← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْر، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ". === (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (لا تذهب الدنيا) ولا تفنى ولا تقوم الساعة (حتى يمر الرجل) منكم (على القبر) المدفون (فيتمرغ عليه) أي: على القبر؛ أي: يتقلب في ترابه ظهرًا وبطنًا، يقال: تمرغ الرجل؛ إذا تقلب من وجع بجسده من جنب إلى جنب آخر؛ كما في "القاموس" (ويقول) مع تقلبه على تراب القبر: (يا) هؤلاء (ليتني) أي: أتمنى أن (كنت) أي: كوني (مكان صاحب هذا القبر) بدفني في محله وأنجو من هذه الفتن (و) الحال أنه (ليس به) أي: بذلك المتمرغ في التراب (الدين) - بكسر الدال وسكون الياء - أي: والحال أنه ليس به مصيبة الدين (إلا البلاء) أي: إلا البلاء والمصيبة في الدنيا؛ يعني: أنه لا يتمنى الموت؛ لحفظ دينه - بكسر الدال - وإنما يتمنى الموت "لبلاء أصابه في دنياه، وهذا في معرض الذم؛ والمراد: أن الناس يتمنون الموت؛ لضرر دنيوي أصابهم، مع أنه منهي عنه في الشرع. قال في "المرقاة": أي: وليس الحامل له على التمني .. الدين؛ أي: مصيبة الدين، بل الحامل له على التمني .. البلاء وكثرة الفتن والمحن وسائر الضرار. قال المظهر: الدين هنا: العادة، وجملة (ليس) في موضع الحال من الضمير المستتر في يتمرغ؛ يعني: يتمرغ على رأس القبر ويتمنى الموت في حال ليس التمرغ من عادته، وإنما حمل عليه البلاء. وقال الطيبي: ويجوز أن يحمل الدين على حقيقته؛ أي: ليس ذلك التمرغ

стр. 11447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والتمني لأمر أصابه من جهة الدين، بل من جهة الدنيا، فيقيد البلاء المطلق بالدنيا بواسطة القرينة السابقة. انتهى "دهني على هامش مسلم". قوله: (إلا البلاء) أي: الفتنة والاختلاط الكثير الموجبة للقتل المجهول؛ والمعنى: ثوران الهرج والقتل بالكثرة، وهيجانه بالشدة. انتهى من "المرقاة". قال المناوي في "الفيض": قوله: (يا ليتني ... ) إلى آخره؛ أي: أتمنى كوني ميتًا حتى أنجو من الكرب، ولا أرى من المحن والفتن وتبديل وتغيير رسوم الشريعة ما أرى، فيكون أعظم المصائب الأماني، وهذا إن لم يكن وقع .. فهو واقع لا محالة، وقد قال ابن مسعود: (سيأتي عليكم زمان، لو وجد أحدكم الموت يباع .. لاشتراه). انتهى. وقال الحافظ العراقي: ولا يلزم كونه في كل بلد، ولا في كل زمن، ولا في جميع الناس، بل يصدق على اتفاقه للبعض في بعض الأقطار، وفي بعض الأزمان وفي تَعليقِ تَمنِّيهِ بالمُرورِ .. إشعارٌ بشدة ما نزل بالناس من فساد الحال حينئذٍ؛ إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار لهيئته، فإذا شاهد الموتى ورأى القبور .. نَشَز بطَبْعهِ ونفَرَ بسجيته من تمنيه، فلقوة الشدة .. لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يُناقض هذا النهي من تمني الموت لضر نزل به؛ لأن مقتضى هذا الحديث الإخبار عما يكون، وليس فيه تعرض لحكم شرعي. انتهى منه. قوله: "وليس به الدين" أي: ليس الداعي له على هذا الفعل الدين، وإنما الداعي له البلاء. ومعنى الحديث: أنه لا يتمنى الموت تدينًا وتقربًا إلى الله تعالى وحبًّا في

стр. 11448

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === لقائه، وإنما تمنيه، لما نزل به من البلاء والمحن في أمور دنياه، ففيه إشارة إلى جواز تمني الموت تدينًا، ولا ينافيه قوله ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت، لضر نزل به" لأنه خاص بما إذا كان التمني لأمر دنيوي؛ كما هو الظاهر. قال الحافظ في "الفتح": ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد أمر الدين عن جماعة من السلف. قال النووي: فلا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف؛ منهم: عمر بن الخطاب ﵁. وقال بعضهم: قوله: "وليس به الدين إلا البلاء" قيل: أراد بالدين: العادة؛ والمعنى حينئذٍ؛ أي: ليس التمرغ وتمني الموت من عادته، وإنما حمله عليه البلاء والمشقة. وقيل: محمول على معناه؛ أي: ليس ذلك التمرغ؛ لأمر أصابه من جهة الدين، لكن من جهة الدنيا ومشاقها، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاوية. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث معاوية بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 11449

(٧٢) - ٣٩٨٢ - (٤) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ؛ يَعْنِي: مَوْلَى مُسَافِعٍ، === (٧٢) - ٣٩٨٢ - (٤) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق)، وهو أخو أبي بكر بن أبي شيبة. (حدثنا طلحة بن يحيى) بن النعمان بن أبي عياش الأنصاري الزرقي المدني نزيل بغداد، صدوق يهم، من السابعة. يروي عنه: (خ م د س ق)، وقال ابن معين: ثقة، وكذا وثقه حنبل بن إسحاق، وقال الآجري عن أبي داوود: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي - بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام - الأموي مولاهم؛ مولى آل أبي سفيان، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة على الصحيح، وقيل: سنة ستين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن الزهري) محمد بن مسلم المشهور بابن شهاب، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن أبي حميد؛ يعني) شيخي بأبي حميد الذي أبهمه: (مولى مسافع) بن عبد الله بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي المكي، ثقة، من الثالثة، قيل: قتل يوم الجمل ولا يصح ذلك بل تأخر إلى خلافة الوليد. يروي عنه: (م د ت)، قيل: اسمه هو عبد الرحمن بن سعد المقعد، وإلا .. فمجهول، من الثالثة. يروي عنه: (ق)، والصحيح أنه عبد الرحمن بن سعد الأعرج أبو حميد المدني المقعد مولى بني مخزوم. روى عن: أبي هريرة،

стр. 11450

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَتُنْتَقَوُنَّ كَمَا يُنْتَقَى التَّمْرُ مِنْ أَغْفَالِه، فَلَيَذْهَبَنَّ خِيَارُكُمْ وَلَيَبْقَيَنَّ شِرَارُكُمْ، فَمُوتُوا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ". === ويروي عنه: الزهري، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، من الثالثة. يروي عنه: (م). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : والله الذي لا إله إلا هو (لَتُنْتَقَوُنَّ) - بفتح اللام وضم التاء وسكون النون وفتح القاف وضم الواو وتشديد نون التوكيد الثقيلة؛ بالبناء للمجهول - أصله: لَتُنْتَقَوُونن؛ أي: والله؛ لَتُصَفُّنَّ من أَرْدَأ الناسِ وأسافلهم (كلما ينتقى) ويصفى (التمر) الجيد (من أغفاله) أي: من أردئه (فليذهبن) من الد نيا (خياركم) أي: أتقياؤكم بالموت (وليبقين) فيها (شراركم) أي: أخساؤكم وأراذلكم (فموتوا) حينئذ (إن استطعتم) أي: إذا تحقق ذلك .. فموتوا؛ يريد: أن الموت حينئذٍ خير لكم من الحياة، فلا ينبغي أن تكون الحياة حينئذٍ مختارة من الموت؛ لتكدر الدنيا حينئذٍ بفتن أهلها؛ لأنها لم يبق فيها إلا الشرار، فالموت مطلوب حينئذٍ؛ طلبًا لسلامة الدين. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الرقاق، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص". ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولأن له شاهدًا؛ كما ذكرناه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاوية.

стр. 11451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مهمة في إعراب (لتنتقون): من انتقى الخماسي، مسند إلى واو الجماعة؛ من الانتقاء؛ وهو الاصطفاء والتصفية. فتقول في إعرابه: (اللام) موطئة للقسم مبنية على الفتح (تنتقون) فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة؛ لتوالي الأمثال مع نوني التوكيد، أصله: (لَتُنْتَقَوُوْنَ) بواوين؛ الأولى: لام الكلمة، والثانية: واو والجماعة، فإما أن تقول: استثقلت الضمة على لام الفعل فحذفت؛ لاستثقالها، أو تقول: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا. وعلى كلا التقديرين: التقى ساكنان: (الواوان) على التقدير الأول، و (الألف) و (الواو) على التقدير الثاني، فحذف أول الساكنين فصار (لَتُنْتَقَوْنَ) ثم أكد بالنون الثقيلة، فصار (لَتُنْتَقَوْنَنَّ) بثلاث نونات، فحذفمت نون الرفع لفظًا؛ لتوالي النونات، فالتقى ساكنان: (واو الجمع) و (نون التوكيد المدغمة) وتعذر حذف إحداهما، فحركت (الواو) بحركة تجانسها؛ وهي (الضمة) ولم تحرك (النون) محافظة على الأصل، ولعروض (الضمة) لم تنقلب (الواو) (ألفًا) لتحركها وانفتاح ما قبلها، وحيث حذفمت (نون الرفع) لتوالي الأمثال، وهي مقدرة الثبوت؛ لأنها علامة الرفع، و (الواو) ضمير لجماعة الذكور المخاطبين في محل الرفع نائب فاعل، مبني على السكون المقدر الممنوع بالضمة المجلوبة لمناسبة الواو، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:

стр. 11452

(٧٣) - ٣٩٨٣ - (٥) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ الْجَنَدِيُّ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ === (٧٣) - ٣٩٨٣ - (٥) (حدثنا يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى المصري، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م س ق). (حدثنا محمد بن إدريس) بن العباس بن عثمان بن شافع المطلبي (الشافعي) نسبة إلى شافع؛ جده المذكور، أبو عبد الله المكي، نزيل مصر، رأس الطبقة التاسعة، وهو المجدد أمر الدين على رأس المئتين، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ)، وله أربع وخمسون سنة (٥٤). يروي عنه: (عم). (حدثني محمد بن خالد الجندي) - بفتح الجيم والنون - الصنعاني المؤذن في مسجد الجند، مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق). (عن أبان بن صالح) بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم، وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجَهَّله، وابن عبد البر فضعَّفه، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (عم). (عن الحسن) بن أبي الحسن، اسمه يسار الأنصاري مولاهم البصري، ثقة فقيه فاضل، هو رأس الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه محمد بن خالد الجندي، وهو ضعيف مجهول.

стр. 11453

أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إِدْبَارًا، وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاس، وَلَا الْمَهْدِيُّ إِلَّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ". === (أن رسول الله ﷺ قال: لا يزداد الأمر) أي: أمر الدين؛ أي: التمسك بالدين والسنة؛ أي: العمل به (إلا شدة) لقلة أعوانه وكثرة مخالفيه (ولا) تزداد (الدنيا إلا إدبارًا) أي: ذهابًا بإدبارها لأهلها؛ لأنها فانية مدبرة لأهلها (ولا) يزداد (الناس إلا شحًّا) وبخلًا عن الإنفاق في الخيرات (ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس) أي: إلا على خبائث الناس وأراذلهم؛ كما في حديث: "لا تقوم إلا على لكع بن لكع" أي: إلا على كافر بن كافر (ولا) يوجد (المهدي) وصفًا لا لقبًا؛ أي: لا يوجد المتصف بالهدى من وكل وجه بعده ﷺ (إلا عيسى ابن مريم) ﵇، وليس المراد: أن هذا التلقب بالمهدي ليس إلا لعيسى؛ فالحديث على تقدير ثبوته لا يخالف ولا يعارض الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر؛ لأن المهدي المنتظر ليس له اهتداء بالوحي والرسالة وجريان خوارق العادة على يديه، بل له هدي بقتل اليهود والنصارى، وأَمْرِ المؤمنين بالمعروف والنهيِ عن المنكر وأمرِهم بالجهاد. وهذا الحديث فيما يظهر ببادئ الرأي مخالف للأحاديث الواردة في إثبات مهدي غير عيسى ابن مريم، وعند التأمل لا ينافيها، بل يكون المراد من ذلك حقيقةً: هو عيسى ابن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديًا أيضًا. انتهى من "السندي" باختصار وزيادة وتصرف. قال الألباني في "الضعيفة": هذا الحديث منكر، أخرجه ابن ماجه والحاكم وابن الجوزي في "العلل"، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم"، وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن"، والسلفي في "الطيوريات" من طريق

стр. 11454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === محمد بن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس مرفوعًا، وهذا إسناد ضعيف، فيه علل ثلاث؛ الأولى: عنعنة الحسن مع كونه مدلسًا، والثانية: جهالة محمد بن خالد الجندي؛ فإنه مجهول؛ كما قال الحافظ في "التقريب" تبعًا لغيره، والثالثة: لاختلاف سنده على محمد بن خالد الجندي. ونقل السيوطي عن القرطبي أنه قال في "التذكرة": هذا إسناد ضعيف، والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة .. ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه. وقوله في هذا الحديث: (ولا تقوم إلا على شرار الناس) هذه الجملة منه صحيحة ثابتة عنه ﷺ من حديث عبد الله بن مسعود، أخرجه مسلم وأحمد. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف منكر متروك (٧) (٤٠٦) إلا هذه الجملة المذكورة آنفًا؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث: الأول للاستدلال، والأخير للاستئناس، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11455

(١٤) - (١٤٦٥) - بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ (٧٤) - ٣٩٨٤ - (١) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَأَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، === (١٤) - (١٤٦٥) - (باب أشراط الساعة) أي: علاماتها، وفي "النهاية": الأشراط: العلامات، واحدتها: شرط - بالتحريك - وبه سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها، هكذا قال أبو عبيد. انتهى. (٧٤) - ٣٩٨٤ - (١) (حدثنا هناد بن السري) - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي، أبو السري الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (وأبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد) بن كثير العجلي الكوفي، قاضي المدائن، ليس بالقوي، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (م د ق). ولكن لا يضر في السند؛ لأنه إنما ذكره على سبيل المقارنة. (قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش) - بتشديد الياء ومعجمة - ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناط - بمهملة ونون - مشهور بكنيته، والأصح: أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد أو عبد الله أو سالم أو شعبة إلى غير ذلك، ثقة عابد، إلا أنه كبر وساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (حدثنا أبو حَصِين) - مكبرًا - عثمان بن عاصم بن حَصين الأسدي

стр. 11456

عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ === الكوفي، ثقة ثبت سني، وربما دلس، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (ع). (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال: قال رسول الله ﷺ : بعثت أنا والساعة) قيل: بالنصب؛ على أنه مفعول معه، وقيل: بالرفع؛ على العطف، ويشكل عليه أن (الساعة) لا توصف بالبعث، ولو سلم .. فلا يصح أن يقال: إن الساعة بُعِثَتْ؛ لعدم المضي، فالوجه على تضمين معنى الجعل؛ والتقدير: جعلت أنا، أو قدرت أنا والساعة؛ كهاتين الإصبعين؛ والمقصود: بيان القرب بينهما؛ لأنه ﷺ خاتم النبيين. انتهى "سندي". قال الحافظ في "الفتح" (١١/ ٣٤٩): اختلف في معنى قوله: "كهاتين": فقيل: كما بين السبابة والوسطى في الطول، وقيل: المعنى: ليس بيني وبينها نبي. وقال القرطبي في "المفهم": حاصل الحديث: تقريب أمر الساعة وسرعة مجيئها، قال: وعلى رواية النصب يكون التشبيه وقع بالانضمام، وعلى الرفع وقع في التفاوت. وقال القرطبي في "التذكرة": معنى هذا الحديث: تقريب أمر الساعة، ولا منافاة بينه وبين قوله في الحديث الآخر: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"

стр. 11457

كَهَاتَيْنِ"، وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ. (٧٥) - ٣٩٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، === فإن المراد بحديث الباب: أنه ليس بينه وبين الساعة نبي؛ كما أنه ليس بين السبابة والوسطى إصبع أخرى، ولا يلزم من ذلك علم وقتها بعينه، لكن سياقه يفيد قربها؛ أي: بعثت أنا والساعة حالة كوني وكونها متقاربين (كـ) تقارب (هاتين) الإصبعين أي: إحداهما إلى الأخرى (و) قد قال ذلك حال كونه قد (جمع بين إصبعيه) السبابة والوسطى في قدر التفاوت، أو في الانضمام والاتصال. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ : "بعثت أنا والساعة؛ كهاتين الإصبعين"، ومسلم في كتاب أشراط الساعة، باب قرب الساعة، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في قول النبي ﷺ : "بعثت أنا والساعة؛ كهاتين"، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي، وأحمد في "المسند". فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث حذيفة بن أسيد رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٧٥) - ٣٩٨٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في

стр. 11458

عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّاز، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: اطَّلَعَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ فَقَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: الدَّجَّالُ، وَالدُّخَانُ، === آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن فرات) بن أبي عبد الرحمن (القزاز) الكوفي، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع). (عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، وربما سمي عمرو بن واثلة، ولد عام أحد، ورَأَى النبيَّ ﷺ ، وَرَوى عن أبي بكر فمَنْ بعده، وعُمِّر إلى أن مات سنة عشر ومئة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة على الإطلاق، قاله مسلم وغيره. يروي عنه: (ع). (عن حذيفة بن أَسيد) - بفتح الهمزة - الغفاري أبي سَرِيحة - بمهملتين مفتوح الأول - صحابي مشهور من أصحاب الشجرة رضي الله تعالى عنه، مات سنة اثنتين وأربعين (٤٢ هـ). يروي عنه: (م عم). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) حذيفة: قد (اطلع علينا) معاشر الصحابة (النبي ﷺ من غرفة) له - بضم الغين وسكون الراء - وهي العلية؛ أي: نظر إلينا من علية له من فوق (ونحن) أسفل منه (نتذاكر الساعة) أي: في شأن القيامة (فقال لنا: ما تذاكرون؟ ) كما في رواية مسلم؛ أي: أي شيء تذكرونه وتتحدثون فيه؟ فقلنا: نتذاكر في الساعة (فقال) لنا: (لا تقوم الساعة) أي: القيامة (حتى تكون) وتوجد قبلها (عشر آيات: الدجال، والدخان،

стр. 11459

وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ... ". === وطلوع الشمس من مغربها) ولم يذكر في هذه الرواية جميع العشر، وذكرها في رواية مسلم كلها؛ أي: لا تقوم الساعة حتى تكون قبلها وتقع عشر آيات؛ أي: علامات تدل على قربها، وتلك الآيات العشر؛ كما في "مسلم": (خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن) أي: من أقصاها وآخرها (ترحل الناس) من الترحيل؛ أي: تسوق الناس من أقصى عدن وآخره؛ مدينة مشهورة في جنوب اليمن (إلى المحشر) أي: إلى محشرهم وهو أرض الشام. (والدجال): هو الكذاب الذي يدعي الألوهية؛ وهو ابن صياد. (والدخان): وهو دخان يأخذ بأنفاس الكفار، ويَأخُذ منه المؤمنَ كهيئة الزكام، ويأتي قريبًا من الساعة. (وطلوع الشمس من مغربها) ودلت الأحاديث الصحيحة على أن طلوع الشمس من مغربها إنما سيكون قبل نفخة الصور، وحينئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. انتهى من "المرقاة". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الخسف، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 11460

(٧٦) - ٣٩٨٦ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله، حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسْجَعِيُّ === (٧٦) - ٣٩٨٦ - (٣) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، لقبه دحيم - مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق). (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثنا عبد الله بن العلاء) بن زبر - بفتح الزاي وسكون الموحدة - الدمشقي الربعي، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثني بسر) بضم أوله ثم مهملة ساكنة (ابن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع). (حدثني أبو إدريس الخولاني) عائذ الله - بهمزة ومعجمة - ابن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، كان عالم الشام بعد أبي الدرداء. يروي عنه: (ع). (حدثني عوف بن مالك الأشجعي) أبو حماد الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

стр. 11461

قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي خِبَاءٍ مِنْ أَدَمٍ، فَجَلَسْتُ بِفِنَاءِ الْخِبَاء، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْخُلْ يَا عَوْفُ"، فَقُلْتُ: بِكُلِّي يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "بِكُلِّكَ"، ثُمَّ قَالَ: "يَا عَوْفُ؛ احْفَظْ خِلَالًا سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: إِحْدَاهُنَّ مَوْتِي"، قَالَ: فَوَجَمْتُ عِنْدَهَا وَجْمَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ: "قُلْ: إِحْدَى، === (قال) عوف: (أتيت رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (في غزوة تبوك وهو) أي: أتيته والحال أنه ﷺ (في خباء) أي: في خيمة (من أدم) أي: جلد مدبوغ (فجلست بفناء الخباء) والفناء: الساحة أمام البيت (فقال رسول الله ﷺ لي: (ادخل) الخباء (يا عوف، فقلت) له ﷺ : هل أدخل الخباء (بكلي يا رسول الله)؛ أي: بجسمي كله أم ببعضه؟ يريد: أن الخباء كان صغيرًا بحيث كان في محل تردد، أيسع جسدي كله أم لا؟ وفيه: أنه كان يمازحه؛ كما كان يمازح الصحابة، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : ادخله (بكلك) أي: بكل جسمك (ثم) بعدما دخلت الخباء (قال) لي رسول الله: (يا عوف؛ احفظ خلالًا ستًّا) أي: ست خلال؛ أي: ست خصال ستقع (بين يدي الساعة) أي: قدامها (إحداهن) أي: إحدى تلك الخصال: (موتي) أي: أولها: موتي (قال فوَجَمْتُ) - بضم التاء للمتكلم - من باب وعد؛ أي: أخذتني (عندها وجمة شديدة) وكآبةٌ وحزنٌ عند ذلك؛ والواجمُ: الذي أسكته الهم وغلبته الكآبة والحزن. (فقال) لي: (قل) يا عوف: (إحدى) أي: قل: تلك الخُلَّةُ التي قلتُ لك فيها: "إحداهن موتي" هي إحدى الخلال الست؛ أي: أحقها خوفًا منها وأشدها حزنًا وتأسفًا عليها، أو المعنى: قل: هذه واحدة الخلال الست.

стр. 11462

ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِس، ثُمَّ دَاءٌ يَظْهَرُ فِيكُمْ يَسْتَشْهِدُ اللهُ بِهِ ذَرَارِيَّكُمْ وَأَنْفُسَكُمْ وَيُزَكِّي بِهِ أَعْمَالَكُمْ، ثُمَّ تَكُونُ الْأَمْوَالُ فِيكُمْ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلَّ سَاخِطًا، وَفِتْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ لَا يَبْقَى بَيْتُ مُسْلِمٍ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ هُدْنَةٌ === (ثم) أقول لك ثانيتها: (فتح بيت المقدس) أي: ثم فتح المسلمين بيت المقدس؛ أي: غلبتهم عليها. (ثم) ثالثتها: (داء) أي: وباء (يظهر فيكم) أيها المسلمون؛ وهو الطاعون (يستشهد الله) أي: يجعل الله (به) أي: بذلك الداء (ذراريكم) أي: أولادكم (وأنفسكم) شهداء؛ أي: يجعل الله لكم مأجورين به أجر شهداء المعركة (ويزكي به) أجر (أعمالكم) ويضاعف به أجر أعمالكم الصالحة. وفي رواية: (ويزكي به أموالكم) وكأنه وقع الموت والآفات في الأموال، ويجعل لكم ما فات منها زكاةً لأموالكم الباقية لكم. (ثم) رابعتها: ما ذكره بقوله: أن (تكون الأموال) كثيرة (فيكم، حتى يعطى الرجل) الواحد منكم أيها المسلمون (مئة دينار) فيَستقِلُّها (فيظل ساخطًا) لها؛ أي: غير راض لها لاستقلالها. ثم خامستها: ما ذكره بقوله: (وفتنة تكون) وتقع في خصوص ما (بينكم) لا بينكم وبين أعدائكم، حتى (لا يبقى بيت مسلم إلا دخلته) تلك الفتنة، ومصداق ذلك ما كان بين المسلمين في هذا العصر من مقاتلة بعضهم بعضًا. (ثم) سادستها: ما ذكره بقوله: أن (تكون بينكم) أيها المسلمون (وبين بني الأصفر) وهم الروم، سموا بذلك؛ لصفر اللون في آبائهم (هدنة) أي: مصالحة وموادعة وموافقة على ترك المحاربة والمقاتلة بينكم وبينهم. والهدنة: المصالحة والموادعة بين المسلمين وبين الكفار وبين كل متحاربين.

стр. 11463

فَيَغْدِرُونَ بِكُمْ، فَيَسِيرُونَ إِلَيْكُمْ فِي ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا". (٧٧) - ٣٩٨٧ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، === (فيغدرون) أي: فيخادعون (بكم) وينقضون العهد بينكم وبينهم (فيسيرون) أي: يذهبون (إليكم) لمحاربتكم (في ثمانين غاية) أي: راية (تحت كل غاية) وراية لهم (اثنا عشر ألفًا) من الجيوش. وفي هذا الحديث أشياء من أعلام النبوة قد ظهر أكثرها. وقال ابن المنير: أما قصة الروم .. فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد، فهي من الأمور التي لم تقع بعد. وفيه بشارة ونذارة، وذلك دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد الجيوش سيكون أضعاف ما هو عليه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما يحذر من الغدر، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح مختصرًا جدًّا، وابن حبان في "الإحسان"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث حذيفة بن البمان رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٧٧) - ٣٩٨٧ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي،

стр. 11464

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرٌ ومَوْلَى الْمُطَّلِب، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ === صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم). (حدثنا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد (الدراوردي) الجهني مولاهم المدني، صدوق، من الثامنة، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله بن عمر العمري منكر، مات سنة ست، أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا عمرو مولى المطلب) اسمه عمرو بن أبي عمرو ميسرة، مولى المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي، أبو عثمان، ثقة، ربما وهم، من الخامسة، مات بعد الخمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن عبد الرحمن) بن ثابت بن الصامت (الأنصاري) المدني، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق). انتهى من " التقريب"، وقال في "التهذيب": ولم أر في عبد الله هذا جرحًا ولا تعديلًا، ولكن إخراجَ ابن خزيمة له حديثه هذا في "صحيحه" يدل على أنه ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". (عن حذيفة بن اليمان) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، وهو مختلف فيه. (قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة) أي: القيامة (حتى تقتلوا إمامكم) أيها المسلمون، وقد قتلوا عثمان بن عفان

стр. 11465

وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَيَرِثَ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ". (٧٨) - ٣٩٨٨ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، === ذا النورين رضي الله تعالى عنه (و) حتى (تجتلدوا) أي: وتقتتلوا وتضاربوا فيما بينكم (بأسيافكم، ويرث دنياكم) أي: الملك والمال (شراركم) أي: ويأخذ الظلمة والفسقة الملك والمال والخزائن. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو. ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة. ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديثٍ آخرَ له رضي الله تعالى عنه، فقال: (٧٨) - ٣٩٨٨ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري، المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي حيان) - بتشديد التحتانية - اسمه يحيى بن سعيد بن حيان - بمهملة وتحتانية - التيمي الكوفي، ثقة عابد، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).

стр. 11466

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاس، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَقَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِل، === (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ يومًا) من الأيام (بارزًا للناس) أي: ظاهرًا بالبراز خارجًا إليه لأجلهم؛ وهو الفضاء؛ ومنه قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ (١)، وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ﴾ (٤). (فأتاه) أي: فجاءه ﷺ (رجل) غير معروف لهم (فقال) ذلك الرجل: (يا رسول الله؟ متى) قيام (الساعة؟ ) وأي وقت مجيء القيامة؟ قال القرطبي: مقصود هذا السؤال: امتناع السامعين عن السؤال عنها؛ إذ قد أكثروا السؤال عن تعيين وقتها، وأما قوله في حديث أبي هريرة: (يا رسول الله) بدل قوله في حديث عمر (يا محمد) .. فهو نقل بالمعنى، وحديث عمر نقل باللفظ، والله أعلم. (فقال) رسول الله ﷺ مجيبًا له: (ما المسؤول عنها) يريد نفسه (بأعلم من السائل) يريد الرجل؛ أي: بل أنا وأنت وغيرنا من المخلوقات سواء في عدم علم وقت مجيء الساعة؛ لأنه من الغيب الذي

стр. 11467

وَلَكِنْ سَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُؤُوسَ النَّاسِ .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْغَنَمِ فِي الْبُنْيَانِ .. فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا === استأثر الله تعالى بعلمه، فلا يعلم أحد وقت مجيئها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل (ولكن سأخبرك عن أشراطها) أي: في الزمن القريب أخبرك عن أشراط الساعة وأماراتها التي تدل على قربها. قال النووي والأشراط - بفتح الهمزة - جمع شرط - بفتح الشين والراء - والأشراط: العلامة، ثم ذكر الأشراط الموعودة، فقال منها: (إذا ولدت) أي: وضعت (الأمة) أي: الرقيقة، وفي بعض الروايات: (إذا ولدت المرأة) أي: حرة كانت أو رقيقة (ربتها) أي: سيدتها ومالكتها .. (فذاك) أي: ولادتها وَوَضْعُها ربَّتَها (من) بعض (أشراطها) أي: من بعض أشراط الساعة وأمارات قربها. (و) منها (إذا كانت) الأعراب (الحفاة) جمع حاف؛ وهو الذي لا نعل له (العراة) جمع عار؛ وهو الذي لا شيء عليه من اللباس (رؤوس الناس) أي: ساداتهم وقاداتهم وساساتهم .. (فذاك) أي: كونهم سادات الناس (من) بعض (أشراطها) أي: من أشراط الساعة وعلامة قربها. (و) منها (إذا تطاول رعاء الغنم) أي: تطاولوا وتفاخروا (في) طول (البنيان) والعمائر .. (فذاك) التطاول والتباهي (من) بعض (أشراطها) وعلامتها التي تدل على قربها؛ والرعاء - بكسر الراء - جمع راع، وقد يجمع على رعاة؛ كغاز وغزاة، وداع ودعاة، يقال: تطاول في البنيان؛ إذا تفاخر وتباهى على غيره بطول بنيانه على بنيانه، ويقال: تطاول؛ إذا تسابق وتغالب في طول البنيان مع غيره فغلبه فيه؛ أي: إذا تطاول رعاء الشاء البهم؛ والبهم - بفتح الباء وسكون الهاء -: هي صغار الغنم؛ أي: الصغار من أولاد الغنم الضأن والمعز

стр. 11468

فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ"، فَتَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ... ﴾ الْآيَةَ. (٧٩) - ٣٩٨٩ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ === جميعًا، وقيل: من الضأن خاصة، وقيل: من المعز خاصة، وأصله: كل ما انبهم من الكلام؛ إذا انغلق عليه واستعجم فلم يقدر عليه. وقوله: "في خمس" متعلق بمحذوف؛ تقديره: هي؛ أي: الساعة مندرجة (في) عداد (خمس) أمور (لا يعلمهن إلا الله) تعالى؛ أي: انفرد الله سبحانه بعلمهن، فلا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس (فتلا رسول الله ﷺ أي: لبيان تلك الخمس قوله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ... ﴾ الآية) (١). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم القيامة، ومسلم في كتاب الإيمان والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله، وتقدم للمؤلف هذا الحديث في كتاب السنة، باب في الإيمان. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول. ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٧٩) - ٣٩٨٩ - (٦) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري،

стр. 11469

وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُهُ مِنْهُ: === ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). قال محمد بن جعفر: (حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة، إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع). قال شعبة: (سمعت قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع). (يحدث عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أنس: (ألا أحدثكم) (ألا) حرف تنبيه واستفتاح؛ أي: انتبهوا من غفلتكم، واستمعوا ما أقول لكم، أحدثكم (حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لا يحدثكم به أحد بعدي، سمعته) أي: سمعت ذلك الحديث (منه) ﷺ ؛ لعل أنسًا رضي الله تعالى عنه قال ذلك في آخر حياته حين انقرض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان من آخرهم موتًا، وعرف أنه لم يبق من الصحابة من يروي هذا الحديث غيره، توفي بالبصرة سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ) على ما قاله خَلِيفَةُ بن خَيَّاطٍ،

стр. 11470

"إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ، وَيَفْشُوَ الزِّنَا وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ وَيَبْقَى النِّسَاءُ؛ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ". === وقيل: كان سنه يوم مات مئة سنة وعشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، والأول أكثر؛ وكان ذلك ببركة دعوته ﷺ له بذلك. انتهى من "المفهم". وذلك الحديث قوله ﷺ : (إن من أشراط الساعة) وعلامة قربها (أن يرفع العلم) الديني وما يتعلق به، بقبض أرواح العلماء (ويظهر الجهل) يعني: الموانع المانعة من الاشتغال بالعلم الشرعي؛ كهذا الزمان الفاسد، باتباع اليهود والنصارى. انتهى "مناوي" بزيادة. (ويفشو الزنا) بانتشاره وإظهاره؛ بحيث لا يستحيا منه (ويشرب الخمر) والمسكر؛ بترك إقامة حدودهما على فاعلهما، فلا يرتدعون منهما (ويذهب الرجال) أي. يقل الرجال؛ بسبب كثرة قتلهم في المعارك وغيرها (ويبقى النساء) أرامل بلا رجال، ويكثرن (حتى يكون لخمسين امرأة) لكثرتهن (قيم واحد) وهو من يقوم بأمورهن ومصالحهن، سواء كن موطوءات أم لا، لا أن يكون زوجًا لهن. انتهى من "المبارق". قال الأبي: يحتمل أنه كناية عن قلة الرجال، ويحتمل أنه حقيقة، وأنه لا بد أن يقع في الفتن التي ستكون في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: (الله الله) فيتزوج الواحد بغير عدد؛ جهلًا بالحكم الشرعي. قوله: "أن يرفع العلم" أي: من الأرض بموت العلماء أو الرجال؛ فإنهم أهل العلم غالبًا، لكن على هذا يرجع هذا إلى معنى: ويذهب الرجال. انتهى "س".

стр. 11471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وفي رواية للبخاري: (أن يقل العلم) قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٧٩): يحتمل أن يكون المراد بـ (قلته): أول العلامة، وبـ (رفعه): آخرها، أو: أطلقت القلة وأريد بها: العدم؛ كما يطلق العدم ويراد به: القلة، وهذا أنسب؛ لاتحاد المخرج. قوله: "ويفشو الزنا" أي: يظهر، قال القرطبي: هذا من أعلام النبوة؛ لأنه إخبار عن أمور ستقع، وقد وقعت. انتهى، وإذا كان كذالك في زمان القرطبي .. فما بالك الآن؟ ! "ويشرب الخمر" أي: بكثرة، وإلا .. فمطلق الشرب لم يزل موجودًا في كل زمان، ويحتمل أن المراد: شيوع شربه في مجتمعات المسلمين، والعياذ بالله تعالى. قوله: "ويذهب الرجال وتبقى النساء" ولفظ رواية البخاري: (وتكثر النساء) وذلك أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال، لأنهم أهل حرب دون النساء، وقيل: هو إشارة إلى الفتوح، فيكثر السَّبْيُ، فيتخذ الرجل الواحد عِدَّة موطوءات. قال الحافظ: وفيه نظر بالقلة في الحديث الآخر؛ حيث قال: (من قلة الرجال وكثرة النساء) والظاهر أنها علامة محضة لا بسبب آخر، بل يقدر الله في آخر الزمان أن من يولد من الذكور يقل، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات .. يناسب رفع العلم، وظهور الجهل، كذا في "فيض القدير" (٢/ ٥٣٢). قوله: "حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد" بالرفع صفة و (قيم)، قيل: يحتمل أن يراد به: حقيقة هذا العدد، أو يكون مجازًا عن الكثرة، ويؤيده أن في حديث أبي موسى: (ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة).

стр. 11472

(٨٠) - ٣٩٩٠ - (٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، === وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر؛ لكونها مشعرةً باختلال الأمور التي يحصل بحفظها صلاحُ المعاش والمعاد؛ وهي: الدينُ؛ لأن رفع العلم يخل به، والعقل؛ لأن شرب الخمر يخل به، والنسب؛ لأن الزنا يخل به، والنفسُ والمالُ؛ لأن كثرة الفتن تخل بهما. قال الكرماني: وإنما كان اختلال هذه الأمور مؤذنًا بخراب العالم؛ لأن الخلق لا يتركون هملًا، ولا نبي بعد نبينا ﷺ ، فيتعين ذلك، كذا في "فيض القدير" (٢/ ٥٣٣). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل في آخر الزمان، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في أشراط الساعة. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول. ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال: (٨٠) - ٣٩٩٠ - (٧)) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له

стр. 11473

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، === أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات) من بابي ضرب ونصر، والأول أشهر؛ أي: حتى ينكشف الفرات؛ نهر مشهور بالكوفة؛ والمراد من حسره: أنه ينكشف (عن) جبل؛ أي: لذهاب مائه، فيظهر في محله (جبل من ذهب) وفي رواية: (عن كنز من ذهب) فيحتمل أن يكون ماظهر جبلًا حقيقة فيه كنز من ذهب. ويحتمل أن يكون كنزًا، سُمِّي في هذه الرواية جبلًا؛ لكثرة ما فيه من ذهب. وسيأتي عند المصنف في خروج المهدي عن ثوبان رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقْتَتِلُ عند كنزكم، ثلاثةٌ، كلهم أبناء خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا ذريعًا لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئًا لم أحفظه، فقال: إذا رأيتموه .. فبايعوه ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي". فهذا إن كان المراد بالكنز فيه: الكنز الذي في حديث الباب .. دل على أنه إنما يقع عند ظهور المهدي؛ وذلك قبل نزول عيسى ﵇ وقبل خروج النار جزمًا، أفاده الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٨١). انتهى من "الإنجاز".

стр. 11474

فَيَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْه، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ تِسْعَةٌ". (٨١) - ٣٩٩١ - (٨) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، === (فيقتتل الناس عليه) أي: على ذلك الكنز (فيقتل) بالبناء للمجهول؛ أي: فيقتل في ذلك الاقتتال (من كل عشرة تسعة) أنفار، هذه رواية شاذة، والمحفوظ ما عند مسلم (فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون) ولو صحت رواية ابن ماجه .. حملت على التقريب وإلقاء الكسر في نسبة المقتولين إلى العشرة؛ لأن تسعة وتسعين في مئة حينما تذكر بالنسبة إلى العشرة .. تكون تسعةً وكسرًا، والعرب من عادتهم إلغاء الكسر، وهذا التوجيه أولى عندي مما ذكره الحافظ من أنه يمكن باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين. انتهى من "الإنجاز". وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول. ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال: (٨١) - ٣٩٩١ - (٨) (حدثنا أبو مروان العثماني) محمد بن عثمان بن خالد الأموي المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق). (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).

стр. 11475

عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَفِيضَ الْمَالُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ"، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ الْقَتْلُ الْقَتْلُ"، ثَلَاثًا. === (عن العلاء بن عبد الرحمن) الحرقي - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - أبي شبل - بكسر المعجمة وسكون الموحدة - المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي مولاهم، الجهني المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يفيض) ويكثر (المال) بفتح خزائن الأرض لهم (وتظهر الفتن) وعمت كل أهل الأرض بالمقاتلة والمضاربة (ويكثر الهرج) أي: القتل فيما بينهم (قالوا) أي: الحاضرون عند رسول الله ﷺ عندما ذكر الهرج: (وما الهرج يا رسول الله؟ قال) لهم في تفسير الهرج حينما سألوه عنه: الهرج هو (القتل القتل القتل) ظلمًا، كرره (ثلاثًا) من المرات؛ للتأكيد اللفظي، والهرج - بفتح الهاء وسكون الراء - أصله في اللغة: الاختلاط، يقال: هرج الناس يهرجون، من باب نصر: وقعوا في فتنة واختلاط وقتل؛ كما في "القاموس". وقد وقع في آخر هذا الحديث في رواية جرير عند البخاري: (الهرج بلسان الحبشة: القتل). وإنما خصه بلسان الحبشة، لأن أصل هذه الكلمة في اللغة

стр. 11476

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === العربية بمعنى الاختلاط، وقد تستعار لمعنى: القتل، وأما في لسان الحبشة .. فهو بمعنى القتل ابتداءً. والحديث ظاهره أن كثرة القتل من أمارات قرب الساعة، وقد وقع، كما أخبر، وهذا علم من أعلام النبوة، وقد رأيتم أيها الناس ما وقع من هذا الهرج في هذا الزمان القريب؛ فإنه وقع أولًا حرب بين الروس والروم، وقتل عالم كثير من عالمي هذا العصر، ثم وقعت الحرب بين النصارى وأمريكا، فأفنت خلقًا كثيرًا، وأضاعت أموالًا وفيرة، ثم قامت الفتنة بين مصر وحكومة لُنْدُرةَ، فذهبت أموال لا تحصى، وهلكت نفوس لا تستقصى، والأمريكان والإنجليز ارتكبوا جرائم فظيعة تقشعر لها الأبدان في أفغانستان والعراق، وإلى الآن ما زالت تلك الفتن تطحن نفوس الناس في العراق والشام؛ كطاحونة الدقيق، وهذه الفتن كلها مما أخبر بها نبينا محمد ﷺ ، وهي من أشراط الساعة. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثمانية أحاديث: الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 11477

(١٥) - (١٤٦٦) - بَابُ ذَهَابِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ (٨٢) - ٣٩٩٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ === (١٥) - (١٤٦٦) - (باب ذهاب القرآن والعلم) (٨٢) - ٣٩٩٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثنا) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الأسدي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن سالم بن أبي الجعد) اسمه رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن زياد بن لبيد) بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبي عبد الله الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، وكان عاملًا على حضرموت لما مات النبي ﷺ ، مات سنة إحدى وأربعين (٤١ هـ). يروي عنه: (ق). وليس لزياد عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس له رواية في شيء من الأصول الخمسة؛ وهو زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدي بن أمية الأنصاري الخزرجي أبو عبد الله، خرج إلى رسول الله ﷺ بمكة، فأقام معه حتى هاجر، فكان يقال له: مهاجري أنصاري، وشهد العقبة

стр. 11478

قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَقَالَ: "ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا، === وبدرًا والمشاهد كلها، ومات النبي ﷺ ، وهو عامله على حضرموت، وكان له بلاء حسن في قتال أهل الردة، روى عن النبي ﷺ ، مات في أول خلافة معاوية. قلت: وقال الطبراني: سكن الكوفة، وقال مسلم وابن حبان: سكن الشام، زاد ابن حبان: وكان من فقهاء الصحابة، وقال ابن قانع: توفي سنة إحدى وأربعين، وقال في موضع: روى عنه جبير بن نفير، وقال البخاري في "التاريخ الصغير": لا أرى سالمًا سمع زيادًا، يعني: ابن لبيد، وقال الحافظ في ترجمة سالم: سمع سالم بن أبي الجعد زياد بن لبيد، وعلي بن أبي طالب، وأبا برزة، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ولا يضر قول البخاري في "التاريخ الصغير": "لا أرى سالمًا سمع زيادًا" لأنه لم يجزم؛ لأنه قال ذلك على صيغة الظن، بعدما قال غيره: إن سالمًا سمع زيادًا؛ لأنه إذا اختلف في الوصل والقطع .. فالقول قول الواصل، لما عنده من زيادة علم، فالحديث صحيح موصول. (قال) زياد بن لبيد: (ذكر النبي ﷺ شيئًا) هائلًا مفزعًا، لم أر من عين ذلك الشيء (فقال) النبي ﷺ : (ذاك) الشيء الهائل المخوف يكون (عند أوان) وزمن (ذهاب العلم) ورفعه. قال زياد: (قلت) للنبي ﷺ : (يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن) والحال أنا معاشر المسلمين (نقرأ القرآن) بأنفسنا، من قرأ الثلاثي (ونقرئه أبناءنا) - بضم النون - من أقرأ الرباعي، أي: والحال أنَّا

стр. 11479

وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ ! قَالَ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ؛ إِنْ كُنْتُ لَأُرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَة، أَوَ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟ ". === نقرئه أولادَنا (ويُقرئه أبناؤُنا أبناءَهم إلى يوم القيامة؟ ! قال) النبي ﷺ لزياد: (ثكلتك أمك) أي: فقدتك أمك يا (زياد) وهو دعاء عليه بالموت ظاهرًا؛ والمقصود: التعجب من غفلته من مثل هذا الأمر. والواو في قوله: (وكيف يذهب العلم؟ ) للعطف على محذوف؛ تقديره: متى يقع ذلك الهول، وكيف يذهب العلم (ونحن نقرأ القرآن) أي: والحال أن القرآن مستمر بين الناس إلى يوم القيامة، فمع وجوده كيف يذهب العلم؟ ! فقال النبي ﷺ لزياد: "ثكلتك" أي: فقدتك أمك، وأصله الدعاء، ثم استعمل في التعجب "يا زياد" بن لبيد (إن كنت) - بضم التاء للمتكلم - وإن مخففة من الثقيلة، واسمها: محذوف؛ أي: إنني كنتُ أنا (لأُراكَ) - بضم الهمزة - أي: لأظنك - وبفتحها - أي: لأَعْلَمك (من أفقه رجل بالمدينة) مفعول ثان (لأراك). و(من) زائدة في الإثبات على مذهب الأخفش، أو متعلقة بمحذوف؛ أي: إن كنت لأراك كائنًا من أفقه رجل في المدينة، قاله الطيبي، وأضاف أفعل التفضيل إلى النكرة المفردة؛ لأن المراد به: الاستغراق. (أوليس) أي: أتقول هذا الكلام وليس (هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل) والحال أنهم (لا يعملون بشيء مما فيهما؟ ) أي: مما في التوراة والإنجيل، فالجملة حال من فاعل يقرؤون؛ أي: يقرؤون حال كونهم غير عاملين؛ يعني: ومن لم يعمل بعلمه .. هو والجاهل سواء، بل هو بمنزلة الحمار يحمل أسفارًا.

стр. 11480

(٨٣) - ٣٩٩٣ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، === وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" بإسناده ومتنه، وكذا رواه أبو داوود الطيالسي، كلاهما من طريق سالم بن أبي الجعد به، وأخرجه أيضًا لحاكم والطحاوي في "شرح المشكل"، والخطيب في اقتضاء العلم العمل، وأبو خيثمة في كتاب العلم، وأحمد في "المسند". ودرجته: أنه صحيح موصول؛ لصحة سنده، ولأنه موصول عند بعضهم؛ كما قدمنا آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، فالحديث: صحيح متنًا وسندًا. ثم اسشهد المؤلف لحديث زياد بن لبيد بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٨٣) - ٣٩٩٣ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الطرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي مالك الأشجعي) سعد بن طارق الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن ربعي) بكسر أوله وسكون الموحدة (ابن حراش) - بكسر أوله آخره معجمة - أبي مريم العبسي - بفتح المهملة وسكون الموحدة - الكوفي، ثقة،

стр. 11481

عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ؛ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللهِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ === عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع). (عن حذيفة بن اليمان) واسم اليمان حسيل - بمهملتين مصغرًا - العبسي حليف الأنصار الصحابي الفاضل، من السابقين رضي الله تعالى عنهما، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : يدرس الإسلام) في آخر الزمان من درس رسم الدار يدرس؛ من باب نصر، دروسًا؛ إذا عفا وهلك، ومن درس الثوب درسًا؛ إذا كان خلقًا عتيقًا قديمًا باليًا، ويؤيد المعنى الثاني: قوله: (كما يدرس وشي الثوب) وهو - بفتح فسكون -: نقشه، وقال صاحب "القاموس": معناه: يخلق الإسلام، كما يخلق الثوب؛ وأصل الوشي: نقش الثوب. (حتى لا يدرى) ولا يعلم - بالبناء للمجهول - أي: يدرس الإسلام حتى لا يدرى ولا يعلم جواب سؤال (ما صيام، ولا) جواب سؤال ما (صلاة، ولا) جواب سؤال ما (نسك) أي: ما حج وعمرة (ولا) جواب سؤال ما (صدقة) أي: ما زكاة (وليسرى) من السراية؛ أي: وَلَيُجْنَى (على كتاب الله فيَذْهَب ويُرفع (في ليلة) واحدة (فلا يبقى في الأرض منه) أي: من كتاب الله (آية) واحدة، ولا أكثر منها (وتَبْقَى طوائفُ) جمع طائفة؛ بمعنى: جماعة (من الناس).

стр. 11482

الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَنَحْنُ نَقُولُهَا"، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ، وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ؟ ! فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ === وقوله: (الشيخ الكبير) أي: كبير السن (و) كذا المرأة (العجوز) أي: كبيرة السن .. بدلٌ مِنْ قوله: "طوائفُ" بدل بعض من كل، أو تفصيل من مجمل، حالة كونهما (يقولون: أدركنا آباءنا) وأجدادنا (على هذه الكلمة) يعنون بتلك الكلمة: كلمة (لا إله إلا الله، فـ) إذًا (نحن نقولها) أي: نقول كلمة (لا إله إلا الله) إذ بَقِيَتْ ولم ترفع من بيننا (فقال له) أي: لحذيفة بن اليمان (صلة) - بكسر أوله وفتح اللام الخفيفة - ابن زفر - بضم الزاي وفتح الفاء - العبسي الكوفي تابعي كبير، من الثانية، ثقة جليل، مات في حدود السبعين (٧٠ هـ) وكان جالسًا عند حذيفة عندما روى هذا الحديث (ما تغني) أي: أي شيء تدفع (عنهم) أي: عن أولئك الطوائف كلمة (لا إله إلا الله) من عقاب الله (وهم) أي: والحال أنهم (لا يدرون) ولا يعلمون جواب استفهامًا ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ ! )، والاستفهام إنكاري؛ أي: لا تدفع عنهم كلمة التوحيد شيئًا من العذاب إذا لم يعلموا معنى هذه الأركان ولم يعملوا بها، أي: قال صلة بن زفر لحذيفة هذا الاستفهام (فأعرض عنه) أي: عن صلة (حذيفة) بن اليمان ولم يرد له جوابه (ثم ردها) أي: ردد هذه الكلمات الاستفهامية صلة وكررها (عليه) أي: على حذيفة (ثلاثًا) من المرات (كل ذلك) المذكور من المرات الثلاث (يعرض عنه) أي: عن صلة (حذيفة، ثم أقبل عليه) أي: على صلة حذيفة

стр. 11483

فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا صِلَةُ؛ تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّار، ثَلَاثًا. === (في) المرة (الثالثة) أي: الأخيرة (فقال) حذيفة: (يا صلة؛ تنجيهم) أي: تنجي تلك الكلمة أولئك الطوائف (من) عذاب (النار، ثلاثًا). وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث زياد بن لبيد. قال البوصيري: هذا الحديث إسناده صحيح؛ لأن رجاله ثقات، رواه مسدد في "مسنده" عن أبي عوانة عن أبي مالك الأشجعي بإسناده ومتنه، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي كريب عن أبي معاوية، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي هذا الحديث نبأ خطير؛ وهو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى فيه أثره، وعلى القرآن فيرفع فلا يبقى منه ولا آية واحدة؛ وذلك لا يكون قطعا إلَّا بعد أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعًا، وتكون كلمة الله فيها هي العليا؛ كما هو نص قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١)، وكما شرح رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة، وما يرفع هذا القرآن الكريم في آخر الزمان إلَّا تمهيدًا لقيام الساعة على شرار الخلق الذي لا يعرفون شيئًا من الإسلام البتة، حتى ولا توحيده. وفي الحديث إشارة إلى عظمة القرآن، وأن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء دينهم، ورسوخ بنيانهم، وما ذلك إلَّا بتدارسه وتدبره وتفهمه، ولذلك تكفل الله تبارك بحفظه إلى أن يأذن الله برفعه، فما أبعد ضلال بعض المقلدة الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة، وأنه

стр. 11484

(٨٤) - ٣٩٩٤ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ === لا ضير على المسلمين من ضياع قرآنهم، لو فرض وقوع ذلك. انتهى من "الإنجاز". * * * ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث زياد بن لبيد بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٨٤) - ٣٩٩٤ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع). قال: (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه (ع). (و) حدثنا (وكيع) بن الجراح أيضًا، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). كلاهما رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقةٌ قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقةٌ، مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع). (عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : يكون بين يدي

стр. 11485

السَّاعَةِ أَيَّامٌ يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ". === الساعة) أي: قُدَّامهَا (أيام) أي: أزمان، بالرفع اسم يكون مؤخرًا، وخبرها الظرف المقدم (يرفع فيها) أي: يقبض في تلك الأيام (العلم) بقبض أرواح العلماء، فلا يبقى منهم أحد، فيأخذ الناس رؤوسًا جهالا، فيفتون بغير علم؛ كما ورد في الحديث المشهور (وينزل) أي: يكثر (فيها) أي: في تلك الأيام (الجهل) يعني: الموانع المانعة من الاشتغال بالعلم الشرعي؛ كهذا الزمان الفاسد باتباع اليهود والنصارى. انتهى "مناوي" بزيادة. (ويكثر فيها) أي: في تلك الأيام (الهرج) - بفتح الهاء وسكون الراء - وفسر النبي ﷺ الهرج حين سألوه، فقال: (والهرج: القتل) ظلمًا، وذكر تفسيره في الحديث السابق، وذكر صاحب "المحكم" للهرج معاني أخرى، ومجموعها تسعة: شدة القتل، وكثرة القتل، والاختلاط، والفتنة في آخر الزمان، وكثرة النِّكَاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وما يرى في النوم غير منضبط، وعدم الإتقان للشيء. وقال الجوهري: أصل الهرج: الكثرة في الشيء؛ يعني: حتى لا يتميز، كذا في "الفتح" (١٩/ ١٣). والحديث علم من أعلام النبوة؛ فقد وقع كلّ شيء من الأشياء المذكورة، وهي كلها مشاهدة موجودة في هذه الدار على وجه الكمال، ويزداد كلّ يوم أمر من هذه الأمور في العلم لا سيما في هذا الزمان الحاضر. انتهى من "الإنجاز". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، والترمذي في
следующие страницы →