عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ؛ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ، وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللهِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ
===
عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة بن اليمان) واسم اليمان حسيل - بمهملتين مصغرًا - العبسي حليف الأنصار الصحابي الفاضل، من السابقين رضي الله تعالى عنهما، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : يدرس الإسلام) في آخر الزمان من درس رسم الدار يدرس؛ من باب نصر، دروسًا؛ إذا عفا وهلك، ومن درس الثوب درسًا؛ إذا كان خلقًا عتيقًا قديمًا باليًا، ويؤيد المعنى الثاني: قوله: (كما يدرس وشي الثوب) وهو - بفتح فسكون -: نقشه، وقال صاحب "القاموس": معناه: يخلق الإسلام، كما يخلق الثوب؛ وأصل الوشي: نقش الثوب.
(حتى لا يدرى) ولا يعلم - بالبناء للمجهول - أي: يدرس الإسلام حتى لا يدرى ولا يعلم جواب سؤال (ما صيام، ولا) جواب سؤال ما (صلاة، ولا) جواب سؤال ما (نسك) أي: ما حج وعمرة (ولا) جواب سؤال ما (صدقة) أي: ما زكاة (وليسرى) من السراية؛ أي: وَلَيُجْنَى (على كتاب الله فيَذْهَب ويُرفع (في ليلة) واحدة (فلا يبقى في الأرض منه) أي: من كتاب الله (آية) واحدة، ولا أكثر منها (وتَبْقَى طوائفُ) جمع طائفة؛ بمعنى: جماعة (من الناس).
стр. 11482
الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَنَحْنُ نَقُولُهَا"، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ: مَا تُغْنِي عَنْهُمْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ، وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ؟ ! فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ
===
وقوله: (الشيخ الكبير) أي: كبير السن (و) كذا المرأة (العجوز) أي: كبيرة السن .. بدلٌ مِنْ قوله: "طوائفُ" بدل بعض من كل، أو تفصيل من مجمل، حالة كونهما (يقولون: أدركنا آباءنا) وأجدادنا (على هذه الكلمة) يعنون بتلك الكلمة: كلمة (لا إله إلا الله، فـ) إذًا (نحن نقولها) أي: نقول كلمة (لا إله إلا الله) إذ بَقِيَتْ ولم ترفع من بيننا (فقال له) أي: لحذيفة بن اليمان (صلة) - بكسر أوله وفتح اللام الخفيفة - ابن زفر - بضم الزاي وفتح الفاء - العبسي الكوفي تابعي كبير، من الثانية، ثقة جليل، مات في حدود السبعين (٧٠ هـ) وكان جالسًا عند حذيفة عندما روى هذا الحديث (ما تغني) أي: أي شيء تدفع (عنهم) أي: عن أولئك الطوائف كلمة (لا إله إلا الله) من عقاب الله (وهم) أي: والحال أنهم (لا يدرون) ولا يعلمون جواب استفهامًا ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ ! )، والاستفهام إنكاري؛ أي: لا تدفع عنهم كلمة التوحيد شيئًا من العذاب إذا لم يعلموا معنى هذه الأركان ولم يعملوا بها، أي: قال صلة بن زفر لحذيفة هذا الاستفهام (فأعرض عنه) أي: عن صلة (حذيفة) بن اليمان ولم يرد له جوابه (ثم ردها) أي: ردد هذه الكلمات الاستفهامية صلة وكررها (عليه) أي: على حذيفة (ثلاثًا) من المرات (كل ذلك) المذكور من المرات الثلاث (يعرض عنه) أي: عن صلة (حذيفة، ثم أقبل عليه) أي: على صلة حذيفة
стр. 11483
فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: يَا صِلَةُ؛ تُنْجِيهِمْ مِنَ النَّار، ثَلَاثًا.
===
(في) المرة (الثالثة) أي: الأخيرة (فقال) حذيفة: (يا صلة؛ تنجيهم) أي: تنجي تلك الكلمة أولئك الطوائف (من) عذاب (النار، ثلاثًا).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث زياد بن لبيد.
قال البوصيري: هذا الحديث إسناده صحيح؛ لأن رجاله ثقات، رواه مسدد في "مسنده" عن أبي عوانة عن أبي مالك الأشجعي بإسناده ومتنه، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي كريب عن أبي معاوية، وقال: صحيح على شرط مسلم، وفي هذا الحديث نبأ خطير؛ وهو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى فيه أثره، وعلى القرآن فيرفع فلا يبقى منه ولا آية واحدة؛ وذلك لا يكون قطعا إلَّا بعد أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعًا، وتكون كلمة الله فيها هي العليا؛ كما هو نص قول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١)، وكما شرح رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة، وما يرفع هذا القرآن الكريم في آخر الزمان إلَّا تمهيدًا لقيام الساعة على شرار الخلق الذي لا يعرفون شيئًا من الإسلام البتة، حتى ولا توحيده.
وفي الحديث إشارة إلى عظمة القرآن، وأن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء دينهم، ورسوخ بنيانهم، وما ذلك إلَّا بتدارسه وتدبره وتفهمه، ولذلك تكفل الله تبارك بحفظه إلى أن يأذن الله برفعه، فما أبعد ضلال بعض المقلدة الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة، وأنه
стр. 11484
(٨٤) - ٣٩٩٤ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ
===
لا ضير على المسلمين من ضياع قرآنهم، لو فرض وقوع ذلك. انتهى من "الإنجاز".
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث زياد بن لبيد بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٤) - ٣٩٩٤ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه (ع).
(و) حدثنا (وكيع) بن الجراح أيضًا، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقةٌ قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقةٌ، مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : يكون بين يدي
стр. 11485
السَّاعَةِ أَيَّامٌ يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ".
===
الساعة) أي: قُدَّامهَا (أيام) أي: أزمان، بالرفع اسم يكون مؤخرًا، وخبرها الظرف المقدم (يرفع فيها) أي: يقبض في تلك الأيام (العلم) بقبض أرواح العلماء، فلا يبقى منهم أحد، فيأخذ الناس رؤوسًا جهالا، فيفتون بغير علم؛ كما ورد في الحديث المشهور (وينزل) أي: يكثر (فيها) أي: في تلك الأيام (الجهل) يعني: الموانع المانعة من الاشتغال بالعلم الشرعي؛ كهذا الزمان الفاسد باتباع اليهود والنصارى. انتهى "مناوي" بزيادة.
(ويكثر فيها) أي: في تلك الأيام (الهرج) - بفتح الهاء وسكون الراء - وفسر النبي ﷺ الهرج حين سألوه، فقال: (والهرج: القتل) ظلمًا، وذكر تفسيره في الحديث السابق، وذكر صاحب "المحكم" للهرج معاني أخرى، ومجموعها تسعة:
شدة القتل، وكثرة القتل، والاختلاط، والفتنة في آخر الزمان، وكثرة النِّكَاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وما يرى في النوم غير منضبط، وعدم الإتقان للشيء.
وقال الجوهري: أصل الهرج: الكثرة في الشيء؛ يعني: حتى لا يتميز، كذا في "الفتح" (١٩/ ١٣).
والحديث علم من أعلام النبوة؛ فقد وقع كلّ شيء من الأشياء المذكورة، وهي كلها مشاهدة موجودة في هذه الدار على وجه الكمال، ويزداد كلّ يوم أمر من هذه الأمور في العلم لا سيما في هذا الزمان الحاضر. انتهى من "الإنجاز".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، والترمذي في
стр. 11486
(٨٥) - ٣٩٩٥ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى
===
كتاب الفتن، باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه، وقال: هذا حديث صحيح، وأحمد في "المسند".
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث زياد بن لبيد.
• • •
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث زياد بن لبيد بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٥) - ٣٩٩٥ - (٤) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي.
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقةٌ مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
(عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 11487
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ".
===
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : إن من ورائكم) أي: قدامكم؛ فهو تفسير بالضد؛ كما في قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (١).
(أيامًا ينزل فيها الجهل) أي: يكثر فيها الجهل بالحكم الشرعي (ويرفع فيها) أي: يقبض فيها (العلم) أي: بقبض أرواح العلماء.
قال الحافظ: معناه: أن العلم يرتفع بموت العلماء، فكلما مات عالم .. ينقص العلم بالنسبة إلى فقد حامله، وينشأ عن ذلك الجهل بما كان ذلك العالم ينفرد به عن بقية العلماء.
(ويكثر فيها الهرج، قالوا) أي: قال الحاضرون عنده ﷺ : (يا رسول الله؛ وما الهرج؟ قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: الهرج (القتل) ظلمًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم، باب رفع العلم وظهور الجهل في آخر الزمان.
ودرجته: أنه صحيح؛ لكون سنده صحيحًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث زياد بن لبيد.
• • •
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث زياد بن لبيد بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 11488
(٨٦) - ٣٩٩٦ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ: "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ،
===
(٨٦) - ٣٩٩٦ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى البصري السامي - بالمهملة - أبو محمد، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبي عروة البصري، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضل، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني إمام حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقةٌ متفنن، من كبار التابعين، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: حدثنا أبو هريرة هذا الحديث، حالة كون أبي هريرة (يرفعه) أي: يرفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ (قال) النبي ﷺ : (يتقارب الزمان) في آخر الزمان؛ أي: يتقارب أوقاته ويتسارع مروره (وينقص العلم) بموت أهله (ويلقى الشح) والبخل في قلوب الناس عن أداء الحقوق الواجبة (وتظهر الفتن) أي: الاختلاف والاختلاط والاقتتال
стр. 11489
وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ".
====
(ويكثر الهرج، قالوا: يا رسول الله؛ وما الهرج؛ قال: القتل) ظلمًا بغير حق.
قوله: "وينقص العلم" بموت أهله؛ فكلما مات عالم في بلد، ولم يخلفه غيره .. نقص العلم من تلك البلدة، وفي رواية: (ويقبض العلم)، وفي رواية للبخاري ومسلم: (وينقص العمل).
قال ابن أبي جمرة: نقص العمل الحسي ينشأ عن نقص الدين ضرورةً، وأما المعنوي .. فبحسب ما يدخل من الخلل؛ بسبب سوء المطعم، وقلة المساعد على العمل، والنفس ميالة إلى الراحة، وتحن إلى جنسها، ولكثرة شياطين الإنس الذين هم أضر من شياطين الجن.
قوله: "يتقارب الزمان" فسره العلماء بتفاسير مختلفة:
- قال النووي: معناه: يقرب الزمان من القيامة، وهذا التفسير بعيد؛ لأن السياق في بيان أشراط الساعة، فلا يفيد فائدة جديدة بهذا المعنى.
- قال ابن بطال: معناه - والله أعلم -: تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون من يأمر بمعروف وينهى عن منكر؛ لغلبة الفسق وظهور أهله.
- وذكر الطحاوي أن المراد: تقارب أهل الزمان في الجهل؛ وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم؛ لأن درج العلم تتفاوت، قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، وإنما يتساوون إذا كانوا جهالا.
- فسره الخطابي بأن المراد: سرعة مرور الزمان، وتَمسَّكَ بما أخرجه الترمذي عن أنس، وأحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى يتفاوت الزمان،
стр. 11490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة".
قال الخطابي: هو من استلذاذ العيش؛ لأن الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء، ويستطيلون مدة المكروه وإن قصرت، ومن طريق ما يروى فيه قول الشاعر:
إن الحياة منازلٌ ومراحلٌ ... تطوى وتنشر دونها الأعمارُ
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصارُ
وهذا التفسير حسن، ولكن لا ينبغي تقييده باستلذاذ العيش؛ فإن سرعة مرور الزمان يمكن لها أسباب أخرى، يقول الحافظ في "الفتح" (١٣/ ١٦): فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لَمْ نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا، وإن لَمْ يكن هناك عيش مستلذ.
- قال القاضي عياض: المراد بقصره: عدم البركة فيه، وإن اليوم مثلًا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة.
- قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان وقصره على ما وقع في حديث: "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر" وعلى هذا، فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا، ويحتمل أن يكون معنويا.
أما الحسي .. فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي .. فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي؛ فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك، ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان؛ لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه.
стр. 11491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
- قال البيضاوي: يحتمل أن يكون تقارب الزمان: تسارع الأول إلى إلَّا نقضاء، والقرون إلى الإنقراض، فيتقارب زمانهم، وتتدانى أيامهم.
فهذه سبعة أقوال في تفسير تقارب الزمان، التقطتها من "فتح الباري" (١٦/ ١٣) وفيه أقوال أخرى تركتها؛ لكونها ظاهرة البطلان.
قوله: "ويلقى الشح" فالمراد: إلقاؤه في قلوب الناس على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه، فيترك التعليم والفتوي، ويبخل الصانع بصناعته، حتى يترك تعليم غيره، ويبخل الغني بماله، حتى يهلك الفقير، وليس المراد: وجود أصل الشح؛ لأنه لَمْ يزل موجودًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، وفي كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، وأبو داوود في كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، وابن حبان في "الإحسان".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11492
(١٦) - (١٤٦٧) - بَابُ ذَهَابِ الْأَمَانَةِ
(٨٧) - ٣٩٩٧ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْب، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ
===
(١٦) - (١٤٦٧) - (باب ذهاب الأمانة)
(٨٧) - ٣٩٩٧ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان (الأعمش) ثقةٌ قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن زيد بن وهب) الجهني أبي سليمان الكوفي، ثقةٌ، مخضرم من الثانية، مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) حذيفة: (حدثنا رسول الله ﷺ حديثين) يعني: في خصوص الأمانة، وإلا .. فرواية حذيفة عن رسول الله ﷺ كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وعنى بأحد الحديثين: قوله: (حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)، وبالثاني: (ثم حدثنا عن رفع الأمانة ... ) إلى آخره.
стр. 11493
قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ؛ حَدَّثَنَا: أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَال،
===
قال الأبي: وكان الشيخ ابن عرفة يقول: هما حديث واحد، ولعل الحديث الثاني حديث عرض الفتن.
قال حذيفة: (قد رأيت) أنا (أحدهما) وهو نزول الأما نة في جذر القلوب (وأنا أنتظر) وأراقب (الآخر) أي: مجيء الحديث الآخر؛ وهو حديث رفع الأمانة.
الأول منهما: ما ذكره بقوله: (حدثنا) رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق (أن الأمانة نزلت) وحلَّت وخلقت (في جذر) - بفتح الجيم وكسرها مع سكون الذال المعجمة فيهما - أي: في أصل (قلوب الرجال) الكاملين، والنساء الكوامل؛ يعني: الصالحين والصالحات؛ أي: وجدت في أصل قلوبهم في خلقتها، وصارت فطرة وطبيعة فيها، حتى يعرض عليها ما يزيلها من الفتن؛ كما يشهد له حديث: "كلّ مولود يولد على الفطرة، ثم أبواه يهودانه أو ينصرانه".
قال النووي في "شرح مسلم": والظاهر أن المراد بالأمانة: التكاليف التي كلف الله تعالى بها عباده، والعهد الذي أخذه عليهم.
وقال صاحب "التحرير": الأمانة في الحديث هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ (١)، وهي عين الإيمان؛ فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد .. قام حينئدٍ من أداء التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجَدَّ في إقامتها.
قال علي القاري: الظاهر أن المراد بالعهد في كلام النووي: الميثاق؛ وهو الإيمان الفطري.
стр. 11494
- قَالَ الطنَافِسِيُّ: يَعْنِي: وَسْطَ قُلُوبِ الرِّجَالِ -
===
قلت: في الأمانة أقوال ذكرها المفسرون وشراح الحديث، وعندي أن المراد: ما يصح به تكليف الإنسان بالإيمان والإيمانيات؛ وهي الصلاحية الفطرية التي بها يستعد العبد لقبول الطاعات، والاحتراز عن المعاصي، وهذه هي الأمانة المودعة في قلوب بني آدم، وهي بالنسبة إلى الإيمان الشرعي بمنزلة تخوم الزروع وحبوب الأشجار المودعة في بطون الأرض.
وأما القرآن والسنة .. فمثلهما كمثل الغيث النازل من السماء إلى الأرض، فالأرض الطيبة إذا أصابها الغيث .. يخرج نباتها بإذن ربها، والتي خبثت .. لا يخرج إلَّا نكدًا، بل ربما تضيع التخم أيضًا.
(قال) علي بن محمد: (الطنافسي: يعني) النبي ﷺ أو الراوي أو شيخي وكيع بقوله: (في جذر قلوب ... ): (وسط قلوب الرجال) - بفتح الواو وسكون السين - أي: نزلت الأمانة في وسط قلوب الرجال لا في أطرافها، وهو بمعنى الجذر؛ والمراد: في وسط الناس؛ لأنه أعم من الرجال والنساء.
ويحتمل أن يكون المراد: الرجال بخصوصهم؛ لقلة الأمانة في النساء في الأصل؛ والمعنى: أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب الرجال، واستولت عليها، فكانت من الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة.
ومعنى إنزال الأمانة في القلوب: أن الله تعالى جبل القلوب الكاملة على القيام بحق الأمانة؛ من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها، وعلى النفرة من الخيانة فيها؛ لتنتظم المصالح بذلك. انتهى "كوكب".
وقال الأبي: ونزولها في أصل قلوب الرجال كناية عن خلق الله تعالى في تلك القلوب قابلية التزام حفظها، والقيام بها، فلما نزل القرآن والسنة .. عمل بمقتضاها من خلقت فيه تلك القابلية.
стр. 11495
وَنَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمْنَا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمْنَا مِنَ السُّنَّة، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا فَقَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ
===
قوله: (ونزل القرآن) والسنة، والواو فيه بمعنى: ثم للترتيب؛ كما في رواية مسلم بلفظها؛ أي: ثم بعد خلقه تلك الأمانة في قلوبهم نزل القرآن بلفظه وجاءت السنة بمعناها (فعلمنا) معاشر الرجال تلك الأمانة (من القرآن) أي: من لفظه (وعلمنا) تلك الأمانة (من) معنى (السنة) فقمنا بحقوقها.
قال السندي: أي: بعد نزول الأمانة في القلوب ازددنا فيها بالقرآن والسنة بصيرةً، وحسنت منا العلانية والسريرة. انتهى.
ولفظ "مسلم" مع "الكوكب": (ثم) بعد خلقتها في قلوبهم (نزل القرآن) بلفظه وجاءت السنة بمعناها (فعلموا) أي: أولئك الرجال الذين خلقت الأمانة في قلوبهم (من القرآن) وجوب القيام بتلك الأما نة ولزوم حفظها؛ أي: بما ذكر فيه من الوعد والوعيد والثواب والعقاب (وعلموا من السنة) والحديث تفاصيلها، وكيفية القيام بها وأدائها، فعملوا بها. انتهى.
وفي "فتح الملهم": قوله: (ثم نزل القرآن) يعني: كان في طباعهم الأمانة بحسب الفطرة التي فطر الناس عليها، ووردت الشريعة بذلك، فاجتمع الطبع والشرع في حفظها. انتهى منه.
والثاني من الحديثين؛ وهو الذي ذكر حذيفة آنفًا أنه ينتظره .. ما ذكره بقوله:
(ثم حدثنا) رسول الله ﷺ (عن رفعها) أي: عن كيفية رفع الأمانة والإيمان من قلوب الرجال التي خلقت فيها وطبعت عليها؛ أي: حدثنا عن كيفية رفعها شيئًا فشيئًا (فقال) في بيانها: (ينام الرجل) وكذا المرأة الذي كان ممَّنْ نَزلَتِ الأمانة في جذر قلبه (النومة) أي: المرة من النوم
стр. 11496
فَتُرْفَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كَأَثَرِ الْوَكْت، وَيَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُنْزَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كَأَثَرِ الْمَجْلِ؛
===
(فترفع الأمانة) أي: تقبض الأمانة؛ أي: تؤخذ الأمانة والإيمان الذي هو بسببها؛ أي: يُمْحَى نورُ الأمانة والإيمان (من قلبه) أي: من جذر قلبه.
والنوم في قوله: (فينام الرجل النومة) كناية عن الغفلة التي توجب ارتكاب السيئة الباعثة على نقص الأمانة ونقص الإيمان.
قوله: (فترفع الأمانة) أي: يقبض بعضها؛ بدليل ما بعده؛ يعني: يقبض بعض ثمرة الإيمان من قلبه (فيظل أثرها) أي: فيصير أثر محوها من القلب (كأثر الوكت) أي: مثل السواد اليسير والنقطة الصغيرة، قال الهروي: الوكت - بفتح الواو وسكون الكاف والتاء المثناة من فودتى -: الأثر اليسير في الشيء، وقال غيره: هو سواد يسير، وقيل: هو لون يحدث مخالف للون الذي قبله، يقال: وَكَتَتِ البُسْرةُ؛ إذا وقع نُكْتَةُ إِرطاب مِنْ جانبها، فإِن كانت في طرفها .. قِيلَ: مُذَنَّبَةٌ، وقال الزبيدي: الوكتة: نكتة في العين، وعين موكوتة؛ والوكت: سواد العين.
(وينام) ذلك الرجل المذكور؛ أي: ثم ينام (النومة) أي: المرة الثانية، والواو فيه بمعنى: (ثم)، ينام النومة الثانية (فتنزع الأمانة من قلبه) أي: تقبض ما بقي من الأمانة من قلبه.
(فيظل) أي: فيصير (أثرها) أي: أثر محوها في المرة الثانية من قلبه؛ أي: من جذر قلبه زيادة على ما طمس في النومة الأولى؛ أي: يكون المحل الذي محي منه نورها من جذر قلبه في المرة الثانية (كأثر المَجْلِ) أي: مِثْلَ التَّنَفُّطِ الذي يكون في اليدِ بسببِ العمل بفَأْسٍ أو نَحوِها؛ كالمِعول، شبه القُبَّة، فيه ماءٌ قليلٌ.
стр. 11497
كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ"،
===
قال القرطبي: والمجل - بفتح الميم وإسكان الجيم وفتحها - لغتان؛ والمشهور الإسكان؛ وهو التنفط المذكور؛ يعني: أن يكون بين الجلد واللحم ماء، يقال: مَجِلَتْ يدُه تَمْجَلُ مَجْلًا؛ من باب علم، ومَجَلَتْ تَمْجِل مَجْلًا؛ من باب ضرب، ومجَلَتْ تَمجُل؛ من باب قتل؛ إذا تَنفَّطَتْ من العمل؛ أي: انتفخَتْ جِلْدُها وكان فيه ماءٌ من أثر العمل.
وفي "النهاية": الوَكْتَةُ: الأثرُ في الشيء؛ كالنُقْطَةِ من غير لون، والجمعُ وُكَت؛ والمجل: تنفط اليد من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. انتهى.
ويقال: نفطت يده نفطًا؛ من باب تعب، ونفيطًا؛ إذا صار بين الجلد واللحم ماء. انتهى من "المصباح".
وقوله: (كجمر) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الوكت والمجل، ولكنه على تقدير مضاف؛ تقديره: حالة كون أثر الوكت والمجل مثل أثر جمر وشعلة نار أسقطتها على رجلك، أو مثل أثر حجر (دحرجته) أي: دحرجت ذلك الحجر وقلبته وأسقطته (على رجلك) أي: على عضو رجلك (فنفط) عضو رجلك - وهو بكسر الفالله - من باب تعب؛ أي: تنفط وانتفخ عضو الرجل؛ أي: الموضع الذي وقع عليه الجمر، أو الحجر من الرجل (فتراه) أي: فترى ذلك الموضع الذي وقع عليه الجمر أو الحجر (منتبرًا) - بكسر الباء - أي: منتفخًا مرتفعًا (و) الحال أنه اليس فيه) أي: في ذلك الموضع المنتفخ المرتفع (شيء) من ماء ولا لحم ولا دم صحاح، بل فيه ماء فاسد.
أو المعنى: أن تأثير ما بقي من الأمانة عنده .. كتأثير مجل أو جمر، فيتخيل للرائي أن الرجل ذو أمانة وصحة، وهو في ذلك بمثابة نقطة تراها متنفطة مرتفعة كبيرة لا طائل تحتها، وليس فيها شيء صالح، بل ماء فاسد.
стр. 11498
ثُمَّ أَخَذَ حُذَيْفَةُ كَفًّا مِنْ حَصىً
====
وعلى هذا المعنى: يكون الجار والمجرور في قوله: (كجمر) خبرًا لمبتدأ محذوف؛ كما قدرناه آنفًا.
وقوله: (كجمر) في "القاموس": الجمرةُ: النار المتقدةُ، تجمع على جَمَرٍ؛ كثَمرةٍ وثمرٍ، والحصاةُ؛ وهو المراد هنا؛ بدليل ما بعده من قوله: (ثم أخذ كفًّا من حصىً ... ) إلى آخره.
وقوله: (دحرجته) يقال: دحرجه دحرجة ودِحراجًا فتدحرج؛ أي: تتابع في حُدُورٍ وهبوطٍ من علو إلى سفل؛ والمُدَحْرَجُ: المدوَّرُ؛ والدُّحْرُوجَةُ: ما يُدَحْرِجُهُ الجُعَلُ من بنادق الروث أو الغائط. انتهى.
والمعنى: كحصىً دحرجته وأسقطته على ظهر قدمك، فأثر فيه، فترى أثره منتفخًا مرتفعًا، ليس فيه شيءٍ من ماء ولا لحم.
قوله: (فتنفط فتراه منتبرًا): تذكير الفعل المسند إلى الرجل، وكذا تذكير الضمير في قوله: (فتراه منتبرًا) مع أن الرجل مؤنثة بالنظر إلى كونها بمعنى العضو؛ كما في "النووي" والانتبار: هو التورم والانتفاخ، وكل مرتفعٍ مُنتبرٌ، ومنه: اشتق المنبر.
وعبارة "المفهم" هنا: قوله: (منتبرًا) أي: منتفخًا؛ من الانتبار؛ وهو الارتفاع، ومنه: انتبر الأمير؛ إذا صعد على المنبر، وبه سمي المنبر؛ لارتفاعه.
ونبَر الجرحُ؛ أي: وَرِمَ؛ والنَّبْرُ: نوع من الذباب يَلْسَعُ الإبلَ فيَرِمُ مكانُ لَسْعِه، وكل شيء ارتفع .. فقد نبَرَ، وقال أبو عبيد: (منتبرًا) متنفطًا.
(ثم أخذ حذيفة) رضي الله تعالى عنه (كفًّا من حصىً) وفي رواية مسلم: (ثم أخذ حصىً) من الحصيات؛ بإسقاط (كفًّا)، وفي بعض الأصول: (ثم أخذ حصاةً فدحرجها) بإفراد لفظ: (الحصاة) وهو صحيح.
стр. 11499
فَدَحْرَجَهُ عَلَى سَاقِهِ قَالَ: "فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلَا أَمِينًا، وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَأَجْلَدَهُ!
===
(فدحرجه) أي: أسقط ذلك الحصى (على ساقه) أي: على ظهر قدمه.
وفي "مسلم": (على رجله) وفي كلا الروايتين إطلاق الكل وإرادة الجزء؛ أي: على ظهر قدمه تمثيلًا وتصويرًا؛ لتدحرج الجمر والحصى على الرجل، والمذكور من قوله: (كجمر دحرجته) كلام مدرج في الحديث، أدرجه حذيفة رضي الله تعالى عنه؛ لزيادة البيان والإيضاح؛ أي: إيضاح المعقول بالمحسوس.
(قال) النبي ﷺ : (فيصبح الناس يتبايعون ... ) إلى آخره، معطوف على قوله: (فتنزع الأمانة) فهو من كلام النبي ﷺ ؛ أي: فتنزع الأمانة من قلبه، فيظل أثرها كأثر المجل، فيصبح الناس الذين قبضت الأمانة من جذر قلوبهم (يتبايعون) أي: يتعاقدون عقد البيع والشراء في الصباح بعدما نزعت الأمانة من جذر قلوبهم في نومة الليل؛ يعني: في الغفلة الواقعة منهم قبل ذلك (و) الحال أنه إلَّا يكاد) أي: لا يقارب (أحد) منهم أن (يؤدي الأمانة) الموضوعة عنده قبل ذلك إلى مستحقها، فيقل الأمناء فيهم (حتى يقال) من غاية قلة الأمانة في الناس: (إن في بني فلان رجلًا أمينًا) أي: شخصًا واحدًا يؤمن ويؤدي الأمانة إلى مستحقها لا غير.
وتقل فيهم الأمانة التي هي ثمرة الإيمان، وتكثر فيهم الخيانة التي هي ثمرة النفاق (و) يتمرنون عليها (حتى يقال للرجل) المنافق الخائن منهم؛ أي: حتى يقولوا للمنافق الخائن من أرباب الدنيا ممن له عقل وحيلة في تحصيل المال والجاه، وطبع في الشعر والنثر فصاحةً وبلاغةً، وقوةً بدنيةً وشجاعةً وشوكةً؛ تعجبًا منه ومدحًا له: (ما أعقله! ) أي: ما أكمله في عقله (و) ما (أجلده! )
стр. 11500
وَأَظْرَفَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ حَبَّةُ خَرْدَلِ مِنْ إِيمَانٍ"،
===
أي: ما أقواه في بدنه (و) ما (أظرفه! ) أي: ما أحسنه في لسانه وأدبه.
والظَّرْفُ عند العرب: في اللِّسان، والحلاوةُ: في العين، والملاحةُ: في الفم، وقال المبرد: الظريف مأخوذ من الظَّرْف؛ وهو الوعاء؛ كأنه جعل وعاء للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُفَ يَظْرُف ظرفًا، فهو ظريف، وهم ظُرفاء، وإنما يقال في الفِتْيان والفَتَيات أهلِ الخفة.
وحاصل قولهم ذلك: أنهم يمدحونه بكثرة الجلادة والظرافة والعقل، ويتعجبون منه، ولا يمدحون أحدًا بكثرةِ العلمِ النافع والعمل المصالح.
وقوله: (وما في قلبه) أي: في قلب ذلك الرجل الممدوح، حال من الرجل؛ أي: يمدحونه والحال أنه ما في قلبه مثقال (حبة خردل) أي: وزن حبةٍ؛ واحد الحبوب؛ من خردل: حب معروف من الأبازير، والإضافة فيه بيانية بمعنى: من، وقوله: (من إيمان) تمييز لمثقال.
قال العيني: وخلاصة ما ذكرناه: أن القلب يخلو عن الأمانة؛ بأن تزول عنه شيئًا فشيئًا، فإذا زال جزء منها .. زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وإذا زال شيء آخر منها .. صار كالمجل؛ وهو أثر كبير محكم لا يكاد يزول إلَّا بعد مدة، ثم شبَّه زوالَ ذلك النور بعد ثبوته في القلب، وخروجه منه واعتقاب الظلمة إياها بجَمرٍ تُدحرِجُه على رجلك حتى يُؤثِّر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط. انتهى "عمدة القاري".
فيصبح الناس بعد رفع الأمانة عن قلوبهم خَوَنةً فسقةً، حتى لا يوجد فيهم رجل أمين، ويمدحون الرجل منهم بالشجاعة والفصاحة ورصانة العقل، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.
قال الأبي: فبالجملة: فالمقصود من الحديث: الإخبار عن تغير الحال برفع
стр. 11501
وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَان وَلَسْتُ أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ؛ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا .. لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ إِسْلَامُهُ،
===
الأمانة من تلك القلوب التي جبلت على حفظها، وعدم الخون فيها حتى لا يبقى فيها إلَّا مثل الوكت، ثم مثل المجل، على ما تقدم. انتهى.
قال حذيفة: (و) الله الذي نفسي بيده القد أتى) ومر (علي زمان و) الحال أني (لست أبالي) ولا أَكْتَرثُ (أيكم بايعت) أي: الذي عاقدت معه عقد البيع والشراء منكم، و (أي): موصولة منصوبة؛ على أنَّها مفعول مقدم.
والله (لئن كان) الذي عاقدت معه (مسلمًا .. ليردنه علي) بحقي (إسلامُه) أي: حُكْمُ إسلامهِ ودينهِ وخوفه من الله تعالى؛ أي: يقضي لي ديني الذي عليه بعقد المبايعة خوفُه من ربه.
وفي "المفهم": قوله: (لا أبالي أيكم بايعت) من البيع، لا من المبايعة والعهد؛ لأن اليهودي والنصراني لا يبايع بيعة الإسلام، ولا بيعة الإمامة، وإنما يعني: أن الأمانة قد رفعت من الناس، فقلَّ من يُؤْمَن على البيع والشراء.
ومعنى قوله: (وما أبالي أيكم بايعت): أنه لوثوقه سلفًا بوجود الأمانة في الناس كان يُقْدِم على مبايعة من اتفق، من غير بحث عن حاله، فلما بدا التغير في الناس وظهرت الخيانة .. صار لا يبايع إلَّا من يعرف حاله من الناس.
و(أي) هنا موصولة منصوبة؛ على أنَّها مفعول به لي (أبالي)، وجملة (بايعت) صلتها، والعائد محذوف؛ تقديره: لا أبالي الذي بايعته منكم.
وقوله: (لئن كان مسلمًا) جواب عن سؤال مقدر؛ كأن قائلًا قال له: لَمْ لا تبالي ولم تزل الخيانة موجودة؟ فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك، لكنه يَثِقُ - بالمثلثة - بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلّ عمل قلّ أو جلّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه،
стр. 11502
وَلَئِنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا .. لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ؛ فَأَمَّا الْيَوْمَ .. فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.
====
وتخليص حقه من الكافر إن خانه، بخلاف العصر الأخير الذي أشار إليه؛ فإنه صار لا يبايع إلَّا أفرادًا من الناس. انتهى "فتح الملهم".
(ولئن كان) الذي أبايعه (يهوديًّا أو نصرانيًا .. ليردنه علي) في أداء حقي (ساعيه) أي: كفيله أو ضمينه (فأما اليوم) الحاضر .. (فما كنت) مريدًا (لأبايع) - بكسر اللام ونصب الفعل بعدها - لأنَّها لام الجحود؛ لوقوعها بعد كان المنفية بـ (ما) أي: ما كنت مريد البيع مع أحد منكم (إلَّا فلانًا وفلانًا) أي: إلَّا أفرادًا قلائل من الناس؛ لرفع الأمانة وقلة الأمناء.
وقد تقدم آنفًا أن معنى المبايعة هنا: البيع والشراء المعروفان؛ ومراده: أني كنت أعلم أن الأمانة لَمْ ترتفع، وأن في الناس وفاءً بالعهود، فكنت أقوم على مبايعة من اتفق لي من غير بحث عن حاله؛ وثوقًا بالناس وأمانتهم؛ فإنه إن كان مسلمًا .. فدينه وأمانته تمنعه من خيانته، وتحمله على أداء الأمانة.
وإن كان كافرًا .. فساعيه؛ وهو الوالي عليه، كان يقوم أيضًا بالأمانة في ولايته فيستخرج حقي منه.
وأما اليوم .. فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وثوق بمن أبايعه، ولا بالساعي في أداء الأمانة، فما أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا؛ يعني: أفرادًا من الناس أعرفهم وأثق بهم.
والحاصل: أنه أشار بقوله: (إلَّا فلانًا وفلانًا) إلى العصر الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول .. أقلّ، وأما الذي ينتظره .. فإنه حيث تفتقد الأمانة من الجميع إلَّا النادر منهم.
وحاصل هذا الخبر: أنه ﷺ أنذر برفع الأمانة، وأن
стр. 11503
(٨٨) - ٣٩٩٨ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ،
===
الموصوف بالأمانة يُسْلَبُهَا حتى يصير خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما على ما هو مشاهد لمن خالط أهل الخيانة؛ فإنه يصير خائنًا؛ لأن القرين يقتدي بقرينه السابق. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، وفي كتاب الفتن، ومسلم في كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من القلوب وعرض الفتن على القلوب، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في رفع الأمانة، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٨) - ٣٩٩٨ - (٢) (حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول الحمصي القرشي، صدوق له أوهام وكان يدلس، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا محمد بن حرب) الخولاني الحمصي الأبرش - بالمعجمة -، ثقةٌ، من التاسعة. يروي عنه: (ع)، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ).
(عن سعيد بن سنان) الحنفي أو الكندي أبي مهدي الحمصي، متروك، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع، من الثامنة. روى عن: أبي الزاهرية، ويروي عنه: (ق)، ومحمد بن حرب. مات سنة ثلاث أو ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ).
стр. 11504
عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّة، عَنْ أَبِي شَجَرَةَ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا .. نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ .. لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمَقَّتًا، فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمَقَّتًا .. نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ .. لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا،
====
(عن أبي الزاهرية) حدير بن كريب - بالتصغير فيهما - الحضرمي الحمصي، صدوق، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبي شجرة كثير بن مرّة) الحضرمي الحمصي، ثقةٌ، من الثانية، ووهم من عده في الصحابة. يروي عنه: (عم).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سعيد بن سنان، وهو متروك اتفقوا على ضعفه، وأحاديثه موضوعة.
(أن النبي ﷺ قال: إن الله إذا أراد أن يهلك عبدًا .. نرع منه) أي: من ذلك العبد (الحياء) أي: الحياء من الله ومن الناس، فيفعل ما يشاء من ارتكاب المحرمات وترك المأمورات (فإذا نزع منه الحياء .. لَمْ تلقه) أي: لَمْ تَرَهُ (إلَّا مقيتًا) أي: إلَّا ممقوتًا عند الله وعند الناس؛ والمقيت - فعيل بمعنى مفعول - من المقت؛ وهو أشد البغض عند الله تعالى.
وقوله: (ممقتًا) - بضم الميم وتشديد القاف - اسم مفعول؛ من مقته - بتشديدها - اسم مفعول؛ من مقت المضعف؛ وهو توكيد لفظي لما قبله، فالمجيء به بعد الأول مبالغة في التأكيد؛ أي: لَمْ تره إلَّا بغيضًا مبغضًا عند الطباع، أو إلَّا ظاهرًا عليه أثر البغض من الله تعالى (فإذا لَمْ تلقه إلَّا مقيتًا ممقتًا .. نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة .. لَمْ تلقه إلَّا خائنًا مخونًا)
стр. 11505
فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا .. نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ .. لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا، فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا .. نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الْإِسْلَامِ".
===
اسم مفعول؛ من خون المضعف؛ أي: لَمْ تره إلَّا خائنًا؛ أي: موصوفًا بالخيانة في حد ذاته مخونًا؛ أي: منسوبًا بين الناس إلى الخيانة مشهورًا بها بينهم، والجمع بينهما للمبالغة (فإذا لَمْ تلقه إلَّا خائنًا مخونًا .. نزعت منه الرحمة) للناس ولغيرهم؛ أي: الشفقة والعطف والسهولة لهم قلبًا وقالبًا (فإذا نزعت منه الرحمة) للمخلوق ... (لَمْ تلقه إلَّا رجيمًا) أي: مرجومًا عند الله وعند الناس، مطرودًا عنده وعندهم (ملعنًا) اسم مفعول؛ من لعن المضعف، والجمع بينهما للتأكيد؛ كسابقه؛ أي: منسوبًا إلى اللعن عند الله وعند الناس (فإذا لَمْ تلقه إلَّا رجيمًا ملعنًا .. نزعت منه ربقة الإسلام) أي: قيده؛ وهو بكسر الراء وسكون الموحدة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف، بل موضوع (٨)(٤٥٧)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 11506
(١٧) - (١٤٦٨) - بَابُ الْآيَاتِ
(٨٩) - ٣٩٩٩ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّاز، عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ الْكِنَانِيِّ،
====
(١٧) - (١٤٦٨) - (باب الآياتِ)
أي: العلامات الدالة على قرب الساعة.
* * *
(٨٩) - ٣٩٩٩ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقةٌ إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن فرات) بن أبي عبد الرَّحمن (القزاز) الكوفي، ثقةٌ، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن عامر بن واثلة) بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي (أبي الطفيل الكناني) وربما سمي عمرًا، ولد عام أحد، ورأى النبي ﷺ . وروى عن: أبي بكر الصديق، وعمن بعده؛ وعُفِر إلى أن مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ) على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة على الإطلاق، قاله مسلم وغيره، رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
стр. 11507
عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَبِي سَرِيحَةَ قَالَ: اطَّلَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غُرْفَةٍ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ السَّاعَةَ فَقَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ عَشْرُ آيَاتٍ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا،
===
(عن حذيفة بن أسيد) - بفتح الهمزة - الغفاري (أبي سريحة) - بمهملتين مفتوح الأول - الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، من أصحاب الشجرة، مات سنة اثنتين وأربعين (٤٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) حذيفة: (اطَّلع) وفي رواية الترمذي: أشرف علينا (رسول الله ﷺ أي: نَظَر إلينا من فوق (مِنْ غُرْفَةٍ) له فَوْقنا؛ وهي - بضم المعجمة وسكون الراء - العُلِّيَّةِ - بضم العين واللام المشددة المكسورة والياء المشددة المكسورة -: غرفة مرتفعة بنيت على أعواد، هكذا قال شيخنا: يوسف بن أحمد الهرري الورقي الفقيه من فقهاء الشافعية رحمه الله تعالى.
(ونحن) أي: والحال أننا معاشر الصحابة (نتذاكر) ونتحدث في أمر (الساعة) وشأنها وأهوالها (فقال) لنا: في أي شيء تتحدثون؟ قلنا: نتحدث في أشراطها وشدة أهوالها، فقال: (لا تقوم الساعة حتى تكون) وتوجد قبلها (عشر آيات) أي: عشر علامات تدل على قربها؛ وهي (طلوع الشمس من مغربها) بعد غروبها.
واعلم: أن الأشياء العشرة معدودة على غير ترتيبها، ولذلك ذكر طلوع الشمس من مغربها قبل نزول عيسى ابن مريم، وقبل خروج يأجوج ومأجوج، ودلت الأحاديث الأخرى على أن طلوع الشمس من مغربها إنما سيكون قبل نفخة الصور، وحينئذٍ لا ينفع نفسًا إيمانها لَمْ تكن آمنت من قبل. انتهى "مرقاة".
стр. 11508
وَالدَّجَّالُ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّابَّةُ، وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَخُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَثَلَاثَةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِق،
===
(و) خروج (الدجال) من جزيرة بحر فارس؛ لأنه محبوس فيها؛ كما في حديث تميم الداري، وهو الكذاب الذي يدعي الألوهية، وهو صاف بن صياد؛ كما سيأتي الكلام عليه في بابه.
(والدخان) وروى حذيفة عن النبي ﷺ أن من أشراط الساعة دخانًا يمكث في الأرض أربعين يومًا قرب الساعة، وهذا الدخان هو الذي يكون من أشراط الساعة على الصحيح.
وأنكر هذا القول ابن مسعود، وقال: إنه عبارة عما نال قريشًا من القحط، حتى كانوا يرون بينهم وبين السماء كهيئة الدخان، وقد وافق ابن مسعود على هذا القول جماعة من الصحابة، ويؤيد قول ابن مسعود قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وهذا قد مضي، فلا يكون من أشراط الساعة، ويجمع بين القولين: بأنهما دخانان؛ جمعًا بين الآثار.
(والدابة) وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ (٢) بكلام يفهمونه، وذكر المفسرون أنَّها دابة عظيمة تخرج من صدعٍ في جبل الصفا، لا يفوتها أحد، فتَسِمُ على المؤمن، فيَتَنوَّرُ وَجْهُه فتكتب بين عينيه (مؤمن) وتسم على الكافر، فيَسْوَدُّ وجهُه، وتكتب بين عينيه (كافر) وذكروا أنَّها آخرُ الآيات، ويُغْلقُ عندها بابُ التوبةِ والعلمِ والعملِ.
(و) خروج (يأجوج ومأجوج) من سد ذي القرنين (وخروج عيسى ابن مريم ﵇ في آخر مدة الدجال لِقَتْلِه (وثلاثةُ خسوف: خسف بالمشرق،
стр. 11509
وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِب، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَب، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَر، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا".
===
وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب) أي: غَوْصُ الأرضِ وغَوْرُها إلى تَحْتٍ.
قال ابن الملك: قد وجد الخسف في مواضع، لكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة: قدرًا زائدًا على ما وجد؛ كأن يكون أعظمَ مكانًا وقَدْرًا، كذا في "المرقاة".
(و) آخرُ ذلك المذكور من العلامات العشرِ كلها؛ كما في رواية مسلم: (نارٌ تخرج من قعر) أي: من أقصى وآخر ونهاية (عدنِ أبينَ) بإضافة (عدن) إلى (أبين)، وفي "المشارق": مدينة مشهورة باليمن، وفي "القاموس" - محركة -: جزيرة باليمن، و (أبين) اسم رجل من أولاد هود ﵇، وهو أول من سكن وأقام بتلك المدينة، وهو غير منصرف للعلمية ووزن الفعل.
(تسوق) تلك النار (الناس إلى) أرض (المحشر) وهي الشام (تبيت) تلك النار؛ أي: تنزل (معهم) في الليل (إذا باتوا) أي: نزلوا في الليل (وتقيل) أي: تستريح (معهم) في النهار (إذا قالوا) أي: إذا استراحوا من حر الشمس؛ من قال يقيل قيلولة وقائلةً، وهما بمعنىً.
وفي "القاموس": القائلة: استراحة نصف النهار، يقال: قال قيلولة وقائلة؛ إذا استراح وسط النهار ونام فيه، وقد بسطنا الكلام في "شرح مسلم" فراجعه إن شئت.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن، باب الآياتِ التي تكون قبل الساعة، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة،
стр. 11510
(٩٠) - ٤٠٠٠ - (٢) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَابْنُ لَهِيعَةَ،
===
والترمذي في الفتن، باب ما جاء في الخسف، وابن ماجة في كتاب الفتن باب الآيات.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وقد تقدم تخريج هذا الحديث للمؤلف في كتاب الفتن، باب أشراط الساعة رقم (١٤٦٥)، حديث رقم (٣٩٨٥).
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث حذيفة بن أسيد بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٠) - ٤٠٠٠ - (٢) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن حرملة بن عمران أبو حفص التجيبي المصري، صاحب الشافعي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري أبو أمية، ثقةٌ فقيه حافظ، من السابعة، مات قديمًا قبل الخمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(و) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ولكنه ثقةٌ فيما رواه عنه العبادلة. يروي عنه (م د ت ق)، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ).
стр. 11511
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا:
===
كلاهما رويا (عن يزيد بن أبي حبيب) سويد أبي رجاء المصري، ثقةٌ فقيه، وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سنان بن سعد) ويقال له: سعد بن سنان الكندي المصري، وصوب البخاري وابن يونس الأول، صدوق له أفراد، من الخامسة. يروي عنه: (د، ق). وقال ابن حبان في "الثقات": حدث عنه المصريون، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روى عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما روي عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير، فكأنهما اثنان، وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن سعد بن سنان الذي روى عنه يزيد بن أبي حبيب، فقال: ثقةٌ.
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
فهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سنان بن سعد، وهو مختلف فيه.
(عن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال) الصالحة (ستًّا) أي: بادروا وسارعوا بعمل الأعمال الصالحة قبل مفاجأة هذه الأمور الست؛ أي: اعملوا الأعمال الصالحة واشتغلوا بها قبل مجيء هذه الأمور الست التي هي تشغلكم عنها، وفي "النهاية": معنى مبادرتها بالأعمال: الانكماش والانغماس في الأعمال والاهتمام بها قبل وقوعها.
وفي تأنيث (الست) إشارة إلى أنَّها مصائب ودواه. "سندي".
وقال القاضي - فيما نقله عنه القاري (٩/ ٣٦٨) -: أمرهم أن يبادروا بالأعمال
стр. 11512
طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الْأَرْض، وَالدَّجَّالَ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ".
===
قبل نزول هذه الآياتِ الست؛ فإنها إذا نزلت .. دهشتهم وشغلتهم عن الأعمال، أو سد عليهم باب التوبة وقبول الأعمال.
وفي "الكوكب": أي: سابقوا ست آيات دالة على قرب الساعة قبل وقوعها وحلولها؛ فإن العمل بعد وقوعها وحلولها لا يقبل ولا يعتبر.
وقوله: (طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامة) بالنصب في جميعها، بدل من قوله (ستًّا) بدل تفصيل من مجمل، أو بدل بعض من كلّ، وقد تقدم الكلام على أكثر هذه الست في حديث حذيفة بن أسيد.
وعبارة القرطبي: أي: سابقوا بالأعمال الصالحة ولا تُسَوِّفُوها، واغتنِمُوا التمكُّنَ منها قبل أن يُحال بينكم وبينها، بداهيبما من هذه الدَّواهِي المذكورة، فيفوت العملُ؛ للمانع، أو تنعدم منفعتُه؛ لعدمِ القبول.
قوله: "وخويصيةَ أحدكم" يعني: حادثةَ الموت التي تَخُصُّ كلَّ إنسان؛ وهي تَصْغِيرُ خاصَّة، وصُغِّرَتْ؛ لاحتقارها في جانبِ ما بعدها من البعثِ والعَرْضِ والحسابِ وغيرِ ذلك.
أو يعني بها: الموانع التي تخصه مما يمنعه من العمل؛ كالمرض والكِبَرِ والفقرِ المُنْسِي والغِنى المُطْغِي والعِيالِ والأولادِ والهمُوم والأَنْكَادِ والفِتَنِ والمِحنِ ... إلى غيرِ ذلك مما لا يتمكَّنُ الإنسانُ مع شيء منه على عمل صالح، أو لا يَسْلَمُ له.
وهذا المعنى هو الذي فَصَّلَه في حديث آخر؛ حيث قال: "اغتنم خمسًا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك" رواه الحاكم (٤/ ٣٠٦).
стр. 11513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي: وبادروا بالأعمال الصالحة قبل حيلولة الاشتغال بخويصة أحدكم عن العمل المصالح؛ أي: الاشتغال بأمر خاص بك؛ أي: بنفسك أو بأهلك أو بولدك؛ كما مر بيانه (و) قبل حيلولة الاشتغال بـ (أمر العامة) عن العمل المصالح.
وعبارة القرطبي: قوله: "أو أمر العامة" يعني: الاشتغال بهم فيما لا يتوجه على الإنسان غرضه؛ فإنهم يفسدون من يقصد إصلاحهم، ويهلكون من يريد حياتهم لا سيما في مثل هذه الأزمان التي قد مرجت فيها عهودهم، وخانت أماناتهم، وغلبت عليهم جهالاتهم وأهواؤهم، وأعانتهم الظلمة والسفهاء.
وعلى هذا؛ فعلى العامل أن يهتم بخصوصية نفسه، والإعراض عن أبناء جنسه إلى حلول رمسه، أعاننا الله تعالى على ذلك بفضله وكرمه وجوده، آمين.
والمعنى: بادروا بالأعمال الصالحة وسارعوا إلى الإتيان قبل أن تظهر هذه العلامات الست؛ إذ يعسر العمل فيما بعدها، أو لا يقبل عندها.
وقوله: "أو خاصة أحدكم" كما هي رواية مسلم والمراد منها: الموت؛ فإن من مات .. قامت قيامته، وقيل: هو ما يختص به الإنسان من الشواغل المتعلقة بنفسه أوماله أوما يهتم به. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكنه أخرج مسلم مثله من حديث أبي هريرة في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في بقية أحاديث الدجال، والحاكم في "المستدرك".
ودرجته: أنه صحيح المتن؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي هريرة، أخرجه مسلم، حسن السند؛ لأن فيه سنان بن سعد، وهو مختلف فيه؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة بن أسيد.
* * *
стр. 11514
(٩١) - ٤٠٠١ - (٣) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
===
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩١) - ٤٠٠١ - (٣) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني - بضم المهملة - نزيل مكة، ثقةٌ حافقاله تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا عون بن عمارة) القيسي العبدي أبو محمد البصري، ضعيف، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن المثنى) - بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون مقصورًا - (ابن ثمامة بن عبد الله بن أنس) بن مالك الأنصاري أبو المثنى البصري، صدوق كثير الغلط، من السادسة. يروي عنه: (خ ت ق).
(عن أبيه) هكذا جاءت الرواية وهو وهم، والصواب (عن عمه) أي: روى عبد الله بن المثنى عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، وقيل: ينسب إلى جده، الأنصاري البصري قاضيها، صدوق، من الرابعة، عزل عنه سنة عشر ومئة، ومات بعد ذلك بمدة. يروي عنه: (ع). روى عن: جده أنس بن مالك، ويروي عنه: ابن أخيه عبد الله بن المثنى.
(عن جده) أي: روى ثمامة عن عمه عن جده (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11515
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْآيَاتُ بَعْدَ الْمِئَتَيْنِ".
===
وفي لفظ رواية المؤلف تحريفات، والصواب: (حدثنا الحسن الخلال، حدثنا عون بن عمارة، حدثنا عبد الله بن المثنى عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك عن جده أنس بن مالك).
(عن أبي قتادة) الأنصاري الحارث بن ربعي - بكسر الراء وسكون الموحدة - ابن بُلْدةَ - بضمة بعدها لام ساكنة - السَّلَمي - بفتحتين - المدني رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عون بن عمارة، وفيه أيضًا عبد الله بن المثنى، وهو صدوق كثير الغلط.
(قال) أبو قتادة: (قال رسول الله ﷺ : الآياتِ بعد المئتين) فقوله: (الآياتِ) بالرفع مبتدأ، ولكنه على تقدير مضاف، والخبر قوله: (بعد المئتين) والتقدير: ظهور الآياتِ؛ أي: ظهور علامات القيامة وظهور كبارها كائن (بعد المئتين) أي: تظهر باعتبار ابتدائها ظهورًا كاملًا بعد المئتين من الهجرة؛ أو من دولة الإسلام، أو من وفاته ﷺ .
ويحتمل أن تكون اللام في (المئتين) للعهد؛ أي: بعد المئتين بعد الألف؛ وهو وقت ظهور المهدي وخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇، وتتابع الآياتِ؛ من طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وظهور يأجوج ومأجوج، وأمثالها.
قال الطيبي (١٠/ ١٠٤): الآياتِ بعد المئتين مبتدأ وخبر؛ أي: تتابع الآياتِ وظهور أشراط الساعة على التتابع والتوالي كائن بعد المئتين.
قال السندي: المراد: الآياتِ الصغار التي هي كالمقدمات للكبار؛ مثل:
стр. 11516
(٩٢) - ٤٠٠٢ - (٤) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
===
فشو الكذب، أو الكبار، والمراد بالمئتين: المئتان بعد الألف.
ويحتمل: أن يكون الكلام مسوقًا؛ لإفادة أن المئتين من الآيات، وليس المراد: أنَّها متصلات بمضي المئتين. انتهى من "الإنجاز".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، وذكرهُ ابن الجوزي في "الموضوعات"، ودرجته: أنه ضعيف، بل هو موضوع (٩)(٤٠٨)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٢) - ٤٠٠٢ - (٤) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقةٌ ثبتٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا نوح بن قيس) بن رباح الأزدي أبو روح البصري، صدوق رمي بالتشيع، من الثامنة، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الله بن معقل) عن يزيد الرقاشي، مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن يزيد) بن أبان (الرقاشي) - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبي عمرو البصري القاص - بتشديد المهملة - زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11517
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُمَّتِي عَلَى خَمْسِ طَبَقَاتٍ؛ فَأَرْبَعُونَ سَنَةً أَهْلُ بِرٍّ وَتَقْوَي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةِ سَنَةٍ أَهْلُ تَرَاحُمٍ وَتَوَاصُلٍ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى سِتِّينَ وَمِئَةِ سَنَةٍ أَهْلُ تَدَابُرٍ وَتَقَاطُعٍ، ثُمَّ الْهَرْجُ الْهَرْجُ، النَّجَا النَّجَا".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن مَعْقِلٍ ويزيد بن أبان، وهما مجهولان.
(عن رسول الله ﷺ قال: أمتي) من حيث أحوالهم وديانتهم (على خمس طبقاتٍ) ودرجاتٍ من الناس، ثم فصلها (فـ) ذكر أهل الطبقة الأولى منها بقوله: هم (أربعون سنة أهل بر) وخير (و) أهل (تقوى) من الله تعالى، بامتثال مأموراته، واجتناب منهياته.
ثم ذكر الطبقة الثانية بقوله: (ثم) بعد تمام أربعين سنة (الذين يلونهم) أي: يَلُونَ أهلَ الطبقة الأولى (إلى) تمام (عشرين ومئة سنة) هم (أهل تراحم) وتعاطف وتشافق فِيمَا بَيْنَهم في حقوقِ الأجانب (وتواصل) فيما بينهم في حقوق الأرحام.
ثم ذكر الطبقة الثالثة بقوله: (ثم الذين يلونهم) أي: يلون أهل الطبقة الثانية (إلى) تمام (ستين ومئة سنة) هم (أهل تدابر) والتدابر: أن يعرض بعضكم عن بعض بوجهه وبكلامه، وهو كناية عن الحسد والبغض (و) أهل (تقاطع) للأرحام.
ثم ذكر الرابعة بقوله: (ثم الهرج) ثم أهل الهرج والقتل، وقوله: (الهرج) ثانيًا .. توكيد لفظي لما قبله.
ثم ذكر الخامسة بقوله: (النجا النجا) والتكرار للتوكيد؛ كالذي قبله؛ أي: ثم النجا، أي: ثم الذين يلونهم أهل النجا؛ أي: الذين يطلبون النجاة بأنفسهم
стр. 11518
(٩٢) - ٤٠٠٢ - (م) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا خَازِم أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْمِسْوَرُ بْنُ الْحَسَن، عَنْ أَبِي مَعْنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
من الفتن بالعزلة قائلين فيما بينهم: اطلبوا النجاة بأنفسكم بالعزلة.
قوله: "النجا النجا" في "المجمع": النجا: السرعة؛ من نجا ينجو؛ إذا أسرع؛ ونجا من الأمر؛ إذا خلص من المكروه، منصوب على الإغراء على المفعولية لفعل محذوف وجوبًا؛ تقديره: اطلبوا النجا من المكروه، والمعروف فيه المد إذا أفرد، والمد والقصر إذا كرر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولا شاهد له ولا متابع، ودرجته: أنه ضعيف لا أصل له؛ لأنه من الموضوعات، فالحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٠)(٤٠٩)؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٢) - ٤٠٠٢ - (م) (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي البصري، ثقةٌ حافظ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا خازم) بن مروان البصري (أبو محمد العنزي) - بفتح العين المهملة والنونِ بعدها زاي - مجهول الحال، من الثامنة، ووهم من ذكره في الحاء المهملة، فقال فيه: حازم، بل هو بالخاء المعجمة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا المسور بن الحسن) مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي معن) مجهول، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11519
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمَّتِي عَلَى خَمْسِ طَبَقَاتٍ؛ كُلُّ طَبَقَةٍ أَرْبَعُونَ عَامًا؛ فَأَمَّا طَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِي .. فَأَهْلُ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ، وَأَمَّا الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ .. فَأَهْلُ بِرٍّ وَتَقْوَى"، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ثلاثة مجاهيل، وغرضه: بيان متابعة أبي معن ليزيد بن أبان الرقاشي.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : أمتي على خمس طبقات؛ كل طبقة) منها مدتها (أربعون عامًا؛ فأما طبقتي وطبقة أصحابي .. فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية) التي مدتها (ما بين الأربعين) وما فوقها (إلى) تمام (الثمانين .. فـ) هم (أهل بر وتقوي، ثم ذكر) أبو معن (نحوه) أي: نحو حديث يزيد الرقاشي.
فدرجة هذه المتابعة كأصلها: ضعيفة (١٠)(٤٠٩) (م)؛ لضعف سندها، وغرضها: بيان متابعة أبي معن ليزيد الرقاشي.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذه الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث والرابع للاستئناس، والأخير للمتابعة.
والله أعلم
стр. 11520
(١٨) - (١٤٦٩) - بَابُ الْخُسُوفِ
(٩٣) - ٤٠٠٣ - (١) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(١٨) - (١٤٦٩) - (باب الخسوف)
(٩٣) - ٤٠٠٣ - (١) (حدثنا نصر بن علي الجهضمي) البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو أحمد) الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ إلَّا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا بشير بن سلمان) الكندي الأسلمي أبو إسماعيل الكوفي، ثقةٌ يغرب، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن سيار) أبي حمزة الكوفي، مقبول، من الخامسة، وكان يقال: سيار أبو الحكم، وهو وهم، والصواب ما قلنا، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (د ت ق).
(عن طارق) بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، قال أبو داوود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .