فَنَفَخْتُهُمَا فَأَوَّلْتُهُمَا هَذَيْنِ الْكَذَّابَيْنِ؛ مُسَيْلِمَةَ وَالْعَنْسِيَّ".
===
وفي رواية مسلم زيادة: (فأهمني شأنهما) أي: شأن السوارين الملبوسين في ساعدي؛ أي: أدخل في قلبي الهم والغم وأحزنني شأنهما، وإنما أهمه شأنهما؛ أعني: السوارين؛ لأنهما من حلية النساء، ومما يحرم على الرجال، في "التوضيح شرح البخاري" قوله: (من ذهب) للتأكيد؛ لأن السوار لا يكون إلا من ذهب، فإن كان من فضة .. فهو قلب؛ أي: يسمى به.
وفي "مسلم" زيادة: (فأوحي إلي في) ذلك (المنام أن انفخهما) أي: بِأَنِ انْفُخْ بِنَفَسِك إلى السوارين.
(فنَفَخْتُهما) أي: نفختُ إلى السِّواريْنِ بنفسي (فطارا) أي: فزالا وسقطا عن يدي.
قال العيني: وتأويل نفخهما: أنهما قتلا بريحه؛ أي: أن الأسود ومسيلمة قتلا بريحه ﷺ ، والذهب زخرف يدل على زخرفهما، ودلا بلفظهما على ملكين؛ لأن الأساورة هم الملوك، وفي النفخ دليل على اضمحلال أمرهما، وكان كذلك. انتهى.
(فأولتهما) أي: أولت السوارين بـ (هذين الكذابين مسيلمة والعنسي) وفي رواية مسلم زيادة: (يخرجان بعدي) أي: يظهران بعد وفاتي؛ أي: يظهران شوكتهما ودعواهما النبوة بعد وفاتي، وإلا .. فقد كانا موجودين في زمنه ﷺ .
وتعقبه الحافظ في "الفتح" بأن العنسي قد ظهرت شوكته في حياة النبي ﷺ ، فالظاهر: أن المراد من قوله: (من بعدي) أي: بعد بعثتي، والله أعلم. انتهى.
قال المهلب: وإنما أولى النبي ﷺ السوارين بالكذابين؛
стр. 11062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه، فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه؛ لأنهما من حلية النساء .. عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له.
وأيضًا: ففي كونهما من ذهب، والذهب منهي عن لبسه .. دليل على الكذب، وأيضًا فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه؛ وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا عنه، فعرف أنه لا يثبت لهما أمر، وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما، والنفخ يدل على الكلام. انتهى "فتح الباري" (١٢/ ٤٢١).
وفي رواية مسلم زيادة: (فكان أحدهما) أي: أحد الكذابين الأسود (العنسي) - بسكون النون - نسبة إلى بني عنس، قبيلة مشهورة، واسمه عبهلة بن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار - بالخاء المعجمة - لأنه كان يخمر وجهه، وكان يقال له: ذو الحمار - بالحاء المهملة - وسبب هذا اللقب على ما قاله ابن إسحاق: أنه لقيه حمار فعثر فسقط لوجهه، فقال: سجد لي الحمار، فارتد عن الإسلام وادعى النبوة، وخرق على الجهال فاتبعوه، وغلب على صنعاء اليمن، ولذلك قيل له: (صاحب صنعاء) وأخرج منها: المهاجر بن أبي أمية المخزومي، وكان عاملًا لرسول الله ﷺ عليها وانتشر أمره، وغلب على امرأة مسلمة من الأساورة فتزوجها، فدست إلى قوم من الأساورة أني قد صنعت سربًا يوصل منه إلى مرقد الأسود، فدلتهم على ذلك، فدخل منه قوم؛ منهم: فيروز الديلمي وقيس بن مكشوح، فقتلوه فجاؤوا برأسه إلى رسول الله ﷺ على ما قاله ابن إسحاق.
وقال وشيمة بن موسى بن الفرات المعروف بالوشاء: ومنهم من يقول: كان ذلك في خلافة أبي بكر الصديق.
стр. 11063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لقوله ﷺ يخرجان بعدي؛ أي: بعد وفاتي. انتهى من "المفهم".
قال القرطبي: ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانا قد أسلما، وكانا كالساعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذابان، وتبهرجا لهما بترهاتهما، وزخرفا أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبي ﷺ بمنزلة يديه؛ لأنه كان يعتضد بهما، والسواران فيهما هما: مسيلمة وصاحب صنعاء؛ بما زخرفا من أقوالهما، ونفخ النبي ﷺ هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه ﷺ .
وأما مسيلمة .. فإنه بعدما جاء المدينة رجع إلى اليمامة على حالته تلك، واستقر عليها إلى أن توفي رسول الله ﷺ فعظم أمر مسيلمة، وأطبق أهل اليمامة عليه وارتدوا عن الإسلام، وانضاف إليهم بشر كثير من أهل الردة وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كتبًا كثيرة يعظهم ويذكرهم ويحذرهم وينذرهم إلى أن بعث إليهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاري، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكر الصديق على قتالهم رضي الله تعالى عنه والمسلمون، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنهما وتجهز الناس، وعقد الراية لخالد، وساروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا وكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها، واستشهد فيها من قراء القرآن خلق كثير حتى خاف أبو بكر وعمر ﵄ أن يذهب من القرآن شيء؛ لكثرة من قتل هناك من القراء، ثم إن الله تعالى ثبت المسلمين، وقتل الله تعالى مسيلمة الكذاب اللعين على يدي
стр. 11064
(٧٩) - ٣٨٦٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ،
===
وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب في أحد، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دفَّف عليه - أي: جَرحَه جرحًا مميتًا وأجهز عليه - رجل من الأنصار، فاحتز رأسه بسيفٍ، وهزم الله جيشه وأهلكهم، وفتح الله اليمامة فدخلها خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه واستولى على جميع ما حوته من النساء والولدان والأموال، وأظهر الله تعالى الدين وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الذي صدقنا وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة، ومسلم في كتاب التعبير، والترمذي في الرؤيا، باب رؤيا النبي ﷺ .
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث ابن عباس بحديث أم الفضل رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧٩) - ٣٨٦٦ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام) القصار، أبو الحسن الكوفي، مولى بني أسد، صدوق له أوهام، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا علي بن صالح) بن صالح بن الحي الهمداني أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
стр. 11065
عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ قَابُوسَ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ: يَا رَسُولُ اللهِ؛ رَأَيْتُ كَأَنَّ فِي بَيْتِي عُضوًا مِنْ أَعْضَائِكَ،
===
(عن سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري أبي المغيرة الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن قابوس) بن أبي المخارق، ويقال: ابن المخارق بن سليم الشيباني الكوفي، لا بأس به، من الثالثة، روى عن أبيه عن النبي ﷺ ، وعن أم الفضل بنت الحارث، وقيل: عن أبيه عنها، روى عنه سماك بن حرب، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له عند (د ق) حديث النضح من بول الغلام، وله عند (س) في المقاتلة دون المال.
قلت: ذكره ابن يونس فيمن قدم مع محمد بن أبي بكر الصديق مصر في خلافة علي، فهو على هذا قديم لا يمتنع إدراكه لأم الفضل، وحديثه عنها في "صحيح ابن خزيمة"، وقرأت بخطه ما حدث عنه سوى سماك، فهو ثقة، من الثالثة. يروي عنه (د س ق). انتهى "تهذيب".
(قال) قابوس: (قالت أم الفضل) لبابة - بتخفيف الموحدة - بنت الحارث بن حزن - بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون - الهلالية أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، وأخت ميمونة زوج النبي ﷺ ، قال ابن حبان: ماتت بعد العباس في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولكن في وصله وانقطاعه خلاف.
(يا رسول الله، رأيت) في منامي (كأن في بيتي عضوًا من أعضائك)
стр. 11066
قَالَ: "خَيْرًا رَأَيْت، تَلِدُ فَاطِمَةُ غُلَامًا فَتُرْضِعِيهِ"، فَوَلَدَتْ حُسَيْنًا أَوْ حَسَنًا فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ قُثَمَ، قَالَتْ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ فَبَالَ، فَضَرَبْتُ كَتِفَهُ،
===
أي: جزءًا من أجزائك، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (خيرًا رأيت) أي: رأيت منامًا حسنًا صادقًا؛ تفسيره: أنه (تلد فاطمة) بنتي (غلامًا) أي: ولدًا ذكرًا.
(قال) رسول الله ﷺ في تفسير منامها: (خيرًا رأيت) يا أم الفضل، وقوله: (خيرًا) مفعول مقدم لرأى الرؤيا؛ لأنه يتعدى إلى مفعول واحد؛ أي: قال لها: خيرًا رأيت يا أم الفضل؛ وتفسيره: أنه (تلد) بنتي (فاطمة غلامًا) أي: ولدًا ذكرًا (فترضعيه) أنت يا أم الفضل ذلك الغلام الذي ولدته فاطمة، فقال الراوي: (فولدت) فاطمة بنت رسول الله ﷺ (حسين) بن علي (أو) قال الراوي: فولدت (حسن) بن علي و (أو) للشك من الراوي (فأرضعته) أي: فأرضعت أم الفضل ذلك الولد الذي ولدته فاطمة (بلبنـ) ها الذي خرج منها بسبب ولادتها ولدها (قثم) - بضم القاف وفتح المثلثة - ابن العباس بن عبد المطلب الهاشمي صحابي صغير، مات سنة سبع وخمسين (٥٧ هـ) روى عنه (س).
(قالت) أم الفضل: (فجئت به) أي: بالحسن أو الحسين الذي هو رضيعي (إلى) بيت (النبي ﷺ ليراه الرسول ﷺ (فوضعته) أي: فوضعت ذلك الرضيع الذي هو إما الحسن أو الحسين (في حجره) أي: على مقدم بدنه ﷺ (فبال) ذلك الرضيع على حجره ﷺ قالت أم الفضل: (فضربت كتفه) أي: كتف ذلك الرضيع؛ وهو ما بين العنق والعضد؛ زجرًا له عن البول على
стр. 11067
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْجَعْتِ ابْنِي رَحِمَكِ اللهُ".
(٨٠) - ٣٨٦٧ - (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ،
===
رسول الله ﷺ (فقال) لي (النبي ﷺ : أوجعت) يا أم الفضل وآلمت (ابني) وولدي الذي هو الحسن أو الحسين بضربك إياه (رحمك الله) يا أم الفضل - بكسر الكاف - خطابًا لأم الفضل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم غير اللبن (٣٧٥)، وسبق للمؤلف تخريجه في كتاب الطهارة، باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم رقم (١٠١)، حديث رقم (٥١٧).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث ابن عباس بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٠) - ٣٨٦٧ - (٧) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري، بندار، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عامر) العقدي عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أخبرني موسى بن عقبة) بن أبي عياش - بتحتانية ومعجمة - الأسدي
стр. 11068
أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ امْرَأَة سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِالْمَهْيَعَةِ؛ وَهِيَ الْجُحْفَةُ، فَأَوَّلْتُهَا وَبَاء بِالْمَدِينَةِ فَنُقِلَ إِلَى الْجُحْفَةِ".
===
مولى آل الزبير، ثقة فقيه إمام المغازي، من الخامسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(أخبرني سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عمر المدني أحد الفقهاء السبعة في المدينة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، من كبار الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما حالة كونه يخبر (عن رؤيا النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) النبي ﷺ : (رأيت) في المنام كأن (امرأة سوداء ثائرة) شعر (الرأس) أي: منتشرة ومتفرقة شعر الرأس، وزاد في رواية أحمد: (تفلة) - بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء بعدها لام - أي: كريهة الرائحة.
وقوله: "ثائرة الرأس" من ثار الشيء؛ إذا انتشر.
(خرجت من المدينة) النبوية (حتى قامت بالمهيعة) - بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتية والعين المهملة بعدها هاء التانيث - وفسرها بقوله: (وهي الجحفة) - بضم الجيم وسكون الحاء المهملة بعدها فاء مفتوحة - ميقات أهل مصر، قال في "الفتح": وأظن قوله: (وهي الجحفة) مدرجًا من قول موسى بن عقبة.
قال رسول الله ﷺ : (فأولتها) أي: أولت تلك المرأة السوداء: أنها (وباء) أي: حمى (بالمدينة) المنورة (فنقل إلى الجحفة)
стр. 11069
(٨١) - ٣٨٦٨ - (٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
أي: نقل الله ذلك الوباء من المدينة إلى الجحفة؛ لعدوان أهلها وأذاهم للناس، وكانوا يهودًا، وهذه الرؤيا - كما قاله المهلب - من قسم الرؤيا المعبرة، وهي مما ضرب به المثل، ووجه التمثيل: أنه شق من اسم (السوداء): السوء والداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، وتأول (ثوران شعر رأسها): أن الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة، وقيل: لما كانت الحمى مثيرة بالبدن بالاقشعرار وارتفاع الشعر .. عبر عن حالها في النوم بارتفاع شعر رأسها، فكأنه قيل: الذي يسوء ويثير الشر يخرج من المدينة. انتهى من "إرشاد الساري".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التعبير، باب المرأة السوداء، والترمذي في كتاب الرؤيا، باب في رؤيا النبي ﷺ الميزان والدلو، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث ابن عباس بحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨١) - ٣٨٦٨ - (٨) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن بن الحارث الفهمي المصري عالمها، ثقة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11070
عَنِ ابْنِ الْهَاد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا
===
(عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي أبي عبد الله المدني، روى عن محمد بن إبراهيم التيمي، ثقة، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد (التيمي) أبي عبد الله المدني، ثقة له أفراد، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، قيل: إنه لم يسمع من طلحة، والأصح سماعه؛ لأنه إذا اختلف في الوصل والقطع .. فالوصل مقدم، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن طلحة بن عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب أحد العشرة المبشرة رضي الله تعالى عنه، واستشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ) وهو ابن ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، قيل: إنه لم يسمع أبو سلمة من طلحة، والأصح سماعه منه؛ لما تقدم آنفًا.
(أن رجلين من بَلِيٍّ) - بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد التحتانية - اسم قبيلة أو بلدة، ولم أر من ذكَر اسْمَهُما (قدما على رسول الله ﷺ ، وكان إسلامهما جميعًا) أي: مجتمعين لا مرتبًا (فكان أحدهما)
стр. 11071
أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَر، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّة، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: ارْجِعْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ فَعَجِبُوا لِذَالِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ فَقَالَ:
===
أي: أحد الرجلين (أشد) وأقوى (اجتهادًا) في العبادة (من الآخر، فغزا المجتهد منهما) أي: من الرجلين (فاستشهد) أي: قتل شهيدًا في المعركة (ثم مكث الآخر) وجلس (بعده) أي: بعد الذي قتل شهيدًا (سنة) كاملة (ثم توفي) الآخر؛ أي: مات بعد سنة كاملة (قال طلحة) بن عبيد الله: (فرأيت في المنام بَيْنَا أنَا عند بابِ الجنة، إذا أنا) راء (بهما) أي: بالرجلين عند باب الجنة (فخرج خارج من الجنة فأذن) ذلك الخارج (للذي توفي) في الزمن (الآخر منهما) أي: في الزمان المتأخر في دخول الجنة.
(ثم) بعد مدة (خرج) ذلك الخارج من الجنة (فأذن) في دخول الجنة (للذي استشهد) أي: قتل شهيدًا (ثم رجع) ذلك الخارج (إلي فقال) لي: (ارجع) وراءك وخلفك فلا تدخل الجنة (فإنك) يا طلحة (لم يأن) ولم يحضر (لك) وقت دخولك الجنة (بعد) أي: الآن (فأصبح) أي: كان (طلحة) بن عبيد الله (يحدث) أي: يخبر (به) أي: بذلك المنام (الناس فعجبوا) أي: عجب الناس الذين سمعوا هذا الخبر (لذلك) أي: من تأخر الشهيد في دخول الجنة عن غير الشهيد (فبلغ ذلك) الحديث وتعجب الناس منه (رسول الله ﷺ وحدثوه) أي: وحدث الناس رسول الله ﷺ هذا (الحديث) الذي هو منام طلحة (فقال)
стр. 11072
"مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟ "، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ "، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السّنةِ؟ "، قَالُوا: بَلَى،
===
رسول الله ﷺ للناس: (من أي ذلك تعجبون) أي: من ذلك الحديث الذي هو منام طلحة؟ (فقالوا) في جواب استفهام الرسول ﷺ (يا رسول الله؛ هذا) الذي تأخر دخوله الجنة (كان أشد الرجلين) وأقواهم (اجتهادًا) واهتمامًا بالعبادة (ثم) بعد اجتهاده واهتمامه بالعبادة (استشهد) أي: قتل شهيدًا، وقتله شهيدًا مزية أخرى (و) مع كونه مجتهدًا شهيدًا (دخل هذا الآخر) الذي ليس له اجتهاد ولا شهادة (الجنة قبله).
(ودخل هذا الآخر) الذي يقصر في العبادة (الجنة قبله) أي: قبل هذا المجتهد المستشهد.
(فقال رسول الله ﷺ لهؤلاء المتعجبين من هذا الحديث: (أليس) الشأن (قد مكث هذا) المتأخر (بعده) أي: بعد المجد المجتهد (سنةً) كاملة؟ (قالوا) أي: الناس السائلون لرسول الله ﷺ : (بلى) مكث بعده سنة، فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ : (وأدرك) شهر (رمضان فصامه وصلى) في تلك السنة صلاة (كذا) أي: الفرائض الخمس (وكذا) أي: رواتب الفرائض (من سجدة) أي من فريضة ونافلة (في) تلك (السنة) كلها؟
(قالوا) أي: قال السائلون لرسول الله ﷺ : (بلى) أدرك شهر رمضان وصام صيامه، وصلى فريضة الوقت وراتبته في جميع تلك السنة؛
стр. 11073
قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ".
(٨٢) - ٣٨٦٩ - (٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
فـ (قال رسول الله ﷺ للمتعجبين من ذلك: خلوا التعجب من دخوله قبل المجتهد الشهيد (فما بينهما) أي: لأن ما بين الرجلين من الدرجات (أبعد) مسافةً (مما بين السماء والأرض) لو كان جسمًا، فدرجة المتأخر وفاته كالسماء في العلو، ودرجة المتقدم وفاته كالأرض، لأن المتأخر ازداد خيرًا بتأخره في الدنيا، ففاز درجة عالية في الجنة باكتسابه الأعمال الصالحة في تلك السنة التي تأخر فيها في الدنيا، والله أعلم.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ولكن له شواهد أخرجها الشيخان وغيرهما؛ البخاري في كتاب مواقيت الصلوات، باب الصلوات الخمس كفارة لما بينهما، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى بها الخطايا وترفع بها الدرجات.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٢) - ٣٨٦٩ - (٩) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 11074
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(حدثنا أبو بكر الهذلي) - بضم الهاء وفتح المعجمة - قيل: اسمه سُلْمَى - بضم المهملة وسكون اللام - أبو عبد الله بن عبد الله، وقيل: رَوْحٌ، أَخْباريٌّ متروكُ الحديث متفق على ضعفه، من السادسة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (ق).
واعلم: أن أبا بكر الهذلي وإن كان متروكًا .. فقد تابعه قتادة بن دعامة، فيما وصله مسلم والنسائي من رواية معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وأدرج في الحديث قوله: "وأكره الغل ... " إلى تمام الحديث.
وتابعه أيضًا: يونس بن عبيد أحد أئمة البصرة، فيما وصله البزار في "مسنده" وهشام بن حسان، فيما وصله الإمام أحمد وأبو هلال الراسبي محمد بن سليم أربعتهم روى أصل الحديث عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وأدرج بعضهم كل الحديث من قوله: "الرؤيا ثلاث ... " إلى قوله: "القيد ثبات في الدين" وقال يونس بن عبيد: لا أحسب الذي أدرجه بعضهم في الحديث؛ يعني: (الغل والقيد) إلا عن النبي ﷺ .
(عن) محمد (بن سيرين) الأنصاري أبي بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنهْ.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا بكر الهذلي، وهو متفق على ضعفه.
стр. 11075
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكْرَهُ الْغُلَّ وَأُحِبُّ الْقَيْدَ؛ الْقَيْدُ ثَبَات فِي الدِّينِ".
===
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أكره الغل) - بضم الغين المعجمة وتشديد اللام - وهو الطوق الذي يجعل في العنق؛ أي: أكره رؤياه في المنام؛ بأن يرى نفسه مغلولًا؛ أي: مربوطًا يداه إلى العنق في النوم؛ لأنه إشارة إلى تحمل دين أو مظالم أو كونه محكومًا عليه، كذا في "المناوي".
وقال النووي: إنما كرهه؛ لأن موضعه العنق، وهو صفة أهل النار، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ (١).
(وأحب القيد) لأن (القيد: ثبات في الدين) قوله: "وأحب القيد" الذي يراه الإنسان في رجليه في المنام؛ لأن القيد في الرجلين يثبت الإنسان في مكانه؛ فإذا رآه مَنْ هو علَى حالة وعمل ما قيّد على رجليه .. كان ذلك دليلًا على ثباته على تلك الحالة، فإذا رآه من هو من أهل الدين والعلم .. كان ثباتًا على تلك الحال، ولو رأى المريض قيدًا في رجليه .. لكان ذلك دليلًا على دوام مرضه. انتهى من "المفهم".
وقال النووي: قال العلماء: إنما أحب القيد؛ لأنه في الرجلين؛ وهو كف عن المعاصي والشرور وأنواع الباطل. انتهى.
قال القرطبي: هذا الحديث وإن اختلف في رفعه ووقفه .. فإن معناه صحيح؛ لأن القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في مكانه، فإذا رآه من هو على حالة .. كان ذلك ثبوتًا له على تلك الحالة.
وأما كراهة الغل .. فلأن محله الأعناق؛ نكالًا وعقوبة وقهرًا وإذلالًا، وقد
стр. 11076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يسحب على وجهه ويجر على قفاه، فهو مذموم شرعًا، وغالب رؤيته في العنق دليل على وقوع حالة سيئة للرائي تلازمه ولا تنفك عنه، وقد يكون ذلك في دينه؛ كواجبات فرط فيها، أو معاص ارتكبها، أو حقوق لازمة لم يوفها أهلَها مع قدرته، وقد يكون في دنياه؛ لشدة تعتريه أو تلازمه. انتهى من "إرشاد الساري".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التعبير، باب القيد في المنام، ومسلم في كتاب الرؤيا، باب الرؤيا الصالحة، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في الرؤيا مطولًا، والترمذي كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا وما يستحب منها وما يكره، لكنهم رووا بأسانيد صحيحة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وأما ابن ماجه .. فقد انفرد في روايته بهذا السند الضعيف، فحديثه: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره؛ لأن له توابع؛ كما بيناه آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: عشرة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والثاني للمتابعة، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11077
كتاب الفتن
стр. 11078
(٣٥) - كِتَابُ الْفِتَنِ
(٣٠) - (١٤٤١) - بَابُ الْكَفِّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ
(٨٣) - ٣٨٧٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(٣٥) - (كتاب الفتن)
(٣٠) - (١٤٤١) - (باب الكف عمن قال: لا إله إلا الله)
والفتن - بكسر الفاء وفتح الفوقانية - جمع فتنة؛ وهي المحنة والعذاب والشدة وكل مكروه ايل إليه؛ كالكفر والإثم والفضيحة والفجور والمصيبة وغيرها من المكروهات. انتهى "سندي".
(٨٣) - ٣٨٧٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وحفص بن غياث) - بمعجمة مكسورة وياء فمثلثة - ابن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن) سليمان (الأعمش) الأسدي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11079
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِذَا قَالُوهَا .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أمرت) أي: أمرني ربي (أن أقاتل) وأجاهد (الناس حتى يقولوا) ويقروا بأن: (لا إله إلا الله) أي: حتى يقروا بألسنتهم ويعتقدوا بقلوبهم أن لا إله بحق إلا الله جَلَّ وعَلَا، ويقروا بألسنتهم بأني رسول الله مثلًا، ويعتقدوا معنى ذلك اعتقادًا جازمًا (فإذا قالوها) أي: قالوا كلمة الشهادتين، واعتقدوا معناها وعملوا بمقتضاها .. فقد (عصموا) وحفظوا ومنعوا وحقنوا (مني) أي: من إراقتي (دماءهم) وقتلهم (و) عصموا مني (أموالهم) أي: أَخْذَها (إلا بحقها) أي: بحق الدماء والأموال من القصاص والحدود وغرامة المتلفات (وحسابهم) أي: مناقشتهم وجزاؤهم على ما في سرائرهم (على الله إن خيرًا .. فخير، وإن شرًّا .. فشر، إنما عليَّ البلاغُ، وعلى الله الحسابُ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ في كتاب الإيمان، وفي كتاب الصلاة، وفي كتاب الزكاة، إلى غير ذلك، ومسلم في كتاب الإيمان، وفي كتاب فضائل الصحابة، وأبو داوود في كتاب الجهاد، باب ما يقاتل المشركون، والترمذي في كتاب الإيمان، وفي كتاب التفسير، باب ما جاء: أمرت أن أقاتل الناس، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 11080
(٨٤) - ٣٨٧١ - (٢) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٤) - ٣٨٧١ - (٢) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني أبو محمد، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ) وله مئة سنة. يروي عنه: (م ق).
(حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أَضَرَّ، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سفيان) سلمة بن دينار أبي حازم الأعرج التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : أمرت) أي: أمرني ربي (أن أقاتل) وأجاهد (الناس) لإعلاء كلمة الله كلمة التوحيد (حتى يقولوا) ويقروا بألسنتهم بأن (لا إله إلا الله) وأني رسول الله، ويعتقدوا معناها اعتقادًا جازمًا (فإذا قالوا: لا إله إلا الله) وأذعنوا لها بامتثال أوامر الشرع واجتناب
стр. 11081
عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ ".
(٨٥) - ٣٨٧٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
===
نواهيه .. (عصموا) أي: حقنوا (مني) أي: من إراقتي (دماءهم وأموالهم) من الغُنْمِ (إلا بحقها) أي: بحق كلمة الإسلام وموجبها من القصاص والزكاة وغيرهما (وحسابهم) أي: مناقشتهم على ما في سرائرهم ومجازاتُهم عليه تعالى خيرًا كان أو شرًّا (على الله لا عليَّ إنما عليَّ البلاع المبين، وعلى الله المجازاة.
وإنما استدل المؤلف على الترجمة بحديث أبي هريرة وأشْهَد لَهُ بحديث جابر ولم يَعْكِسْ؛ لأن حديث أبي هريرة أصح من حديث جابر؛ لأن حديث جابر شارك المؤلفَ فيه مسلم والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وأما حديث أبي هريرة .. فشارك المؤلفَ البخاري ومسلم، فهو من المتفق عليه، فهو أقوى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب أخبرنا هارون بن محمد بن بكَّار، من حديث أنس بن مالك ﵁.
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أوس بن أبي أوس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٥) - ٣٨٧٢ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن
стр. 11082
بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ أَوْسًا أَخْبَرَهُ قَالَ: إِنَّا لَقُعُودٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقُصُّ عَلَيْنَا وَيُذَكِّرُنَا؛
===
بكر) بن حبيب (السهمي) الباهلي أبو وهب البصري نزيل بغداد، امتنع من القضاء، ثقة حافظ، من التاسعة، مات في المحرم سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حاتم بن أبي صغيرة) - بفتح الصاد المهملة وكسر الغين المعجمة - القشيري أبو يونس البصري، وأبو صغيرة اسمه مسلم، وهو جده لأمه، وقيل: زوج أمه، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن النعمان بن سالم) الطائفي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(أن عمرو بن أوس) بن أبي أوس الثقفي الطائفي تابعي كبير، من الثانية، وهم من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين من الهجرة. يروي عنه: (ع).
(أخبره) أي: أخبر للنعمان بن سالم (أن أباه أوس) بن أبي أوس حذيفة والد عمرو بن أوس الثقفي، الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنهما. روى عن: النبي ﷺ ، وعن علي بن أبي طالب، ويروي عنه: ابنه عمرو والنعمان بن سالم. ويروي عنه: (د س ق).
(أن أباه) أي: أبا عمرو أوسًا (أخبره) أي: أخبر لعمرو (قال) أبوه أوس بن أبي أوس: (إنا) معاشر الصحابة (لَقُعودٌ عند النبي ﷺ وهو) أي: والحال أن النبي ﷺ (يقص) ويخبر (علينا) معاشر الحاضرين القصص؛ أي: قصص الأمم الماضية (ويذكرنا) أي: يعظنا بالترغيب والترهيب.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 11083
إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَارَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبُوا بِهِ فَاقْتُلُوهُ"، فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ .. دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبُوا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ .. حَرُمَ عَلَيَّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ".
===
(إذ أتاه) أي: أتى النبي ﷺ وجاءه (رجل) من المسلمين (فساره) ولم أر من ذكر اسم ذلك الرجل الذي ساره؛ أي: فسار ذلك الرجل النبي ﷺ خَبَر سِرٍّ؛ أي: كلمه سرًّا بحيث لا نسمع كلامه مع النبي ﷺ (فقال النبي ﷺ للقوم الحاضرين عنده: (اذهبوا به) أي: بهذا الرجل الذي كلمني (فاقتلوه) أي: فاقتلوا هذا الذي سارني (فلما ولى الرجل) أي: ولى الرجل الذي أمرهم بقتله؛ أي: ذهب وجعل دبره واليًا للنبي ﷺ .. (دعاه رسول الله ﷺ أي: دعا رسول الله ﷺ ونادى بالرجل الذي أمرهم بقتله وطلب الرجوع إليه.
(فـ) لما رجع إليه .. (قال) له النبي ﷺ : (هل تشهد) وتقر (أن لا إله إلا الله) وأني رسول الله؟ (قال) الرجل: (نعم) أُقِرُّ بالشهادتين (قال) النبي ﷺ للناس الذين أمرهم بقتله (اذهبوا) بهذا الرجل الذي أمرتكم بقتله من عندي (فخلوا) أي: فخلوا للرجل الذي أمرتكم بقتله واتركوه وليسلك (سبيله) أي: طريق حاجته؛ لأنه مسلم (فإنما أمرت) أنا؛ أي: إنما أمرني ربي (أن أقاتل الناس) وأجاهدهم (حتى يقولوا: لا إله إلا الله) وإني رسول الله (فإذا فعلوا) وقالوا (ذلك) أي: بالشهادتين .. (حرم علي) منع إراقة (دمائهم و) أخذ (أموالهم) إلا بحقهما؛ لأنهم معصومون مني نفسًا وأموالًا.
стр. 11084
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (فساره) أي: تكلم معه سرًّا (اذهبوا به) أي: بالسار معي، وكأنه تكلم بكلام علم منه ﷺ أنه ما دخل الإيمان في قلبه، فأراد قتله، ثم رجع إلى تركه حتى يتفكر في إسلامه؛ أي: في إظهار الإيمان ظاهرًا، وأن مدار العصمة عليه لا على الإيمان الباطني، وظاهر هذا التعريف يقتضي أنه قد يجتهد في الحكم الخبري فيخطئ في المناط، لكن لا يقرر عليه ولا يمضي الحكم بالنظر، بل يوقف للرجوع من ساعته إلى درك المناط والحكم به، ولا يخفى بعده، والأقرب أن يقال: إنه قد أذن له في العمل بالباطن، فأراد أن يعمل به، ثم ترجح عنده العمل بالظاهر؛ لكونه أعم وأشمل له ولأمته، فمال إليه وترك العمل بالباطن، وبعض الأحاديث يشهد لذلك، وعلى هذا؛ فقوله: "إنما أمرت" أي: وجوبًا، وإلا .. فالإذن له في القتل بالنظر له إلى الباطن كان ثابتًا، لكن هذا التقرير لا يناسبه قوله: "فإذا فعلوا .. حرم علي دماؤهم وأموالهم" فليتأمل.
وفي "الزوائد": إسناده صحيح، رجاله ثقات. انتهى من "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في "الصغرى"، باب في تحريم الدم، وأصله في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة وجابر وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وأحمد في "المسند".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 11085
(٨٦) - ٣٨٧٣ - (٤) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ السُّمَيْطِ بْنِ السَّمِير، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَتَى نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ
===
(٨٦) - ٣٨٧٣ - (٤) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل الحدثاني، صدوق، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن سليمان الأحول البصري، ثقة، من الرابعة، مات بعد أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن السُّمَيطِ) مصغرًا (ابن السمير) - مكبرًا - السدوسي أبي عبد الله البصري، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (م س ق).
(عن عمران بن الحصين) بن عبيد بن خلف الخزاعي أبي نجيد - مصغرًا - أسلم يوم خيبر، له ولأبيه صحبة، وكان فاضلًا وقضى بالكوفة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة اثنتين وخمسين (٥٢ هـ) بالبصرة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عمران: (أتا) ني (نافع بن الأزرق) - بتقديم الزاي على الراء - ولعله نافع بن عبد الحارث بن خالد بن عمير بن الحارث الخزاعي من قوم عمران، روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه: أبو الطفيل عامر بن واثلة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، قال ابن عبد البر: كان من كبار الصحابة وفضلائهم، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح، وأقام بمكة ولم يهاجر، قال: وأنكر الواقدي أن تكون له صحبة، وذكره ابن سعد في طبقةِ الفَتْحِيِّين، وذكره ابن حبان
стр. 11086
وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: هَلَكْتَ يَا عِمْرَانُ، قَالَ: مَا هَلَكْتُ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: مَا الَّذِي أَهْلَكَنِي؟ قَالُوا: قَالَ اللهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قَالَ: قَدْ قَاتَلْنَاهُمْ حَتَّى نَفَيْنَاهُمْ، فَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ؛ إِنْ شِئْتُمْ .. حَدَّثْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا:
===
والعسكري وجماعة في الصحابة. انتهى من "التهذيب"، والأزرق: لقب أبيه. انتهى. يروي عنه: (م د س ق).
أي: جاءني نافع بن الأزرق (وأصحابه) أي: جماعة من قومه وقبيلته الخزاعيون (فقالوا) لي: (هلكت يا عمران) بفعل المنكر في دينك (قال) لهم عمران: (ما هلكت) أي: أنا ما هلكت، فـ (ما) نافية، فهو ماض مسند إلى ضمير المتكلم (قالوا) أي: قال له قومه: (بلى) أي: ليس الأمر كما قلت من نفي الهلاك عن نفسك، بل أنت هلكت في دينك (قال) لهم عمران: (ما الذي أهلكني؟ ) فـ (ما) هنا استفهامية؛ أي: ما الأمر الذي أوقعني في الهلاك في ديني؟ (قالوا) أي: قال قومه له: (قال الله) في كتابه العزيز: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (١)؛ أي: وأنت قد تركت ذلك القتال المأمور به، فأنت أهلكت نفسك بترك المأمور به.
(قال) عمران: (قد قاتلناهم) أي: قاتلنا المشركين كلهم (حتى نفيناهم) وأبعدناهم إلى أطراف الأرض (فكان الدين) والعمل (كله لله) فليس الآن المشرك فينا إلا من عقدنا له عقد الذمة (إن شئتم) يا قوم إقامة الحجة على صحة ما قلت لكم .. (حدثتكم) جواب إن الشرطية؛ أي: سأحدث لكم (حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ، قالوا) أي: قال
стр. 11087
وَأَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَدْ بَعَثَ جَيْشًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ؛ فَلَمَّا لَقُوهُمْ .. قَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا فَمَنَحُوهُمْ أَكْتَافَهُمْ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ لُحْمَتِي عَلَيَّ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالرُّمْح، فَلَمَّا غَشِيَهُ .. قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ إِنِّي مُسْلِمٌ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكْتُ، قَالَ: "وَمَا الَّذِي
===
له قومه: (وأنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال) عمران: (نعم) سمعت ذلك الحديث من رسول الله ﷺ ؛ وذلك أني (شهدت) أي: حضرت (رسول الله ﷺ و) الحال أنه (قد بعث جيشًا من المسلمين إلي) قتال (المشركين؛ فلما لقوهم) أي: فلما لقي المسلمون المشركين .. (قاتلوهم) أي: قاتل المسلمون المشركين (قتالًا شديدًا فمنحوهم) أي: فمنح المشركون وأعطوا للمسلمين (أكتافهم) أي: ظهورهم جمع كتف؛ وهو كناية عن هربهم من المسلمين وغلبة المسلمين لهم.
قال السندي: هذا كناية عن التولي والإدبار أو عن المغلوبية؛ أي: مكنوهم من أكتافهم حتى يضربوا أكتافهم أو يركبوا عليها. انتهى.
(فحمل رجل) من المسلمين (من لحمتي) - بضم اللام وسكون الحاء المهملة - أي: من قرابتي؛ أي: وثب (على رجل من المشركين) ليقتله (بالرمح، فلما غشيه) أي: غشي المسلم المشرك .. (قال) المشرك: (أشهد أن لا إله إلا الله؛ إني مسلم) فلا تقتلني (فطعنه) أي: فطعن المسلم المشرك برمحه (فقتله) أي: فقتل المسلم المشرك (فأتى) الرجل المسلم (رسول الله ﷺ فقال) له: (يا رسول الله؛ هلكت) أي: أهلكت نفسي بارتكاب المعاصي، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (وما الذي
стр. 11088
صَنَعْتَ؟ "، مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْن، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللهِ ﷺ : "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ مَا فِي قَلْبِهِ؟ ! "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ شَقَقْتُ بَطْنَهُ .. لَكُنْتُ أَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِه، قَال: "فَلَا أَنْتَ قَبلْتَ مَا تَكَلَّمَ بِه، وَلَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ"، قَال: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ، فَدَفَنَّاهُ فَأَصْبَحَ
===
صنعت؟ ) أي: وما الذنب الذي ارتكبته فهلكت بسببه؛ أي: قال له رسول الله ﷺ ذلك السؤال (مرة أو مرتين، فأخبره) أي: فأخبر الرجل لرسول الله ﷺ (بالذي صنعـ) ـه من الذنب؛ يعني: قتل المشرك بعدما قال كلمة الشهادتين.
(فقال له رسول الله ﷺ : فلم قتلته بعدما أقر بالشهادتين؟ فقال الرجل القاتل لرسول الله ﷺ : إنما أقرهما تقيةً من القتل لا للإيمان، فقال له رسول الله ﷺ : (فهلا) حرف تحضيض؛ أي: إن كنت قتلته لشركه .. فهلا (شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه) أي: فهلا شققت بطنه عن قلبه فتعلم ما في قلبه من إيمان أوشرك؟ ! فـ (قال) الرجل القاتل: (يا رسول الله؛ لو شققت بطنه .. لكنت أعلم ما في قلبه) من شرك، ولكن لم أشق بطنه، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (فلا أنت قبلت ما تكلم به) من الشهادتين فتترك قتله (ولا أنت تعلم ما في قلبه) من إيمان أو شرك.
(قال) عمران بن حصين: (فسكت عنه) أي: عن ذلك الرجل القاتل (رسول الله ﷺ فلم يلبث) أي: فلم يمكث ذلك الرجل القاتل (إلا يسيرًا) من الزمن (حتى مات) أي: فمات (فدفناه فأصبح) أي:
стр. 11089
عَلَيَّ ظَهْرِ الْأَرْض، فَقَالُوا: لَعَلَّ عَدُوًّا نَبَشَهُ، فَدَفَنَّاهُ ثُمَّ أَمَزنَا غِلْمَانَنَا يَحْرُسُونَهُ، فَأَصْبَحَ عَلَيَّ ظَهْرِ الْأَرْض، فَقُلْنَا: لَعَلَّ الْغِلْمَانَ نَعَسُوا، فَدَفَنَّاهُ ثمَّ حَرَسْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا فَأَصْبَحَ عَلَيَّ ظَهْرِ الْأَرْض، فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ.
(٨٧) - ٣٨٧٤ - (٥) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الْأُبُلِّيُّ،
===
فكان في صباح الليلة التي دفناه فيها (على ظهر الأرض، فقالوا) أي: فقال الناس بعضهم لبعض: (لعل عدوًا) له (نبشه) أي: نبش قبره فرماه على ظهر الأرض؛ ليأكله السباع (فدفناه) مرة ثانية (ثم) بعدما دفناه .. (أمرنا غلماننا) أي: شبابنا (يحرسونه) أي: بأن يحرسوه (فأصبح) أي: صار مرة ثانية (على ظهر الأرض، فقلنا) أي: قال بعضنا لبعض: (لعل الغلمان نعسوا) عن حراسته فناموا، فنبشه عدوه فرماه على ظهر الأرض كالمرة الأولى (فدفناه) مرة ثالثة (ثم) بعد دفنه (حرسناه) نحن معاشر الكبار (بأنفسنا، فأصبح) في الليلة الرابعة (على ظهر الأرض) ولم نر من نبش قبره (فألقيناه في بعض تلك الشعاب) القريبة إلى تلك المقبرة؛ والشعاب جمع شعب - بكسر الشين المعجمة فيهما -: وهي الطرق التي كانت بين الجبال.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٧) - ٣٨٧٤ - (٥) (حدثنا إسماعيل بن حفص) بن عمر بن دينار (الأُبُلِّيُّ) - بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المكسورة - أبو بكر الأودي،
стр. 11090
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ السُّمَيْط، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيَّ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيهِ: فَنَبَذَتْهُ
===
صدوق، من العاشرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة نيف وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن سليمان الأحول البصري، ثقة، من الرابعة، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن السميط) - مصغرًا - ابن السمير - مكبرًا - السدوسي البصري، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (م س ق).
(عن عمران بن الحصين) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، غرضه: بيان متابعة حفص بن غياث لعلي بن مسهر في رواية هذا الحديث عن عاصم الأحول.
(قال) عمران: (بعثنا رسول الله ﷺ في سرية) أي: مع قطعة جيش، ولم أر من عَيَّن تلك السريةَ (فحمل) أي: وثب (رجل من المسلمين) لم أر من ذكر اسمه (على رجل من المشركين ... فذكر) حفص بن غياث (الحديث) السابق؛ يعني: حديث علي بن مسهر (و) لكن (زاد) حفص بن غياث (فيه) أي: في الحديث السابق لفظة (فنبذته) أي فنبذت
стр. 11091
الْأَرْضُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلكِنَّ اللهَ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَكُمْ تَعْظِيمَ حُرْمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ".
===
ذلك القاتل ورمته (الأرض) من باطنها إلى ظاهرها (فأخبر النبي ﷺ رمي الأرض للميت إلى ظاهرها (وقال) النبي ﷺ : (إن الأرض لتقبل) من الأموات (من هو شر) وأخبث وأعتى (منه) أي: من هذا الميت الذي رمته الآن (ولكن الله أحب أن يريكم تعظيم حرمة) وعظمة كلمة (لا إله إلا الله) حيث قتل هذا الميت قائل هذه الكلمة المشرفة ظانًا أنه مشرك.
وحكم هذه المتابعة هو حكم أصلها؛ فهي صحيحة.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: خمسة:
الأول منها للاستدلال، والخامس للمتابعة، والبواقي للاستشهاد.
وكلها صحيحة.
والله أعلم
стр. 11092
(٣١) - (١٤٤٢) - بَابُ حُرْمَةِ دَمِ الْمُؤْمِنِ وَمَالِهِ
(٨٨) - ٣٨٧٥ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا إِنَّ أَحْرَمَ الْأَيَّامِ
===
(٣١) - (١٤٤٢) - (باب حرمة دم المؤمن وماله)
(٨٨) - ٣٨٧٥ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق خطيب مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - أخو إسرائيل الكوفي، نزل الشام مرابطًا، مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: ألا) أي: انتبهوا من غفلتكم واستمعوا ما أقول لكم: (إن أحرم الأيام)
стр. 11093
يَوْمُكُمْ هَذَا، وَإنَّ أَحْرَمَ الشُّهُورِ شَهْرُكُمْ هَذَا، أَلَا وَإنَّ أَحْرَمَ ألْبَلَدِ بَلَدُكُمْ هَذَا، أَلَا وَإنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ أشْهَدْ".
===
أي: إن أشد الأيام وأكثرها حرمةً وتعظيمًا عند الله (يومكم هذا) أي: يوم عرفة الذي كنتم فيه الآن، ألا (وإن أحرم الشهور) أي: أشدها حرمةً عند الله تعالى وأعظمها تعظيمًا عنده (شهركم هذا) الذي كنتم فيه الآن؛ يعني: شهر ذي الحجة (ألا وإن أحرم البلد) أي: أشدها حرمةً عند الله تعالى (بلدكم هذا) الذي اجتمعتم فيه الآن؛ يعني: مكة.
(ألا) أي: انتبهوا من غفلتكم واستمعوا ما أقول لكم (وإن دماءكم) أيها المؤمنون؛ أي: وإن إراقة بعضكم ظلمًا دماء بعض آخر قتلًا أو جرحًا (و) إن (أموالكم) أي: وإن أخذ بعضكم ظلمًا أموال بعض آخر (عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا) يعني: يوم عرفة (في شهركم هذا) يعني: ذا الحجة (في بلدكم هذا) يعني: مكة (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم، واشهدوا لي تبليغي إليكم أوامر الله ونواهيه (هل بلغت) إليكم جميع ما ذكر؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده ﷺ جميعًا: (نعم) بلغت إلينا يا رسول الله، جزاك الله عنا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته.
ثم (قال) رسول الله ﷺ : (اللهم؛ اشهد) لي عليهم شهادتهم لي بالتبليغ إليهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وله شاهد من حديث عمرو بن الأحوص رواه الترمذي في "الجامع" وصححه.
стр. 11094
(٨٩) - ٣٨٧٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ أَبِي ضَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ النَّصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي سعيد الخدري بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال
(٨٩) - ٣٨٧٦ - (٢) (حدثنا أبو القاسم ابن أبي ضمرة نصر بن محمد بن سليمان الحمصي) وقد ينسب لجد أبيه، ضعيف، من العاشرة. يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثنا أبي) محمد بن سليمان بن أبي ضمرة القَاصُّ، أبو ضمرة النصري الحمصي، مقبول، من السابعة. يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هو الذي يقال له: محمد بن أبي جميلة، روى له ابن ماجه حديث ابن عمر في الطواف.
(حدثنا عبد الله بن أبي قيس النصري) الحمصي. روى عن: مولاه وابن عمر، ويروي عنه: أبو ضمرة محمد بن سليمان الحمصي، وقال العجلي والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، من الثانية، ويروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا القاسم بن أبي ضمرة، وهو مختلف فيه، وكذا أبوه محمد بن سليمان مختلف فيه.
стр. 11095
قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: "مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ! مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه؛ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ حُرْمَةً مِنْكِ؛ مَالِهِ وَدَمِه، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَا خيْرًا".
===
(قال) ابن عمر: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة، ويقول) في طوافه مخاطبًا لها: (ما أطيبك) - بكسر الكاف - خطابًا لها؛ أي: ما أطيب وأحسن ذاتك؛ حيث كنت معبدًا للناس (و) ما (أطيب ريحك! ) أي: رائحتك؛ لأنك تطيبين كل يوم بل كل وقت و (ما أعظمك) أي: أعظم قدرك حيث كنت معبدًا للناس (و) ما (أعظم حرمتك! ) حيث يطاف بك ليلًا ونهارًا، أو بعدم مرور الطير عليك (و) أقسم لك بالإله (الذي نفس محمد) وروحه (بيده) المقدسة (لحرمة المؤمن أعظم) وأرفع (عند الله حرمةً) وقدرًا (منك) أي: من حرمتك وقدرك؛ فإن حرمة البيت إنما هي للمؤمنين من حيث كونها متعبدًا لهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وقوله: ولحرمة (ماله) أي: مال المؤمن (و) حرمة (دمه) أي: دم المؤمن (و) حرمة (أن نظن به) أي: بالمؤمن (إلا خيرًا) أي: غير خير؛ وهو سوء الظن .. أعظم عند الله حرمةً من حرمتك.
أي: قوله: "ماله ودمه وأن نظن به" مجرورة على أن الأول بدل من المؤمن في قوله: "لحرمة المؤمن" والأخيرين معطوف عليه؛ أي: حرمة ماله وحرمة دمه وحرمة أن نظن به ما عدا الخير؛ أي: وحرمة هذه الثلاثة أشد من انتهاك حرمتك.
стр. 11096
(٩٠) - ٣٨٧٧ - (٣) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ وَيُونُسُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعًا، عَنْ دَاوُودَ بْنِ قَيْسٍ،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٠) - ٣٨٧٧ - (٣) (حدثنا بكر بن عبد الوهاب) بن محمد بن الوليد بن نجيح المدني ابن أخت الواقدي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة بضع وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نافع) بن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم أبو محمد المدني. روى عن: داوود بن قيس الفراء، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، من كبار العاشرة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(ويونس بن يحيى) بن نباتة الأموي، أبو نباتة المدني. روى عن: داوود بن قيس الفراء، ويروي عنه: بكر بن عبد الوهاب، قال أبو زرعة: كان صدوقًا، وقال أبو حاتم: شيخ من أهل المدينة فاضل، صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
كلاهما (جميعًا) رويا (عن داوود بن قيس) الفراء الدباغ أبي سليمان القرشي مولاهم المدني، ثقة فاضل، من الخامسة، مات في خلافة أبي جعفر. يروي عنه: (م عم).
стр. 11097
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ".
(٩١) - ٣٨٧٨ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصرِيُّ،
===
(عن أبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز) - مصغرًا - الخزاعي. روى عن: أبي هريرة، والحسن البصري، ويروي عنه: داوود بن قيس الفراء، وقال في "التقريب": مقبول، من الرابعة، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (م س ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة.
(أن رسول الله ﷺ قال: كل المسلم) أي: كُلُّ ما لَهُ من متعلِّقاته (على المسلم حرام) بسبب أخوة الدين.
وقوله: (دمه) أي: إراقة دمه (وماله) أي: أخذ ماله (وعرضه) أي: طعن عرضه؛ أي: كل ما ذكر حرام على أخيه المسلم؛ تفصيل لقوله: "كل المسلم ... " كما أشرنا إليه في الحل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذلانه واحتقاره ودمه وماله.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي سعيد بحديث فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩١) - ٣٨٧٨ - (٤) (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري)
стр. 11098
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْجَنْبِيِّ أَنَّ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَيَّ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ
===
أبو الطاهر الأموي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه (م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هاني) الخولاني حميد بن هانئ المصري، لا بأس به، من الخامسة، وهو أكبر شيخ لابن وهب، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (١٤٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن مالك) الهمداني أبي علي (الجَنْبِي) - بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة - مصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ)، ويقال: سنة اثنتين ومئة. يروي عنه: (عم).
(أن فضالة بن عبيد) بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي رضي الله تعالى عنه، أول ما شهد أحد، ثم نزل دمشق وولي قضاءها، ومات سنة ثمان وخمسين (٥٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(حدثه) أي: حدث لعمرو بن مالك (أن النبي ﷺ قال: المؤمن) الكامل في إيمانه (من أمنه الناس) فالإيمان والأمانة والأمن أخوان، بحيث كان لا وجود للإيمان بدون الأمانة أو الأمن، فمن كان أمينًا بحيث يأمنه الناس (على أموالهم وأنفسهم) ولا يخاف منه على مال أحد ولا على نفسه .. فذلك الحقيق بأن يسمى مؤمنًا (والمهاجر) الكامل هو (من هجر) واجتنب
стр. 11099
الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ".
===
(الخطايا والذنوب) فالمقصود من الهجرة: القرب إلى الله تعالى، ولا يتم ذلك بدون ترك الخطايا؛ فالمهاجر الحقيقي الواصل لمطلوب الهجرة: من ترك الخطايا والذنوب. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله سبحانة وتعالي أعلم
стр. 11100
(٣٢) - (١٤٤٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ النُّهْبَةِ
(٩٢) - ٣٨٧٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ انْتَهَبَ
===
(٣٢) - (١٤٤٣) - (باب النهي عن النهبة)
(٩٢) - ٣٨٧٩ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، لقبه بندار، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، أو بعدها، وقد جاوز السبعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : من انتهب) وأَخَذَ