أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ .. فَلَا يُخْبِرِ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ".
===
المصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، ثقة ثبت حافظ، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي الأسدي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
(عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) رسول الله ﷺ : (إذا حلم) - بفتح اللام - ورأى (أحدكم) في المنام الرؤيا المزعجة المخوفة له .. (فلا يخبر الناس بتلعب الشيطان به في المنام) أي: فلا يخبر أحدكم بتلعب الشيطان وإرهابه إياه وتخويفه له في المنام.
قال النووي: قال المازري: يحتمل أن النبي ﷺ علم أن منامه هذا من الأضغاث - أي: أضغاث الأحلام - بوحي أو بدلالة من المنام، دلته على ذلك أو على أنه المكروه الذي هو تحزين من الشيطان، وأما المعبرون .. فيتكلمون في كتبهم على قطع الرأس، ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النعم، أو مفارقةِ مَن فوقه ويزول سلطانه ويتغير حاله في جميع أموره إلا
стр. 11027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أن يكون عبدًا، فيدل على عتقه، أو مريضًا فيدل على شفائه، أو مديونًا فيدل على قضاء دينه، أو من لم يحج فيدل على أنه يحج، أو مغمومًا فيدل على فرحه، أو خائفًا فيدل على أمنه، والله أعلم. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الرؤيا، باب لا يخبر الناس بتلعب الشيطان به في المنام.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ كما مر آنفًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال به على الترجمة، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11028
(٢٥) - (١٤٣٦) - بَابُ الرُّؤْيَا إِذَا عُبِرَتْ .. وَقَعَتْ؛ فَلَا يَقُصُّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ
(٧٠) - ٣٨٥٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ الْعَقِيْلِيِّ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
===
(٢٥) - (١٤٣٦) - (باب الرؤيا إذا عبرت .. وقعت؛ فلا يقُصُّها إلا على وَادٍّ)
(٧٠) - ٣٨٥٧ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة، (حدثنا هشيم) - مصغرًا - ابن بشير - بوزن عظيم - ابن القاسم بن دينار السلمي الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يعلى بن عطاء) العامري، ويقال له: الليثي الطائفي، ثقة، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن وكيع بن عُدُسٍ) - بضمتين آخره مهملة، وقد يفتح ثانيه، ويقال: بالحاء المهملة بدل العين - أبو مصعب (العَقِيلي) - بالفتح - وقيل: مصغرًا، الطائفي، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(عن عمه أبي رَزِينٍ) - مكبرًا - لقيط بن صَبِرةَ - بفتح المهملة وكسر الموحدة - ويقال: إنه جده، واسم أبيه عامر، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، وهو أبو رَزِين العَقيلي. يروي عنه: (عم).
(أنه سمع النبي ﷺ يقول).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 11029
"الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ؛ فَإِذَا عُبِرَتْ .. وَقَعَتْ، قَالَ: وَالرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ - قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ -: لَا يَقُصُّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍ أَوْ ذِي رَأْيٍ".
===
(الرؤيا) معلَّقةٌ (على رِجْلِ) بكسر الراء وسكون الجيم (طائر) أي: كأنها معلقة بطائر، قيل: هذا مثل؛ والمراد: أنها لا تستقر قرارها (ما لم تُعْبَر) - مشددًا ومخففًا - يقال: عبر الرؤيا - بالتخفيف والتشديد - إذا فسرها (فإذا عبرت) وفسرت بالبناء للمفعول على كلا الوجهين .. (وقعت) كما فسرت، ثم (قال) النبي ﷺ : (والرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، قال) أبو رَزِين: (وأحسبه) ﷺ وأظنه (قال: لا يقصها) أي: لا يخبر أحدكم رؤياه لأحد من الناس ولا يُطلعها عليه (إلا على واد) أي: إلا على محب وصديق له (أو) إلا على (ذي رأي) وصاحب عقل كامل لا يعبرها إلا بعد التأمل والتفكر فيها بالنظر إلى ما يصلح للرائي.
قوله: "إلا على واد" اسم فاعل من الود؛ كالحب لفظًا ومعنىً؛ أي: إلا على حبيب وصديق له، وإلا على (ذي رأي) أي: إلا على ذي لب راسخ وذي عقل كامل.
قوله: "والرؤيا على رجل طائر" أي: رؤيا المؤمن كأنها على رجل حيوان طائر في عدم قرارها ووقوعها على محل، وهذا مثل جرى على ألسنة الناس في عدم تقرر الشيء وثبوته في موضع خاص به؛ أي: لا تستقر الرؤيا قرارًا كالشيء المعلق على رجل طائر، ذكره ابن الملك؛ فالمعنى: أنها كالشيء المعلق برجل الطائر لا استقرار لها.
قال في "النهاية": أي: لا يستقر تأويلها حتى تعبر؛ يعني: أنها سريعة السقوط إذا عبرت؛ كما أن الطير لا يستقر في أكثر أحواله، فكيف يكون ما على رجله.
стр. 11030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(ما لم تعبر) أي: ما لم يعبر المؤمن أو الرائي بها، أي: بتلك الرؤيا بإخبارها أو تعبيرها (فإذا عبرت .. وقعت) أي: وقعت تلك الرؤيا؛ أي: سقطت على الرائي، أي: وقع تعبيرها على الرائي وتلحق به. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا، والترمذي في كتاب الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 11031
(٢٦) - (١٤٣٧) - بَابٌ: عَلَامَ تُعْبَرُ بِهِ الرُّؤْيَا ؟
(٧١) - ٣٨٥٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اعْتَبِرُوهَا بِأَسْمَائِهَا،
===
(٢٦) - (١٤٣٧) - (باب: علام تعبر به الرؤيا؟ )
(٧١) - ٣٨٥٨ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) عبدُ الله بن نمير الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن يزيد) بن أبان (الرَّقَاشي) - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبي عمرو البصري القاصِّ - بتشديد الصاد المهملة - زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد الرقاشي، وهو متفق على ضعفه.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : اعتبروها) أي: اعتبروا أيها المسلمون الرؤيا في تعبيرها (بأسمائها) أي: عبروها بالمعنى المناسب لمعنى ما يرى فيها من الأشخاص أو الأشجار مثلًا؛ أي: اجعلوا أسماء ما يرى
стр. 11032
وَكَنُّوهَا بِكُنَاهَا، وَالرُّؤْيَا لِأَوَّلِ عَابِرٍ".
===
في المنام مأخذًا ومرجعًا ومصدرًا لتعبيرها، فعبروها بما يناسب لمعنى ما يرى فيها؛ كأن رأى رجلًا يسمى سالمًا، فأوله بالسلامة، أو غانمًا فأوله بالغنيمة، أو رأى غرابًا فأوله بالرجل الفاسق؛ فقد سمي الغراب في الحديث فاسقًا من الفواسق الخمسة، أو رأى ضلعًا فعبره بالمرأة؛ لتسميتها في الحديث ضلعًا، ونحو ذلك.
(وكنوها) أي: عبروا الرؤيا بكنية مناسبة (بكناها) أي: بكنية ما يرى فيها، قيل: الكنى جمع كنية؛ من قولك: كنيت عن الأمر وكنوت عنه؛ إذا وريت بغيره؛ والمعنى: مثلوا لها إذا عبرتموها مثالًا وشبهًا وصورة يُلقي بها ملك الرؤيا في قلب الرجل الرائي لها في منامه؛ لأنه يكنى بتلك الصور عن أعيان الأمور التي رآها في منامه؛ كالأنهار والقصور والمعارك.
(و) قال رسول الله ﷺ أيضًا: (الرؤيا لأول عابر) لها؛ أي: يكون تعبيرها تعبير من عبرها أولًا، إذا عبرها اثنان أو ثلاثة.
وعبارة السندي: قوله: "لأول عابر" أي: أنها إذا احتملت تأويلين أو أكثر، فعبرها من يعرف تعبيرها .. وقعت على ما أولها به، وانتفى عنها غيره من التأويل. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٧)(٣٩٦)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 11033
(٢٧) - (١٤٣٨) - بَابُ مَنْ تَحَلَّمَ حُلُمًا كَاذَبًا
(٧٢) - ٣٨٥٩ - (١) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَحَلَّمَ حُلُمًا كَاذِبًا
===
(٢٧) - (١٤٣٨) - (باب من تحَلَّمَ حُلُمًا كاذبًا)
(٧٢) - ٣٨٥٩ - (١) (حدثنا بشر بن هلال الصواف) أبو محمد النميري - بضم النون - ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التَّنُّوري - بفتح المثناة وتشديد النون - البصري، ثقة ثبت رُمِيَ بالقدر ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العُبَّاد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وله خمس وستون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس المكي، ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : من تحلم حلمًا) أي: من ادعى رؤية المنام والحلم حالة كونه (كاذبًا) في دعواه التحلم؛ والحلم - بضم اللام وسكونها -: ما يراه النائم في نومه، يقال: حَلَم يَحْلُم؛ من باب
стр. 11034
كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْن، وَيُعَذَّبُ عَلَى ذَلِكَ".
===
نصر، حُلُمًا - بضمتين - وحُلْمًا - بضم الحاء وسكون اللام - رآه في النوم.
والحلم - بكسر الحاء وسكون اللام -: الأناة، وتحلم؛ إذا تكلف الحلم؛ أي: من ادعى رؤيته شيئًا في المنام كاذبًا .. (كلف) أي: أجبر يوم القيامة (أن يعقد) ويربط (بين شعيرتين) تثنية شعيرة وهي حبة الشعير (ويعذَّب على) تحصيل (ذلك) العَقْد، وهو لا يُمكن أن يُحصِّلَه؛ أي: يعذَّب على تحصيلِ ذلك العَقْدِ عذابًا دائمًا.
قال السندي: قوله: "من تحلم" أي: تكلف؛ أي: أتى فيه بشيء لم يره؛ أي: فكما أنه نظم غير المنظوم، وعقد بين الكلمات غير المرتبطة .. كذلك يكلف بالعقد والربط بين الأشياء التي لا يمكن العقد بينها؛ ليكون العقاب من جنس المعصية، ثم إنه معلوم أنه لا يعقد بينهما أصلًا. انتهى منه.
وفي رواية الترمذي زيادة: (كلف يوم القيامة على أن يعقد بين شعيرتين، ولن يقدر أن يفعل ذلك العقد) وذلك: لأن إيصال إحداهما بالأخرى غير ممكن عادة، وهو كناية عن استمرار التعذيب، ولا دلالة فيه على جواز التكليف بما لا يطاق؛ لأنه ليس في دار التكليف.
وعند أحمد من رواية عباد بن عباد عن أيوب: (عذب حتى يعقد بين شعيرتين، وليس عاقدًا).
وعنده من رواية همام عن قتادة: (من تحلم كاذبًا .. دفع إليه شعيرة، وعذب حتى يعقد بين طرفيها، وليس بعاقد).
وفي اختصاص الشعير بذلك دون غيره؛ لما في المنام من الشعور بما دل عليه، فحصلت المناسبة بينهما من جهة الاشتقاق.
وإنما اشتد الوعيد في ذلك مع أن الكذب في اليقظة قد يكون أشد مفسدة
стр. 11035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
منه؛ إذ قد تكون شهادته في قتل أو حد؛ لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ ... ﴾ الآية (١).
وإنما كان كذبًا على الله؛ لحديث: "الرؤيا جزء من النبوة" وما كان من أجزاء النبوة .. فهو من قبل الله تعالى، قاله الطبري فيما نقله عنه في "الفتح". انتهى من "إرشاد الساري".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التعبير، باب من كذب في حلمه، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا مطولًا، والترمذي في كتاب الرؤيا، باب في الذي يكذب في حلمه، والطبراني والبغوي في "شرح السنة".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 11036
(٢٨) - (١٤٣٩) - بَابٌ: أَصْدَقُ النَّاسِ رُؤْيَا .. أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا
(٧٣) - ٣٨٦٠ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا قَرُبَ الزَّمَانُ
===
(٢٨) - (١٤٣٩) - (باب: أصدق الناس رؤيا .. أصدقهم حديثًا)
(٧٣) - ٣٨٦٠ - (١) (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح) الأموي أبو الطاهر (المصري) ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا بشر بن بكر) التنّيسي أبو عبد الله البجلي، دمشقي الأصل، ثقة يغرب، من التاسعة، مات سنة خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن سيرين) الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت عابد، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إذا قرب الزمان) أي: زمان الدنيا إلى الانقضاء بإقبال الآخرة، وهذا القول هو الأصح؛ كما سيأتي آنفًا، أو قرب زمان اعتدال الليل والنهار في الساعات واستوائهما في
стр. 11037
لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ".
===
زمنها، وهو في الربيع والخريف (لم تكد) وتقرب (رؤيا المؤمن) ومنامه (تكذب) بل تكون صادقة، فتكون عين ما رآه في النوم (وأصدقهم) أي: أصدق الناس (رؤيا) وهو مبتدأ، خبره: (أصدقهم حديثًا) أي: كلامًا (ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) والقول الأول هو الصحيح.
وقال ابن العربي: والثاني لا يصح؛ إذ اعتدال الليل والنهار لا أثر له في ذلك، ولا يتعلق به معنى الحديث، إلا ما قالته الفلاسفة من أن اعتدال الزمان يعتدل به الأخلاط، وهذا مبني على تعليق الرؤيا بالطبائع، وهو باطل.
وأيضًا كلامهم مخصوص بالربيع، والقرب في الحديث إذا حمل على القرب من الاعتدال .. فهو يعم الربيع والخريف، قال: بخلاف القرب من القيامة؛ فإنها الحاقة التي يظهر فيها الحقائق، فكل ما قرب منها .. فهو أخص بالحقائق.
ونقل السيوطي في "حاشية أبي داوود" عن "مجمع الغرائب": أنه يحتمل أن يراد قرب الأجل؛ وهو أن يطعن المؤمن في السن ويبلغ أوان الكهولة والمشيب، فتكون رؤياه أصدق؛ لاستكماله تمام الحلم والأناة. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 11038
(٢٩) - (١٤٤٠) - بَابُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا
(٧٤) - ٣٨٦١ - (١) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٢٩) - (١٤٤٠) - (باب تعبير الرؤيا)
(٧٤) - ٣٨٦١ - (١) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب المدني) نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه، من الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم بن شهاب (الزهري) ئقة إمام حافظ، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المدني.
روى عن: ابن عباس، ويروي عنه: الزهري، ثقة فقيه ثبت، من الثالثة، مات دون المئة سنة أربع، وقيل: ئمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 11039
قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُنْصَرَفَهُ مِنْ أُحُدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ سَمْنًا وَعَسَلًا، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا؛ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ،
===
(قال) ابن عباس: (أتى النبي ﷺ رجل) من المسلمين، لم أر من ذكر اسمه (منصرفه) أي: وقت انصرافه ﷺ ورجوعه (من) وقعة (أحد، فقال) الرجل لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ إني رأيت) في الليلة البارحة (في المنام ظلة) - بضم الظاء المشالة - أي: سحابة تظلل مَنْ تَحْتَها، وكل ما أظل ما تحته من سقيفة ونحوها يسمى ظلة، قاله الخطابي.
وزاد ابن ماجه من طريق ابن عيينة: (بين السماء والأرض) كما سيأتي في رواية أبي هريرة الآتية؛ أي: رأيت في المنام ظلة (تَنْطِفُ) - بكسر الطاء ويجوز ضمها أيضًا - يقال: نطف الماء؛ إذا سال؛ والنطفة: القطرة من الماء؛ أي: تقطر تلك الظلة وتمطر (سمنًا وعسلًا) قليلًا قليلًا (ورأيت الناس يتكففون) أي: يأخذون (منها) أي: من تلك الظلة (بأيديهم) كما في "مسلم" أي: بأكفهم من القطرات التي تقطر منها.
قال الخليل: يقال: تكفف؛ إذا بسط كفه ليأخذ، وفي رواية الترمذي: (يستقون).
قال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه: يأخذون من ذاك كفايتهم، وهذا أليق بقوله: (فالمستكثر من ذلك والمستقل)، ولكن تعقبه الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٤٣٤).
وقوله: (فالمستكثر والمستقل) مبتدأ، خبره محذوف؛ تقديره: (فـ) من الناس (المستكثر) أي: الآخذ من ذلك كثيرًا (و) منهم (المستقل) أي:
стр. 11040
وَرَأَيْتُ سَبَبًا وَاصِلًا إِلَى السَّمَاء، رَأَيْتُكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ بِه، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَكَ فَعَلَا بِه، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَهُ فَعَلَا بِه، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ بَعْدَهُ فَانْقَطَعَ بِه، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا بِه،
===
الآخذ منه قليلًا، وفي رواية لأحمد: (فمن بين مستكثر ومستقل).
(ورأيت) أيضًا في ذلك المنام (سببًا) أي: حبلًا (واصلًا) أي: متصلًا (إلى السماء) قيل: هو بمعنى: الموصول؛ كعيشة راضية؛ أي: مرضية، هذا إن كان من الوصل، أما إذا كان من الوصول .. فلا حاجة إلى ذلك، بل لا يصح. انتهى "سندي".
وفي رواية مسلم: (سببًا واصلًا) أي: حبلًا ممدودًا؛ فالواصل بمعنى: الموصول (من السماء إلى الأرض).
وقال الرجل أيضًا: و (رأيتك) يا رسول الله في تلك المنام (أخذت) وأمسكت (به) أي: بذلك السبب وتعلقت به (فعلوت) أي: صعدت وارتفعت (به) أي: بذلك السبب إلى علوه (ثم أخذ به) أي: أخذ بذلك الحبلِ منك (رجل) أي: ثم أخذ بذلك الحبل رجل من المسلمين (بعدك فعلا) أي: صعد وارتفع ذلك الرجل (به) أي: بذلك الحبل إلى علوه؛ وهو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه (ثم أخذ) واستمسك (به) أي: بذلك الحبل (رجل) آخر (بعده) أي: بعد الرجل الأول (فعلا) هذا الرجل الثاني وصعد (به) أي: بذلك الحبل إلى السماء؛ وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (ثم أخذ) واستمسك (به) أي: بذلك الحبل (رجل) ثالث لهما (بعده) أي: بعد الرجل الثاني (فانقطع) الحبل (به) أي: بالرجل الثالث؛ وهو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه (ثم وصل) أي: الحبل المنقطع؛ أي: ربط بعضه إلى بعض وشُدَّ (له) أي: لرجل رابع (فعلا) أي: صعد وارتفع ذلك الرابع (به)
стр. 11041
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَعْنِي .. أَعْبُرْهَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "اعْبُرْهَا"، قَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ .. فَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا مَا يَنْطِفُ مِنْهَا مِنَ الْعَسَلِ وَالسَّمْنِ .. فَهُوَ الْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ،
===
أي: بذلك الحبل إلى السماء؛ وهو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وفي "تنبيه المعلم على مبهمات مسلم": قوله: (ثم أخذ به رجل من بعدك) هو الصديق، والآخر بعده هو عمر، والثالث هو عثمان، والرابع هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. انتهى.
قوله: (فانقطع به، ثم وصل له) معناه: أن عثمان كاد أن ينقطع من اللحاق بصاحبيه؛ بسبب ما وقع له في تلك القضايا التي أنكروها، فعبر عنها بانقطاع الحبل، ثم وقعت له الشهادة، فاتصل بهم، فعبر عنه؛ بأن الحبل وصل له فاتصل فالتحق بهم، كذا ذكره الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري". انتهى "سندي".
(فقال أبو بكر) الصديق لرسول الله ﷺ : (دعني) أي: اتركني حالة كوني (أعبرها) أي: أفسر هذه الرؤيا؛ من عبر، من باب نصر، ويجوز جزمه في جواب الطلب؛ أي: إن أذنت لي في تعبيرها .. أعبرها (يا رسول الله) فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (اعبرها) أي: فسرها؛ فقد أذنت لك في تفسيرها، فـ (قال) أبو بكر في تفسيرها: (أما الظلة) التي تنطف وتمطر بالسمن والعسل .. (فـ) هي (الإسلام) أي: ملته الملة الحنيفية وأحكامه النازلة من السماء (وأما ما ينطف) ويمطر (منها) أي: من تلك الظلة (من العسل والسمن .. فهو) أي: الذي يمطر من الظلة، فهو (القرآن حلاوته) من حيث المعنى، فهو بدل من القرآن (ولينه) أي: سهولته من حيث اللفظ.
стр. 11042
وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ مِنْهُ النَّاسُ .. فَالْآخِذُ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرًا وَقَلِيلًا، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ إِلَى السَّمَاءِ .. فَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقّ، أَخَذْتَ بهِ فَعَلَا بِكَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِه، ثُمَّ آخَرُ فَيَعْلُو بِه، ثُمَّ آَخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِه، ثُمَّ يُوَصَّلُ لَهُ فَيَعْلُو بِه، قَالَ: "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا"،
===
(وأما ما يتكفف منه الناس) أي: يأخذون منه بأكفهم .. (فـ) هو ما يأخذه (الآخذ) المستكثر (من القرآن) حالة كون ما أخذه منه (كثيرًا و) ما يأخذه الآخذ المستقل منه حالة كون ما أخذه منه (قليلًا، وأما السبب) أي: الحبل (الواصل) أي: الموصول (إلى السماء .. فـ) هو (ما أنت عليه من الحق) الذي (أخذت) من ربك وجئت (به) إلينا (فعلا) ذلك الحق (بك) إلى السماء وارتفع (ثم يأخذه) أي؛ يأخذ ذلك الحق (رجل) من المسلمين (من بعدك، فيعلو) ذلك الحق ويرتفع (به) أي: بذلك الرجل إلى السماء؛ وهو أبو بكر (ثم) بعد ذلك الرجل الأول يأخذ ذلك الحق رجل (آخر) أي: غير الأول (فيعلو) ذلك الحق ويرتفع (به) أي: بهذا الرجل الآخر، وهو عمر بن الخطاب.
(ثم) بعد هذا الثاني يأخذه رجل (آخر) أي: ثالث (فينقطع به) أي: بهذا الثالث الحبل؛ وهو عثمان بن عفان (ثم) بعد هذا الثالث الذي انقطع به الحبل (يوصل) الحبل ويشد بعضه إلى بعض (له) أي: لرجل آخر وهو الرابع (فيعلو) هذا الرابع، أي: يصعد (به) أي: بذلك الحبل الموصول هذا الرابع؛ وهو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم.
ثم (قال) رسول الله ﷺ لأبي بكر: (أصبت بعضًا) أي: وافقت الصواب في تفسير بعض هذه الرؤيا (وأخطأت بعضًا) أي: أخطأت الصواب في ترك تفسير بعضها؛ فإن الرائي قال: (رأيت ظلة تنطف سمنًا
стр. 11043
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَتُخْبِرَنِّي بِالَّذِي أَصَبْتُ مِنَ الَّذِي أَخْطَأْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ".
===
وعسلًا) ففسر الصديق رضي الله تعالى عنه كلًّا من السمن والعسل بالقرآن حلاوته ولينه، وهذا إنما هو تفسير العسل، وترك تفسير السمن؛ وتفسيره: هو السنة، فكان حقه أن يقول: القرآن والسنة، وإلى هذا أشار الطحاوي. انتهى "نووي".
فـ (قال أبو بكر) لرسول الله ﷺ : (أقسمت عليك) أي: أقسمت لك (يا رسول الله) إلا (لتخبرني بالذي أصبت) فيه من التعبير وميزته لي (من الذي أخطأت) فيه (فقال النبي ﷺ لأبي بكر: (لا تقسم يا أبا بكر) على بيان ذلك؛ فإنا سنبين لك إن شاء الله تعالى.
قال النووي: وفي هذا الحديث جواز تعبير الرؤيا، وأن عابرها قد يصيب وقد يخطئ، وأن الرؤيا ليست لأول عابر على الإطلاق وأن ذلك إذا أصاب وجهها. انتهى.
وقال: وإنما لم يبين النبي ﷺ ذلك الخطأ لأبي بكر؛ لأن بيانه ليس من الأحكام التي أمر بتبليغها ولا أَرْهَقَتْ إليه حاجة، ولعله لو عَيَّن ما أخطأَ فيه .. لأَفْضَى ذلك إلى الكلامِ في الخِلافةِ ومَنْ تَتِمُّ له ومَنْ لا تتمُّ له، فَتَنْفِرُ لذلك نفوسٌ، وتَتَأَلَّم قلوبٌ وتَطْرَأُ منه مفاسدُ، فسَدَّ النبيُّ ﷺ ذلك البابَ، والله أعلم بالصواب.
وقوله: (لَتُخْبِرَنِّي) بالذي أَصبْتُ - بفتح اللام - لأنها واقعةٌ في جوابِ القسمِ وبكَسْرِ نونِ التوكيد؛ لمناسبة ياء المتكلم.
وجعل المؤلف هذا الحديث من مسندات ابن عباس.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التعبير، باب
стр. 11044
(٧٤) - ٣٨٦١ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله،
===
من لم ير الرؤيا لأول عابر، وفي باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، ومسلم في كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا، وأبو داوود في كتاب الأيمان والنذور، باب في القسم هل يكون يمينًا، والترمذي في كتاب الرؤيا، باب ما جاء في رؤية النبي ﷺ ، وأحمد، وابن حبان.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولكنها متابعة مقرونة بالاستشهاد، فقال:
(٧٤) - ٣٨٦١ - (م) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة، من الثالثة، أحد الفقهاء السبعة في المدينة، مات سنة أربع وتسعين،
стр. 11045
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ رَأَيْتُ ظُلَّةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ تَنْطِفُ سَمْنًا وَعَسَلًا ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.
===
وقيل: سنة ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس قال) ابن عباس: (كان أبو هريرة يحدث) هذا الحديث الآتي.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وغرضه: بيان متابعة معمر لسفيان بن عيينة في رواية هذا الحديث عن الزهري، ولكن جعل معمر الحديث من مسانيد أبي هريرة، فهذا الحديث باعتبار الصحابي الذي رواه .. استشهاد، وباعتبار من روى عن الزهري .. متابعة تامة.
وتمام الحديث: أن أبا هريرة كان يحدث (أن رجلًا) من المسلمين (أتى رسول الله ﷺ ، فقال) ذلك الرجل: (يا رسول الله؛ رأيت) في منامي (ظلة) أي: سحابة مجتمعة (بين السماء والأرض تنطف) تلك السحابة؛ أي: تقطر وتمطر (سمنًا وعسلًا ... فذكر) معمر عن الزهري (الحديث) السابق عن سفيان بن عيينة عن الزهري حالة كون الحديث الذي رواه معمر عن الزهري (نحوه) أي: نحو الحديث الذي رواه سفيان عن الزهري؛ أي: قريبه في اللفظ والمعنى لا مثله.
وقولهم في خلال السند: (نحوه) هو عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في بعض لفظه وبعض معناه.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقال:
стр. 11046
(٧٥) - ٣٨٦٢ - (٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَكُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِد،
===
(٧٥) - ٣٨٦٢ - (٢) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا عبد الله بن معاذ) بن نشيط - بفتح النون بعدها معجمة - (الصنعاني) صاحب معمر، صدوق، تحامل عليه عبد الرزاق، من التاسعة، مات قبل التسعين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن معمر) بن راشد الأزدي البصري.
(عن الزهري، عن سالم) بن عبد الله بن عمر.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (كنت) أنا قبل زواجي (غلامًا) أي: ولدًا (شابًا) أي: بالغًا (عَزَبًا) - بفتحتين - أي: غير متزوج، قال في "المصباح": يقال: عزَبَ الرجل يَعْزُبُ؛ من باب قتل، عُزْبةً؛ على وزن غُرفة، وعُزُوبة؛ على وزن سهولة؛ إذا لم يكن له أهل، فهوَ عَزَبٌ - بفتحتين - وامرأةٌ عَزَبٌ أيضًا كذلك.
(في عهد رسول الله ﷺ فكنت أبيت في المسجد) أي: أنام في الليل في المسجد؛ لأنه كان إذ ذاك عزبًا لم يكن له أهل، فجاز نومه في المسجد، لأنه صار ملحقًا بالمسافرين؛ ففيه دليل على جواز النوم في
стр. 11047
فَكَانَ مَنْ رَأَى مِنَّا رُؤْيَا .. يَقُصهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ؛ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ .. فَأَرِنِي رُؤْيَا يُعَبِّرُهَا لِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ مَلَكَيْنِ أَتَيَانِي فَانْطَلَقَا بِي، فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ، فَانْطَلَقَا بِي إِلَى النَّارِ؛ فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْر، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَدْ عَرَفْتُ بَعْضَهُمْ
===
المسجد من احتاج إلى ذلك (فكان من رأى منا) معاشر الأصحاب (رؤيا) أي: منامًا (يقصها) أي: يخبرها؛ أي: يخبر تلك الرؤيا (على النبي ﷺ قال ابن عمر: (فقلت) لربي: (اللهم؛ إن كان لي عندك خير) أي: صلاح وأجر (فأرني) يا ربي (رؤيا يعبرها) ويفسرها الي النبي ﷺ ، فنمت) في المسجد على عادتي (فرأيت) في نومي (ملكين) من ملائكة الله الكرام (أتياني) في نومتي فأخذاني (فانطلقا) أي: ذهبا (بي، فلقيهما) أي: فلقي الملكين اللذين يمشيان بي (ملك آخر) أي: ثالث لهما (فقال) لي ذلك الملك الآخر: (لم ترع) - بضم التاء الفوقية - من الروع؛ وهو الخوف؛ أي: لم تخف ولم تفزع؛ من الروع وهو الخوف، ليس المراد: أنه لم يقع له فزع ولا خوف، بل المراد: أنه زال فزعك فصار كأنه لم يقع، وهذا من محاورات العرب.
ووقع في بعض الروايات: (لن تراع) بلن الاستقبالية؛ يعني: أنك لا روع عليك بعد هذا، ولا ضرر ولا خوف.
قال عبد الله: (فانطلقا) أي: فذهبا (بي) الملكان (إلى النار، فإذا هي) أي: تلك النار (مطوية) أي: مبني جوانبها بدكادك وجدران طيًا (كطي البئر) العميق؛ لئلا يسقط فيها شيء (وإذا فيها) أي: في تلك النار (ناس) من المشركين (قد عرفت بعضهم) قبل نومتي في اليقظة.
стр. 11048
فَأَخَذُوا بِي ذَاتَ الْيَمِينِ؛ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ .. ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِحَفْصَةَ، فَزَعَمَتْ حَفْصَةُ أَنَّهَا قَصَّتْهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ عَبْدَ اللهِ رَجُلٌ صَالِحٌ لَوْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ"، قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّيْلِ.
===
قال عبد الله: (فأخذوا) أي: شرعوا (بي) أي: شرعت الملائكة الثلاثة بي طريق (ذات اليمين) أي: في جهة اليمين من النار؛ وهي الطريق الموصلة إلى الجنة (فلما أصبحت) أي: دخلت في الصباح، ذهبت إلى بيت أختي حفصة، فـ (ذكرت ذلك) المنام (لحفصة) شقيقتي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (فزعَمَتْ حفصةُ) أَيْ: قالَتْ لي حفصةُ: (أنَّها) أي: أن حفصة (قصتها) أي: قصت وأخبرت تلك الرؤيا (على رسول الله ﷺ ، فقال) لها رسول الله ﷺ في شأني: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل) أي: في آناء الليل (قال) سالم بن عبد الله: (فكان) والدي (عبد الله) بن عمر (يكثر الصلاة من) آناء (الليل) بعد ذلك اليوم؛ أي: بعدما قال رسول الله ﷺ ذلك الكلام، فلا ينام إلا قليلًا، قدر الراحة من تعب القيام، قال النووي: ففيه دلالة على فضيلة قيام الليل وصلاته.
قال القرطبي: وإنما فهم النبي ﷺ من رؤية عبد الله للنار أنه ممدوح؛ لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وهذا إنما هو لصلاحه، وما هو عليه من الخير غير أنه لم يكن يقوم من الليل؛ إذ لو كان ذلك .. ما عرض على النار ولا رآها، وأنه حصل لعبد الله رضي الله تعالى عنه من تلك الرؤية يقين مشاهدة النار، والاحتراز والتنبيه على أن قيام الليل مما يتقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد، باب
стр. 11049
(٧٦) - ٣٨٦٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ،
===
فضل قيام الليل، وفي كتاب الرؤيا، باب الأخذ باليمين وفي غيرها، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل ابن عمر، وابن حبان.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧٦) - ٣٨٦٣ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا الحسن بن موسى الأشيب) - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع أو عشر ومئتين (٢١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرةٍ، من كبار الثامنة. يروي عنه: (م عم)، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ).
(عن عاصم بن بهدلة) وهو ابن أبي النجود - بنون وجيم - الأسدي مولاهم الكوفي أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11050
عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَجَلَسْتُ إِلَى شِيَخَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَ شَيْخ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا لَهُ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ .. فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا، فَقَامَ خَلْفَ سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْن،
===
(عن المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي أبي العلاء الكوفي الأعمى، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خرشة) بفتحات والشين المعجمة (ابن الحر) - بضم المهملة - الفزاري الكوفي، كان يتيمًا في حجر عمر، قال أبو داوود: له صحبة، وقال العجلي: ثقة من كبار التابعين، فيكون من الثانية، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) خرشة بن الحر: (قدمت) من الكوفة (المدينة فجلست إلى شيخة) أي: جنب شيخة؛ والشيخة - بكسر الشين المعجمة وفتح الياء المثناة من تحت، على وزن عنبة، وسكونها؛ كسدرة وفتح الخاء المعجمة - جمع شيخ، فلفظ (شيخ) يجمع على أحد عشر صيغة؛ كما بسطنا الكلام عليه في "جواهر التعليمات على التقريظات".
أي: فجلست جنب مشايخ جالسين (في مسجد النبي ﷺ ، فجاء) من خارج المسجد (شيخ) كبير السن (يتوكأ) ويعتمد في مشيته (على عصًا) كائنة (له) أي: لذلك الشيخ (فقال القوم) الجالسون في المسجد؛ أي: قال بعضهم لبعض: (من سره) وبشره (أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة .. فلينظر إلى هذا) الشيخ الداخل (فقام) ذلك الشيخ الداخل علينا (خلف سارية) أي: وراء عمود من سواري المسجد (فصلى ركعتين) تحية المسجد، وهذا الشيخ الداخل هو عبد الله بن سلام راوي هذا الحديث الآتي.
стр. 11051
فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه، الْجَنَّةُ لِلَّهِ يُدْخِلُهَا مَنْ يَشَاءُ، وَإنِّي رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَا: رَأَيْتُ كَأَنَّ رَجُلًا أَتَانِي فَقَالَ لِيَ: انْطَلِقْ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَلَكَ بِي فِي نَهْجٍ عَظِيمٍ، فَعُرِضتْ عَلَيَّ
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
قال خرشة بن الحر: (فقمت إليه) أي: قمت جنب هذا الشيخ المصلي ركعتين خلف سارية (فقلت له) أي: لهذا الشيخ المصلي: أيها الشيخ؛ لما دخلت أنت علينا .. (قال بعض) هؤلاء (القوم) الجالسين هنا؛ أي: قال بعضهم لبعض (كذا وكذا) يعني قولهم آنفًا: (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة .. فلينظر إلى هذا) الداخل، فما حالك وشأنك أيها الشيخ الكريم في قولهم فيك هذا الكلام، وهم لا يعلمون من هم أهل الجنة، وما سبب قولهم فيك هذا الكلام؟
(قال) عبد الله بن سلام في جواب سؤالي: (الحمد لله) على الإسلام وعلى نعمة الإيمان (الجنة) الأخروية، وهو مبتدأ، خبره قوله: (لله) أي: مملوكة لله (يدخلها من يشاء) من عباده الصالحين (و) لكن أظن أن سبب قول هؤلاء القوم ذلك الكلام الذي أخبرتني منهم (إني رأيت على عهد) وزمن حياة (رسول الله ﷺ رؤيا) أي: منامًا عجيبًا؛ وذلك المنام أني (رأيت) نفسي (كأن رجلًا) أي: ملكًا (أتاني) أي: جاءني في حالة نومي (فقال لي) ذلك الرجل الآتي: (انطلق) واذهب معي (فذهبت معه) أي: مع ذلك الرجل (فسلك) أي: دخل (بي) ذلك الرجل (في نهج) أي: في طريق (عظيم) أي: واسع قال عبد الله بن سلام: (فعُرِضَتْ) أي: أُطْلِعَتْ (عَلَيَّ) - بالبناء للمفعول - وكُشفت لي وظهرت وأنا ماش مع
стр. 11052
طَرِيق عَلَى يَسَارِي فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْلُكَهَا، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ طَرِيق عَنْ يَمِينِي فَسَلَكْتُهَا؛ حَتَّى إِذَا انْتَهَيْتُ إِلَى جَبَلٍ زَلَقٍ .. فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي
===
ذلك الرجل في الطريق العظيم (طريق) آخر واسع عظيم (على) جانب (يساري).
قال عبد الله: (فأردت) أي: قصدت أنا (أن أسلكها) أي: أن أدخل تلك الطريق اليسارية وأذهب فيها (فقال) لي الرجل الذي معي: (إنك لست من أهلها) أي: من أهل هذه الطريق؛ فإنها طريق أهل الشمال التي توصلهم إلى جهنم (ثم عُرِضَتْ عليَّ طريق عن يميني فسلكْتُها) أي: دخلتها ومشيت فيها.
(حتى إذا انتهيت) ووصلت (إلى جبل زلق) - بفتحتين - أي: صاحبِ زَلَاقَةٍ ومَلَاسَةٍ لا يستقرُّ القدم عليه، يقال: زَلِقَ؛ من باب طرب، زلَقًا - بالتحريك - الدَّحْضُ، وهو في الأصل مصدر زلقت رجله؛ والزلق والمَزْلَقة: الموضع الذي لا تَثْبُتُ عليه قَدَم، وكذا الزلاقةُ؛ ومنه قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (١)؛ أي: أرضًا ملساء ليس فيها شيء. انتهى من "المختار".
والفاء في قوله: (فأخذ بيدي) زائدة في جواب (إذا) أي: حتى إذا انتهيت إلى جبل زلق .. أخذ الملك بيدي (فزجل) الملك (بي) أي: رماني ودفع بي إلى فوق الجبل؛ وزجل - بالجيم - بمعنى رمى، وأكثر ما يستعمل في الشيء الرخو الخفيف؛ وزحل - بالحاء المهملة - قريب منه؛ يقال: زحلت الشيء: نحيته وأبعدته، وروي بالوجهين، ورواية الجيم أصح وأولى. انتهى من "الأبي".
وقال القرطبي: قوله: (فزجل بي) يروى بالجيم وبالحاء المهملة؛ فبالجيم
стр. 11053
فَإِذَا أَنَا عَلَى ذُرْوَتِه، فَلَمْ أَتَقَارَّ وَلَمْ أَتَمَاسَكْ، وَإِذَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ فِي ذُرْوَتِهِ حَلْقَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَّلَ بِي حَتَّى أَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقَالَ: اسْتَمْسَكْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَضَرَبَ الْعَمُودَ بِرِجْلِهِ فَاسْتَمْسَكْتُ بِالْعُرْوَة، فَقَالَ: قَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتَ خَيْرًا؛ أَمَّا الْمَنْهَجُ الْعَظِيمُ .. فَالْمَحْشَرُ،
===
معناه: رمى، يقال: لعن الله أمًّا زجلت به؛ والزجل: إرسال الحمام؛ والمزجل: المزراق - والمزراق: الرمح القصير - لأنه يرمى به.
فأما زحل - بالحاء المهملة - فمعناه: تنحى وتباعد، يقال: زحل عن مكانه حولًا، وتزحل: تنحى وتباعد، فهو زَحِل وزحيل، ورواية الجيم أولى وأشهر. انتهى من "المفهم".
(فإذا أنا) واقع (على ذروته) أي: ذروة الجبل وأعلاه، وذروة الشيء - بتثليث أوله -: أعلى الشيء ورأسه (فلم أتقار) أي: فلم أثبت على ذروة الجبل، لزلاقته (ولم أتماسك) أي: ولم أقدر على إمساك نفسي فوق ذروته (وإذا عمود من حديد في ذروته) وأعلاه (حلقة) وعروة وسلسلة (من ذهبٍ) فاجَأنِيَ (فأخذ) الملك (بيدي، فزجل بي) أي: رماني ودفعني إلى فوق (حتى أخذت بالعروة) التي على رَأْسِ العمود (فقال) لي الملك: هل (استمسكت) بالعروة، أي: عروة العمود؟ فـ (قلت) له: (نعم) استمسكْتُها (فضرَبَ) الملك (العمود برجله فاستمسكت بالعروة) أي: فاسْتَمْسَكْتُ في إمساكها.
(فقال) عبد الله بن سلام: (قصصتها) أي: قصصت هذه الرؤيا (على النبي ﷺ أي: عرضتها عليه وأخبرتها له، فـ (قال) لي رسول الله: (رأيت خيرًا) عظيمًا، ثم فسرها لي فقال في تفسيرها: (أما المنهج العظيم) الذي رأيته أولًا .. (فالمحشر) أي: فأرض المحشر التي يحشر فيه
стр. 11054
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عُرِضَتْ عَنْ يَسَارِكَ .. فَطَرِيقُ أَهْلِ النَّارِ وَلَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الَّتِي عُرِضَتْ عَنْ يَمِينِكَ .. فَطَرِيقُ أَهْلِ الْجَنَّة، وَأَمَّا الْجَبَلُ الزَّلَقُ .. فَمَنْزِلُ الشُّهَدَاء، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ الَّتِي اسْتَمْسَكْتَ بِهَا .. فَعُرْوَةُ الْإِسْلَامِ فَاسْتَمْسِكْ بِهَا حَتَّى تَمُوتَ"، فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ.
===
الخلائق (وأما الطريق التي عرضت) وكشفت لك (عن) جهة (يسارك .. فطريق أهل النار، ولست) أنت (من أهلها) أي: من أهل النار، فلذلك منعك الملك عن سلوكها.
(وأما الطريق التي عرضت) وكشفت لك ثانيًا (عن) جهة (يمينك .. فطريق أهل الجنة) وأنت من أهلها، ولذلك أذن لك الملك في سلوكها (وأما الجبل الزلق) الدحض .. (فمنزل الشهداء) وأنت لست منهم (وأما العروة التي استمسكت بها .. فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت) قال خرشة بن الحر: قال ذلك الشيخ الذي رأى في المنام: (فأنا أرجو) من الله (أن أكون من أهل الجنة) كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ حين فسر لي المنام.
قال خرشة بن الحر: (فإذا هو) أي: ذلك الرجل الذي رأى المنام: هو (عبد الله بن سلام) الإسرائيلي المدني رضي الله تعالى عنه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع؛ منها: كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 11055
(٧٧) - ٣٨٦٤ - (٤) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ،
===
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عباس بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧٧) - ٣٨٦٤ - (٤) (حدثنا محمود بن غيلان) العدوي مولاهم أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي القرشي مولاهم، مشهور بكنيته، ثقة ثبت ربما دلس، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا بريد) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري؛ وهو أبو بردة الصغير الكوفي، ثقة يخطئ قليلًا، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بردة) الكبير عامر بن أبي موسى الأشعري. يروي عنه: (ع) ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل غير ذلك، ووهم من قال: إنه صحابي.
(عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه من كبار الصحابة.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال) النبي ﷺ : (رأيت في المنام أني أهاجر) وأنتقل (من مكة إلى أرض بها نخل) كثير، وهذا يدل على أن هذه الرؤيا وقعت له وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله وحال أصحابه يوم أحد، وبأنهم يصاب من صدورهم
стр. 11056
فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرٌ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ،
===
معه، وأن الله تعالى يثبتهم بعد ذلك ويجمع كلمتهم ويقيم أمرهم ويعز دينهم، وقد كمل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية، وهي المرادة في هذا الحديث، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى من "المفهم".
(فذهب وهلي) - بفتح الهاء - أي: وهمي وظني واعتقادي؛ أي: مال ظني (إلى أنها) أي: إلى أن تلك الأرض (اليمامة)؛ وهي المنطقة المعروفة من نجد أرض الحجاز، وهي المسماة الآن بـ (الرياض).
(أو هجر) - بفتحتين - وهي مدينة معروفة، وهي قاعدة البحرين، وهي من مساكن عبد القيس، وقد سبقوا غيرهم إلى الإسلام، وأفاد ياقوت أن هجر أيضًا بلد باليمن، فهذا أولى بالتردد بينها وبين اليمامة، لأن اليمامة بين مكة والمدينة، كذا في مناقب "فتح الباري" (٧/ ٢٢٨). انتهى "نووي".
قوله: (وهلي) والوهل - بفتح الهاء -: هو ما يقع في خاطر الإنسان ويهم به، وقد يكون في موضع آخر بمعنى: الغلط، وليس مرادًا هنا بوجه؛ لأنه لم يجزم بأنها واحدة منهما، وإنما جوز ذلك؛ إذ ليس في المنام ما يدل على التعيين، وإنما رأى أرضًا ذات نخل، فخطر له ذانك الموضعان؛ لكونهما من أكثر البلاد نخلًا، ثم إنه لما هاجر إلى المدينة .. تعينت له تلك الأرض، فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله: (فإذا هي) أي: تلك الأرض التي رأيتها في المنام (المدينة) المنورة (يثرب) بدل من المدينة، أو عطف بيان لها أو صفة لها؛ أي: المسماة في الجاهلية بـ: (يثرب) فسماها الله تعالى (المدينة) وسماها رسول الله ﷺ (طابة) و (طيبة) لطيب قريحة أهلها وضمائرهم، والله أعلم.
و(إذا) فجائية، دخلت على الجملة الاسمية؛ والتقدير: فذهب وهلي إلى
стр. 11057
وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا،
===
أنها اليمامة أو هجر، ففاجأني كون تلك الأرض المدينة يثرب؛ ففيه ما يدل على أن الرؤيا قد تقع موافقة لظاهرها من غير تأويل، وأن الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسان بتأويلها، وإنما هي ظن وحدس إلا ما كان منها وحيًا للأنبياء؛ كما وقع لإبراهيم الخليل ﵇ في قوله لابنه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١)، فإن ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصل لهم قطعًا، خلافًا من قال من أهل البدع: إن ذلك كان منه ظنًّا وحسبانًا، وهو قول باطل لا حجة عليه، لأنه لم يكن ليقدم على معصوم قطعًا محبوب شرعًا وطبعًا بمنام لا أصل له ولا تحقيق فيه. انتهى من "المفهم".
ولكن ما رآه رسول الله ﷺ في المنام هو أنه يهاجر إلى أرض بها نخل، وكان هذا القدر قطعيًّا؛ لكونه وحيًا، وقد وقع ما أخبر به، أما تعيين تلك الأرض ... فلم يوح إليه في ذلك حينئذ شيء، فأولها على طريق الظن والاجتهاد باليمامة، أو بهجر فتبين بعد ذلك أنها غيرهما.
قوله: "يثرب" وهي اسم قديم للمدينة، وقد ورد في الحديث النهي عن تسميتها بيثرب؛ لكراهة لفظ التثريب، ولأنه من تسمية الجاهلية، فقيل: يحتمل أن تسميته ﷺ في حديث الباب بيثرب كان قبل النهي عنه، وقيل: لبيان الجواز وإن النهي للتنزيه لا للتحريم، وقيل: خوطب به من يعرفها به، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعي، فقال: المدينة يثرب. انتهى من "النووي".
(ورأيت في رؤياي هذه) التي رأيت فيها الهجرة (أني هززت) أي: حركت وسللت (سيفًا) أي: بسيفي ذي الفقار؛ كما في "طبقات ابن سعد" مرسلًا عن
стр. 11058
فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضًا بَقَرًا وَاللهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ".
===
عروة: أني حركت وأردت إخراجه من غلافه (فانقطع صدرُه) أي: ظُبَتُهُ ورأسُه وطرفُه الفوقاني في الغِلاف (فإذا هو) أي: انقطاع صدر السيف؛ أي: تأويله: (ما أصيب من المؤمنين) بالقتل والجراح (يوم أحد، ثم هززته) مرة (أخرى) أي: حركته وأخرجته من الغلافـ (فعاد) السيف؛ أي: صار (أحسن ما كان) عليه أولًا بلا ثَلْمٍ ولا انقطاعٍ (فإذا هو) أي: عودُهُ أحسن ما كان عليه أولًا، تأويله: هو (ما جاء) نا (الله به من الفتح) للبلاد (واجتماع المؤمنين) على الحق (ورأيت فيها) أي: في رؤياي هذه (أيضًا) أي: كما رأيت هز السيف (بقرًا) تنحر؛ كما في رواية أبي الأسود عن عروة: (بقرًا تذبح)، (والله خير) مبتدأ وخبر؛ أي: وثواب الله خير للنفر المقتولين بالشهادة من بقائهم في الدنيا ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة.
وقيل: المعنى: صنع الله خير؛ وهو قتلهم يوم أحد، وفي أكثر الروايات: تقديم هذه الجملة على موضعها، والحق: ما ذكرناه من تأخيرها عما قبلها (فإذا هم) ذكَّر الضمير باعتبار الخبر؛ أي: فإذا البقر التي رأيتها في ذلك المنام هم (النفر) والجماعة الذين قتلوا (من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير) الذي رأيته في ذلك المنام هو (ما جاء الله به من الخير) وأعطاه إياه (بعد) - بالضم - لقطعه عن الإضافة؛ أي: بعد يوم أحد (وثواب الصدق) بالرفع معطوف على ما الموصولة الواقعة خبرًا للخير، عطف تفسير؛ والتقدير: وإذا الخير الذي رأيته في المنام هو ما جاء الله به من الخير بعد يوم أحد، وثواب صدق المؤمنين (الذي) صفة للثواب؛ أي: الذي (آتانا الله به يوم بدر) ولا يصح حمل (بدر)
стр. 11059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في هذا الحديث على غزوة بدر الأولى الكبرى؛ لتقدم بدر الأولى الكبرى على أحد بزمان طويل؛ لأنه ﷺ خرج إلى بدر الأولى في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وكانت أحد في السنة الثالثة في النصف من شوالها، ولذلك قال علماؤنا: إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني، وكان من أمرها: أن قريشًا لما أصابت في أحد من أصحاب النبي ﷺ ما أصابت، وأخذوا في الرجوع .. نادى أبو سفيان يسمع النبي ﷺ فقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل، فأمر النبي ﷺ بعض أصحابه أن يجيبوه بنعم، فلما كان العام المقبل؛ وهي السنة الرابعة من الهجرة .. خرج النبي ﷺ في شعبانها إلى بدر الثانية، فوصل إلى بدر وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان، ثم إنهم غلبهم الخوف فرجعوا واعتذروا بأن العام عام جدب، وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر، فأخزى الله المشركين ونصر المؤمنين، ثم إن النبي ﷺ لم يزل منصورًا، وبما يفتح الله عليه مسرورًا إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والبهتان.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: في التعبير، باب تعبير الرؤيا، ومسلم في الرؤيا.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 11060
(٧٨) - ٣٨٦٥ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ
===
(٧٨) - ٣٨٦٥ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : رأيت في يدي) - بفتح الدال وتشديد الياء - مثنى يد؛ كما في رواية مسلم؛ أي: في ذراعين لي (سوارين) مصنوعين (من ذهب) أي: رأيتهما في المنام ملبوسين في يدي.
قال أهل اللغة: يقال: سوار - بكسر السين وضمها - وأُسوار - بضم الهمزة - ثلاث لغات. انتهى "نووي".
والسوار: ما تجعله المرأة وتلبسه في ذراعيها مما تتحلى به من الذهب والفضة، ويجمع على أساورة، فأمَّا أسَاوِرةُ الفرس .. فقُوَّادُهم ورؤساؤُهم.
стр. 11061
فَنَفَخْتُهُمَا فَأَوَّلْتُهُمَا هَذَيْنِ الْكَذَّابَيْنِ؛ مُسَيْلِمَةَ وَالْعَنْسِيَّ".
===
وفي رواية مسلم زيادة: (فأهمني شأنهما) أي: شأن السوارين الملبوسين في ساعدي؛ أي: أدخل في قلبي الهم والغم وأحزنني شأنهما، وإنما أهمه شأنهما؛ أعني: السوارين؛ لأنهما من حلية النساء، ومما يحرم على الرجال، في "التوضيح شرح البخاري" قوله: (من ذهب) للتأكيد؛ لأن السوار لا يكون إلا من ذهب، فإن كان من فضة .. فهو قلب؛ أي: يسمى به.
وفي "مسلم" زيادة: (فأوحي إلي في) ذلك (المنام أن انفخهما) أي: بِأَنِ انْفُخْ بِنَفَسِك إلى السوارين.
(فنَفَخْتُهما) أي: نفختُ إلى السِّواريْنِ بنفسي (فطارا) أي: فزالا وسقطا عن يدي.
قال العيني: وتأويل نفخهما: أنهما قتلا بريحه؛ أي: أن الأسود ومسيلمة قتلا بريحه ﷺ ، والذهب زخرف يدل على زخرفهما، ودلا بلفظهما على ملكين؛ لأن الأساورة هم الملوك، وفي النفخ دليل على اضمحلال أمرهما، وكان كذلك. انتهى.
(فأولتهما) أي: أولت السوارين بـ (هذين الكذابين مسيلمة والعنسي) وفي رواية مسلم زيادة: (يخرجان بعدي) أي: يظهران بعد وفاتي؛ أي: يظهران شوكتهما ودعواهما النبوة بعد وفاتي، وإلا .. فقد كانا موجودين في زمنه ﷺ .
وتعقبه الحافظ في "الفتح" بأن العنسي قد ظهرت شوكته في حياة النبي ﷺ ، فالظاهر: أن المراد من قوله: (من بعدي) أي: بعد بعثتي، والله أعلم. انتهى.
قال المهلب: وإنما أولى النبي ﷺ السوارين بالكذابين؛
стр. 11062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه، فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه؛ لأنهما من حلية النساء .. عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له.
وأيضًا: ففي كونهما من ذهب، والذهب منهي عن لبسه .. دليل على الكذب، وأيضًا فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه؛ وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا عنه، فعرف أنه لا يثبت لهما أمر، وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما، والنفخ يدل على الكلام. انتهى "فتح الباري" (١٢/ ٤٢١).
وفي رواية مسلم زيادة: (فكان أحدهما) أي: أحد الكذابين الأسود (العنسي) - بسكون النون - نسبة إلى بني عنس، قبيلة مشهورة، واسمه عبهلة بن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار - بالخاء المعجمة - لأنه كان يخمر وجهه، وكان يقال له: ذو الحمار - بالحاء المهملة - وسبب هذا اللقب على ما قاله ابن إسحاق: أنه لقيه حمار فعثر فسقط لوجهه، فقال: سجد لي الحمار، فارتد عن الإسلام وادعى النبوة، وخرق على الجهال فاتبعوه، وغلب على صنعاء اليمن، ولذلك قيل له: (صاحب صنعاء) وأخرج منها: المهاجر بن أبي أمية المخزومي، وكان عاملًا لرسول الله ﷺ عليها وانتشر أمره، وغلب على امرأة مسلمة من الأساورة فتزوجها، فدست إلى قوم من الأساورة أني قد صنعت سربًا يوصل منه إلى مرقد الأسود، فدلتهم على ذلك، فدخل منه قوم؛ منهم: فيروز الديلمي وقيس بن مكشوح، فقتلوه فجاؤوا برأسه إلى رسول الله ﷺ على ما قاله ابن إسحاق.
وقال وشيمة بن موسى بن الفرات المعروف بالوشاء: ومنهم من يقول: كان ذلك في خلافة أبي بكر الصديق.
стр. 11063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لقوله ﷺ يخرجان بعدي؛ أي: بعد وفاتي. انتهى من "المفهم".
قال القرطبي: ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانا قد أسلما، وكانا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذابان، وتبهرجا لهما بترهاتهما، وزخرفا أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبي ﷺ بمنزلة يديه؛ لأنه كان يعتضد بهما، والسواران فيهما هما: مسيلمة وصاحب صنعاء؛ بما زخرفا من أقوالهما، ونفخ النبي ﷺ هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه ﷺ .
وأما مسيلمة .. فإنه بعدما جاء المدينة رجع إلى اليمامة على حالته تلك، واستقر عليها إلى أن توفي رسول الله ﷺ فعظم أمر مسيلمة، وأطبق أهل اليمامة عليه وارتدوا عن الإسلام، وانضاف إليهم بشر كثير من أهل الردة وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كتبًا كثيرة يعظهم ويذكرهم ويحذرهم وينذرهم إلى أن بعث إليهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاري، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكر الصديق على قتالهم رضي الله تعالى عنه والمسلمون، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهما وتجهز الناس، وعقد الراية لخالد، وساروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا وكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها، واستشهد فيها من قراء القرآن خلق كثير حتى خاف أبو بكر وعمر ﵄ أن يذهب من القرآن شيء؛ لكثرة من قتل هناك من القراء، ثم إن الله تعالى ثبت المسلمين، وقتل الله تعالى مسيلمة الكذاب اللعين على يدي
стр. 11064
(٧٩) - ٣٨٦٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ،
===
وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب في أحد، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دفَّف عليه - أي: جَرحَه جرحًا مميتًا وأجهز عليه - رجل من الأنصار، فاحتز رأسه بسيفٍ، وهزم الله جيشه وأهلكهم، وفتح الله اليمامة فدخلها خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه واستولى على جميع ما حوته من النساء والولدان والأموال، وأظهر الله تعالى الدين وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الذي صدقنا وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة، ومسلم في كتاب التعبير، والترمذي في الرؤيا، باب رؤيا النبي ﷺ .
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث ابن عباس بحديث أم الفضل رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧٩) - ٣٨٦٦ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام) القصار، أبو الحسن الكوفي، مولى بني أسد، صدوق له أوهام، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا علي بن صالح) بن صالح بن الحي الهمداني أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
стр. 11065
عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ قَابُوسَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ: يَا رَسُولُ اللهِ؛ رَأَيْتُ كَأَنَّ فِي بَيْتِي عُضوًا مِنْ أَعْضَائِكَ،
===
(عن سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري أبي المغيرة الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن قابوس) بن أبي المخارق، ويقال: ابن المخارق بن سليم الشيباني الكوفي، لا بأس به، من الثالثة، روى عن أبيه عن النبي ﷺ ، وعن أم الفضل بنت الحارث، وقيل: عن أبيه عنها، روى عنه سماك بن حرب، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند (د ق) حديث النضح من بول الغلام، وله عند (س) في المقاتلة دون المال.
قلت: ذكره ابن يونس فيمن قدم مع محمد بن أبي بكر الصديق مصر في خلافة علي، فهو على هذا قديم لا يمتنع إدراكه لأم الفضل، وحديثه عنها في "صحيح ابن خزيمة"، وقرأت بخطه ما حدث عنه سوى سماك، فهو ثقة، من الثالثة. يروي عنه (د س ق). انتهى "تهذيب".
(قال) قابوس: (قالت أم الفضل) لبابة - بتخفيف الموحدة - بنت الحارث بن حزن - بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون - الهلالية أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، وأخت ميمونة زوج النبي ﷺ ، قال ابن حبان: ماتت بعد العباس في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولكن في وصله وانقطاعه خلاف.
(يا رسول الله، رأيت) في منامي (كأن في بيتي عضوًا من أعضائك)