(٩٢) - ٤٠٠٢ - (٤) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
===
فشو الكذب، أو الكبار، والمراد بالمئتين: المئتان بعد الألف.
ويحتمل: أن يكون الكلام مسوقًا؛ لإفادة أن المئتين من الآيات، وليس المراد: أنَّها متصلات بمضي المئتين. انتهى من "الإنجاز".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، وذكرهُ ابن الجوزي في "الموضوعات"، ودرجته: أنه ضعيف، بل هو موضوع (٩)(٤٠٨)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٢) - ٤٠٠٢ - (٤) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقةٌ ثبتٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا نوح بن قيس) بن رباح الأزدي أبو روح البصري، صدوق رمي بالتشيع، من الثامنة، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الله بن معقل) عن يزيد الرقاشي، مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن يزيد) بن أبان (الرقاشي) - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبي عمرو البصري القاص - بتشديد المهملة - زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11517
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُمَّتِي عَلَى خَمْسِ طَبَقَاتٍ؛ فَأَرْبَعُونَ سَنَةً أَهْلُ بِرٍّ وَتَقْوَي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةِ سَنَةٍ أَهْلُ تَرَاحُمٍ وَتَوَاصُلٍ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ إِلَى سِتِّينَ وَمِئَةِ سَنَةٍ أَهْلُ تَدَابُرٍ وَتَقَاطُعٍ، ثُمَّ الْهَرْجُ الْهَرْجُ، النَّجَا النَّجَا".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن مَعْقِلٍ ويزيد بن أبان، وهما مجهولان.
(عن رسول الله ﷺ قال: أمتي) من حيث أحوالهم وديانتهم (على خمس طبقاتٍ) ودرجاتٍ من الناس، ثم فصلها (فـ) ذكر أهل الطبقة الأولى منها بقوله: هم (أربعون سنة أهل بر) وخير (و) أهل (تقوى) من الله تعالى، بامتثال مأموراته، واجتناب منهياته.
ثم ذكر الطبقة الثانية بقوله: (ثم) بعد تمام أربعين سنة (الذين يلونهم) أي: يَلُونَ أهلَ الطبقة الأولى (إلى) تمام (عشرين ومئة سنة) هم (أهل تراحم) وتعاطف وتشافق فِيمَا بَيْنَهم في حقوقِ الأجانب (وتواصل) فيما بينهم في حقوق الأرحام.
ثم ذكر الطبقة الثالثة بقوله: (ثم الذين يلونهم) أي: يلون أهل الطبقة الثانية (إلى) تمام (ستين ومئة سنة) هم (أهل تدابر) والتدابر: أن يعرض بعضكم عن بعض بوجهه وبكلامه، وهو كناية عن الحسد والبغض (و) أهل (تقاطع) للأرحام.
ثم ذكر الرابعة بقوله: (ثم الهرج) ثم أهل الهرج والقتل، وقوله: (الهرج) ثانيًا .. توكيد لفظي لما قبله.
ثم ذكر الخامسة بقوله: (النجا النجا) والتكرار للتوكيد؛ كالذي قبله؛ أي: ثم النجا، أي: ثم الذين يلونهم أهل النجا؛ أي: الذين يطلبون النجاة بأنفسهم
стр. 11518
(٩٢) - ٤٠٠٢ - (م) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا خَازِم أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا الْمِسْوَرُ بْنُ الْحَسَن، عَنْ أَبِي مَعْنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
من الفتن بالعزلة قائلين فيما بينهم: اطلبوا النجاة بأنفسكم بالعزلة.
قوله: "النجا النجا" في "المجمع": النجا: السرعة؛ من نجا ينجو؛ إذا أسرع؛ ونجا من الأمر؛ إذا خلص من المكروه، منصوب على الإغراء على المفعولية لفعل محذوف وجوبًا؛ تقديره: اطلبوا النجا من المكروه، والمعروف فيه المد إذا أفرد، والمد والقصر إذا كرر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولا شاهد له ولا متابع، ودرجته: أنه ضعيف لا أصل له؛ لأنه من الموضوعات، فالحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٠)(٤٠٩)؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٢) - ٤٠٠٢ - (م) (حدثنا نصر بن علي) الجهضمي البصري، ثقةٌ حافظ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا خازم) بن مروان البصري (أبو محمد العنزي) - بفتح العين المهملة والنونِ بعدها زاي - مجهول الحال، من الثامنة، ووهم من ذكره في الحاء المهملة، فقال فيه: حازم، بل هو بالخاء المعجمة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا المسور بن الحسن) مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي معن) مجهول، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11519
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمَّتِي عَلَى خَمْسِ طَبَقَاتٍ؛ كُلُّ طَبَقَةٍ أَرْبَعُونَ عَامًا؛ فَأَمَّا طَبَقَتِي وَطَبَقَةُ أَصْحَابِي .. فَأَهْلُ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ، وَأَمَّا الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ .. فَأَهْلُ بِرٍّ وَتَقْوَى"، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ثلاثة مجاهيل، وغرضه: بيان متابعة أبي معن ليزيد بن أبان الرقاشي.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : أمتي على خمس طبقات؛ كل طبقة) منها مدتها (أربعون عامًا؛ فأما طبقتي وطبقة أصحابي .. فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية) التي مدتها (ما بين الأربعين) وما فوقها (إلى) تمام (الثمانين .. فـ) هم (أهل بر وتقوي، ثم ذكر) أبو معن (نحوه) أي: نحو حديث يزيد الرقاشي.
فدرجة هذه المتابعة كأصلها: ضعيفة (١٠)(٤٠٩) (م)؛ لضعف سندها، وغرضها: بيان متابعة أبي معن ليزيد الرقاشي.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذه الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث والرابع للاستئناس، والأخير للمتابعة.
والله أعلم
стр. 11520
(١٨) - (١٤٦٩) - بَابُ الْخُسُوفِ
(٩٣) - ٤٠٠٣ - (١) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا بَشِيرُ بْنُ سَلْمَانَ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ طَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(١٨) - (١٤٦٩) - (باب الخسوف)
(٩٣) - ٤٠٠٣ - (١) (حدثنا نصر بن علي الجهضمي) البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو أحمد) الزبيري محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم الأسدي الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ إلَّا أنه قد يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا بشير بن سلمان) الكندي الأسلمي أبو إسماعيل الكوفي، ثقةٌ يغرب، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن سيار) أبي حمزة الكوفي، مقبول، من الخامسة، وكان يقال: سيار أبو الحكم، وهو وهم، والصواب ما قلنا، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (د ت ق).
(عن طارق) بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، قال أبو داوود: رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه، مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
стр. 11521
قَالَ: "بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ مَسْخٌ وَخَسْفٌ وَقَذْفٌ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وسنده موصول لا منقطع؛ كما قد قِيل؛ كما سنُبينه قريبًا.
(قال) النبي ﷺ : (بين يدي الساعة) أي: قدام القيامة (مسخ) للصورة الظاهرية أو للقلوب الباطنية (وخسف) أي: ذهاب في عمق الأرض (وقذف) أي: رمي بالحجارة من جهة السماء، قال التوربشتي: هذا من باب التغليظ والتشديد.
قال البوصيري: هذا إسناد رجاله ثقات إلَّا أنه منقطع؛ سيار أبو الحكم لَمْ يحدث عن طارق بن شهاب، قاله الإمام أحمد بن حنبل، وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه ابن حبان في "صحيحه".
وقال الألباني في "الصحيحة" (٤/ ٣٩٢): وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله ثقات رجال مسلم، غير سيار هذا؛ وهو أبو حمزة الكوفي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى عنه جمع، وأعله البوصيري في "الزوائد" بالانقطاع بين سيار وطارق، وليس بشيء؛ لأنه بناه على أن سيارًا هذا هو أبو الحكم، وليس هو به.
نعم؛ كان بشير بن سليمان الراوي عن سيار يقول فيه أحيانًا: سيار أبو الحكم، وهو وهم منه؛ كما قال أحمد بن حنبل وغيره، وهو في هذا الحديث لَمْ يهم؛ كما ترى، ولو وهم .. لبين وهمه، فلا يُعلُّ بالانقطاع، ثم إن الحديث له شواهد كثيرة تشهد لصحته؛ منها ما روي عن عائشة وعمران بن حصين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وسهل بن سعد وجابر بن عبد الله وأبي هريرة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛
стр. 11522
(٩٤) - ٤٠٠٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُصعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسلَمَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
===
كما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٤) - ٤٠٠٤ - (٢) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرَّحمن بن عوف، أبو مصعب الزهري المدني الفقيه، صدوق عابه أبو خيثمة؛ للفتوى بالرأي، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ضعيف، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ت ق). وقال في "التهذيب": أجمعوا على ضعفه.
(عن أبي حازم) سلمة (بن دينار) الأعرج التمار المدني القاص، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مشهور، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها، وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلم، وهو متفق على ضعفه.
стр. 11523
أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ".
(٩٥) - ٤٠٠٥ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ،
===
(أنه) أي: أن سهلًا (سمع النبي ﷺ يقول: يكون في آخر أمتي) أمة الإجابة (خسف) أي: ذهاب في عمق الأرض (ومسخ) أي: تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها، وقيل: هو مسخ القلوب، وفيه نظر (وقذف) أي: رمي بالحجارة من جهة السماء؛ كقوم لوط.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح بما قبله وبما بعده، وسنده ضعيف؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود، وسنده ضعيف جدًّا.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٥) - ٤٠٠٥ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بُنْدار، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ)، وله بضع وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي - بفتح النون والزاي - أبو موسى البصري، المعروف بالزمن، مشهور بكنيته وباسمه، ثقةٌ ثبتٌ، من العاشرة، وكان هو وبندار فرسي رهان، وماتا في سنة واحدة، أي: سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن
стр. 11524
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَخْرٍ، عَنْ نَافِع أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُقْرِئُكَ السَّلَامَ قَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ
===
مسلم الشيباني البصري، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حيوة) بفتح أوله وسكون التحتانية وفتح الواو (ابن شريح) بن صفوان التجيبي أبو زرعة المصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيه زاهد، من السابعة، مات سنة ثمان، وقيل: تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو صخر) حميد بن زياد بن أبي المخارق الخراط صاحب العباء المدني، سكن مصر، صدوق يهم، من السادسة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ) وقال الدارقطني: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (م د ت ق).
(عن نافع) العدوي مولاهم المدني؛ مولى ابن عمر، ثقةٌ فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(أن رجلًا) من المسلمين، ولم أر من ذكر اسم هذا الرجل (أتى) أي: جاء (ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فقال) ذلك الرجل لابن عمر: (إن فلانًا يقرئك السلام) أي: يقرأ عليك السلام (قال) ابن عمر لذاك الرجل: (إنه) أي: إن الشأن والحال (بلغني) أي: وَصَل إليَّ خَبَرُ (أنه) أي: أن فلان" (قد أحدث) وفعل وأوجد في الدين بدعة محدثة؛ أي: أمرأ ليس من الدين الإسلامي؛ لأني سمعت أنه يكذِّب بالقدر ولا يؤمن به (فإن كان) فلانٌ (قد أحدث) وابتدع في الدين ما ليس منه
стр. 11525
فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ فِي أُمَّتِي أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَسْخٌ وَخَسْفٌ أَوْ قَذْفٌ؛ وَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ".
===
(فلا تُقرِئه) يا أيها الرجل (مني) أي: من جهتي (السلام) أي: لا ترد سلامه عليَّ عليه؛ لأن رد سلام المبتدعِ لا يجب على من سلم هو عليه (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون في أمتي) أي: أمة الإجابة (أو) قال رسول الله ﷺ : يكون (في هذه الأمة) المحمدية (مسخ) على صورة أقبح من صورهم (وخسف) أي: غور في الأرض (أو قذف) أي: رمي بالحجارة من جهة السماء (وذلك) المذكور من المسخ والخسف والرمي واقع (في أهل القدر) وفي "المشكاة": وذلك في المكذبين بالقدر.
تبين بهذا الحديث أن القدرية المذمومة إنما هي المكذبة بالقدر، لا المؤمنة به؛ كما زعمت المعتزلة، ونسبوا أهل السنة والجماعة إلى القدرية.
وقوله: (ذلك) في الحديث ما يدلُّ على استحقاق ما سبق من الخسف والمسخ؛ لأجل ما بعده من التكذيب، فتكون هذه الأمور في هذه الأمة؛ كما في سائر الأمم، خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون مطلقًا، إنما مسخها بقلوبها، وأما ما رُوِيَ من رفع الخسف والمسخ عن هذه الأمة .. فالمراد به: رفع المسخ والخسف العامَّين، فافهم. انتهى.
قال الطبيي: قوله: (فلا تقرئه مني السلام) كناية عن عدم قبول سلامه؛ لأنه مبتدع. انتهى، وقال القاري في "المرقاة": والأظهر: أن مراده: ألا تُبلِّغَه مني السلام أو لا تَرُدَّهُ؛ فإنه ببدعته لا يستحق جواب السلام، ولو كان من أهل الإسلام.
وقال ابن حجر: (لا تقرئه مني السلام) لأنا أُمرنا بمهاجرة أهل البدع، ومن
стр. 11526
(٩٦) - ٤٠٠٦ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر،
===
ثم قال العلماء: لا يجب رد سلام الفاسق والمبتدع، بل لا يسن؛ زجرًا لهما، ومن ثم جاز هجرهم كذلك. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب السنة، باب لزوم السنة، والترمذي في كتاب القدر، باب رقم (١٦).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن مسعود بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٦) - ٤٠٠٦ - (٤) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن فضيل) - مصغرًا - ابن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن الحسن بن عمرو) الفقيمي - بضم الفاء وفتح القاف - الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ، من السادسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (١٤٢ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي،
стр. 11527
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ".
===
صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل القرشي السهمي أحد السابقين المكثرين من الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، وأحد العبادلة الفقهاء، مات ليالِيَ الحرة في ذي الحجة على الأصح بالطائف على الراجح.
يروي عنه: (ع)، قال ابن معين: لَمْ يسمع أبو الزبير من عبد الله بن عمرو، وقال أبو حاتم: مرسل لَمْ يلقه، والأصح أنه سمع منه؛ كما في "التهذيب".
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : "يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف").
أحاديث الباب تدل على مسخ وخسف وقذف في أمته ﷺ ، ولكن هذه مقيدة بأهل القدر؛ كما في رواية الباب؛ وهم الغلاة في إثبات القدرة للعبد؛ أي في إثبات الخلق والإيجاد له، دون إثبات القدرة في خلق الأفعال لله ، والله أعلم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وكثرة شواهده وإن قيل: إنه منقطع.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11528
(١٩) - (١٤٧٠) - بَابُ جَيْشِ الْبَيْدَاءِ
(٩٧) - ٤٠٠٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ، سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ صَفْوَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ
===
(١٩) - (١٤٧٠) - (باب جيش البيداء)
(٩٧) - ٤٠٠٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقةٌ حافظ فقيه إمام حجة إلَّا أنه تغير حفظه بأخرةٍ، وكان ربما دلس ولكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أمية بن صفوان بن عبد الله بن صفوان) بن أمية الجمحي المكي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ: مقبول، من السادسة. يروي عنه: (م س ق).
(سمع جده عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي أبي صفوان، ولد على عهد النبي ﷺ ، ولأبيه صحبة، مشهور، قتل مع ابن الزبير وهو متعلق بأستار الكعبة سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ)، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى. يروي عنه: (م س ق).
حالة كون عبد الله بن صفوان (يقول: أخبرتني حفصة) بنت عمر رضي الله
стр. 11529
أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ؛ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ .. خُسِفَ بِأَوْسَطِهِمْ، وَيَتَنَادَى أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ فَيُخْسَفُ بِهِمْ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ"، فَلَمَّا جَاءَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ
===
تعالى عنهما أم المؤمنين (أنَّها) أي: أن حفصة (سمعت رسول الله ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: قالت حفصة: سمعت رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول): والله الذي لا إله غيره (ليؤمن) - بفتحتين، ثم همزة مضمومة، ثم بميم مشددة مفتوحة، ثم بنون التوكيد الثقيلة - من أم؛ إذا قصد، فعل مضارع مؤكد بالنون؛ أي: والله؛ ليقصدن (هذا البيت) الحرام (جيش) من الكفار حالة كونهم (يغزون) أي: حالة كونهم يريدون غَزْوَ أهلـ (ـه) وهَدْمَه (حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض) أي: بصحراء من الأرض البيداء؛ وهي الأرض الملساء التي ليس فيها شيء من النبات والأشجار والماء، واسم موضع بين الحرمين.
(خُسف) - بالبناء للمجهول - والجار والمجرور في قوله: (بأوسطهم) - نائب فاعل له - أي: ذُهب بهم في عمق الأرض؛ أي: خسف الله بأوسطهم الأرض (ويَتَنَادى) أي: يستغيث (أولهم آخرهم، فيخسف بهم) أي: بجميعهم أولهم وآخرهم (فلا يبقى منهم) أي: من أولئك الجيش (إلَّا الشريد) أي: إلَّا الهارب (الذي يخبر) الناس (عنهم) أي: خبَرَ خسفِهم؛ والشريد: هو الذي يشرد من موضع الخسف؛ أي: يفر فيخبر الناس بخبرهم. انتهى "سندي".
قال عبد الله بن صفوان: (فلما جاء جيش الحجاج) بن يوسف الثقفي
стр. 11530
ظَنَنَّا أَنَّهُمْ هُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى حَفْصَةَ، وَأَنَّ حَفْصَةَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
(٩٨) - ٤٠٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ،
===
الجائر المشهور؛ أي: جاؤوا من الشام إلى العراق لقتال أهل الحجاز .. (ظَنَنَّا) أي: حسبنا (أنهم) أي: أن جيش الحجاج (هم) أي: الجيش الذين أخبر عنهم النبي ﷺ في حال حياته؛ أعني: هؤلاء الذين خسف بهم في البيداء (فقال رجل) من الحاضرين عند عبد الله بن صفوان، ولم أر من ذكر اسم ذلك الرجل: (أشهد عليك) يا عبد الله بن صفوان (أنك لَمْ تكذب على حفصة) أم المؤمنين (وأن حفصة لَمْ تكذب على النبي ﷺ فهذا الحديث صحيح؛ كما أخبرت لنا.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: النسائي في كتاب مناسك الحج، باب حرمة الحرم.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث حفصة بحديث صفية بنت حيي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٨) - ٤٠٠٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ له تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا الفضل بن دكين) - مصغرًا - الكوفي، واسم دكين: عمرو بن
стр. 11531
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْمُرْهِبِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْتَهِي النَّاسُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يَغْزُوَ جَيْشٌ؛
===
حماد بن زهير التيمي مولاهم، أبو نعيم الأحول، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة، مات سنة ثماني عشرة ومئتين (٢١٨ هـ)، وقيل: تسع عشرة ومئتين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقةٌ إمام حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سلمة بن كهيل) - مصغرًا - الحضرمي أبي يحيى الكوفي، ثقةٌ يتشيع، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إدريس المرهبي) - بضم أوله وكسر الهاء بعدها موحدة - الكوفي، اسمه سوار أو مساور، صدوق يتشيع، من الرابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن مسلم بن صفوان) مجهول، من الثالثة. يروي عنه: (ت ق)، صحح الترمذي حديثه وهو معلول، كذا قال الحافظ في "التقريب"، وقال في هامش "الخلاصة" - نقلًا عن "التهذيب" -: وثقه ابن حبان، فكيف يكون هذا السند معلولًا؟ ! بل غايته أن يكون حسنًا ما لَمْ يُبَيَّن وَجْهُ كونه معلولًا.
(عن صفية) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو مسلم بن صفوان.
(قالت) صفية: (قال رسول الله ﷺ : لا ينتهي الناس) ولا ينزجر (عن غزو) أهل (هذا البيت) الحرام وإرادة هدمها (حتى يغزو جيش) من الكفار؛ أي: حتى يخرج جيش من الجاهلية من وطنهم، فذهبوا في
стр. 11532
حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ .. خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ"، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُكْرَهُ؛ قَالَ: "يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمْ".
===
طريق غزوها (حتى إذا كانوا بالبيداء) أي: في الصحراء الخالي عن العمران (أو) قال النبي ﷺ : حتى إذا كانوا (ببيداء من الأرض) والشك من بعض الرواة، وفي حديث حفصة عند مسلم وكذا عند ابن ماجة: (بيداء من الأرض) بلا ذكر شك.
قال النووي: قال العلماء: البيداء - بفتح الموحدة وسكون الياء -: كلّ أرض مَلْسَاءَ لا شيء فيها. انتهى من "التحفة".
وقوله: (خسف) جواب (إذا) الشرطية؛ أي: خسف (بأولهم وآخرهم و) بكليتهم حتى (لم ينج) منهم (أوسطهم) حتى وقع الهلاك على جميعهم في الدنيا.
قالت صفية: (قلت) له ﷺ : (فإن كان فيهم) أي: في ذلك الجيش (من يُكْرَه) على ذلك الغزو؛ من الإكراه، فما حكمه؟ (قال) النبي ﷺ في جواب سؤالها: لكن المكره لا يصيبه عذاب الآخرة، وإن أصابه عذاب الدنيا؛ لأنهم (يبعثهم الله) تعالى يوم القيامة (على ما في أنفسهم) أي: ملتبسين بما في أنفسهم من إرادة غزوها ورضاه ومن الإكراه عليه، فيعاقب في الآخرة من أراد غزوها، وينجو من أكره عليه، وفي حديث أم سلمة: (فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته).
قال النووي: أي: يبعثون مختلفين على قدر نياتهم، فيجازون بحسبها.
وفي هذا الحديث من الفقه: التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم
стр. 11533
(٩٩) - ٤٠٠٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَنَصرُ بْنُ عَلِيٍّ
===
ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين؛ لئلا يناله ما يعاقبون به، وفيه: أن من كثر سواد قوم .. جرى عليهم حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا. انتهى انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الفتن، باب (١٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، أخرجه أحمد وابن ماجه.
قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" في ترجمة مسلم بن صفوان: روى عن صفية بنت حيي عن النبي ﷺ : (لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت)، وروى عنه: أبو إدريس المرهبي، وصحح الترمذي إسناده، قال الحافظ: وهو معلول. انتهى.
قلت: لم يذكر الحافظ وجه كونه معلولًا؛ فإن كان وجهه جهالة مسلم بن صفوان .. فقد عرفت أن ابن حبان وثقه، فلا وجه لجعله معلولًا، بل غاية ما يقال في سنده: إنه حسن؛ لأن فيه رجلًا مختلفًا فيه؛ وهو مسلم بن صفوان، ودرجة حديثه: أنه صحيح بما قبله وبما بعده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حفصة مع كون سنده حسنًا.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث حفصة بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٩) - ٤٠٠٩ - (٣) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(ونصر بن علي) الجهضمي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 11534
وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَمَّالُ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَيْشَ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِمْ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَعَلَّ فِيهِمُ الْمُكْرَهَ؟ قَالَ:
===
(وهارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى (الحمال) - بالمهملة - البزاز، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(قالوا) أي: قال كل من الثلاثة: (حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن سوقة) - بضم المهملة - الغنوي - بفتح المعجمة والنون الخفيفة - أبي بكر الكوفي العابد، ثقة مرضي، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(سمع) محمد بن سوقة (نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي أبا محمد المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات قبل المئة سنة تسع وتسعين (٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(يخبر عن أم سلمة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أم سلمة: (ذكر النبي ﷺ قصة (الجيش الذي يخسف) بالبناء للمفعول (بهم) الأرض عند قرب الساعة وهو في بيتها (فقالت أم سلمة) لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ لعل فيهم) أي: في أولئك الجيش (المكره) بصيغة اسم المفعول؛ أي: الذي أكره على الخروج، فكيف يخسف به معهم جميعًا مع أنه تعالى قال في كتابه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟ (١) فـ (قال) رسول الله ﷺ : إنه يخسف
стр. 11535
"إِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ".
===
به معهم جميعًا؛ عقوبةً لهم على ما أرادوا من الهجوم على الكعبة، وعلى من لجأ إليها، ثم (إنهم يبعثون) يوم القيامة (على) اختلاف (نياتهم) فيصيب العذاب العامد القاصد لذلك الغزو، وينجو المكره منه؛ لأنه معذور بالإكراه؛ يعني: أنه يصيبهم العذاب جميعًا في الدنيا، ولكنهم ينجون من عذاب الآخرة إن كانت نياتهم صالحة.
وهذا موافق لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أنزل الله بقوم عذابًا .. أصاب العذاب من كان فيهم جميعًا، ثم بعثوا على أعمالهم" أخرجه البخاري في الفتن، ومسلم في الفتن، وأبو داوود في المهدي، وابن حبان وابن أبي شيبة والحاكم وأحمد وأبو يعلى، والطبراني في "الكبير" كلهم بإسناد صحيح.
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ كما مر آنفًا، ولأن له شواهد؛ كما ذكرناها هنا.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11536
(٢٠) - (١٤٧١) - بَابُ دَابَّةِ الْأَرْضِ
(١٠٠) - ٤٠١٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ،
===
(٢٠) - (١٤٧١) - (باب دابة الأرض)
(١٠٠) - ٤٠١٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة ثبت له مصنفات، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يونس بن محمد) بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة الربعي، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم). وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثقة صالح الحديث، وقال العجلي: كان يتشيع ولا بأس به، وقال الساجي: كان من أهل الصدق. انتهى "تهذيب"، فهو مختلف فيه.
(عن أوس بن خالد) أبي أوس الحجازي، يكنى أبا خالد، مجهول، وقيل: إنه أبو الجوزاء، وإن صح .. فلعل له كنيتين. يروي عنه: (ت ق). روى عن: أبي هريرة، وأبي محذورة، ويروي عنه: علي بن زيد بن جدعان، قال الأزدي:
стр. 11537
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُودَ وَعَصَا مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵉، فَتَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِالْعَصَا، وَتَخْطِمُ أَنْفَ الْكَافِرِ بِالْخَاتَمِ؛ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْحِوَاءِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ: هَذَا يَا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ: هَذَا يَا كَافِرُ".
===
منكر الحديث، وقال ابن القطان: أوس مجهول الحال، والحديث مرسل، له ثلاثة أحاديث عن أبي هريرة منكرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه أيضًا.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه علي بن زيد وأوس بن خالد، وهما مختلف فيهما.
(أن رسول الله ﷺ قال: تخرج الدابة) المذكورة في القرآن في (سورة النمل) بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ (١)؛ أي: إذا حَقَّ القول وجاءَ القضاءُ بقرب يوم القيامة .. تخرج الدابة من الأرض، قيل: من مكة أو من غيرها؛ أي: تخرج من الأرض (و) الحال أن (معها خاتم سليمان بن داوود وعصا موسى بن عمران ﵉، فتَجْلُو) من باب دعا؛ أي: تنوِّر تلك الدابةُ (وَجْهَ المؤمن بالعصا) أي: بضربها وَجْهَ المؤمنِ بِعَصَا موسى (وتخطم) من باب ضرب؛ أي: تختم (أنف الكافر بالخاتم) أي: بخاتم سليمان (حتى إِنَّ أهلَ الحِوَاءِ) وهو - بكسر الحاء والمد -: هو الخِوانُ - بضم الخاء المعجمة وكسرها - وهو السفرةُ التي يؤكل عليها (ليجتمعون) عند أكلهم على السفرة (فيقول) بعضُهم لبعض: (هذا) مكتوب عليه (يا مؤمن، ويقول) آخر: (هذا) مكتوب عليه (يا كافر).
стр. 11538
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ: حَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
===
قوله: "تخرج الدابة" أي: من مكة، وقيل: من غيرها؛ كما سيأتي بيانه.
(فتجلو) من باب دعا؛ أي: تنور وجه المؤمن بالعصا.
وفي "التحفة": أي: تصفِّيه وتُبيِّضه وتَصقُلُه (وتَخْطِمُ) كتضرب وزنًا ومعنىً؛ أي: تضرب وَجْهَ الكافر وتَسِمهُ؛ أي: تجعل على (أنفِ الكافر) سمةً؛ أي: علامة تميزه عن المؤمن (حتى إن أهل الحواء) - بكسر الحاء المهملة وبالمد -: وهي بيوت مجتمعة من الناس على الماء؛ أي: خيام لهم (ليجتمعون) عند الأكل أو عند المحادثة.
وفي رواية الترمذي: (حتى إن أهل الخِوان) - بضم الخاء وكسرها - قال الجزري: هو ما يوضع عليه الطعام عند الأكل، ومنه حديث: (حتى إن أهل الخوان ليجتمعون) عند الأكل أو المحادثة (فيقول: هذا) أي: بعضهم لآخر (يا مؤمن) أي: لجلاء وجهه واستنارته، (ويقول: هذا يا كافر) أي: للختم على أنفه.
(قال أبو الحسن القطانُ) تلميذُ المؤلف راوية هذا المتن عنه، القزوينيُّ: قال لنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه رحمه الله تعالى: (حدَّثناه) أي: حدثنا هذا الحديث المذكور (إبراهيم بن نصر) وفي نسخبما: (إبراهيم بن يحيى) لم أر من ذكر ترجمته في كتب الرجال.
(حدثنا موسى بن إسماعيل) المِنْقَريُّ - بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف - أبو سلمة التَّبُوذَكِيُّ - بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة - ثقة ثبت، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين (٢٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11539
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ مَرَّةً: "فَيَقُولُ: هَذَا يَا مُؤْمِنُ، وَهَذَا يَا كَافِرُ".
===
(حدثنا حماد بن سلمة، فذكر) موسى بن إسماعيل (نحوه) أي: نحو حديث يونس بن محمد.
وغرضه: بيانُ متابعة موسى بن إسماعيل ليونس بن محمد في رواية هذا الحديث عن حماد بن سلمة.
(وقال) موسى بن إسماعيل: (فيه) أي: في ذلك النحو (مرةً: فيقولُ: هذا يا مؤمن، وهذا يا كافر) بإسقاط لفظة: (يقول) الثانية، ويحتمل أن يكون قوله: (قال إبراهيم بن نصر) من كلام أبي الحسن تلميذ المؤلف على سبيل التجريد، ويكون غرضه حينئذٍ: بيان أنه سمع هذا الحديث من غير المؤلف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة النمل، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد وأبو داوود الطيالسي، قال أبو عيسى: وفي الباب حديث عن أبي أمامة وعن حذيفة بن أسيد، قال شارحه في "تحفة الأحوذي": أما حديث أبي أمامة .. فأخرجه أحمد وابن مردويه عنه عن النبي ﷺ ، قال: "تخرج الدابة فتَسِمُ على خرَاطِيمهم، ثُمَّ يُعَمَّرُون فيكم حتى يشتري الرجلُ الدابَّة، فيقال له: مِمَّنِ اشتَرَيْتَها؟ فيقول: مِن الرَّجُلِ المُخَطَّمِ"، وأما حديث حذيفة بن أسيد .. فأخرجه الترمذي في باب الخسف، من كتاب الفتن.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، ولأن له شواهد من الحديثين المذكورين ومن الآية، فغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 11540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واعلم: أن الترمذي أورد هذا الحديث في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ﴾ الآية، وهذه الآية مع تفسيرها هكذا: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: إذا وجب عليهم العذاب، وقيل: إذا غضب عليهم، وقيل: إذا وجبت الحجة عليهم؛ وذلك أنهم لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، وقيل: المراد من (القول): مُتعلَّقه؛ وهو ما وُعدوا به من قيامِ الساعة ووقوعِه وحصولِه؛ والمراد: مشارفة الساعة وظهور أشراطها.
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)، قال الرازي في "تفسيره": تكلم الناس في الدابة من وجوهٍ:
أحدها: من مقدار جسمها، وفي الحديث: (أن طولها ستون ذراعًا)، وروي أيضًا: (أن رأسها تبلغ السحاب)، وعن أبي هريرة: (ما بين قَرْنَيْهَا فرسخ للراكب).
وثانيها: في كيفية خلقتها؛ فروي: أن لها أربع قوائم وزَغبًا ورِيشًا وجناحَين.
وفي "المختار": الزغب - بفتحتين -: الشعيرات الصفر على ريش الفرخ. اهـ
وعن ابن جريج في وصفها: لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن أَيْلٍ، وصدرُ أسد، ولون نمر، وخاصرة بقر، وذنب كبش، وخف بعير.
وثالثها: في كيفية خروجها، عن علي رضي الله تعالى عنه: أنها تخرج في ثلاثة أيام، والناس ينظرون إليها، فلا يخرج إلا ثلثُها، وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام.
ورابعها: في موضع خروجها؛ سئل النبي ﷺ من أين تخرج
стр. 11541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الدابة؟ فقال: "من أعظم المساجد حرمةً على الله تعالى" المسجدِ الحرام، وقيل: تخرج من الصفا، فتُكَلِّمهم بالعربية.
وخامسها: في عدد خروجها؛ فروي أنها تخرج ثلاث مرات، تخرج بأقصى اليمن، ثم تَكْمُنُ، ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهرًا طويلًا، فبينا الناس في أعظم المساجد حرمةً وأكرمها على الله تعالى .. فما يَهُولُهم إلا خروجُها من بين الركن حذاءَ دارِ بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد الحرام، فقومٌ يهربون، وقومٌ يقفون.
واعلم: أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور، فإن صح الخبر فيه عن الرسول ﷺ .. قُبِلَ، وإلا .. لم يُلتفت إليه. انتهى كلام الرازي رحمه الله تعالى.
(تكلمهم) أي: تكلم الموجودين ببطلان الأديان سوى دين الإسلام، وقيل: تكلمهم بما يسوءهم بالعربية بقوله تعالى الآتي: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُون﴾ (١) قاله ابن عباس؛ أي: بخروجها؛ لأن خروجَها من الآيات.
وقال ابن عباس أيضًا: (تكلمهم) أي: تحدثهم، وقرأ الجمهور: (تكلمهم) من التكليم، وتدل عليه قراءة أبي بن كعب: (تنبئهم) وقرئ بفتح الفوقية وسكون الكاف؛ من الكلم؛ وهو الجرح، قال عكرمة: أي: تسمهم وسمًا (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) بكسر (إن) على الاستئناف، وقرئ بفتحها، قال الأخفش: المعنى على الفتح بـ (أن الناس) وبها قرأ ابن مسعود.
قال أبو عبيدة: أي: تخبر الناس ... إلى آخره، وعلى هذه؛ فالذي تكلم الناس به هو قوله: (إن الناس ... ) إلى آخره.
стр. 11542
(١٠١) - ٤٠١١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو زُنَيْجٌ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ،
===
وأما على الكسر .. فالجملة مستأنفة؛ كما قدمنا، ولا يكون من كلام الدابة، وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين.
وقال الأخفش: إن كسر (إن) هو على تقدير القول؛ أي: تقول لهم: (إن الناس) فيرجع معنى القراءة الأولى على هذا إلى معنى الثانية.
والمراد بالناس في الآية: هو الناس على العموم، فيدخل في ذلك كل مكلف، وقيل: المراد: الكفار خاصة، وقيل: كفار مكة، والأول أولى؛ كما صنع جمهور المفسرين.
والمعنى: لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب. انتهى من "تحفة الأحوذي".
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠١) - ٤٠١١ - (٢) (حدثنا أبو غسان محمدُ بن عمرو) بدلٌ مما قبله، أو عطفُ بيان عنه، ابنِ بكرٍ الرَّازِيُّ (زُنَيْجٌ) - مصغرًا بزاي ونون وجيم - لَقبُه، بدلٌ من الفاعل، أو عطف بيانٍ له؛ لأنه إذا اجتمعت الأعلام الثلاثة .. هكذا رُتبت، ثقة، من العاشرة، مات في آخر سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ)، أو أول التي بعدها. يروي عنه: (م د ق). وذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثنا أبو تُميلة) - مصغرًا - المروزي يحيى بن واضح الأنصاري مولاهم مشهور بكنيته، ثقة، من كبار التاسعة. يروي عنه: (ع).
стр. 11543
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى مَوْضِعٍ بِالْبَادِيَةِ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ؛ فَإِذَا أَرْضٌ يَابِسَةٌ حَوْلَهَا رَمْل، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ"، فَإِذَا فِتْرٌ فِي شِبْرٍ،
===
(حدثنا خالدُ بن عُبيد) - مصغرًا - العتكيُّ - بفتح المهملة والمثناة الفوقية - أبو عصام البصري نزيل مرو، متروك مع جلالته، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن بُريدة) بن الحُصيب - بالتصغير فيهما - الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ)، وقيل: بل خمس عشرة ومئة. يروي عنه (ع).
(عن أبيه) بريدة بن الحصيب - بمهملتين مصغرًا - قيل: اسمه عامر وبريدة لقبه، أبي سهل الأسلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم قبل بدر، مات سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه خالد بن عبيد، وهو متروك الحديث.
(قال) بريدة بن الحصيب: (ذهب بي رسول الله ﷺ أي: مَعِي (إلى موضع بالبادية) لم أر من ذكر اسمه، والبادية ضد الحاضرة (قريبٍ) ذلك الموضع (من مكة) المكرمة (فإذا أرض يابسة) فإذا وصلنا ذلك الموضع .. فاجأنا رؤية أرض يابسة لا نبات فيها (حولها) أي: حول تلك الأرض وجانبها (رمل) كثير (فقال) لي (رسول الله ﷺ : تخرج الدابة) المذكورة في آخر سورة النمل (من هذا الموضع فإذا) هو؛ أي: ذلك الموضع (فِتْر) أي: قَدْرُ شبر (في شبر) والفِتْرُ - بكسر أوله وسكون ثانيه - كالشبر وزنًا
стр. 11544
قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: فَحَجَجْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِنِينَ، فَأَرَانَا عَصًا لَهُ، فَإِذَا هُوَ بِعَصَايَ هَذِهِ هكَذَا وَهكَذَا.
===
ومعنىً، وفي "الصحاح": الفِتْرُ: ما بين طرفي السبابة والإبهام؛ أي: مكان ضيق جدًّا.
قال خالد بن عبيد بالسند السابق: (قال) لنا شيخنا: عبد الله (بن بريدة: فحججتُ) أنا مع والدي بريدة (بعد ذلك) أي: بعدما أَراني أبي الموضع الذي أراه إياه رسولُ الله ﷺ ، وأخبرني أنَّ الدابة تخرج من هذا الموضع (بسنين) أي: حججت بعد سنين كثيرة من تلك القِصَّة (فأرانا) والدي بريدة (عصًا له) أي: عصًا لأبي بريدة كانت معه؛ (فإذا هو) أي: ذلك الموضع الذي أشار إليه ﷺ (بـ) قدر ويؤنث - مُساوٍ (عصَايَ هذه) أي: الَّتي أنا أمشي بها الآن (هكذا) أي: طولًا (وهكذا) أي: عرضًا، وهو ما جاء مُصرَّحًا في روايةٍ للخبر عند ابن عدي في "الكامل".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١١)(٤١٠)؛ لضعف سنده؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 11545
(٢١) - (١٤٧٢) - بَابُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا
(١٠٢) - ٤٠١٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا؛ فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنَ
===
(٢١) - (١٤٧٢) - (باب طلوع الشمس من مغربها)
(١٠٢) - ٤٠١٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة - بضم المعجمة والراء وموحدة ساكنة بينهما - الضبي - بالمعجمة والموحدة - ثقة الكوفي، أرسل عن ابن مسعود، وهو من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نقوم الساعة) أي: القيامة (حتى تطلع الشمس) بنفسها حقيقةً (من مغربها) أي: من أفق غروبها؛ إشعارًا بأن الدنيا قد قرب انتهاؤها (فإذا طلعت) الشمس (من مغربها) كما في رواية مسلم؛ أي: من أفقها الغربي (ورآها) أي: رأى طلوعها من الأفق الغربي (الناس .. آمن) بالله وبرسوله وبما جاء به
стр. 11546
مَنْ عَلَيْهَا؛ فَذلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ".
===
وصَدَّقَهما (من عليها) أي: آمن من على الأرض كلهم أجمعون، كتابيين كانوا أو غيرهم؛ لعلمهم بأن الدنيا قد قرب انتهاؤها، لأن طلوعها من مغربها من أشراطها (فذلك) اليوم الذي طلعت فيه الشمس من مغربها (حين لا ينفع نفسًا) مفعول مقدم، وقوله: (إيمانها) فاعل مؤخر، وجملة قوله: (لم تكن آمنت من قبل) أي: من قبل طلوعها من مغربها؛ صفة لـ (نفسًا) أي: لا ينفع نفسًا لم تكن آمنت من قبل إيمانها في ذلك اليوم؛ كالإيمانِ في وقت الغرغرة.
وفي هامش "الإكمال": قوله: "لم تكن آمنت مِنْ قبل" في موضع النصب صفة للنفس؛ أي: لا ينفع نفسًا غير مؤمنة قبل إيمانِها الآنَ إيمانُها في ذلك اليوم؛ وذلك لإغلاق باب التوبة، ورفع الصحف والحفظة، وعدمُ نفعِ الإيمان حينئذٍ كعدم نفعه عند حضور الموت؛ بجامع أن كلًّا منهما عَاينَ أحوالَ الآخرة، فهو في حكم الميت.
وهل انقطاع نفع الإيمان والتوبة بأول طلوع لها من أفق من الآفاق بمغربه، أو عند طلوعها من كل أفق على أصحابه من مغربهم؟ قولان. انتهى.
قال الطيبي: الآيات: أمارات للساعة إما على قربها، وإما على حصولها؛ فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثاني: الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس. انتهى.
وعبارة "الأبي" هنا: قوله: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها" طلوعُها من مغربها أحدُ الأشراط المنتظرة، وهو على ظاهره، وتَأوَّلَتْهُ المبتدعةُ القائلون بقدم العالم المخيلون لانعكاس حركة الأفلاك والكواكب السبعة
стр. 11547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المتحركة، وعدم نفع الإيمان حينئذٍ كعدم نفعه عند حضور الموت؛ بجامع أن كلًّا منهما عاين أحوال الآخرة، فهو في حكم الميت.
وأنت تعرف أن طلوع الشمس من المشرق تختلف فيه الآفاق، فتطلع من أفق قبل أفق، وكذلك إذا طلعت من المغرب .. فعدم نفع الإيمان يحتمل أنه بأول طلوع يعرض لها حتى في أفق من لم تطلع عليه بأفقه بعد، ويحتمل أنه في حق من طلعت بأفقهم فقط، وأما من بعدهم .. فحتى تطلع بأفقهم، وأنت أيضًا تعرف أن الشمس إحدى الكواكب السبعة السيارة، وأن حركتها في نفسها إنما هي من المغرب إلى المشرق، وعكس حركة الفلك التي هي من المشرق إلى المغرب، ولسرعة حركة الفلك ترى كأنها متحركة من المشرق إلى المغرب، فطلوعها من المغرب يحتمل أنه بانعكاس حركة الفلك أو حركة نفسها، والأول أظهر، ولم يرد هل يستمر طلوعها من المغرب بقية عمر العالم، أو يومًا فقط. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب قوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة.
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه متفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 11548
(١٠٣) - ٤٠١٣ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ الآيَاتِ خُرُوجًا
===
(١٠٣) - ٤٠١٣ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي الرؤاسي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي حيان) بفتح المهملة وتشديد الياء التحتانية (التيمي) يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي زرعة) هرم (بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل القرشي السهمي المدني رضي الله تعالى عنهما، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : أول الآيات) أي: آيات الساعة وعلاماتها (خروجًا) أي: ظهورًا؛ أي: أول الآيات
стр. 11549
طُلُوعُ الشَّمسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحىً"، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأَيَّتُهُمَا مَا خَرَجَتْ قَبْلَ ألْأُخْرَى فَألْأُخْرَى مِنْهَا قَرِيبٌ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَلَا أَظُنُّهَا إِلَّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا.
===
السماوية (طلوع الشمس من مغربها، و) أول الآيات الأرضية (خروج الدابة على الناس ضحىً) أي: في وقت الضحى.
(قال عبد الله) بن عمرو بالسند السابق: (فأيتهما) أي: آية هاتين العلامتين (ما) زائدة (خرجت) ووقعت (قبل الأخرى) أي: قبل صاحبتها .. (فالأخرى) أي: المتأخرة (منها قريب) وقوعها بعد الأولى غير متأخرة عنها.
وقول عبد الله بن عمرو هذا .. مشعر بأن طلوع الشمس ليس بأولها على التعيين، ولعل الواو في قوله: (وخروج الدابة) بمعنى (أو) ويؤيده ما جاء في رواية أخرى بلفظ: (أو خروج الدابة) أي: (قال عبد الله) بن عمرو بن العاص راوي هذا الحديث: (ولا أظنها) أي: ولا أظن تلك السابقة (إلا طلوع الشمس من مغربها).
قال السندي: إن أول الآيات خروجًا هو طلوع الشمس من مغربها.
قال الحليمي: لأن طلوع الشمس من مغربها يصلح أن يكون أول آية؛ لأن الكفار يسلمون زمان عيسى حتى لا يكون إلا ملة واحدة، ولذلك أول بعضهم هذا الحديث بالتأويل المذكور بقولنا هذا ... إلى آخره.
فإن قيل: كل من هاتين العلامتين ليس بأول الآيات؛ لأن بعض الآيات وقعت قبله؟
قلت: الآيات إما أمارات دالة على قربها؛ فأولها بعثة نبينا محمد ﷺ ، أو أمارات متوالية دالة على وقوعها وحصولها، والآيات المذكورة في هذا الحديث من هذا القسم، قاله في "المبارق".
стр. 11550
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأجاب عنه المناوي بقوله: يعني: الآيات الغير المألوفة، وإن كان الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج، ومأجوج قبلها؛ لأنها مألوفة. انتهى.
وقال الطيبي في "شرح المشكاة" (١٠/ ١٠٦): فإن قيل: طلوع الشمس من مغربها ليس بأول الآيات؛ لأن الدخان والدجال قبله؟
أجيب: بأن الآيات إما أمارات دالة على قُربِ قيام الساعة، وإما أمارات دالة على قيام الساعة وحصولها بالفعل؛ ومن الأول: الدخان وخروج الدجال ونحوهما، ومن الثاني: ما نحن فيه من طلوع الشمس من مغربها والرجفة وبَسِّ الجبال وخروج النار وطردها إلى المحشر، وإنما سمي ما هنا أولًا؛ لأنه مبدأ القسم الثاني، والله أعلم. انتهى.
قوله: (وخروج الدابة) قيل: خروجها من جبل أجياد في مكة أيام التشريق والناس في منىً، تكتب على جبهة كل أحد مسلم، أو كافر، وقيل: تخرج من جبل الصفا بمكة.
وهي فصيل ناقة صالح ﵇؛ فإنه لما عقرت أمه .. هرب، فانفتح له الحجر الذي خرجت منه أمه، فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه الحجر، فهو فيه الآن حتى يخرج بإذن الله تعالى منه في آخر الزمان، وعن علي رضي الله تعالى: أنه يخرج في ثلاثة أيام، والناس ينظرون إليه، فلا يخرج كل يوم إلا ثلثه.
وعن الحسن رحمه الله تعالى: لا يتم خروجه إلا بعد ثلاثة أيام. وروي أن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم ﵇، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب.
وروي أن الدابة تخرج من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى ﵇ فتنكت نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه، وتكتب بين عينيه (مؤمن).
وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه،
стр. 11551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتكتب بين عينيه (كافر)، وتقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة، وأنت يا فلان من أهل النار، فخروجها حق يجب الإيمان به، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإذا ثبت نزول العذاب على الكفار؛ وذلك إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، وهو يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن .. ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) ولكن لم يرد نص صحيح بتعيين محل خروجها وتعيين جنسها، والله أعلم.
تنبيه
اعلم: أن الروايات قد اختلفت في ترتيب الآيات العشر، ولذلك اختلف أهل العلم في ترتيبها: فقيل: إن أول الآيات: الدخان، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم خروج ياجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها؛ فإن الكفار يسلمون في زمن عيسى ﵇ حتى تكون الدعوة واحدة، ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل خروج الدجال ونزوله .. لم يكن الإيمان مقبولًا من الكفار، فالواو لمطلق الجمع لا للترتيب، فلا يرد: أن نزوله قبل طلوعها، ولا ما ورد أن طلوع الشمس أول الآيات.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب خروج الدجال ومكثه في الأرض ونزول عيسى وقتله إياه وذهاب أهل الخير والإيمان، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب أمارات الساعة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
стр. 11552
(١٠٤) - ٤٠١٤ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ،
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٤) - ٤٠١٤ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسى الكوفي أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن بهدلة - اسم أمه - ابن أبي النجود - بنون وجيم - الأسدي مولاهم الكوفي أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وقال العجلي: ثقة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زر) - بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة مصغرًا - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة - الأسدي الكوفي، أبي مريم، ثقة مخضرم فاضل، من الثانية، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة. يروي عنه: (ع).
стр. 11553
عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ قِبَلِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ بَابًا مَفْتُوحًا عَرْضُهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَلَا يَزَالُ ذَلِكَ الْبَابُ مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ نَحْوِهِ؛ فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ نَحْوِهِ .. لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا".
===
(عن صفوان بن عسال) - بمهملتين وتشديد ثانيه - المرادي الصحابي المعروف رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة. يروي عنه: (ت س ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عاصم بن بهدلة، وهو صدوق في الحديث له أوهام، حجة في القراءة.
(قال) صفوان بن عسال: (قال رسول الله ﷺ : إن من قبل) - بكسر القاف وفتح الموحدة - أي: من جانب (مغرب الشمس بابًا مفتوحًا) للتوبة؛ أي: لارتفاع التوبة منه وقبولها (عرضه) أي: مسافة عرض ذلك الباب (سبعون سنة) أي: مسيرة سبعين سنة (فلا يزال ذلك الباب مفتوحًا للتوبة) أي: لقبولها (حتى تطلع الشمس من نحوه) أي: من جانبه (فإذا طلعت) الشمس (من نحوه) أي: من جانب ذلك الباب ... (لم ينفع نفسًا) مفعول مقدم وجوبًا على فاعله (إيمانها) فاعل مؤخر وجوبًا عن مفعوله؛ لاتصاله بضمير يعود على المفعول؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ﴾ (١)؛ لامتناع عود الضمير على متاخر لفظًا ورتبةً.
وجملة قوله: (لم تكن آمنت من قبل) أي: من قبل ذلك اليوم (أو) لا ينفع نفسًا كسبها في ذلك اليوم لم تكن (كسبت في إيمانها خيرًا) من قبل ذلك اليوم.
стр. 11554
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث قد تقدم تخريج سنده للمؤلف في كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم رقم (٨٦)، حديث رقم (٤٧٠)، ولفظه هناك: (عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال، قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم) أي: لكن ننزعها في هذه الثلاثة بعد يوم وليلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الطهارة وفي كتاب الدعوات، والنسائي في الطهارة، وأحمد في "المسند"، وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لتصحيح الترمذي والحاكم له، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11555
(٢٢) - (١٤٧٣) - بَابُ فِتْنَةِ الدَّجَّال، وَخُرُوجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
(١٠٥) - ٤٠١٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدَّجَّالُ
===
(٢٢) - (١٤٧٣) - (باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج)
(١٠٥) - ٤٠١٥ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الأسدي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : الدجال) اليهودي