عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ وَمَيْمُونَةَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ.
===
(عن مجاهد) بن جبر أبي الحجاج المخزومي مولاهم الإمام المفسر المقرئ المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أم هانئ) بنت أبي طالب الهاشمية، اسمها: فاختة أو هند، رضي الله تعالى عنها. روت عن: النبي ﷺ ، ويروي عنها: (ع)، ومجاهد، لها ستة وأربعون حديثًا، أسلمت يوم الفتح، وماتت في خلافة معاوية.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(أن النبي ﷺ اغتسل وميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، بنصب ميمونة على أنها مفعول معه (من) ماء في (إناء واحد في قصعة) بدل من إناء، والقصعة -بفتح القاف وسكون الصاد-: نوع من الأواني يؤكل فيه ويُعجن فيه العجين (فيها) أي: في تلك القصعة (أثر العجين) ورائحته وبقاياه؛ إذ الطاهر القليل لا يُخرج الماء من طهوريته.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي؛ أخرجه في كتاب الطهارة (١٤٩)، باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يُعجن فيها، رقم (٢٤٠)، وأحمد بن حنبل (٦/ ٣٤٢).
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لكون رجاله ثقات، ولأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 1157
(١١١) - ٣٧٥ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عائشة بحديث جابر بن عبد الله ﵃، فقال:
(١١١) - ٣٧٥ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن الحسن) بن الزبير (الأسدي) الكوفي، لقبه التل -بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام- روى عن: شريك النخعي، وأبي عوانة، والثوري، وغيرهم، ويروي عنه: (خ س ق)، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، وآخرون.
قال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان ابن أبي شيبة: هو ثقة صدوق، وقال الساجي: ضعيف، وقال البزار والدارقطني: ثقة، وقال في "التقريب": صدوق فيه لين، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل) -بفتح العين- ابن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني، صدوق في حديثه لين، ويقال تغير بأخرة، من الرابعة. يروي عنه: (د ت ق)، مات بعد الأربعين والمئة.
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن محمد بن الحسن مختلف فيه، وعبد الله بن محمد بن عقيل فيه لين.
стр. 1158
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجُهُ يَغْتَسِلُونَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
(١١٢) - ٣٧٦ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
===
(قال) جابر: (كان رسول الله ﷺ وأزواجه يغتسلون من) ماء (إناء واحد) معًا، أو على التعاقب.
انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، وهكذا في "الصحيحين" وغيرهما أن النبي ﷺ فعله هو وعائشة، انظر تخريج الأحاديث السابقة رقم (٣٧٣ - ٣٧٤ - ٣٧٥).
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لأن له شواهد، وإسناده حسن؛ لما مر، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث عائشة بحديث أم سلمة ﵃، فقال:
(١١٢) - ٣٧٦ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة حافظ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة
стр. 1159
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
===
فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن زينب بنت أم سلمة) هي زينب بنت عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وأمها أم سلمة ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله ﷺ زينب. روت عن: النبي ﷺ ، وعن أمها، وعن عائشة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، أمهات المؤمنين، وعن حبيبة، ويروي عنها: (ع)، وابنها أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، وأبو سلمة، وأبو قلابة، وآخرون. وهي صحابية مخزومية رضي الله تعالى عنها، ماتت سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ) وحضر جنازتها ابن عمر.
(عن أم سلمة) بنت أبي أمية -اسمه: حذيفة- المخزومية زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(أنها) أي: أن أم سلمة (كانت) هي (ورسول الله ﷺ يغتسلان من إناء واحد).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الحيض (٢)، باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها، رقم (٣٢٢)، ومسلم في كتاب الطهارة (١٠)، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، رقم (٤٩ - ٣٢٤). انتهى "تحفة الأشراف".
فالحديث من المتفق عليه، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 1160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول: حديث عائشة، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث ميمونة، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث أم هانيء، ذكره للاستشهاد.
والرابع: حديث جابر، ذكره للاستشهاد.
والخامس: حديث أم سلمة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1161
(٣٦) - (٦٠) - بَابُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يَتَوَضَّأَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ
(١١٣) - ٣٧٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ.
===
(٣٦) - (٦٠) - (باب الرجل والمرأة يتوضأان من إناء واحد)
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث عبد الله بن عمر ﵄، فقال:
(١١٣) - ٣٧٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا مالك بن أنس) بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأنه من سلسلة الذهب.
(قال) ابن عمر: (كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد) قيل: كان هذا قبل نزول الحجاب، وقيل: بل هي الزوجات والمحارم، وقال الرافعي: أراد كل رجل مع زوجته، وأنهما كانا يأخذان من إناء واحد، قال السيوطي: ما شرحه أحد بأحسن ولا أصوب مما قاله الرافعي؛ لأنه يستحيل أن يكون اغتسال الرجال والنساء
стр. 1162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأجانب معًا قبل الحجاب وبعده، فهذا الاغتسال محمول على الزوجين قطعًا، وأما الوضوء .. فيمكن أن يتوضأ مع زوجته ومع محارمه، ويمكن أن يحمل على التعاقب في الغسل في الأجانب ولا يمنعه قوله: (ندلي فيه أيدينا) لأنه لا يستلزم أن يكون إدلاء الأيدي في وقت واحد، وأما قوله في رواية مسدد: (جميعًا) .. فيمكن أن يُحمل على أن الجمعية فيه اجتماع في الفعل لا في الوقت؛ كما يقال: الواو للجمع. انتهى من "البذل".
وقوله: (في عهد رسول الله ﷺ وزمانه) يُستفاد منه أن الصحابي إذا أضاف الفعل إلى زمن الرسول ﷺ .. يكون حكمه حكم الرفع، وهو الصحيح، وحُكي عن قوم خلافه؛ لاحتمال أنه لم يطلع، وهو ضعيف؛ لتوفر دواعي الصحابة على سؤالهم إياه عن الأمور التي لم تقع لهم ومنهم، ولو لم يسألوه .. لم يقروا على غير الجائز من الأفعال في زمن التشريع. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الوضوء (٤٣)، باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة، رقم (١٩٣)، وأبو داوود في كتاب الطهارة (٣٩)، باب الوضوء بفضل وضوء المرأة، رقمي (٧٩ - ٨٠)، والنسائي في كتاب الطهارة (٥٧)، باب وضوء الرجال والنساء جميعًا، رقم (٧١).
واستدل بهذا الحديث بعضهم على جواز استعمال فضل المرأة للرجل.
قلت: تقدير الاستدلال أن هذا قد يؤدي إلى فراغ المرأة قبل الرجل، فيؤدي إلى استعمال الفضل، فلو كان ممنوعًا .. لما فعلوا هذا الفضل. انتهى "سندي".
стр. 1163
(١١٤) - ٣٧٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النُّعْمَانِ وَهُوَ ابْنُ سَرْجٍ
===
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لكون رجاله ثقات أثباتًا، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث أم صبية ﵃، فقال:
(١١٤) - ٣٧٨ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دُحيم -بمهملتين مصغرًا- ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة. يروي عنه: (خ د س ق)، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ)، وله خمس وسبعون سنة.
(حدثنا أنس بن عياض) بن ضمرة الليثي أبو ضمرة المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وله ست وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبو زيد المدني. يروي عنه: (م عم)، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ) وهو ابن بضع وسبعين.
(عن سالم أبي النعمان وهو) سالم (بن سرج) -بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم- أبي النعمان المدني، يقال له: ابن خربوذ -بفتح المعجمة ثم راء مشددة مفتوحة ثم موحدة مضمومة آخره ذال معجمة- غير منصرف؛ للعلمية والعُجمة، والخربوذ في أصله: الإكاف؛ وهو ما يُوضع تحت سرج الفرس، قال
стр. 1164
عَنْ أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ قَالَتْ: رُبَّمَا اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ،
===
أبو أحمد الحاكم من قال: ابن سرج .. فقد عرّبه، ومن قال: ابن خربوذ .. أراد به الإكاف بالفارسية.
قال ابن معين: ثقة شيخ مشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د ق).
(عن أم صبية) بصاد مهملة مضمومة ثم موحدة مفتوحة مع تشديد الياء مصغرة (الجهنية) -بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون وياء مشددة مفتوحة- نسبة إلى جهينة؛ قبيلة مشهورة، لها صحبة وحديث واحد. يروي عنها: (د ق)، يقال: اسمها خولة بنت قيس، وهي جدة خارجة بن الحارث بن رافع بن بكير، روى حديثها: مولاها أبو النعمان سالم بن سرج وهو ابن خربوذ، وأخوه نافع روى عنها، وفي "شرح معاني الآثار" للطحاوي: أنها أدركت النبي ﷺ وبايعته رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قالت) أم صبية: (ربما اختلفت) وتعاقبت (يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء) -بضم الوضوء- متعلق باختلفت؛ أي: في التوضؤ (من إناء واحد) متعلق بالوضوء؛ أي: نتناوب في أخذ الماء من الإناء، فاخذ الماء منه مرة، ويأخذه ﷺ مرة؛ أي: كان يغترف تارة قبلها، وتغترف هي تارة قبله، ولمسلم من طريق معاذة عن عائشة: (فيبادرني حتى أقول: دع لي)، زاد النسائي: (وأبادر حتى يقول: دعي لي). انتهى من "العون".
قال السندي: ووضوءهما من إناء واحد كان قبل الحجاب، أو كان بعده
стр. 1165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولكن كان أحدهما وراء الحجاب مع وضوء لأيديهما في إناء بينهما. انتهى بتصرف.
في هذا الحديث: دليل على جواز اغتراف الجنب من الماء القليل، وأن ذلك لا يمنع من التطهر بذلك الماء ولا بما يفضل منه، ويدل على: أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم .. إنما هو للتنزيه؛ كراهية أن يستقذر، لا لكونه يصير مستعملًا بانغماس الجنب فيه؛ لأنه لا فرق بين جميع بدن الجنب وبين عضو من أعضائه. انتهى منه.
فإن قلت: كيف يجوز اختلاف يد النبي ﷺ ويد أم صبية في الإناء؛ فإن أم صبية لم يثبت لها علاقة المحرمية به ﷺ ؟
قلت: أجاب عنه بعضهم: بأنه لعله كان قبل الحجاب، ويُشكل هذا الجواب بأنه لو سُلِّم أن هذه واقعة تقدمت نزول الحجاب .. فقبل الحجاب كان كشف الوجه جائزًا لا كشف البدن الذي هو عورة؛ مثل الساعدين والرأس، فالأولى أن يُقال: إن هذه واقعة حدثت بعد الحجاب، وكان بينهما حجاب يأخذان الماء من إناء واحد، أو يقال: ظاهر لفظ الحديث: وإن كان يدل على أنهما كانا تختلف أيديهما في حالة واحدة، ولكن يمكن أن يقال: إن هذا التوضؤ محمول على حالتين؛ بأن أم صبية تختلف يدها للوضوء في حالة على حدة، وتختلف يد رسول الله ﷺ في الوضوء من ذلك الإناء في حالة أخرى على حدة، ووحدة الإناء لا تقتضي أن يكون أخذ الماء في حالة واحدة، وقد قال ابن التين حاكيًا عن سحنون في حديث عبد الله بن عمر أنه قال: (كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله ﷺ جميعًا). أخرجه البخاري .. أن معناه: كان الرجال يتوضؤون ويذهبون، ثم تأتي النساء
стр. 1166
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: أُمُّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَذَكَرْتُ لِأَبِي زُرْعَةَ فَقَالَ: صَدَقَ.
===
فيتوضأن، قال الحافظ في "الفتح" بعد هذا: والأولى في الجواب أن يقال: لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب، وأما بعده .. فيختص بالزوجات والمحارم.
قلت: أما الجواب الأول .. فقد عرفت ما فيه، وأما الثاني .. فلا يتمشى في حديث أم صبية؛ فإنها لم تكن زوجة ولا محرمًا له ﷺ . انتهى من "البذل".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطهارة (٤١) باب الوضوء بفضل وضوء المرأة رقم (٧٨).
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
قال أبو الحسن القطان: (قال أبو عبد الله ابن ماجه: سمعت محمد) بن يحيى الذهلي.
(يقول: أم صبية) اسمها (هي خولة بنت قيس، فذكرت) ما سمعته من محمد (لأبي زرعة) الرازي (فقال) لي أبو زرعة: (صدق) محمد بن يحيى فيما أخبرك في بيان اسم أم صبية، أما أبو زرعة .. فاسمه عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله أربع وستون سنة، والله أعلم انتهى "تقريب".
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث عائشة ﵃، فقال:
стр. 1167
(١١٥) - ٣٧٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرَمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
===
(١١٥) -٣٧٩ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا داوود بن شبيب) الباهلي أبو سليمان البصري. يروي عنه: (خ د ق)، صدوق، من التاسعة، مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين. يروي عنه: (خ د ق).
(حدثنا حبيب بن أبي حبيب) يزيد الجرمي البصري الأنماطي -بفتح الهمزة وسكون النون والطاء المهملة- نسبة إلى الأنماط؛ وهي البُسُط. روى عن: عمرو بن هرم، وقتادة، والحسن، وآخرين، ويروي عنه: (م س ق)، وداوود بن شبيب، وابن مهدي، ويزيد بن هارون، وابنه محمد، وغيرهم.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن حبان: حدثنا حبيب بن أبي حبيب وهو ثقة، وقال ابن خلفون: أخرج له مسلم متابعة، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(عن عمرو بن هرم) الأزدي البصري. روى عن: عكرمة، وسعيد بن جبير، وربعي بن حراش، وغيرهم، ويروي عنه: (م ت س ق)، وحبيب بن أبي حبيب الجرمي، وجعفر بن أبي وحشية، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة، مات قبل قتادة.
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله المدني مولى ابن عباس. روى عن:
стр. 1168
عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَوَضَّأانِ جَمِيعًا لِلصَّلَاةِ.
===
مولاه، وعلي بن أبي طالب، وجابر، وعائشة، وحمنة بنت جحش، وخلائق، ويروي عنه: (ع)، وعمرو بن هرم، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وخلائق. وقال في "التقريب": ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ) وقيل بعد ذلك.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ أنهما كانا يتوضأان جميعًا للصلاة) أي: مجتمعين من إناء واحد للصلاة.
وتركيب هذا الحديث لا يصح من حيث العربية، والصواب أن يقال: (عن عائشة أنها كانت هي والنبي ﷺ يتوضأان جميعًا للصلاة) لأن الحديث ليس من كلام النبي ﷺ ، بل من كلامها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، كما في "تحفة الأشراف"، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرض المؤلف بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث ابن عمر، ذكره للاستدلال به على الترجمة.
والثاني: حديث أم صبية، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث عائشة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1169
(٣٧) - (٦١) - بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ
(١١٦) - ٣٨٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِيهِ
===
(٣٧) - (٦١) - (باب الوضوء بالنبيذ)
والنبيذ -بفتح النون وكسر الباء-: ما يُعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير والذرة وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب إذا سكبت عليه الماء وتركته فيه ليصير نبيذًا، فهو فعيل بمعنى مفعول، سواء كان مسكرًا أو غير مسكر، فإنه يقال: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب: نبيذ، كما يقال للنبيذ: خمر. قاله صاحب "النهاية"، و"لسان العرب". انتهى من "البذل".
أي: هذا باب بيان جواز الوضوء بالنبيذ.
* * *
واستأنس المؤلف رحمه الله تعالى له بحديث ابن مسعود ﵁، فقال:
(١١٦) - ٣٨٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي -بفتح المهملة وتخفيف النون وبعد الألف فاء ثم مهملة- الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: ابن ماجه.
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي -بضم الراء بعدها واو بهمزة
стр. 1170
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ الْعَبْسِيِّ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ،
===
وبعد الألف مهملة- صدوق يهم، من السابعة، مات سنة خمس، ويقال: ست وسبعين ومئة. يروي عنه: (م د ت ق).
(ح وحدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري.
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما؛ أي: كل من جراح بن مليح وسفيان الثوري رويا:
(عن أبي فزارة) -بفتح فاء وزاي خفيفة فألف فراء- راشد بن كيسان -بفتح الكاف- (العبسي) -بموحدة- الكوفي.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطني: ثقة كيّس، ولم أر له في كتب أهل النقل ذكرًا بسوء.
قلت: وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حريث الذي لا يعرفه أهل العلم .. فلا، قال أحمد: أبو فزارة في حديث عبد الله بن مسعود .. مجهول، وتعقبه ابن عبد الهادي، فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة. انتهى "تهذيب التهذيب"، وقال في "التقريب": ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (م د ت ق).
(عن أبي زيد) المخزومي مولاهم (مولى عمرو بن حريث) ويقال: أبو زائد. يروي عنه: (د ت ق).
стр. 1171
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ:
===
هو مجهول، من الثالثة، لا يصح حديثه، ذكره البخاري في "الضعفاء"، وقال أبو أحمد الحاكم: هو رجل مجهول، وقال الترمذي في "جامعه": وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا نعرف له رواية غير هذا الحديث، وقال الزيلعي: قال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": أبو زيد شيخ، يروي عن ابن مسعود ليس يُدرَى من هو، ولا يعرف أبوه، ولا بلده، ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والقياس .. استحق مجانبة ما رواه، وقال ابن أبي حاتم في كتاب "العلل": سمعت أبا زرعة يقول: حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح، وأبو زيد مجهول، وحديثه في الوضوء بالنبيذ منكر لا أصل له، ولا رواه من يوثق به ولا يثبت، وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أن أبا زيد مجهول، وحديثه منكر. انتهى من "البذل"، ومن "العون".
(عن عبد الله بن مسعود) بن غافل بن حبيب الهذلي الكوفي ﵁.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الضعف جدًّا؛ لأن مدارهما على أبي زيد، وهم اتفقوا على ضعفه، وهو مجهول.
(أن رسول الله ﷺ قال له) أي: لعبد الله (ليلة الجن) أي: ليلة جاءت فيها الجن إلى رسول الله ﷺ ؛ ليتعلموا منه الدين والإسلام والأحكام والقرآن وهو في مكة، فاستمعوا منه القرآن، ورجعوا به إلى قومهم، فعلّموهم به وآمنوا به، كما بيّن في (سورة الجن).
أو المعنى: ليلة ذهب الجن بالنبي ﷺ إلى قومهم؛ ليتعلموا منه الدين، وكان معه ﷺ عبد الله بن مسعود؛ أي:
стр. 1172
"عِنْدَكَ طَهُورٌ"، قَالَ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ مِنْ نَبِيذٍ فِي إِدَاوَةٍ، قَالَ: "تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ"، فَتَوَضَّأَ، هَذَا حَدِيثُ وَكِيعٍ.
===
قال له: هل (عندك طهور) -بفتح الطاء- أي: ماء مطهر أتطهر وأتوضأ به؟ (قال) عبد الله في جواب سؤاله: (لا) أي: ما عندي شيء من الماء (إلا شيء) مختلط (من) ماء و (نبيذ) كائن ذلك الشيء (في إداوة) -بكسر الهمزة-: إناء صغير من جلد يُتخذ للماء، وجمعها: أداوي، وفي رواية زيد بن ثابت: (ما في إداوتك) أي: أي شيء في مطهرتك؟ قال عبد الله: في إداوتي نبيذ فـ (قال) له النبي ﷺ النبيذ (تمرة طيبة) أي: طاهرة (وماء طهور) أي: مطهر، مختلطان فلا يضر اختلاطهما، ولا بأس في الوضوء به، فهات لي، فأعطيته (فتوضأ) منه، وأقام الصلاة فصلى بنا.
قال ابن ماجه: (هذا) اللفظ المذكور من الحديث لفظ (حديث وكيع)، وروايته عن أبيه، وأما عبد الرزاق .. فروى معناه عن سفيان بلفظ آخر.
قال ابن الهمام: ورواه ابن أبي شيبة مطولًا، وفيه: (هل معك من وضوء؟ قلت: لا، قال: فما في إداوتك؟ قلت: نبيذ تمر، قال: تمرة حلوة وماء طيب، ثم توضأ، وأقام الصلاة) انتهى. قال على القاري: اختلف العلماء في جواز التوضؤ بالنبيذ وعدم جوازه: فعند أبي حنيفة يتوضأ به ولا يتيمم، بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتد منه صار .. حرامًا لا يجوز التوضؤ به؛ لحديث عبد الله بن مسعود، فترك القياس بالنص، وبه قال الحسن البصري والأوزاعي، وقال عكرمة: هو وضوء من لم يجد الماء، كما في "المغني"، وعند أبي يوسف: يتيمم ولا يتوضأ به؛ وبه قالت الأئمة الثلاثة، وهي الرواية المرجوع إليها عند أبي حنيفة وقوله الأخير، وعليه الفتوى، واختاره الطحاوي وهو المذهب المصحّح المختار عندنا؛
стр. 1173
(١١٧) - ٣٨١ - (٢) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
لأن الحديث وإن صح لكن آية التيمم ناسخة له، وهي مدنية. انتهى من "البذل".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطهارة (٤٢)، باب الوضوء بالنبيذ، رقم (٨٤)، والترمذي في كتاب الطهارة، باب (٦٥) ما جاء في الوضوء بالنبيذ، رقم (٨٨)، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن الأعرابي في "معجمه" بإسناد ضعيف، ومدار الحديث على أبي زيد، وهو مجهول عند أهل الحديث، كما ذكره الترمذي.
فدرجة الحديث: أنه حديث ضعيف جدًّا متنًا وسندًا (١٧)(٦١)، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا للترجمة بحديث ابن عباس ﵄، فقال:
(١١٧) - ٣٨١ - (٢) (حدثنا العباس بن الوليد) بن صبح -بضم المهملة وسكون الموحدة- الخلال -بالمعجمة وتشديد اللام- السلمي أبو الفضل (الدمشقي) صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). روى عن: مروان بن محمد الطاطري، وأبي مسهر، وعبد السلام بن عبد القدوس الشامي، وآخرين، ويروي عنه: (ق)، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وعثمان بن خرزاد، وغيرهم. وذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثنا مروان بن محمد) بن حسان الأسدي الدمشقي الطاطري -بمهملتين مفتوحتين- قال الطبري: كل من يبيع الكرابيس بدمشق يقال له: الطاطري،
стр. 1174
حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ،
===
أبو بكر الدمشقي. روى عن: ابن لهيعة، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء بن زبر، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، والعباس بن الوليد، وبقية بن الوليد وهو أكبر منه، وابنه إبراهيم بن مروان، وآخرون.
وقال الدارقطني: ثقة، وضعفه أبو محمد بن حزم فأخطأ؛ لأنا لا نعلم له سلفًا في تضعيفه إلا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مقنع، وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، مات سنة عشر ومئتين (٢١٠ هـ)، وله ثلاث وستون سنة.
(حدثنا) عبد الله (بن لهيعة) -بفتح اللام وكسر الهاء- ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري، القاضي صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه فتُرك، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه .. أعدل من غيرهما، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ)، وقد ناف على الثمانين. يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا قيس بن الحجَّاج) بن خلّي بن معدي كرب الكلاعي -بفتح الكاف- السلفي -بضم المهملة وفتح اللام- المصري، وقيل: الصنعاني، من صنعاء دمشق. روى عن: حنش الصنعاني، وأبي عبد الرحمن الحُبلي، وعدة، ويروي عنه: (ت ق)، وابن لهيعة، وأخوه عبد الأعلى، والليث، وغيرهم. قال في "التقريب": صدوق، من السادسة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ).
(عن حنش) بن عبد الله السبئي -بفتحتين- نسبة إلى سبأ؛ عامر بن يشجب (الصنعاني) من صنعاء دمشق سكن إفريقية. روى عن: ابن عباس، وابن مسعود، وعلي، وأبي سعيد، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، وقيس بن الحجاج، وبكر بن سوادة، وابنه الحارث.
стр. 1175
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لابْنِ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ الْجِنِّ: "مَعَكَ مَاءٌ"، قَالَ: لَا، إِلَّا نَبِيذًا فِي سَطِيحَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ، صُبَّ عَلَيَّ"، قَالَ: فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ بِهِ.
===
وثقه يعقوب بن سفيان وابن حبان، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ).
(عن عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف ابن لهيعة.
(أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود ليلة الجن) أي: ليلة حضرت إليه الجن، وذهبوا به إلى قومهم؛ ليتعلّموا منه الدين: هل (معك ماء) أتوضأ به؟ (قال) ابن مسعود: (لا) أي: ليس معي ماء (إلا نبيذًا) نُبذ (في سطيحة) قال السندي: هي من أواني الماء ما كان من جلدين، قوبل أحدهما بالآخر فسُطح عليه، وتكون صغيرة وكبيرة. انتهى.
(فقال رسول الله ﷺ : النبيذ هو (تمرة طيبة) أي: طاهرة (وماء طهور) أي: مطهر، أي ة هو مختلط منهما، فلا مانع من الوضوء به، فـ (صبـ) ـه (عليّ) لأتوضأ به (قال: فصببتـ) ـه (عليه، فتوضأ به) أي: بالنبيذ.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وله شاهد من حديث ابن مسعود المذكور قبله، رواه أبو داوود والترمذي، انظر التخريج السابق قبله، رقم (٣٨٢)، وأحمد أيضًا في "مسنده"، ولكنه ضعيف أيضًا، كما عرفت آنفًا، ولا يصلح لأن يكون شاهدًا له.
стр. 1176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهو أيضًا: ضعيف السند، لكون ابن لهيعة فيه، وضعيف المتن (١٨)(٦٢)، وغرضه: الاستئناس به أيضًا.
* * *
وجملة ما ذكره في هذا الباب: حديثان:
الأول: لابن مسعود.
والثاني: لابن عباس.
كلاهما ضعيفان، غرضه بسوقهما: الاستئناس بهما للترجمة.
والله أعلم
стр. 1177
(٣٨) - (٦٢) - بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ
(١١٨) - ٣٨٢ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ،
===
(٣٨) - (٦٢) - (باب الوضوء بماء البحر)
أي: هذا باب معقود لبيان حكم الوضوء بماء البحر، هل هو يجوز، أو يُكره، أو يحرم؟ والبحر لغة: الماء الكثير العميق، واصطلاحًا: الماء الكثير العميق المالح الذي لا يعرض له يبوسة، يُجمع على بحور وأبحر وبحار، وأشار بهذا الباب إلى الرد على من قال بكراهية الوضوء بماء البحر، كما نُقل عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ﵃. انتهى من "العون".
وغرض المصنف بعقد هذا الباب: أن الماء لما كان يتنجس بوقوع النجاسة فيه، والبحر يُلقى فيه النجاسات الكثيرة خصوصًا على السواحل، فيُتوهم أنه يكون أيضًا متنجسًا بها .. عقد الباب؛ لبيان طهورية مائه، وأنه لا يتنجس بوقوع النجاسات فيه؛ لكثرته وعدم تغيره بوقوعها فيه. انتهى من "البذل".
* * *
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁، فقال:
(١١٨) - ٣٨٢ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- السلمي الدمشقي.
(حدثنا مالك بن أنس) الإمام في الفروع.
(حدثني صفوان بن سليم) -مصغرًا- القرشي الزهري مولاهم أبو عبد الله المدني الفقيه.
стр. 1178
عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ -هُوَ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ- أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ -وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ-
===
وثقه الكثيرون، ورُمي بالقدر، وقال في "التقريب": ثقة مفتٍ عابد، رُمي بالقدر، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وله اثنتان وسبعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن سلمة) المخزومي (هو من آل ابن الأزرق) بفتح الهمزة وسكون الزاي فراء فقاف.
قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": من السادسة، لكن قال الحافظ في ترجمة سعيد بن سلمة: روى عنه صفوان بن سليم والجلاح أبو كثير، وهو حديث في إسناده اختلاف، ثم قال: قلت: وصحّح البخاري فيما حكى عنه الترمذي في "العلل المفرد" حديثه، وكذا صححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد، واختلفوا أيضًا في اسم سعيد: فقيل: كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: سلمة بن سعيد. روى عن: المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة حديث البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، ويروي عنه: (عم).
(أن المغيرة بن أبي بُردة) بضم الباء وسكون الراء (وهو) أي: المغيرة (من بني عبد الدار) وهم قبيلة من قريش، فهو منسوب إلى عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة، والنسبة إليه: عبدري، قال السيوطي في "إسعاف المبطأ": المغيرة بن أبي بردة: حجازي من بني عبد الدار عن أبي هريرة، ويروي عنه سعيد بن سلمة المخزومي، وثقه النسائي. انتهى.
وفي "التهذيب": المغيرة بن أبي بردة الكناني، ويقال: هو المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقلبه بعضهم.
стр. 1179
حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ؛
===
روى عن: أبي هريرة حديث البحر ... إلى آخره، وقيل: عن أبيه عن أبي هريرة، وقيل: عن رجل من بني مدلج عن النبي ﷺ ، وقيل: غير ذلك، ويروي عنه: (عم)، وسعيد بن سلمة، وقال في "التقريب": وثقه النسائي، من الثالثة، مات بعد المئة.
وجملة قوله: (حدّثه) خبر (أن المغيرة)، والضمير المرفوع يرجع إلى المغيرة، والضمير المنصوب إلى سعيد بن سلمة؛ أي: حدّث المغيرة لسعيد بن سلمة (أنه) أي: أن المغيرة.
(سمع أبا هريرة) ﵁ (يقول: )
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لكون رجاله ثقات.
(جاء رجل) وقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطني أن اسم السائل عبد الله المدلجي، وكذا ساقه ابن بشكوال بإسناده، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد، وتبعه أبو موسى، فقال: عبد أبو زمعة البلوي الذي سأل النبي ﷺ عن ماء البحر، قال ابن منيع: بلغني أن اسمه عبد، وقيل: اسمه عبيد بالتصغير. انتهى "غاية المقصود".
وكذا وقع في رواية الدارمي، ولفظه قال: أتى رجل من بني مدلج (إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؟ إنا نركب البحر) أي: مراكبه؟ من السفن وغيرها، و (أل) فيه للعهد الذهني؛ أي: نركب البحر المعهود وهو الملح؛ أي: نركبه وهو ملح ومر، وريحه منتن، زاد الحاكم في "المستدرك": "نريد الصيد"، (ونحمل معنا القليل من الماء) العذب بقدر
стр. 1180
فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ .. عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ".
===
الاكتفاء (فإن توضأنا به .. عطشنا) -بكسر الطاء- أي: أخذنا العطش، فنهلك به؛ لأنه ينفد باستعماله في الوضوء (أفنتوضأ) أي: هل لنا أن نتزوده فنتوضأ (من ماء البحر) أي: المالح؟ فإن الغالب في إطلاق البحر هو المالح.
فإن قيل: كيف شكوا في جواز الوضوء بماء البحر؟
قلنا: يحتمل أنهم لما سمعوا قوله ﷺ : "لا تركبوا البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله؛ فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا". أخرجه أبو داوود، وسعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عمرو مرفوعًا .. ظنوا أنه لا يجزئ التطهير به، وقد رُوي موقوفًا على ابن عمر بلفظ: (ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة؛ إن تحت البحر نارًا، ثم ماءً، ثم نارًا، حتى عدَّ سبعة أبحر وسبع أنيار) ذكره ابن حبان في باب (٨٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٤)، ورُوي أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه لا يجوز التطهير به، ولا حجة في أقوال الصحابة إذا عارضت المرفوع والإجماع.
وحديث ابن عمر المرفوع قال أبو داوود: رواته مجهولون، وقال الخطابي: ضعفوا إسناده، وقال البخاري: ليس هذا الحديث بصحيح، وقال أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي" (١/ ٨٨): إنما توقفوا عن ماء البحر؛ لأحد الوجهين: إما لأنه لا يُشرب، وإما لأنه طبق جهنم، وما كان طبق سخط لا يكون طريق طهارة ورحمة. انتهى "غاية المقصود".
(فقال رسول الله ﷺ في جوابه: (هو) أي: البحر (الطهور) -بفتح الطاء- أي: المطهر (ماؤه) لأنهم سألوه عن طهورية مائه، لا عن طهارته (الحل ميتته) فالميت من السمك حلال بالاتفاق، وفيما عداه
стр. 1181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خلاف، ولما سئل النبي ﷺ عن ماء البحر وعلم جهلهم بحكم مائه .. قاس عليه جهلهم بحكم صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... ﴾ الآية (١)، فزاد في الجواب إرشادًا وهداية قوله: "الحل ميتته". انتهى "علي القاري".
وقال صاحب "مرقاة الصعود": قال الطيبي: سُئل عن ماء البحر فقط، فأجابهم عن مائه وطعامه؛ لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد في البحر، كما يعوزهم ماء بئر، فلما جمعتها الحاجة منهم .. انتظم جوابه لهم، وأيضًا فإن علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة، وعلم ميتة البحر وكونها حلالًا .. مشكل أصالة، فلما رأى السائل جاهلًا بأظهر الأمرين لا يتبين حكمه عنده .. علم أن أخفاهما أولى ببيانه، قال: وإنما ارتابوا في ماء البحر؛ لأنهم لما رأوا تغيره في اللون وملوحة الطعم -وكان من المعقول عندهم في الطهور أنه الماء المفطور على خلقته السليم في نفسه الخلي من الأعراض المؤثرة فيه- قال: "الطهور ماؤه"، وأيضًا لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد عُلم أن في البحر حيوانًا قد يموت فيه والميتة نجسة .. احتاج إلى أن يعلّمهم أن حكم هذا النوع من الميتة خلاف غيره؛ كي لا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها فيه. انتهى من "البذل".
قوله: (هو الطهور ماؤه) يحتمل في إعرابه: أربعة أوجه:
الأول: أن يكون هو مبتدأ، والطهور مبتدأ ثان، خبره ماؤه، والجملة خبر المبتدأ الأول.
الثاني: أن يكون هو مبتدأ خبره الطهور، وماؤه بدل اشتمال منه.
والثالث: أن يكون هو ضمير الشأن، والطهور ماؤه مبتدأ وخبر.
стр. 1182
(١١٩) - ٣٨٣ - (٢) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ،
===
والرابع: أن يكون هو مبتدأ، والطهور خبر، وماؤه فاعله، قاله ابن دقيق العيد. انتهى من "الغاية".
قلت: الوجه الثاني لا يصح؛ يعني: كونه بدل اشتمال؛ لأن المبدل منه في نية الطرح، ويكون المعنى حينئذ: هوماؤه، فلا يصح الإخبار؛ كقولك: زيد زيد؛ لأن المقصود إفادة طهوريته، والمعنى: المطهِّر ماؤه الحلال ميتته -بفتح الميم- وهو اسم لما مات فيه من حيوان البحر، ولا يصح كسر الميم؛ لأنه يكون اسم هيئة؛ كقولهم: مات ميتة جاهلية، قال الخطابي: والعوام يكسرونها، وإنما هو بالفتح.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطهارة (٤١)، باب الوضوء بماء البحر، رقم (٨٣)، والترمذي في كتاب الطهارة، باب (٥٢) ما جاء في البحر أنه طهور (٦٩)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الطهارة (٤٧)، باب ماء البحر، رقم (٥٩)، وأخرجه مالك في "الموطأ"، وأحمد في "المسند"، والدارمي والبيهقي وابن حبان وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والدارقطني والخطيب والحاكم.
فدرجة الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة ﵁ بحديث ابن الفراسي، فقال:
(١١٩) - ٣٨٣ - (٢) (حدثنا سهل بن أبي سهل) اسم أبيه: زنجلة -بفتحتين بينهما نون ساكنة- ابن أبي الصغدي -بضم أوله وسكون المعجمة ثم دال مهملة- نسبة إلى صغد سمرقند، ويقال: بالسين بدل الصاد، الرازي
стр. 1183
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ،
===
أبو عمرو الخيَّاط، قال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى) بن عبد الله (بن بكير) القرشي المخزومي مولاهم أبو زكرياء المصري. روى عن: الليث، ومالك، ويروي عنه: (خ م ق)، وسهل بن زنجلة، وحرملة بن يحيى التجيبي.
قال في "التقريب": ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك، من كبار العاشرة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئتين (٢٣١ هـ)، وله سبع وسبعون سنة. يروي عنه: (خ م ق).
(حدثني الليث بن سعد) الفهمي المصري.
(عن جعفر بن ربيعة) بن شرحبيل بن حسنة الكندي أبي شرحبيل المصري، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع)، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ).
(عن بكر بن سوادة) بن ثمامة الجذامي -بضم الجيم- أبي ثمامة المصري. يروي عنه: (م عم)، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة بضع وعشرين ومئة.
(عن مسلم بن مخشي) -بفتح الميم وسكون المعجمة بعدها معجمة مكسورة وياء النسب- على وزن مرضي المدلجي أبي معاوية المصري. روى عن: ابن الفراسي عن أبيه في ماء البحر وفي سؤال الصالحين، ويروي عنه: (د س ق)، وبكر بن سوادة.
قلت: في ماء البحر إنما رواه عن الفراسي نفسه، وكذا هو في "سنن ابن ماجه"، وقد حكم ابن القطان بانقطاعه، والله أعلم، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة.
стр. 1184
عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَصِيدُ وَكَانَتْ لِي قِرْبَةٌ أَجْعَلُ فِيهَا مَاءً، وَإِنِّي تَوَضَّأْتُ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ".
===
(عن ابن الفراسي) -بكسر الفاء وكسر السين- عن النبي ﷺ ، وقيل: عن أبيه عن النبي ﷺ ، قال في "التقريب": لا يُعرف اسمه، ويروي عنه: (د س ق)، ومسلم بن مخشي.
وهذا السند من سباعياته، وفي "الزوائد": هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن مسلمًا لم يسمع من الفراسي، إنما سمع من ابن الفراسي، وابن الفراسي لا صحبة له، وإنما روى هذا الحديث عن أبيه، والظاهر أن الفراسي سقط من هذا الطريق فيكون السند منقطعًا، وحكمه: الضعف؛ لانقطاعه.
(قال) ابن الفراسي: (كنت) أنا دائمًا (أصيد) الأسماك من البحر (وكانت لي قربة) -بكسر القاف وسكون الراء-: إناء يُتخذ من جلد يُستعمل في الماء (أجعل فيها ماء) أي: أحمل فيها ماءً عذبًا للشرب (وإني) تزودت وتركت ماء القربة للشرب، و (توضأت بماء البحر، فذكرت) أي: أخبرت (ذلك) الذي فعلت من ادخار ماء القربة للشرب، والوضوء بماء البحر الرسول الله ﷺ ، فقال) رسول الله ﷺ : لا حرج ولا بأس فيما فعلت، (هو) أي: البحر (الطهور) أي: الذي يُطهر (ماؤه) أي: يزيل النجاسة ويرفع الحدث (الحل) أي: الحلال (ميتته) أي: ما مات فيه من حيوانه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه: بهذا السند، ولكن رواه أصحاب "السنن الأربعة" وابن خزيمة وغيرهم بهذا اللفظ بسند متصل من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح، فحينئذ درجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لأن له شاهدًا مما رواه أصحاب "السنن" من حديث أبي هريرة.
стр. 1185
(١٢٠) - ٣٨٤ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ،
===
فالحديث: صحيح المتن، ضعيف السند، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٠) - ٣٨٤ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي.
(حدثنا أحمد) بن محمد (بن حنبل) بن هلال الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثقة حجة إمام في الفروع والحديث، رأس الطبقة العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ) في ربيع الأول، وله سبع وسبعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد) أبو القاسم اسمه كنيته، ابن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني. روى عن: إسحاق بن حازم، وأخيه عبد الرحمن، وسلمة بن وردان، وغيرهم، ويروي عنه: (ق)، وأحمد بن حنبل، ويعقوب بن محمد الزهري، وآخرون.
قال الدوري عن ابن معين: لا يُعرف له اسم، وقال في موضع آخر: لا بأس به.
قلت: وقال حاتم بن الليث عن أحمد: كتبنا عنه، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى الخطيب في "تاريخه" عن سعيد بن يحيى الأموي قال: سألته عن اسمه، فقال: اسمي كنيتي، وقال في "التقريب": ليس به بأس، من التاسعة.
(قال) أبو القاسم: (حدثني إسحاق بن حازم) وقيل: ابن أبي حازم
стр. 1186
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ -هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ- عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ".
===
المدني البزاز -بزايين مع تشديد الأول- روى عن: عبيد الله بن مقسم، وأبي الأسود، ومحمد بن كعب القرظي، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ويروي عنه: (ق)، وأبو القاسم بن أبي الزناد، وخالد بن مخلد، وابن وهب، وغيرهم.
وقال أحمد وابن معين: ثقة، وقال أبو داوود: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وابن شاهين في "الثقات"، وقال الأزدي: كان يرى القدر، وقال في "التقريب": صدوق، من السابعة.
(عن عبيد الله هو ابن مقسم) القرشي مولاهم مولى ابن أبي نمر المدني. روى عن: جابر، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي صالح السمان، وغيرهم، ويروي عنه: (خ م د س ق)، وإسحاق بن حازم المدني، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وآخرون.
قال أبو داوود والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال في "التقريب": ثقة مشهور، من الرابعة.
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(أن النبي ﷺ سئل) لم أر من ذكر اسم هذا السائل (عن) حكم (ماء البحر) هل هو طهور أم لا؟ (فقال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) ولفظ (الطهور)
стр. 1187
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ -هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ -، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
===
صفة مشبهة، و (ماؤه) مرفوعها، وكذلك حكم قوله: (الحل ميتته) صفة مشبهة ومرفوعها، ولا طائل للأوجه الأربعة التي نقلناها سابقًا عن "غاية المقصود".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه" عن محمد بن عبد الرحمن الشامي عن أحمد بن حنبل (١١٩ - ١٢٠ موارد)، ورواه الدارقطني في "سننه" من طريق أحمد بن حنبل (١/ ٣٤ - ٣٥ - ٣٦ - ٣٧)، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي الزبير عن جابر به (١/ ١٤١ - ١٤٢ - ١٤٣)، ذكره في "الزوائد".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح متنًا وسندًا، وغرضه: الاستشهاد به.
(قال أبو الحسن) علي بن إبراهيم (بن سلمة) القطان تلميذ المؤلف:
(حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني) -بكسر الهاء والسين المهملة، وسكون النون، بعدها جيم، ثم ألف، ثم نون مكسورة- لم أر من ذكر ترجمته.
(حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد، حدثني إسحاق بن حازم، عن عبيد الله -هو ابن مقسم-، عن جابر بن عبد الله) ﵄ (أن النبي ﷺ ، فذكر) علي بن الحسن (نحوه) أي: نحو حديث محمد بن يحيى، غرضه: بيان متابعة علي بن الحسن لمحمد بن يحيى.
стр. 1188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: اقتصر المزي في "الأطراف" على الطريق الأول، والطريق الثاني من زيادات أبي الحسن القطان الراوي عن ابن ماجه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أبي هريرة، ذكره للاستدلال به على الترجمة.
والثاني: حديث ابن الفراسي، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث جابر، ذكره للاستشهاد أيضًا.
والله أعلم
стр. 1189
(٣٩) - (٦٣) - بَابُ الرَّجُلِ يَسْتَعِينُ عَلَى وُضُوئِهِ فَيُصَبُّ عَلَيْهِ
(١٢١) - ٣٨٥ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
===
(٣٩) - (٦٣) - (باب الرجل يستعين) بغيره (على) استعمال الماء في أعضاء (وضوئه) بضم الواو (فيصب) أي: يسكب ذلك الغير (عليه) أي: على المتوضئ مثلًا الماء.
* * *
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث المغيرة بن شعبة ﵁، فقال:
(١٢١) - ٣٨٥ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي أبو الوليد الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي -بفتح المهملة وكسر الموحدة- أخو اسرائيل الكوفي، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش عن) أبي الضحى (مسلم بن صبيح) -مصغرًا- الهمداني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
стр. 1190
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ .. تَلَقَّيْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَغْسِلُ ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَتِ الْجُبَّةُ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ
===
(عن المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور ﵁، أسلم قبل الحديبية، ولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين (٥٠ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(قال) المغيرة: (خرج النبي ﷺ من منزله (لـ) قضاء (بعض حاجته) حاجة الإنسان (فلما رجع) من موضع قضاء الحاجة .. (تلقيته) أي: استقبلته (بالإداوة) أي: بالمطهرة، قال في "المصباح": الإداوة -بكسر الهمزة-: المطهرة، وجمعها الأداوى، بفتح الواو؛ وهي إناء الوضوء (فصببت) أي: سكبت (عليه) ﷺ الماء، وفي "مسلم" زيادة: (حين فرغ) ﷺ (من) قضاء (حاجته) وخروجه من موضع قضاء الحاجة وانتقاله إلى موضع آخر.
(فغسل يديه) أي: كفيه للوضوء (ثم غسل وجهه، ثم ذهب) وقصد أن (يغسل ذراعيه) أي: ساعديه إلى المرفقين، فأراد أن يُخرج ذراعيه من كم الجبة ليغسلهما (فضاقت الجبة) أي: كماها من أن يُخرج الذراعين من أعلاها؛ والجبة: قميص من صوف محشو يلبس للبرد (فأخرجهما) أي: أخرج الذراعين (من تحت الجبة فغسلهما) ومسح على رأسه (ومسح على خفيه) بدلًا عن غسل رجليه.
والمعنى: فصببت عليه الماء إلى إن فرغ من وضوئه (ثم) بعدما فرغ من
стр. 1191
صَلَّى بنا.
===
وضوئه (صلى بنا) رسول الله ﷺ فريضة الصبح؛ وذلك في سفره في غزوة تبوك.
قال السندي: قوله: (ثم صلى بنا) ظاهره: أنه أمّهم، والمشهور الثابت أن هذه الواقعة كانت وقت الصبح، وأمّهم في صلاة الصبح عبد الرحمن بن عوف، والنبي ﷺ أدرك الناس وهم في الركعة الثانية خلف عبد الرحمن، فجاء فصلى خلفه ركعة، ثم قام فصلى ما سبق به، فإما أن يقال: صلى بنا بمعنى أنه صلى معنا، أو يقال: الباء للتعدية على أنه صلى بهم ظهر ذلك اليوم بذلك الوضوء. انتهى منه.
وفي هذا الحديث دليل على جواز الاستعانة في الوضوء، وقد ثبت أيضًا في حديث أسامة بن زيد أنه صب على رسول الله ﷺ في وضوئه حين انصرف من عرفة، وقد جاء في أحاديث ليست بثابتة .. النهي عن الاستعانة، وفي هذا الحديث رد على من زعم أن المسح عليهما منسوخ بآية المائدة؛ لأنها أُنزلت في غزوة المريسيع، وهذه القصة في غزوة تبوك بعدها باتفاق؛ إذ هي آخر المغازي، ثم المسح على الخفين خاص بالوضوء، ولا مدخل للغسل فيه بالإجماع، قاله الزرقاني. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
فهو من المتفق عليه، فهو في أعلى درجات الصحة، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
قال النووي: قال أصحابنا: الاستعانة ثلاثة أقسام: أحدها: أن يستعين غيره في إحضار الماء، فلا كراهة ولا نقص، والثاني: أن يستعين به في غسل
стр. 1192
(١٢٢) -٣٨٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيل، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ،
===
الأعضاء، ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء، فهذا مكروه إلا لحاجة، والثالث: أن يستعين في الصب عليه، فهذا الأولى تركه، وهل يسمى مكروهًا؟ فيه وجهان، قال أصحابنا وغيرهم: وإذا صب عليه الماء .. وقف الصاب على يسار المتوضى، والله تعالى أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث المغيرة بحديث الربيِّع رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٢) -٣٨٦ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري.
(حدثنا الهيثم بن جميل) -بفتح الجيم- البغدادي أبو سهل نزيل أنطاكية، ثقة، من أصحاب الحديث. يروي عنه: (خ ق)، تغير فترك، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ).
(حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي أبو عبد الله الكوفي القاضي بواسط ثم بالكوفة. يروي عنه: (م عم)، صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة.
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل) -بفتح العين- ابن أبي طالب الهاشمي المدني. روى عن: الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ، وابن عمرو، وأنس، وجابر، وغيرهم، ويروي عنه: (د ت ق)، وشريك بن عبد الله القاضي.
قال النسائي: ضعيف، وقال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم، وقال ابن عبد البر: هو أوثق من كل من تكلم فيه. انتهى، وهذا إفراط،
стр. 1193
عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِيضَأَةٍ فَقَالَ: "اسْكُبِي"، فَسَكَبْتُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ، وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
===
وقال في "التقريب": صدوق، في حديثه لين، من الرابعة، مات بعد الأربعين والمئة.
(عن الرُّبَيِّع) بالتصغير والتشديد (بنت مُعؤِذ) -بضم الميم وفتح المهملة وكسر الواو المشددة- ابن عفراء -بفتح العين وسكون الفاء- الأنصارية النجارية، من صغار الصحابيات، رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأنه فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو عبد الله بن محمد بن عقيل.
(قالت) الرُّبيِّع: (أتيت النبي ﷺ بميضأة) أي: بمطهرة يُتوضأ منها وزنها مفعلة ومفعالة اسم آلة من (وضأ) الثلاثي بمعنى توضأ، والميم زائدة (فقال) لي رسول الله ﷺ : (اسكبي) أي: صبِّي عليّ الماء من الميضأة من (سكب) من باب (نصر) بمعنى صبّ، ولعله ﷺ رآها راغبة في ذلك، فأذن لها (فسكبت) أي: صببت على كفيه الشريفتين الماء من الميضأة (فغسل وجهه) في المرة الأولى، ثم سكبت مرة ثانية (و) غسل إحدى (ذراعيه)، ثم ثالثة، وغسل الذراع الأخرى (وأخذ ماءً جديدًا) غير غسالة الذراعين (فمسح به) أي: بالماء الجديد (رأسه) مسح أولًا (مقدمه و) آخرًا (مؤخره) أي: بدأ مسح رأسه بمقدمه ثم أدبر، والمراد: استوعب الرأس بالمسح في مرة واحدة (وغسل قدميه) كلًّا منهما (ثلاثًا ثلاثًا).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب الطهارة
стр. 1194
(١٢٣) - ٣٨٧ - (٣) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ،
===
(٥٠)، باب صفة وضوء النبي ﷺ ، رقم (١٢٦)، والترمذي في كتاب الطهارة (٢٥)، باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس، رقم (٣٣) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود منه إسنادًا، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث منهم وكيع بن الجراح، وأخرجه الترمذي أيضًا في كتاب الطهارة (٢٦)، باب ما جاء أن مسح الرأس مرة، رقم (٣٤)، قال أبو عيسى: حديث الرُبيّع حديث حسن صحيح، ثم قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، وبه يقول جعفر بن محمد وسفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، رأوا مسح الرأس مرة واحدة.
فتحصل لنا مما ذكر أن حكم سند هذا الحديث: الحسن، ودرجة متن الحديث: أنه حسن صحيح، كما قاله الترمذي، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث صفوان بن عسال ﵁، فقال:
(١٢٣) - ٣٨٧ - (٣) (حدثنا بشر بن آدم) الضرير أبو عبد الله البغدادي بصري الأصل، صدوق، من العاشرة. يروي عنه: (خ ق)، مات سنة ثمان عشرة ومئتين (٢١٨ هـ)، وله ثمان وستون سنة.
(حدثنا زيد بن الحباب) -بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى- أبو الحسين العُكلي -بضم المهملة وسكون الكاف- أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فأكثر منه، وهو صدوق، يخطئ في حديث
стр. 1195
حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنِي حُذَيْفَةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ الْأَزْدِيُّ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: صَبَبْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فِي الْوُضُوءِ.
===
الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثني الوليد بن عقبة) بن نزار العنسي -بالنون- مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثني حذيفة بن أبي حذيفة الأزدي) روى عن: صفوان بن عسّال، ويروي عنه: (ق)، والوليد بن عقبة، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في الطهارة.
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: روى عنه أهل الكوفة، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة.
(عن صفوان بن عسال) -بتشديد المهملة- المرادي -بضم الميم- نسبة إلى مراد؛ بطن من مذحج الجملي -بفتح الجيم والميم- نسبة إلى جمل؛ بطن من مراد، غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة غزوة. روى عن: النبي ﷺ وسكن الكوفة، ويروي عنه: (ت س ق)، وحذيفة بن أبي حذيفة، وزر بن حبيش، وعبد الله بن سلمة المرادي، وغيرهم.
وقال في "التقريب": صحابي معروف، نزل الكوفة.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا مجهولًا وهو الوليد بن عقبة.
(قال) صفوان بن عسال: (صببت على النبي ﷺ الماء) من الميضأة (في السفر والحضر في الوضوء).