(٣٣) - ٤٠٥٧ - (٧) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ،
===
التكاليف، فلا يقدر على حركة ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع، فيفك قيده، ويمكنه من الفعل أو الترك مع ما هو فيه من توالي أنواع البلاء والمحن والمكابدات من الهموم والغموم والأسقام والآلام، ومكابدة الأنداد والأضداد والعيال والأولاد، وعلى الجملة: فقد جاء الخبر: "أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل بحسب دينه" رواه الحاكم (٣/ ٣٤٣) كما قاله ﷺ .
وأي سجن أعظم من هذا، ثم هو في السجن على غاية الخوف والوجل؛ إذ لا يدري بماذا يختم له من عمل، كيف وهو يتوقع أمرًا لا شيء أعظم منه، ويخاف هلاكًا لا هلاك فوقه؟ ! فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن .. لهلك مكانه، لكنه لطف به فهون عليه ذلك كله، بما وعد على صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره.
والكافر منفك عن تلك القيود الحاصلة بالتكاليف، آمن من تلك المخاويف، مقبل على لذاته، منهمك في شهواته، معتز بمساعدة الأيام، ويأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يرام، فنسأل الله السلامة، من أهوال يوم القيامة. انتهى من "المفهم".
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث المستورد الأول بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٣) - ٤٠٥٧ - (٧) (حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
стр. 11762
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ: "يَا عَبْدَ الله، كُنْ
===
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم القرشي مولاهم، أبي بكر الكوفي، واسم أبي سليم: أيمن. روى عن: مجاهد بن جبر، ويروي عنه: حماد بن زيد، قال ابن سعد: كان رجلًا صالحًا عابدًا، وكان ضعيف الحديث، صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز فترك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مجاهد) بن جبر أبي الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة ثبت إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو متروك، قال أبو عيسى: وهذا الحديث رواه الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، فهذا السند وإن كان ضعيفًا في نفسه .. فهو صحيح بغيره؛ لأن الأعمش تابع ليثًا في رواية هذا الحديث عن مجاهد، فهو صحيح بغيره.
(قال) ابن عمر: (أخذ رسول الله ﷺ أي: أمسك بيده الشريفة (ببعض جسدي) وفي رواية البخاري: (بمنكبي) وهو ما بين العنق ورأس العضد، وفي هذه الرواية تعيين ما أبهم في رواية ابن ماجه، ونكتة الأخذ: تقريبه إليه، وتوجهه عليه؛ ليتمكن في ذهنه ما يلقى إليه.
(فقال) رسول الله ﷺ : (يا عبد الله) بن عمر (كن
стр. 11763
فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ كَأَنَّكَ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ".
===
في الدنيا كأنك غريب) في انقطاع التعلق إلا ما يتعلق بسفره من مركب وزاد.
(أو كأنك عابر سبيل) أي: مار في الطريق، لا يحصل منه التفات إلى يمنة أو يسرة (وعد نفسك) - بضم المهملة - أمر من عد يعد؛ من باب شد (من أهل القبور) الذين لا أنيس لهم إلا عملهم.
قال مجاهد: قال لي ابن عمر في تفسير هذا الحديث: (إذا أصبحت .. فلا تحدث نفسك بالمساء) أي: بمجيء المساء عليك (وإذا أمسيت .. فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك؛ فإنك لا تدري) ولا تعلم (يا عبد الله ما اسمك غدًا) عند لقاء ربك يوم القيامة؛ أي: لا تعلم هل اسمك شقي أوسعيد؟
قوله: "أو عابر سبيل" قال الطيبي: ليست (أو) للشك، بل للتخيير أو الإباحة، والأحسن: أن تكون بمعنى بل الإضرابية.
فشبه السالك بـ: (الغريب) الذي ليس له مسكن يأويه، ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى (عابر السبيل) لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع، بينهما أودية مردية، ومفاوز مهلكة وقطاع طريق؛ فإن من شأنه ألا يقيم لحظةً، ولا يسكن لمحةً، ومن ثم عقبه بقوله: (وعد نفسك من أهل القبور) والمعنى: استمر سائرًا ولا تفتر؛ فإنك إن قصرت .. انقطعت وهلكت في الأودية، وهذا معنى المشبه به.
وأما المشبه .. فهو قوله: (وخذ من صحتك لمرضك) أي: إن العمر لا يخلو عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحًا .. فسر سير القصد، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة، بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف، ذكره الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٣٤).
стр. 11764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه (وعد نفسك) - بضم العين المهملة وفتح الدال المشددة - أي: اجعلها معدودة (من أهل القبور) أي: من جماعتهم؛ أي: واحدة من جماعتهم.
ففيه إشارة إلى ما قيل: (موتوا قبل أن تموتوا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقائق، باب قول النبي ﷺ : "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في قصر الأمل، قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث: الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وإن كان سنده ضعيفًا؛ لأنه قد روي بطريق صحيحة؛ وهي رواية الأعمش عن مجاهد، فهي شاهدة لطريق المؤلف، فرواية المؤلف: هي صحيحة بغيرها، وغرضه: الاستشهاد به لحديث المستورد الأول.
قلت: فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد ومتابعات.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11765
(٧) - (١٤٨٠) - بَابُ مَنْ لَا يُؤْبَهُ لَهُ
(٣٤) - ٤٠٥٨ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ،
===
(٧) - (١٤٨٠) - (باب من لا يؤبه له) ولا يبالى به؛ لحقارة قدره عند الناس
(٣٤) - ٤٠٥٨ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - بنون مصغرًا - السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سويد بن عبد العزيز) بن نمير السلمي مولاهم الدمشقي، وقيل: أصله حمصي، ضعيف جدًّا، من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ت ق)، قال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وكانت له أحاديث، فقال علي بن حجر: أثنى عليه هشيم خيرًا، وضعفه الجمهور.
(عن زيد بن واقد) القرشي الدمشقي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ د س ق).
(عن بسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة، حافظ، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله - بهمزة ومعجمة - ابن عبد الله الشامي، ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار
стр. 11766
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعِفٌ ذُو طِمْرَيْنِ
===
الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء. يروي عنه: (ع).
(عن معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبي عبد الرحمن الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، من أعيان الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في العلم بالأحكام، مات بالشام سنة ثماني عشرة (١٨ هـ).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سويد بن عبد العزيز، وهو مختلف فيه.
(قال) معاذ: (قال رسول الله ﷺ : ألا) أي: انتبه يا معاذ واستمع مني ما أقول لك (أخبرك) وأبين (عن) علامات وصفات (ملوك) وسلاطين أهل (الجنة) أي: عن سماتهم في الدنيا؟ قال معاذ: (قلت) لرسول الله ﷺ : (بلى) أخبرني يا رسول الله عن سماتهم في الدنيا، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ في بيان صفاتهم لي في الدنيا: هم كل (رجل) أو امرأة (ضعيف) في خلقه وخلقه؛ أي: ضعيف في ذاته؛ بألا يقدر على الاكتساب، لضعف جسمه، وفي خلقه؛ بأن كان سهل الأخلاق حتى لا يدافع عن نفسه من سبه أو ضربه، إلا أن يقول: اتق الله تعالى.
(مستضعف) - بكسر العين - أي: مبالغ في إظهار أسباب ضعفه؛ بترك أسباب طلب الرزق، وترك الاختلاط بأهل الدنيا بالاعتزال عنهم بذاته وبكلامه، إلا ذكر الله وما والاه (ذو طمرين) - بكسر أوله وسكون ثانيه - أي: صاحب
стр. 11767
لَا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ .. لَأَبَرَّهُ".
===
ثوبين باليين خلقين إزار ورداء، أو إزار وقميص، لا يطلب الزيادة عليهما؛ تثنية طمر؛ والطمر - بكسر أوله وسكون ثانيه -: الثوب الخلق؛ لطول زمنه، أو الكساء البالي من غير الصوف.
والطمر - بضم أوله وسكون ثانيه -: هو الشخص الذي لا يملك شيئًا إلا ما على بدنه من الثياب الخلقة. انتهى من "القاموس".
(لا يؤبه له) أي: لا يقدر له عند الناس ولا يبالي به، حتى كأنه ليس بإنسان؛ إن تكلم .. لا يسمع كلامه، وإن جاء .. لا يوسع له في المجالس، ومع كون حاله كذلك خلْقًا وخلُقًا (لو أقسم) وحلف (على) فعل من أفعال (الله) تعالى؛ كأن قال: والله؛ لتمطرن السماء اليوم، أو ليموتن فلان اليوم، وهو صحيح غير مريض، أو ليقدمن الحاج اليوم من سفر الحج بلا وجود أسباب عصرية معه .. (لأبره) الله تعالى في قسمه؛ لكرامته وشرفه عنده تعالى؛ أي: لجعله الله تعالى بارًا صادقًا في قسمه غير حانث فيه وكاذب.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث حارثة بن وهب، رواه الشيخان، ورواه البخاري وغيره من حديث أنس، ورواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، فله شواهد مما ذكروا من حديث حارثة المذكور بعده للمؤلف.
ودرجته: أنه صحيح المتن، وإن كان سنده حسنًا أو ضعيفًا، لأن له شاهدًا، فهو: صحيح المتن بغيره، حسن السند أو ضعيفه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره عند الجمهور.
стр. 11768
(٣٥) - ٤٠٥٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث معاذ بن جبل بحديث حارثة بن وهب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٥) - ٤٠٥٩ - (٢) (حدثا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معبد بن خالد) بن مُرَيْنٍ - أي: مصغرًا - الجَدَليّ - بجيم ومهملة مفتوحتين - من جديلة، ثقة عابد، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) معبد بن خالد: (سمعت حارثة بن وهب) أخا عبد الله بن عمر بن الخطاب لأمه، الخزاعي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة، وكان عمرُ بن الخطاب زوجَ أمِّه أم كلثوم بنت جَرْوَلَ الخُزاعيةِ. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) حارثة: (قال رسول الله ﷺ : ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم؛ وذلك أني (أنبئكم) أي: أخبركم (بـ) علامات (أهل الجنة) فتعرفونهم بها؟ هم في الدنيا (كل ضعيف) في خلقته وحاله؛ أي:
стр. 11769
مُتَضَعَّفٍ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ
===
ضعيف في نفسه؛ لتواضعه، وفي حاله في طلب الدُّنْيَا (مُتضَعَّف) أي: محقَّر عند الناس؛ لخمولِه في الدنيا.
قال النووي: ضبطوا (متضعف) بفتح العين وكسرها، والمشهور الفتح، ولم يذكر الأكثر غيره؛ ومعناه: يستضعفه الناس ويستحقرونه ويتجبَّرُون عليه؛ لضعف حاله في الدنيا؛ أي: لقلة ما في يده من المال؛ يقال: ضعفه واستضعفه، وفي رواية الإسماعيلي: (مستضعف) - بالسين - والمعنى واحد؛ كما في حديث معاذ بن جبل المذكور قبل هذا الحديث.
وأما رواية الكسر .. فمعناها: متواضع متذلل خامل واضع من نفسه.
قال القاضي: وقد يكون الضعف هنا بمعنى رقة القلوب ولينها وإخباتها للإيمان؛ والمراد: أن أغلب أهل الجنة هؤلاء؛ كما أن معظم أكثر أهل النار القسم الآخر، وليس المراد: الاستيعاب في الطرفين. انتهى "نووي".
وفي رواية مسلم: زيادة في حديث حارثة بن وهب؛ كما في حديث معاذ، وتلك الزيادة قوله: (لو أقسم على الله .. لأبره) أي: لو حلف على وقوع شيء لم يكن بعد باسم الله تعالى .. لأبره؛ أي: لأوقع الله ذلك الشيء؛ إكرامًا له وصيانةً له عن الحنث في يمينه؛ أي: لجعله الله سبحانه بارًا صادقًا في يمينه؛ يإيقاع ذلك الشيء الذي حلف عليه، ولو كان الناس يزعمونه ضعيفًا؛ وذلك لعلو منزلته عند الله تعالى.
وقيل: معناه: لو دعا .. لأجيب، وقيل: لو حلف يمينًا؛ طمعًا في إكرام الله تعالى له بإبراره .. لأبره. انتهى "سنوسي".
وفي رواية مسلم زيادة: (ثم قال) أي: ثم بعدما ذكر قال رسول الله ﷺ : (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول؛ وذلك أني (أنبئكم)
стр. 11770
بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ".
===
وأخبركم (بـ) علامات (أهل النار) وأصحابها في الدنيا؟
وفي رواية زيادة: (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده ﷺ : (أخبرنا) عن علامتهم يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : هم أي: أهل النار (كل عتل) - بضمتين وتشديد اللام - أي: كل فظ اللسان، شديد غليظ القلب، شديد الخصومة.
(جواظ) - بفتح الجيم وتشديد الواو - أي: جموع للمال، منوع عن صرفه في الخيرات، وقيل: معناه: كثير اللحم في جسمه؛ لسمنه، المختال؛ أي: كثير الكبر والخيلاء في قلبه، وقيل: القصير البطن.
(مستكبر) أي: متصف بالكبر؛ وهو بطر الحق وغمط الناس.
قوله: (عتل) - بضم العين والتاء مع تشديد اللام - وهو الفظ الشديد من كل شيء، وقال الفراء: الشديد الخصوم، وقيل: الجافي عن قبول الموعظة، وقال عبد الرزاق: العتل: الفاحش الآثم، وقال الخطابي: العتل: الغليظ العنيف.
وقال الداوودي: السمين العظيم العنق والبطن، وقال الهروي: العتل: الجموع المنوع، وقيل: القصير البطن، وجاء فيه حديث عند أحمد من طريق عبد الرحمن بن غنم - وهو مختلف في صحته - قال: (سئل رسول الله ﷺ : عن العتل الزنيم، قال: هو الشديد الخلق المصحح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس، الرحيب الجوف) كذا في "فتح الباري" (٨/ ٦٦٣).
قوله: هو الكثير اللحم المختال في مشيه، حكاه الخطابي، وقال ابن فارس: قيل: هو الأكول، وقيل: الفاجر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في تفسير سورة القلم،
стр. 11771
(٣٦) - ٤٠٦٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُرَّةَ،
===
باب قوله: (عتل بعد ذلك زنيم) وفي الأدب والإيمان والنذور وغير ذلك، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، والترمذي في كتاب صفة جهنم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاذ بن جبل.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث معاذ بن جبل بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٦) - ٤٠٦٠ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عمرو بن أبي سلمة) التنّيسي - بمثناة ونون مشددة بعدها تحتانية ثم مهملة - أبو حفص الدمشقي مولى بني هاشم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع). وثقه ابن يونس وابن حبان.
(عن صدقة بن عبد الله) السمين أبي معاوية الدمشقي، ضعيف، من
السابعة مات سنة ست وستين ومئة (١٦٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق). وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان عن دحيم: صدقة من شيوخنا، لا بأس به، وضعفه الجمهور.
(عن إبراهيم بن مرة) الشامي، صدوق، من الثامنة. يروي عنه: (س ق).
стр. 11772
عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَغْبَطَ النَّاسِ عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ
===
يروي عن: أيوب بن سليمان، ويروي عنه: صدقة السمين، والأوزاعي، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أيوب بن سليمان) الشامي، ضعيف، من الرابعة، روى عن أبي أمامة، ويروي عنه إبراهيم بن مرة، له عند ابن ماجه هذا الحديث.
قلت: قال أبو حاتم: وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (ق).
(عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي الشامي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمرو بن أبي سلمة وهو مختلف فيه، وكذلك فيه صدقة بن عبد الله، وهو مختلف فيه أيضًا، وفيه أيوب بن سليمان، وهو مجهول.
(عن رسول الله ﷺ قال) ﷺ : (إن أغبط الناس) أي: إن أكثر الناس غبطةً له وتمنيًا وأحسنهم حالًا (عندي) وعند المؤمنين.
وقوله: رجل (مؤمن) بالله ورسوله، و (أغبط) اسم تفضيل مبني للمفعول؛ لأن المغبوط به حاله؛ أي: إن أحسن الناس وأفضلهم غبطةً لحاله (عندي) أي: في ديني ومذهبي .. رجل (مؤمن) بالرفع خبر إن المشددة، وما بعده صفات له، وهو صفة لموصوف محذوف؛ كما قدرناه في حلنا؛ أي: إن أفضل الناس الذي ينبغي الاغتباط والتمني لحاله؛ لكون حاله من مكارم
الأخلاق وأحاسنها .. رجل مؤمن بالله وبرسوله (خفيف الحاذ) - بتخفيف الذال المعجمة - وهو صفة أولى لـ (مؤمن) أي: خفيف الحاذ الذي هو المال؛ أي: قليل ماله ليس بغني ولا متوسط، وخفيف الظهر من حمولة العيال؛ أي:
стр. 11773
ذُو حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ، غَامِضٌ فِي النَّاسِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ، كَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا وَصَبَرَ عَلَيْه، عَجِلَتْ مَنِيَّتُهُ،
===
قليل عياله ومن يمونه، فيمكن من السير في طريق الخالق بين الخلائق، ولا يمنعه شيء من العلائق والعوائق.
والمعنى: أحق أحبائي وأنصاري عندي بأن يغبط ويتمنى حاله .. رجل مؤمن موصوف بهذه الصفات المذكورة، كذا في "المرقاة" (٩/ ٤٣).
وقوله: (ذو حظ) صفة ثانية لـ (مؤمن) أي: صاحب حظ وفير، ونصيب كثير (من صلاة) النوافل؛ أي: كثير نوافل الصلاة ليلًا ونهارًا، مع الخشوع والتواضع والإخلاص.
والمعنى: أنه مع ذلك صاحب لذة وراحة من المناجاة مع الله والمراقبة واستغراق أوقاته في المشاهدة، ومنه: قوله ﷺ : "قرة عيني في الصلاة"، و"أرحنا بها يا بلال"، قاله القاري.
(غامض في الناس) صفة ثالثة؛ أي: مغموض مستور الذكر بين الناس، غير مشهور الصيت فيهم؛ أي: غير ممدوح بين الناس، ولا مذكور فيهم بالخصال الحميدة (لا يؤبه) أي: لا يقدر بين الناس، ولا احترام (له) ولا مقدار له بينهم (كان رزقه) وعيشه (كفافًا) - بفتح الكاف - أي: على قدر الحاجة لا يفضل عنها (وصبر) أي: والحال أنه قد صبر (عليه) أي: على ذلك الكفاف ولم يطلب الزيادة عليه ولم يطمع فيها (عجلت) أي: فَجِئَتْ (منيته) ولم يطلع عليها؛ أي: ما اطُّلِع على مرضه أيَّ مرضٍ، فإذا هو مات ودفن ليلًا ولم يطلع على مرضه وموته أحد، وهذا شأن موت من لم يتعارف بين الناس؛ فإنه وإن مرض كثيرًا .. قلّ من يعلم بمرضه. انتهى "س".
стр. 11774
وَقَلَّ تُرَاثُهُ، وَقَلَّتْ بَوَاكِيهِ".
===
أي: يسلم نفسه سريعًا لِقلَّةِ تعلُّقِه بالدنيا، وشدة شوقه إلى الآخرة، أو أراد: أنه كان قليل مؤن الممات؛ كما أنه كان قليل مؤن الحياة، أو: كان قد قبض سريعًا.
(وقَلَّ تراثُهُ) أي: قلَّ ما تركه مِيراثًا لورثتهِ (وقلتْ بَواكيه) أي: قلَّ مَنْ يَبْكِي عليه إذا مات من الناس.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أحمد في "المسند"، ورواه الترمذي في "جامعه" بلفظ أزيد من رواية ابن ماجه بسند آخر حسنه الترمذي؛ كما سنبينه، فيكون ذلك شاهدًا لحديث ابن ماجه.
قلت: فسند المؤلف ضعيف؛ لما قد مر آنفًا؛ ومتنه حسن بغيره، وهو حديث الترمذي المذكور قريبًا، وغرضه: الاستشهاد به ثانيًا لحديث معاذ بن جبل، فهذا الحديث: حسن المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما تقدم.
ولفظ "الترمذي" مع شرحه "تحفة الأحوذي": (باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه) قال في "النهاية": الكفاف: هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه.
(حدثنا سويد بن نصر) بن سويد المروزي أبو الفضل، لقبه الشاه، راوية ابن المبارك، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ت س).
(أخبرنا عبد الله بن المبارك) المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه جميع صفات الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(عن يحيى بن أيوب) الغافقي - بمعجمة ثم فاء وقاف - أبي العباس المصري، صدوق ربما أخطأ، من السابعة، مات سنة ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (ع). وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال الآجري: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عبيد الله بن زَحْر) - بفتح الزاي وسكون المهملة - الضمري مولاهم الأفريقي، صدوق يخطئ، من السادسة. يروي عنه: (عم). وقال أحمد بن صالح: عبيد الله بن زحر ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، ونقل الترمذي في "العلل" عن البخاري أنه وثقه.
(عن علي بن يزيد) بن أبي زياد الألهاني أبي عبد الملك الدمشقي، صاحب القاسم بن عبد الرحمن، ضعيف، من السادسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن القاسم) بن عبد الرحمن الشامي (أبي عبد الرحمن) الدمشقي مولى آل أبي سفيان بن حرب الأموي. روى عن: أبي أمامة الباهلي، ويروي عنه: (عم)، وعلي بن يزيد الألهاني، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: القاسم بن عبد الرحمن ثقة، والثقات تروي عنه، وقال العجلي: ثقة يكتب حديثه، وقال أبو إسحاق الحرشي: كان من ثقات المسلمين، وقال الحافظ: صدوق يغرب كثيرًا، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ).
(عن أبي أمامة عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن يزيد، وهو متفق على ضعفه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث،
стр. 11776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولكن هذا الحديث يرتقي؛ لكثرة طرقه من درجة الضعف إلى درجة الحسن، ولذلك حسنه الترمذي، والله أعلم.
ولفظ "الترمذي مع شرحه": (قال) رسول الله ﷺ : (إن أغبط أوليائي عندي) أفعل تفضيل بني للمفعول؛ لأن المغبوط به حاله؛ أي: إن أحسنهم حالًا وأفضلهم مالًا (عندي) أي: في اعتقادي (لمؤمن) بفتح اللام الزائدة للتوكيد، أو هي لام الابتداء، أو المبتدأ محذوف؛ أي: لهو مؤمن (خفيف الحاذ) - بتخفيف الذال المعجمة - أي: خفيف الحال الذي يكون قليل المال، وخفيف الظهر من العيال.
قال الجزري: في "النهاية": الحاذ والحال واحد معنىً، وأصل الحاذ: طريقة المتن؛ وهو ما يقع عليه اللبد من ظهر الفرس؛ أي: خفيف الظهر من العيال.
ومجمل المعنى: أي: أحق أحبائي وأنصاري عندي بأن يغبط ويتمنى حاله .. مؤمن موصوف بهذه الصفة (ذو حظ من الصلاة) أي: ومع هذا هو صاحب لذة وراحة من المناجاة مع الله والمراقبة، واستغراق في المشاهدة.
ومنه قوله ﷺ : "قرة عيني في الصلاة"، و"أرحنا بها يا بلال"، قاله القاري.
(أحسن عبادة ربه) هذا تعميم بعد تخصيص؛ والمراد: إجادتها بالإخلاص (وأطاعه في السر) كما أطاعه في العلانية، فهو من باب الاكتفاء والتخصيص؛ لما فيه من الاعتناء، قاله القاري.
وجعله الطيبي عطف تفسير على أحسن، وكذا المناوي.
(وكان غامضًا) أي: خاملًا خافيًا غير مشهور (في الناس) أي: فيما بينهم، (لا يشار إليه بالأصابع) بيان وتقرير لمعنى الغموض.
стр. 11777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(وكان رزقه كفافًا) أي: بقدر الكفاية لا أزيد ولا أنقص (فصبر على ذلك) أي: على الرزق الكفاف، أو على الخمول والغموض، أو على ما ذكر، دلالة على أن ملاك الأمر: الصبر، وبه تقوى على الطاعة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٢).
(ثم نقر) رسول الله ﷺ (بيديه) - بفتح النون والقاف وبالراء - ووقع في "المشكاة": (نقد) - بالدال المهملة بدل الراء - قال في "المجمع": ثم نقد بيده - بالدال - من نقدته بإصبعي واحدًا بعد واحد، وهو كالنقر - بالراء - ويروى به أيضًا؛ والمراد: ضرب الأنملة على الأنملة، أو على الأرض؛ كالمتقلل للشيء؛ أي: يقلل عمره، وعدد بواكيه، ومبلغ تراثه، وقيل: هو فعل المتعجب من الشيء، وقيل: للتنبيه على أن ما بعده مما يهتم به، (عُجِّلت) بصيغة المجهول؛ من التعجيل (ميتته) أي: موته، قال في "المجمع": أي: يسلم روحه سريعًا؛ لقلة تعلقه بالدنيا، وغلبة شوقه إلى الآخرة، أو أراد: أنه قليل مؤن الممات؛ كما كان قليل مؤن الحياة، أو كان قبض روحه سريعًا.
(قلت بواكيه) جمع باكية؛ أي: امرأة باكية تبكي على الميت.
(قل تراثه) أي: ميراثه وماله المؤخر عنه مما يورث؛ وتراث الرجل: ما يخلفه بعد موته من متاع الدنيا، وتاؤه بدل من الواو، وحديث أبي أمامة هذا أخرجه أحمد وابن ماجه.
وهذا الحديث وإن كان سنده ضعيفًا في "ابن ماجه" وفي "الترمذي" ..
стр. 11778
(٣٧) - ٤٠٦١ - (٤) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ،
===
فله شواهد من حديث عبد الله بن عمرو وحديث فضالة بن عبيد، أخرجهما الترمذي مختصرًا في "جامعه"، وقال: إنهما حديث حسن صحيح، وأخرجهما ابنُ حبان في "صحيحه" والحاكمُ.
قال المناوي في "شرح الجامع الصغير": قال الحاكم: على شرط مسلم، وأقروه.
ودرجة هذا الحديث في "ابن ماجه" وفي "الترمذي": حسن بغيره؛ كما صرح به الترمذي من الشواهد المذكورة، أو: صحيح بغيره؛ كما صرحوا به في حديث عبد الله بن عمرو وفضالة بن عبيد، وغرض ابن ماجه في سوقه: الاستشهاد به لحديث معاذ بن جبل كما ذكرناه، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلفُ ثالثًا لحديث معاذ بن جبل بحديث أبي أمامة الحارثي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٧) - ٤٠٦١ - (٤) (حدثنا كثير بن عبيد) بن نمير المذحجي أبو الحسن (الحمصي) الحذاء المقرئ، ثقة، من العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أيوب بن سويد) الرملي أبو مسعود الحميري السيباني - بفتح السين المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة - نسبة إلى سيبان؛ بطن من حمير، صدوق يخطئ كثيرًا فضعفوه، من التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ)، وقيل: سنة اثنتين ومئتين. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبي زيد المدني. روى عن: عبد الله بن
стр. 11779
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ"،
===
أبي أمامة البلوي، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم). قال أبو يعلى الموصلي: ثقة صالح، وقال عثمان الدارمي: ليس به بأس، وقال الدوري وغيره: ثقة، زاد غيره: حجة، وقال العجلي: ثقة.
(عن عبد الله بن أبي أمامة) الأنصاري (الحارِثيِّ) حليفهم البلوي المدني، يقال: كنيته أبو رملة، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (د ق)، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبيه) أبي أمامة حليف بني حارثة، اسمه إياس، وقيل: عبد الله بن ثعلبة بن عبد الله، أو ثعلبة بن سهيل البلوي الأنصاري الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أيوب بن سويد، وهو متفق على ضعفه.
(قال) أبو أمامة: (قال رسول الله ﷺ : البذاذة) - بفتح الموحدة وذالين مخففتين بينهما ألف لينة - وهي التَّقَحُّل - بالقاف والحاء المهملة - وهو رثاثةُ الهيئة، وتركُ الترفهِ وإدامةِ التزين والتنعم في البدن والملبس؛ إيثارًا للخمول بين الناس، وقال في "النهاية": البذاذة: رثاثة الهيئة؛ أراد: التواضع في اللباس، وترك الافتخار به.
(من الإيمان) أي: من أخلاق أهل الإيمان إن قصد به تواضعًا وزهدًا وكفًّا للنفس من الفخر والتكبر، لا إن قصد إظهار الفقر وصيانة المال، وإلا .. فليس من الإيمان، بل عرض النعمة للكفران، وإعراض عن شكر المنعم المنان،
стр. 11780
قَالَ: الْبَذَاذَةُ الْقَشَافَةُ؛ يَعْنِي: التَّقَشُّفَ.
===
فالحُسْنُ والقبحُ في أشباه هذا .. بحسب قصد القائم بها "إنما الأعمال بالنيات" كذا في "الفيض" (٢/ ٢١٧).
(قال) رسول الله ﷺ : (البذاذة: القشافة؛ يعني) النبي ﷺ بالقشافة: (التقشف) أي: رثاثة الهيئة في الملبس.
قال الخطابي: البذاذة: سوء الهيئة والتجوز في الثياب ونحوها، يقال: رجلٌ بَاذ الهيئةِ؛ إذا كان رث الهيئة واللباس.
وفي رواية أبي داوود: يعني (التقحل) - بقاف وحاء مهملة - هو تكلف اليبس والبِلَى؛ والمتقحِّلُ: الرجل اليابسُ الجَلدُ السيئ الحال. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الترجل، باب (١) رقم (٤١٦١)، والحاكم في "المستدرك"، في كتاب الإيمان، وأحمد في "الزهد"، والطحاوي في "مشكل الآثار"، باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله ﷺ من قوله: "البذاذة من الإيمان"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والحميري في "مسنده"، والبخاري في "التاريخ الكبير"، فلمَّا رُوِيَ هذا الحديثُ من طرق مختلفة بأسانيد كثيرة .. ارتقى لكثرة طرقه إلى درجة الحسن.
فنقول درجة هذا الحديث: أنه حسن بغيره؛ لأن له شواهد كثيرة، فَبِكَثْرةِ طُرقه ارْتَقى إلى درجة الحسن، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث معاذ بن جبل، والله أعلم.
* * *
стр. 11781
(٣٨) - ٤٠٦٢ - (٥) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ،
===
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث معاذ بن جبل بحديث أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٨) - ٤٠٦٢ - (٥) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني، أبو محمد الأنباري، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن، فأفحش القول فيه ابن معين حيث قال: إنه كذاب، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق)، قال أحمد: إنه صالح أو ثقة، وقال البغوي: إنه من الحفاظ، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، وقال أبو داوود عن أحمد: أرجو أن يكون صدوقًا. انتهى من "التهذيب" فهو مختلف فيه.
(حدثنا يحيى بن سليم) - مصغرًا - القرشي الطائفي، سمي طائفيًّا؛ لاختلافه إلى الطائف، نزيل مكة. روى عن ابن خثيم، صدوق سيئ الحفظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة خمس وتسعين ومئة، وهو مكي كان يختلف إلى الطائف فنسب إليه، وقال العجلي: ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: رجلٌ سُنِّيٌّ صالحٌ صاحبُ كتاب.
(عن) عبد الله بن عثمان (بن خثيم) - مصغرًا - القاري المكي أبي عثمان، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ).
стр. 11782
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ "، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا .. ذُكِرَ اللهُ ".
===
يروي عنه (م عم). قال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقَوَّى أَمْرَهُ؛ وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثقة ثبت، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه، فهو مختلف فيه.
(عن أسماء بنت يزيد) بن السكن الأنصارية، تُكنى أم سلمة، ويقال لها: أمُّ عامر، صحابية لها أحاديث رضي الله تعالى عنها. يروي عنها: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سويد بن سعيد وشهر بن حوشب، وهما مختلف فيهما.
(أنها سمعت رسول الله ﷺ حالة كونه (يقول: ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم: إني (أنبئكم) أي: أخبركم (بخياركم؟ ) أي: عن خياركم وأفاضلكم عند الله ، جمعُ خَيْرٍ؛ بمعنى خَيْرٍ (قالوا) أي: قال الحاضرون عند رسول الله ﷺ : (بلى) أَخْبِرنَا (يا رسول الله) عن أفاضلنا عند الله ، فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (خياركم) وأفاضلكم عند الله تعالى: هم (الَّذين إذا رُؤُوا) بالبناء للمجهول، وكذا قوله: (ذُكِرَ اللهُ أي: إذا رُؤوا وشُوهدوا للناس؛ أي: إذا رَآهم الناسُ .. ذُكِرَ اللهُ؛ أي: وصف الله بكل ما يليق به من صفات الجلال والجمال؛ أي: ذَكَرَ اللهَ تعالى كُلُّ من رآهم، فكان ذكرُهم الطبيعيُّ سببًا للذكر اللساني من الناس، فكانت قلُوبُهم لقلوب الناس كالحِرْبَاءِ يتلوَّنُ بلون مَنْ رآه.
стр. 11783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: والمعنى: أنهم من غلبة الخشية والخوف من الله تعالى، ومن كثرة ذكرهم لله .. كانوا بحيث إن الناس يذكرون الله عند حضورهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه مسدد في "مسنده"، ورواه عبد بن حميد في "مسنده"، وعبد الرزاق في "مصنفه"، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده" من طريق شهر بن حوشب، وأحمد في "مسنده".
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث معاذ بن جبل.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11784
(٨) - (١٤٨١) - بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ
(٣٩) - ٤٠٦٣ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
===
(٨) - (١٤٨١) - (باب فضل الفقراء)
(٣٩) - ٤٠٦٣ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي؛ نسبة إلى جرجرايا، اسم بلدة بين بغداد وواسط، أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثني أبي) أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج الأفرز التمار المدني القاص مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) أبي العباس، له ولأبيه صحبة، ﵄، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) سهل بن سعد: (مر على رسول الله ﷺ رجل) من المسلمين، ولم أر من ذكر اسمه، قال الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٧٧): لم أقف على اسمه (فقال النبي ﷺ لمن عنده من الحاضرين:
стр. 11785
"مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ "، قَالُوا: رَأْيَكَ فِي هَذَا نَقُولُ: هَذَا مِنْ أَشْرَافِ النَّاس، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُخَطَّبَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْمَعَ لِقَوْلِه،
===
(ما تقولون) أي: ما تظنون وتعتقدون (في هذا الرجل) المار علينا، أي: أتحسبون أنه فاضل أو غير فاضل؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده ﷺ ؛ مراعاة لأدبه ﷺ : (رأيك في هذا) مقول مقدم لنقول؛ أي: نقول في هذا الرجل المار علينا ونعتقد فيه رأيك واعتقادك فيه يا رسول الله؛ أي: نظن فيه ما تظن أنت فيه من الشرف أو ضده؛ أي: نقول فيه ما يوافق رأيك فيه.
(نقول هذا) الرجل المار علينا (من أشراف الناس) وأفاضلهم عند الله تعالى وعند الناس؛ لأنه مؤمن صادق في إيمانه في الباطن، وحيي ذو مروءة في الظاهر (هذا) الرجل (حري) - بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد الياء التحتانية في آخره - نظير جدير وحقيق، وزنًا ومعنىً؛ أي: (إن خطب) هذا الرجل وطلب نكاح امرأة له .. فحق؛ أي: فمستحق (أن يخطب) - بالبناء للمفعول وتشديد الطاء المهملة - أي: حقيق أن تستجاب له خطبته وتنكح له تلك المرأة؛ لأنه شريف الباطن والظاهر؛ أي: كامل الظاهر بمروءته، والباطن بإيمانه الصادق (وإن شفع) أي: طلب الخير لغيره من نحو الإمام .. حري (أن يشفع) - بالبناء للمفعول وتشديد الفاء - أي: حقيق أن تقبل شفاعته غير مردودة.
والشفاعة لغةً: طلب الشيء مطلقًا، واصطلاحًا: طلب الخير من الغير للغير.
(وإن قال) قولًا من الوعظ والنصيحة، سواء كان من أمور الدين أو الدنيا .. حقيق (أن يسمع) قوله وأن يصغى (لقوله) أي: إلى قوله ويسمع.
ولفظ "البخاري مع القسطلاني": (عن سهل بن سعد) بسكون الهاء والعين
стр. 11786
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ "، قَالُوا: نَقُولُ:
===
(الساعدي) رضي الله تعالى عنه (أنه) أي: أن سهلًا (قال: مر رجل) لم يسم (على رسول الله ﷺ فقال) ﷺ (لرجل عنده جالس) هو أبو ذر الغفاري، كما رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريقه، وفي باب الأكفاء في الدين من كتاب النكاح من "البخاري": (ما تقولون في هذا) الرجل؟ وهو خطاب لجماعة من الحاضرين.
فيجمع بين الروايتين: بأن الخطاب وقع لجماعة من الحاضرين، منهم: أبو ذر، ووجه الخطاب إليه هنا بقوله: (ما رأيك في هذا) الرجل المار؟ (فقال) الرجل المسؤول؛ وهو أبو ذر: (هذا) المار (رجل من أشراف الناس، هذا والله؛ حري) - بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية - جدير أو حقيق، وزنًا ومعنىً (إن خطب) امرأة (أن ينكح) - بضم أوله وفتح الكاف - أي: تجاب خطبته (وإن شفع) في أحد .. (أن يشفع) - بضم أوله وتشديد الفاء المفتوحة - تقبل شفاعته.
قال سهل: (فسكت النبي ﷺ ، ومر رجل آخر) قيل: هو جعبل بن سراقة؛ كما في "مسند الفريابي" (فقال النبي ﷺ : ما تقولون في هذا؟ ) الرجل الثاني الذي مر علينا ثانيًا؛ أَيْ: أَيَّ رأي تقولون فيه، أمن الأشراف أم لا؟
وفي لفظ "البخاري مع شرحه": (فقال) رسول الله ﷺ : (له) أي: للرجل المسؤول أولًا؛ وهو أبو ذر: (ما رأيك في هذا) الرجل المار ثانيًا؟
(قالوا) أي: قال الحاضرون لرسول الله ﷺ : (نقول)
стр. 11787
وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ لَمْ يُنْكَحْ، وَإِنْ شَفَعَ لَا يُشَفَّعْ، وَإِنْ قَالَ لَا يُسْمَعْ لِقَوْلِه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَهَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا".
===
ونحسب (والله يا رسول الله: هذا) الرجل الثاني (من فقراء المسلمين، هذا) الرجل الثاني (حري) أي حقيق (إن خطب) امرأة؛ أي: طلب نكاحها. . (لم ينكح، وإن شفع) أحدًا. . (لا يشفع) - بالبناء للمفعول مع تشديد الفاء - أي: لا تقبل شفاعته (وإن قال) قولًا من الوعظ والنصيحة. . (لا يسمع لقوله) أي: لم يسمع قوله؛ لفقره، واللام زائدة في نائب الفاعل.
(فقال النبي ﷺ : لهذا) الأخير الفقير (خير من ملء) أي: مما يملأ (الأرض) من (مثل هذا) ك الأول الذي قلتَ فيه: حري إن خطب .. أن يخطب، وإن شفع .. أن يشفع. . . إلى آخره؛ أي: من مثل ذلك الرجل الغني الذي ذكر أولًا.
زاد أحمد وابن حبان: (عند الله يوم القيامة).
وقوله: "مِلءِ الأرض" بكسر الميم وسكون اللام بعدها همزة.
و(مثل) بكسر الميم وسكون المثلثة.
وثبت (من) في قوله: (من مثل هذا) في رواية أبي ذر عن الكشمهيني، وسقط في غيرها؛ بالنصب على التمييز.
وقيل: هذا الأخير الفقير اسمه جُعيد بن سراقة؛ كما في "مسند الروياني"، و"فتوح مصر" لابن عبد الحكم وغيرهما، وإطلاقه تفضيل الفقير المذكور أخيرًا على الغني المذكور أولًا .. لا يلزم منه تفضيل كل فقير على كل غني؛ كما لا يخفى. انتهى "قسطلاني".
стр. 11788
(٤٠) - ٤٠٦٤ - (٢) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْجُبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في "صحيحه" في كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، وفي كتاب الرقاق، باب فضل الفقر، والطبراني في "المعجم الكبير".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٠) - ٤٠٦٤ - (٢) (حدثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري) - بالجيم والموحدة مصغرًا - أبو حفص البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا حماد بن عيسى) بن عبيدة بن الطفيل الجهني الواسطي، نزيل البصرة، ضعيف، من التاسعة، غرق في الجحفة سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ت ق)، اتفقوا على ضعفه.
(حدثنا موسى بن عبيدة) - بضم أوله مصغرًا - ابن نَشِيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الرَّبَذي - بفتح الراء والموحدة ثم معجمة - أبو عبد العزيز المدني، ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
стр. 11789
أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ".
===
(أخبرني القاسم بن مهران) القيسي مولى بني قيس بن ثعلبة، خال هشيم، صدوق، من السادسة. يروي عنه: (م س ق).
(عن عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف الخزاعي أبي نُجَيد - بنون وجيم مصغرًا - أسلم عام خيبر وصحب رضي الله تعالى عنهما، وكان فاضلًا وقضى بالكوفة، مات سنة اثنتين وخمسين (٥٢ هـ) بالبصرة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبيد الله بن يوسف وحماد بن عيسى، وهما ضعيفان، ولم يثبت أيضًا سماع القاسم بن مهران من عمران، وقد تفرد به المؤلف، فهذا السند ضعيف جدًّا.
(قال: قال رسول الله ﷺ قال السندي: قوله: (إن الله) (يحب عبده المؤمن الفقير المتعفف) عن الحرام والشبهات (أبا العيال) الكثيرة.
قال السيوطي: قال الرافعي في "تاريخ قزوين": اعتبر رسول الله ﷺ بعد الإيمان ثلاث صفات: الفقر، والتعفف، وأبوة العيال.
أما أبوة العيال والاهتمام بشأنهم .. ففضله ظاهر، وفي الحديث: "الكاسب على عياله .. كالمجاهد في سبيل الله".
وأما الجمع بين الفقر والتعفف .. فلأن الفقر قد يكون عن ضرورةٍ وحاجةٍ غير صابر عليه، ولا راض به، وقد يكون لعجز وكسل في طلب الكفاية من جهات المكسب، فإذا انضم إليه التعفف .. أشعر ذلك بالصبر والقناعة والتحرز عن الشبهات وركوب الهوى.
стр. 11790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف جدًّا (٨)(٤١٨)؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
لم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال به على الترجمة، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 11791
(٩) - (١٤٨٢) - بَابُ مَنْزِلَةِ الْفُقَرَاءِ
(٤١) - ٤٠٦٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ
===
(٩) - (١٤٨٢) - (باب منزلة الفقراء)
(٤١) - ٤٠٦٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة صاحب تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : يدخل فقراء المؤمنين) بالرفع على الفاعلية (الجنة) مفعول به منصوب بنزع الخافض (قبل الأغنياء) متعلق بيدخل؛ أي: يدخلون قبلهم الجنة، يتمَتَّعُونَ فيها قبل دخول
стр. 11792
بِنِصْفِ يَوْمٍ خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ".
===
الأغنياء (بـ) قدر (نصف يوم) من أيام الآخرة؛ لأن يومًا من أيام الآخرة بقدر ألف سنة من أيام الدنيا.
وقوله: (خمس مئة عام) بالجر؛ بدل من نصف يوم؛ لأن أيام الآخرة يوم منها بقدر ألف عام من أيام الدنيا، ونصف يوم من أيام الآخرة بقدر خمس مئة عام من أيام الدنيا.
ولفظ الترمذي: من رواية أبي سعيد الخدري: (فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمس مئة عام) فالفقراء في تلك المدة لهم حسن العيش في العقبى؛ مجازاة لما فاتهم من التنعم في الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ (١)؛ أي: الماضية أو الخالية عن المأكل والمشرب صيامًا، أو وقت المجاعة. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأشربة، باب في القصص، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 11793
(٤٢) - ٤٠٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَار، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
(٤٢) - ٤٠٦٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا بكر بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي، ويقال له: بكر بن عبيد، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى أو اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه (د س ق).
(حدثنا عيسى بن المختار) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، ثقة، من التاسعة. يروي عنه: (د س ق).
(عن محمد) بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري أبي عبد الرحمن الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، صدوق سيئ الحفظ جدًّا، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عطية) بن سعد بن جنادة (العوفي) أبي الحسن الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًّا مدلسًا، من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة ومئة (١١١ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه (عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعطية العوفي، وهما ضعيفان.
стр. 11794
قَالَ: "إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِمِقْدَارِ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ".
(٤٣) - ٤٠٦٧ - (٣) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو غَسَّانَ بُهْلُولٌ،
===
(قال) رسول الله ﷺ : (إن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بمقدار خمس مئة سنة) وهو بمقدار نصف يوم من أيام الآخرة؛ فإن اليوم الأخروي مقدار طوله ألف سنة من سني الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١)، فنصفه بأيام الدنيا خمس مئة عام.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده ضعيفًا؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بما قبله.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٣) - ٤٠٦٧ - (٣) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(أنبأنا أبو غسان بُهْلولُ) بن مُورِّقٍ - بضم أوله وفتح الواو وكسر الراء المشددة - البصري، أصله شامي، صدوق، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
стр. 11795
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ أَغْنِيَاءَهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْفُقَرَاءِ؛ أَلَا أُبَشِّرُكُمْ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ"، ثُمَّ تَلَا مُوسَى هَذِهِ الْآيَةَ
===
(حدثنا موسى بن عبيدة) - بضم أوله - ابن نشيط - بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة - الربذي - بفتحتين ثم ذال معجمة - أبو عبد العزيز المدني، ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم؛ مولى ابن عمر بن الخطاب، أبي عبد الرحمن المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه بهلول بن مورق وموسى بن عبيدة الربذي، وهما ضعيفان.
(قال) ابن عمر: (اشتكى فقراء المهاجرين) من الشكوى (إلى رسول الله ﷺ ما فضل الله به عليهم أغنياءهم) من الأموال التي يتصدقون بها (فقال) لهم رسول الله ﷺ : (يا معشر الفقراء؛ ألا) أي: انتبهوا واستمعوا إلى ما أقول لكم (أبشركم) أيها الفقراء بـ (أن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم) من أيام الآخرة (خمس مئة عام) بالجر؛ بدل من نصف يوم، أو عطف بيان له (ثم تلا موسى) بن عبيدة؛ استدلالًا على قول الرسول ﷺ (هذه الآية) يعني: قوله
стр. 11796
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
===
تعالى: (﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾) من أيام الآخرة (﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾) (١) في الدنيا.
قوله: (اشتكى فقراء المهاجرين) الذين هاجروا من أرض الكفر إلى غيرها فرارًا بدينهم (يدخلون الجنة قبل أغنيائهم ... ) إلى آخره؛ أي: ويدخل فقراء كل قرن قبل أغنيائهم بالقدر المذكور؛ ذكره القرطبي.
ثم الأغنياء إن أحسنوا بفضول أموالهم .. كانوا بعد الدخول أرفع درجة من كثير من الفقراء؛ كما تقرر؛ والمراد في هذا وما قبله: من لا فضل له عما وجب عليه من نفقته ونفقة ممونه على الوجه اللائق وإن لم يكن من أهل الزكاة ولا الفيء، ذكره ابن تيمية وغيره، كذا في "الفيض" (١/ ٤٦١).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو نعيم في "الحلية".
ودرجته: أنه صحيح بما قبله من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري، فحكم سنده: أنه ضعيف؛ لما تقدم آنفًا، ودرجة حديثه: أنه صحيح بما قبله، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث: الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11797
(١٠) - (١٤٨٣) - بَابُ مُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ
(٤٤) - ٤٠٦٨ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَبُو يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ
===
(١٠) - (١٤٨٣) - (باب مجالسة الفقراء)
(٤٤) - ٤٠٦٨ - (١) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين (الكندي) أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) الأحول (التيمي أبو يحيى) الكوفي، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق). قال في "التهذيب": اتفقوا على ضعفه.
(حدثنا إبراهيم) بن الفضل (أبو إسحاق المخزومي) المدني، ويقال: ابن إسحاق، متروك، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن) أبي سعيد (المقبري) كيسان المدني الليثي مولاهم؛ مولى أم شريك، ثقة ثبت، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه إسماعيل بن إبراهيم التيمي، وإبراهيم بن الفضل المخزومي، وهما ضعيفان متروكان.
(قال) أبو هريرة: (كان جعفر بن أبي طالب) ابن عم رسول الله ﷺ (يحب المساكين) فيطعمهم ويسقيهم (ويجلس إليهم) أي: معهم
стр. 11798
وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْنِيهِ (أَبَا الْمَسَاكِينِ).
(٤٥) - ٤٠٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ،
===
فلا يأنف منهم (ويحدثهم) أي: يحدث هو معهم (و) هم (يحدثونه) أي: يحدثون معه (و) لكثرة حبه إياهم (كان رسول الله ﷺ يكنيه أبا المساكين) أي: يسميه بكنية أبي المساكين؛ كأنه لكثرة حبه إياهم كان كالأب الوالد لهم؛ أي: يحبهم محبةً زائدةً على محبة غيره إياهم؛ أي: يسميه محبهم وملازمهم.
وفي الحديث دلالة على أن حب الكبراء وأرباب الشرف المساكين وتواضعهم لهم يزيد في فضلهم، ويعد ذلك من مناقبهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه ودرجته: أنه ضعيف جدًّا (٩)(٤١٩)؛ لضعف سنده ولعدم المشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٥) - ٤٠٦٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وعبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
стр. 11799
عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الْمُبَارَك، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَحِبُّوا الْمَسَاكِينَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ؛ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ".
===
(عن يزيد بن سنان) بن يزيد التميمي الجزري أبي فروة الرُّهاويِّ - بضم الراء المهملة - ضعيف، من كبار السابعة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي المبارك) ضعيف لا يعرف اسمه، وهو مجهول، من السادسة، وروايته عن صهيب مرسلةٌ. يروي عنه: (ت ق).
(عن عطاء) بن أبي رباح، اسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه يزيد بن سنان وأبا المبارك، وهما مجهولان متروكان.
(قال) أبو سعيد: (أَحِبُّوا) أيها المسلمون (المساكين) وأكرموهم وأظهروا البشاشة لهم (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول في دعائه) لربه: (اللهم؛ أحيني مسكينًا) أي: اجعلني مدة حياتي مسكينًا (وأمتني مسكينًا واحشرني) أي: واجعلني يوم القيامة محشورًا (في زمرة) وجماعة (المساكين) أي: معهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهذا الحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٠)(٤٢٠)؛ لضعف سنده.
стр. 11800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "اللهم؛ أحيني مسكينًا ... " إلى آخره، قال القاضي تاج الدين السبكي الصغير: سمعت الإمام الوالد يقول: لم يكن رسول الله ﷺ فقيرًا من المال قط، ولا كان حالُه حالَ فقيرٍ، كان أغنى الناس بالله، قد كفى الله له دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله: "اللهم؛ أحيني مسكينًا": إن المراد به: استكانة القلب لا المسكنة التي هي نوع من الفقر، وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك.
وقال البيهقي في "سننه": الذي يدل عليه حاله ﷺ عند وفاته أنه لم يسأل المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة؛ فقد مات مكفيًّا بما أفاء الله عليه، وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الإخبات والتواضع، وكأنه ﷺ سأل الله تعالى ألا يجعله من الجبارين والمتكبرين وألا يحشره في زمرة الأغنياء المترفهين.
قال القتيبي: المسكنة: حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن؛ أي: تخشع وتواضع لله.
وقال الحافظ ابن حجر: أسرف ابن الجوزي بذكر هذا الحديث في "الموضوعات" وكأنه أقدم عليه؛ لما رآه مباينًا للحال التي مات عليها النبي ﷺ ؛ لأنه كان مكفيًّا، ثم نقل في ترجمة الحديث عن البيهقي ما تقدم.
قلت: الذي يتتبع أحاديث معيشته ﷺ في "البخاري" و"الشمائل" و"جامع الترمذي" و"سنن ابن ماجه" وغيرها؛ كحديث عمر في دخوله ﵁ على النبي ﷺ في المشربة حين اشتهر أنه طلق الأزواج .. لا يستبعد حمل الحديث على ظاهره، كيف وقد حمله الراوي