قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونَ أَدْنَى مَسَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِبَوْلَاءَ"، ثُمَّ قَالَ ﷺ : "يَا عَلِيُّ يَا عَلِيُّ يَا عَلِيُّ"،
===
- بكسر أوله وتسكين ثانيه وحاء مهملة - أبو عبد الله المزني الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، مات في ولاية معاوية. يروي عنه: (د ت ق).
والضميران في (أبيه) و (جده) كل منهما عائد إلى (كثير بن عبد الله).
(قال) جده عمرو بن عوف: (قال رسول الله ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا يعقوب الحنيني، وهو ضعيف، وفيه أيضًا كثير بن عبد الله، كذبه أبو داوود والشافعي.
قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تكون أدنى) وأقرب (مسالح المسلمين) نازلين (ببولاء) لحراسة الأعداء عن دخول بلاد المسلمين؛ وهو اسم موضع كان يسرق فيه الأعراب متاع الحجاج وزادهم؛ والمسالح - جمع مسلحة - وهم القوم الذين يحفظون الثغور من العدو، وسموا مسلحة: لأنهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلحة؛ وهي كالثغر والمرقب يكون فيه أقوام يرقبون العدو؛ لئلا يطرقهم على غفلة، فإذا رأوه .. أعلموا أصحابهم؛ ليتأهبوا له. انتهى "سندي".
أي: حتى يكون أقرب حرسة بلاد المسلمين نازلين ببولاء؛ وهو اسم موضع في أطراف بلاد الشام.
(ثم قال) رسول الله ﷺ : يا علي) يريد: علي بن أبي طالب؛ أي: أقبل إلي (يا علي) أقبل إلي، (يا علي) أقبل إلي، كرره ثلاث مرات بقوله: (يا علي يا علي يا علي) مبالغةً في التأكيد.
стр. 11692
قَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي، قَالَ: "إِنَّكُمْ سَتُقَاتِلُونَ بَنِي الْأَصْفَرِ وَيُقَاتِلُهُمُ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِكُمْ، حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ رُوقَةُ الْإِسْلَامِ أَهْلُ الْحِجَازِ الَّذِينَ لَا يَخَافُونَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَيَفْتَتِحُونَ الْقُسْطُنْطينِيَّةَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِير، فَيُصِيبُونَ غَنَائِمَ لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَهَا حَتَّى يَقْتَسِمُوا بِالْأَتْرِسَة، وَيَأْتِي آتٍ فَيَقُولُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَرَجَ فِي بِلَادِكُمْ،
===
(قال) علي: أقبلت إليك يا رسول الله، فداءً لك (بأبي وأمي) أي: أفديك بأبي وأمي عن كل المكاره (قال) رسول الله ﷺ لعلي: (إنكم) أيها الأصحاب (ستقاتلون بني الأصفر) أي: الروم (ويقاتلهم) أي: ويقاتل بني الأصفر الأتباع (الذين من بعدكم) أي: أيها الأصحاب (حتى تخرج إليهم) أي: إلى بني الأصفر لقتالهم (روقة الإسلام) أي: خيار المسلمينَ وسراتُهم، جمع رائق؛ من راق الشيء؛ إذا صفا وخلص.
وقوله: (أهل الحجاز) بدل من (روقة) بدل كل من كل؛ أي: حتى يخرج إلى قتالهم خيار المسلمين وأشرافهم الذين هم أهل الحجاز (الذين لا يخافون في) حق (الله لومة لائم) وعذل عاذل (فيفتتحون القسطنطينية) أي: مدينتها، وهي أكبر مدائن الروم؛ كما مر؛ أي: يغلبون أهلها (بالتسبيح والتكبير، فيصيبون غنائم) أي: يأخذون غنائم كثيرة من أهلها (لم يصيبوا) أي: لم يأخذوا (مثلها) أي: مثل تلك الغنيمة قط في غزواتهم (حتى يقتسموا) ها لكثرتها (بالأترسة) أي: حتى يتقاسموا ذهبها وفضتها؛ لكثرتها بكيلها بالأترسة جمع ترس، وذكر قسمتها بالأترسة بيان لكثرتها، حتى لا يمكن تقاسمها بعد الدراهم والدنانير.
(ويأتي) إليهم (آت) أي: إنسان، وهم في مقاسمتها (فيقول) لهم: (إن المسيح) الدجال (قد خرج) من محبسه في جزيرة البحر، ودخل (في بلادكم)
стр. 11693
أَلَا وَهِيَ كِذْبَةٌ؛ فَالْآخِذُ نَادِمٌ وَالتَّارِكُ نَادِمٌ".
(١٤) - ٤٠٣٨ - (٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،
===
ومدنكم على النساء والولدان، فحيهلا على أولادكم ونسائكم (ألا) - بفتح الهمز - حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وهي) أي: وتلك الكلمة (كذبة) أي: كلمة كاذبة، ناداها إبليس؛ ليحرمهم عن الغنيمة و (الفاء) في قوله: (فالآخذ نادم) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفتَ أن تلك المقالة كذبة، وعرفت أن منهم آخذًا منها، ومنهم تاركًا، وأردت بيان حالهم بعد ذلك .. (فـ) أقول لك: (الآخذ) منها (نادم) لظهورِ أنَّ تلك الكلمة كذبة (والتارك) لأخذها (نادم) أيضًا؛ لأن الدجال يخرج بعده بقريب، بحيث يرى التارك أنه لو تأهَّب له حين سمع ذلك القول .. كان أحسن له.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وقيل: هو موضوع، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهذا الحديث: ضعيف متنًا وسندًا (٤)(٤١٤).
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ذي مخبر بحديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤) - ٤٠٣٨ - (٧) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي أبو سعيد، لقبه دحيم - مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة مدلس، من الثامنة،
стр. 11694
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله، حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ هُدْنَةٌ، فَيَغْدِرُونَ بِكُمْ فَيَسِيرُونَ إِلَيْكُمْ فِي ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".
===
مات في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن العلاء) بن زبر - بفتح الزاي وسكون الموحدة - الدمشقي الربعي، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثني بسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة حافظ، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(حدثني أبو إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني عوف بن مالك الأشجعي) أبو حماد الدمشقي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، من مسلمة الفتح، مات سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عوف: (قال رسول الله ﷺ : تكون بينكم) أيها المسلمون (وبين بني الأصفر هدنة) أي: مصالحة وموادعة على ترك المحاربة بينكم وبينهم (فيغدرون) أي: يخدعون (بكم، فيسيرون إليكم) للمحاربة (في) جيش ملتبسين بـ (ثمانين غاية) أي: راية (تحت كل غاية) أي: راية (اثنا عشر ألفًا) من الجنود.
стр. 11695
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما يحذر من الغدر، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح، وابن حبان في "الإحسان".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ذي مخبر.
وقد تقدم تخريجه للمؤلف في أوائل كتاب الفتن برقم: (٣٩٨٦).
ملحقة
وبنو الأصفر: هم الأروام، سموا بذلك؛ لأن أباهم الأول - وهو: الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - كان أصفر.
وقيل: سموا باسم رجل أسود ملك الروم، فنكح من نسائهم، فولد له ولد في غاية الحسن والجمال، فنسب الروم إليه، قاله القاري في "المرقاة" (٩/ ٣٠٥).
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: ثمانية:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، واثنان للاستئناس، وأربعة للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11696
(٣) - (١٤٧٦) - بَابُ التُّرْكِ
(١٥) - ٤٠٣٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
===
(٣) - (١٤٧٦) - (باب الترك)
اختلف في أصل الترك: فقال بعضهم: الترك - بضم التاء وسكون الراء -: جيلٌ من الناس، والجمعُ الأَتْراكُ، والواحدُ تركِيٌّ؛ كرُوميٍّ.
والحَبَشةُ - بالتحريك - جيلٌ من السودان معروف، والواحدُ حبشيٌّ؛ والحبشُ: هو ابنُ كَوْشِ بن حام بن نوح ﵇، وهم مجاورون لأهل اليمن، يقطع بينهم البحر، قاله المناوي. انتهى من "العون".
وقال الخطابي: الترك: هم بَنُو قَنْطُورَاءَ؛ أمةٌ كانَتْ لإبراهيم الخليل ﵇، وقال كُراعٌ: هو الدَّيْلَمُ، وتعقب بأنَّهم جِنْسٌ من الترك، وكذلك الغُزُّ.
وقال أبو عمرو: هم من أولاد يافث بن نوح، وهم أجناس كثيرة.
وقال وهب بن منبه: هم بنو عم يأجوج ومأجوج، لما بنى ذو القرنين السدَّ .. كان بعض يأجوج ومأجوج غائبين وَقْتَ السد، فتُركوا، لم يدخلوا مع قومهم، فسُمُّوا الترك.
وقيل: إنهم من نسل تبع، وقيل: من ولد أَفْرِيدُونَ بن سامِ بن نوح، وقيل: ابنُ يافث لصلبه، وقيل: ابنُ كَومَى بن يافث، كذا في "فتح الباري". انتهى من "العون".
* * *
(١٥) - ٤٠٣٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
стр. 11697
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ،
===
(حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه، من الثامنة، إلا أنه تغيَّر حفظه، وكان ربما دلَّس ولكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني، ثقة إمام الأئمة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حَزْنٍ المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
حالة كون أبي هريرة يرفع هذا الحديث و (يبلغ به) أي: بهذا الحديث (النبي ﷺ ويسنده إليه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر) أي: يتخذون النعال من الشعر المضفور، وقد رأيت قومًا من الترك كانت نعالهم من الشعر المضفور في تاريخ: (١٣٧٤ هـ) وتعجبنا من ذلك، ويحتمل أن يراد: أن ذوائبهم لطولها ولوصولها إلى أرجلهم؛ كالنعال لهم.
ويحتمل أن يراد به: أن نعالهم تكون جلودًا مشعرة غير مدبوغة، وهذا كثير
стр. 11698
وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ".
(١٦) - ٤٠٤٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ
===
في بلادنا زمن طلبنا العلم في ألف وثلاث مئة وخمس وخمسين (١٣٥٥ هـ) وأَنَا لَبِسْتُها.
(ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين).
قال القرطبي: قوله: "نعالهم الشعر" يحتمل أن يراد بذلك: أن شعورهم كَثِيرَةٌ طويلةٌ، فهي إذا أسدلوها كاللِّباس، وذوائبُها لوصولها إلى أرجلهم .. كالنعال، وقال القاضي: إنهم يصنعون منها نعالًا وثيابًا يلبسونها.
(ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين) قال النووي: وجد قتال هؤلاء الترك الموصوفين بهذه الصفات المذكورة مرات، وهذه كلها من معجزات الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى. انتهى من "المبارق".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب قتال الترك، ومسلم في كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب قتال الترك، والترمذي في كتاب الفتن، باب في قتال الترك، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٦) - ٤٠٤٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن
стр. 11699
عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُن، ذُلْفَ الْأُنُوفِ
===
عيينة، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم، المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم، المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين) على خلاف عادة أعين الإنسان (ذُلْفَ الأنُوفِ) - بضم الذال وسكون اللام - جمع أذلف؛ كأحمر وحمر؛ ومعناه: فُطْسَ الأنوف؛ والذلف: قِصَرُ الأَنْف وانبطاحُه، وقيل: ارتفاعُ طرفه مع صِغَر أَرْنَبتِه، وقال النووي: ذُلف الأنوف جمع أذلف؛ كأحمر وحمر؛ ومعناه: فُطْس الأنوف قصارُها مع انبطاحٍ، وقيل: هو غِلظٌ في أَرْنبةِ الأنف، وقيل: تطَامُنٌ فيها، وكلُّه متقارب. انتهى منه.
وقال القرطبي: الآنُفُ - جَمعُ أنْفٍ، جمعَ قلةٍ؛ نظيرُ فَلْسٍ وأَفْلُسٍ، ويروى ذُلْفَ الأُنوف جمع أَنْف جمع كثرة، نظير فَلْسٍ وفلوس، ويجمع أَيضًا على آنَافِ وأُنُفٍ، وأنفُ كلّ شيءٍ: أوَّلُه؛ والذَّلَف - بفتحتين وبالذال المعجمة - في الإنسان: صِغَرُ الأنفِ واستواءُ الأرنبة وقِصرها، وقيل: تطَامُن الأَرْنَبة، والأوَّلُ أَعْرَفُ وأَشْهَرُ. انتهى.
وعبارةُ النووي: قوله: (ذلفَ الأنفِ)؛ الذَّلَفُ - بالذال المعجمة والمهملة - لغتان، المشهورُ المعجمة.
стр. 11700
كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ".
===
قال في "النهاية": الذَّلفُ: قصر الأنفِ وانبطاحُه، وقيل: ارتفاعُ طرفه مع صغر أرنبته؛ والذُّلْفُ - بسكون اللام -: جمع أَذْلفَ؛ ؛ كأَحْمرِ وحُمْر؛ والآنف جمعُ قلة للأَنْف، وُضِعَ موضعَ جمع الكثرة، ويحتمل: أنَّه قلَّلَها؛ لصغرها.
وفي "المصباح": الأَنْفُ المِعْطَسُ، والجمعُ آناف على أفعال، وأُنوف وآنُف؛ مثلُ فلوس وأَفْلُس. انتهى.
(كأن وجوههم المجانُّ) المجان - بفتح الميم - جمع المِجن - بكسرها - وهو الترس (المطرقة) أي: التي أُلبست طاقة فوقَ طاقة من الجلود؛ وهي الأغشية، يقال: طارَقْتُ بين النعلَين؛ أي: جَعلْتُ إحداهما على الأخرى (ولا تقوم الساعة حتى تقاتلُوا قومًا نعالهم الشعر) تقدم معناه قريبًا في الحديث الأول فراجعه، ولا شك أنَّ هذه الأوصاف هي أوصافُ الترك غالبًا، وقد سمَّاهم النبيُّ ﷺ في الرواية الأخرى، فقال: "يقاتِلُ المسلمون التُرْك"، وهذا الخبر قد وَقَعَ على نحو ما أخبر رسولُ الله ﷺ ؛ فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سُلْطَان خُوَارِزم، وكان الله تعالى قد نصره عليهم، ثم رجعَتْ لهم الكرَّةُ، فغَلبُوا على عراق العجم وعلى غيرهم، وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله، ولا يردُّهم عن المسلمين إلا الله تعالى، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدمتهم، فنسأل الله تعالى أن يُهلِكهم ويبدِّد جَمْعَهم.
ولما علم النبي ﷺ عددهم وكثرتهم وحدة شوكتهم .. قال ﷺ : "اتركوا الترك ما تركوكم" رواه أبو داوود والنسائي. انتهى من "المفهم".
стр. 11701
(١٧) - ٤٠٤١ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب قتال الترك، ومسلم في كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، وأبو داوود في كتاب الملاحم، باب قتال الترك، والترمذي في كتاب الفتن، باب في قتال الترك، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
قلت: فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث عمرو بن تغلب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧) - ٤٠٤١ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر) الشامي نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان، ثقة، من التاسعة، مات في أول سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة (١٧٠ هـ) بعدما اختلط، لكن لم يحدث في حال اختلاطه. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، رأس أهل الطبقة الثالثة مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن تغلب) - بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام ثم
стр. 11702
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الْوُجُوهِ؛ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ".
===
موحدة - النَّمَريِّ - بفتح النون والميم - الصحابي رضي الله تعالى عنه، مات بعد الأربعين. يروي عنه: (خ س ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عمرو: (سمعت النبي ﷺ يقول: إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قومًا عراض الوجوه) أي: واسعي الوجوه عرضًا لا طولًا (كأن وجوههم) في كونها واسعة العرض؛ أي: في كونها مدورة (المَجَانُّ) - بفتح الميم والجيم وبعد الألف نون مشددة - جمع مجن - بكسر الميم - وهو الترس.
(المُطْرَقة) - بضم الميم وسكون الطاء المهملة وفتح الراء مخففة - ولأبي ذر: (المُطَرَّقة) - بفتح الطاء وتشديد الراء - والأولى هي الفصيحة المشهورة في الرواية وكتب اللغة؛ وهي التي ألبست الطراق؛ وهي جلدة تقدر على قدر الدرقة وتلصق عليها.
قال البيضاوي: شبه وجوههم بـ (الترس): لبسطها وتدويرها، وبـ (المطرقة): لغلظها وكثرة لحمها (وإن من أشراط الساعة: أن تقاتلوا قومًا يَنْتَعِلُونَ) أي: يَلْبَسُون نعالَ (الشَّعَر) - بفتح العين، وقد تسكن - والنعال جمع نعل؛ أي: إنهم يجعلون نعالهم من حبال ضفرت من الشعر، أو المراد: طولُ شعورهم وكثافتُها فهم لذلك يمشون فيها. انتهى من "القسطلاني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب قتال الترك، وفي كتاب المناقب، باب علامة النبوة في الإسلام.
стр. 11703
(١٨) - ٤٠٤٢ - (٤) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْأَعْمَش،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨) - ٤٠٤٢ - (٤) (حدثنا الحسن بن عرفة) بن يزيد العبدي أبو علي البغدادي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ) وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا عمار بن محمد) الثوري أبو اليقظان، ابن أخت سفيان الثوري، سكن بغداد، صدوق يخطئ وكان عابدًا من الثامنة. يروي عنه: (م ت ق). روى عن الأعمش، ويروي عنه: الحسن بن عرفة، قال الدوري عن ابن معين: لم يكن به بأس، وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: ليس به بأس، وقال إبراهيم بن داوود عن ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن علي الأَبَّارُ عن علي بن حُجر: كان ثَبْتًا ثقة، وقال البخاري: قال لي عمرو بن محمد: حدثنا عمار بن محمد وكان أوثق من سيف أخيه، وقال الجُوزَجَاني: عمار وسيف ليسا بالقويين، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، يكتب حديثه، وقال ابن سعد: توفي في المحرم سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ) وكان ثقة، فتحصل لنا أنه مختلف فيه. انتهى "تهذيب".
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة وَرِعٌ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11704
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صغَارَ الْأَعْيُن، عِرَاضَ الْوُجُوهِ كَأَنَّ أَعْيُنَهُمْ حَدَقُ الْجَرَادِ؛ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ وَيَتَّخِذُونَ الدَّرَقَ
===
(عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عن: أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمار بن محمد، وهو مختلف فيه؛ كما في "التهذيب".
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين) أي: أَغْلبُهُم صغار العيون بالنسبة إلى أعين الناس غيرهم، وكانوا (عِراضَ الوجوه) أي: مُدَوَّرةً وُجوهُهم، لا مُربَّعة ولا مُثلَّثة (كأن أعينهم) أي: حَدقَتَها وشَحْمَتَها مِثْلُ (حدق الجراد) وعينِه.
والحدق - بفتحتين - جمع حدقة؛ وهي سوادُ العين الأعظم، والجمع حَدَق وحِداق - بكسر الحاء - لأن عينه صغار تحت جناحه لا ترى إلا بالتأمل، لا الكبيرة التي على رأسه، وهذا راجعٌ إلى قوله: (صغارُ الأعين).
وقوله: (كأن وجوههم المجان المطرقة) راجع إلى قوله: (عراض الوجوه)، وهذان الوصفان خاصان بالترك.
وقوله: (ينتعلون الشعر) أي: يتخذون النعال من الشعر المضفور (ويتخذون الدرق) جمع درقة؛ وهي الترس من جلود ليس فيه خَشَب ولا عَقِبٌ؛ أي: مَمْسَكٌ كمَمْسَكِ الكاسات والأباريق.
стр. 11705
يَرْبِطُونَ خَيْلَهُمْ بِالنَّخْلِ".
===
(يربطون خيلهم بالنخل) أي: بأصول النخل عند الشروع في الاقتتال؛ لأنهم لا فروسيَّةَ لهم، بل يقاتلون بأنفسهم، رَاجِع إلى (أصحابِ بَابَكَ الخُرَّميِّ) كما يستفاد من "فتح الباري" (٦/ ٢٠٤).
وقال القاضي عياض: معناه: أنهم يصنعون من الشعر حبالًا، ويصنعون منها نعالًا وثيابًا يلبسونها، ويحتمل أن تكون شعورهم كثيفة طويلة، فإذا سدلت .. فهي كاللباس، ولوصولها إلى الأرض والأرجل كالنعال. انتهى.
ثم الظاهر من هذه الأحاديث أن القوم (الذين وجوههم كالمجان المطرقة) غير (الذين نعالهم الشعر) لأنه ﷺ ذكر الطائفتين بكلام مستقل.
تؤيده رواية صالح عن الأعرج عند البخاري رقم (٢٩٢)، ولفظها: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين ذلف الأنوف؛ كأن وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نِعَالُهم الشعرُ).
ولذلك ذكر بعض العلماء أن المراد من الأولين: الترك، ومن الأخيرين: أصحاب بابك الخرمي، وكان من طائفة من الزنادقة، استباحوا المحرمات، وقامت لهم شوكة كبيرة في أيام المأمون، وغلبوا على كثير من بلاد العجم؛ كطبرستان والري، إلى أن قتل الله بابك المذكور في أيام المعتصم، وكان خروجه سنة (٢٠١ هـ) وقتله الله سنة (٢٢٢ هـ).
وذكر الإسماعيلي من طريق محمد بن عباد قال: بلغني أن أصحاب بابك كانت نعالهم الشعر. انتهى "فتح الباري" (٦/ ٢٠٤).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه"
стр. 11706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من طريق الأعمش به، وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه الأئمة الستة، ومن حديث عمرو بن تغلب، رواه البخاري وغيره.
ودرجته: أنه حسن السند، وصحيح بما قبله من حيث المتن، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11707
كتاب الزهد
стр. 11708
(٣٦) - كِتَابُ الزُّهْدِ
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(٣٦) - (كتاب الزهد)
وهو الكتاب الأخير من هذا السِّفر المنير، وجملة ما ذكره المؤلف فيه من الكتب: (ستة وثلاثون كتَابًا).
والمراد بوضع هذا الكتاب: إيراد الأحاديث الدالة على الزهد في الدنيا والترغيب في الآخرة.
وقد أفرده جماعة من العلماء والمحدثين بالتأليف فيه؛ منهم:
المحدث الكبير وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وهناد بن السري.
والزهد لغةً: تقليل الرغبة في الشيء والإعراض عنه، يقال: زهد فيه؛ من أبواب فتح وسمع وكرم، وزهدًا وزهادةً، وشرعًا: الإعراض عما فوق قدر الحاجة من الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى من الآخرة.
قال ابن القيم: الفرق بين الزهد والورع: أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة.
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الزهد على ثلاثة أوجه:
الأول: ترك الحرام؛ وهو زهد العوام.
والثاني: ترك الفضول من الحلال - أي: ترك ما فضل من الحاجة - وهو زهد الخواص.
стр. 11709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثالث: ترك ما يشغل عن الله؛ وهو زهد العارفين.
فالدرجة الأولى من الزهد واجب تحصيلها على كل مسلم.
والدرجة الثانية، وإن كانت مستحبة في نفسها، ولكن الدرجة الأولى لا تكاد تحصل إلا بها؛ لأن من كثر انهماكه فيما يفضل عن حاجته .. أوشك أن يقع في محظور.
والدرجة الثالثة إنما تحصل بعد تحصيل الدرجتين الأوليين.
وقال الحافظ ابن القيم في "مدارج السالكين": والذي أجمع عليه العارفون أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة.
ومتعلقه ستة أشياء، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها؛ وهي:
المال، والصور، والرئاسة، والناس، والنفس، وكُلُّ ما دون الله تعالى.
قال: وليس المراد: رَفْضَها مِن المُلْكِ؛ فقد كان سليمانُ وداوودُ ﵉ من أزهد أهلِ زمانهما، ولهما من المال والملك والنساء ما لهما، وكان نبينا ﷺ من أزهد البشر على الإطلاق، وله تسعُ نسوة، وكان علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين من الزُهَّاد، مع ما كان لهم من الأموال.
وكان الحسن بن علي من الزُّهَّاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبةً للنساء ونكاحًا لهن، مع أنه كان له رأسُ مال، يقول: لولا هـ .. لتَمَنْدَل بنا هؤلاءِ.
ومن أحسن ما قيل في الزهد: كلام الحسن البصري أو غيره: (ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله
стр. 11710
(٤) - (١٤٧٧) - بَابُ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا
(١٩) - (٤٠٤٣) - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
تعالى أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك)، وهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه، وقد روي مرفوعًا.
والحاصل: أن حقيقة الزهد ليست منافية لأسباب الدنيا، وإنما حقيقته ألا تتعلق أسباب الدنيا بقلب الإنسان بما يلهيه عن ذكر الله تعالى وذكر الآخرة، وأن يكون الإنسان دائمًا يؤثر نعيم الآخرة على نعيم الدنيا.
ومن ها هنا: يفترق الزهد عن الرهبانية التي ابتدعها النصارى؛ فإن الرهبانية أن تترك أسباب الدنيا من رأسها، والزهد لا يقتضي ذلك، وإنما يقتضي أن يكون الإنسان في رغبته في الآخرة أكثر من رغبته في الدنيا، وألا تشغله أسباب الدنيا عن سعيه للآخرة، والله تعالى أعلم. كذا في "التكملة".
هذا آخر كتب هذا السُّنَن، وقد ختم به هذا السنن؛ تنبيهًا على أنَّ نَتِيجَةَ العلم هو الزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله تعالى.
كما أن ابتداءه هذا السنن بكتاب السنة .. كان تنبيهًا على وجوب اتباع السنة، ووجوب الاقتداء به ﷺ في أقواله وأفعاله.
جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
* * *
(٤) - (١٤٧٧) - (باب الزهد في الدنيا)
(١٩) - ٤٠٤٣ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي
стр. 11711
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ
===
الكوفي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عمرو بن واقد) الدمشقي أبو حفص (القرشي) مولاهم، متروك، من السادسة، مات بعد الثلاثين ومئة، وعدَّه في "تاريخ الإسلام" في طبقة من مات بين السبعين والثمانين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا يونس بن ميسرة بن حلبس) - بمهملتين وموحدة بوزن جعفر - وقد ينسب لجده، ثقة عابد معمر، من الثالثة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله الشامي، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، كان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء. يروي عنه: (ع).
(عن أبي ذر الغفاري) جندب بن جنادة المدني الربذي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته، ولم يشهد بدرًا، مات سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمرو بن واقد، وهو متروك.
(قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : ليس الزهادة) بفتح الزاي (في الدنيا) أي: ليست الزهادة الشرعية الممدوحة حاصلة (بتحريم الحلال) أي: بترك الانتفاع بالحلال؛ أي: بترك الانتفاع بالطيبات، ولا بترك
стр. 11712
وَلَا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَلَّا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ
===
تناولها؛ كما يفعله بعض الجهلة زعمًا منهم أن هذا من صفة الكمال، فيمتنع من أكل اللحم والحلواء والفواكه، ولبس الثوب الجديد، ومن التزوج، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١).
وقد ثبت أنه ﷺ فعل ذلك المذكور؛ من أكل اللحم والحلواء والفواكه ولبس الثوب الجديد، ولا أَكْملَ من حالةِ الكمال من الأفعال التي فعلَها الرسول ﷺ .
(ولا في إضاعة المال) الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله.
ولفظة (في) هنا بمعنى: الباء؛ أي: وليست الزهادة الشرعية الممدوحة حاصلةً بتضييع المال؛ أي: بتضييعه؛ بأن يرميه في البحر أو يَذُرَّهُ في الريح العاصفة؛ بأن كان نوطًا عصريًا، أو بصرفه في غير مصارفه؛ كأن يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير، وكأن يشرب به الخمر والدخان.
(ولكن) - بتخفيف النون ويجوز تشديدها - أي: ولكن (الزهادة) الكاملة الشرعية المعتبرة (في الدنيا) أي: في شؤونها وفي الإعراض عنها (ألّا تكون) أيها المؤمن، والجار والمجرور في قوله: (بما في يديك) متعلق بقوله: (أوثق) وكذا في قوله: (منك) متعلق بـ (أوثق) أيضًا؛ لأنها من المفاضلة، ولكنه على تقدير مضاف؛ والمعنى: ولكن الزهادة الكاملة الشرعية المعتبرة
стр. 11713
بِمَا فِي يَدِ الله، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ"،
===
في شؤون الدنيا وفي الإعراض عنها .. ألا تكون أيها المؤمن أشد وثوقًا واعتمادًا على ما في يديك من المال، من وثوقك واعتمادك (بما في يد الله) وفضله وكرمه وجوده من الأرزاق.
وقوله: (وأن تكون) معطوف على (ألا تكون) الأولى، والجار والمجرور في قوله: (في ثواب المصيبة إذا أصبت بها) متعلق بقوله: (أرغب) الآتي، و (إذا) أيضًا مَتعلق بـ (أرغب) لأنها ظرفية مجردة عن معنى الشرط، و (منك) متعلق بـ (أرغب) أيضًا، ولكنه على تقدير مضاف، وقوله: (فيها) متعلق بمضاف مقدر، وجملة: (لو أنها أبقيت) حال من فاعل (أرغب)؛ والتقدير أيضًا كالجملة المعطوفة عليها: وألا تكون أيها المؤمن أشد رغبة في ثواب المصيبة التي أصبت بها في بعض مالك، وأبقت (لك) بعض المال من رغبتك في ثواب المصيبة التي لم تبق لك شيئًا من المال، و (لو) هنا بمعنى: (إذا) الظرفية المجردة.
والصواب: (لو أنها لم تبق لك شيئًا من المال) لأن المفضل والمفضل عليه يكون واحدًا على عبارته، مع أن الشرط اختلافُهما نفيًا وإثباتًا، لا اتحادُهما فيهما.
ولفظ الترمذي مع "تحفة الأحوذي" في هذا الحديث من أول السند إلى آخر الحديث: (عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: الزهادة) بفتح الزاي؛ أي: ترك الرغبة (في الدنيا .. ليست بتحريم الحلال) كما يفعله بعض الجهلة؛ زعمًا منه أن هذا من الكمال، فيمتنع من أكل اللحم والحلواء والفواكه ولبس الثوب الجديد ومن التزوج وغير ذلك، وقد قال
стр. 11714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١).
وقد ثبت أنه ﷺ فعل هذه الأفعال، ولا أكمل منها من حالة الكمال.
(وليست) الزهادة أيضًا: بـ (إضاعة المال) أي: بتضييعه وصرفه في غير محله بأن يرميه في بحر، أو يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير.
(ولكن الزهادة) المعتبرة الكاملة (في الدنيا) أي: في شأنها (ألا تكون بما في يديك) من الأموال أو من الصنائع والأعمال (أوثق) أي: أرجى منك (مما في يد الله).
وفي رواية ابن ماجه: (أوثق منك بما في يد الله) أي: بخزائنه الظاهرة والباطنة، وفيه نوع من المشاكلة.
والمعنى: ليكن اعتمادك بوعد الله لك من إيصال الرزق إليك، ومن إنعامه عليك، من حيث لا تحتسب، ومن وجه لا تكتسب .. أقوى وأشد مما في يديك من الجاه والكمال والعقار وأنواع الصنائع؛ فإن ما في يديك يمكن تلفه وفناؤه، بخلاف ما في خزائنه؛ فإنه محقق بقاؤه؛ كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (٢).
(وأن تكون) عطف على (ألا تكون).
(إذا أنت أصبت بها) بصيغة المجهول (أرغب فيها) أي: في حصول
стр. 11715
قَالَ هِشَامٌ: كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ يَقُولُ: مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْأَحَادِيثِ
===
المصيبة (لو أنها) أي: لو فرض أن تلك المصيبة (أبقيت لك) أي: منعت لأجلك وصرفت عنك وأخرت.
فوضع (أبقيت) موضع (لم تصب) وجواب (لو) ما دل عليه ما قبلها.
وخلاصته: أن تكون رغبتك في وجود المصيبة لأجل ثوابها .. أكثر من رغبتك في عدمها، فهذان الأمران شاهدان عدلان على أن زهدك في الدنيا، وميلك في العقبى، قاله القاري.
وقال الطيبي: (لو أنها أبقيت لك) حال من فاعل (أرغب) وجواب (لو) محذوف، و (إذا) ظرف مجرد من معنى الشرط.
والمعنى: أن تكون في حال المصيبة وقت إصابتها .. أرغب من نفسك في المصيبة حال كونك غير مصاب بها؛ لأنك تثاب بها بوصولها إليك، ويفوتك الثواب إذا لم تصل إليك. انتهى من "تحفة الأحوذي" مع المتن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
ودرجته: أنه ضعيف (٥)(٤١٥)؛ لضعف سنده؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قال) لنا شيخنا (هشام) بن عمار بالسند السابق: (كان أبو إدريس الخولاني يقول) في بيان وضوح معنى هذا الحديث وصحته معنىً لا سندًا؛ أي: في بيان صحة معناه وصدقه بالتشبيه؛ أي: يقول فيه: (مثل هذا الحديث) المروي عن أبي ذر الغفاري (في الأحاديث) أي:
стр. 11716
كَمِثْلِ الْإِبْرِيزِ فِي الذَّهَبِ.
(٢٠) - ٤٠٤٤ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ هِشَامٍ،
===
من بين الأحاديث (كمثل الإبريز) - بكسر الهمزة وسكون الموحدة وكسر الراء ثم تحتانية ساكنة ثم زاي - أي: نظيره من حيث صحة المعنى وصدقه وشرفه وفوقانه على غيره من الأحاديث من حيث المعنى (كـ) فضل، ولفظ: (مثل) مقحم؛ أي: فضلُه وشرفُه من بين الأحاديث .. كفَضْلِ الإبريز (في الذهب) أي: كشرف الإبريز من بين الذهب.
ففيه تشبيهُ معقولٍ بمحسوس، فهو من التشبيه المؤكد؛ حيث شبهه بمحسوس، فكأن فضله محسوس بحاسة البصر لا خفاء فيه.
قال ابن جني: (الإبريز): على وزن (إفعيل) من (بَرزَ) فـ (الهمزة والياء) زائدتان، وقال ابن الأعرابي: الإبريز: هو الحلي الصافي من الذهب؛ وهو الإبريزي، قال النابغة:
مُزَيَّنَةٌ بالإبْرزيِّ وحَشْوُهَا ... رَضِيعُ النَّدَى والمُرْشِقاتُ الحَوَاضِنُ
وقال شمر: الإِبْرِيزُ من الذهب: الخالص؛ وهو الإِبْرِزِيّ والعِقْيَانُ والعسجدُ. انتهى من "تاج العروس على القاموس".
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أبي خلاد رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٠) - ٤٠٤٤ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الحكم بن هشام) بن عبد الرحمن الثقفي مولاهم، أبو محمد
стр. 11717
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ أَبِي خَلَّادٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ
===
الكوفي، نزيل دمشق، صدوق، من السابعة. يروي عنه: (س ق)، ويروي عن يحيى بن سعيد وهو من أقرانه، ووثَّقه ابن معين والعجلي وأبو داوود، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: يُكْتَب حديثُه ولا يُحتجُّ به.
(حدثنا يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، أبو أيوب الكوفي الحافظ، نَزيلُ بغداد، لقبه جَمَلٌ، صدوق يُغرب، من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي فروة) يزيد بن سنان بن يزيد التميمي الجزري أبي فروة الرهاوي، ضعيف، من كبار السابعة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ت ق).
قال أحمد بن حنبل: ضعيف، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف متروك، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه.
(عن أبي خلاد وكانت له صحبة) رضي الله تعالى عنه لم أقف على اسمه، ولا على نَسَبِه، كذا في "الاستيعاب" لابن عبدِ البرّ، وقال الحافظ: صحابي، يقال: اسمه: عبد الرحمن بن زهير، مشهور بكُنْيَتِه، ذكره ابن منده وغيره في الصحابة، كذا في "الإصابة". يروي عنه: (ق) (عن النبي ﷺ حديثَ: (إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهدًا في الدنيا ... ) الحديث؛ أي: وهو هذا الحديث.
وقيل: عن أبي فروة الجزري عن أبي مريم عن أبي خلاد رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا فروة الرهاوي، وهو مجمع على أنه ضعيف، متروك عند الكل.
стр. 11718
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ .. فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ".
===
(قال) أبو خلاد: (قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم الرجل) من المسلمين (قد أعطي) - بالبناء للمفعول - أي: قد أعطاه الله (زهدًا في الدنيا) أي: استصغارًا لها واحتقارًا لشأنها وأهلها (و) رأيتم له (قلة منطق) أي: قلة كلام لا فائدة فيه.
و(المنطق) على وزن (محمل)؛ أي: عدم كلام في غير طاعة الله إلا بقدر الحاجة، قال في "الكشاف": والمنطق: كل ما يُصوَّت به من مفرد ومركب مفيد أو غيره.
(فاقتربوا) أي: تقربوا (منه) وأصغوا إليه واستمعوا منه ما يقول (فإنه) أي: فإن ذلك الرجل (يُلقي الحكمةَ) - بالبناء للفاعل - أي: يظهرها في كلامه؛ من الإلقاء، أو بالبناء للمفعول؛ والمعنى حينئذ: أي: فإن الحكمة تلقى في قلبه.
قال البوصيري: لم يخرج ابن ماجه حديثًا لأبي خلاد سوى هذا الحديث، وليس له رواية في شيء من الأصول الخمسة.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه البخاري في "التاريخ"، والطبراني في "الكبير"، وابن عساكر وأبو بكر الكلاباذي في "مفتاح المعاني"، وابن منده في "معرفة الصحابة"، وأبو نعيم في "الحلية"، وابن أبي حاتم في "العلل".
فدرجته: أنه ضعيف (٦)(٤١٦)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، والله أعلم.
стр. 11719
(٢١) - ٤٠٤٥ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَر، حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ،
===
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثالثًا بحديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢١) - ٤٠٤٥ - (٣) (حدثنا أبو عبيدة) أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله (بن أبي السفر) سعيد بن يحمد - بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم - الهمداني الكوفي، نسب إلى أحد أجداده، قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات".
فهو مختلف فيه.
وقال الحافظ: صدوق يهم، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا شهاب بن عباد) العبدي أبو عمر الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين ومئتين (٢٢٤ هـ). يروي عنه: (خ م ت ق).
(حدثنا خالد بن عمرو) بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص (القرشي) الأموي أبو سعيد الكوفي، قال البخاري والساجي وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف، وقال أبو داوود: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة، ورماه ابن معين بالكذب، ونَسبَه صالحُ جَزْرَةَ وغيرُه إلى الوضع، من التاسعة. يروي عنه: (د ق).
(عن سفيان) بن سعيد (الثوري) ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي حازم) الأعرج سلمة بن دينار التمار المدني القاص، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
стр. 11720
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ،
===
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) أبي العباس، له ولأبيه صحبة، ﵄، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه خالد بن عمرو القرشي، وهو كذاب وضَّاع متروك الحديث.
(قال) سهل: (أتى النبي ﷺ رجل) من المسلمين ولم أر من ذكر اسمه (فقال) ذلك الرجل لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ دلني) أي: أرشدني (على عمل إذا أنا عملته) أي: عملت ذلك العمل .. (أحبني الله) (وأحبني الناس) أيضًا.
(فقال) له (رسول الله ﷺ : إن أردت بيان ذلك العمل الذي يوجب لك محبة الله سبحانه ومحبة الناس أجمعين .. أقل لك في بيانه لك: ذلك العمل: (ازهد في الدنيا) أي: أعرض عن طلبها والرغبة فيها؛ من الزهد؛ وهو لغةً: الإعراض عن الشيء احتقارًا له، وشرعًا: الاقتصار على قدر الضرورة مما يُتَيقَّنُ حِلُّه.
وقيل: ألا يطلب المفقود حتى يفقد الموجود في الدنيا؛ باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها؛ لتحذير الله تعالى منها، واحتقاره لها؛ فإنك إن فعلت ذلك .. (يحبك الله) ؛ لكونك أعرضت عما أعرض عنه ولم ينظر إليه منذ خلقه.
ومفهومه: أنك إذا أحببتها .. أبغضك؛ فمحبته مع عدم محبتها، ولأنه
стр. 11721
وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ".
===
يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا لا يجتمعان؛ وذلك لأن القلب بيت الرب، فلا يحب أن يُشْرِكَ في بَيْتِه غَيْرَهُ.
ومحبتها الممنوعة هي إيثارها بنيل الشهوات، لا لفعل الخير، والتقرب بها؛ والمراد بمحبته: غايتها من إرادة الثواب، فهي صفة ذاتية، أو الإثابة، فهي صفة فعلية.
(وازهد فيما في أيدي الناس) أي: أعرض عما في أيدي الناس منها بترك طلبه منهم .. (يحبوك) أي: يحبك الناس؛ لأن قلوبهم مجبولة على حبها، مطبوعة عليها، ومن نازع إنسانًا في محبوبه .. كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه .. أحبه واصطفاه.
ولهذا قال الحسن البصري: (لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دنياهم، فيستخفون به، ويكرهون حديثه).
وقيل لبعض أهل البصرة: من سيدكم؟ قال: الحسن، قال: بم سادكم؟ قال: احتجنا لعلمه، واستغنى عن دنيانا، كذا في "فيض القدير على الجامع الصغير".
قال السندي: قوله: "وازهد فيما في أيدي الناس .. يحبوك" فإن الدنيا محبوبة عندهم، فمن يزاحمهم فيها .. يصير مبغوضًا عندهم بقدر ذلك، فمن تركهم ومحبوبهم .. يكون محبوبًا عندهم بقدر ذلك. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٧)(٤١٧)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث أبي هاشم رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 11722
(٢٢) - ٤٠٤٦ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ سَهْمٍ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ
===
(٢٢) - ٤٠٤٦ - (٤) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي - بجيمين مفتوحتين بينهما راء ساكنة ثم راء مفتوحة خفيفة - أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أنبأنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عَتَّاب - بمثناة فوقية مشددة ثم موحدة - الكوفي، ثقة ثبت وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة، من الثانية، مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن سمرة بن سهم) القرشي الأسدي (رجل) بالجر بدل من (سمرة) بدل كل من كل (من قومه) أي: من قوم أبي وائل وعشيرته؛ يعني: هو قرشي أسدي؛ كأبي وائل. روى سمرة عن: أبي هاشم بن عتبة، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان، ويروي عنه: أبو وائل شقيق بن سلمة، قال ابن المديني: مجهول لا أعلم هل روى غير أبي وائل عنه، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (ت س ق). انتهى "تهذيب".
قال الحافظ في "التقريب": هو مجهول، من الثانية، ولكن هذا المجهول
стр. 11723
قَالَ: نَزَلْتُ عَلَى أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ وَهُوَ طَعِينٌ، فَأَتَاهُ مُعَاوِيَةُ يَعُودُهُ فَبَكَى أَبُو هَاشِمٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَيْ خَالِ؛
===
لا يضر السند؛ لأن له متابعًا وشاهدًا، قال الترمذي: وقد روى هذا الحديث بلفظه: زائدة وعبيدة بن حميد عن منصور عن أبي وائل عن سمرة بن سهم، قال: دخل معاوية على أبي هاشم، فذكر نحوه، وفي الباب عن بريدة الأسلمي عن النبي ﷺ .
(قال) سمرة بن سهم: (نزلت) ضيفًا (على أبي هاشم بن عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، قيل: اسمه خالد، وقيل: شيبة، وقيل: هشيم، وقيل: هاشم، وقيل: مُهشِّم، أسلم يوم الفتح، فهو صحابي، وسكن الشام، وكان خال معاوية بن أبي سفيان، روى من حديثه أبو وائل شقيق بن سلمة عن سمرة بن سهم رجل من قومه عنه، وقيل: عن أبي وائل عن أبي هاشم ليس بينهما أحد، روى عنه أبو هريرة، وكان إذا ذكره .. قال: ذلك الرجل الصالح.
قلت: قال ابن عبد البر: توفي أبو هاشم في أيام عثمان رضي الله تعالى عنه. انتهى من "التهذيب".
(وهو) أي: والحال أن أبا هاشم (طعين) أي: مطعون بسهام العدو في الجهاد (فأتاه) أي: فأتى أبا هاشم (معاوية) بن أبي سفيان، حالة كون معاوية بن أبي سفيان (يعوده) أي: يزور أبا هاشم؛ لوجعه ومرضه الذي هو طعن العدو له، وكان أبو هاشم خالًا لمعاوية (فبكى أبو هاشم) أي: فلما رأى أبو هاشم معاوية .. بكى أبو هَاشِمٍ؛ لأنه خاله (فقال معاوية) له: (ما يُبْكِيك؟ ) من الإبكاء؛ أي: أي سبب يبكيك (أَيْ خال) أي: يا خالي؟
стр. 11724
أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ، أَمْ عَلَى الدُّنْيَا فَقَدْ ذَهَبَ صَفْوُهَا؟ قَالَ: عَلَى كُلٍّ لَا، وَلكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَبِعْتُهُ
===
فـ (أَيْ) حرف نداء؛ لنداء القريب، حذف منه ياء الإضافة؛ اجتزاءً عنها بالكسرة.
(أ) يبكيك (وجعُ) موضع الطعن به، و (يُشْئِزُك) أي: يُقْلِقُكَ ويجعلك تضطرب (أم) يبكيك الحزن (على) فراقِ (الدنيا) فإن كنت تبكي على فراق الدنيا .. (فـ) اصبر على فِراقها؛ فإنه (قد ذهب صفوها) ولذيذها، فما بقي منها إلا كدرُها؛ أي: مكدراتها بالفتن، فلا ينبغي لك التأسُّفُ على فراقها؛ لأنها تكدَّرَتْ على أهلها بموت رسول الله ﷺ .
قال السندي: قوله: (يُشْئِزُكَ) من الإشئاز - بضم أوله وسكون ثانيه ثم همزة مكسورة وزاي - أي: أيُّ شيءٍ يُقلقلُك؛ من باب زلزل، ويُزْعِجك ويُؤلمك، فهو نظير يقلقُكَ وزنًا ومعنىً.
وسند هذا الحديث إن نظرنا سياق المؤلف .. فمن سداسياته؛ لأنه زاد فيه سمرة بن سهم، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سمرة بن سهم، وهو مختلف فيه؛ لأنه وثقه ابن حبان، وقال فيه الحافظ وابن المديني: مجهول.
وأما إن نظرنا إلى سياق غير المؤلف؛ وهو مَنْ جَعلَ رواية أبي وائل عن أبي هاشم .. فرجاله من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) أبو هاشم لمعاوية في جواب سؤاله: (على كل) من هذين الأمرين (لا) أبكي؛ أي: لا يبكيني واحد من هذين الأمرين، بل يبكيني أمر آخر، فَبيَّنَهُ بقوله: (ولكن) يُبكيني عدمُ وفاء ما أوصى إليَّ رسولُ الله ﷺ ؛ فإن (رسول الله ﷺ عهد) وأوصى (إلي عهدًا) أي: وصية (وددت) أي: أحببت بـ (أني كنت تبعته) ووافقته بوفاء ما عهد
стр. 11725
قَالَ: "إِنَّكَ لَعَلَّكَ تُدْرِكُ أَمْوَالًا تُقْسَمُ بَيْنَ أَقْوَامٍ، وَإِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللهِ"، فَأَدْرَكْتُ فَجَمَعْتُ.
(٢٣) - ٤٠٤٧ - (٥) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ،
===
إلي وأوصاه لي؛ فإنه (قال) لي في حال حياته: (إنك) يا أبا هاشم (لعلك تدرك) وتَملِكُ (أموالًا) كثيرة في حياتك (تُقْسَمُ) تلك الأموالُ (بين أقوام) من ورثتك (وإنما يَكْفِيك) ويغنيك (من ذلك) أي: عن تلك الأموال الكثيرة التي تقسم بين ورثتك (خادم) يخدمك (ومركب) تركبه في الجهاد (في سبيل الله) تعالى؛ أي: في طاعته (فـ) كنت أنا الآن (أدركت) وملكت تلك الأموال الكثيرة (فجمعت) ـها وادخرتها إلى هذا الوقت الذي أنا فيه الآن، ولم أنفق تلك الأموال في سبيل الله وطاعته، فندامتي على ترك ما أوصاني رسول الله ﷺ .. أبكاني هذا البكاء الشديد، لا ما قلت لي يا بن أختي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب رقم (١٩)، والنسائي في كتاب الزينة، باب اتخاذ الخادم والمركب.
فدرجة هذا الحديث على سياق المؤلف: أنه صحيح بغيره، وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شاهدًا من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي، وأنه صحيح بنفسه؛ على رواية غير المؤلف؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هاشم بحديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٣) - ٤٠٤٧ - (٥) (حدثنا الحسن بن أبي الربيع) يحيى بن الجعد
стр. 11726
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: اشْتَكَى سَلْمَانُ، فَعَادَهُ سَعْدٌ
===
العبدي أبو علي الجُرْجاني - بالضم فالسكون - نسبة إلى جرجان؛ مدينة بين طبرستان وخراسان، نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا جعفر بن سليمان) الضُّبَعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم). وثقه ابن معين وعلي بن المديني، وقال ابن حبان: كان يبغض أبا بكر وعمر، وباقي رجال الإسناد ثقات، لكن لم ينفرد به جعفر بن سليمان، فلا يضر في السند.
(عن ثابت) بن أسلم البناني - بضم الموحدة ونونين - أبي محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(قال) أنس: (اشتكى) ومرض (سلمان) الفارسي أبو عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، سابق الفُرْس، أصله من أصبهان، أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ) رضي الله تعالى عنه، بلغ عمره ثلاث مئة سنة (٣٠٠). يروي عنه: (ع).
(فعاده) أي: عاد سَلْمَان وزاره لمرضه (سعد) بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أبو إسحاق أحد العشرة المبشرة،
стр. 11727
فَرَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَخِي؟ أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ ! أَلَيْسَ أَلَيْسَ؟ ! قَالَ سَلْمَانُ: مَا أَبْكِي وَاحِدَةً مِنِ اثْنَتَيْن، مَا أَبْكِي ضِنًّا لِلدُّنْيَا وَلَا كَرَاهِيَةً لِلْآخِرَة، وَلكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَمَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ،
===
مات بالعقيق سنة خمس وخمسين (٥٥ هـ) على المشهور، وهو آخر العشرة وفاةً رضي الله تعالى عنه.
(فرآه) أي: فرأى سعد سلمان، حالة كون سلمان (يبكي، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي) في الدين؟ من الإبكاء؛ أي: أي شيء تسبب في بكائك؟ فكيف تبكي (أليس) الشأن (قد صحبت) ولازمت (رسول الله ﷺ ؟ ! أليس) قد جاهدت مع رسول الله ﷺ (أليس) قد سابقت فارس إلى الإسلام، أليست هذه الخصال التي قدمتها لآخرتك تكفيك أجرًا عند الله تعالى، فكيف تبكي خوفًا من الموت؟ !
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
فـ (قال سلمان) في جواب استفهام سعد: (ما أبكي) أنا (واحدة) أي: ضنًّا وبخلًا بواحدة (من اثنتين) أي: بخصلة واحدة من الخصلتين اللتين ذكرتهما بقولي: (ما أبكي ضنًا للدنيا ولا كراهية للآخرة).
والضِّنُّ - بكسر الضاد المعجمة وتشديد النون -: البخلُ بالشيء؛ أي: ما أبكى بخلًا لِذَهابِ الدنيا، ولا خوفًا من فراقها، ولا كراهية للانتقال إلى الآخرة (ولكن رسول الله ﷺ عهد) وأوصى (إلي عهدًا) أي: وصيةً (فما أراني) - بضم الهمزة - أي: فيما أظن نفسي (إلا قد تعديت) وفرطت في تنفيذ تلك الوصية ولمخافة تفريطي في تنفيذ تلك الوصية أبكي.
стр. 11728
قَالَ: وَمَا عَهِدَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِب، فَمَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا سَعْدُ .. فَاتَّقِ اللهَ عِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ، وَعِنْدَ قَسْمِكَ إِذَا قَسَمْتَ، وَعِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ،
===
(قال) سعد: (وما عهد إليك) رسول الله ﷺ ؟ (قال) سلمان: (عهد إلي) رسول الله ﷺ (أنه) أي: أن الشأن والحال (يكفي أحدكم) أيها المؤمنون (مثل زاد الراكب) المسافر؛ من خادم ومركب، كما مر في حديث أبي هاشم (فما أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد .. فاتق الله) واحذر من الجور (عند حكمك) بين الخصوم (إذا حكمت) بينهم (و) اتق الله (عند قسمك إذا قسمت) المال المشترك بين الناس (و) اتق الله (عند همك) وقصدك (إذا هممت) وقصدت فعل أمر من أمور الدين.
قوله: (ما أبكي ضنًا) - بكسر الضاد المعجمة ثم النون المشددة - أي: ما أبكي بخلًا لذهابه، وخوفًا من فراقها.
قوله: (مثل زاد الراكب) يعني: شيئًا قليلًا على قدر الحاجة؛ لأن المسافر لا يتزود لسفره إلا بقدر الحاجة.
وفيه إشارة إلى أن الإنسان في الدنيا كالمسافر؛ لسرعة زوالها، وعدم بقائها، وإنما يتزود منها لدار البقاء بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١).
قوله: (ولا أراني) - بضم الهمزة - لأنها ظنية لا يقينية؛ أي: ما أظنني (إلا قد تعديت) أي: تجاوزت العهد، ولم أوف به.
стр. 11729
قَالَ ثَابِتٌ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَا تَرَكَ إِلَّا بِضْعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ نَفَقَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ.
===
يستفاد من هذا أن سلمان رضي الله تعالى عنه كان شديد الورع والزهد في الدنيا، ومع هذا فهو يبكي خوفًا من أن يكون ترك شيئًا عما عهد إليه النبي ﷺ ، فما بالك بمن كنز الآلاف، ولم يخطر بباله الموت، ولم يؤد زكاتها؟ ! نسأل الله السلامة والتوفيق.
قوله: (فاتق الله) أي: راقبه، واعلم أنه مطلع عليك خلوةً وجلوةً.
قوله: (عند حكمك إذا حكمت) أي: إذا كنت حاكمًا على الناس، أو قاضيًا بين اثنين في خصومة .. فاتق الله حتى لا تجور في حكمك.
(وعند قسمك إذا قسمت) والقسم - بفتح القاف وسكون السين -: هو القسمة وتمييز الأنصباء؛ يعني: إذا وكل إليك قسمة شيء .. فاتق الله عند ذلك؛ لتتحرى العدل في قسمتك.
(وعند همك إذا هممت) يعني: إذا هممت بفعل شيء وتوجهت إليه إرادتك .. فاتق الله عند ذلك، فإن كان في رضى الله .. فامض فيه.
(قال ثابت) بن أسلم بالسند السابق: (فبلغني) عن بعض من صاحب سلمان (أنه) أي: أن سلمان (ما ترك) من أمواله الكثيرة لأهله (إلا بضعة وعشرين درهمًا) تركها (من نفقة) أي: لأجل نفقة (كانت) ناجزة حالة مستقرة (عنده) قبل وفاته؛ والبضعة: الزيادة بين العقدين من ثلاثة إلى تسعة، والله أعلم.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هاشم.
стр. 11730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الثلاثة الأولى منها للاستئناس، والرابع للاستدلال، والخامس للاستشهاد.
والله أعلم