الْبَارُّ الْمُتَعَالِ الْجَلِيلُ الْجَمِيلُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْقَادِرُ الْقَاهِرُ الْعَلِيُّ الْحَكِيمُ
===
الإحاطةُ بكنهه وحقيقته، والعِظَمُ في صفات الأجسام: كِبَرُ الطولِ والعَرض والعُمق، والله تعالى جلَّ قَدْرُه عن ذلك.
(البار) أي: العَطُوف على عباده ببره ولطفه؛ والبرُّ - بالكسر -: الإحسان.
(المتعال) أي: الذي جل عن إفك المفترين وعَلَا شَأْنُه، وقيل: هو من جل عن كل وصف وثناء، وهو متفاعل من العلو.
(الجليل) أي: الموصوف بنعوت الجلال، والحاوي جميعها، وهو الجليل المطلق.
(الجميل) أي: المتصف بجميع صفات الجمال والكمال.
(الحي) أي: الدائمُ البقاءِ.
(القيوم) أي: القائم بنفسه والمقيم لغيره.
(القادر) المقتدر معناهما: ذو القوة التامة، إلا أن المقتدر أبلغ؛ لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب؛ فإن ذلك وإن امتنع في حقه تعالى حقيقة، لكنه يُفِيدُ المعنى مبالغة.
(القاهر) أي: الذي يقهر عباده على ما يشاء مِن أمرٍ أو نهيٍ على أيِّ كيفية شاء.
(العلي): هو فعيل من العلو؛ وهو البالغ في علو الرتبة بحيث لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته، وقال بعضهم: هو الذي علا عن الإدراك ذاتُه، وكَبُر عن التصور صفاتُه.
(الحكيم) أي: الحاكم بمعنى القاضي؛ فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يُحْكِمُ الأشياء ويُتقنها، فهو فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، وقيل: الحكيم ذو الحكمة؛
стр. 10887
الْقَرِيبُ الْمُجِيبُ الْغَنِيُّ الْوَهَّابُ الْوَدُودُ الشَّكُورُ الْمَاجِدُ
===
والحكمة: عبارةٌ عن معرفةِ أفضلِ الأشياء بأفضلِ العلوم، ويقال لِمَنْ يُحْسِنُ دقائقَ الصناعات ويُتْقِنُها: حكيمٌ.
(القريبُ) إلى عَبْدِهِ من حَبْلِ الوريد الذي يعرف منه خطراتِ الصدور وخفايا الأمور، الذي لا يغيب عنه شيء من أحوال عبده؛ من همه ووسوسته، فهو فعيل بمعنى فاعل.
(المجيب) أي: الذي يُقَابِلُ الدعاءَ بالإجابة، والسؤالَ بالإعطاء، وهو اسم فاعل من أجاب الرباعي.
(الغني) أي: الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد يحتاج إليه، وهذا هو الغنى المطلق، ولا يشارك اللهَ فيه غيرُه.
(الوهاب): الهبةَ العظيمة الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كَثُرَتْ .. سُمِّي صاحبُها وَهَّابًا.
(الودود): هو فعول بمعنى مفعول؛ من الود؛ وهو المحبة، يقال: وددت الرجل أوده ودًا؛ إذا أحببته، فالله تعالى مودود؛ أي: محبوب في قلوب أوليائه، أو هو فعول بمعنى فاعل؛ أي: أنه يحب عباده الصالحين؛ بمعنى: أنه يرضى عنهم.
(الشكور) أي: يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل، أو المُثْنِي على عباده المطيعين.
(الماجد): هو بمعنى المجيد، لكن المجيد للمبالغة من المجد؛ وهو سعة الكرم، فهو الذي لا تدرك سعة كرمه ولا يحيط بها وصف الواصفين.
стр. 10888
الْوَاجِدُ الْوَالِي الرَّاشِدُ الْعَفُوُّ الْغَفُورُ الْحَلِيمُ
===
(الواجد) بالجيم؛ أي: الغني الذي لا يفتقر؛ من وجد يجد جِدَةً؛ من باب وعد؛ أي: استغنى غنىً لا فقر بعده، وقيل: هو الذي يجد كل ما يريده ويطلبه ولا يفوته شيء.
(الوالي) على وزن الفاعل؛ من ولي الثلاثي؛ أي: مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها على وفق إرادته.
(الراشد) أي: المُوفِّق من شاء من عباده طريقَ الرشد والصلاح في دينه ودنياه. و (الرشيد): هو مبالغة في الراشد؛ أي: الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم؛ أي: هداهم ودلهم عليها ببيان براهينها على ألسنة الرسل، فهو فعيل بمعنى مفعل، وقيل: هو الذي تَنْسَاقُ تَدْبِيرَاتُه إلى غَايَاتِها على سَنَن السَّداد من غير إشارةِ مُشِير ولا تسديدِ مُسدِّد.
(العفوُّ): فَعولٌ من العَفْوِ؛ وهو الذي يَمحُو السيئاتِ ويُجاوز عن المعاصي، وهو أَبْلَغُ من الغفور؛ لأنَّ الغفران يُنْبِئُ عن السَّتْر، والعفوُ يُنبئ عن المحْوِ؛ وأصلُ العفوِ: المَحْوُ والطمْسُ، وهو من أبنيةِ المبالغة، يقال: عفَا يَعْفُو عفوًا، فهو عافٍ وعَفُوٌّ.
(الغفور) قال الجزري في "النهايةِ": في أسماء الله الغَفُور والغفار، وهما من أبنيةِ المبالغة؛ ومعناهما: الساترُ لذنوب عباده وعيوبهم المتجاوز عن خطاياهم وذنوبِهم، وأصلُ الغفر: التغطيةُ، يقال: غَفَر لك يَغْفِرُ غفرًا وغُفرانًا ومغفرة؛ والمغفرة: إِلْباسُ الله تعالى العَفْوَ للمذنبين.
(الحليم): هو الذي لا يَسْتَخِفُّه شيءٌ من عصيان العباد ولا يَسْتَفِزُّهُ الغضبُ عليهم، ولكنَّهُ جَعلَ لكل شيء مِقْدارًا، فهو مُنْتَبهٍ إليه.
стр. 10889
الْكَرِيمُ التَّوَّابُ الرَّبُّ الْمَجِيدُ الْوَلِيُّ الشَّهِيدُ الْمُبِينُ الْبُرْهَانُ الرَّؤُوفُ
===
(الكريم) أي: كثيرُ الجود والعطاء الذي لا يَنْفَدُ عطاؤُه ولا تَفْنَى خزائنهُ؛ وهو الكريمُ المطلقُ.
(التوَّاب) أي: كثيرُ قبولِ التوبةِ مِنْ عباده، فهو الذي يَقْبَلُ توبةَ العبدِ مرة بعد أخرى.
(الرب المجيد) أي: المَالِكُ لجميع خَلْقِهِ المتصرفُ فيهم؛ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها.
(المجيد): مبالغةٌ في الماجد؛ وهو الذي لا تُدْرَكُ سعةُ رحمته، وقد تقدم تفسيرُهُ.
(الوليُّ): المحب الناصر، أو متولي أمر الخلائق.
(الشهيدُ): الشهيدُ هو الذي لا يَغِيبُ عنه شيءٌ مِن مخلوقاتِه، وهو مبالغة في (الشاهد) أي: الحاضر؛ لأن فَعِيلًا مبالغةٌ في فاعلٍ، فإذا اعْتُبر فيه معنى العِلْمِيَّةِ مطلقًا .. فهو العليمُ، وإذا أضيف إلى الأمور الباطنةِ .. فهو الخَبِيرُ، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة .. فهو الشهيدُ؛ وقد يُعْتَبر مع هذا أَنْ يَشْهَد على الخلقِ يوم القيامة بما عَلِمَ.
(المبين): اسم فاعل من أبان الرباعي؛ أي: فالمُبِينُ المظهرُ للحق من الباطل بالآياتِ البيناتِ والبراهينِ القاطعة.
(البرهان) أي: مُنْزِلُ البراهينِ الواضحةِ والأدلَّةِ القاطعة على رُسُله لِيَدْعُوا عبادَه إلى توحيدِه وطاعتِه.
(الرؤوف) أي: المنعم لعباده بجلائل النعم ودقائقها، أو ذو الرأفة والرحمة الواسعة.
стр. 10890
الرَّحِيمُ الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْبَاعِثُ الْوَارِثُ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ الضَّارُّ النَّافِعُ الْبَاقِي
===
(الرحيم) أي: المنعم لعباده بدقائقها، وهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بعد العام، وتقدم تفسيره في أوائل الأسماء.
(المبدئ) أي: الذي أنشأ الأشياء واخْترعَهَا ابتداءً من غير سابقِ مثال.
(المعيد) أي: الذي يُعيد الخَلْق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعد الممات إلى الحياة يوم القيامة.
(الباعثُ) أي: الذي يَبْعَثُ الخلْق؛ أي: يحييهم بعد الموت يوم القيامة، وقيل: أي: باعِثُ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ.
(الوارث) أي: يرث الخلائق ويبقى بعد فنائهم.
(القوي) أي: ذو القدرة التامة البالغة إلى غاية الكمال الذي لا يلحقه ضعف.
(الشديد) وفي بعض نسخ "ابن ماجه" بدل (الشديد): (المتين) أي: شديد البطش والأخذ للجبابرة، يَسْتَأْصِلُهم ولا يُبْقِي أَثرَهم. وقوله: (المتين) أي: القوي الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة ولا كُلْفَةٌ ولا تَعَبٌ؛ من المتانة؛ وهي القُوَّةُ والشدة، فهو من حيث إنه بالغ القدرة تامُّها .. قوي، ومن حيث إنه شديد القوة .. متين.
(الضارُّ) أي: الذي يضرُّ من يشاء من خلقه؛ من حيث هو خالقُ الأشياء كُلِّها خيرِها وشرِّها نَفْعِها وضُرِّها.
(النافعُ) أي: الذي يُوصِلُ النَّفْع إلى من يشاء من خلقه من حيث هو خالق النفع والضر والخير والشر.
(الباقي) أي: الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء.
стр. 10891
الْوَاقِي الْخَافِضُ الرَّافِعُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ الْمُقْسِطُ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ
===
(الواقي) لأوليائه.
(الخافض) أي: الخافض للجبابرةِ والفَراعنةِ؛ أي: يُضْعِفُهم ويُهِينهم ويخفض كل شيء يريد خَفْضَه؛ والخفضُ ضِدُّ الرفع.
(الرافع) أي: الذي يرفع المؤمنين بالإِسْعاد وأولياءه بالتقريب، وهو ضد الخفض.
(القابضُ) أي: يُمْسِك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفِه وحكمتِه ويقبض الأرواحَ عند الممات.
(الباسط) أي: يَبْسُطُ الرزق لعباده ويُوسِّعه عليهم بجُوده ورحمته، ويبسطُ الأرواحَ في الأجسادِ عند الحياة.
(المعز) أي: يَهبُ العِزَّ لمن يشاء مِن عباده.
(المذل) أي: يُلْحِقُ الذلَّ بمن يشاء من عباده، وينفي عنه أنواع العز جميعَها.
(المقسط) أي: العادل في حكمه بين عباده بنَصْرِ المحق وخِذْلانِ المُبطل، يقال: أَقْسط يُقسط رباعيًّا فهو مقسط؛ إذا عدَلَ في حكمه، وقسَطَ يَقْسِطُ ثلاثيًّا؛ من باب ضرب، فهو قاسط؛ إذا جارَ، فكأنَّ الهمزة في أقسط للسَّلْب؛ كما يقال: شكَا إليه فأَشْكَاهُ.
(الرزَّاق) أي: الذي خلق الأرزاق أو أعطى الخلائقَ أرزاقَها وأَوْصَلَها إليهم، والأرزاقُ نوعان: ظاهرة للأبدان؛ كالأقوات، وباطنة للقلوب والنفوس؛ كالمعَارف والعلوم.
(ذُو القوة) أي: صاحبُ الشِّدَّة الباهرة والقدرة القاهرة التي تقهر الجبابرة.
стр. 10892
الْمَتِينُ الْقَائِمُ الدَّائِمُ الْحَافِظُ الْوَكِيلُ الْفَاطِرُ السَّامِعُ الْمُعْطِي الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْمَانِعُ
===
(المَتِينُ) أي: القويُّ الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة ولا كلفة ولا تعب؛ كما تقدَّم لك.
(القائم) بنفسه لا يحتاج إلى مَنْ يقوم به، وإلا .. لكان عرضًا يحتاجُ إلى مَنْ يقوم به.
(الدائم) أي: الذي لا آخرَ لحياته.
(الحافظ) لكل الموجودات عن الزوال واختلال نظامهم، وفي نسخة المؤلف: (الحفيظ): وهو مبالغة في الحافظ؛ أي: البالغ في الحفظ يحفظ الموجودات عن الزوال والاختلال مدة ما شاء.
(الوكيل) أي: القائم بأمور عباده المتكفل بمصالحهم.
(الفاطر) أي: فاطر السماوات والأرضِينَ السَّبْعِ وخالقُهما وما فيهما على غير مثالٍ سَبقَ، ورافع السماوات بغير عمد، وباسط الأرض بغير وتد.
(السامع) أي: خالق السمع لأهله؛ و (السميع) مبالغة فيه، أو السامع لدعاء عباده سماعَ قبول.
(المعطي) لمن سأله جميع حوائجه على وفق مراده، سواء كانت جلب مسرة، أو دفع مضرة.
(المحيي) أي: مُعطي الحياة لمن أراد إِحياءه.
(المميت) أي: خالق الموت ومُسلِّطُهُ على من شاء.
(المانع) أي: الدافعُ لأعدائه عن أوليائه وكافِيهم شرَّهم؛ أي: الذي يَمْنَعُهم عن أهلِ طاعته ويَحُوطُهم ويَنْصُرهم، وقيل: يمنعُ مَنْ يُريدُ من خلقه ما يريد، ويعطيه ما يريد.
стр. 10893
الْجَامِعُ الْهَادِي الْكَافِي الْأَبَدُ الْعَالِمُ الصَّادِقُ النُّورُ الْمُنِيرُ التَّامُّ الْقَدِيمُ الْوِتْرُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ.
===
(الجامع) لعالم الأرض والسماوات في أرض المحشر يوم القيامة لمجازاتهم.
(الهادي) أي: الذي بصَّر عبادَه، ويُعرِّفهم طريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبوبيتِه، وهدى كُلَّ مخلوق إلى ما لا بُدَّ له منه في بقائِه ودوامِ وُجُوده.
(الكافي) لِأَوليائه عن شرِّ أَعْدائهم والحافظُ لهم عن كَيْدِهم.
(الأبد) أي: الدائم في حياته، فلا يلحقه فناء.
(العالِمُ) لكل المعلومات دقيقِها وجليلِها.
(الصَّادقُ) فيما وَعَد وأَوْعدَ فلا يُخْلِفُ الميعاد.
(النُّور) أي: خالقُ النورِ حسيًا كان أو معنويًا؛ كنُور الإيمان والمعرفةِ في قلوبِ أَوْلِيَائه.
(المنيرُ) أي: المُنوِّرُ لقلوب من شاء من عباده بنور الهداية والرشاد.
(التام) أي: الكامل في ذاتِه وصفاتِه وأفعاله؛ أي: المُتَّصِفُ فيها بصفةِ الكمال، فلا يَلْحَقُه نَقْصٌ.
(القديم) أي: الَّذي لا بِدايةَ لوجوده ولا نهايةَ له.
(الوِتْرُ) أي: المنفردُ في ذاته وصفاته، فلا مَثِيلَ له فيهما.
(الأَحدُ) أي: المنفردُ في أفعالِه، فلا مُعِينَ له ولا مُشيرَ.
(الصَّمدُ) أي: الذي يُصْمَدُ ويُقْصَدُ في قضاءِ الحوائج، ولا يَصْمُدُ هو إلى غيره.
стр. 10894
الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ"، قَالَ زُهَيْرٌ: فَبَلَغَنَا مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَوَّلَهَا يُفْتَحُ بِقَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.
===
(الذي لم يلد) أي: لم يكُن والدًا لغيرِه.
(ولم يُولد) أي: لم يكن مولودًا لغيره، فلا أَبَ له ولا أُمَّ.
(ولم يكن له كفوًا أحدٌ) أي: لم يكن أحدٌ من الموجودات كفوًا له تعالى؛ أي: مُشابهًا له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ لاستغنائِه عن غيره الغِنَى المُطْلَقَ.
قال المؤلف أبو عبد الله محمد بن يزيد ابنُ ماجه بالسند السابق: (قال) لنا شيخنا (زهير) بن محمد التميمي: (فبلغنا من غير واحد من أهل العلم) أي: بلغنا من كثير من المحدثين (أن أوَّلها يُفتح) أي: ينبغي أن يُفتح أولُ هذه الأسماء عند قراءتِها (بقولِ) الذاكرين: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلكُ وله الحمد، بيده الخَيْرُ، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله له الأسماءُ الحسنى) تشريفًا لها بِبراعةِ الاستهلالِ.
قال السندي: لم أَجِد أحدًا من الأئمة الستة عدَّدَ أسماءَ الله الحسنى من حديث أبي هريرة ولا مِن غيره سِوَى ابنِ ماجه والترمذي، لكن طريقُ الترمذي بغير هذا السياق، وبزيادةٍ ونقصٍ وتَقدِيمٍ وتأخيرٍ، وطريق الترمذي أصحُّ شيء في هذا الباب، رواه عن إبراهيم بن يعقوب الجوزْجَاني حدثني صفوان بن صالح، حدثني الوليدُ بن مسلم، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج، وقال: هذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. انتهى.
стр. 10895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجتُهُ: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مرَّ؛ لكون عبد الملك بن محمد الصَّنعاني مختلَفًا فيه، وغرضُه: الاستدلالُ به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلِّف في هذا الباب إلا حديثين:
كلاهما للاستدلال.
والله أعلم
стр. 10896
(٨) - (١٤١٩) - بَابُ دَعْوَةِ الْوَالِدِ وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
(١٨) - ٣٨٠٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(٨) - (١٤١٩) - (باب دعوة الوالد) أي: جنس الوالد؛ ذكرًا كان أو أنثى على ولده (ودعوة المظلوم) على ظالمه.
(١٨) - ٣٨٠٥ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة العبسي الكوفي.
(حدثنا عبد الله بن بكر) بن حبيب (السهمي) الباهلي أبو وهب البصري نزيل بغداد، امتنع من القضاء، ثقة حافظ، من التاسعة، مات في المحرم سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام) بن أبي عبد الله، اسمه سنبر - بوزن جعفر - أبي بكر (الدستوائي) البصري، ثقة ثبت رمي بالقدر، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي جعفر) المؤذن، لم يعرف له اسم، وقد روى عنه: يحيى بن أبي كثير غير حديث؛ أي: حديثًا كثيرًا، الأنصارِيِّ المدني، مقبول، من الثالثة، ومن زعم أنه محمد بن علي بن الحسين .. فقد وهم. انتهى من "التقريب".
روى عن: أبي هريرة، ويروي عنه: يحيى بن أبي كثير، (عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 10897
قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لَا شَكَّ فِيهِنَّ؛ دَعْوَةُ الْمَظْلُوم، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِر، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا جعفر المؤذن، وهو مقبول.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ثلاث دعوات) مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة تخصصه بالإضافة، خبره قوله: (يستجاب لهن) أي: مستجابة عند الله تعالى (لا شك فيهن) أي: في استجابتهن، وهو آكد من حديث: (ثلاثة لا ترد دعوتهن) وإنما أكد به؛ لالتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله تعالى بصدق الطلب ورقة القلب وانكسار الخاطر.
إحداها: (دعوة المظلوم) على مَنْ ظلمه بأي نوع من أنواع الظلم، أو دعوته لِمَنْ يُعِينُهُ وينصُره أو يُسليه ويُهوِّنُ عليه، كذا في "المرقاة".
(و) ثانيتها: (دعوة المسافر) يحتمل أن تكون دعوته بالخير لمن أحسن إليه، وبالشر لمن آذاه وأساء إليه؛ لأن دعاءه لا يخلو عن الرقة.
(و) ثالثتها: (دعوة الوالد لولده) إن أحسن إليه، أو عليه؛ لإذايته وضرره، ولم يذكر الوالدة؛ لأن حقها أكثر، فدعاؤها أولى بالإجابة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب الدعاء بظهر الغيب، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب في دعوة الوالدين.
ودرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أم حكيم الخزاعية رضي الله تعالى عنها، فقال:
стр. 10898
(١٩) - ٣٨٠٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَتْنَا حُبَابَةُ ابْنَةُ عَجْلَانَ، عَنْ أُمِّهَا أُمِّ حَفْصٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ جَرِيرٍ، عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ وَدَّاعٍ
===
(١٩) - ٣٨٠٦ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو سلمة) موسى بن إسماعيل المِنْقَرِيُّ - بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف - التَّبُوذَكِيُّ - بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة - مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، ولا التفاتَ إلى قولِ ابن خِرَاشٍ - بالخاء المعجمة آخره شين معجمة، اسمه أحمد بن الحسن بن خراش -: تكَلَّم الناسُ فيه، مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين (٢٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثتنا حُبَابَةُ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (ابنةُ عَجْلان) لا يعرف حالها، ولم أر من وثقها ولا من جرحها، بصرية، من السابعة. يروي عنها: (ق)، رَوَتْ عن أمها أمِ حفص عن صفية بنت جرير عن أم حكيم الخزاعية في الحجاب، وهو هذا الحديث، ويروي عنها موسى بن إسماعيل.
(عن أمها أم حفص) والدة حبابة بنت عجلان، اسمها: حفصة، لا يعرف حالها، من السابعة. روت عن صفية بنت جرير، ويروي عنها: ابنتها حبابة بنت عجلان. يروي عنها: (ق).
(عن صفية بنت جرير) روت عن أم حكيم الخزاعية، لا تعرف، من الثالثة، ويروي عنها أم حفص، و (ق).
(عن أم حكيم بنت) سلمة بن (وَدَّاعٍ) - بتشديد الدال بعدها ألف -
стр. 10899
الْخُزَاعِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "دُعَاءُ الْوَالِدِ يُفْضِي إِلَى الْحِجَابِ".
===
ويقال: وَادِعٍ - بتقديم الألف على الدال - (الخزاعية). يروي عنها: (ق)، الصحابية رضي الله تعالى عنها، روت عن النبي ﷺ ، ويروي عنها صفية بنت جرير، و (ق)، ولم أر من ذَكَر اسمها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ جميعَ مَنْ ذكر فيه من النساء لم أر من جرحهن ولا من وثقهن؛ وهن: حبابة، وأم حفص، وصفية بنت جرير.
(قالت) أم حكيم: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: دعاء الوالد) على ولده أوله (يُفْضِي) من الإفضاء؛ أي: يوصل (إلى الحجاب) والمراد بالحجاب: محل الإجابة؛ أي: يوصل إلى محل يجاب فيه دعاء الوالد إذا دعا على الولد أو دعا له؛ أي: يحبس دعاء الوالد على الولد استجابة دعائه إذا دعا، فيكون دعاء الوالد كالحجاب بين الدعاء والاستجابة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهو ضعيف السند والمتن جميعًا (٢)(٣٩١).
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 10900
(٩) - (١٤٢٠) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ
(٢٠) - ٣٨٠٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ
===
(٩) - (١٤٢٠) - (باب كراهية الاعتداء في الدعاء)
أي: مجاوزة الحد بالإفراط فيه.
* * *
(٢٠) - ٣٨٠٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الصفار الباهلي البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، قال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة ومئتين، ومات بعدها بيسير. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم أبو سلمة البصري، ثقة ثبت عابد، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أنبأنا سعيد) بن إياس (الجُريري) - مصغرًا - نسبة إلى جده جُرير - مصغرًا - ابن عباد بن ضُبيعة - مصغرًا - ابن قيس، أبو مسعود البصري، ثقة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي نعامة) قيس بن عباية - بفتح أوله وتخفيف الموحدة ثم تحتانية - النخعي، ثقة، من الثالثة، مات بعد سنة عشر ومئة. يروي عنه: (عم).
(أن عبد الله بن مغفل) - بمعجمة فاء مشددة - ابن عبدِ نَهْمٍ - بفتح النون
стр. 10901
سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ؛ سَلِ اللهَ الْجَنَّةَ وَعُذْ بِهِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ".
===
وسكون الهاء - أبا عبد الرحمن المزني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، مات سنة سبع وخمسين (٥٧ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: أن عبد الله بن مغفل (سمع ابنه) لم أر من ذكر اسم الابن (يقول) في الدعاء: (اللهم؛ إني أسألك القصر الأبيض) والقصر: الدارُ الكبيرةُ المُشَيَّدَةُ؛ لأنه يُقْصَر فيه الحُرَم، كذا في التوسُّط، الذي يكون (عن يمين الجنة) أي: في يمينها (إذا دخلتها) أي: الجنة (فقال) عبد الله: (أي) حرف نداء لنداء القريب؛ أي: يا (بني) مصغرٌ تصغيرَ شفقةٍ (سل الله الجنة، وعُذْ بِهِ) أي: تعوَّذْ بالله (من النار) أي: من دخول النار؛ أي: قال عبد الله ذلك لابنه حين سمعه يدعو بهذه الكلمات.
قال بعض الشراح: إنما أنكر عبد الله على ابنه في هذا الدعاء؛ لأن ابنه طَمِعَ مَا لا يَبْلغُهُ عملًا؛ أي: مِن أجرِ عَملِه؛ حيث سأل منازل الأنبياء، وجعله من الاعتداء في الدعاء؛ لما فيه من التجاوز عن حد الأدب، وقيل: لأنه سأل شيئًا معينًا، والله أعلم.
وقوله: (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول) علةٌ لِنَهْيهِ المذكور؛ أي: وإنما نهيتك عن ذلك الدعاء؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون) أي: يوجد في أمتي بعد وفاتي (قوم) منهم (يعتدون) أي: يجاوزون الحد المشروع (في الدعاء) أي: في
стр. 10902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دعائهم ربهم؛ والمراد بالاعتداء في الدعاء: المجاوزة للحد.
وقيل: الدعاء بما لا يجوز ورَفْعُ الصوتِ به والصياحُ، وقيل: سؤال منازل الأنبياء ﵈، حكاها النووي في "شرحه"، وذكر الغزالى في "الإحياء" أن المراد به: أن يتكلَّف السَّجْعَ في الدعاء.
قال السندي: قوله: "يعتدون في الدعاء" أي: يتجاوزون حده.
وفي رواية أبي داوود زيادة: (و) في (الطهور) - بضم الطاء وفتحها - فالاعتداء فيه: الزيادة على الثلاث، وإسراف الماء ولو في شاطئ البحر؛ لما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: "ما هذا السرف يا سعد؟ ! " قال: أوَفي الوضوء سَرَفٌ؟ ! قال: "نعم؛ وإن كنت على نهر جار" انتهى.
وحديث ابن مغفل هذا يتناول الغسل والوضوء وإزالة النجاسة، قال المنذري: وأخرجه ابن ماجه مقتصرًا على الدعاء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطهارة، باب الإسراف في الماء، وابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتابه الدعاء.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 10903
(١٠) - (١٤٢١) - بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ
(٢١) - ٣٨٠٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ،
===
(١٠) - (١٤٢١) - (باب رفع اليدين في الدعاء)
(٢١) - ٣٨٠٨ - (١) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد ينسب لجده، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر بن ميمون) التميمي أبي علي أو أبي العوام، بَيَّاعِ الأنماط؛ والأنماط جمع نَمَط؛ كسَبَبٍ وأسباب: ضرب من البسط. انتهى "ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، صدوق يخطئ، من السادسة. يروي عنه: (عم). انتهى "تقريب".
قال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال في موضع آخر: صالح الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، وقال البخاري: ليس بشيء، وقال الحاكم في "المستدرك": هو من ثقات البصريين، وذكره ابن حبان وابن شاهين في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
(عن أبي عثمان) النهدي عبد الرحمن بن ملٍّ - مثلث الميم مع تشديد اللام - مشهور بكنيته، ثقة مخضرم ثبت عابد، من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها، وعاش مئة وثلاثين سنة، وقيل: أكثر. يروي عنه: (ع).
стр. 10904
عَنْ سَلْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَرْفَعَ
===
(عن سلمان) الفارسي أبي عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، سَابِقِ الفُرْس، أصله من أصبهان، وقيل: من رامهرمز، أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ) يقال: بلغ ثلاث مئة سنة رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه جعفر بن ميمون وهو مختلف فيه.
(عن النبي ﷺ قال: إن ربكم) أي: أيتها الأمة المحمدية؛ أي: إن خالقكم (حَيِيٌّ) أي: كثير الحياء، هو فعيل من الحياء؛ أي: لا يترك العطاء؛ كصاحب الحياء يمنعه من ترك العطاء، ولا يخفى أن الكرم والعطاء إذا اجتمعا .. يكون صاحبهما كمن يستحيل عليه أن يترك العطاء من السائلين والضعفاء. انتهى "سندي"، وفي "العون": (حيي) فعيل بمعنى فاعل؛ أي: مبالغ في الحياء.
وفسر الحياء في حق الله تعالى بما هو الغرض والغاية، وغرض الحيي من الشيء: تركه والإباء منه؛ لأن الحياء تَغيُّرٌ وانكسارٌ يَعتَرِي الإنسانَ من تَخوُّفِ ما يعاب ويذم بسببه، وهو محال على الله تعالى، لكن غايته فعل ما يسر وترك ما يضر، أو يقال: معناه: عامل معاملة المستحيي من الشيء.
(كريم) أي: كثير الجود والعطاء؛ وأصل معناه: هو من يبادر بالنوال قبل السؤال، فكيف بعده؟ ! انتهى منه؛ كما ذكرناه في "هدية الأذكياء على طيبة الأسماء".
(يستحيي) أي: ربكم؛ أي: يترك حياء (من عبده) المؤمن (أن يرفع)
стр. 10905
إِلَيْهِ يَدَيْهِ فَيَرُدَّهُمَا صِفْرًا - أَوْ قَالَ -: خَائِبَتَيْنِ".
(٢٢) - ٣٨٠٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ،
===
ذلك العبد (إليه) أي: إلى دعائه (يديه) أي: كفيه (فيردهما) أي: فيرد الله سبحانه يديه (صفرًا) - بكسر الصاد وسكون الفاء - أي: فارغتين خاليتين من الرحمة والعطاء.
قال الطيبي: يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع والمثنى، قاله القاري.
(أو قال) الراوي بدل قوله: "صفرًا" فيردهما (خائبتين) أي: فيرد الله سبحانه، أو يرد العبد يديه حالة كونهما خَائِبَتَين؛ أي: محرومتين من طلَبَاتِهما وحوائجهما، والشك من الراوي أو ممن دونه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب الدعاء، والترمذي في كتاب الدعوات (١٠٥)، باب حدثنا محمد بن بشار.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٢) - ٣٨٠٩ - (٢) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا عائذ) بغير إضافة (ابن حبيب) بن الملاح - بفتح الميم وتشديد اللام وبمهملة في آخره - أبو أحمد الكوفي بياع الهروي، صدوق رمي بالتشيع، من التاسعة. يروي عنه: (س ق).
стр. 10906
عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ .. فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا؛ فَإِذَا فَرَغْتَ .. فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ".
===
(عن صالح بن حسان) الأنصاري أبي الحارث المدني نزيل البصرة، متروك، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد أبي حمزة (القرظي) المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة، ثقة عالم، من الثالثة، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي ﷺ ؛ فقد قال البخاري: إن أباه كان مِمَّنْ لم يُنبِت من سبي بني قريظة، مات محمد سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه صالح بن حسان، وهو متفق على أنه متروك، قال ابن حبان في "المجروحين": يروي الموضوعات عن الثقات؛ كأنه كان يضعها أو توضع له فيجيب فيها.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : إذا دعوت الله) أيها المؤمن الكريم ربك ومعبودك وطلبت منه حوائجك؛ دفعًا كان أو جلبًا؛ أي: إذا أردت دعاءه .. (فادعـ) ـه بقلبك ولسانك، حالة كونك رافعًا ومشيرًا (ببطون كفيك) إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء؛ كما ورد (ولا تدعـ) ـه حالة كونك رافعًا وموجهًا (بظهورهما) أي: بظهور الكفين إلى السماء إلا إذا كانت حاجتك دفع البلاء (فإذا فرغت) وكملت دعاءك .. (فامسح بهما) أي: بالكفين (وجهك) لتناله أثر بركة دعائك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده؛
стр. 10907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهذا الحديث: ضعيف السند والمتن (٣)(٣٩٢).
وقد سبق تخريج هذا الحديث الأخير للمؤلف في باب من رفع يديه في الدعاء ومسح بهما وجهه رقم (٣٢١)، حديث رقم (١١٥٦).
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 10908
(١١) - (١٤٢٢) - بَابُ مَا يَدْعُو بِهِ الرَّجُلُ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى
(٢٣) - ٣٨١٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ
===
(١١) - (١٤٢٢) - (باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى)
(٢٣) - ٣٨١٠ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا الحسن بن موسى) الأشيب - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع أو عشر ومئتين (٢١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سهيل بن أبي صالح) ذكوان السمان المدني أبي يزيد، صدوق تغير حفظه في آخره، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي عياش الزرقي) زيد بن عياش - بتحتانية ومعجمة - تابعي مدني، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
стр. 10909
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .. كَانَ لَهُ عَدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات إلا أنه مرسل؛ كما يبينه في آخر الحديث؛ لأن أبا عياش تابعي مدني، لم يدرك النبي ﷺ .
قال الحافظ في "الإصابة": أبو عياش، وقيل: ابن عياش، وقيل: ابن أبي عياش، روى عن النبي ﷺ : "من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله ... " الحديث، من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنه، أخرج حديثه أبو داوود والنسائي وابن ماجه.
(قال) أبو عياش: (قال رسول الله ﷺ : من قال) شرطية (حين يصبح) ظرفية: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير .. كان له) أي: لذلك القائل، جواب الشرط (عدل رقبة) أي: مثل أجر عتقها، وهو بفتح العين وكسرها بمعنى: المثل، وقيل: بالفتح: المثل من غير الجنس، وبالكسر: من الجنس، وقيل: بالعكس.
(من ولد إسماعيل) صفة (رقبة) وهو بفتح الواو واللام وبضم وسكون؛ أي: أولاده، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أشرف من سبي (وحط) أي: أقيل ومحي ووضع (عنه) أي: عن ذلك القائل (عشر خطيئات) أي: سيئات، معطوف على جواب الشرط (ورفع) أي: أثبت وكتب (له) أي: لذلك القائل (عشر درجات، وكان) ذلك القائل (في حرز) أي: في حفظ وصون (من الشيطان)
стр. 10910
حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِذَا أَمْسَى .. فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصبِحَ"، قَالَ: فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبَا عَيَّاشٍ يَرْوِي عَنْكَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: "صَدَقَ أَبُو عَيَّاشٍ".
===
أي: من وسوسته وغوايته في ذلك اليوم (حتى يمسي) ذلك القائل؛ أي: حتى يدخل في مساء ذلك اليوم؛ وهو آخر النهار إلى نصف الليل.
(وإذا أمسى) ذلك القائل، وقال في المساء مثل ما قال في النهار .. (فمثل ذلك) أي: فيكون له من الأجر مثل ذلك؛ أي: مثل ما كان له في النهار من عدل رقبة وما بعده (حتى يصبح) أي: حتى يدخل في صباح اليوم الثاني، وفي رواية أبي داوود: (وإن قالها) أي: قال تلك الكلمات (إذا أمسى .. كان له مثل ذلك) أي: مثل ما ذكر من الجزاء.
(قال) سهيل بن أبي صالح أو من دونه: (فرأى رجل) من المسلمين (رسول الله ﷺ فيما يرى النائم) أي: في صورة يراها النائم في المنام (فقال) ذلك الرجل الرائي لرسول الله ﷺ في المنام: (يا رسول الله؛ إن أبا عياش) الزرقي (يروي عنك) في المنام حديثًا صفته (كذا وكذا، فقال) رسول الله ﷺ لذلك الرائي: (صدق أبو عاش) فيما يروي عني من ذلك الحديث؛ لأني حدثته.
قال القاري: ذكر الراوي هذا المنام؛ استظهارًا وتقويةً لهذا الحديث، لا استدلالًا عليه؛ للإجماع على أن رؤية المنام لا يعمل بها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث مرفوع أخرجه
стр. 10911
(٢٤) - ٣٨١١ - (٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَصْبَحْتُمْ
===
الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة، وإن كان سنده ضعيفًا؛ لكونه مرسلًا، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي عياش رحمه الله تعالى بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٤) - ٣٨١١ - (٢) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق رُبَّما وَهِم، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ)، أو إحدى وأربعين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن سهيل) بن أبي صالح السمان أبي يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي صالح السمان ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إذا أصبحتم)
стр. 10912
فَقُولُوا: اللَّهُمَّ؛ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ؛ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ وِإلَيْكَ الْمَصِيرُ".
===
أي: دخلتم في الصباح أيها المسلمون .. (فقولوا) ندبًا: (اللهم؛ بك أصبحنا) الباء متعلق بمحذوف، وهو خبر أصبحنا، ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: أصبحنا ملتبسين بحفظك أو مغمورين بنعمتك؛ أي: مغموسين بها، أو مشتغلين بذكرك، أو مستعينين باسمك، أو مشمولين بتوفيقك، أو متحركين بحولك وقوتك، أو متقلبين بإرادتك وقدرتك (وبك أمسينا وبك نحيا، وبك نموت) أي: أنت تحيينا وأنت تميتنا؛ يعني: يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال، وهو من حكاية الحال الآتية.
قال النووي: معناه: أنت تحيينا وأنت تميتنا؛ يعني: يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الأحوال.
(وإذا أمسيتم) أي: دخلتم في المساء .. فهو معطوف على قوله: "إذا أصبحتم" .. (فقولوا: اللهم؛ بك أمسينا) أي: دخلنا في المساء (وبك أصبحنا) أي: دخلنا في الصباح (وبك) أي: بقدرتك (نحيا وبك نموت) في جميع الأوقات وسائر الأحوال (وإليك) أي: لا إلى غيرك (المصير) أي: المرجع بالبعث من القبور، قال في "النهاية": يقال: نشر الميت ينشر نشورًا؛ إذا عاش بعد الموت، أو نشره الله؛ أي: أحياه.
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى: فرواية أبي داوود فيها: (النشور) في المساء، و (المصير) في الصباح، ورواية الترمذي فيها: (النشور) في المساء و (المصير) في الصباح، ورواية ابن حبان فيها: (النشور) في الصباح و (المصير) في المساء، وهي أولى الروايات؛
стр. 10913
(٢٥) - ٣٨١٢ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،
===
بأن تكون محفوظةً؛ لأن الصباح والانتباه من النوم بمنزلة النشور؛ وهي الحياة بعد الموت، والمساء والصيرورة إلى النوم بمنزلة الموت والمصير إلى الله، ولهذا جعل الله سبحانه في النوم الموت، والانتباه بعده دليلًا على البعث والنشور؛ لأن النوم أخو الموت، والانتباه نشور وحياة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (١).
ويدل عليه أيضًا: ما رواه البخاري في "صحيحه" عن حذيفة أن النبي ﷺ كان إذا استيقظ .. قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور". انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، والترمذي في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أصبح، وقال: حسن صحيح غريب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي عياش.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي عياش رحمه الله تعالى بحديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٥) - ٣٨١٢ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10914
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُودَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كَلِّ لَيْلَةٍ:
===
(حدثنا أبو داوود) سليمان بن داوود بن الجارود الطيالسي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا) عبد الرحمن (بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني مولى قريش، تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيهًا، من السابعة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني المعروف بأبي الزناد، ثقة فقيه، من الخامسة مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبان بن عثمان) بن عفان الأموي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (م عم). وقوله: (أبان) - بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة - يصرف؛ لأنه فعال، ويمنع؛ لأنه أفعل، والصحيح الأشهر: الصرف، كذا نقل القاري عن الطيبي. انتهى من "العون".
(قال) أبان: (سمعت) والدي (عثمان بن عفان) الأموي المدني ذا النورين رضي الله تعالى عنه، حالة كون عثمان (يقول: سمعت رسول الله ﷺ حالة كون الرسول ﷺ (يقول) الحديث الآتي.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(ما من عبد) ولا أمة (يقول في صباح كل يوم) أي: في أول كل يوم من الأيام؛ يعني: بعد طلوع الفجر الصادق (و) في (مساء كل ليلة) من
стр. 10915
بِاسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) .. فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ"، قَالَ: وَكَانَ أَبَانُ قَدْ أَصَابَهُ طَرَفٌ مِنَ الْفَالِج، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَيْه، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ ! أَمَا
===
الليالي؛ أي: في أول كل ليلة؛ يعني: بعد غروب الشمس؛ أي: ما من عبد يقول في هذين الوقتين: (باسم الله) أي: أستعين أو أتحفظ من كل مؤذ باسم الله (الذي لا يضر مع اسمه) أي: مع ذكر اسمه (شيء) من المؤذيات المستورة (في الأرض ولا) شيء من البلاء المخلوق (في السماء) النازل منها (وهو) أي: والحال أن الله هو (السميع) لدعاء عباده (العليم) باستغاثتهم إليه.
وقوله: (ثلاث مرات) بالنصب على المفعولية لـ (يقول).
وقوله: (فيضره شيء) على النصب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النفي؛ أي: ما من أحد يقول هذا الذكر قولًا ثلاث مرات، فيضره شيء من تلك البلايا الخارجة من الأرض، والنازلة من السماء.
(قال) أبو الزناد: (وكان أبان) بن عثمان (قد أصابه طرف) أي: شيء قليل (من) المرض المسمى بـ (الفالج): وهو استرخاء لأحد شقي البدن؛ لانصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح.
(فجعل الرجل) أي: فشرع الرجل من الحاضرين عند أبان، لم أر من ذكر اسمه (ينظر إليه) أي: إلى أبان (فقال له) أي: لذلك الرجل الناظر إليه (أبان) بن عثمان؛ كأن الرجل يتعجب من أبان؛ من إصابة الفالج له مع علمه بهذا الذكر (ما تنظر إلي) أيها الرجل؟ ! أي: لأي شيء تنظر إلي نظر متفكر متعجب؟ ! ثم قال أبان للرجل رافعًا لتعجبه: (أما) أي: انتبه واستمع ما أقول
стр. 10916
إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا قَدْ حَدَّثْتُكَ، وَلكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ؛ لِيُمْضِيَ اللهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ.
(٢٦) - ٣٨١٣ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ،
===
لك أيها الرجل من قولي هذا: (إن الحديث) الذي حدثتك من الذكر المذكور (كما قد حدثتك) حق صادق (ولكني لم أقله) أي: لم أقل هذا الذكر الوارد في هذا الحديث (يومئذ) أي: يوم إذ أصابني هذا المرض (ليمضي الله) (علي قدره) وقضاءه علي بهذا المرض ويتمه وينفذه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، والترمذي في كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أصبح، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي عياش بحديث أبي سلام رحمهما الله تعالى، فقال:
(٢٦) - ٣٨١٣ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرامضة العبدي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي أبو سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة: ثلاث أو خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 10917
حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، عَنْ سَابقٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ:
===
(حدثنا أبو عقيل) - بفتح العين - هاشم بن بلال، ويقال: ابن سلام الدمشقي قاضي واسط، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن سابق) بن ناجية، مقبول، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبي سلام) بتخفيف اللام (خادم النبي ﷺ هكذا وقع عنده.
والصواب: (عن أبي سلام) - بتشديد اللام - الأسود الحبشي، اسمه ممطور الحبشي، ثقة، يرسل، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن رجل خدم النبي ﷺ رضي الله تعالى عنه، اسمه مجهول، ولكن الجهالة في الصحابي لا تضر في السند؛ لأنهم كلهم عدول.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سابق بن ناجية، وهو مقبول.
وهذا التصويب الذي ذكرناه في السند تدل عليه رواية أبي داوود، فراجعها.
(عن النبي ﷺ قال: ما) نافية (من) زائدة (مسلم) مبتدأ؛ لإهمال (ما) النافية بزيادة (من) الزائدة بعدها (مسلم) سوغ الابتداء بالنكرة وقوعها في حيز النفي (أو) قال الراوي: ما من (إنسان، أو) قال: ما من (عبد) بالشك من الراوي أو ممن بعده، وجملة قوله: (يقول) صفة لمسلم؛ أي: ما مسلم يقول (حين يمسي) أي: يدخل في المساء (وحين يصبح) أي: حين
стр. 10918
رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا .. إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
يدخل في الصباح، وقوله: (رضيت بالله ... ) إلى آخر الذكر، مقول محكي لـ (يقول) أي: رضيت بالله.
وقوله: (ربًا) بالنصب على التمييز؛ أي: رضيته من جهة كونه ربًا وخالقًا لي، وهو يشمل الرضا بالأحكام الشرعية، والقضايا الكونية.
(و) رضيت (بالإسلام) من جهة كونه (دينًا) لي (و) رضيت (بمحمد) من جهة كونه (نبيًّا) لي .. (إلا كان حقًّا على الله) أي: واجبًا على الله وجوب تفضل أو وعد أو إحسان، لا وجوب إلزام وتكليف؛ لأن الله جل وعز لا يجب عليه شيء، وقوله: "حقًّا" خبر مقدم على اسمها الآتي (أن يرضيه) أي: أن يرضي الله ذلك القائل بهذا الذكر (يوم القيامة) أي: يعطيه ثوابًا جزيلًا حتى يرضى.
وجملة أن المصدرية مع مدخولها في تأويل مصدر مرفوع على أنه اسم كان؛ تقديره: إلا كان إرضاء الله إياه يوم القيامة حقًّا على الله جل وعلا.
و(إلا) للاستثناء المفرغ، وجملة كان مع اسمها وخبرها خبر المبتدأ السابق؛ تقديره: ما مسلم قائل هذا الذكر المذكور .. إلا كان إرضاء الله له يوم القيامة حقًّا، والله أعلم. انتهى من الفهم السقيم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك أخرجه أبو داوود والترمذي.
ودرجته: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لما تقدم آنفًا؛ لأن له شواهد من حديث أبي سعيد وأنس وثوبان، فهذا الحديث: حسن السند، صحيح المتن، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 10919
(٢٧) - ٣٨١٤ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا جُبَيْرُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي،
===
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي عياش رحمه الله تعالى بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٧) - ٣٨١٤ - (٥) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق (الطنافسي) الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبادة بن مسلم) - بضم العين وتخفيف الموحدة - الفزاري أبو يحيى البصري، ثقة اضطرب فيه قول ابن حبان، من السادسة. يروي عنه: (عم).
(حدثنا جبير) مصغرًا (ابن أبي سليمان بن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل النوفلي المدني، روى عن ابن عمر، ويروي عنه: عبادة بن مسلم الفزاري، ثقة، من الثالثة، أخرجوا له حديثًا واحدًا في الدعاء، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (د س ق).
(قال) جبير بن أبي سليمان: (سمعت ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سمعت ابن عمر حالة كونه (يقول: لم يكن رسول الله ﷺ يدع) أي: يترك (هؤلاء الدعوات) الآتية (حين يمسي) أي: حين يدخل في المساء عند الغروب، والظرف متعلق بـ (يدع).
стр. 10920
وَحِينَ يُصْبِحُ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ؛ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي"، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي: الْخَسْفَ.
===
(و) لم يكن يدع (حين يصبح) أي: حين يدخل في الصباح بعد طلوع الفجر، وتلك الدعوات هي قوله: (اللهم؛ إني أسألك العفو) أي: محو الذنوب عن صحف أعمالي، أو التجاوز عن الذنوب (والعافية) أي: السلامة من البلاء والأسقام، وقيل: عدم الابتلاء بها، والصبر عليها، والرضا بقضائها.
(في الدنيا والآخرة، اللهم؛ إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم؛ استر عوراتي) بلفظ الجمع؛ أي: معايبي (وآمن روعاتي) أي: مخاوفي؛ والعورات: العيوب؛ والروعات: الفزعات.
ومعنى آمن روعاتي: أي: ادفع عني خوفًا يقلقني ويزعجني؛ والروعة: الخوفة والفزعة.
(واحفظني) من كل البلاء (من بين يدي) أي: أمامي (ومن خلفي) أي: من ورائي (وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك) أي: أستعيذ بك من (أن أغتال) بصيغة المجهول؛ أي: أُوخَذَ بَغْتةً وأُهْلَكَ فَجْأةً (من تحتي).
(قال وكيع) بالسند السابق: (يعني) النبي ﷺ بالاغتيال المذكور آنفًا: (الخسف) أي: خسف الأرض به.
والمراد بقوله: "واحفظني من بين يدي" أي: ادفع عني البلاء من الجهات
стр. 10921
(٢٨) - ٣٨١٥ - (٦) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ،
===
الست؛ لأن كل بلية تصيب الإنسان إنما تصيبه من إحدى الجهات الست، وبالغ في جهة السفل؛ لرداءة الآفة منها.
والاغتيال: الأخذ غيلة وخفيةً، والخسف؛ من خسف الله بفلان؛ أي: غَيَّبَتْهُ الأرضُ فيها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي عياش رحمه الله تعالى بحديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٨) - ٣٨١٥ - (٦) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا إبراهيم بن عيينة) ابن أبي عمران الهلالي مولاهم الكوفي أبو إسحاق أخو سفيان بن عيينة، صدوق يهم، من الثامنة، مات قبل المئتين. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا الوليد بن ثعلبة) الطائي أو العبدي البصري، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن عبد الله بن بريدة) بن الحُصَيب الأسلمي أبي سهل المروزي قاضيها،
стр. 10922
عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ،
===
ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ)، وقيل: بل خمس عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي، اسمه عامر وبريدة لقبه، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) بريدة: (قال رسول الله ﷺ في دعائه: (اللهم؛ أنت ربي) أي: خالقي ومالكي (لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود (إلا أنت) يا إلهي (خلقتني) أي: أوجدتني من العدم (وأنا عبدك) أي: عبد من عبادك (وأنا) مقيم (على عهدك) أي: مواظب على الوفاء بعهد الميثاق الذي واثقتنا عليه في عالم الذر (و) أنا موقن بـ (وعدك) الذي وعدتنا إياه في يوم الحشر والجزاء.
وعبارة السندي: (وأنا على عهدك) أي: مقيم على ميثاقك الذي أخذت بقولك: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (١)، أو على ما عاهدتني وأمرتني به في كتابك من الإيمان بك وبنبيك وبكتابك (و) مقيم على (وعدك) الذي لا يخلف، الذي وعدت به أهل الإيمان بك وبكتابك ونبيك ﷺ ومتمسك به وراج رحمتك بمقتضاه.
(ما استطعت) أي: بقدر استطاعتي؛ فـ (ما) مصدرية.
стр. 10923
أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ بِنِعْمَتِكَ وَأَبُوءُ بذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ"، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَهَا فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ فَمَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ .. دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى".
===
وفي "فتح الباري": قال الخطابي: يريد (أنا على عهدك) أي: على وفاء ما عاهدتك عليه وواعدتك؛ من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت.
وفيه أيضًا: واشتراط الاستطاعة في ذلك: معناه: الاعتراف بالعجز والقصور عَنْ كُنْهِ الواجبِ من حقه تعالى.
(أعوذ بك) أي: أتعوذ بفضلك ورحمتك (من شر ما صنعت) أي: من جزاء أقبح ما صنعت من المعاصي (أبوء) أي: أعترف (بنعمتك) التي أنعمت بها علي وأقر بشكرها (وأبوء بذنبي) أي: أعترف بذنبي على نفسي (فاغفِرْ) هُ (لي) بمحض فضلك ورحمتك (فإنه) أي: فإن الشأن والحال (لا يغفر الذنوب) أي: لا يقدر على غفرانها (إلا أنت) يا إلهي.
(قال) بريدة بالسند السابق: (قال رسول الله ﷺ : من قالها) أي: من قال هذه الأدعية (في يومه) أي: في يوم القائل الذي يمر هو عليه (و) في (ليلته) أي: وفي ليلة القائل التي تمر هي عليه (فمات) ذلك القائل (في ذلك اليوم) الذي قالها فيه (أو) في (تلك الليلة) التي قالها فيها.
وقوله: (دخل الجنة) أي: دخولًا أوَّليًّا إن مات على الإيمان، أو هو بشارة له بحسن الخاتمة، اللهم؛ ارزقناها بجودك (إن شاء الله تعالى) دخوله الجنة؛ وهذا قيد في دخوله الجنة.
стр. 10924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10925
(١٢) - (١٤٢٣) - بَابُ مَا يَدْعُو بِهِ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ
(٢٩) - ٣٨١٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَار، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ: "اللَّهُمَّ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ
===
(١٢) - (١٤٢٣) - (باب ما يدعو به إذا أوى إلى فراشه)
(٢٩) - ٣٨١٦ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب)
اسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان الأموي البصري، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا عبد العزيز بن المختار) الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين، ثقة، من السابعة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سهيل) بن أبي صالح أبو يزيد المدني، صدوق، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا أوى) - بالمد والقصر، وجهان فيه - أي: إذا رجع (إلى فراشه) واضطجع فيه: (اللهم، رب السماوات)