوا (بـ) فضل (الله) الكريم الجواد (من الفقر) أي: من ضيق الفقر؛ أي: من قلب حريص على جمع المال، أو من الذي يفضي بصاحبه إلى كفران النعمة في المال، ونسيان ذكر المنعم المتعال، وقال الطيبي: أراد فقر النفس؛ أعني: الشره الذي يُقابل غنى النفس، الذي هو قِنَاعُها.
(و) تعوذوا من (القِلَّة) في أبوابِ البر وخصالِ الخير؛ لأنه ﷺ كان يؤثر الإِقلال في الدنيا ويَكْرهُ الاستكثار من الأعراض الفانية.
стр. 10817
وَالذِّلَّة، وَأَنْ تَظْلِمَ أَوْ تُظْلَمَ".
===
(و) تعوَّذوا من (الذِّلة) أي: ومن أن تكونوا ذليلين في أعين الناس بحيث يسْتَخِفُّونَ بكم ويُحقِّرون شأنكم، والأظهر: أنَّ المرادَ بها: الذلةُ الحاصلةُ من المعصية، أو التذلُّل للأغنياء على وجه المسكنة؛ والمراد بهذه الأدعية: تعليمُ الأمة، قال الطيبي: أصلُ الفقر: كَسْرُ فَقارِ الظهر.
والفقرُ يُستعمل على أربعة أوجه:
الأول: وجودُ الحالة الضرورية؛ وذلك عامٌّ للإنسان ما دام في الدنيا، بل عام في الموجودات كلِّها؛ وعليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١).
والثاني: عدمُ المقْتَنَياتِ؛ وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢)، و ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣).
والثالثُ: فَقْرُ النفس؛ وهو المقابلُ بقوله: (الغِنَى غِنَى النفس).
والمعنيُّ بقولهم: من عدم القناعة .. لم يُفده المالُ غنىً.
والرابعُ: الفقر إلى الله المشار إليه بقوله: (اللهم؛ أغنني بالافتقار إليك، ولا تُفْقِرني بالاستغناءِ عنك) وإياه عَنَى اللهُ تعالى بقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤).
والمستعاذ منه في الحديث هو القسم الثالث، وإنما استعاذ ﷺ من الفقر الذي هو فقر النفس لا قلة المال.
(و) تعوذوا من (أن تظلمـ) ـوا غيرَكم؛ بالبناء للمعلوم (أو) من أن (تظلمـ) ـوا
стр. 10818
(١٤٢) - ٣٧٨٦ - (٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
لغيركم؛ بالبناء للمجهول؛ والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، أو التعدي في حق غيره.
و(أو) هنا للتنويعِ لا للشك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة، والنسائي في كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الذلة، والحاكم في كتاب الدعاء، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، فقال: صحيح، ولكن أبو داوود رواه بسند صحيح، فقال: (حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي) ثقة، من العاشرة (حدثنا حماد بن سلمة) ثقة، من الثامنة (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري) ثقة حجة، من الرابعة (عن سعيد بن يسار المدني) ثقة متقن، من الثالثة (عن أبي هريرة)، وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، ورواه ابن حبان في "صحيحه".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد من الأسانيد الصحيحة؛ كسند أبي داوود المذكلور آنفًا، ضعيف السند؛ لأن سند المؤلف ضعيف؛ لما مر، فهذا الحديث: صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث عائشة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٤٢) - ٣٧٨٦ - (٦) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي
стр. 10819
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَلُوا اللهَ عِلْمًا نَافِعًا، وَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ".
===
الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
(عن أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبي زيد المدني صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وأما أسامة بن زيد المدني .. فاحتج به مسلم في "صحيحه"، فلا يقدح في السند.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : سلوا الله) تعالى أيها المؤمنون (علمًا نافعًا) لكم في الدين والدنيا والآخرة (وتعوذوا بالله) أي: واسألوا الله أيها المؤمنون العياذة والسلامة (من علم لا ينفع) لكم في الدين والدنيا والآخرة؛ وهو العلم الذي لا يَعْمَلُ به صاحبه في دينه ولا في دنياه؛ لأنه يكون عليه وبالًا وعذابًا، أو قَرأَهُ رياء وسمعة مثلًا مما يُحبطه.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، لكن رواه عبد بن حميد في "مسنده" وأبو يعلى الموصلي، وأصله في "صحيح مسلم" من حديث زيد بن أرقم.
стр. 10820
(١٤٣) - ٣٧٨٧ - (٧) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجُبْن،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث عائشة بحديث عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٣) - ٣٧٨٧ - (٧) (حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن ميمون) الأودي أَبي عبد الله الكوفي، ثقة عابد مخضرم مشهور، من الثانية، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ كان يتعوذ) ويتحصن من خمس؛ كما في رواية أبي داوود (من الجبن) - بضم الجيم وسكون الموحدة وتضم - وهو ضد الشجاعة؛ وهو الخوف من القتال، وقال الشوكاني: هي المهابة للأشياء والتأخر عن فعلها، وإنما تعوَّذ منه ﷺ ؛ لأنه يؤدي إلى عدم الوفاء
стр. 10821
وَالْبُخْل، وَأَرْذَلِ الْعُمُر، وَعَذَابِ الْقَبْر، وَفِتْنَةِ الصَّدْر،
===
بفرض الجهاد، والصَدْعِ بالحق وإنكار المنكر، ويجر إلى الإخلال بكثير من الواجبات. انتهى من "العون".
(و) يتعوذ من (البخل) أي؛ ترك أداء الواجبات المالية؛ وهو - بضم الباء الموحدة وإسكان الخاء المعجمة، وبفتحهما، وبضمهما، وبفتح الباء وإسكان الخاء -: ضد الكرم، ذكَرَ معنى ذلك في "القاموس".
وقد قيده بعضهم في الحديث بـ (مَنْع ما يجبُ إخراجه من المال شرعًا أو عادةً) ولا وجه له؛ لأن البخل بما ليس بواجب من غرائز النقص المضادة للكمال، فالتعوذ منها حسن بلا شك، فالأولى تبقية الحديث على ظاهره وعمومه، وتركُ التعرض لتقييده بما لا دليل عليه.
(و) يتعوذ من (أرذل العمر) أي: ومن الرجوع إلى أخسه؛ وهو البلوغ إلى حد في الهرم؛ يعود معه كالطفل في سَخَف العقل وقلَّة الفهم وضعف القوة.
(و) يتعوذ من (عذاب القبر) وهو ضغطة القبر بحيث يتخالف الجنبان؛ كالشباك، وقيل: سُؤالُ الملكين، وفيه ردٌّ على من أنكره من المعتزلة، والأحاديث فيه متواترة؛ كما مر (و) يتعوَّذ من (فتنة الصدر) وضيق القلب.
قال ابن الجوزي في "جامع المسانيد": هي أن يموت غير تائب، وقال الأَشْرَفيُّ في"شرح المصابيح": قيل: هي موتهُ وفسادُه.
وقيل: هي ما ينطوي عليه الصدر من غل وحسد وخُلُق سيئ وعقيدةٍ غير مرضية، وقال الطيبي: هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (١). انتهى من "العون".
стр. 10822
قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي: الرَّجُلَ يَمُوتُ عَلَى فِتْنَةٍ لَا يَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهَا.
===
قال المؤلف بواسطة شيخه: (قال وكيع) في تفسير فتنة الصدر: (يعني) النبي ﷺ بصاحب فتنة الصدر: (الرجل يموت على فتنة) ومعصية (لا يستغفر الله) عنها ولا يتوب (منها).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب الاستعاذة، وفي كتاب الحروف والقراءات، والنسائي في كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من فتنة الدنيا.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا المجلد:
من الأبواب: ثمانية وأربعون بابًا.
ومن الأحاديث: مئة وأربعة وأربعون حديثًا، منها: تسعة عشر للاستئناس، وثلاثة وأربعون للاستدلال، وواحد للمتابعة، والباقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10823
إلى هنا انتهى المجلد الثاني والعشرون الذي سيكون قرة للعيون ويليه المجلد الثالث والعشرون من هذا السِّفر المأمون، وأوله: تتمة كتاب الدعاء
قال مؤلفه أعظم الله أجره وأعطاه سؤله: فرغت من تحبير هذا المجلد النفيس يوم السبت بتاريخ (١٥) رمضان (١٤٣٥ هـ) وقت السحر، الموافق لـ (١٢) تموز يوليو سنة (٢٠١٤ م).
وكان الرجوع لتسطير هذا الكتاب النافع يوم الأحد (١٠) شعبان من سنة (١٤٣٥ هـ).
* * *
اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني.
اللهم بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا تُرام؛ أسألك يا ألله يا رحمان بجلالك، ونور وجهك: أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني.
اللهم بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام؛ أسألك يا ألله يا رحمان، بجلالك ونور وجهك: أن تنوِّر بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تُفرِّج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تغسل به بدني؛ فإنه لا يعينني على الحق غيرك، ولا يؤتنيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
* * *
стр. 10824
شرح سنن ابن ماجة
المسمى مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الأثيوبي الهرري الكري البويطي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها والمدرس في دار الحديث الخيرية
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
الأستاذ الدكتور هاشم محمد علي حسين مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي سابقا - مكة المكرمة
[المجلد الثالث والعشرون]
تتمة كتاب الدعاء - كتاب تعبير الرؤيا - كتاب الفتن
стр. 10825
دَار طوق النجَاة
لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠
ص. ب: ٥٥٧٤/ ١٣/ بيروت
دَار الْمِنْهَاج
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة
هَاتِف: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وبأيِّ شكل من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بالاقتباس مِنْهُ أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا.
الرقم المعياري الدولي
٨ - ٢٠ - ٥٠٣ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
www.alminhaj.com
E- Mail: info@alminhaj.com
стр. 10826
شرح سنَن ابْن مَاجَه
[٢٣]
стр. 10827
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 10828
ولله در من قال:
ولا تقل عاقني شغل فليس يرى ... في الترك للعلم من عذر لمعتذرِ
وأيُّ شغل كمثل العلم تَطْلبُه ... ونقلِ ما قد رَوَوْا عن سيد البشرِ
أَلْهَى عن العلم أقوامًا تطلُّبُهم ... لَذَّاتِ دنيا غَدَوْا منها على غررِ
فكُنْ بِصحبِ رسول الله مُقتدِيًا ... فإنهم للهُدى كالأنجمِ الزُّهرِ
* * *
وقال الآخر:
كرِّر عليَّ حديثَهم يا حَادي ... فحديثُهم فيه الشِّفَا لفؤادي
كرِّر عليَّ حديثَهم فَلَرُبَّما ... لَانَ الحديدُ بضَرْبَةِ الحدَّادِ
стр. 10829
تَتِمَّة كتاب الدّعاء
стр. 10830
الخطبة
الحمد لله ذي الجلال والإكرام، ذي الطول والإنعام، والعزة التي لا ترام، المُقدَّم حمده أمام كل كلام، الذي لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، وخصَّنا بدين الإسلام، وبين لنا الحلال من الحرام.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه الكرام، صلاة متصلة على الدوام، مدى الليالي والأيام.
أما بعد:
فلما كمل المجلد الثاني والعشرون من هذا الدُّرِّ المصون .. بدأت بالمجلد الثالث والعشرين من هذا العقد الثمين، فبدأت مستعينًا بالله متوكلًا عليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
* * *
قال المؤلف غفر الله له ولوالديه؛ آمين:
стр. 10831
(١) - (١٤١٢) - بَابُ الْجَوَامِعِ مِنَ الدُّعَاءِ
(١) - ٣٧٨٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَالِكٍ سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، عَنْ أَبيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي قَالَ: "قُلِ:
===
(١) - (١٤١٢) - (باب الجوامع من الدعاء)
(١) - ٣٧٨٨ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا أبو مالك سعد بن طارق) الأشجعي الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) طارق بن أشيم - بالشين المعجمة على وزن أحمر - ابن مسعود الأشجعي والد أبي مالك، الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له أحاديث، قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه. يروي عنه: (م ت س ق).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن طارق بن أشيم (سمع النبي ﷺ و) الحال أنه ﷺ (قد أتاه) وجاءه (رجل) من الأعراب ممن أسلم (فقال) ذلك الرجل: (يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربي) لحوائجي دينًا ودنيا؟ فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (قل) أيها الرجل إذا أردت دعاء
стр. 10832
اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي - وَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ إِلَّا الْإِبْهَامَ - فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعْنَ لَكَ دِينَكَ وَدُنْيَاكَ".
===
ربك أي حاجة لك من حوائج الدين والدنيا: (اللهم؛ اغفر لي) جميع ذنوبي صغائرها وكبائرها (وارحمني) رحمة واسعة في الدنيا والاخرة (وعافني) أي: سلمني من بلاء الدنيا والآخرة (وارزقني) رزقًا واسعًا طيبًا حلالًا.
وجملة قوله: (وجمع أصابعه الأربع) حال من فاعل (قال)؛ أي: قال لي النبي ﷺ : قل هذه الكلمات الأربع، والحال أنه قد جمع أصابعه الأربع (إلا الإبهام).
والفاء في قوله: (فإن هؤلاء) تعليل لجملة الأمر بالقول؛ أي: وإنما أمرتك بقول هذه الكلمات الأربع؛ لأن هؤلاء الكلمات الأربع (يجمعن لك) حوائج (دينك و) حوائج (دنياك).
والمعنى: قال له رسول الله ﷺ تلك الكلمات الأربع، والحال أنه ﷺ قد جمع أصابعه الأربع أولًا، وقبض إصبعًا من أصابعه الأربع مع كل واحدة من تلك الكلمات الأربع؛ كأنه يعدها، إلا الإبهام؛ فإنه تركها مبسوطة؛ أي: قل هذه الكلمات الأربع عند دعائك (فإن هؤلاء) الكلمات الأربع (يجمعن لك دينك ودنياك) أي: هذه الدعوات الأربع تجمع لك خيرات دينك وخيرات دنياك؛ أي: تجمع به خيرات الدارين وتكفيك شرورهما.
قال القرطبي: قوله: (جمع أصابعه الأربع إلا الإبهام) فعل ذلك تمثيلًا لما في النفس، وجمعًا لها بالحفظ، ولعله ﷺ قبض كل إصبع عند تكلم كل كلمة من هذه الكلمات الأربع، فصارت الأصابع المقبوضة أربعةً، وبقي الإبهام على حاله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء
стр. 10833
(٢) - ٣٧٨٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي جَبْرُ بْنُ حَبِيب، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ
===
والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر ما يستفتح به القيام، وأحمد والطبراني وابن أبي شيبة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث طارق بن أشيم بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢) - ٣٧٨٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات في حدود عشرين ومئتين (٢٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
قال حماد: (أخبرني جبر) بجيم مفتوحة وموحدة ساكنة (ابن حبيب) ثقة عارف باللغة، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أم كلثوم بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما، توفي أبوها وهي حمل، ثقة، من الثانية. يروي عنها: (م س ق)، ولدتها له أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها.
(عن) أختها (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 10834
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا".
===
(أن رسول الله ﷺ علمها) أي: علم عائشة (هذا الدعاء) المذكور بقوله: (اللهم؛ إني أسألك من) أنواع (الخير كله) أي: جميع أنواع الخير، وجملة الدعاء المذكور إلى آخره بدل محكي من قوله: (هذا الدعاء)، ولفظة: (كله) توكيد.
وقوله: (عاجله) أي: مستعجله (وآجله) أي: متأخره؛ بدلان من (كله) بدل تفصيل من مجمل، وقوله: (ما علمت منه) أي: من ذلك الخير وهو راجع إلى عاجله (وما لم أعلم) منه، وهو متأخره في محل الجر بدلان من (كله).
وقوله: (وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم) نظير ما قبله في التفصيل السابق.
وعلمها أيضًا: (اللهم؛ إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك) محمد ﷺ (وأعوذ بك من شر ما عاذ به) أي: من شر ما استعاذ منه (عبدك ونبيك) محمد ﷺ .
وعلمها أيضًا قوله: (اللهم؛ إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل) وعلمها أيضًا قوله: (وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك) يا إلهي (أن تجعل كل قضاء) وقدر (قضيته) وقدرته (لي) أو عليَّ (خيرًا) ونفعًا لي لا شرًا وضررًا علي.
стр. 10835
(٣) - ٣٧٩٠ - (٣) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وابن أبي شيبة في "مصنفه".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث طارق.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث طارق بن أشيم بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣) - ٣٧٩٠ - (٣) (حدثنا يوسف بن موسى) بن راشد (القطان) أبو يعقوب الكوفي نزيل الري ثم بغداد، صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ د ت ق).
(حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، مات سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: تسع وخمسين. يروي عنه: (ع).
стр. 10836
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِرَجُلٍ: "مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟ "، قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللهَ الْجَنَةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّار، أَمَا وَاللهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، قَالَ: "حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ لرجل) من المسلمين، لم أر من ذكر اسمه: (ما تقول) وتقرأ (في الصلاة؟ ) أي: أي شيء تقرأ في صلاتك المفروضة؛ هل تقرأ سورة الفاتحة أم غيرها؟ (قال) الرجل في جواب سؤال الرسول ﷺ : (أتَشَهَّدُ) من التفعل مضارع مسند إلى ضمير المتكلم؛ أي: أنا أقرأ التشهد في صلاتي؛ أي: أقول في صلاتي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله (ثم) بعد تشهدي في القيام (أسأل الله الجنة، وأعوذ به) أي: بالله (من النار، أما) أي: أرجو أن تسمع مني فيما أقول لك يا رسول الله، فـ (أما) هنا حرف تنبيه واستفتاح (والله) أي: أقسم لك بالإله الذي لا إله غيره (ما) نافية؛ أي: ما (أُحْسِنُ) ولا أَعرِفُ (دَنْدَنَتكَ) أي: صَوْتكَ الخَفِيَّ في قيامك في الصلاة - إذا صليت أنت بنا في مسجدك يا رسولَ الله (ولا) أعرف (دندنة معاذ) بن جبل؛ أي: صَوْتَه الخفيَّ في قيامه إذا صلى بنا معاذ في مسجده، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (حَوْلَها) أي: حولَ تلك الدندنةِ وأثَرها وخَلْفها (نُدَنْدِنُ) ونَتَّبعُ؛ أي: نتبع نحن معاشرَ المؤمنين تلك الدندنة التي أُدَنْدِنُها أنا أو معاذ وخَلْفَها في أصواتنا الخفية السرية في صلاتنا السرية، فلا نقرأ التشهد ولا الدعاء في قيامنا في الصلاة السرية؛ أي: نقرأ الفاتحة وراء الإمام.
قوله: "كيف تقول في الصلاة؟ " خطاب للرجل وسؤال عن كيفية صلاته
стр. 10837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقراءته في صلاته؛ أي: أي شيء تقرأ في قيامك في الصلاة.
ولفظ "العون": أي: ما تدعو في صلاتك؟ (قال) الرجل: (أتشهَّدُ) - بتشديد الهاء - تفعُّلٌ من الشهادة؛ يريد: تَشهُّدَ الصلاةِ؛ وهو التحياتُ ... إلى آخره، سمي تشهدًا؛ لأن فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وقول صاحب "العون": (أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم .. غلط فاحش في هذا المقام؛ لأنها ليست شرطية، بل هي ها هنا استفتاحية، وهي مخففة لا غير، وكأن صاحب "العون" في كتابه هذا غاب عنه كيفيةُ استخدام فنون اللغة العربية رحمه الله تعالى وجزاه عنا على ما أفادنا في كتابه هذا وجميع المسلمين.
وإنما صرحنا هنا بهذا الغلط؛ لأنه فاحش ربما يظن المبتدئ أنه صواب فيستدل به، رب؛ لا تجعلني مِمَّنْ يَدْخلُ في قول بعضهم:
وكم من عائب قول صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم
قوله: (ما أُحسن دندنتك) من الإحسان؛ أي: لا أعرف ولا أدري ولا أعلم (دندنتك) فأعمل بها - بدالين مفتوحتين ونونين - من الدندنة؛ نظير الزلزلة؛ وهي أن يتكلم الرجل بالكلام تُسمعُ نغمته ولا يُفْهَم؛ نظير الدوي في حديث جبريل؛ وهي أرفع من الهَيْنَمَةِ قليلًا، قاله في "النهاية"، وقال الخطابي: الدندنةُ: قراءةٌ مُبْهَمة غير مفهومة، والهينمةُ مِثْلُها أو نحوُها. انتهى.
(ولا) أدري ولا أعرف (دندنة) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبي عبد الرحمن المشهور رضي الله تعالى عنه، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن، مات
стр. 10838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالشام سنة ثماني عشرة (١٨ هـ) كان يصلي المغرب مع النبي ﷺ والعشاء بقومه في مسجدهم؛ لأنه كان من قُرَّاءِ الصحابة؛ والمعنى: أي: لا أدري ولا أعرف ما تدعو به أنت يا رسول الله وما يدعو به معاذ إمامنا؛ أي: ولا أعرف دعاءك الخفي الذي تدعو به في الصلاة، ولا صوت معاذ، ولا أقدر على نظم ألفاظ المناجاة لمثلك ومثلِ معاذ.
وإنما ذكَرَ الرجلُ الصحابيَّ معاذًا - والله أعلم - لأنه كان من قوم معاذ، أو هو ممن كان يصلي خلف معاذ.
والحاصل: أي: أني أسمع صوتك وصوت معاذ، ولكن لا أفهم.
(حولها) بالإفراد هكذا في نسخ الكتاب، وكذا في نسخ "أبي داوود".
وقال المناوي في "فيض القدير": (حولها) يعني: الجنة، كذا هو بخط السيوطي، وما في نسخ "الجامع الصغير" من أنه (حولهما) تحريف وإن كان روايةً. انتهى.
قال ابن الأثير: وفي رواية: (حولهما ند ندن) والضمير في (حولهما) للجنة والنار؛ أي: حولهما ندندن بطلب الجنة والاستعاذة من النار.
ومنه: دندن الرجل؛ إذا اختلف في مكان واحد مجيئًا وذهابًا، وأما رواية: (عنهما ندندن) فمعناه أن دندنتنا صادرة عنهما وكائنة بسببهما. انتهى.
وقال المناوي في "فيض القدير": أي: ما ندندن إلا حول طلب الجنة، والتعوذ من النار، وضمير (حولهما) للجنة والنار؛ فالمراد: ما ندندن إلا لأجلهما، ففي الحقيقة لا مباينة بين ما ندعو به وبين دعائك. انتهى.
قال السيوطي: أي: حول الجنة والنار ندندن، وإنما نسأل الجنة ونتعوذ من النار؛ كما تفعل، قاله تواضعًا وتأنيسًا له. انتهى من "العون".
стр. 10839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، وأحمد وابن حبان في "الموارد" بإسناد صحيح على شرط مسلم، وابن خزيمة في "صحيحه".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10840
(٢) - (١٤١٣) - بَابُ الدُّعَاءِ بِالْعَفْوِ وَالْعَافِيَةِ
(٤) - ٣٧٩١ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ وَرْدَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:
===
(٢) - (١٤١٣) - (باب الدعاء بالعفو والعافية)
(٤) - ٣٧٩١ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد لقبه دحيم - بمهملتين مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) - بالفاء مصغرًا - اسمه دينار الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(أخبرني سلمة بن وردان) الليثي أبو يعلى المدني، ضعيف، من الخامسة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سلمة بن وردان، وهو متفق على ضعفه.
(قال) أنس: (أتى النبي ﷺ رجل) من المسلمين، ولم أر من ذكر اسمه (فقال) ذلك الرجل: (يا رسول الله؛ أي الدعاء أفضل؟ ) أي: أسرع قبولًا عند الله وأكثر أجرًا لصاحبه عنده تعالى؟ فـ (قال) رسول الله
стр. 10841
"سَلْ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "سَلْ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ؛ أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "سَلْ رَبَّكَ الْعَفْوَ وَالَعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .. فَقَدْ أَفْلَحْتَ".
===
ﷺ للرجل السائل: (سل ربك العفو) من الذنوب (والعافية) أي: السلامة من المكروهات والشدائد (في الدنيا والآخرة، ثم أتاه) ﷺ ذلك الرجل (في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله؛ أي الدعاء أفضل؟ ) أي: أسرع إلى الإجابة، فـ (قال) له رسول الله ﷺ ثانيا: (سل ربك العفو والعافية) أي: السلامة (في الدنيا والآخرة، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال) له: (يا نبي الله؛ أي الدعاء أفضل؟ ) أي: أرجى عند الله، فـ (قال: سل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإذا أعطيت العفو) من الذنوب (والعافية) أي: السلامة من الآفات (في الدنيا والآخرة .. فقد أفلحت) أي: نجوت من المكروه، وفزت بالمطلوب.
وفي رواية الترمذي: (سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة) والمعنى واحد، قال الجزري في "النهاية": العافية: أن تسلم من الأسقام والبلايا؛ وهي الصحة؛ ضد المرض.
و(المعافاة): هي أن يعافيك الله من الناس، ويعافيهم منك؛ أي: يغنيك عنهم ويغنيهم عنك، ويصرف أذاهم عنك، وأذاك عنهم.
وقيل: هي مفاعلة من العفو؛ كما رواية ابن ماجه؛ وهو أن تعفو عن الناس وهم يعفون عنك. انتهى.
وقال في "القاموس": والعافية: دفاع الله عن العبد، يقال: عافاه من المكروه
стр. 10842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
معافاةً وعافيةً؛ وهب له العافية من العلل والبلاء؛ كأعفاه. انتهى من "تحفة الأحوذي".
قوله في آخر الحديث: "فقد أفلحت" أي: فزت بمرادك وظفرت بمقصودك، وفي الحديث التصريح بأن الدعاء بالعافية أفضل الدعاء، ولا سيما بعد تكريره للسائل ثلاث مرات حين أتاه للسؤال عن أفضل الدعاء.
فأفاد هذا الحديث: أن الدعاء بالعافية أفضل من غيره من الأدعية، ثم في قوله: (فإذا أعطيت العفو والعافية في الدنيا ... ) إلى آخره دليل ظاهر واضح بأن الدعاء بالعافية يشمل أمور الدنيا والآخرة؛ لأنه قال هذه المقالة بعد أن قال له: (سل ربك ثلاث مرات) فكان ذلك كالبيان لعموم بركة هذه الدعوة بالعافية لمصالح الدنيا والآخرة، ثم رتب على ذلك الفلاح الذي هو المقصد الأسنى والمطلوب الأكبر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب رقم (٨٩)، وقال: هذا حديث حسن غريب؛ إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان، وهو ضعيف.
قلت: فهذا الحديث وإن كان ضعيف السند .. فمتنه صحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث العباس بن عبد المطلب؛ فإنه سأل النبي ﷺ عن أفضل الدعاء، فأجابه النبي ﷺ بقوله: سل ربك العافية، فكرر العباس سؤاله ثلاث مرات، فكرر النبي ﷺ جوابه ثلاث مرات بقوله: سل ربك العافية.
فأمره ﷺ للعباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله بأن يعلمه شيئًا يسأل الله به .. دليل جلي بأن الدعاء بالعافية لا يساويه
стр. 10843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شيء من الأدعية، ولا يقوم مقامه شيء من الكلام الذي يدعى به ذو الجلال والإكرام.
وقد تقدم تحقيق معنى العافية آنفًا بأنها دفاع الله عن العبد، فالداعي بها قد سأل ربه دفاعه عن كل ما ينوبه.
وقد كان ﷺ ينزل عمه العباس منزلة أبيه، ويرى له من الحق ما يرى الولد لوالده، ففي تخصيصه بهذا الدعاء، وقصره على مجرد الدعاء بالعافية .. تحريك لهمم الراغبين على ملازمته، وأن يجعلوه من أعظم ما يتوسلون به إلى ربهم ويستدفعون به في كل ما يهمهم.
ثم كلمه ﷺ بقوله: "سل الله العافية في الدنيا والآخرة" فكان هذا الدعاء من هذه الحيثية قد صار عُدَّةً لدفع كل ضرر وجلب كل خير.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا، قال الجزري في "عُدَّةِ الحِصنِ الحصينِ": لقد تواتر عنه ﷺ دعاؤه بالعافية، وورد عنه ﷺ لفظًا ومعنىً من نحو خمسين طريقًا.
وقال الترمذي في حديث العباس هذا: حديث حسن صحيح، وأخرجه الطبراني بأسانيد رجال بعضها رجال الصحيح، غير أن يزيد بن أبي زياد حسن الحديث؛ لأنه مختلف فيه، كذا في "مجمع الزوائد"، وأخرجه أحمد أيضًا. انتهى من "تحفة الأحوذي".
فدرجة حديث الباب؛ أعني: حديث أنس بن مالك: ضعيف السند؛ لأن فيه سلمة بن وردان، وهو متفق على ضعفه، صحيح المتن؛ لأن له شواهد وردت من نحو خمسين طريقًا، وغرضه: الاستدلال به على
стр. 10844
(٥) - ٣٧٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَ بْنَ عَامِرٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَوْسَطَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَجَلِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ
===
الترجمة، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥) - ٣٧٩٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة.
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا عبيد بن سعيد) ويقال له: عبيد الله بن سعيد - بالإضافة - ابن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، ثقة، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(قال) عبيد: (سمعت شعبة) بن الحجاج يروي (عن يزيد بن خمير) - بمعجمة مصغرًا - الرحبي - بمهملة ساكنة - أبي عمر الحمصي، صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (م عم).
(قال: سمعت سليم) مصغرًا (ابن عامر) الكلاعي أبا يحيى الحمصي، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
أي: سمعت سليمًا حالة كونه (يحدث عن أوسط بن إسماعيل البجلي) أبا إسماعيل الشامي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة تسع وسبعين (٧٩ هـ). يروي عنه: (س ق).
(أنه سمع أبا بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه.
стр. 10845
حِينَ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَقَامِي هَذَا عَامَ الْأَوَّلِ ثُمَّ بَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّهُ مَعَ الْبِرِّ وَهُمَا فِي الْجَنَّة، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النَّار، وَسَلُوا اللهَ الْمُعَافَاةَ؛
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سمع أبا بكر (حين قبض) وتوفي (النبي ﷺ والظرف متعلق بـ (سمع) حالة كون أبي بكر (يقول: قام رسول الله ﷺ في مقامي هذا) يعني: المنبر النبوي، والظرف في قوله: (عام الأول) متعلق بـ (يقول) وهو من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: سمع أبا بكر يقول في العام الأول من موته ﷺ .
وقوله: (ثم بكى أبو بكر) معطوف على (يقول) أي: سمع أبا بكر يقول: قام رسول الله ﷺ في مقامي هذا، ثم بكى أبو بكر؛ أي: ثم بعد قوله: (قام) بكى أبو بكر (ثم) بعد بكائه (قال) أبو بكر: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالصدق) ضد الكذب؛ أي: لازموا الصدق أيها الناس في كل شيء، فلا تنفكوا عنه (فإنه) أي: فإن الصدق (مع البر) أي: مقترن بالبر وفعل الخير (وهما) أي: فالصدق مع البر كائنان (في الجنة) أي: يوصلان صاحبهما إلى الجنة (وإياكم والكذب) أي: باعدوا أنفسكم عن الكذب؛ وهو الإخبار عن الشيء بخلاف ما عليه عامدًا عالمًا، ونصب الضمير على التحذير بعامل محذوف وجوبًا.
(فإنه) أي: فإن الكذب (مع الفجور) أي: مقترن بالإثم والذنب (وهما) أي: الفجور والكذب (في النار) أي: موصلان صاحبهما إلى النار (وسلوا الله) تعالى أيها المؤمنون (المعافاة) أي: السلامة من بلاء الدنيا والآخرة، وهذا
стр. 10846
فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْمُعَافَاة، وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا
===
موضع الترجمة (فإنه) أي: فإن الشأن والحال الم يؤت) ولم يعط (أحد) من الناس (بعد اليقين) والإيمان، فهو المطلوب والأساس الأولى؛ إذ لا عبرة لشيء من الأعمال الصالحة بدونه (خيرًا) أي: شيئًا أنفع له (من المعافاة) أي: من السلامة من البلايا (ولا تحاسدوا) أيها المؤمنون؛ أي: لا يحسد بعضكم بعضًا؛ والحسد في اللغة: أن تتمنى زوال نعمة المحسود وعودها إليك، يقال: حسده يحسده حسودًا؛ من باب قعد، قال الأخفش: وبعضهم يقول: يحسد - بالكسر - والمصدر حسدًا - بالتحريك - وحسادة، وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيء بمعنىً واحد.
وأما الغبطة الجائزة شرعًا .. فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه، تقول منه: غبطته بما نالى، غبطًا وغبطةً.
وقد يوضع الحسد موضع الغبطة؛ لتقاربهما؛ كما قال ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" متفق عليه. أي: لا غبطة أعظم ولا أحق من الغبطة في هاتين الخصلتين. انتهى من "المفهم".
(ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضًا، والبغض ضد الحب، والبغيضة - بالكسر - والبغضاء: شدته؛ كما في "القاموس".
أي: لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها؛ كما قال ﷺ : "اللهم؛ هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي؛ يعني: الحب والبغض.
(ولا تقاطعوا) أي: لا تفعلوا فيما بينكم القطيعة؛ من السب والشتم والهجران في الكلام.
стр. 10847
وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا".
===
(ولا تدابروا) أي: ولا تفعلوا فيما بينكم فعل المتباغضين الذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر؛ أي: يوليه دبره؛ من المدابرة؛ وهو جعل كل واحد من المتباغضين دبره وقفاه إلى الآخر، ولا يواجهه بوجهه؛ بغضًا له وكراهية رؤية وجهه، وهي كناية عن المقاطعة.
(وكونوا) يا (عباد الله إخوانًا) أي: مثل إخوان النسب في الشفقة والرحمة والمودة والمواساة والمعاونة والنصيحة؛ كما أمركم الله بكونكم إخوانًا أمرًا ضمنيًا لا صريحًا بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (١)، فإنه خبر عن الخصلة المطلوبة للمؤمنين التي ينبغي لهم أن يكونوا عَلَيْهَا، ففيها معنى الأمر.
ويحتمل أن يريد بأمر الله هذا: الأمر الذي هو قوله تعالى: (كونوا إخوانًا) لأن أمره ﷺ هو أمر الله، وهو مبلغ له.
قال النووي: والمعنى: أي: تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير ونحو ذلك مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" بطرق كثيرة، وأحمد في "مسنده"، ومسدد في "مسنده"، والحميدي في "مسنده"، وأحمد بن منيع وأبو يعلى الموصلي في "مسنده"، وإسناده صحيح، وابن حبان في "الموارد" في كتاب الحذور والإباحة، باب الكذب، وإسناده صحيح، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن السيئ ونحوه.
стр. 10848
(٦) - ٣٧٩٣ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَن، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ:
===
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده، ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦) - ٣٧٩٣ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن كهمس بن الحسن) التيمي أبي الحسن البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي أبي سهل المروزي قاضيها، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ)، وقيل: بل خمس عشرة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنها) أي: أن عائشة (قالت: يا رسول الله؛ أرأيت) أي: أخبرني (إن وافقت) وصادفت (ليلة القدر) في رمضان ورأيت علامتها (ما أدعو) أي: أي الدعاء الذي أدعو به في ليلتها؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ في
стр. 10849
"تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ؛ إِنَّكَ عَفُوّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي".
(٧) - ٣٧٩٤ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ صَاحِبِ الدَّسْتَوَائِيّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْعَدَوِيّ،
===
جواب سؤالي: إن أردت الدعاء فيها .. (تقولين: اللهم؛ إنك) يا إلهي (عفو) أي: كثير العفو لعباده (تحب العَفْوَ) أي: عَفْوَ بعضِ العباد لبعض فيما بينهم من حقوقهم (فاعف عني) أي: فاعف عني جميع ذنوبي من صحف الملائكة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب رقم (٨٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في "المسند"، والبيهقي في "الأسماء والصفات".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أنس بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧) - ٣٧٩٤ - (٤) (حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر - بمهملة ثم نون ساكنة ثم بموحدة - على وزن جعفر، أبي بكر البصري (صاحب الدستوائي) - بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة ثم مد - ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن العلاء بن زياد) بن مطر (العدوي) أبي نصر البصري أحد العباد ثقة،
стр. 10850
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنَ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
===
من الرابعة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (س ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ما من دعوة يدعو بها العبد) فـ (ما) حجازية و (من) زائدة (دعوة) اسم (ما) وجملة (يدعو بها العبد) صفة لـ (دعوة).
وقوله: (أفضلَ) بالنصب خبر (ما) الحجازية؛ أي: ليست دعوة يدعو بها العبد أفضل (من) قوله (اللهم؛ إني أسألك المعافاة) الدائمة (في الدنيا والآخرة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أنس السابق أول الباب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10851
(٣) - (١٤١٤) - بَابٌ: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ .. فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ
(٨) - ٣٧٩٥ - (١) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٣) - (١٤١٤) - (باب: إذا دعا أحدكم .. فليبدأ بنفسه)
(٨) - ٣٧٩٥ - (١) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني - بضم المهملة وسكون اللام - المكي، ثقة حافظ له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسين العكلي الكوفي، صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة، من السابعة. يروي عنه: (ع). مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جبير) - مصغرًا - الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 10852
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَرْحَمُنَا اللهُ وَأَخَا عَادٍ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه زيد بن الحباب،
وهو ضعيف فيما روى عن الثوري، وباقي رجال الإسناد ثقات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : يرحمنا الله) تعالى (وأخا عاد) المراد باخي عاد: هود النبي ﵇ الذي أرسل إليهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١)(٣٩٠)؛ لضعف ابن الحباب فيما روى عن الثوري، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10853
(٤) - (١٤١٥) - بَابٌ: يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ
(٩) - ٣٧٩٦ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ،
===
(٤) - (١٤١٥) - (باب: يستجاب) الدعاء (لأحدكم ما لم يعجل)
* * *
(٩) - ٣٧٩٦ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة. يروي عنه: (ق)، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ).
(حدثنا إسحاق بن سليمان) الرازي أبو يحيى الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن مالك بن أنس) بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبي عبد الله المدني الفقيه المشهور، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب (الزهري) أبي بكر الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه وثبته، من رأس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف) الزهري مولاهم المدني، ويقال له: مولى عبد الرحمن بن أزهر الزهري؛ لأنهما ابنا عم، أبي عبيد المدني،
стр. 10854
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ"، قِيلَ: وَكَيْفَ يَعْجَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ اللهَ فَلَمْ يَسْتَجِبِ اللهُ لِي".
===
صحابي صغير مات قبل يوم الحرة، واسم أبي عبيد سعد بن عبيد الزهري، مولى عبد الرحمن بن أزهر الزهري، ويقال له: مولى عبد الرحمن بن عوف؛ لأنهما ابنا عم له؛ تارة ينسب إلى ابن أزهر، وتارة ينسب إلى ابن عوف، وكان أبو عبيد هذا من فقهاء أهل المدينة، قرشي زهري مدني، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (ع)، وكان من قرائهم.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: يستجاب) بالبناء للمجهول؛ أي: يستجيب الله (لأحدكم) أيها المؤمنون دعائه إذا دعاه (ما لم يعجل) أي: ما لم يطلب ذلك الأحد استعجال إجابة دعائه.
وقوله: "ما لم يعجل" - بفتحتين بينهما عين ساكنة - من عجل؛ من باب سمع (قيل) لرسول الله ﷺ ، ولم أر من ذكر اسم القائل: (وكيف يعجل يا رسول الله) أي: وكيف يستعجل ذلك الداعي إجابة دعائه، وما كيفية الاستعجال؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال هذا السائل: كيفية الاستعجال هي أن (يقول) الداعي: (قد دعوت الله) كذا أو كذا (فلم يستجب الله) سبحانه (لي) دعائي.
قال القرطبي: ويستفاد من هذا استدامة الدعاء، وترك اليأس من الإجابة ودوام رجائها، واستدامة الإلحاح في الدعاء؛ فإن الله تعالى يحب الملحين عليه في الدعاء، وكيف لا والدعاء مخ العبادة وخلاصة العبودية، والقائل: (فدعوت
стр. 10855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فلم أر أن يستجاب لي) ويترك .. يكون قانطًا من رحمة الله تعالى، وفي صورة الممتن بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة؛ فإنه يظنها إسعافه في عين ما طلبه؛ فقد يعلم الله تعالى أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره؛ لأنه سبحانه يحب استماع دعائه ودوام تضرعه، فتكثر أجوره حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضي له، وقد قال ﷺ : "ما من داع يدعو .. إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر، وإما أن يكفر عنه" رواه الترمذي (٣٥٦٨).
ثم بعد هذا كله: فإجابة الدعاء وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة .. فهي مقيدة بمشيئة الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ (١). انتهى من "المفهم".
وفي رواية لمسلم: (لا يزال) الدعاء (يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل) والمراد بـ (العبد) هنا: العبد الصالح؛ لقبول دعائه؛ فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به.
فمن شروط الداعي:
- أن يكون عالمًا بأنه لا قادر على حاجته إلا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره.
- وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب.
- وأن يكون متجنبًا أكل الحرام.