حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: اشْتَكَى سَلْمَانُ، فَعَادَهُ سَعْدٌ
===
العبدي أبو علي الجُرْجاني - بالضم فالسكون - نسبة إلى جرجان؛ مدينة بين طبرستان وخراسان، نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا جعفر بن سليمان) الضُّبَعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم). وثقه ابن معين وعلي بن المديني، وقال ابن حبان: كان يبغض أبا بكر وعمر، وباقي رجال الإسناد ثقات، لكن لم ينفرد به جعفر بن سليمان، فلا يضر في السند.
(عن ثابت) بن أسلم البناني - بضم الموحدة ونونين - أبي محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(قال) أنس: (اشتكى) ومرض (سلمان) الفارسي أبو عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، سابق الفُرْس، أصله من أصبهان، أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ) رضي الله تعالى عنه، بلغ عمره ثلاث مئة سنة (٣٠٠). يروي عنه: (ع).
(فعاده) أي: عاد سَلْمَان وزاره لمرضه (سعد) بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أبو إسحاق أحد العشرة المبشرة،
стр. 11727
فَرَآهُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَخِي؟ أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ ! أَلَيْسَ أَلَيْسَ؟ ! قَالَ سَلْمَانُ: مَا أَبْكِي وَاحِدَةً مِنِ اثْنَتَيْن، مَا أَبْكِي ضِنًّا لِلدُّنْيَا وَلَا كَرَاهِيَةً لِلْآخِرَة، وَلكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا فَمَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ،
===
مات بالعقيق سنة خمس وخمسين (٥٥ هـ) على المشهور، وهو آخر العشرة وفاةً رضي الله تعالى عنه.
(فرآه) أي: فرأى سعد سلمان، حالة كون سلمان (يبكي، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي) في الدين؟ من الإبكاء؛ أي: أي شيء تسبب في بكائك؟ فكيف تبكي (أليس) الشأن (قد صحبت) ولازمت (رسول الله ﷺ ؟ ! أليس) قد جاهدت مع رسول الله ﷺ (أليس) قد سابقت فارس إلى الإسلام، أليست هذه الخصال التي قدمتها لآخرتك تكفيك أجرًا عند الله تعالى، فكيف تبكي خوفًا من الموت؟ !
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
فـ (قال سلمان) في جواب استفهام سعد: (ما أبكي) أنا (واحدة) أي: ضنًّا وبخلًا بواحدة (من اثنتين) أي: بخصلة واحدة من الخصلتين اللتين ذكرتهما بقولي: (ما أبكي ضنًا للدنيا ولا كراهية للآخرة).
والضِّنُّ - بكسر الضاد المعجمة وتشديد النون -: البخلُ بالشيء؛ أي: ما أبكى بخلًا لِذَهابِ الدنيا، ولا خوفًا من فراقها، ولا كراهية للانتقال إلى الآخرة (ولكن رسول الله ﷺ عهد) وأوصى (إلي عهدًا) أي: وصيةً (فما أراني) - بضم الهمزة - أي: فيما أظن نفسي (إلا قد تعديت) وفرطت في تنفيذ تلك الوصية ولمخافة تفريطي في تنفيذ تلك الوصية أبكي.
стр. 11728
قَالَ: وَمَا عَهِدَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِب، فَمَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا سَعْدُ .. فَاتَّقِ اللهَ عِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ، وَعِنْدَ قَسْمِكَ إِذَا قَسَمْتَ، وَعِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ،
===
(قال) سعد: (وما عهد إليك) رسول الله ﷺ ؟ (قال) سلمان: (عهد إلي) رسول الله ﷺ (أنه) أي: أن الشأن والحال (يكفي أحدكم) أيها المؤمنون (مثل زاد الراكب) المسافر؛ من خادم ومركب، كما مر في حديث أبي هاشم (فما أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد .. فاتق الله) واحذر من الجور (عند حكمك) بين الخصوم (إذا حكمت) بينهم (و) اتق الله (عند قسمك إذا قسمت) المال المشترك بين الناس (و) اتق الله (عند همك) وقصدك (إذا هممت) وقصدت فعل أمر من أمور الدين.
قوله: (ما أبكي ضنًا) - بكسر الضاد المعجمة ثم النون المشددة - أي: ما أبكي بخلًا لذهابه، وخوفًا من فراقها.
قوله: (مثل زاد الراكب) يعني: شيئًا قليلًا على قدر الحاجة؛ لأن المسافر لا يتزود لسفره إلا بقدر الحاجة.
وفيه إشارة إلى أن الإنسان في الدنيا كالمسافر؛ لسرعة زوالها، وعدم بقائها، وإنما يتزود منها لدار البقاء بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١).
قوله: (ولا أراني) - بضم الهمزة - لأنها ظنية لا يقينية؛ أي: ما أظنني (إلا قد تعديت) أي: تجاوزت العهد، ولم أوف به.
стр. 11729
قَالَ ثَابِتٌ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَا تَرَكَ إِلَّا بِضْعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ نَفَقَةٍ كَانَتْ عِنْدَهُ.
===
يستفاد من هذا أن سلمان رضي الله تعالى عنه كان شديد الورع والزهد في الدنيا، ومع هذا فهو يبكي خوفًا من أن يكون ترك شيئًا عما عهد إليه النبي ﷺ ، فما بالك بمن كنز الآلاف، ولم يخطر بباله الموت، ولم يؤد زكاتها؟ ! نسأل الله السلامة والتوفيق.
قوله: (فاتق الله) أي: راقبه، واعلم أنه مطلع عليك خلوةً وجلوةً.
قوله: (عند حكمك إذا حكمت) أي: إذا كنت حاكمًا على الناس، أو قاضيًا بين اثنين في خصومة .. فاتق الله حتى لا تجور في حكمك.
(وعند قسمك إذا قسمت) والقسم - بفتح القاف وسكون السين -: هو القسمة وتمييز الأنصباء؛ يعني: إذا وكل إليك قسمة شيء .. فاتق الله عند ذلك؛ لتتحرى العدل في قسمتك.
(وعند همك إذا هممت) يعني: إذا هممت بفعل شيء وتوجهت إليه إرادتك .. فاتق الله عند ذلك، فإن كان في رضى الله .. فامض فيه.
(قال ثابت) بن أسلم بالسند السابق: (فبلغني) عن بعض من صاحب سلمان (أنه) أي: أن سلمان (ما ترك) من أمواله الكثيرة لأهله (إلا بضعة وعشرين درهمًا) تركها (من نفقة) أي: لأجل نفقة (كانت) ناجزة حالة مستقرة (عنده) قبل وفاته؛ والبضعة: الزيادة بين العقدين من ثلاثة إلى تسعة، والله أعلم.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هاشم.
стр. 11730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الثلاثة الأولى منها للاستئناس، والرابع للاستدلال، والخامس للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11731
(٥) - (١٤٧٨) - بَابُ الْهَمِّ بِالدُّنْيَا
(٢٤) - ٤٠٤٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أَبِيهِ
===
(٥) - (١٤٧٨) - (باب الهم بالدنيا)
أي: الاهتمام والاعتناء بشؤونها.
* * *
(٢٤) - ٤٠٤٨ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان، الملقب ببندار العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن حجاج بن الورد البصري العتكي، ثقة إمام من أئمة الجرح والتعديل، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمر بن سليمان) بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (عم)، ويقال: اسمه عمرو.
(قال) عمر بن سليمان: (سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان) الأمويَّ المدني، ثقةٌ مُقِلٌّ عابد، من السادسة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) أبان بن عثمان بن عفان الأموي أبي سعيد المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 11732
قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَار، قُلْتُ: مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا
===
(قال) أبان بن عثمان: (خرج زيد بن ثابت) بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري أبو سعيد وأبو خارجة صحابي مشهور كتب الوحي رضي الله تعالى عنه، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين. يروي عنه: (ع).
أي: قال أبوه أبان بن عثمان: خرج يومًا زيد بن ثابت الصحابي المشهور (من عند مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبي عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ومات سنة خمس في رمضان، وله ثلاث أو إحدى وستون سنة، لم تثبت له صحبة، من الثانية، قال عروة بن الزبير: مروان لا يتهم في الحديث. يروي عنه: (خ عم).
أي: خرج زيد بن ثابت من عند مروان (بنصف النهار) أي: في نصف النهار بعدما تحدث زيد مع مروان، والحال أن مروان في مجلسه، قال أبان بن عثمان: (قلت) في نفسي: (ما بعث) مروان وأرسل (إليه) أي: إلى زيد بن ثابت في (هذه الساعة) أي: في وسط النهار وقت شدة الشغل (إلا لشيء) أي: إلا لحاجة مهمة (سأل) مروان (عنه) أي: عن ذلك الشيء؛ أي: ما أرسل مروان إلى زيد في هذا الوقت الضيق ودعاه إلى مجلسه إلا لشيء مهم أشكل عليه، فأراد أن يـ (سأل عنه) أي: عن ذلك الشيء؛ أي: قلت في نفسي ذلك، وقصدت سؤال زيد عن ذلك، الشيء الذي سأله مروان.
(فسألته) أي: فسألت زيد بن ثابت عن ذلك الذي سأله مروان (فقال) لي زيد بن ثابت: (سألنا) مروان؛ أي: سألني مروان ومن حضر معي إليه (عن أشياء) أي: عن أشياء من أمور الدين أشكلت عليه (سمعناها) أي:
стр. 11733
مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ .. فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْه، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ
===
سمعناها نحن معاشر الصحابة (من رسول الله ﷺ .
فهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: قال أبان بن عثمان: فقال لي زيد بن ثابت حين سألته: عن أي شيء سألك مروان بن الحكم؟ فقال لي زيد: سألني مروان عن هم الناس، وقصده في عمل الخير، فقلت له في جواب سؤاله: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كانت الدنيا) أي: تحصيلُ غرضٍ من أغراضها؛ فالدنيا بالرفع اسم كان، خبرها: قوله: (همه) بالنصب خبر كان، ولكن المعنى بالعكس؛ والمعنى حينئذ: أي: من جعل همه وقصده بعمل يعمله من أعمال البر؛ كالجهاد وتعلم العلم؛ كأن قصد بجهاده تحصيل الغنيمة وإظهار الشجاعة، وبعلمه المحمدة ورفع منزلته عند الناس والمجادلة به .. (فرق الله) سبحانه وشتت (عليه أمره) أي: باعد الله عنه آماله ومقاصده من الدنيا؛ أي: لم يحصل بعمله أغراضه من الدنيا؛ لأن أغراض الدنيا مكتوبة أزلًا، فلا يزاد له على ما كتب؛ وأما ثواب الآخرة .. فلا يحصل له شيء منه؛ لأنه قصد بعمله ثواب الدنيا.
(وجعل فقره) وحرمانه من مقاصد الدنيا هدفًا منصوبًا (بين عينيه) والمراد بجعل الفقر بين عينيه: لزوم الفقر له (ولم يأته من الدنيا) وآماله منها (إلا ما كتب) وقدر (له) أزلًا، وهو راغم كاره له، فلا يأتيه ما يطلبه من الزيادة (ومن كانت الآخرة) أي: ثوابها وأجرها (نيته) أي: قصده ومطلوبه بعمله ..
стр. 11734
جَمَعَ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِه، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ".
(٢٥) - ٤٠٤٩ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
===
(جمع الله له أمره) أي: آماله ومقاصده من أمور الدنيا والآخرة (وجعل غناه) وقناعته علمًا مركوزًا (في قلبه، وأتته) أي: جاءته أغراضه من (الدنيا) مقبلةً عليه من كل الجهات (وهي) أي: والحال أن الدنيا (راغمة) أي: مرغمة مكرهة على الإتيان إليه وعلى الإقبال عليه.
قوله: "وأتته الدنيا وهي راغمة" أي: مقهورة.
فالحاصل: أن ما كتب للعبد من الرزق يأتيه لا محالة إلا أنه من طلب الآخرة يأتيه بلا تعب، ومن طلب الدنيا .. يأتيه بتعب وشدة، فطالب الآخرة قد جمع بين الدنيا والآخرة؛ فإن المطلوب من جمع المال الراحة في الدنيا، وقد حصلت لطالب الآخرة، وطالب الدنيا قد خسر الدنيا والآخرة؛ لأنه في الدنيا في التعب الشديد في طلبها، فأي فائدة له في طلب المال إذا فاتته الراحة؟ !
وهذا الحديث انفرد به المؤلف، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وله شواهد من حديث أبي هريرة، رواه الترمذي في "الجامع"، وابن ماجه في المقدمة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث زيد بن ثابت بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٥) - ٤٠٤٩ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(والحسين بن عبد الرحمن) أبو علي الجرجرائي؛ نسبة إلى جرجرايا، اسم
стр. 11735
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ النَّصْرِيِّ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ،
===
بلدة بين بغداد وواسط، كذا في "القاموس" كما مر في "المقدمة". روى عن: عبد الله بن نمير، والوليد بن مسلم، ويروي عنه: (د س ق)، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: مجهول، وقال في "التقريب": مقبول، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ).
كلاهما (قالا: حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معاوية) بن سلمة (النصري) - بالنون - أبي سلمة الكوفي، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(عن نهشل) بن سعيد بن وردان الورداني أبي سعيد الخراساني، بصري الأصل. روى عن: الضحاك بن مزاحم الهلالي، وداوود بن أبي هند، ويروي عنه: (ق)، ومعاوية بن سلمة النصري، قال أبو داوود الطيالسي وإسحاق بن راهويه: كذاب، وقال ابن معين وأبو زرعة والدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يحل كتب حديثه إلا على وجه التعجب، وقال في "التقريب": متروك، من السابعة، وقال البخاري: روى عنه معاوية النصري أحاديث مناكير، وقال النقاش: روى عن الضحاك الموضوعات، وبالجملة: فهو ضعيف متروك كذاب وضاع.
(عن الضحاك) بن مزاحم الهلالي أبي محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، مات بعد المئة. يروي عنه: (عم)، ونهشل بن سعيد.
стр. 11736
عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ الْمَعَادِ .. كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاهُ،
===
(عن الأسود بن يزيد) بن قيس النخعي أبي عبد الرحمن الكوفي، ثقة مخضرم فقيه مكثر، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين. يروي عنه: (ع).
(قال) الأسود: (قال) لنا (عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه نهشل بن سعيد؛ فإنه كذاب وضاع.
قال ابن مسعود: (سمعت نبيكم) معاشر المؤمنين محمدًا ﷺ حالة كونه (يقول: من جعل الهموم) المتفرقة في أنواع من المقاصد المجتمعة عليه (همًّا واحدًا) أي: من جَعَلَهَا همًّا واحدًا؛ وذلك أن يكون جهاده أولًا للعصبية والوطنية والمحمدة والرياء والسمعة، فجعله لوجه الله ورضاه لإعلاء كلمة الله.
وقوله: (هم المعاد) وزاد الآخرة .. بدل مما قبله، بدل كل من كل.
قال الطيبي: والخطاب في قوله: (نبيكم) لتوبيخ المخاطبين حيث خالفوا أمر نبيهم وسنته؛ أي: من جعل همه واحدًا موضع الهموم التي للناس، أو من كان له هموم متعددة، فتركها وجعل موضعها الهم الواحد الذي كان لله تعالى؛ كما مثلناه آنفًا.
(كفاه الله) سبحانه (هم دنياه) أي: من ترك هموم الدنيا المجتمعة عليه، وجعل همه في آخرته ودينه .. كفاه الله تعالى؛ أي: قضاه تعالى جميع همومه التي كانت في دنياه، وأعانه عليه، وقضاه له، ورزقه من حيث لا يحتسب، قال
стр. 11737
وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا .. لَمْ يُبَالِ اللهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ".
===
تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١).
(ومن تشعبت به) أي: ومن تجمعت عليه وتفرقت فيه (الهموم) أي: الآمال والمقاصد والحوائج التي كانت (في أحوال الدنيا) ومتاعها .. (لم يبال الله في أي أوديته) وفي بعض نسخ ابن ماجه: (أوديتها) (هلك) أي: في أي أودية الدنيا هلك؛ أي: لم يبال الله سبحانه هلاكه في أي واد من أوديتها.
وهذا كناية عن عدم كفايته وإعانته في أموره الدنيوية؛ لأنه لم يكتف بما قدره الله له، واعتمد على تدبير نفسه، واطمأن عليه.
قال السندي: والضمير في قوله: "في أي أوديته هلك" أَيْ: ضميرُ أَوْدِيَته لـ (مَنْ)، والكلامُ كنايةٌ عن كونه تعالى لا يُعِينهُ.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أنس، أخرجه الترمذي في "الجامع" في رقم (٢٤٦٥)، وقد تقدم تخريجه للمؤلف بهذا السند الذي ذكره هنا في المقدمة، باب الانتفاع بالعلم والعمل به رقم (٢٣)، حديث رقم (٢٥٥).
ودرجته: أنه حسن بغيره، وإن كان سنده ضعيفًا؛ لأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث زيد بن ثابت.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث زيد بن ثابت بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
стр. 11738
(٢٦) - ٤٠٥٠ - (٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ دَاوُودَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْوَالِبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ قَالَ:
===
(٢٦) - ٤٠٥٠ - (٣) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن داوود) بن عامر الهمداني أبو عبد الرحمن الخُرَيْبِيُّ - بمعجمة وموحدة مصغرًا - كوفي الأصل، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وله سبع وثمانون سنة. يروي عنه: (خ عم).
(عن عمران بن زائدة) بن نشيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ثم مهملة - الكوفي، ثقة، من السابعة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبيه) زائدة بن نشيط الكوفي، مقبول، من السادسة. يروي عنه: (د ت ق). وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي خالد الوالبي) - بموحدة قبلها كسرة - الكوفي، اسمه هرمز، ويقال: هرم، مقبول، من الثانية، وفد على عمر، وقيل: حديثه عنه مرسل، فيكون من الثالثة، والأصح: أنه ليس بمرسل، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن في سنده مقبولين؛ وهما قدامة بن نشيط وأبو خالد.
(قال) أبو خالد الوالبي: (ولا أعلمه) أي: لا أعلم أبا هريرة (إلا قد رفعه) أي: رفع أبو هريرة هذا الحديث وأوصله إلى النبي ﷺ (قال)
стр. 11739
"يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: يَا بْنَ آدَمَ؛ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنىً وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ .. مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغُلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ".
===
أي: قال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه: (يقول الله) : (سبحانه: يا بن آدم؛ تفرغ لعبادتي) أي: تفرغ عن مهماتك لطاعتي؛ أي: كن فارغًا عن كل شيء لأجل العبادة، واصرف وقتك كله فيها .. (أملأ صدرك) أي: قلبك، يحتمل الجزم؛ على أنه جواب الأمر، والرفع؛ على الاستئناف.
(غنىً) والمراد بالغنى: غنى القلب (و) يا بن آدم؛ تفرغ لعبادتي (أسد فقرك) معطوف على (أملأ) على الوجهين؛ أي: تفرغ عن مهماتك لعبادتي .. أقض مهماتك وأغنك عن خلقي (وإن لم تفعل) ذلك التفرغ .. (ملأت صدرك شغلًا) بضم الشين وبضم الغين، وقد تسكن للتخفيف (ولم أسد فقرك) أي: وإن لم تتفرغ لذلك، واشتغلت بغيري .. لم أسد فقرك على الإطلاق، فتزيد فقرًا على فقرك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق في (٧/ ٢٥٨٤)، وقال أبو عيسى: هذا حسن غريب، وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقي في كتاب الزهد، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال المناوي: وأقروه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث زيد بن ثابت.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11740
(٦) - (١٤٧٩) - بَابُ مَثَلِ الدُّنْيَا
(٢٧) - ٤٠٥١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ
===
(٦) - (١٤٧٩) - (باب مثل الدنيا)
(٢٧) - ٤٠٥١ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا) أي: كل من عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر قالا: (حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع)، واسم أبي خالد سعيد، وقيل: هرمز، وقيل: كثير.
(عن قيس بن أبي حازم) واسم أبيه حصين بن عوف، وقيل: عوف بن عبد الحارث البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، أحد كبار التابعين وأعيانهم، ثقة مخضرم، من الثانية، مات بعد التسعين، وقيل قبلها وقد جاوز المئة وهو الذي اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة. يروي عنه: (ع).
(قال) قيس: (سمعت المستورد) بن شداد بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن
стр. 11741
أَخَا بَنِي فِهْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مَثَلُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَثَلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ".
===
شيبان بن محارب بن فهر القرشي الفهري الحجازي الصحابي، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة خمس وأربعين (٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أخا بني فهر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(والله) كما في "مسلم" (ما مثل) وشبه قدر (الدنيا في) قلة نعيمها ومدتها بالنظر إلى بقاء (الآخرة) ودوام نعيمها (إلا مثل ما) أي: شبه زمن (يجعل) فيه (أحدكم إصبعه في اليم) والبحر، وإلا قدر ما يأخذ أحدكم بإصبعه من البحر في قصر ذلك الزمن، وقلة ما يأخذ أحدكم بإصبعه من ماء البحر، فالزمن الذي يجعل فيه بإصبعه في البحر في غاية القصر، والماء الذي يعلق بإصبعه من ماء البحر في غاية القلة.
(فلينظر) أحدكم (بم يرجع) أي: في قدر زمن يرجع فيه بإصبعه من البحر؛ فإنه في غاية القصر، ولينظر أحدكم في قدر الماء الذي يأخذ بإصبعه؛ فإنه في غاية القلة بالنسبة إلى البحر، فكذلك نعيم الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة في غاية القلة.
فوجه الشبه اثنان: قصر زمن الجعل، وقلة ما يأخذ من ماء البحر.
فليتأمل؛ فإن فيه دقة لا تدرك إلا بالتأمل.
ولفظ "مسلم مع الكوكب": (قال رسول الله ﷺ : والله؛ ما الدنيا في الآخرة) أي: بالنسبة إلى الآخرة وبمقابلتها (إلا مثل ما يجعل أحدكم
стр. 11742
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إصبعه هذه - وأشار يحيى) القطان (بالسبابة - في اليم) متعلقٌ بـ (يَجْعَل) أي: إلا قدر ما يعلق بالإصبع من الماء إذا جعل أحدكم إصبعه في اليم؛ أي: في البحر (فلينظر) أحدكم (بم يرجع) أي: بم يأخذ بإصبعه من ماء البحر إذا رفع إصبعه من البحر؛ ومعناه: لا يعلق بها كثير من الماء.
قال النووي: ومعنى الحديث: ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة في قصر مدتها، وفناء لذتها، ودوام الآخرة، ودوام نعيمها ولذاتها .. إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.
وهذا التشبيه للتقريب إلى الأفهام، وإلا فالآخرة .. أعظم وأجل من البحر؛ لأن البحر مهما كان واسعًا، فإنه فانٍ متناهٍ، ونعيم الآخرة باقٍ غير متناهٍ. انتهى منه.
قال النووي: ضبطوا: (بم يرجع) بالتاء المثناة؛ فضمير الفاعل يعود على (الإصبع)، وبالمثناة تحت؛ فالضمير يرجع إلى (أحدكم) والأول أظهر وأشهر.
ويحتمل أنه تمثيل لنسبة مساحة الدنيا من مساحة الآخرة، وبين ذلك حديث: (أدنى أهل الجنة منزلةً .. من له مثل الدنيا وعشرة أمثالها)، ويحتمل أنه تمثيل لقلة نعيم الدنيا، وكثرة نعيم الآخرة، أو تمثيل لانقطاع نعيم الدنيا، ودوام نعيم الآخرة، ونسبة أمر الدنيا في ذلك كنسبة ما تعلق بالإصبع من الماء إلى ما بقي في البحر. انتهى منه.
وهذا الحديث شرح وتفسير لقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (١).
стр. 11743
(٢٨) - ٤٠٥٢ - (٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُودَ،
===
وقال علي القاري في "المرقاة": وحاصل معنى الحديث: أنَّ مِنَحَ الدنيا ومِحنَها في كسب الجاه والمال من الأمور الفانية السريعة الزوال، فلا ينبغي لأحد أن يفرح ويغتر بسعتها، ولا يجزع ولا يشكوَ من ضيقها، بل يقول في الحالتين: (لا عيش إلا عيش الآخرة) فإنه قاله ﷺ مرةً في يوم الأحزاب، وأخرى في حجة الوداع وجمعة الأصحاب، ثم يعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة وأن الدنيا ساعة، فيصرفها في الطاعة.
قوله: "فلينظر بم يرجع" أي: فلينظر ماذا يكون على إصبعه من ماء البحر إذا أخرجها؛ والمراد: أنه لا يساوي شيئًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، والترمذي في كتاب الزهد، باب (١٥)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث المستورد بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٨) - ٤٠٥٢ - (٢) (حدثنا يحيى بن حكيم) المقوم - بتشديد الواو المكسورة - ويقال: المقومي، أبو سعيد البصري، ثقة حافظ عابد مصنف، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو داوود) الطيالسي سليمان بن داوود بن الجارود البصري، ثقة
стр. 11744
حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
حافظ غلط في أحاديث، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث إلا أنه اختلط في آخر عمره، قال الحافظ: صدوق اختلط قبل موته، وضابطه: أن من سمع منه ببغداد .. فبعد الاختلاط، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل: سنة خمس وستين ومئة. يروي عنه: (عم).
(أخبرني عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتح الجيم والميم - المرادي أبو عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي الفقيه، ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات دون المئة سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). وهو ابن خمسين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، هو ثقة ثبت فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
стр. 11745
قَالَ: اضْطَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ فِي جِلْدِه، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ كُنْتَ آذَنْتَنَا فَفَرَشْنَا لَكَ عَلَيْهِ شَيْئًا يَقِيكَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَنَا وَالدُّنْيَا، إِنَّمَا أَنَا وَالدُّنْيَا كَرَاكِبٍ
===
(قال) عبد الله: (اضطجع النبي ﷺ على حصير) ليس عليه شيء من الساتر؛ أي: من الفراش؛ والحصير: هو شيء ينسج من خوص النخل (فأثر) خيوط الحصير (في جلده) الشريف وبشرته المباركة.
قال ابن مسعود: (فـ) لما رأيت أثر الحصير على جنبه ﷺ (قلت) له ﷺ : (بأبي وأمي) أنت مَفْدِيٌّ (يا رسول الله) من كل المكاره (لو كنت آذنتنا) من الإيذان بمعنى: الإعلام، أي: هلا كنت أعلمتنا بأن الحصير ليس عليه شيء من الساتر (ففرشنا) أي: فبسطنا الك عليه شيئًا) من الساتر (يقيك) أي: يحفظ ذلك الساتر (منه) أي: من تأثير الحصير في جنبك (فقال رسول الله ﷺ لابن مسعود في جواب كلامه: (ما أنا والدنيا) مصطحبان؛ لأنه لا علقة بيني وبينها.
قال القاري في "المرقاة" (٩/ ٤٢): فما نافية؛ أي: ليس لي إلفة وعلقة ومحبة بيني وبينها، ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب إليها، وأنبسط عليها وأجمع ما فيها من لذائذها.
ويحتمل كونها استفهامية؛ أي: أي ألفة ومحبة لي مع الدنيا، أو أي شيء لي مع الميل إلى الدنيا أو ميلها إلي؛ فإني طالب الآخرة، وهي ضرتها المضادة المعاندة لها.
(إنما أنا والدنيا كراكب) دابة إلى مقصده، فأخذته القائلة قبل وصوله إلى مقصده، فوجد جنب الطريق شجرة ظليلة يقيل تحتها المارة، فنزل من دابته
стр. 11746
اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا".
(٢٩) - ٤٠٥٣ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ
===
فـ (استظل تحت) تلك الـ (شجرة) ليقيل تحتها ساعة من نهار (ثم) بعد قيلولته تحتها (راح) وذهب إلى مقصده، (و) قد (تركها) أي: والحال أنه ترك الاستظلال والاستراحة، لأنه إنما قال تحتها؛ للقيلولة من شدة الحر، لا للنزول والمبيت تحتها؛ لأنه مسافر إلى مقصده الذي هو دار الآخرة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب رقم (٤٤)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المستورد.
قوله: "استظل تحت شجرة" أي: ومثله لا يتقيد بالفراش لتلك الساعة، فانظر؛ قد أمرنا باتباعه؛ إذ هذه السنن مخصوصة من بين ما ينبغي الاتباع فيه، أم كيف الحال؟ انتهى "سندي".
قال القاري: وجه التشبيه: سرعة الرحيل، وقلة المكث، ومن ثم خص الراكب.
"ثم راح وتركها" فشبه مقامه في الدنيا بمسافر اشتد عليه الحر، فرأى شجرة في الطريق، فأوى إلى ظلها، حتى ذهبت حمارة القيظ، ثم راح عنها وواصل سفره، وهذا مثل ضربه ﷺ ؛ لقصر إقامته فيها. انتهى منه.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث المستورد بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٩) - ٤٠٥٣ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، خطيب مقرئ، مات سنة خمس وأربعين
стр. 11747
وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ مَنْظُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(وإبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق تكلم فيه أحمد؛ لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي؛ نسبة إلى جرجرايا، بلدة بين بغداد وواسط، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
كلهم (قالوا: حدثنا أبو يحيى زكريا بن منظور) بن ثعلبة، ويقال: زكريا بن يحيى بن منظور، فنسب إلى جده القرظي المدني، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو حازم) الأعرج التمار سلمة بن دينار المدني القاضي، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه زكريا بن منظور، وهو مجمع على ضعفه.
(قال) سهل: (كنا) معاشر الصحابة (مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 11748
بِذِي الْحُلَيْفَةِ؛ فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ: "أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ .. مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا".
===
بذي الحليفة) أي: بموضع يسمى بذلك؛ وهو ميقات أهل المدينة (فإذا هو) أي: رسول الله ﷺ راء (بشاة ميتة) أي: فاجأه رؤية شاة ميتة بلا ذكاة شرعية (شائلة برجلها) أي: رافعة برجلها؛ لانتفاخها (فقال) رسول الله ﷺ لمن عنده: (أترون) - بضم المثناة الفوقية - على صورة المبني للمجهول، ولكنها في المعنى للفاعل؛ أي: أتظنون أيها الحاضرون (هذه) الشاة الميتة (هينة) - بتشديد الياء - من الهون؛ أي: حقيرةً لا قدر لها (على صاحبها؟ ) أي: عند مالكها في الأصل، وإنما عبر بالصاحب دون المالك؛ لأنها من الاختصاصات، قالوا: لا قدر لها عند صاحبها؛ لأنها ميتة.
فقال رسول الله ﷺ (فوالذي) أي: فأقسمت لكم بالإله الذي (نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (للدنيا) برمتها (أهون) أي: أحقر (على الله) أي: عند الله سبحانه؛ أي: أشد حقارة عند الله (من) حقارة (هذه) الشاة الميتة (على صاحبها) أي: عند صاحبها.
وهذه هي الجملة الأولى من الحديث.
وذكر الجملة الثانية بقوله: (ولو كانت الدنيا) برمتها (تزن عند الله) تعالى (جناح بعوضة) أي: تساويه في الوزن .. (ما سقى) الله (كافرًا منها) أي: من ماء الدنيا (قطرة) ماء ونقطته (أبدًا) وهو ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان، وفي ذلك قال بعضهم:
ولو كانت الدنيا تدومُ لأهلها ... لكان رسول الله حيًّا وباقيا
стр. 11749
(٣٠) - ٤٠٥٤ - (٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف زكريا، رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق زكريا.
وروى الترمذي في "الجامع" الجملة الأخيرة عن قتيبة عن عبد الحميد بن سليمان عن أبي حازم به، وقال: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه، وروى الجملة الأولى في "جامعه" أيضًا من حديث المستورد، وقال: هذا حديث حسن، قال أبو عيسى: وفي الباب حديث عن أبي هريرة وابن عمر وجابر.
وله أيضًا شواهد أخر، ذكرها الألباني في "الصحيحة".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد ومتابعات، ضعيف السند؛ لأن في سند المؤلف: زكريا بن منظور، وهو مجمع على ضعفه، فهذا الحديث: صحيح المتن ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المستورد.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث المستورد الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٠) - ٤٠٥٤ - (٤) (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11750
عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: إِنِّي لَفِي الرَّكْبِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ أَتَى عَلَى سَخْلَةٍ مَنْبُوذَةٍ قَالَ: فَقَالَ:
===
(عن مجالد) بضم أوله وتخفيف الجيم (ابن سعيد) بن عمير (الهمداني) - بسكون الميم - أبي عمرو الكوفي، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم)، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال مرة: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: تكلم فيه الناس وهو صدوق، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال البخاري: صدوق، فهو مختلف فيه.
(عن قيس بن أبي حازم) حصين بن عوف (الهمداني) الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، أحد كبار التابعين، ثقة مخضرم، من الثانية، مات بعد التسعين، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(قال) قيس: (حدثنا المستورد بن شداد) بن عمرو القرشي الفهري الحجازي، نزل الكوفة، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة خمس وأربعين (٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مجالدًا، وهو مختلف فيه.
(قال) المستورد: (إني لفي الركب) اسم جمع لراكب؛ كصَحْبٍ وصاحبٍ لا جمع له؛ لأن فاعلًا لا يجمع على فَعْل؛ أي: إني لفي الجمع الراكبين الماشين (مع رسول الله ﷺ إذ أتى) ومر رسول الله (على سخلة) ولد المعز أو الضأن ذكرًا أو أنثى؛ أي: على ولد شاة (منبوذة) أي: مطروحة في الصحراء؛ لكونها ميتة لا ينتفع بها (قال) المستورد: (فقال)
стр. 11751
"أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا؟ "، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا أَوْ كَمَا قَالَ، قَالَ: "فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا".
===
رسول الله ﷺ لمن معه: (أترون هذه) السخلة (هانت) وحقرت (على أهلها) أي: عند أهلها وأصحابها؟ (قال) المستورد: (قيل) له ﷺ ؛ أي: قال له بعض من عنده من الصحابة، ولم أر من ذكر اسم هذا القائل: (يا رسول الله؛ من هوانها) أي: من هوان هذه السخلة وحقارتها عند أهلها (ألقوها) أي: ألقاها أهلها في الصحراء (أو) قال ذلك القائل للرسول ﷺ (كما قال) أي: مثل ما قال له ﷺ مثل أن يقول له: من حقارتها رموها.
والمقصود من هذا الكلام: التحرز عن التعبير بالكلام القبيح في حكاية كلامه ﷺ .
فـ (قال) رسول الله ﷺ لمن عنده من الركب: (فوالذي نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (للدنيا) بفتح اللام رابطة لجواب القسم (أهون) أي: أحقر (على الله) تعالى، أي: عند الله تعالى (من) حقارة (هذه) السخلة (على أهلها) أي: عند أهلها وأصحابها؛ أي: للدنيا أشد حقارة عند الله تعالى من حقارة هذه السخلة عند أهلها.
قال القرطبي: الدنيا: وزنها (فعلى) وألفها للتأنيث، وتمنع من الصرف؛ لألف التأنيث المقصورة، وهي من الدنو بمعنى القرب؛ لدنوها إلى الفناء والزوال، وهي صفة لموصوف محذوف؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١).
стр. 11752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
غير أنه قد كثر استعمالها استعمال الأسماء، فاستغني عن موصوفها؛ كما جاء في هذا الحديث؛ والمراد: الدار الدنيا أو الحياة الدنيا التي تقابلها الدار الأخرى أو الحياة الأخرى.
ومعنى (هوان الدنيا على الله تعالى): أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لذاتها، بل جعلها طريقًا موصلًا إلى ما هو المقصود لذاته، وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء، وإنما جعلها دار رحلة وبلاء، وأنه ملكها في الغالب الكفرة والجهال، وحماها الأنبياء والأولياء، وقد أوضح النبي ﷺ هذا المعنى، فقال: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة .. ما سقى منها الكافر شربة ماء" رواه ابن ماجه (٤٠٥٣) وهو الحديث السابق قبل هذا الحديث.
وحسبك بها هوانًا أن الله قد صغرها وحقرها وذمها وأبغضها وأبغض أهلها ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها، والتأهب للارتحال عنها، ويكفيك من ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم أو متعلم" رواه الترمذي من حديث أبي هريرة (٢٣٢٢)، وقال: حديث حسن غريب.
ولا يفهم من هذا الحديث إباحة لعن الدنيا وسبها مطلقًا؛ لما رويناه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا الدنيا؛ فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا .. قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه" رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٠٤) أخرجه الشريف أبو القاسم زيد بن
стр. 11753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عبد الله بن مسعود الهاشمي، وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها.
ووجه الجمع بينهما: أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدًا من الله تعالى وشاغلًا عنه؛ كما قال بعض السلف: كل ما شغلك عن الله تعالى من مال وولد .. فهو عليك مشؤوم، وهو الذي نبه الله على ذمه بقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ (١).
وأما ما كان من الدنيا يقرب إلى الله تعالى ويعين على عبادة الله تعالى .. فهو المحمود بكل لسان، والمحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يرغب فيه ويحب، وإليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: "إلا ذكر الله وما والاه، أو عالمًا أو متعلمًا".
وهو المصرح به في قوله ﷺ : "فإنها نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر"، وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين، والله أعلم. من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب "الزهد والرقائق"، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ، وقال أبو عيسى: حديث المستورد حديث حسن؛ لأن في سنده راويًا مختلفًا فيه؛ وهو مجالد بن سعيد، ورواه أحمد وابن أبي شيبة في "مصنفه".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد ومتابعات، حسن السند؛ لأن في سنده راويًا مختلفًا فيه، ولوروده من طرق أخرى، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المستورد الأول.
* * *
стр. 11754
(٣١) - ٤٠٥٥ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خُلَيْدٍ عُتْبَةُ بْنُ حَمَّادٍ الدِّمَشْقِيُّ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ قُرَّةَ،
===
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث المستورد بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣١) - ٤٠٥٥ - (٥) (حدثنا علي بن ميمون الرقي) العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا أبو خليد) مصغرًا (عتبة بن حماد) بن خليد - مصغرًا أيضًا - الحكمي (الدمشقي) القارئ إمام الجامع، صدوق، من كبار العاشرة. يروي عنه: (ق). وثقه أبو علي النيسابوري والخطيب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له حديث واحد عند ابن ماجه عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة في ذم الدنيا، وهو هذا الحديث.
(عن) عبد الرحمن بن ثابت (بن ثوبان) العِنْسِيِّ - بكسر المهملة وسكون النون - أبي عبد الله الدمشقي الزاهد. روى عن: عطاء بن قرة السلولي، ويروي عنه: أبو خليد عتبة بن حماد، صدوق يخطئ ورمي بالقدر وتغير بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (عم). قال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة يرمى بالقدر، وقال أبو حاتم: ثقة يشوبه شيء من القدر، وتغير عقله في آخر حياته، وهو مستقيم الحديث، وقال أبو داوود: كان فيه سلامة وليس به بأس، وكان مجاب الدعوة، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرَّةً: ليس بالقوي، وقال مرة: ليس بثقة، وقال صالح بن محمد: شامي صدوق إلا أن مذهبه القدر، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عطاء بن قرة) السلولي - بفتح المهملة وضم اللام الخفيفة -
стр. 11755
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ضَمْرَةَ السَّلُولِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا؛ إِلَّا ذِكْرَ اللهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا".
===
صدوق، من السادسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الله بن ضمرة السلولي) روى عن أبي هريرة، ويروي عنه: عطاء بن قرة السلولي، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (ت ق).
(قال) عبد الله بن ضمرة: (حدثنا أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان.
(قال) أبو هريرة: (سمعت رسول الله ﷺ وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يقول: الدنيا ملعونة) المراد بالدنيا هنا: كل ما يشغل عن الله ويبعد عنه؛ كالمنكرات (ملعون ما فيها) أي: ما وجد فيها؛ ولعنه: بعده عن نظره تعالى (إلا ذكر الله) تعالى (وما والاه) أي: وما أحبه الله تعالى (أو عالمًا) يعمل بعلمه (أو متعلمًا) يطلب العلم.
قوله: "الدنيا ملعونة" المراد بالدنيا: كل ما يشغل عن الله تعالى ويبعد عنه؛ ولعنه إياها: بعدها عن نظره تعالى، وقلة اعتنائه بها؛ لأنها ليست دار مقر، بل هي دار ممر.
والاستثناء في قوله: "إلا ذكر الله ... " إلى آخره .. منقطع؛ لأن المراد بالاستثناء: المقبول عنده، وبالمستثنى منه: غير المقبول.
ويحتمل أن يراد بها: العالم السفلي كله، وكل ما له نصيب في القبول
стр. 11756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عنده تعالى؛ فقد استثناه بقوله: "إلا ذكر الله ... " إلى آخره؛ فيكون الاستثناء متصلًا. انتهى "س".
قال الغزالي: قوله: "الدنيا ملعونة ... " إلى آخره؛ هي عبارة عن أعيان موجودة للإنسان فيها حظ، وله في إصلاحها شغل.
ويعني بـ (الأعيان): الأرضَ والنباتات والحيوان والمعادن، وبـ (الحظ): حبها؛ فيندرج فيه جميع المهلكات؛ كالرياء والحقد، وبـ (إصلاحها): أنه يصلحها لحظ له، أو لغيره، دنيوي أو أخروي، فيندرج فيه الحرف والصناعات من الدنيا؛ كأكل الخبز مثلًا للتقوِّي عليها، وإليه الإشارة بقوله: (الدنيا مزرعة الآخرة) وبقوله: (الدنيا ملعونة)، والله أعلم.
قوله: "وما والاه" الموالاة: المحبة؛ أي: إلا ذكر الله وما أحبه الله تعالى، مما يجري في الدنيا، أو بمعنى المتابعة.
فالمعنى: ما يجري على موافقة أمره تعالى، أو موافقة نهيه تعالى.
ويحتمل أن يُرادَ به: ما يُوافق ذكر الله؛ أي: يجانسه ويقاربه وطاعته تعالى واتباع أمره والاجتناب عن نهيه، كلها داخلة فيما يوافق ذكر الله. انتهى "س".
قوله: "أو عالمًا أو متعلمًا" تخصيص للعلم بعد تعميم؛ لشمول ما والاه جميع الخيرات .. تنبيه على أن جميع الناس سواهما همج، وعلى أن المراد بهما: العلماء بالله.
قال المناوي في "الفيض" (٢/ ٣٢٦): قوله: "ملعونة" أي: متروكة مبعدة، متروك ما فيها، أو متروكة الأنبياء والأصفياء؛ كما في خبر: (لهم الدنيا ولنا الآخرة)، وقال: "الدنيا ملعونة" لأنها غرت النفوس بزهرتها ولذتها عن العبودية إلى الهوى، وقال بعد ذكر قوله: "وعالمًا أو متعلمًا" أي: هي وما فيها
стр. 11757
(٣٢) - ٤٠٥٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه،
===
مبعد عن الله تعالى إلا العلم النافع الدال على الله، فهو مقصود منها، فاللعن وقع على ما غرت الدنيا لا على نعيمها ولذتها؛ فإن ذلك تناوله الرسل والأنبياء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب رقم (١٤)
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المستورد بن شداد.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث المستورد بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٢) - ٤٠٥٦ - (٦) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي (العثماني) المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - أبي شبل - بكسر المعجمة وسكون الموحدة - المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني مولى الحرقة - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
стр. 11758
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا مروان الأموي، وهو يخطئ كثيرًا.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : الدنيا سجن المؤمن) فإنه وإن كان في نعمة .. فالجنة خير له (وجنة الكافر) فإنه وإن كان في مَقِيتَةٍ؛ أي: في قلةِ قُوت وضيقِ عيش .. فالنار شر له منها. انتهى "س".
قال النووي: في "شرح مسلم": معناه: أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة .. مكلف بفعل الطاعات الشاقة، فإذا مات .. استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان، وأما الكافر .. فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته وتكديره بالمنغصات، فإذا مات .. صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في "المسند"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: هذا حديث غريب صحيح الإسناد.
ودرجته: أنه صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد وإن كان حسن السند؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المستورد الأول.
واعلم: أن هذا الباب قد وردت فيه أحاديث كثيرة في ذم الدنيا ومتاعها، ولذلك ورد ذمها في آيات كثيرة من القرآن الكريم، ولكن ليس المقصود
стр. 11759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
منها: أن يترك الإنسان أسباب الدنيا رأسًا، وإنما المقصود منها: ألا يؤثرها على الآخرة، وأن يكون شوقه ورغبته إلى الله تعالى أكثر؛ أي: إلى ما أعد لعباده في الآخرة من النعيم المقيم أكثر وأقوى من رغبته إلى متاع الدنيا الفانية.
وقد تكلم العلماء على حقيقة الدنيا ومعرفة المذموم منها والمحمود قديمًا وحديثًا، وفذلكة الكلام ما ذكره العلامة ابن قدامة المقدسي في "مختصر منهاج القاصدين" لابن الجوزي، وأصله للإمام الغزالي رحمه الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقًا، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت للمنافع، فأعرضوا عما يصلحهم من المطاعم والمشارب، وقد وضع الله في الطباع توقان النفس إلى ما يصلحها، فكل ما تاقت .. منعوها؛ ظنًّا منهم أن هذا هو الزهد المراد؛ جهلًا بحقوق النفس، وعلى هذا أكثر المتزهدين، وإنما فعلوا ذلك؛ لقلة علمهم، ونحن نصدع بالحق من غير محاباة، فنقول:
اعلم: أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان، فيها حظ، وكل ذلك علف الراحة لبدنه السائر إلى الله ، وأنه لا يبقى إلا بهذه المصالح؛ كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به .. مُدِح، ومن أخذ منها فوق الحاجة على وجه الشره .. وقع في الذم؛ فإنه ليس للشره في تناول الدنيا وجه؛ لأنه يخرج عن النفع إلى الأذى، ويشغل عن طلب الآخرة، فيفوت المقصود، ويصير بمنزلة من أقبل يعلف الناقة، ويرد لها الماء، ويغير عليها أنواع الثياب وينسى أن الرفقة قد سارت؛ فإنه يبقى في البادية فريسةً للسباع هو وناقته.
стр. 11760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولا وجه أيضًا للتقصير في تناول الحاجة؛ لأن الناقة لا تقوى على السير إلا بتناول ما يصلحها، فالطريق السليم هي الطريق الوسطى؛ وهي أن يأخذ من الدنيا قدر ما يحتاج إليه من الزاد للسلوك وإن كان مشتهىً؛ فإن إعطاء النفس قدر ما تشتهيه .. عون لها، وقضاء لحقها.
وقد كان سفيان الثوري يأكل في أوقات من طيب الطعام، ويحمل معه في السفر الفالوذج، وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات، ويقول: إذا وجدنا .. أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا .. صبرنا صبر الرجال.
ولينظر في سيرة رسول الله ﷺ وصحابته؛ فإنهم ما كان لهم إفراط في تناول الدنيا ولا تفريط في حقوق النفس.
وينبغي أن يتلمح حظ النفس في المشتهى؛ فإن كان في حظها حفظها وما يقيمها ويصلحها وينشطها للخير .. فلا يمنعها منه، وإن كان حظها مجرد شهوة ليست متعلقة بمصالحها المذكورة .. فذلك حظ مذموم، والزهد فيه يكون مذمومًا. راجع مختصر "منهاج القاصدين" لابن قدامة (١٩٤).
وفي "سراج الملوك": أن يهوديًّا رث الهيئة رأى فقيهًا وعليه لباس حسن، فقال: ألستم تروون عن نبيكم: (أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فأين ذلك من حالك وحالي؟ !
وأجابه عن ذلك بأنه إذا متَّ، وصرتَ إلى ما أعد الله لك من العذاب .. علمت أن الدنيا جنة لك، وإذا متُّ أنا، وصرتُ إلى ما أعد الله لي من النعيم .. علمت أن الدنيا كانت سجنًا لي، كذا في "الأبي على مسلم" (٧/ ٢٨٥) انتهى من "الإنجاز".
قال القرطبي: وإنما كانت الدنيا كذلك؛ لأن المؤمن فيها مقيد بقيود
стр. 11761
(٣٣) - ٤٠٥٧ - (٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ،
===
التكاليف، فلا يقدر على حركة ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع، فيفك قيده، ويمكنه من الفعل أو الترك مع ما هو فيه من توالي أنواع البلاء والمحن والمكابدات من الهموم والغموم والأسقام والآلام، ومكابدة الأنداد والأضداد والعيال والأولاد، وعلى الجملة: فقد جاء الخبر: "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل بحسب دينه" رواه الحاكم (٣/ ٣٤٣) كما قاله ﷺ .
وأي سجن أعظم من هذا، ثم هو في السجن على غاية الخوف والوجل؛ إذ لا يدري بماذا يختم له من عمل، كيف وهو يتوقع أمرًا لا شيء أعظم منه، ويخاف هلاكًا لا هلاك فوقه؟ ! فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن .. لهلك مكانه، لكنه لطف به فهون عليه ذلك كله، بما وعد على صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره.
والكافر منفك عن تلك القيود الحاصلة بالتكاليف، آمن من تلك المخاويف، مقبل على لذاته، منهمك في شهواته، معتز بمساعدة الأيام، ويأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يرام، فنسأل الله السلامة، من أهوال يوم القيامة. انتهى من "المفهم".
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث المستورد الأول بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٣) - ٤٠٥٧ - (٧) (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
стр. 11762
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ: "يَا عَبْدَ الله، كُنْ
===
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبي بكر الكوفي، واسم أبي سليم: أيمن. روى عن: مجاهد بن جبر، ويروي عنه: حماد بن زيد، قال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيف الحديث، صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز فترك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مجاهد) بن جبر أبي الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة ثبت إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو متروك، قال أبو عيسى: وهذا الحديث رواه الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، فهذا السند وإن كان ضعيفًا في نفسه .. فهو صحيح بغيره؛ لأن الأعمش تابع ليثًا في رواية هذا الحديث عن مجاهد، فهو صحيح بغيره.
(قال) ابن عمر: (أخذ رسول الله ﷺ أي: أمسك بيده الشريفة (ببعض جسدي) وفي رواية البخاري: (بمنكبي) وهو ما بين العنق ورأس العضد، وفي هذه الرواية تعيين ما أبهم في رواية ابن ماجه، ونكتة الأخذ: تقريبه إليه، وتوجهه عليه؛ ليتمكن في ذهنه ما يلقى إليه.
(فقال) رسول الله ﷺ : (يا عبد الله) بن عمر (كن
стр. 11763
فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ".
===
في الدنيا كأنك غريب) في انقطاع التعلق إلا ما يتعلق بسفره من مركب وزاد.
(أو كأنك عابر سبيل) أي: مار في الطريق، لا يحصل منه التفات إلى يمنة أو يسرة (وعد نفسك) - بضم المهملة - أمر من عد يعد؛ من باب شد (من أهل القبور) الذين لا أنيس لهم إلا عملهم.
قال مجاهد: قال لي ابن عمر في تفسير هذا الحديث: (إذا أصبحت .. فلا تحدث نفسك بالمساء) أي: بمجيء المساء عليك (وإذا أمسيت .. فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك؛ فإنك لا تدري) ولا تعلم (يا عبد الله ما اسمك غدًا) عند لقاء ربك يوم القيامة؛ أي: لا تعلم هل اسمك شقي أوسعيد؟
قوله: "أو عابر سبيل" قال الطيبي: ليست (أو) للشك، بل للتخيير أو الإباحة، والأحسن: أن تكون بمعنى بل الإضرابية.
فشبه السالك بـ: (الغريب) الذي ليس له مسكن يأويه، ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى (عابر السبيل) لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع، بينهما أودية مردية، ومفاوز مهلكة وقطاع طريق؛ فإن من شأنه ألا يقيم لحظةً، ولا يسكن لمحةً، ومن ثم عقبه بقوله: (وعد نفسك من أهل القبور) والمعنى: استمر سائرًا ولا تفتر؛ فإنك إن قصرت .. انقطعت وهلكت في الأودية، وهذا معنى المشبه به.
وأما المشبه .. فهو قوله: (وخذ من صحتك لمرضك) أي: إن العمر لا يخلو عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحًا .. فسر سير القصد، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة، بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف، ذكره الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٣٤).
стр. 11764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه (وعد نفسك) - بضم العين المهملة وفتح الدال المشددة - أي: اجعلها معدودة (من أهل القبور) أي: من جماعتهم؛ أي: واحدة من جماعتهم.
ففيه إشارة إلى ما قيل: (موتوا قبل أن تموتوا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقائق، باب قول النبي ﷺ : "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في قصر الأمل، قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث: الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وإن كان سنده ضعيفًا؛ لأنه قد روي بطريق صحيحة؛ وهي رواية الأعمش عن مجاهد، فهي شاهدة لطريق المؤلف، فرواية المؤلف: هي صحيحة بغيرها، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المستورد الأول.
قلت: فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد ومتابعات.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11765
(٧) - (١٤٨٠) - بَابُ مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ
(٣٤) - ٤٠٥٨ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ،
===
(٧) - (١٤٨٠) - (باب من لا يؤبه له) ولا يبالى به؛ لحقارة قدره عند الناس
(٣٤) - ٤٠٥٨ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - بنون مصغرًا - السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سويد بن عبد العزيز) بن نمير السلمي مولاهم الدمشقي، وقيل: أصله حمصي، ضعيف جدًّا، من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ت ق)، قال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وكانت له أحاديث، فقال علي بن حجر: أثنى عليه هشيم خيرًا، وضعفه الجمهور.
(عن زيد بن واقد) القرشي الدمشقي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ د س ق).
(عن بسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة، حافظ، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله - بهمزة ومعجمة - ابن عبد الله الشامي، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار