← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

(٨) - ٣٩١٨ - (٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ حَسَّانَ الْمَخْزُومِيَّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ صَالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ === (٨) - ٣٩١٨ - (٨) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس) - بخاء معجمة ثم نون مصغرًا - المخزومي مولاهم (المكي) مقبول، وكان من العباد، من التاسعة، تأخر إلى بعد العشرين ومئتين. يروي عنه: (ت ق). (قال: سمعت سعيد بن حسان المخزومي) المكي قاص أهل مكة، صدوق له أوهام، من السادسة. يروي عنه: (م ت س ق). (قال: حدثتني أم صالح) بنت صالح، روت عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة حديث وهو هذا الحديث: (كلام ابن آدم عليه لا له ... ) الحديث. روى عنها: سعيد بن حسان المخزومي، لا يعرف حالها، مستورة، من السابعة. يروي عنها: (ت ق). (عن صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة ابن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدرية، لها رؤية، وقال الدارقطني: لا تصح لها رؤية، وفي "البخاري" التصريح بسماعها عن النبي ﷺ . يروي عنها: (ع). روت عن: النبي ﷺ ، وعن أم ولد لشيبة بن عثمان، وأم عثمان بن أبي سفيان بن حرب، وعائشة، وأم حبيبة، وأم سلمة أمهات المؤمنين، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وحبيبة بنت أبي تجراة، وغيرهم، وذكرها ابن حبان في ثقات التابعين. (عن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب، من أمهات المؤمنين

стр. 11237

زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كَلَامُ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ؛ إِلَّا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَذِكْرَ اللهِ ". === رضي الله تعالى عنها (زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ . وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة أو الحسن، قال المنذري في "الترغيب": رواته ثقات، وفي محمد بن يزيد بن خنيس كلام قريب لا يقدح، وهو شيخ صالح. انتهى، أو لأن فيه محمد بن يزيد بن خنيس، وهو مختلف فيه. (قال) النبي ﷺ : (كلام ابن آدم عليه) أي: ضرره ووباله عليه لا على غيره، وقيل: معناه: يكتب عليه (لا له) أي: ليس له نفع فيه، أو لا يكتب له، ذكره تأكيدًا لما قبله. (إلا الأمر بالمعروف) مما فيه نفع الغير من الأوامر الشرعية (والنهي عن المنكر) مما فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية (و) إلا (ذكر الله بالنصب معطوف على (الأمر بالمعروف) أي: أو إلا ما فيه رضا الله تعالى من الأذكار الإلهية. قال القاري: وظاهر الحديث أنه لا يظهر في الكلام نوع يباح للأنام، اللهم؛ إلا أن يحمل على المبالغة، والتأكيد في الزجر عن القول الذي ليس بسديد. وقد يقال: إن قوله: (لا له) تفسير لقوله: (عليه) ولا شك أن المباح ليس له نفع في العقبى. أو يقال: التقدير: كل كلام ابن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه إلا هذه المذكورات الثلاث وأمثالها، فيوافق بقية الأحاديث المذكورة في هذا الباب.

стр. 11238

(٩) - ٣٩١٩ - (٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا خَالِي يَعْلَى، === وهذا الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١)، وبه يرتفع اضطراب الشراح في أمر المباح. انتهى كلام القاري، انتهى من "تحفة الأحوذي". قال السندي: قوله: (عليه) أي: وباله عليه ولو كان مباحًا؛ فإن أقله تطويل الحساب، وقد يجر إلى المكروه، أو المحرم، فيصير سببًا للعذاب، أو يورث الغفلة عن الذكر، فيكون وسيلة إلى نقص الثواب. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في حفظ اللسان من حديث أم حبيبة: (كلام ابن آدم عليه لا له)، والحاكم، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن خنيس. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، أو حسن؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث بلال بن الحارث. * * * ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث بلال بن الحارث بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٩) - ٣٩١٩ - (٩) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). قال (حدثنا خالي يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي أبو يوسف الطنافسي،

стр. 11239

عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَدْخُلُ عَلَى أُمَرَائِنَا فَنَقُولُ الْقَوْلَ، فَإِذَا خَرَجْنَا .. قُلْنَا غَيْرَهُ، قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ النِّفَاقَ. === ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومئتين (٢٠٣ هـ) وله تسعون سنة. يروي عنه: (ع). (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة فقيه إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات دون المئة سنة ست وتسعين (٩٦ هـ)، وهو ابن خمسين أو نحوها. يروي عنه: (ع). (عن أبي الشعثاء) سليم - مصغرًا - ابن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، ثقة باتفاق، من كبار الثالثة، مات في زمن الحجاج دون المئة سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع). (قال) أبو الشعثاء: (قيل لـ) ـعَبْدِ اللهِ (بن عُمر) رضي الله تعالى عنهما، ولم أر من ذكر اسم هذا القائل. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. أي: قيل له: (إنا ندخل على أمرائنا) وأئمتنا (فنقول) في تحدثنا معهم (القول) الذي يوافق هواهم، ولو كان غير صواب؛ مخافةً منهم (فإذا خرجنا) من عندهم .. (قلنا) في الحديث فيما بيننا (غيره) أي: غير ما نتحدث معهم مما لا يوافق هواهم (قال) ابن عمر في جواب السائل: (كنا) معاشر الصحابة (نعد ذلك) أي: مخالفة حديثنا فيما بيننا لحديثنا معهم؛ أي: نعد ذلك (على عهد رسول الله ﷺ النفاق) أي: من أخلاق أهل النفاق الذين

стр. 11240

(١٠) - ٣٩٢٠ - (١٠) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَيْوَئِيلَ، === يقولون عند المؤمنين: آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم .. قالوا: إنا مستهزئون بهم، والله أعلم. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث بلال بن الحارث. * * * ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث بلال بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٠) - ٣٩٢٠ - (١٠) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصيرالسلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم). (حدثنا محمد بن شعيب بن شابور) - بالمعجمة والموحدة - الأموي مولاهم الدمشقي نزيل بيروت، صدوق صحيح الكتاب، من كبار التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (عم). (حدثنا) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو (الأوزاعي) الدمشقي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع). (عن قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل) - بمهملة مفتوحة ثم تحتانية - على وزن جبرئيل المعافري - بفتحتين ثم فاء مكسورة - نسبة إلى معافر بن يعفر، كذا في "المغني" المصري، يقال: اسم قرة: يحيى، صدوق له مناكير، من السابعة، مات سنة سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ). يروي عنه: (م عم)، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا جدًّا وأرجو أنه لا بأس به، ورَوَى له مسلمٌ مقرونًا

стр. 11241

عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ". === بغيره، وله عند (س) حديث رواه أبو هريرة (إذا أمن القارئ)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي أيضًا: روى الأوزاعي عن قرة عن الزهري بضعة عشر حديثًا، وبالجملة: فهو مختلف فيه. (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب المدني الأصبحي، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه قرة بن عبد الرحمن، فهو مختلف فيه. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من حسن إسلام المرء) وكذا المرأة (تركه ما لا يعنيه) أي: ما لا يهمه، ولا يعتني به، ولا ينفعه عاجلًا وآجلًا. قال السندي: أي: من جملة محاسن إسلام الشخص وكمال إيمانه (تركه ما لا يعنيه) مِنْ عنَاهُ؛ إذا قصده، وأحد الضميرين للموصول، والثاني للمرء؛ فإن الشيء الذي لا فائدة فيه غير قاصد للشخص، ولا متوجه إليه، ولا متعلق به؛ كما أن الشخص غير قاصد له، ويصح كلا المعنيين، فليتأمل، والله أعلم. انتهى منه. قال ابن رجب الحنبلي في كتاب "جامع العلوم والحكم" في شرح هذا

стр. 11242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الحديث ما لفظه: معنى هذا الحديث: أن مِن حُسْنِ إسلامه .. تَرْكه ما لا يعنيه من قول وفعل، واقتصارَه على ما يعنيه من الأقوال والأفعال؛ ومعنى يعنيه: أنه يتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه، والعناية: شدة الاهتمام، يقال: عناه يعنيه، إذا اهتم به وطلبه. وإذا حسن الإسلام .. اقتضى ترك ما لا يعني كله؛ من المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات، التي لا يحتاج إليها؛ فإن هذا كله لا يعنيه المسلم إذا كمل إسلامه. انتهى مختصرًا. قال القاري: في معنى: (تركه ما لا يعنيه) أي: ما لا يهمه ولا يليق به قولًا وفعلًا، ونظرًا وفكرًا، قال: وحقيقة (ما لا يعنيه): ما لا يحتاج إليه في ضرورة دينه ودنياه، ولا ينفعه في مرضاة مولاه؛ بأن يكون عيشه بدونه ممكنًا، وهو في استقامة حاله بغيره متمكنًا؛ وذلك يشمل الأفعال الزائدة، والأقوال الفاضلة. قال الغزالي: وحد (ما لا يعنيك): أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه .. لم تأثم ولم تتضرر في حال ولا مآل. ومثاله: أن تجلس مع قومٍ، فتحكي معهم أسفارك، وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشائخ البلاد ووقائعهم، فهذه أمور لو سكت عنها .. لم تأثم ولم تتضرر. وإذا بالغت في الاجتهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة، ولا اغتياب لشخص، ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى .. فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك، ومحاسب على عمل لسانك، إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأنك لو صرفت

стр. 11243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === زمان الكلام في الذكر والفكر .. ربما ينفتح لك من نفحات رحمة الله تعالى ما يعظم جدواه، ولو سبحت الله .. بني لك بها قصر في الجنة، وهذا على فرض السلامة من الوقوع في كلام المعصية، وألا تسلم من الآفات التي ذكرناها. انتهى من "تحفة الأحوذي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب رقم (٩)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وحسنه النووي؛ لأن رجال إسناده ثقات، وقرة بن عبد الرحمن وثقه قوم، وضعفه آخرون. قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث بلال بن الحارث. * * * وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: عشرة أحاديث: الأول والثاني للاستئناس، والثالث للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11244

(٢) - (١٤٥٣) - بَابُ الْعُزْلَةِ (١١) - ٣٩٢١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ مَعَايِشِ النَّاسِ لَهُمْ === (٢) - (١٤٥٣) - (باب العزلة) (١١) - ٣٩٢١ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي - بجيمين مفتوحتين بينهما راء ساكنة ثم راء مفتوحة ثم همزة مكسورة - نسبة إلى جرجراء؛ اسم بلدة على الفرات، أبو جعفر التاجر الأموي مولاهم؛ مولى عمر بن عبد العزيز، صدوق، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق). (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع). (أخبرني أبي) سلمة بن دينار المدني الأعرج التمار القاصّ، مولى الأسود بن سفيان الأموي، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع). (عن بعجة بن عبد الله بن بدر الجهني) ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة. يروي عنه: (خ م ت س ق). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (أن النبي ﷺ قال: خير معايش الناس لهم) وفي رواية مسلم: (من خير) بزيادة (من) الجارة؛ أي: أفضل الناس وخيرهم معيشةً

стр. 11245

رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ الله، وَيَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً .. طَارَ عَلَيْهِ إِلَيْهَا؛ يَبْتَغِي الْمَوْتَ أَوِ الْقَتْلَ مَظَانَّهُ، === لهم؛ أي: بالنظر إلى ما يعيشون به (رجل ممسك) أي: ملازم (بعنان) - بكسر العين - أي: بلجام (فرسه) حالة كونه مجاهدًا (في سبيل الله) أي: في طاعته لإعلاء كلمته تعالى (و) حالة كونه (يطير) أي: يسارع راكبًا (على متنه) وظهره (كلما سمع) اسم شرط غير جازم، متعلق بجوابه الآتي؛ أي: أي وقت سمع (هيعةً) أي: صوت عدو (أو) قال: كلما سمع (فزعةً) أي: خصلة، والشك من الراوي؛ أي: أي وقتٍ سمع خصلةً مفزعةً؛ أي: مؤثرةً الفزع والخوف في القلب؛ كصوت البنادق والمسدسات .. (طار) جواب كلما؛ أي: أي وقت سمع ذلك .. طار وأسرع راكبًا (عليه) أي: على فرسه (إليها) أي: إلى محل تلك الهيعة أو الفزعة حالة كونه (يبتغي الموت) أي: يطلب الموت في سبيله (أو) قال: يبتغي (القتل) والشك من الراوي؛ أي: أو يبتغي القتل؛ أي: قتل العدو له في (مظانه) أي: في المحال التي يظن ويعلم قتل العدو له فيها؛ وهي معارك العدو والكفار. قوله: (باب العزلة) - بضم العين وسكون الزاي -: هي الانفراد عن الناس في موضع خالٍ عنهم. واختلف العلماء هل هي أفضل من الاختلاط، أو الاختلاط أفضل منها؟ فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل منها؛ بشرط رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف منهم أن الاعتزال أفضل. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص.

стр. 11246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقد كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين، فيحصلون منافع الاختلاط؛ كشهود الجمعة والجماعة والجنائز وعيادة المرضى وحلق الذكر، وغير ذلك. انتهى "نووي". قوله: "خير معايش الناس لهم" والمعايش - جمع معاش - والمعاش: هو ما يعيشون به من المكاسب والحرف. والمعنى: خير الناس وأفضلهم بالنظر إلى ما كان مكسبًا ومعيشةً لهم .. رجل ممسك عنان فرسه - بكسر العين - وهو الحديد الذي يجعل في فم الفرس عند الركوب، ويسمى باللجام. أما بفتحها .. فهو ما ظهر في السماء من السحاب؛ أي: رجل ملازم لعنان فرسه، كثير الركوب عليه للحرب والجهاد. وليس المراد: الدوام على ظهر الفرس؛ إذ لا بد من النزول. انتهى "سندي". والمراد بقوله: "ممسك بعنان فرسه" أي: متأهب ومنتظر وواقف بنفسه على الجهاد في سبيل الله تعالى وطاعته. قوله: "ويطير على متنه" أي: يسرع جدًّا على ظهره حتى كأنه يطير طيران الطير. "كلما سمع هيعةً أو فزعةً" والهيعة: الصوت تفزع منه وتخافه من عدو؛ والفزعة - المرة من فزع - إذا خاف، أو نهض للإغاثة وملاقاة العدو؛ والمعنى: أن يجري فرسه بسرعة مبادِرًا به إلى لقاء العدو. والمعنى: أي وقت سمع صوت العدو، أو رأى النهضة إلى لقاء العدو .. (طار عليه) أي: أسرع كالطير حالة كونه راكبًا عليه (إليها) أي: إلى تلك الهيعة أو الفزعة، وفي "النهاية": الهيعة الصوت الذي تفزع منه وتخافه من

стр. 11247

وَرَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَافِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَة، يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ". === عدو، حالة كون ذلك الرجل (يبتغي الموت) بلا سبب (أو) قال: يبتغي (القتل) أي: بيد العدو في (مظانه) أي: في الأماكن التي يظن فيه القتل؛ وهي معركة العدو. وفي "النهاية": المظان - جمع مظنة، بالكسر - وهو موضع الشيء ومحله، مفعلة من الظن؛ بمعنى: العلم. قال النووي: معنى: "يبتغي القتل والموت مظانه" أي: يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها؛ لشدة رغبته في الشهادة، وفي هذا الحديث: فضيلة الجهاد والحرص على الشهادة. انتهى منه. قوله: (ورجل) معطوف على (رجل) الأول؛ أي: وأفضلهم أيضًا مكسبًا ومعيشةً رجل نازل (في غنيمة) قليلة، تصغير غنم، كائنةٍ تلك الغنيمة (في رأس شعفة) - بفتحات - أي: في رأس جبل وأعلاه، كائنة تلك الشعفة (من هذه الشعاف) التي بين أيدينا (أو) كائنة تلك الغنيمة في (بطن واد) كائن (من هذه الأودية) التي نراها حالة كون ذلك الرجل (يقيم) ويؤدي (الصلاة) المفروضة في وقتها (ويؤتي الزكاة) أي: زكاة تلك الغنيمة (ويعبد ربه) بأنواع العبادات؛ من ذكر العام بعد الخاص (حتى يأتيه) ويأخذه (اليقين) الموت، حالة كونه (ليس من الناس إلا في خير) وعافية وسلامة؛ لا يؤذيهم ولا يُؤْذَى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط.

стр. 11248

(١٢) - ٣٩٢٢ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، === ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٢) - ٣٩٢٢ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم). (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي، ثقة رمي بالقدر، من الثامنة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا الزبيدي) - بالزاي والباء الموحدة مصغرًا - محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، من السابعة، مات سنة ست أو سبع أو تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). (حدثني الزهري) محمد ابن شهاب المدني، ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس أو سبع ومئة (١٠٧ هـ)، وقد جاوز الثمانين. يروي عنه: (ع).

стр. 11249

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "رَجُلٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ امْرُؤٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ === (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. قال أبو سعيد: (أن رجلًا) من المسلمين، ولم أر من ذكر اسمه (أتى) أي: جاء (النبي ﷺ فقال) له: يا رسول الله (أي) أفراد (الناس أفضل) أي: أكثر أجرًا عند الله تعالى وأرفع منزلةً عنده تعالى؟ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال الرجل: ذلك الأفضل (رجل مجاهد) أي: مقاتل (في سبيل الله) وطاعته لإعلاء كلمته تعالى، لا لعصبية ولا لوطنية (بنفسه) أي: ببذل نفسه وروحه في طاعة الله (و) صرف (ماله) في مؤن الجهاد وأهبته. قال القاضي: هذا عام مخصوص؛ تقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا .. فالعلماء أفضل، وكذا الصديقون؛ كما جاءت به الأحاديث. (قال) الرجل السائل: (ثم) بعد هذا الذي ذكرته لنا (من) هو أفضل الناس؟ (قال) رسول الله ﷺ : (ثم) بعد ذلك الذي ذكرته لكم: أفضلهم (امرؤ) أي: شخص منفرد معتزل عن الناس (في شعب) بكسر الشين وسكون المهملة (من الشعاب) - بكسرها أيضًا - أي: في واد من الأودية؛ يريد: العزلة من الناس؛ والشعب: الطريق مطلقًا، أو الطريق في الجبل، أو ما انفرج بين الجبلين والناحية، قال النووي: وليس المراد: الانفراد والانعزال، وذكر (الشعب) مثالًا لا للتخصيص؛ لأنه خالي عن الناس غالبًا. انتهى منه.

стр. 11250

يَعْبُدُ اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ". (١٣) - ٣٩٢٣ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، === حالة كونه (يعبد الله بأنواع مختلفة من العبادات (ويدع) أي: يترك (الناس) أي: الخلق (من) إيصال (شره) وضرره إليهم نفسًا ومالًا. وفي هذا إشارة إلى أن صاحب العزلة ينبغي له أن ينظر في العزلة إلى ترك الناس عن شره، لا إلى خلاصه من شرهم؛ ففي الأول تحقير النفس، وفي الثاني تحقيرهم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب أفضل الناس مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط، وأبو داوود في كتاب الجهاد، باب في ثواب الجهاد، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء أي الناس أفضل، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، والنسائي في كتاب الجهاد، باب فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة. * * * ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٣) - ٣٩٢٣ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه

стр. 11251

حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله، حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكُونُ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا .. قَذَفُوهُ فِيهَا"، === كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأزدي أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثني بسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة حافظ، من الرابعة. يروي عنه: (ع). (حدثني أبو إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ). يروي عنه: (ع). (أنه) أي: أن أبا إدريس (سمع حذيفة بن اليمان) الصحابي المشهور، صاحب سر رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. حالة كون حذيفة (يقول): (قال رسول الله ﷺ : سـ (يكون) قوم (دعاة) للناس - جمع داع؛ كقضاة جمع قاض - واقفون (على أبواب جهنم) يدعون الناس إليها (من أجاب) دعاء (هم إليها) أي: إلى جهنم .. (قذفوه) أي: رموه (فيها) أي: في جهنم؛ يعني بذلك: أن من وافقهم على آرائهم، واتبعهم على أهوائهم .. كانوا قائديه إلى نار جهنم؛ أي: هم دعاة إلى الشر والفساد المؤدي بصاحبه إلى دخول جهنم.

стр. 11252

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: "هُمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: === والكلام تمثيل لتسويلهم وتزيينهم للناس الأعمال التي تستوجب العذاب، فكأنهم إذ يدعونهم إلى تلك الأعمال .. وقوف على أبواب جهنم يدعونهم إلى الدخول فيها، قال النووي: قال العلماء: هم من كان من الأمراء يدعون إلى بدعة أو ضلال آخر؛ كالخوارج والقرامطة وأصحاب الفتن. وفي حديث حذيفة: الأمر بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم ووجوب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله ﷺ ؛ وهي هذه الأمور التي أخبر عنها، وقد وقعت كلها؛ كما قال. انتهى منه. قال حذيفة: (قلت: يا رسول الله؛ صفهم لنا) أي: اذكر لنا أوصاف أولئك الدعاة؛ لنتجنب عنهم إذا ظهروا (قال) رسول الله ﷺ : نعم، أصفهم لكم، فأقول لكم: (هم) أي: أولنك الدعاة (قوم من جلدتنا) أي: من أبناء جنسنا والجلدة - بكسر الجيم وسكون اللام - وجلدة الشيء: ظاهره؛ وهي في الأصل: غشاء البدن. قال في "النهاية": أي: من أنفسنا وعشيرتنا، وقيل: معناه: من أهل ملتنا، وقيل: من أبناء جنسنا. و(يتكلمون بألسنتنا) أي: بلغتنا اللغة العربية، وقيل معناه: يتكلمون بلسان الشريعة، وبما قال الله ورسوله، وليس في قلوبهم شيء من الخير؛ يعني: أنهم ينتمون إلى نسبه ﷺ ؛ فإنهم من قريش، ويتكلمون بكلام العرب، وكذلك كانت أحوال بني أمية. انتهى من "المفهم". قال حذيفة: (قلت): يا رسول الله (فما) ذا (تأمرني) وتقول لي (إن أدركني ذلك) الزمن الذي فيه أولئك الدعاة؛ (قال) رسول الله صلى الله عليه

стр. 11253

"فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإمَامَهُمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ .. فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ كَذَلِكَ". === وسلم: إن أدركك ذلك الزمن .. (فالزم جماعة المسلمين وإمامهم) يعني: متى اجتمع المسلمون على إمام .. فلا يخرج عليه وإن جار (فإن لم يكن لهم جماعة) متفقة (ولا إمام) بايعوه على السمع والطاعة .. (فاعتزل تلك الفرق) المتفرقة (كلها) وابتعد عنهم ولا تختلط بهم؛ لئلا تغرقك أمواج الفتن (ولو) حصل لك الاعتزال بي (أن تعض بأصل شجرة) وساقها (حتى يدركك) ويأتيك (الموت وأنت) أي: والحال أنك (كذلك) أي: على ذلك العض؛ أي: عض أصل الشجرة. قوله: "فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام" هذه إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند موت معاوية بن يزيد بن معاوية؛ فإنه توفي لخمس بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين، ولم يعهد لأحد، وبقي الناس بعده بقية ربيع الأول وجمادين وأيامًا من رجب من السنة المذكورة لا إمام لهم حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير، وفي الشام لمروان بن الحكم. قوله: "فاعتزل تلك الفرق كلها" هذا أمر بالاعتزال عند الفتن؛ وهو على جهة الوجوب؛ لأنه لا يسلم الدين إلا بذلك. وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء إلى من لم تتم إمامته من الفرق المختلفة، فلو بايع أهل الحل والعقد لواحد موصوف بشروط الإمامة .. لانعقدت له الخلافة، وحرمت على كل أحد مخالفته، فلو اختلف أهل الحل والعقد لإمامين؛ كما اتفق لابن الزبير ومروان .. لكان الأول هو الأرجح. انتهى من "المفهم".

стр. 11254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قوله: "ولو بأن تعض على أصل شجرة" قال البيضاوي: المعنى: إذا لم يكن في الأرض خليفة .. فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان. وعض أصل الشجرة .. كناية عن مكابدة المشقة. أفاده ابن حجر؛ كقولهم: فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد: اللزوم؛ كقوله في الحديث: "عضوا عليها بالنواجذ". وقال بعضهم: والذي يظهر من معنى هذا الحديث أن المعتزل إذا لم يجد شيئًا يأكله بسبب عزلته، حتى اضطر إلى أكل أصول الأشجار .. فليفعله، ولا يمنعه ذلك عن الاعتزال. أي: ولو أمكن لك الاعتزال بأكل قشور أصول الأشجار وسوقها؛ لفقدك الطعام لأجل الاعتزال عن الناس (حتى يدركك) ويلحقك (الموت) ويأتيك (وأنت كذلك) أي: والحال أنك على ذلك العض. انتهى منه. قال السندي: والمعنى: أن اعتزل الناس، واصبر على المكاره والمشاق، واخرج منهم إلى البوادي، وكل ما فيها من أصول الشجر، واكتف بها. انتهى منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، وفي كتاب الفتن، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة، والله أعلم. * * * ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 11255

(١٤) - ٣٩٢٤ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ أَبِيهِ === (١٤) - ٣٩٢٤ - (٤) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع). (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن عبد الرحمن) بن أبي صعصعة (الأنصاري) المازني المدني، وذكر المزي أن في اسمه يقع قلب، والصواب أنه: "عبد الرحمن بن عبد الله". ثقة، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (خ د س ق). (عن أبيه) عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، ثقة، من الثالثة، واسم أبي صعصعة: عمرو بن يزيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري الخزرجي المازني، ذكره ابن شاهين وابن منده وغيرهما في الصحابة، وأخرجوا من طريق عبد الله بن المثنى: حدثني قيس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن جده وكان بدريًا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم؛ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، ولكتائب الأنصار"، قال ابن منده: حديث غريب. يروي عنه: (خ د س ق).

стр. 11256

أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَال، أَوْ مَوَاضِعَ الْقَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". === (أنه) أي: أن أباه عبد الرحمن (سمع أبا سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. حالة كون أبي سعيد (يقول: قال رسول الله ﷺ : يوشك) أي: يقرب (أن يكون خير مال المسلم) بنصب (خير) على أن يكون خبر الكون مقدمًا على اسمه (غنم) بالرفع؛ على أنه اسمه مؤخرًا، وفي "أبي داوود" - بالعكس على الأصل مع تشديد التاء من (يتبع). وفي "ابن ماجه" بسكون التاء ثلاثيًّا؛ أي: يوشك أن يكون غنم يتبع (بها) ويمشي على (شعف الجبال) ورؤوسها (أو) في (مواضع القطر) والمطر من الأودية حالة كونه (يفر) وينعزل ويهرب (بدينه من الفتن) أي: من فتن الناس وفي "العون": (يتبع) بتشديد التاء؛ كما مر آنفًا (بها) أي: مع الغنم أو بسببها (شعف الجبال) - بفتح الشين والعين - أي: رؤوس الجبال وأعاليها، واحدها شعفة (أو مواضع القطر) - بفتح فسكون - أي: مواضع المطر وآثاره من النبات وأوراق الشجر؛ يريد بها: المرعى من الصحراء والجبال، فهو تعميم بعد تخصيص (يفر بدينه) أي: بسببه. قال الكرماني: هذه الجملة حالية، وذو الحال: الضمير المستتر في (يتبع) أو (المسلم) إن جوزنا الحال من المضاف إليه؛ فقد وجد شرطه؛ وهو شدة الملابسة، وكأنه جزء منه، واتحاد الخير مع المال واضح، ويجوز أن تكون استئنافية، وهو واضح. انتهى، انتهى من "العون". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب من

стр. 11257

(١٥) - ٣٩٢٥ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ، === الدين الفرار من الفتن، وأبو داوود في كتاب الملاحم والفتن، باب ما يرخص فيه من البداوة في الفتنة. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول. * * * ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر لحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٥) - ٣٩٢٥ - (٥) (حدثنا محمد بن عمر بن علي) بن عطاء بن مقدم (المقدمي) - بالتشديد على صيغة اسم المفعول - البصري، صدوق، من صغار العاشرة. يروي عنه: (عم). (حدثنا سعيد بن عامر) الضُّبَعي - بضم المعجمة وفتح الموحدة - أبو محمد البصري، ثقة صالح، وقال أبو حاتم: ربما وهم، من التاسعة، مات سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا أبو عامر الخزاز) - بمعجمات - صالح بن رستم - بضمتين بينهما مهملة ساكنة - المزني مولاهم البصري، صدوق كثير الخطأ، من السادسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم)، وقال الأثرم عن أحمد: صالح الحديث، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال أبو داوود الطيالسي: حدثنا أبو عامر الخزاز وكان ثقة، وقال الآجري عن أبي داوود: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال يحيى القطان - وقد روى عنه مع شدة استقصائه -: ولم أر له حديثًا منكرًا جدًّا. انتهى "تهذيب".

стр. 11258

عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَكُونُ فِتَنٌ عَلَى أَبْوَابِهَا دُعَاةٌ إِلَى النَّارِ؛ فَأَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ شَجَرَةٍ .. خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتْبَعَ أَحَدًا مِنْهُمْ". === (عن حميد بن هلال) العدوي أبي نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان، من الثالثة. يروي عنه: (ع). (عن عبد الرحمن بن قرط) - بضم القاف وسكون الراء ثم مهملة - مجهول، من الثانية. يروي عنه: (س ق). روى عن حذيفة بن اليمان حديث: (كان الناس يسألون عن الخير ... ) الحديث، ويروي عنه: حميد بن هلال، وقيل: عن حميد بن هلال عن نصر بن عاصم عن اليشكري عن حذيفة، وهو المحفوظ. انتهى "تهذيب". واليشكري اسمه: سبيع بن خالد، ويقال: خالد بن سبيع، ويقال: خالد بن خالد اليشكري البصري، مقبول، من الثانية. يروي عنه: (د). (عن حذيفة بن اليمان) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الرحمن بن قرط، وهو مَجْهولٌ، أو الحسن؛ لأن المحفوظ عندهم: عن نصر بن عاصم عن اليشكري عن حذيفة، واليشكري مقبول؛ كما مر آنفًا. (قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : سـ (تكون فتن) مترادفة (على أبوابها) أي: أبواب تلك الفتن (دعاة إلى) أبواب (النار) ليدخلوها (فأن تموت) يا حذيفة (وأنت) أي: والحال أنك (عاض) بِنَواجِذِك (على جِذْلِ شجرة) - بكسر الجيم وفتحها - أي: على أصلها؛ لتأكل قشورها .. (خير لك من أن تتبع أحدًا منهم) أي: من أهل الفتن.

стр. 11259

(١٦) - ٣٩٢٦ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، === وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث حذيفة بن اليمان المتفق عليه المذكور للمؤلف في هذا الباب برقم (٣٩٢٣). فدرجته: أنه صحيح بغيره وإن كان سنده ضعيفًا، أو حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول. * * * ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال: (١٦) - ٣٩٢٦ - (٦) (حدثنا محمد بن الحارث) بن راشد بن طارق الأموي (المصري) المؤذن، يقال له: صدرة، صدوق يغرب، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق). (حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة متقن حجة قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثني عقيل) - مصغرًا - ابن خالد بن عقيل - مكبرًا - الأيلي - بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام - أبو خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة على الصحيح (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، إمام حجة مشهور، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).

стр. 11260

أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ". === (أخبرني سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع). (أن أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (أخبره) أي: أخبر سعيد بن المسيب (أن رسول الله ﷺ قال). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (لا يلدغ المؤمن) - بالبناء للمفعول - ولا يخدع (من جحر) - بضم الجيم وسكون المهملة - أي: من ثقب وخرق (مرتين). قالوا: سبب هذا الحديث أن شاعرًا أسر يوم بدر، فمَنَّ عليه رسول الله ﷺ على ألا يهجوه وأطلقه، فلحق بقومه وعاد إلى ما كان أولًا، ثم أسر يوم أحد، فسأله (لمن، فقال رسول الله ﷺ : "لا يلدغ ... " الحديث؛ أي: ليس من شان المؤمن أن يصدق الكاذب الذي ظهر كذبه مرةً ثانية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ... ﴾ الآية (١). وأما الغفلة من أمور الدنيا والإقبال على الآخرة .. فشيء آخر، ولعله المراد بقوله: "المؤمن غر كريم"، وقيل: يحتمل أن يكون خبرًا؛ أي: المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من ناحية الغفلة، فَيُخْدَعُ مرةً بعد أخرى وهو لا يفطن لذلك. ويحتمل أن يكون نهيًا؛ أي: لا ينبغي للمؤمن أن يكون غافلًا، بل ينبغي له أن يكون مستيقظًا عاقلًا، والله أعلم. انتهى "سندي".

стр. 11261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والمعنى: لا ينبغي للمؤمن الحازم أن يُخْدع من جهة واحدةٍ مرتين. انتهى. وقال في "العون": وهذا الحديث ورد حين أسر النبي ﷺ أبا عزة - بالعين المهملة والزاي المعجمة - الشاعر يوم بدر، فمن عليه، وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه وأطلقه، فلحق بقومه، ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسره يوم أحد، فسأله (لمن، فقال له رسول الله ﷺ هذا الحديث. قال الخطابي في "المعالم": هذا الحديث يروى على وجهين من الإعراب: أحدهما: بضم الغين على الخبر؛ معناه: أن المؤمن الممدوح هو الكيس الحازم الذي لا يؤتى من ناحية الغفلة، فيخدع مرة بعد أخرى، وهو لا يفطن لذلك ولا يشعر به، وقد قيل: إنه ﷺ أراد به: الخداع في أمر الآخرة، دون أمر الدنيا. والوجه الآخر: أن تكون الرواية بكسر الغين في (لا يلدغِ المؤمن) على النهي؛ يقول ﵇: لا يخدعن المؤمن، ولا يؤتين من ناحية الغفلة، فيقع في مكروه أو شر وهو لا يشعر، وليكن حذرًا مستيقظًا، وهذا قد يصلح أن يكون في أمر الدنيا والآخرة. انتهى، انتهى من "العون". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب لا يلاع المؤمن من جحر مرتين، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن مرتين، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في الحذر من الناس. فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة. * * *

стр. 11262

(١٧) - ٣٩٢٧ - (٧) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ === ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٧) - ٣٩٢٧ - (٧) (حدثنا عثمان) بن محمد بن إبراهيم (بن أبي شيبة) بن عثمان العبسي، أبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ شهير، وله أوهام، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). (قال) عثمان: (حدثنا أبو أحمد الزبيري) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي الكوفي، ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا زمعة) بسكون الميم (ابن صالح) الجندي - بفتح والنون - اليماني نزيل مكة، أبو وهب، ضعيف متفق على ضعفه، وحديثه عند مسلم مقرون، من السادسة. يروي عنه: (م ت س ق). (عن) محمد بن مسلم بن شهاب (الزهري) المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه (ع). (عن سالم) بن عبد الله بن عمر، ثقة، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع). (عن) أبيه عبد الله (بن عمر) رضي الله تعالى عنهما.

стр. 11263

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ". === وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه زمعة بن صالح، وهو متفق على ضعفه. (قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : لا يلدغ المؤمن) ولا يخدع (من جحر) أي: من جهة واحدة (مرتين) أي: مرةً بعد أخرى. قوله: "لا يلدغ" - بالدال المهملة والغين المعجمة على صيغة المجهول - من اللدغ؛ وهو ما يكون من ذوات السموم، وأما الذي بالذال المعجمة والعين المهملة؛ وهو اللذع .. فما يكون من النار. و(المؤمن) مرفوع بـ (يلدغ) على أنه نائب فاعل. (من جحر) بضم الجيم وسكون المهملة. قال أبو سليمان الخطابي ﵀: وهذا الحديث أوضح وأهدى وأحق أن يتبع وأحرى، وهذا الكلام منه ﷺ ، وأول ما قاله لأبي عزة - بفتحتين وبالعين المهملة والزاي المعجمة - المذكور سابقًا. وأما قول السفاقسي: وهذا مثل قديم تمثل به رسول الله ﷺ ؛ إذ كان ﷺ كثيرًا ما يتمثل بالأمثال القديمة؛ وأصل ذلك: أن رجلًا أدخل يده في جحر لصيد أو غيره، فلدغته حية في يده، فضربته العرب مثلًا، فقالوا: لا يدخل الرجل يده في جحر فيلدغ منه مرة ثانية. فتعقبه في "المصابيح": بأنه: إذا كان المثل العربي على الصورة التي حكاها النبي ﷺ .. فالنبي ﷺ لم يورده كذلك حتى يقال: إنه تمثل به.

стр. 11264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === نعم؛ أورد كلامًا بمعناه، وانظر فرق ما بين كلامه ﷺ وبين لفظ المثل المذكور، فطلاوة البلاغة على لفظه ﷺ وحلاوة العبارة فيه بادية يدركها ذو الذوق السليم، عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم، والله أعلم. انتهى من "القسطلاني". وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة المذكور قبله في "ابن ماجه". قلت: درجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه وإن كان سنده ضعيفًا؛ لما تقدم آنفًا، فالحديث: صحيح المتن، ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول. * * * وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث: الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11265

(٣) - (١٤٥٤) - بَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ (١٨) - ٣٩٢٨ - (١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَك، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ === (٣) - (١٤٥٤) - (باب الوقوف عند الشبهات) (١٨) - ٣٩٢٨ - (١) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق). (حدثنا عبد الله بن المبارك) المروزي الحنظلي مولاهم، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن زكريا بن أبي زائدة) خالد بن ميمون، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي أبي يحيى الكوفي، ثقة، وكان يدلس، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الشعبي) عامر بن شراحيل أبي عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة، وله نحو من ثمانين. يروي عنه: (ع). (قال) الشعبي: (سمعت النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة رضي الله تعالى عنهم، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين (٦٥ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

стр. 11266

يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَهْوَى بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ === قال الشعبي: سمعت النعمان (يقول) وهو قائم (على المنبر) النبوي (و) قد (أهوى) أي: والحال أنه قد أهوى ومد (بإصبعيه) المسبحتين (إلى) شحمتي (أذنيه) ليأخذهما؛ إشارة إلى استيقانه بالسماع، وتأكيدًا لسماعه منه ﷺ . وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ١١٧): وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه: إن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله ﷺ . وفيه دليل على صحة سماع الصبي المميز؛ لأن النبي ﷺ مات وللنعمان ثمان سنين حالة كونه يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحلال بين) أي: ظاهر بأدلته (والحرام بين) أي: واضح بأدلته (وبينهما) أي: بين الحلال والحرام أمور (مشتبهات) أي: ليست بواضحة الحل ولا بواضحة الحرمة، فلذا (لا يعلمها) أي: لا يعلم تلك المشتبهات ولا يعرفها (كثير من الناس) وهم العوام؛ أي: لا يعرفون حكمها، وأما العلماء .. فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك من الأدلة. وليس المعنى: كل ما هو حلال عند الله تعالى .. فهو بين بوصف الحل يعرفه كل أحد بهذا الوصف، وما هو حرام عند الله تعالى .. فهو كذلك، وإلا .. لم تبق المشتبهات. وإنما المعنى: أن الحلال من حيث الحكم تبين بأنه لا يضر تناوله، وكذا الحرام تبين بأنه ما يضر تناوله. أي: هما بينان يعرف الناس حكمهما، لكن ينبغي أن يعلم الناس حكم ما

стр. 11267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بينهما من المشتبهات؛ بأن تناوله يخرج من الورع، ويقرب إلى تناول الحرام وعلى هذا؛ فقوله: (الحلال بين والحرام بين) اعتذار عن ترك ذكرهما. انتهى "سندي على النسائي". قال القرطبي: يعني: أن كل واحد منهما مبين بأدلته في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ تأصيلًا وتفصيلًا، فمن وقف على ما في كتاب الله والسنة من ذلك .. وجد فيهما أمورًا جلية التحليل، وأمورًا جلية التحريم، وأمورًا مترددة بين التحليل والتحريم؛ وهي التي تتعارض فيها الأدلة، فهي المتشابهات. وقد اختلف في حكمها: فقيل: مُواقَعَتُهَا حرامٌ؛ لأنها تُوقِعُ في الحرام، وقيل: مكروهةٌ، والورَعُ تركُها، وقيل: لا يقال فيها واحدٌ منهما، والصواب الثاني؛ لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام، فلا توصف به وهي مما يرتاب فيه، وقد قال ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه أحمد والترمذي والنسائي. وهذا هو الورع، وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلال، ويتورع عنها. قلت: وليست بعبارة صحيحة؛ لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه، فيكون مباحًا، وما كان كذلك .. لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين؛ فإنه إن ترجح أحد طرفيه على الآخر .. خرج عن كونه مباحًا، وحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله، وهو المكروه، أو فعله راجحًا على تركه، وهو المندوب. فإن قيل: فهذا يؤدي إلى ترك معلوم من الشرع؛ وهو أن النبي ﷺ والخلفاء بعده وأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يزهدون في المباح؛ فإنهم رفضوا التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة، وبلباس اللين

стр. 11268

فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ .. اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ .. وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ === الفاخر من الملابس، وبسكنى المباني الأنيقة من المساكن، ولا شك في إباحة هذه الأمور، ومع هذا، فآثروا أكل الخشن، ولباس الخشن، وسكنى الطين واللبن، وكل هذا معلوم من حالهم منقول من سيرتهم. فالجواب: أن تركهم التنعم بالمباح لا بد له من موجب شرعي أوجب ترجيح الترك على الفعل، وحينئذ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحًا؛ فإن حقيقته التساوي من غير رجحان، فلم يزهدوا في مباح، بل في أمر تركه خير من فعله شرعًا، وهذه حقيقة المكروه، فإذًا؛ إنما زهدوا في مكروه، غير أن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو؛ كما كره لحوم السباع، وتارة يكرهه؛ لما يؤدي إليه؛ كما كره القبلة للصائم؛ فإنها تكره؛ لما يخاف منها من فساد الصوم، وتركهم التنعم من هذا القبيل؛ فإنه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد، إما في الحال؛ كالركون إلى الدنيا، وإما في المآل؛ كالحساب عليه والمطالبة بالشكر وغير ذلك مما ذكر في كتب الزهد. وعلى هذا؛ فقد ظهر ولاح أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح، بل عن مكروه؛ خوفًا من الوقوع في الحرام. انتهى من "المفهم". (فمن اتقى) وتحرز وتورع عن (الشبهات) وابتعد عنها وتركها، وهو بضم الشين والباء؛ والمراد: ترك ما يشتبه كونه حلالًا .. فقد (استبرأ) أي: طلب البراءة من الذم الشرعي والإثم وحصلها (لدينه و) صان (عرضه) وحفظه من وقوع الناس فيه وتعييبهم له (ومن وقع في الشبهات) أي: ارتكب الأمور المشتبهة .. (وقع في الحرام) أي: كان وقوعه فيها؛ كوقوعه في الحرام، حالة

стр. 11269

كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيه، أَلَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ .. صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ .. فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". === كون ذلك الواقع في الشبهات (كالراعي) الذي يرعى المواشي (حول الحمى) أي: حول المرعى الذي حماه الملك ومنعه من الناس، حالة كون ذلك الراعي (يوشك) ويقرب (أن برتع) ويرعى مواشيه (فيه) أي: في ذلك الحمى الذي حماه الملك فتصيبه العقوبة منه. (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وإن لكل ملك) من ملوك الدنيا؛ أي: لجنسهم (حمىً) أي: مرعئ حماه ومنعه من الناس لرعي مَوَاشِيه، وإلا .. فليس لكل ملك حمىً، بل لبعضهم (ألا وإن حمى الله محارمه) أي: محرماته؛ أي: ما حرمه على عباده من المنهيات والمعاصي (ألا وإن في الجسد مضغة) أي: قطعة لحم (إذا صلحت .. صلح الجسد كلله، وإذا فسدت .. فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). قوله: "ومن وقع في الشبهات .. وقع في الحرام" وهذا يكون لأحد وجهين؛ أحدهما: إذا عَوَّد نفسَه عدمَ التحرز مما يشتبه .. أثَّر ذلك في استهانته وعدم المبالاة بأمور الدين، فيقع في الحرام مع العلم به، وقيل: إن من أكثر الوقوع في الشبهات .. أظلم قلبه عليه؛ لفقدان نور العلم والورع، فيقع في الحرام ولا يشعر به. وثانيهما: أن من اشتبه عليه الحكم في مسألة فارتكبها بدون تحقيق أو سؤال عنه .. فيمكن أن يكون ذلك الفعل حرامًا في نفس الأمر، فحينئذٍ صار الوقوع في الشبهة وقوعًا في الحرام، والله تعالى أعلم. انتهى من "التكملة". وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" بأن الأشياء ثلاثة أقسام:

стр. 11270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حلال بين واضح لا يخفى حله؛ كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات فيها حلال بين واضح لا شك في حله. وأما الحرام البين .. فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح، وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة، والنظر إلى الأجنبية، وأشباه ذلك. وأما المشتبهات .. فمعناه: أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء .. فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك. قوله: (وقع في الحرام) أي: كاد أن يقع في الحرام، حالة كون ذلك الواقع في الشبهات (كالراعي) الذي يرعى المواشي (حول الحمى) أي: حول المرعى الذي حماه الملك ومنعه من الناس، حالة كون ذلك الراعي (يوشك) ويقرب (أن يرتع) ويرعى مواشيه (فيه) أي: في ذلك الحمى الذي حماه الإمام، ويمنع الناس من دخوله، ومن دخله .. أوقع عليه العقوبة، ومن احتاط لنفسه .. لا يقارب ذلك الحمى؛ خوفًا من الوقوع فيه. (والحمى) - بكسر الحاء وبالقصر - كل موضع حظره الإمام لنفسه، ومنع الغير من الدخول فيه، وأكثر ما يستعمل في مراعي المواشي. قوله: (يوشك) - بضم الياء وكسر الشين - مضارع أوشك الرباعي - بفتحها - وهو من أفعال المقاربة؛ ومعناه هنا: يقع في الحرام بسرعة. و(يرتع) - بفتح التاء - مضارع رتع - بفتحها أيضًا - من باب فتح، وفتحت في المضارع؛ لوجود حرف الحلق؛ لأنه من داعي الفتح بشرطه المذكور في كتب

стр. 11271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الصرف؛ كما بسطنا الكلام عليه في شرحنا "مناهل الرجال على لامية الأفعال". ومعناه: أكل الماشية من المرعى، وأصله إقامتها فيه، وتبسطها في الأكل منه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (١). وهذا مثل ضربه النبي ﷺ لمحارم الله تعالى، وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بهم، وتحرج منه الناس بالتوعد بالعقوبة على من قربها، فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته من ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه .. فالغالب الوقوع فيه، وإن كثر الحذر؛ إذ قد تنفرد الفاذة، وتشذ الشاذة، ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة؛ بحيث يأمن فيها من وقوع الفاذة والشاذة فيه، وهكذا محارم الله تعالى؛ لا ينبغي أن يحوم حولها؛ مخافة الوقوع فيه على الطريقتين المتقدمتين. (ألا) - بفتح الهمزة وتخفيف اللام - حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبهوا أيها المسلمون واستمعوا ما أقول لكم: (وإن لكل ملك) من ملوك الدنيا؛ أي: لجنسهم (حمىً) أي: مرعىً حماه ومنعه من الناس لرعي مواشيه، وإلا .. فليس لكل ملك حمىً، بل لبعضهم (ألا وإن حمى الله) الذي حمى عباده منه (محارمه) أي: محرماته؛ أي: ما حرمه على عباده من المنهيات والمعاصي، ولما كان التورع يميل القلب إلى الصلاح، وعدمه يميله إلى الفجور .. نبه النبي ﷺ عليه بقوله: (ألا وإن في الجسد) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم: وإن في جنس الجسد والجسم (مضغة) أي: قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضغ. والمضغة في اللغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ عند الأكل، وعبر بها هنا عن

стр. 11272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القلب؛ لأنه صغير جرمه في الرؤية، كبير قدره؛ لأن صلاح سائر البدن وفساده تابع له. (إذا صلحت) - بفتح اللام - من باب نصر؛ أي: إذا انشرحت واتسعت تلك المضغة بالهداية .. (صلح الجسد كله) أي: استعملت الجوارح في الخيرات؛ لأنها متبوعة للجسد، وهي وإن كانت صغيرةً صورةً، لكنها كبيرةٌ رتبةَ الأميرة للجسد. (وإذا فسدت) تلك المضغة؛ أي: انشرحت بالضلالة، وهو من باب نصر أيضًا .. (فسد الجسد كله) باستعمال آلاته في المنكرات (ألا وهي) أي: وتلك المضغة التي كانت أميرة الجسد (القلب) سميت بالقلب؛ لأنها محل الخواطر المختلفة الحاملة على الانقلابات. انتهى من "المبارق". قالوا: المراد: تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب. انتهى "نووي". وهذا اللفظ في الأصل: مصدر قلبت الشيء أقلبه؛ من باب ضرب؛ إذا رددته على بدئه، وقلبت الإناء؛ إذا رددته على وجهه، وقلبت الرجل عن رأيه؛ إذا صرفته عنه. ثم نقل هذا اللفظ، فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه، وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى، فقال: ما سمي القلب إلا من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويلِ وفي "اللسان" و"تاج العروس": ما سمي القلب إلا من تقلبه ... والرأي يصرف بالإنسان أطوارا

стр. 11273

(١٩) - ٣٩٢٩ - (٢) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سلَيْمَانَ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، === ولبعضهم: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلب وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، وفي كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين ... إلى آخره، ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في اجتناب الشبهات، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في ترك الشبهات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث النعمان بن بشير بحديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٩) - ٣٩٢٩ - (٢) (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي - بالمهملة - أو الباهلي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه (م عم). (حدثنا جعفر بن سليمان) الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن المعلى بن زياد) القردوسي - بقاف - أبي الحسن البصري، صدوق

стр. 11274

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ". === قليل الحديث زاهد، من السابعة. يروي عنه: (م عم). (عن معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال المزني أبي إياس البصري، ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣). يروي عنه: (ع). (عن معقل بن يسار) المزني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه ممن بايع تحت الشجرة، أبي علي على المشهور، وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة، مات بعد الستين. يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) معقل: (قال رسول الله ﷺ : العبادة في الهرج) - بفتح الهاء وسكون الراء - أصله: الاختلاط والقتل، والمراد منه هنا: الفتنة، قال النووي: المراد بالهرج: الفتنة واختلاط أمور الناس، وحِكْمَةُ كثرةِ فضلِ العبادة فيه: أنَّ الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد من الناس. انتهى. (كهجرة إليَّ) والهجرةُ إلى رسول الله ﷺ من أعظم القربات. وعبارة القرطبي هنا: قد تقدم أن الهرج الاختلاط والارتباك، ويراد به هنا: الفتن والقتل واختلاط الناس بعضهم في بعض، والمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت والمنقطع إليها المعتزل عن الناس .. أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ ؛ لأنه يناسبه من حيث إن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه. انتهى.

стр. 11275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب فضل العبادة في الهرج، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث النعمان بن بشير. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم
следующие страницы →